← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه جاز صومه بلا كراهة. انتهى. وفي تجويزه في القسم الأول نظر. الثاني: أن مقتضى كلامه رجحان عدم الكراهة في قيامه عن الفرض، وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه مقتضى كلام الجمهور. واعلم أن ما قاله القاضي أبو الطيب من الكراهة ظاهر، وما نقله الرافعي عن ابن الصباغ من قياسه على التطوع وأقره عليه، عجيب؛ لأنه إذا صام فيه الفرض لم تبرأ ذمته بيقين لاحتمال أن يكون من رمضان ورمضان لا يقبل غيره. وهذا المعنى لا يأتي في التطوع؛ ولأجل هذا جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" بالكراهة، وقال في "الحاوي": إنه مذهب الشافعي، وجزم به أيضًا الجرجاني في "الشافي" والماوردي في "المقنع"، وعزاه إلى التطوع أيضًا. وأظن أن القائلين به أكثر عددًا وهذا على تقدير تفرقة القاضي بين الفرض والنفل ذي السبب، وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي أنه لا فرق، وابن الصباغ في نقله هنا عن القاضي قد صرح بأنه ينقل عن "تعليقه". الأمر الثالث: أن الرافعي قد ذكر في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لو أخر الفائتة ليقضيها فيها كره له ذلك، وقياسه أنه يأتى مثله هنا في قضاء الصوم وفي المنذور والكفارة. الأمر الرابع: أن إطلاقه جواز القضاء فيه يقتضي أنه لا فرق بين قضاء الواجب والمستحب، وهو نظير ما قالوه في الأوقات المكروهة للصلاة أن

стр. 1577

قضاء الفائتة فيها جائز، وإن كانت نافلة من صور قضاء المستحب هنا أن يشرع في نافلة صوم ثم يفسده فإنه يستحب قضاؤه كما قال في "الروضة". الأمر الخامس: قد تقرر أن تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ممتنع وإطلاق الفرض يقتضي استثناء هذا اليوم وأنه يجوز التأخير عنه، وقد صرح به الروياني في "البحر" فحكى عن القاضي أبي الطيب أنه يكره أيضًا؛ لأن المقصود بالقضاء هو القربة ولا قربة في ذلك، وعن غيره عدم الكراهة، ثم قال: وهذا أصح عندي، وبالغ في "البيان" فحكى في تحريم الفرض مطلقًا وجهين. والحديث الأول أخرجه الترمذي وصححه، والثاني أخرجه الشيخان. قوله: ولا يجوز أن يصوم فيه -أي: يوم الشك- تطوعًا لا سبب له، فإن فعل لم يصح في الأصح. انتهى. اعلم أن ما جزم به الرافعي من التحريم قد قال به البغوي، والشاشي، وصاحب "التهذيب" و"التتمة" و"البيان"، وجزم به أيضًا النووي في "شرح المهذب" تبعًا لأصله، والمعروف إنما هو الكراهة؛ فقد صرح بكراهته البندنيجي في "الذخيرة"، و"التعليقة" ونصر المقدسي في "المقصود" وابن الصباغ في "الشامل"، والروياني في "البحر" و"الحلية"، والقاضي الحسين في إحدى "تعليقتيه"، والفوارني في "الإبانة"، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والجرجاني في كتابيه "الشافي" و"البحر"، والمحاملي في "المقنع". وقال الماوردي في "الحاوي": النهي عن صومه للكراهة لا التحريم، وقال الدارمي في "الاستذكار": لا يجب صوم يوم الشك ونكرهه، فإن صامه جاز.

