وقد صرح بجوازه الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص" نقلًا عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: يجوز للرجل أن يكفر عن ولده الصغير في الموضع الذي يلزمه ويصرفها إليه عند حاجته ليأكل كفارة نفسه كما كفر ﷺ عن الأعرابي ودفع إليه كفارته ليأكل هو وأهله.
هذا لفظ الشيخ أبي علي، ومن "شرح التخليص" نقلته، وكذا نقله القاضي حسين في "تعليقه" عن أصحابنا.
قوله: قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يجب لأسباب مباشرة من العبد كزكاة الفطر؛ فإذا عجز وقت الدخول لم تثبت في ذمته.
والثاني: ما يجب بأسباب مباشرة على جهة البدل كجزاء الصيد؛ فإذا عجز وقت وجوبه يثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة.
والثالث: ما يجب بذلك لكن لا على جهة البدل ككفارة الجماع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان:
أظهرهما: تثبت في الذمة عند العجز. انتهى.
واعلم أن ما وجب في الحج لا عن إتلاف بل عن استمتاع لكفارة اللباس والطيب ونحوهما حكمها حكم ما وجب على جهة البدل على الصحيح؛ كذا ذكر في "شرح المهذب" فاعلمه فإن فيه وقفة، وكلامه هنا يوهم خلافه.
قوله: إن الجمهور حكوا الخلاف في استقرار كفارة الجماع قولين، وإنما أطلق صاحب "الكتاب" فيها وجهين تقليدًا للإمام. انتهى.
стр. 1612
وهو يوهم انفراد الإمام بحكاية الوجهين، وليس كذلك، فقد جزم بحكاية الوجهين في المسألة جماعة آخرون قدماء أجلاء منهم أبو علي الطبري في "الإفصاح" والقاضي الحسين في "تعليقه".
قوله: والفدية مد من طعام لكل يوم من أيام رمضان يصرف إلى الفقراء، وكل مد منهما بمثابة كفارة تامة؛ فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها إلى مسكين.
ثم قال: ويجب بثلاث طرق منها: التأخير .. إلى آخره.
لم يصرح هو ولا النووي بأنه هل يجوز أن يعطي الفقير أقل من مد، وقد صرح به القاضي الحسين في "تعليقه" هنا وجزم بالمنع فقال: إذا لزمه مد التأخير ليس له أن يدفعه إلى مسكين. هذا لفظه.
وذكر في "الروضة" من "زوائده" في باب الدماء في الكلام على التصدق بالإطعام بدلًا عن الذبح فرعًا يتعلق بما نحن فيه فقال: قال صاحب "البحر": أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة.
ثم قال: فإن فرق الطعام فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل يجوز الزيادة على مد والنقص منه. والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر.
هذا كلامه، فيحتاج إلى الفرق بين منع إعطاء الكفارة الواحدة هنا -وهى المد- إلى جمع، وبين الجواز في غيرها، فإن قيل: لأن المد في غاية القلة وهو كفاية الشخص غالبًا فلم يوزع؟
قلنا: ينتقض بما نقلناه الآن عن "الروضة" في باب الدماء، بل المنع هناك أولى؛ لأنه لا ضرورة فيه لحصول الإعطاء إلى ثلاثة أشخاص مد، بخلاف
стр. 1613
فدية الصوم.
قوله: إحداهما: إذا فاته صوم وتمكن من فعله ومات قبل القضاء فالجديد: أنه يطعم من يزكيه لكل يوم مد، روي ذلك عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
والقديم: أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، لقوله ﵊: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (١).
فعلى القديم لو أمر الولي أجنبيًا فصام عنه بأجرة أو بغيرها جاز كالحج، ولو استقل به الأجنبي جاز على الأصح. انتهى.
وظاهر كلامه يشعر بأن المراد بالاستقلال أن يكون بغير إذن الولي لكن شرطه أن لا يكون الذي يصوم عنه قد أذن له؛ فسيأتي في كتاب الوصايا أن الذي وجب عليه الصوم إذا أوصى لأجنبي أن يصوم عنه صح صومه وإن لم يأذن له الولي، وهو واضح.
واعلم أمرين:
أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صرح بأنه يأثم، وتبعه عليه في "المنهاج" ولم يصرح به الرافعي.
ولا يؤخذ ذلك من وجوب التدارك؛ ألا ترى أن الحج المتروك عمدًا لا يقضي فيه الميت على رأي جماعة ومع ذلك يفعل عنه.
الأمر الثاني: أن النووي قد صرح في "شرح مسلم" بأن الأصح أن الولي يصوم عن الميت، وذكر في "الروضة" وكثير من كتبه نحوه.
والحديث الأول قال الترمذي: الصحيح وقفه على ابن عمر؛ ولهذا قال
стр. 1614
في "الروضة": إنه ضعيف، والثاني ثابت في الصحيحين.
قوله: والمعتبر على قولنا: أن الولي يصوم هل هو الولاية على ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو تشترط العصوبة أو الإرث؟ توقف الإمام فيه وقال: لا نقل عندي في ذلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث. انتهى.
زاد النووي على ذلك فقال: المختار أن المراد مطلق القرابة.
قال: وفي "صحيح مسلم" (١) أن النبي ﷺ ذكر لامرأة أن تصوم عن أمها. وهذا يبطل احتمال العصوبة انتهى.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل، المسألة قد صرح بها جماعات كثيرة منهم: القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والماوردي في "الحاوي"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر".
فأما القاضي فجزم باعتبار القريب كما رجحه النووي فقال: فإذا قلنا: يجب أن يصام عنه، فمن شاء من أقاربه صام عنه. هذا لفظه، وقال ابن الصلاح: إنه الأقرب، وصاحب "الذخائر": إنه الأظهر.
وجزم الماوردي باعتبار الإرث، كما رجحه الرافعي فقال في أواخر كتاب الوصايا: وكان الشافعي في القديم يجوز النيابة في صوم الفرض إذا ناب عنه وارثه، وفي نيابة الأجنبي عنه وجهان. هذا لفظه.
وذكر البغوي نحوه أيضًا فقال: هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان. هذا لفظه.
стр. 1615
ونقله الروياني في "البحر" عن بعض أصحابنا واقتصر عليه، وقال: لا فرق بين المستغرق وبين وارث شيء، وصححه ابن أبي الصيف في "نكته".
وذكر النووي في "شرح مسلم" ما يوهم أن هذه الاحتمالات وجوه فقال: المراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: العصبة، والصحيح الأول. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. هذا لفظه.
قوله: ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه، ولا تسقط عنه الفدية.
ونقل البويطي أن الشافعي - رضى الله عنه - قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه. وفي رواية: يطعم عنه.
قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التخريج المذكور يحتمل أن يكون راجعًا إلى الأمرين المتقدمين وهما فعل الاعتكاف وإخراج الطعام بدلًا عنه وأن يرجع إلى الأخير وهو الإطعام.
وقد بين الرافعي في كتاب الوصايا المراد وجعله راجعًا إليهما، وذكر ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: ولك أن تعلم قوله وأما الصلاة عنه قضاء لما فاته فلا تنفعه.
قالوا: وليخرج من الصوم أشير إليه، وقد ذكرناه الصوم. هذا كلامه فظهر بما قاله، وقد راجحت "التهذيب" فوجدته قد عبر بلفظ: (هذا) أي: اسم الإشارة للقرب كما عبر الرافعي؛ فيكون التخريج في الإطعام خاصة
стр. 1616
كما فهم النووي.
واعلم أن صاحب "التهذيب" قد ذكر في آخر كتاب أن الأصحاب اختلفوا في جواز الصلاة عن الميت وفي حج التطوع إذا أوصى. انتهى.