стр. 1578

وقسم الصيمري في "شرح الكفاية"، وأبو حامد في "الرونق"، والمحاملي في "اللباب"، والبيضاوي في "التبصرة" و"شرح الكفاية"، والماوردي في "الإقناع" الصوم إلى حرام وغيره، وجعلوا هذا من قسم المكروه لا من الحرام. وذكر نحوه الشافعي في "مختصر البويطي" فقال: ولا أحب أن يعمد أحد إلى صوم يوم الشك نافلة. ومن كان يسرد الصوم أو كان يصوم أيامًا جعلها على نفسه فوافق ذلك اليوم فلا بأس أن يصومه، ومن نواه لرمضان أجزأه، وقد قيل. يعيده وإن كان من رمضان، هذا لفظه بحروفه. ولم يعبر الإمام في "النهاية" بالتحريم بل قال: اعتماد صومه من غير سبب منهي عنه. وكذلك عبر الغزالي في كتبه الثلاثة: "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، وكلام الزجاجي في "التهذيب" يقتضي جوازه أيضًا. قوله: فإن نذر صومه ففي صحة نذره الوجهان -أي: المتقدمان في الصحة، وإن قلنا يصح فليصم يومًا آخر، فإن صامه خرج من نذره، قاله في "التهذيب". انتهى. تابعه في "الروضة" عليه ولم يسند النقل المذكور إلى "التهذيب"، ونقله في "شرح المهذب" عن الخراسانيين. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن قول الرافعي فليصم لا شك أنه على سبيل الإيجاب؛ لأن التفريع على أن صومه حرام، والمحرم يجب العدول عنه. وذكر بعض المتأخرين من شراح "الوسيط" أنه على سبيل الأولوية،

стр. 1579

وكأنه أخذه من نذر الصلاة في الأوقات المكروهة، وقد سبق إيضاحه مع أمور أخرى تتعلق بما نحن فيه فراجعه. الثاني: أنه كيف يصح نذره والخروج عن العهد به مع القول بتحريمه. قوله: ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن أن يرى الهلال من خلالها وأن يخفي تحتها ولم يتحدث برؤيته أحد، فقال الشيخ أبو محمد: هو يوم شك، وقال غيره: إنما يكون كذلك بشرط أن يتحدث برؤيته من لا يقبل قوله. وتوسط الإمام .. إلى آخره. والأصح أنه ليس بيوم شك، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".

стр. 1580

القول في السنن قوله: والسنة أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء؛ لقوله ﷺ : "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد فليفطر على الماء؛ فإنه طهور" (١). ثم قال: وعن القاضي الحسين أن الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة. انتهى. واعلم أن القاضي لم يتعرض في "فتاويه" للمسألة وذكرها في "تعليقه"، وصرح بخلاف ذلك فقال بعد الكلام على أن الصائم ينزه صومه من الكلام القبيح: إن من سنن الصوم الإفطار على تمر، فإن لم يكن فمذقة لبن، فإن لم يكن فشربة من نهر، وإلا فليصب من الكوز على اليد، هذا كلامه. نعم ذكر ذلك في آخر الصيام من إحدى "تعليقتيه" فقال: والأولى في هذا الزمان أن يفطر على شربة ماء يأخذه من النهر أو يصبه من الكوز على يده حتى يكون أبعد من الشبهة. هذه عبارته، ومع ذلك فليس مطابقًا. الثاني: أنه قد ورد في الحديث ما يقتضي أن تأخر التمر عن الرطب، وهو ما رواه أنس قال: كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، وإن لم يكن حسا حسوات من

стр. 1581

ماء (١). رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وقال الدارقطني: إسناده صحيح. الأمر الثاني: أن مقتضى هذا الحديث أيضًا ومقتضى تعبير الرافعي أن لا تحصل السنة إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع وأقله ثلاث. وقد صرح الشيخ عز الدين بذلك في الماء فقال: يحسو حسوات. ونقل أبو الطيب في "تعليقه" عن نصه في "حرملة" نحوه فقال: يستحب أن يفطر على تمرات أو حسوات من ماء، لكن عبارة القاضي الحسين والمتولي تمرة -أعني بالتاء- وكذلك الداودي في باب غسل الجنابة من "شرح المختصر". قال الطبري في "شرح التنبيه": القصد بذلك أن لا يدخل جوفه أولًا ما مسته النار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة بقاؤه. ومن كان بمكة استحب له الفطر على ماء زمزم لبركته، ولو جمع بينه وبين التمر فحسن. هذا كلامه. والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود وبقية أصحاب السنن بمعناه، وصححه الترمذي. قوله: ومنها التسحر؛ لقوله ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" (٢) انتهى. لم يبين هنا الوقت الذي يدخل فيه التسحر، وقد بين ذلك في كتاب

стр. 1582

الأيمان فقال نقلًا عن العبادي: إنه يدخل فيه بنصف الليل، وجزم به النووي هنا في "شرح المهذب"، وذكر ابن أبي الصيف في "نكت التنبيه" ما حاصله أنه لا يدخل إلا بدخوله السدس الأخير، وفسر السحر بذلك -أعنى: بالسدس الأخير- ثم ذكر ما تقدم على جهة البحث فقال: والعرب تقول أنعم صباحًا من نصف الليل، فلو قيل: إن الآكل في ذلك يكون متسحرًا لم يبعد. هذه عبارته، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الترمذي وصححه. قوله: والوصال أن يصوم يومين فصاعدًا، ولا يتناول بالليل شيئًا. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على تفسير الوصال بذلك، وفيه إشعار بأن ما عدا الأكل والشرب كالجماع والإسقاء والظعن وغيرهما من المفطرات لا تخرجه عن الوصال. وهو مقتضى كلامه في "شرح المهذب" أيضًا، وإنه نقل عن الجمهور أنهم فسروه بصوم يومين وأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل. ثم قال: والصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدًا بلا عذر، هذا لفظه. وتخصيص ذلك بالأكل والشرب ونحوهما ظاهر من جهة المعنى؛ لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف، وهذه الأمور تزيده؛ إذ لا تمنع حصوله. لكن ذكر جماعة خلاف ذلك منهم الروياني فإنه قال: الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدًا فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله تعالى لم يحرم. هذا لفظه في "الحلية"، ونقله عنه في "شرح المهذب" لأجل تضعيف القصد ولم يتفطن لما ذكرناه، وقال في "البحر" الوصال الصائمين. هذا لفظه، ثم شرط بعد ذلك ما شرطه في

стр. 1583

"الحلية" من القصد. ومنهم الجرجاني فإنه قال في "الشافي": الوصال أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار. وقال ابن الصلاح: يزول بما تزول به صورة الصوم. وتعبير الرافعي بقوله: أن يصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كترك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالًا؛ لأنه ليس بين صومين، إلا أن الظاهر أنه جرى على الغالب. قوله: ومنها أن يصون لسانه عن الكذب والغيبة والمشاتمة؛ لقوله ﷺ في الحديث المعروف: "فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم" (١). قال الأئمة: معناه: فليقل في نفسه ولينزجر، ثم قال بعد ذلك: هذا شرح السنن الثمان التي ذكرها المصنف. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن عد صيانة اللسان عن هذه الأمور من السنن ذكره أيضًا في "المحرر"، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو سهو؛ لأن السنة لا يجب الإتيان بها، وصيانة اللسان عن ذلك واجب في حق غير الصائم فضلًا عن الصائم ويمتاز الصائم عن غيره بتأكد إيجابه. وأما دعواه أن الغزالي ذكر ذلك فليس كما قال؛ فإن الغزالي عبر بقوله: (وكف اللسان عن الهذيان). هذا لفظه، ولم يذكر فيه شيئًا من المحرمات. وأشار بالهذيان إلى الكلام الذي له عنه مندوحة لا تتعلق به أغراض شرعية ولا دنيوية، وقد صرح غير الغزالي باستحباب تركه. ولما ذكر الشيخ أبو إسحاق ترك المحرمات عبر بقوله: (وينبغي). وهو