فإذا جازت الصلاة بالوصية فالقياس جوازها للولي على وفق التخريج السابق فقد ادعى النووي في "شرح المهذب" و"شرح مسلم" الإجماع على أنه لا يصلي عنه.
الأمر الثاني: أن الخلاف في التكفير عن الصلاة خلاف قديم فقد رأيته مذكورًا في "فتاوى" القفال فقال: مسألة: إذا مات وعليه صلاة قال بعض أصحابنا: يتصدق عن كل صلاة مد. هذه عبارته.
وحكاية الرافعي ذلك احتمالًا عن البغوي عجيب؛ فإنه كثير النقل عن الفتاوي المذكورة، وهو من البغوي أعجب؛ فإن القفال شيخ شيخه.
قوله: الحال الثاني: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء بأن لا يزال مريضًا أو مسافرًا من أول شوال حتى يموت: فلا شئ في تركته ولا على ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في آخر المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز" أنه لا فرق في القولين في أنه هل يصام عنه أو يفدي، وبين أن يكون قد ترك الأداء بعذر أو بغير عذر، ونقله في "الروضة" إلى أول الفصل.
وإذا علمت ذلك فما ذكره هاهنا من كونه لا شيء في تركته إنما محله
стр. 1617
إذا فات بعذر. وتمثيل الرافعي بالمريض والمسافر يدل عليه.
فإن فات بغير عذر فيأثم ويتدارك عنه بالفدية، كذا صرح به الرافعي في كتاب النذر في الكلام على نذر صوم الدهر وجعله أصلًا وقاس عليه حكمًا آخر.
الأمر الثاني: أن تقييده ذلك بأول شوال لم أره إلا في هذا الكتاب، وتبعه عليه في "الروضة"، حتى إن "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبهما لا ذكر له فيها، وهو الصواب، بل يكفي حصول ذلك قبل الفجر من اليوم الثاني من شوال؛ فإن ما قبل ذلك لا يصح فيه الصوم، بل لو طرأ الحيض أو النفاس أو المرض قبل غروب الشمس من اليوم الثاني لم يحصل التمكن أيضًا.
ولو لزمه يوم فسافر مثلًا بعد الفجر من اليوم الثاني واستمر السفر إلى رمضان ففي وجوب الفدية احتمالان حكاهما الروياني عن والده، وقال: الأصح عندي عدم الوجوب واعرف.
الأمر الثالث: أنه قد ذكر قبل هذا الكلام من غير فاصل أن صوم الكفارة والنذر حكمهما حكم صوم رمضان، ثم ذكر عقبه هذا الكلام وهو اشتراط التمكن؛ فدل ذلك على اشتراط ذلك أيضًا فيهما، لكنه قد نقل في آخر كتاب النذر عن القفال من غير مخالفة له أنه لا يشترط التمكن في الصوم المنذور.
واعلم أنه قد سبق في الزكاة أن التأخير بعد الحول لأجل انتظار القريب والجائز جائز، ويجب به الضمان في الأصح فلم لا جعلنا المسافر هاهنا متمكنًا لاسيما إذا استحببنا له الصوم بأن كان لا يضره؟
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: ولا يصح الصيام عن أحد في حياته
стр. 1618
بلا خلاف سواء كان عاجزًا أم غيره. انتهى لفظه.
والذي ذكره النووي هاهنا من المنع بلا خلاف قد خالفه في موضعين من "الروضة" فقال في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما ينفع الميت: ولو مرض بحيث لا يرجى برؤه ففي الصوم عنه وجهان. انتهى.
ولم يرجح شيئًا منهما.
وقال في كتاب النذور: ولو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا فلا سبيل لقضائه.
ثم قال: فإن كان لعذر مرض أو سفر فلا فدية وإن تعدى لزمه، قال الإمام: وهل يجوز أن يصوم عن المفطر المتعدي وليه في حياته تفريعًا على أنه يصوم عن الميت وليه؟ الظاهر جوازه لتعذر القضاء.
وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ ما يبيح له ترك الصوم فيقضى. انتهى كلامه.
فهذه ثلاثة مواضع متعارضة؛ لأنه قد ذكر هنا أنه لا خلاف في المنع وفي النذر نقلًا عن الإمام أنه يجوز وأقره، وفي الوصية وجهين من غير ترجيح.
وقد وقع الموضع الأول والثالث في "شرح المهذب" كما في "الروضة"، واقتصر في "شرح مسلم" على الموضع الأول وهو البطلان بلا خلاف.
واعلم أن الرافعي قد ذكر أيضًا المنع هنا، وإنما ذكرها النووي في "الروضة" من زياداته لنفي الخلاف فيها كما زعم، وحينئذ فيكون معارضًا لما نقله في النذر.
قوله: وليس المراد من القول القديم أنه يلزم الولى أن يصوم، بل المراد أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا أورده في "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي محمد وهو كالمتردد. انتهى كلامه.
стр. 1619
وهذا النقل المذكور يعارضه كلام القاضي أبي الطيب؛ فإنه جزم في "تعليقه" بأن المراد منه الوجوب، وقد ظن النووي أن هذا النقل متفق عليه فجزم به في "الروضة" ولم يعزه إلى أحد، وزاد على ذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه لا خلاف فيه.
قوله: المسألة الثانية: الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه به مشقة شديدة لا صوم عليه، ولكن تلزمه الفدية في أصح القولين، والقولان جاريان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
ثم قال: وحكم صوم الكفارة والنذر حكم صوم رمضان. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن مقتضى إطلاق الرافعي أنه لا فرق في هذين القولين بين أن يتقدم وجوب الكفارة والنذر على سن الشيخوخة والمرض أو يكون مقارنًا لها.
وقد سبقه إلى حكاية القولين في حالة التقدم الشاشي في "المعتمد" فإنه قال بعد ذكره القولين في وجوب الفدية على الشيخ والمريض ما نصه: وهذا حكم صوم النذر والقضاء عند العجز إذا كان قد سبق وجوبه في حقه. هذا لفظه، وسيأتي عقب هذا في انعقاد النذر في حالة المقارنة وجهين، وأن الصحيح منهما عدم الانعقاد؛ فحكاية الخلاف وجهين وتصحيح الانعقاد يمنعان أو يبعدان إرادة هذه الصورة.
لكن صرح البغوي في "التهذيب" أن الفدية تجب في حالة التقدم قولًا واحدًا، وأن القولين محلهما في المقارن، وذكر في "التتمة" نحوه إلا أنه لم يصرح بدعوى الاتفاق، بل حكى القولين في المقارن وجزم في المتقدم بالوجوب، وفي عبارة القاضي الحسين بعد الفراغ من هذه المسألة بفرعين إشعار بذلك.
стр. 1620
ولا شك أن القولين في صوم رمضان يجريان في المقارن، وفي جريانهما في المتقدم إذا آخره بعد التمكن منه نظر، والقياس فيه القطع بوجوب الفدية ويكون كالميت.
الأمر الثاني: أن الإطعام في أكثر الكفارات ثابت بطريق الأصالة، فكيف يأتي فيها ما ذكره الرافعي من الخلاف في الانتقال، وأنه على سبيل البدلية؟
نعم كفارة القتل لا إطعام فيها في أصح القولين فيمكن أن يأتي القولان في الانتقال بدلًا, وقد استثنى الطبري شارح "التنبيه" كفارة الحلق ونحوه على المحرم، فإنها تفدى بمدين، وتصويره بما إذا مات معسرًا وأراد الأجنبي التكفير عنه واضح، إلا أن وجوب المدين فيه نظر، والقياس مد واحد.
وكذلك إذا فرعنا على أن الاعتبار بحالة الوجوب، وكان إذ ذاك معسرًا، وأما إذا كان موسرًا فاختار الولي الصوم، لينتقل عنه إلى بدله فيحتمل ما ذكرناه أيضًا، ويحتمل ما ذكره، وهو قريب من الكلام الآتى في الحج في ما إذا حلق شعره أو قلم ظفرًا، فراجعه.
الثالث: أن النووي قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" من هذا الموضع وذكر صورة المسألة وحكمها قبل ذلك في الكلام على الميت -يعني إذا مات- وقد لزمه صوم كفارة أو نذر، فحكمه حكم رمضان، ولم يتعرض الرافعي هناك لهذه المسألة بالكلية، وحاصله أنها التبست عليه تلك المسألة، فنقلها إلى محلها.
قوله: ولو نذر، الشيخ الهم في حال العجز صومًا ففي انعقاده وجهان. انتهى.
والأصح عدم الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي "الروضة" من زياداته.
والهم: بكسر الهاء.
стр. 1621
قوله: وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ، فلو كان معسرًا هل تلزمه إذا قدر؟ فيه قولان كما ذكرنا في الكفارة. انتهى.
هذه العبارة أخذها الرافعي-﵀ من البغوي وتابعه في "الروضة" عليها وذكر مثلها في "شرح المهذب"، ثم قال فيه عقب ذلك: والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة حياته فهى كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر كالفطرة؛ لأنه عجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة حياته ونحوها.
وقطع القاضي أبو الطيب في "المجرد" بأنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمته الفدية، فإن لم يفد حتى مات لزم إخراجها من تركته. هذا كلامه في "شرح المهذب".
وتوجيه الوجوب أنها بسبب من جهته -وهو الفطر- بخلاف الفطرة.
وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" بأنه لا تجب على وفق ما رجحه النووي، ثم قال: ويحتمل أن يقال: تجب بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحالة الوجوب أو بحالة الأداء، وفيه خلاف. هذا كلام القاضي.
والظاهر أن البغوي أخذ ما تقدم ذكره عنه من هذا الكلام.
قوله: وقد قدر الشيخ بعد ما أفطر على الصوم، نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه القضاء، لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم بل بالفدية، ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدي عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالمغصوب إذا حج عنه ثم برئ.
واعلم أن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافًا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم بالفداء ابتداء؟ فلصاحب "التهذيب" أن يمنع التعليل السابق.
стр. 1622
انتهى ملخصًا. فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله صاحب "التهذيب" من عدم الوجوب قد جزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" والخوارزمي في "الكافي"، ونقل الدارمي فيه وجهين، واقتصر في "شرح المهذب" على كلام البغوي والدارمي.
الأمر الثاني: في الأصح من الخلاف المحكي في أنه مخاطب بالفدية ابتداء أم لا؛ فإن مسألتنا التي نحن فيها هى نتيجة.
وقد اختلفوا فيه فقال في "شرح المهذب": الأصح الأول، وهو الخطاب بالفدية، وقال ابن الرفعة: الصحيح الثاني، وهو الخطاب أولًا بالصوم.
وفي "الروضة": وإذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا وقضتا.
وهل تلزمهما الفدية؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: تجب.
والثاني: تستحب.
والثالث: تجب على المرضع دون الحامل.
ثم قال: فعلى الأظهر لا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد على الصحيح، وبه قطع في "التهذيب". انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة الوجهين قد ناقضه في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع، فقال ما نصه: فيه طريقان أصحهما لا، وبه قطع البغوي، والثاني: فيه وجهان، حكاه الرافعي. هذا لفظه، وكلامه يقتضي أنه لم يقف على الوجهين إلا في كلام الرافعي مع أنهما مصرح بهما في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين.
стр. 1623
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أن الوجهين جاريان في المرضع والحامل، وقد صرح بذلك في "التتمة" فقال: إذا كانت حبلى بولدين أو ترضع ولدين فهل تلزمها فدية واحدة أو فديتان؟ في المسألة وجهان. هذا لفظه.
وكلام ابن الرفعة يوهم اختصاص الوجهان بالمرضع. وهو غريب؛ فإنه قد نقل أيضًا هذا الموضع عن "التتمة".
قوله: ولو كانت المرضع مستأجرة فقال في "التتمة": لها الفطر.
وقال الغزالي في "الفتاوى": ليس لها ذلك، قال: ولا خيار لأهل الصبي أيضًا. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح قول صاحب "التتمة" فقد جزم به أيضًا القفال والقاضي الحسين في فتاويهما، وصححه النووي في "شرح المهذب" وزيادات "الروضة"، وزاد فنقل عن القاضي أن الإفطار يجب إن أضر الصوم بالرضيع.
قوله: الأمر الثاني: أن الغزالي بعد أن ذكر أنه لا خيار، وعلله بأن وجود الصوم وتأثيره في اللبن ظاهر معلوم استثنى الجاهل فقال: فإن فرض دعوى جهل به ممن يتصور أن يلتبس عليه ذلك فلا يبعد الخيار.
قوله في المسألة من زياداته: وفدية الفطر على من تجب؟
قال القاضي: يحتمل وجهين بناء على ما لو استأجر المتمتع فعلى من يجب دمه؟ فيه وجهان. انتهى كلامه.
قال في "شرح المهذب" بعد حكايته لهذا الكلام ولعل الأصح أنها عليها
стр. 1624
بخلاف دم التمتع فإنه على المستأجر في الأصح؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع فإنه من تمام الحج الواجب عليه.
قوله: ولو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، ولا شك أن هذه المسألة لها أربعة أقسام:
أحدها: أن تفطرا بنية الترخص بالسفر أو المرض فقط.
والثاني: بنية الخوف على الولد فقط.
والثالث: بنيتهما جميعًا.
والرابع: أن لا تقصدا شيئًا.
إذا عملت ذلك فقول الرافعي: (وإن لم تقصدا الترخص) يحتمل أن يريد أنهما لم تقصداه أصلًا؛ وحينئذ فيكون ساكتًا هنا عن الثاني والثالث.
فإن قلت: فما حكمهما؟ قلت: يتجه أن يجزم في الثاني -وهو قصد الخوف على الولد- بالوجوب، وإنما سكت عنه هاهنا لأنه يؤخذ من صدر المسألة.
ويجزم في الثالث -وهو قصد الأمرين- بعدمه تغليبًا للمسقط عملًا بالأصل.
ويحتمل أن يريد أنهما لم تقصدا الترخص بما ذكر.
وعلى هذا فتدخل الأقسام الثلاثة في كلامه حتى يجري فيها الوجهان، والاحتمال الأول أظهر، والحكم الذي ذكرته فيه أقيس.
стр. 1625
قوله: إحداهما إذا أفطر بعد الجماع عمدًا في رمضان ففي وجوب الفدية، وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها واجبة على المرضع والحامل مع قيام العذر فغير المعذور أولى.
وأظهرهما: لا؛ لأنه لم يرد فيه توقيف وحيث تجب الفدية إنما تجب جائزة وهى لا تخير ما تفدي ولا يليق بعظم حرمته. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن النووي في الروضة قد تبع الرافعي على حكاية الوجهين، ثم حكى في "شرح المهذب" في ذلك طريقتين: إحداهما: هذه.
والثانية: قاطعة بعدم الوجوب، وصححها فقال: وهل تلزمه الفدية وهى مد من طعام؟
فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع العراقيون-: لا تلزمه.
والثاني: حكاه الخراسانيون فيه وجهان: أصحهما عند جمهورهم: لا تلزمه. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر المسألة قبل هذا في الكلام على المجامع في نهار رمضان وحكى فيها ثلاثة أوجه غير هذا الوجه.
أصحها: أنه لا يجب عليه شيء.
والثاني: تجب كفارة الجماع.
والثالث: تجب بالأكل والشرب خاصة كفارة فوق كفارة الحامل ودون كفارة الجماع.