стр. 1584

تعبير صحيح؛ فالحاصل أن الرافعي ترك مسألة من كلام "الوجيز" وذكر مكانها ما لا يستقيم ذكره، وقد تفطن لذلك في "الشرح الصغير" فعبر أيضًا بقوله: (ينبغي) ولم يجعله من السنن، وكأنه لما ظن أن مراد الغزالي هو الأمور المحرمة شرح مراده بعبارة لا يرد عليه هو فيها شيء، وذكره على الصواب النووي في "دقائق المنهاج" فقال قول "المنهاج": وليصن لسانه عن الكذب والغيبة، هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذاك، وهو مراد "المحرر" وإن أوهمت عبارته غيره. هذا كلامه. وقد ذكر جماعة من المصنفين نحو عبارة الرافعي وفيه ما ذكرناه. وينبغي تأويله على الحالة التي يجوز تعاطى هذه الأشياء فيها كالكذب للحاجة والغيبة للتظلم، ونحوه. الأمر الثاني: أن هذه المسألة التي نقلها الرافعي عن الأئمة وهي أن الصائم يقول ذلك بقلبه لينزجر وقد أسقطها النووي من "الروضة"، ثم ذكرها في "الأذكار" و"لغات التنبيه" و"شرح المهذب"، ورجح عكس ما قاله الرافعي فقال في "الأذكار" و"اللغات": أظهر الوجهين أنه يقول بلسانه. وقال في "الشرح": أقوى التأويلين أنه يقوله بلسانه مرتين أو ثلاثًا: إني صائم، ثم قال: فإن جمعهما فحسن. وحكى الروياني في "البحر" وجهًا واستحسنه: أنه إن كان صوم رمضان فيقول بلسانه وإن كان نفلًا فبقلبه. والحديث المذكور رواه الشيخان من رواية أبي هريرة، وفيه تكرار "إنى صائم" مرتين. قوله: حكوا عن أحمد أنه لا يكره السواك بعد الزوال في النفل ليهون العمل عن الرياء، ويكره في الفرض. وحكى صاحب "المعتمد" عن القاضي الحسين مثل مذهب أحمد. انتهى. واعلم أن القاضي الحسين قد صرح في "تعليقه" بخلاف ما نقل عنه

стр. 1585

فقال قبيل الكلام على الكبير الذي لا يستطيع الصوم: إن من سنة الصوم ترك السواك بعد الزوال، ولم يفصل بين الفرض والنفل. ثم صرح بعد ذلك بنحو ورقتين بأنه لا فرق بينهما فقال: فأما الصائم فيستحب له ذلك في أول النهار بأي عود كان، ويكره بالعشي سواء كان فرضًا أو نفلًا. هذا لفظه. وذكر أيضًا في الباب نحوه أيضًا. وأما نقل الرافعي عن "المعتمد" فصحيح؛ فإنه قال: ذكر القاضي الحسين أنه في الفرض يكره بالعشي ويستحب قبل الزوال، وفي الزوال يستحب أن يستاك قبل الزوال وبعده، لأنه أبعد من الرياء. هذا لفظ "المعتمد". نعم حكاه القاضي الحسين عن أحمد، والظاهر: أنه مراد المعتمد ولكن سقط منه شيء؛ ولهذا لم يعبر بقوله: ذهب ونحوها، بل بقوله ذكر فغير الرافعي التعبير. قوله في "أصل الروضة": ويستحب أن يحترز عن الحجامة والعلك والقبلة والمعانقة إذا لم نحرمها. انتهى. وهذا الكلام يقتضي سبق الخلاف في تحريم الجميع وذلك محرم مسلم فيما عدا العلك، وأما العلك فلم يسبق له ذكر في كلامه بالكلية ولم يعتبر الرافعي بقوله إذا لم نحرمها، بل بقوله وقد سبق ذكرها، وهو صحيح؛ فإن العلك قدمه الرافعي ولكن أسقطه من "الروضة".

стр. 1586

القسم الثاني في مبيحات الإفطار وموجباته قوله: فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع والنص؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١). الآية، وعن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (٢) انتهى. واعلم أن كلام الرافعي قد يوهم الإجماع على جواز الأمرين وليس كذلك. أما المسافر ففي "الحاوي" عن قوم من الصحابة أنهم أوجبوا الفطر، وقال القاضي الحسين في تعليقه: روي ذلك عن مالك وأحمد والمزني. وأما المريض فشرطه أنه لا يخشى الهلاك، فإن خشي ذلك فقال الغزالي في "المستصفى" والجرجاني في "التحرير": يجب عليه الأكل. فإن صام قال الغزالي: فيحتمل أن يقال: لا ينعقد؛ لأنه عاص به فكيف يتعرف بما يقضى به، ويحتمل أن يقال إنما عصى بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة.