وإذا ضممت ما سبق إلى ما حكاه هنا تلخص في المسألة أربعة أوجه.
الأمر الثالث: أن التعليل الذي ذكره الرافعي ينتقض بأمور كيمين
стр. 1626
الغموس وكفارة القتل العدوان ونحوهما.
قوله: الثانية: لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرق أو غيره وكان في تخليصه الإفطار فله ذلك ويقضي، وفي الفدية وجهان: أظهرهما الوجوب، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على المرضع والحامل.
ثم قال: وأشار مشيرون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفدية، ثم فرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نفس عاجزة عن الصوم خلقة فأشبه إفطار الشيخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصوم. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بقوله: فله ذلك، تعبير ناقص موهم، والصواب أن يقول: لزمه.
وقد نبه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
الأمر الثاني: أن تصوير الرافعي بالغريق يقتضي أنه لو كان الإفطار لتخليص قال: لم تجب الفدية، وبه صرح القفال في "فتاويه" وعلله بأنه لم يرتفق بهذا الإفطار إلا شخص واحد فلم يكن كالحامل والمرضع.
والفرق الذي ذكره الرافعي أيضًا في آخر الكلام يقتضي أن محل الوجهين فيما إذا كان الغريق آدميًا، فإن كان بهيمة لم يجب شئ جزمًا.
ولم يتعرض في "الروضة" لهذا الفرق، وقد تعرض في "التتمة" لمسألة البهيمة وقال: إنه يجب الإفطار لتخليصها، ولكن لم يتعرض لوجوب الكفارة، ذكر ذلك في باب الاعتكاف في الكلام على ما إذا دعي لأداء شهادة.
قوله: من عليه قضاء رمضان وأخره حتى حصل رمضان السنة الثانية
стр. 1627
نظر إن كان مسافرًا أو مريضًا فلا شئ عليه بالتأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى، وإن لم يكن فعليه مع القضاء عن كل يوم مد. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوجوب في السفر ونحوه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الفوات بعذر أو غير عذر، وقد صرح بذلك في "التتمة" هنا، وكذلك سليم الرازي في "المجرد" في باب صوم التطوع، وبالغ فقال: الأشبه جواز الخروج بذلك منه، أي: من الصوم الذي تعدى بتركه.
لكن نقل الرافعي بعد ذلك في صوم التطوع عن البغوي، أنه يحرم عليه تأخيره بعذر السفر، وإذا كان التأخير حرامًا كان التأخير بغير عذر أولى؛ فيلزم وجوب الفدية.
واعلم أن الرافعي لو قال: إن كان معذورًا كالسفر والمرض، لكان أعم أو تدخل فيه الحامل والمرضع وغيرهما.
قوله: ولو أخر القضاء حتى مضى رمضانان فصاعدًا ففي تكرار الفدية وجهان:
أحدهما: لا تتكرر؛ لأنها وجبت في السنة الأولى؛ لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين، وهذا لا يتكرر.
والثاني: نعم، قال في "النهاية": وهو الأصح. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يكن قد أخرج الفدية، فإن أخرجها تكررت جزمًا، كذا صرح به البغوي في "التهذيب" فقال: فإن فدى ولم يقض حتى مضى رمضان آخر فعليه القضاء والفدية ثانيًا، فإن لم
стр. 1628
يفد ولم يقض حتى مضى رمضانان هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان:
أحدهما: تتداخل كالحدود.
والثاني: لا تتداخل، لأنها من الحقوق المالية.
هذا لفظه. وذكر مثله أيضًا الخوارزمي في "الكافي".
الأمر الثاني: أن النووي أيضًا، في "الروضة" نقل تصحيح التكرر عن الإمام فقط، وكذا في "شرح المهذب" أيضًا وزاد فيه فقال: إن الذي صححه الإمام هو الأصح، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" و"المحرر" ووافقه عليه في "المنهاج"، وكأنهما لما لم يجدا التصحيح إلا للإمام أطلقاه.
وقد صحح عدم التكرر جماعات منهم الماوردي في "الحاوي" فقال: إنه الأصح، والشيخ أبو حامد، والبندنيجي في تعليقهما، وسليم في "المحرر"، وعبر هؤلاء الثلاثة بقولهم: المذهب، زاد سليم فقال: إن التكرار ليس بشئ.
ومنهم الروياني في "البحر" فقال في آخر المسألة: إنه الأظهر.
قوله: فإذا لم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء جميع الفائت فهل تلزمه في الحال عما لا يسع الوقت أم لا تلزمه إلا بعد مجئ رمضان؟ فيه وجهان مشبهان بما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غدًا فانصب قبل الغد يحنث في الحال أم بعد مجيء الغد؟ . انتهى لفظه.
وعبارة "الروضة": فيه وجهان كالوجهين فيمن حلف ليأكلن الرغيف غدًا فتلف قبل الغد.
وهذه العبارة أكثر إشعارًا بالمساواة بينها من عبارة الرافعي.
стр. 1629
إذا علمت ذلك فاعلم أن الصحيح في الانصباب بنفسه عدم الحنث ونظيره هاهنا إذا لم يزل العذر إلا ذلك الوقت.
ولا شك أن الفدية لا تجب عليه في هذه الحالة فيجب فرض المسألة فيما إذا كان التمكن سابقًا وحينئذ فيشبه ما إذا صب هو الماء فإنه يحنث، وفي وقت حنثه الوجهان.
واعلم أن الرافعي لما ذكر مسألة الرغيف سوى بين إتلافه عمدًا وتلفه، وقال: فيها قولان أو وجهان، فالذي أورده ابن كج أنه لا يحنث، والخلاف كالخلاف فيما لو حلف ليصعدن السماء غدًا، وقد سبق. انتهى.
ومسالة الصعود ذكرها الرافعي في أول النوع الثاني من أنواع المحلوف عليه وهو الأكل والشرب، فقال: فيها وجهان ويشبه أن يرجع الحنث في الغد. انتهى.
فتقرر بهذا العمل كله أنه لا يحنث في مسألة الرغيف إلا في الغد، وحينئذ فيكون الراجح أن الأمداد لا تجب إلا بدخول رمضان، فإذا مات قبله فقد مات قبل الدخول فلا يجب بسببه شيء كما صرح به النووي من "زياداته" في مسألة الرغيف، وكذلك غيره أيضًا، وهو واضح لكنه ذكر قبل ذلك بقليل ما يدل على خلافه، فقال: ولو كان عليه عشرة أيام فمات ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مدًا؛ عشرة لأصل الصوم وخمسة للتأخير؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قضاء خمسة. انتهى.
وهذا صريح في أن الأيام التي تحققنا فواتها توجب الأمداد التي تجب لفواتها من حين الفوات، ولا يتوقف ذلك على دخول رمضان.
واعلم أن هذه المسألة لها نظائر، منها: إذا طول الجمعة حتى تحقق في الثانية أن الوقت يخرج، قال في "البحر" في كتاب الجمعة: عندي أنها
стр. 1630
تصير ظهرًا الآن.
ومنها: إذا أحرم العبد بحجة وعلم أنه يصير حرًا قبل الوقوف، قال في "البحر" في الجمعة أيضًا: لا ينقلب حجه فرضًا إلا يوم عرفة، قال: لأن ابتداء الفرض لا يصح قبل الحرية، والإحرام بالظهر يصح الآن.
ورأيت في "السلسلة" للشيخ أبي محمد أنه إذا أحرم العبد والصبي فهل وقع إحرامهما نفلًا أو موقوفًا على البلوغ والعتق؟ فإن حصل كان فرضًا وإلا وقع نفلًا؟ قال: فيه وجهان.
ومنها إذا انقطع المسلم فيه المحل فهل يثبت الخيار من حين الانقطاع أم لا يثبت إلا بعد المحل؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ومنها: إذا تفاصلا على أن من أصاب مثلًا ستة من عشرة استحق فاصاب أحدهما وأخطأ الآخر في خمسة، فهل نوجب الجعل من ذلك الوقت أم بعد الفراغ؟ على وجهين: أصحهما: الثاني أيضًا؛ لأن لكل منهما غرضًا في الرمي ومشاهدته من صاحبه التعليم.
قوله من "زوائده": وإذا أراد الشيخ الهم إخراج الفدية قبل دخول رمضان لم يجز. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في تعجيل الزكاة موافقًا للمذكور هنا، وذكر مثله أيضًا في الحامل والمرضع.
قوله أيضًا من زوائده: قال الإمام الزيادي: ويجوز للحامل تقديم الفدية على الفطر ولا تقدم إلا فدية يوم واحد. انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها أيضًا الرافعي في كفارة اليمين فقال: الحامل والمرضع إذا شرعتا في الصوم ثم أرادتا الإفطار فأخرجتا الفدية قبل الإفطار ففي إجزائها وجهان: أظهرهما: الإجزاء؛ وعلى هذا ففي جواز تعجيل
стр. 1631
الفدية لسائر الأيام وجهان بناء على الخلاف في تعجيل الزكاة لعامين. هذا كلامه.
قوله: من شرع في صوم تطوع لم يلزمه الإتمام، ولا قضاء عليه لو خرج من صومه؛ لما روي عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ فقلت إنا خبأنا لك حيسًا، قال: أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه. (١).
انتهى. ثم ذكر حديثًا آخر وفيه السؤر.
فأما الحيس: فهو بفتح الحاء وبالسين المهملتين بينهما ياء بنقطتين من تحت، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، وأصل الحيس الخلط فلذلك سمي هذا به.
وقربيه: بالقاف والباء الموحدة: أي: ادنه مني لأشرب منه.
والسؤر: بالهمز هو البقية، وقد تقدم في الطهارة.
والحديث رواه الدارقطني والبيهقي، وقالا: إسناده صحيح، ولكن لفظه: أنه دخل على عائشة ذات يوم فقال: أعندك شئ؟ قلت: نعم. قال: إذًا أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم.
قوله: وأما صوم الكفارة فما لزمه منه بسبب محرم فهو كالقضاء الذي على الفور. انتهى.
هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع ووقع فيها اختلاف في كلامه وكلام النووي، وسأذكر المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في كتاب الظهار في الباب المعقود للكفارات.
стр. 1632
قوله: وهذا كله مبني على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور وإلى ما هو على التراخى؛ فالأول: ما تعدى فيه بالإفطار، والثاني: ما لم يتعد فيه. . . . إلى آخره.
اعلم أن هذا الضابط يرد عليه قضاء يوم الشك؛ فإن حاصل المنقول فيه يقتضي أنه على الفور على الصحيح؛ فقد قال في التتمة: ينبني على أنه هل يلزمه التشبه بالصائمين في بقية نهاره أم لا؟ ؛ فإن قلنا: لا يلزمه، فقد جعلناه كالمعذور فلا يلزم أن يقضي على الفور، وإن قلنا: يلزمه التشبه فقد ألحقناه بمن أفطر بغير عذر فيلزمه أن يبادر إلى القضاء. هذا كلامه.
ونقله النووي في "شرح المهذب" عنه وعن غيره أيضًا، ولم ينقل ما يخالفه.
واقتصر ابن الرفعة على نقله عنه، ولكنه قال: فيه نظر.
واعلم أنا نستفيد من هذا الذي قاله المتولي وغيره وجوب القضاء على من نسى النية على الفور؛ لأن الإمساك واجب عليه كما جزم به الرافعي.
ولكن في "شرح المهذب" أن قضاءه على التراخي بلا خلاف.
قال: وكذلك من أكل على ظن الليل.
واعلم أن الصلاة الفائتة بعذر فيها وجه أن قضاءها على الفور، صرح به الرافعي ولم يحكوه هنا في الصوم بل صرح في "شرح المهذب" بأنه لا خلاف فيها فيحتاج إلى الفرق.
قوله في صوم التطوع: فأما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا عرفة كيلا يضعفوا عن الدعاء.
стр. 1633
وأطلق كثير من الأئمة كونه مكروهًا؛ لما روي أنه ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة (١). انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في الروضة. وفيه أمور:
أحدها: أنه لا يعرف منه رجحان الكراهة أو خلاف الأولى، والصحيح أنه خلاف الأولى، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، وذكر نحوه في "شرح المهذب" فإنه قال في أثناء الكلام ما نصه؛ إنما هو خلاف الأفضل كما قاله الشافعي والجمهور. هذا لفظه بعد أن ذكر كلامًا آخرًا يدل عليه.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما ذكره الرافعي من الحديث والمعنى أنه خاص بالحجيج الذين في عرفة، وقد أوضحه النووي في "نكت التنبيه" فقال: قول الشيخ: إلا أن يكون حاجًا بعرفة احتراز مما إذا كان محرمًا ولم يصل عرفة بعد ويعلم أنه لا يصلها في يوم عرفة بل يصلها بعد غروب الشمس فإنه لا يعرفه ويصح وقوفه ليلًا فلا يكره في هذه الصورة الصوم بل يستحب. هذا لفظه.
الأمر الثالث: أن الشافعي في "الإملاء" لما تكلم على استحباب فطره للحاج نص على استحباب ذلك للمسافر أيضًا فقال في باب صيام عرفة: وكذلك أحب للمسافر أن يترك صومه، هذا نصه بحروفه، ومن "الإملاء"
стр. 1634
نقلته، ونقله الشيخ أبو حامد أيضًا في "تعليقه" عنه، وهي مسألة حسنة يؤخذ منها الرد على ما نقلناه الآن عن "نكت النووي"، ونقل الرافعي قبل ذلك عن "التتمة" ولم يخالفه أنه إذا سافر في رمضان سفر حج أو غزو وكان يخاف الضعف لو صام فإن الأولى له الفطر؛ لأنه ﵊ أمر الناس بالفطر عام الفتح وقال تقووا لعدوكم (١).
والحديث الذي ذكره الرافعي في المسألة رواه أبو داود.
قوله: ومنه يوم عاشوراء؛ روي أنه ﷺ قال: "صيام يوم عاشوراء يكفر سنة" (٢).
ويوم عاشوراء هو العاشر من المحرم، ويستحب أن يصوم معه تاسوعاء وهو التاسع منه؛ لما روي أنه ﷺ قال: "إن عشت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع" (٣)، وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس ﵁:
أحدهما: الاحتياط؛ فربما يقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع.
والثاني: مخالفة اليهود؛ فإنهم لا يصومون إلا يومًا واحدًا؛ فعلى هذا لو لم يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحادي عشر. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إنما فسر عاشوراء باليوم العاشر؛ لأن ابن عباس -رضي
стр. 1635
الله عنهما- يرى أن عاشوراء هو التاسع، ثبت ذلك عنه في "صحيح مسلم" قال: لأنه مأخوذ من إظماء الإبل فإن العرب تسمي الخامس من أيام الورد ربعًا -بكسر الراء-، وكذلك تسمي باقي الأيام على هذه النسبة فيكون العاشر تسعًا -بكسر التاء.
الأمر الثاني: أن الراجح من المعنيين هو الثاني وهو المخالفة؛ كذا رجحه النووي في "شرح مسلم" فقال: السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا.
وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى. هذا لفظه.