стр. 1587

والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس بن مالك القشيري، وحسنه الترمذي. قوله: وشرط كون المرض مبيحًا أن يجهده الصوم معه ويلحقه ضرر يشق احتماله على عددنا وجوه المضار في التيمم. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة" إلا أنه أبدل الواو في ويلحقه بالفاء. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن مقتضى هذا الضابط أن الضرر المذكور لا يبيح وحده، بل لابد معه من كون الصوم يجهده، أي: يحصل معه ألم كبير بسبب عدم الفطر حتى لو لم يجهده الصوم ولكن وصف له دواء أن يفطر به وإلا حصل له الضرر لم يكن له الفطر، وكذلك بالعكس، وهذا لا يأتي القول به. وقد اعتبر في "المحرر" أحد الأمرين فقط فقال: ويباح ترك الصوم للمريض الذي يصعب عليه أو يناله به ضرر شديد. هذه عبارته من غير زيادة عليها. والمذكور فيه هو الصواب، وهو يدل على أن المذكور في الرافعي إنما هو لفظ أولا "الواو". نعم ذكره في "التهذيب" بعينه إلا الحوالة على التيمم، وهو على هذا التقدير صحيح وحينئذ يكون الضرر بائن الجهد، وأيضا حاله فضم إليه الرافعي ما ضم؛ فحصل الخلل، وتبعه عليه في "الروضة"، فلما تفطن له في "المحرر" أصلحه بصيغة "أو" فتلخص أن الكلام يستقيم إما بحذف الزيادة المذكورة وإما بالتعبير بـ"أو"، وقد سلك الإمام في هذه المسألة طريقة حسنة تبعه عليها الغزالي في البسيط وغيره فقال: اعتبر الأصحاب الصورة الظاهرة، وعندي أنه كل مرض يمنع معه الصوم.

стр. 1588

الأمر الثاني: أنه قد سبق في التيمم أن في جوازه لأجل زيادة المرض أو بطء البرء الجواز، وكلام الرافعي هنا يشعر بجريان ذلك الخلاف في الفطر أيضًا، وليس كذلك بل يباح بذلك جزمًا، كذا أوضحه الرافعي في باب التيمم فاعلم ذلك فإن كلام "الروضة" أيضًا هنا يوهم جريانه، وزاد فأسقط منها في باب التيمم استثناءه فتفطن له. قوله في "أصل الروضة": لو أصبح مقيمًا صائمًا ثم سافر لم يجز له الفطر، وقيل: يجوز. انتهى. حكى الرافعي طريقين: أصحهما: القطع بالجواز، والثانية: على وجهين، وأسقط الطريقة من "الروضة". قوله: ولو أصبح المسافر صائمًا ثم أقام فوجهان: ظاهر المذهب أنه لا يجوز الفطر. ثم قال: ولو أصبح المريض صائمًا ثم نوى فقطع كثيرون بأنه لا يجوز، وطرد صاحب المذهب حكاية الوجهين فيه، ولعله الأولى. انتهى. تابعه في "الروضة" عليه وصرح النووي في "شرح المهذب" بأن الصحيح طرد الخلاف، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة القطع، وقد وافق الشيخ على طريقة الوجهين الجرجاني في كتابيه "التحرير" و"الشافي"، وكذا الشاشي في "الحلية"، وقال في كتابه "المعتمد": لا يجوز الفطر قولًا واحدًا. قوله: والمسافر إذا أصبح على نية الصوم جاز أن يفطر، روى أنه ﷺ أفطر بعد العصر بكراع الغميم (١)، وأبدى الشيخ أبو إسحاق والإمام في المسألة احتمالًا. انتهى.

стр. 1589

تابعه النووي في "الروضة" على حكاية الوجوب احتمالًا فقط مع أنه وجه ثابت في المذهب حكاه القاضي حسين في باب صوم التطوع من "تعليقه"، ونقله عنه ابن الرفعة، وحكاه أيضًا الدارمي في "الاستذكار" كما نقله عنه النووي في "شرح المهذب"، ونص عليه الشافعي في "البويطي" لكن قال: لا يجوز الفطر إلا أن يثبت حديث الفطر، كذا نقله عنه في "الروضة" من زياداته، ثم قال بعد نقله ذلك: إن الحديث المذكور صحيح، والذي قاله النووي من صحة الحديث هو كذلك؛ فإن مسلمًا قد رواه في صحيحه من حديث جابر. وما نقله عن "البويطي" صحيح أيضًا قد رأيته فيه كذلك. وذهل بعضهم فنسب النووي إلى أنه قد غلط على "البويطي" وسبب ذهول هذا القائل أن "البويطي" عقد للصيام بابين. وهذا النقل مذكور في أحدهما فقط، وإنما عرضت بهذا لئلا يظن صحته وإهماله له. والكراع بضم الكاف وبالراء والعين المهملتين: جبل أسود. والغميم: بغين معجمة مفتوحة وميم مكسورة مخففة، وهو واد بين مكة والمدينة بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو قدام عسفان بثمانية أميال. والكراع المذكور يمتد إلى هذا الوادى. قاله النووي في "تهذيبه". قوله في المسألة: وإذا قلنا بالمشهور فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين. انتهى. لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، وصحح في "شرح المهذب" أنه لا يكره؛ لأن رسول الله ﷺ فعله.