وحينئذ فيكون الراجح استحباب صوم الحادي عشر إذا لم يصم التاسع. على أن الشيخ أبا حامد قد صرح في "تعليقه" باستحباب صوم الثلاثة، ونقله عن نصه في الإملاء فقال: نحن نقول: إنه يصوم يوم عاشوراء لفضيلته ويصوم يوم التاسع والحادي عشر لمخالفة اليهود، وكذلك قال الشافعي في "الإملاء": أستحب أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر. هذا لفظه.
وذكره غيره أيضًا، ونص عليه أيضًا في "الأم"، وعبارة الشافعي في "الإملاء": ويجب أن يصام قبله يوم ولو زيد فصام بعده يومًا كان أحب إلى. هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الإملاء" نقلته والحديثان رواهما مسلم.
والمراد بقوله: "لأصومن التاسع" أي: منضمًا إلى العاشر، لقوله ﷺ : "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود" (١) رواه البيهقي.
стр. 1636
قوله: ومنه ستة أيام من شوال يستحب صومها لما روي أنه ﵊ قال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله" (١). انتهى.
واعلم أنه إنما كان هذا المقدار محصلًا لصيام الدهر؛ لأن الحسنة لما كانت بعشرة أمثالها كان مبلغ ما حصل له من الحسنات في صوم الشهر والأيام الستة عدد أيام السنة، وقد جاء هذا مفسرًا في حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين قدر صيام سنة".
وفي لفظ: "جعل الله الحسنة بعشر"، ثم ذكر الحديث أخرجه النسائى.
قال الشيخ زكي الدين في "حواشي السنن": إن إسناده حسن.
فإن قيل: إذا كان معنى الحديث ما ذكرتم فهو لا يختص برمضان وست من شوال، بل من صام هذا العدد من أي زمن أراد كان حكمه كذلك.
فالجواب: أن معنى الخبر فكأنما صام الدهر فرضًا، هكذا نقل ابن الرفعة الجواب عن بعضهم، وهو جيد؛ فإن ثواب الواجب يزيد على ثواب النفل فيكون رمضان كعشرة أشهر فرضًا لا نفلًا.
ثم إن الله تعالى من كرمه أراد تكميل السنة كذلك فجعله لمن بادر إلى صيام ستة من الشهر الذي يلي رمضان.
стр. 1637
قوله: والأيام البيض؛ وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر: روي أنه ﷺ أوصى أبا ذر بصيامها.
قال في "الروضة" من زوائده: هذا هو المعروف، ولنا وجه غريب حكاه الصيمري والماوردي والبغوي وصاحب "البيان": أن الثاني عشر بدل الخامس عشر، والاحتياط صومها والله أعلم.
وذكر النووي مثله في "لغات التنبيه" وعبر بالصواب عوضًا عن الاحتياط.
وكذلك في "شرح المهذب" إلا أنه لم يتعرض لجمعها لا بلفظ الاحتياط ولا بلفظ الصواب.
إذا علمت هذا فقوله في هذا الوجه أن الماوردي حكاه، غلط؛ فإنه لم يحك الخلاف عندنا بل حكاه عن الناس؛ فإنه قال في رابع فصل من كتاب الصيام: اختلف الناس في شهر رمضان هل كان ابتداء فرض الصيام أو ناسخًا لصوم يقوم على مذهبين، ثم قال: ولهم في الأيام البيض مذهبان:
أحدهما: أنها الثاني عشر وما يليه.
والثاني: أنها الثالث عشر وما يليه. هذا لفظه.
ثم قال أيضًا في باب صيام عرفة: اختلف الناس فيها -أي: أيام البيض- هل كانت فرضًا ثم تستحب.
ثم قال: واختلفوا في زمانها فقال بعضهم: الثاني عشر وما يليه، وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه. هذه عبارته.
وأما نقله ذلك عن البغوي فمردود أيضًا فإنه في "التهذيب" جازم بالمقالة المشهورة فقال: يستحب صيام أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر
стр. 1638
والخامس عشر. هذا لفظه.
وأما نقله ذلك عن "البيان" فصحيح، إلا أنه نقله عن الصيمري فقال: وقال الصيمري: وقيل: هي الثاني عشر. . . . إلى آخره.
والنووي لم ينقل عن الصيمري من كلامه بل تقليدا لصاحب "البيان".
والحديث المذكور رواه النسائي، وابن حبان وصححه.
قوله: ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم لما روي أنه ﷺ قال: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده" (١).
وكذا إفراد يوم السبت، فإنه يوم اليهود، وقد روي أنه ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" (٢). انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعليل الرافعي كراهة السبت لكونه يوم اليهود يقتضي كراهة الأحد أيضًا فإنه يوم النصارى.
وقد صرح بكراهته ابن يونس صاحب التعجيز في مختصر "التنبيه" المسمى "بالتنبيه".
ونقل البيهقي في كتاب "المعرفة" عن الشافعي أن كراهة إفراد الجمعة مقيدة بمضعفة الصوم عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه، أما غيره فلا يكره له
стр. 1639
ذلك، وذكر مثله ابن الصباغ في "الشامل"، وقال الماوردي وصاحب "البيان": إنه مذهب الشافعي.
الأمر الثاني: أنه أطلق الكراهة ولم يفصل بين أن يوافق عادة أن لا.
وقد ذكر هذا التفصيل في "شرح المهذب" إلا أنه فسر العادة بأن يكون قد نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم غائبه أبدًا فوافق يوم الجمعة.
لكن الكلام في صوم يوم الجمعة نفلًا، والمثال الذي ذكره إنما يقع الصوم فيه فرضًا؛ فالصواب أن يمثل بما إذا كانت عادته صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فإنه يكون مفطرًا قبله وبعده قطعًا.
نعم يستقيم المثال إن كان النهي شاملًا للفرض والنفل حتى يكره إفراده بالقضاء، وفيه نظر.
والحديث الدال على السبت يدل على خلافه.
الأمر الثالث: أن مقتضى كلام الرافعي أنه لا يكره صومهما معًا؛ ويؤيده أن المجموع لم يعظمه طائفة منهما.
وفي "النسائي" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" للحاكم: أنه ﵊ كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم" (١)؛ فيحتمل أن يكون المراد المجموع كما ذكرناه.
الرابع: ذكر في "البحر" أنه لا يكره إفراد عيد من أعياد الكفار بالصوم كالنيروز والمهرجان.
стр. 1640
الخامس: إذا أراد الاعتكاف في يوم من هذه الأيام التي يكره إفرادها بالصوم فهل يستحب له الصوم أم يكون باقيًا على الكراهة؟ توقف فيه النووي في "النكت" التي ذكرها على "التنبيه".
والحديث الأول رواه الشيخان، والحديث الثاني رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: إنه حديث حسن، وقال الحاكم في المستدرك: إنه على شرط الشيخين، ونقل أبو داود عن مالك أنه قال: إن هذا الحديث كذب.
قوله: وقال الغزالي: صوم الدهر مسنون، وأطلق صاحب "التهذيب" في آخرين القول بكراهته؛ واحتجوا بما روي أنه ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: "لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" (١) وبما روي أنه ﷺ نهى عن صيام الدهر (٢)، وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضررًا أو يفوت به حقا فيكره وإلا فلا، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه في الوجه الثالث لا يؤخذ منه استحباب الصوم إذا لم يخف ضررا ولم يفوت به حقا وإنما يؤخذ منه عدم الكراهة، وكذلك تعبير "الروضة" "وشرح المهذب" أيضا.
وقد صرح بالاستحباب في "المحرر" و"المنهاج".
الأمر الثاني: في البحث عن المراد بالحق هنا، هل الواجب أو كل مطلوب فيحتمل أن يكون المراد المطلوبات كلها وهو المتجه؛ وتدل عليه كراهة قيام كل الليل لهذا المعنى كما سبق في موضعه.