стр. 1590

واعلم أن الناقل للوجهين عن القاضي هو الشاشي في "المعتمد"، وليس للوجهين ذكر في "تعليقة" القاضي، ولم يحك الوجهين إلا في الجواز كما تقدم نقله عنه. قوله: كل من ترك النية الواجبة عمدًا أو سهوًا فعليه القضاء. وكذا كل من أفطر، لكن لو كان إفطاره يوجب الكفارة ففي القضاء خلاف سيأتي ذكره من بعد. انتهى. واعلم أن الخلاف إنما ذكره بعد هذا في مسألة واحدة وهى الجماع في نهار رمضان، وأما الحامل والمرضع ومنقذ غيره من هلاك إذا أفطروا؛ فإن الكفارة تجب كما سيأتي. ومع ذلك فقد جزم بوجوب القضاء؛ وكأنه توهم أن ذلك الخلاف عام فوقع بسببه في الغلط هنا، وتبعه عليه في "الروضة". قوله: وما فات بالإغماء يجب قضاؤه سواء استغرق جميع الشهر أو لم يستغرق جميعه، لأنه نوع مرض يغشى العقل بخلاف الجنون؛ ولهذا يجوز الإغماء على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولا يجوز الجنون عليهم. ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابن سريج أن الإغماء إذا استغرق أسقط القضاء. انتهى كلامه. وفيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أن نقل البغوي والمتولي عن ابن سريج محله في المستغرق لجميع الشهر؛ لأن كلامه -أعني الرافعي- فيه. وليس كذلك بل المراد استغراق اليوم فاعلمه؛ فقد قال البغوي: قال ابن سريج ﵀: الإغماء كالجنون، وإذا استغرق النهار لا يجب

стр. 1591

عليه القضاء يستوي الجنون والإغماء في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت. هذا كلامه. وأما المتولي فقال: إذا أغمي عليه في رمضان وامتد زمان الإغماء فكل يوم استوعب الإغماء جميعه المذهب أنه يلزمه قضاؤه. ثم قال: وقال ابن سريج: لا يلزمه القضاء؛ لأن الإغماء بمنزلة الجنون في إسقاط قضاء الصلاة، وكذا في قضاء الصوم. هذا كلام "التتمة" أيضًا. وقد وقع النووي في "شرح المهذب" في هذا الوهم فنقل عن ابن سريج: أن العبرة بالشهر، وبالغ اعتمادًا على ما في "الروضة" فنسب روايته عنه إلى الجمهور، وليس كذلك. فهذه مصنفات الأصحاب موجودة وهى ما بين ساكتة أو ناقلة عنه وجوب القضاء ما عدا "التهذيب" و"التتمة". الثاني: أن الرافعي ذكر قبل هذا الموضع بنحو خمسة أوراق في الكلام على شروط الصوم أن الإغماء قد يكون عن مرض وقد يكون عن جنون؛ وعلى هذا لا يستقيم إطلاق جواز الإغماء على الأنبياء. الثالث: أن ما أطلقه من جواز ذلك قد نقل القاضي الحسين في هذا الباب تقييده فقال: حكى الداركي أن الإغماء إن يجوز على الأنبياء فساعة وساعتين فأما الشهر والشهران فلا كالجنون. الرابع: أن ما ذكره من كون الإغماء يغشى العقل ولا يزيله هو شيء تبع فيه الإمام. وقد قال في "الشرح الصغير" في شروط الصوم أن هذا ليس باصطلاح

стр. 1592

مطرد وأن الأصحاب عدوا الكل زوالا. قوله: أما إذا ارتد ثم جن، أو سكر ثم جن ففي وجوب القضاء وجهان. ولعل الظاهر الفرق بين إيصاله بالردة وإيصاله بالسكر كما سبق في الصلاة. أي: حتى يجب في المرتد قضاء الجميع , ولا يجب في السكران إلا قضاء أيام السكر. قال النووي في "شرح المهذب": هذا الذي أشار الرافعي إلى ترجيحه، وهو الأصح، وفي المسألة كلام آخر سبق ذكره في الصلاة. ولايجب التتابع في قضاء رمضان لكن يستحب. انتهى. اعلم أن التتابع يجب بطريق العرض في صورتين وهما: ضيق الوقت، وتعمد الترك. قوله: والإمساك تشبيها بالصائمين من خواص رمضان فلا إمساك على متعمد بالفطر في نذر أو قضاء. انتهى. وما قاله في النذر والقضاء وإن كان معروفًا في المذهب إلا أن الشافعي قد نص على خلافه في "البويطي". قوله في "الروضة": ثم من أمسك تشبهًا ليس في صوم. انتهى. الصوم نفي العبادة، وحكى النووي في أوائل "شرح المهذب" ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يثاب عليه، وليس في صوم شرعي، وقيل: نعم فيهما، وقيل: لا فيهما. وفي "البحر" وجه رابع: أنه إن تعدى بالفطر لم يثب وإلا أثيب. والقواعد تقتضي الجزم بحصول الثواب؛ لأنه قائم بواجب وإذا قلنا بأنه صوم شرعي ولم يكن قد أكل فينبغى وجوب النية، قاله ابن أبي الدم.

стр. 1593

قوله في "أصل الروضة": ولو أقام المسافر أو بريء المريض فلهما أحوال: أحدها: أن يصبحا صائمين وداما عليه إلى زوال العذر فقد تقدم في الفصل السابق أن المذهب لزوم إتمام الصوم. انتهى. وتعبيره بالمذهب تبع فيه الرافعي، وهو غير مستقيم من النووي؛ لأنه لم يتقدم له حكاية طريقين في المسافر، بل وجهين: الصحيح منهما عدم جواز الفطر. وأما المريض فقطع كثيرون بالمنع، وطرد في المذهب الوجهين. قال: ولعله الأولى. قوله: الثاني: أن يزول بعدما أفطرا فيستحب لهما الإمساك، فإن أكلا أخفياه؛ لئلا يتعرضا لعقوبة السلطان. انتهى. لم يتعرضا لبيان الإخفاء واجب أو مستحب؛ وقد جزم البغوي في "التهذيب" بوجوبه وهو مقتضى كلام القاضي حسين في "تعليقه" وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي فقال في أواخر الكلام على كفارة الجماع: لو رأى هلال شوال وحده وجب عليه أن يفطر وأن يخفي إفطاره عن الناس لئلا يتهم. هذه عبارته، وسقط في بعض النسخ لفظة أن المذكورة ثانيًا فقال ويخفي، فقطعها بذلك عن العطف على الإيجاب وبقي محتملًا. وتبعه عليها في "الروضة"، وجزم باستحبابه في "شرح المهذب" قوله: الثالث: أن يصبحا غير ناويين فيزول العذر قبل أن يأكلا. فإن قلنا في الحال الأول: يجوز الأكل، فهنا أولى، وإلا ففي لزوم

стр. 1594

الإمساك وجهان: الأصح لا يلزم. انتهى. صحح في "شرح المهذب" القطع بعدم الوجوب على خلاف ما يتحصل من كلامه هنا. قوله: ولهما الجماع بعد زوال العذر إذا لم تكن المرأة صائمة بأن كانت صغيرة أو طهرت من الحيض. انتهى. والمتجه أن من وجب عليها الإمساك حكمها حكم الصائمة، وأن الكافرة حكمها حكم الصغيرة ومن طهرت من الحيض. ولا يخفى أن كل من أفطرت بعذر كالمسافرة والمريضة والخائفة على الولد لا تمتنع وظهر أيضًا. قوله: الثالثة: إذا أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان فيجب عليه إمساك بقية النهار في أصح القولين تشبهًا بالصائمين. انتهى. لم يتعرض لحكم الإمساك قبل الثبوت، وقد نصت المالكية على استحبابه، والقياس خلافه؛ لأن صومه حرام في تلك الحالة على ما قاله الرافعي والنووي، والتشبيه بالحرام غير مشروع. قوله في المسألة: قال في "التتمة" القولان فيما إذا ثبت أنه من رمضان قبل الأكل، فإن بان بعده فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك، فهنا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما الوجوب. انتهى. وما نقله عن "التتمة" من غير اعتراض عليه حاصله أن القولين محلهما قبل الأكل، فأما بعده ففيه الطريقان، وقد علمت أن تعبيره بقوله مفطرا معناه غير صائم، ويدل عليه تقسيمه.