стр. 1641
ويحتمل التخصيص بالواجب ولكن الواجب تفويته حرام، فيكون الاقتصار على الكراهة محله إذا كان الموجود الخوف دون العلم والظن أو في تفويت واجب مستقبل وتفويت الحق هنا، وفي "الروضة" و"المحرر" مجزوم به وليس على الخوف، وفي "المنهاج" عطفه عليه وهو الصواب.
وحديث النهي عن صوم الدهر رواه مسلم.
قوله: ولو نذر صوم الدهر لزم وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة منه، وكذا شهر رمضان وقضاؤه إذا فرض ففات بعذر أو غير عذر وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القاسم الكرخي فيه وجهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب": أنه لا فدية. انتهى. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أنه ينبغي استثناء قضاء النذر وبعده، وقد صرح بذلك ابن الصباغ في "الشامل".
قوله: ولو لزمه صوم كفارة صام عنها وفدى عن النذر. انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في أن المسألة مصورة بما إذا لزمته الكفارة بعد النذر، والأمر كذلك؛ فإنها إذا كانت عليه حالة النذر كانت مستثناة حتى لا تجب الفدية عن الأيام التي صرفها إليها، وقد صرح بذلك الرافعي في كتاب النذر.
قوله: ولو أفطر يومًا من الدهر فلا سبيل إلى قضائه ولا فدية وإن كان بعذر، وإلا فتجب الفدية. انتهى كلامه.
هذه المسألة قد بسطها ﵀ في كتاب النذر فلتطلب منه.
قوله من زياداته: وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأفضلها المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان.
стр. 1642
وقال صاحب "البحر": رجب أفضل من المحرم، وليس كما قال.
انتهى كلامه. وما نقله النووي عن صاحب "البحر" هنا وقد نقله عنه في "شرح المهذب" أيضا وهو غلط على "البحر"؛ فإن فيه الجزم بالمقالة المشهورة وهي المقالة الأولى الذاهبة إلى تفضيل المحرم على رجب فقال في أواخر كتاب الصيام في باب صوم عرفة ما نصه: قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب، هذا لفظه من غير نقل شئ آخر يوافقه ولا يخالفه.
ثم ذكر بعده أن شعبان يلي رجبًا في الفضيلة، ولم يتعرض لباقي الأشهر الحرم.
وسكت -أعني: الروياني- في "الحلية" عن المسألة، ورأيت في "البلغة" للجرجاني الجزم بأن أفضلها ذو الحجة فقال: ذو الحجة أفضلها. هذه عبارته.
وذكر المذكور مثله في "التحرير" أيضًا وزاد أن العشر الأول أفضله. رأيت في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" لمحمد بن نصر المروزي نقلًا بسنده إلى كعب نحوه أيضًا من غير مخالفة، وجزم في "الإحياء" بنحوه وعلله بأن فيه الحج والأيام المعلومات والمعدودات، وفي كتاب "فضائل الأوقات" للبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة" (١)، والمنقول عندنا أن أفضل الشهور على الإطلاق هو شهر رمضان، كذا جزم به الشيخ عز الدين في أوائل
стр. 1643
"القواعد".
قوله أيضًا في الزوائد: قال أصحابنا: لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في "مبسوطه" في كتاب النفقات.
стр. 1644
كتاب الاعتكاف
قوله: روي أنه ﷺ قال: "من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة" (١). انتهى.
قال الجوهري: الفواق والفواق بالضم والكسر: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة ترضعها الفصيل لتدر ثم تحلب.
فيقال: ما أقام عنده إلا فواقًا.
وفي الحديث: "العيادة قدر فواق ناقة" (٢). هذا كلامه.
قوله: وعلامة ليلة القدر أنها طلقة لا حارة ولا باردة. انتهى.
الطلقة: بفتح الطاء وسكون اللام وتفسيرها ما ذكره الرافعي، ويجوز فيها إثبات التاء وحذفها، قاله ابن الأثير في غريبه، ولم يذكر الجوهري إلا الحذف فقال: يقول: يوم طلق وليلة طلق.
قوله: وقول الغزالي: وقيل: إن ليلة القدر في جميع الشهر.
وكذلك لو قال لزوجته في منتصف رمضان: أنت طالق ليلة القدر لم تطلق إلا إذا مضت سنة: قال الرافعي: ولا تكاد تجد رواية احتمالها في جميع ليالي الشهر عن الأصحاب في شئ من كتب المذهب.
قال: وأما مسألة الطلاق فإنه نقلها في "الوسيط" عن الشافعي كذلك
стр. 1645
أيضًا وهو مخالف لنقل الأئمة فإنهم قالوا: إن قال ذلك قبل مضى شئ من ليالي العشر طلقت بانقضاء ليالي العشر، وإن قاله بعد مضى بعض لياليها لم تطلق إلى مضى سنة. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ادعاه من أنك لا تكاد تجد احتمال ذلك في شئ من الكتب غريب؛ ففي "التنبيه" أنه يطلب ليلة القدر في جميع شهر رمضان، وذلك يدل على أنها في جميع الشهر.
وذكر مثله المحاملي في "المقنع"، وبالغ في كتابه المسمى "التجريد" فنسبه إلى الشافعي فقال: مذهب الشافعي أن ليلة القدر تلتمس في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر، وآكده ليالي الوتر من العشر الأواخر. هذا لفظه، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" إلا أنه جزم في "المجموع" بأنها في العشر الأواخر كما قاله غيره.
وقال الإمام: ذكر صاحب "التقريب" في كتابه ترددًا في أنه يجوز أن تكون في النصف الأخير من رمضان، وهذا متروك عليه ولا نعرف له متعلقًا. انتهى.
قلت: وقد روى أبو داود: هي في جميع رمضان (١)، وروي أيضًا: اطلبوها ليلة سبع عشر.
وهما يدلان للمقالتين السابقتين؛ وبذلك يصير في المسألة ثلاثة أوجه.
الأمر الثاني: أن ما أنكره على "الوسيط" في نقله عن الشافعي قد علمت صحته بما نقلناه عن المحاملي.
стр. 1646
الثالث: أن ما ادعاه من توقف طلاقها على انقضاء العشر ممنوع؛ لأن العشر إنما تنقضي بانقضاء اليوم الأخير، والطلاق يقع بالطعن في الليلة الأخيرة لا بانتفائها حصول ليلة القدر.
وأما قوله: بعد سنة فليس كذلك أيضًا؛ لأنه مثلًا إذا قال ذلك في أواخر اليوم الحادي والعشرين فلا يتوقف وقوعه على سنة كاملة بل يقع في أول ليلة الحادي والعشرين لما قلناه، وإن قاله في اليوم الثلاثين فيقع في أول ليلة الثلاثين، وكذلك حكم ما بينهما.
وهذا كله واضح، وقد صرح به على الصواب في الموضع القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والنووي في "شرح المهذب" ونبه عليه في "الروضة".
قوله في "الروضة": أركان الاعتكاف أربعة: اللبث في المسجد، والنية، والمعتكف، والمعتكف فيه. انتهى.
وتقييده اللبث بكونه في المسجد لا حاجة معه إلى ذكر المعتكف فيه؛ لأنه هو بعينه؛ فالصواب حذف التقييد بذلك؛ ولهذا لم يذكره الرافعي.
قوله: وفي اعتبار اللبث وجهان: أظهرهما: أنه لابد منه. انتهى.
فيه كلام مذكور في كتاب النذر في أوائل الكلام على أحكامه؛ فليراجع.
قوله: ولو نذر اعتكافًا مطلقًا خرج عن عهدة النذر بأن يعتكف لحظة، واستحب الشافعي ﵁ أن يعتكف يومًا وذلك للخروج من الخلاف. انتهى.
واعلم أن الشيخ أبا حامد قد نص في تعليقه على استحباب ضم الليلة إليه، ونقله عن نص الشافعي في "الإملاء" فقال: المستحب أن لا ينقص
стр. 1647
عن يوم وليلة، وذكر مثله في "البحر"، وكذلك القاضي الحسين في تعليقه أيضًا إلا أنه لم ينقله عن النص.
قوله: فلا يجوز للمعتكف الجماع ولا سائر المباشرات بالشهوة؛ فلو جامع بطل اعتكافه سواء جامع في المسجد أو حين خرج لقضاء الحاجة إذا كان ذاكرًا للاعتكاف عالمًا بالتحريم. انتهى.
وهذا الكلام بمجموعه إنما ينتظم في الاعتكاف الواجب، أما التطوع به فلا يتجه تحريم هذه الأشياء فيه خارج المسجد؛ فإن غاية ذلك أن يكون قد خرج من العبادة وهو جائز له.
وأما فعلها في المسجد فإن كان جماعًا فتحريمه واضح؛ أما في الاعتكاف فلقطعه ولإقامته في المسجد، وأما في التطوع فلإقامته فقط.
وإن كان مباشرة فالمتجه أن يفصل في إباحته بين الواجب والتطوع.
قوله: فأما إذا جامع ناسيًا للاعتكاف أو جاهلًا بالتحريم فهو كنظيره في الصوم. انتهى.
تابعه في "الروضة" و"المنهاج" عليه، وخالف في "شرح المهذب" فصحح أنه لا يتخرج على خلاف الصوم فقال: لم يبطل على المذهب وبه قطع العراقيون وجماعات من الخراسانيين، وقال أكثر الخراسانيين: فيه الخلاف السابق في نظيره في الصوم. هذا لفظه.
وحكى القاضي الحسين في "تعليقه" طريقة قاطعة بالبطلان هاهنا بخلاف الصوم؛ فيتلخص في المسألة ثلاث طرق.
قوله: ولو لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دون الفرج متعمدًا فهل يفسد اعتكافه؟ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين، ثم قال: والثاني: القطع بأنها تفسده؛ حكاه الشيخان: أبو محمد، والمسعودي. انتهى.
стр. 1648
واعلم أن النسخ قد اختلفت في حكاية هذه الطريقة؛ ففي عدة من النسخ المشهور بالصحة أنها تبطل كما تقدم، وفي بعضها لا تبطل وهذه النسخة هي الصواب؛ فقد ذكر في "الشرح الصغير" ما يوافقها، وعبر بلفظ هو أوضح من لفظ "الكبير"، والكلام يبين بعضه بعضًا.
ولم يتعرض النووي في "الروضة" لحكاية الطرق في هذه المسألة، بل حكى ما يتلخص منها من الأقوال فقال: ففيه نصوص وطرق مختلفة مختصرها ثلاثة أقوال أو أوجه: أصحها عند الجمهور: إن أنزل بطل وإلا فلا.
وتعبيره بنصوص يقتضي أن الرافعي حكى في ثلاثة نصوص فصاعدًا، والرافعي لم يحك إلا نصان فقط؛ فاعلمه.
قوله: والاستمناء باليد يرتب على ما إذا لمس فأنزل؛ إن قلنا: إنه يبطل الاعتكاف فهذا أولى، وإن قلنا: لا يبطله ففيه وجهان.
والفرق أن كمال الاستمتاع والالتذاذ تمت باصطكاك البشرتين. انتهى.
لم يصحح أيضًا في "الروضة" شيئًا، وصحح في "شرح المهذب" البطلان وعبر بالأصح، وصحح أن القاضي الحسين في تعليقه عدم الإبطال، وعبر أيضًا بالأصح، وقد نقل البغوي من شيخه هذا الخلاف إلا أنه حكاه بلا ترجيح، ووقف النووي على كلامه خاصة؛ فإنه لما نقل الوجهين حكاهما عن البغوي والرافعي فقط؛ فدل على ما قلناه.
قوله: للمعتكف أن يبيع ويشتري ويخيط ويكتب، وما أشبه ذلك، ولا يكره شئ من هذه الأعمال إذا لم يكثر؛ فإن أكثر أو قعد يحترف بالخياطة ونحوها كره ولم يبطل اعتكافه. انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: قلت: الأظهر كراهة البيع والشراء في
стр. 1649
المسجد وإن قل للمعتكف وغيره إلا لحاجة، وهو نصه في "البويطي"، وفيه حديث صحيح في النهى، والله أعلم.
وما أطلقه الرافعي في الكتابة وتبعه عليه في "الروضة" يستثني منه نسخ كتب العلم، فإنه لا يكره سواء قل أم كثر، كذا ذكره في آخر باب ما يوجب الغسل من "شرح المهذب"، وذكر في كتاب البيع من "المطلب" أنه لم ير لأصحابنا كلامًا في كراهة البيع والشراء في المسجد، والذي ذكره غريب.
قوله في "الروضة": ونقل عن القديم أنه إذا اشتغل بحرفة بطل اعتكافه، وقيل: بطل اعتكافه المنذور. انتهى.
واعلم أن الرافعي حكى عن مالك أن الاشتغال بالحرفة يبطله.
ثم قال: وعن القديم قول مثله في الاعتكاف المنذور، ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف. هذا لفظه.
فالحاصل أنهما قولان يعزيان إلى القديم، وكلام "الروضة" قد يوهم أن الثاني وجه ولكن مراده أن بعضهم قال: إن القول القديم ليس هو الإبطال مطلقًا بل في إبطال المنذور خاصة؛ ولهذا عبر في الثاني بالفعل الماضي كما عبر به في الأول فقال: وقيل: بطل، وذلك للإشارة إلى تفريعه على القديم.
نعم كلام "الروضة" يقتضي أن المشهور عدم التقييد بالمنذور، وكلام الكبير يقتضي عكسه، إلا أن الرافعي في "الشرح الصغير" ذكر كما في "الروضة".
قوله: ولهذا قال في "التهذيب": لا يجوز نضح المسجد بالماء المستعمل لأن النفس قد تعافه.
وهذا الذي نقله هو والنووي عن "التهذيب" وأقراه ليس هو المذهب وقد
стр. 1650
سبق الكلام عليه قبل سجود السهو.
قوله: ويجوز الفصد والحجامة في المسجد بشرط أن يأمن التلويث، والأولى الاحتراز عنه. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة وفيه إشعار بعدم الكراهة، لكن صرح في "شرح المهذب" هنا وفي آخر باب ما يوجب الغسل بكراهة ذلك وهو واضح، بل جزم البندنيجي في كتابه المترجم في خطبته بـ"تذهيب المذهب" -وهو الذي ينقل عنه ابن الرفعة- بتحريمه فقال في باب الخروج للشهادة ما نصه: فأما الفصد والحجامة فلا يجوز في المسجد كالبول في الطست. هذا لفظه ومنه نقلت.
قوله: وفي البول في الطست احتمالان ذكرهما ابن الصباغ، والأظهر المنع، وهو الذي أورده في "التتمة".
تابعه في "الروضة" هنا على جعلهما احتمالين، وكذلك في "شرح المهذب" في باب الاستئجار.
وقال في آخر باب ما يوجب الغسل: إنهما وجهان، وكذلك ابن الرفعة، قال في "شرح المهذب" هنا وفي الاستنجاء من "الروضة": إنه حرام على الأصح ولم يبين هل هما وجهان أو احتمالان؟ ، وقد سبق عن البندينجي تحريمه أيضًا.
والطست بسين مهملة.
قوله: لأن الشيخ أبا محمد وغيره نقلوا عن القديم قولًا أن الصوم شرط في الاعتكاف حتى لا يصح في الليلة المجردة. انتهى.
هذا الكلام يوهم أنه يصح فيها بطريق التبعية للنهار، لكن قال إمام