стр. 1595

إذا علمت ذلك فقد جزم في "المنهاج" بأن محلهما بعد الأكل فإنه قال: والأظهر أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان. انتهى. والذي اقتضاه كلام "المنهاج" وإن تخالفا فهو الصواب؛ فإن الأكثرين على القطع بالوجوب إذا لم يأكل. هذا حاصل ما في "الكفاية". على أن كلام "المنهاج" ليس مطابقًا لما في "المحرر" فإن عبارته تقتضى أن القولين عامان للحالتين. فإن عبر بالمفطر خاصة كما عبر في "الروضة" فقال: وأصح القولين أنه يجب على من أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان. انتهى. وما اقتضاه كلامه من التعميم قد صرح به الروياني في "البحر". وكأن النووي قد توهم أن المراد بالمفطر هو الآكل فصرح به، وهو خطأ في الظاهر صواب في نفس الأمر. قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا بلغ صبي أو أفاق مجنون أو أسلم كافر في أثناء يوم من رمضان فهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه أوجه: أصحها: لا. والثاني: نعم. والثالث: يلزم الكافر دونهما لتقصيره. والرابع: يلزم الكافر والصبي لتقصيرهما دون المجنون. انتهى كلامه. وتعليل الوجه الثالث في كلام النووي كالصريح في عدم تقصير الصبي

стр. 1596

فيكون تعليل الرابع مناقضًا له. ولم يعلل الرافعي الصبي بالتقصير وعدمه، بل علل عدم الوجوب عليه بكونه معذورًا؛ لعدم قدرته على إزالة المانع، بخلاف الكافر، وعلل الوجوب بأنه متمكن من الإتيان بالصوم مأمور به. قوله: أما الصبي فينظر إن بلغ صائمًا فالصحيح أنه يلزمه إتمامه ولا قضاء، ثم قال: وفيه وجه يحكى عن ابن سريج أنه يستحب إتمامه ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض. انتهى. وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي لوجه ابن سريج ذكره في "التتمة" أيضًا، وهو يقتضي أن الرافعي يقول بأنه لا تجب نية الفرضية في صوم الصبي إذا أوجبناها على البالغ مع أن الرافعي قد سوى بين البالغ والصبي في الاشتراط بالنسبة إلى الصلاة كما سبق إيضاحه، والقياس التسوية بين صوم الصبي وصلاته إما في الاشتراط أو عدمه. قوله: وإن أصبح مفطرًا -يعني: الصبح- ففيه وجهان. وقال في "التهذيب": قولان: أصحهما: لا يلزمه. ثم قال: وهذا الخلاف مفرع على ظاهر المذهب في أنه إذا بلغ صائمًا لا قضاء عليه، فأما من يوجب القضاء ثم فهاهنا أولى بأن يوجب. انتهى كلامه. وهذا البناء الذي ذكره في آخر كلامه قد ذكره صاحب "التتمة" على العكس؛ فإنه ذكر أن الفرق بوجوب الإعادة فيما إذا بلغ صائمًا هو على طريقة من يقول بوجوب الإعادة إذا بلغ مفطرًا. قال: فأما إذا قلنا: لو بلغ مفطرًا لا تجب الإعادة، فإذا كان صائمًا

стр. 1597

أولى. هذا كلامه، وهو يقتضي أن وجوب القضاء فيما إذا كان مفطرًا أصل ووجوب القضاء فيما إذا كان صائمًا فرع وهو عكس ما ذكره الرافعي، وقد ذكر أيضًا عكس ما ذكره الرافعي سليم في "المجرد" فقال: إن قلنا لا يلزمه القضاء إذا بلغ مفطرا فبالأولى إذا بلغ صائمًا، وإن أوجبناه هناك فهاهنا وجهان. قوله: وأما إذا أفاق المجنون أو أسلم الكافر ففيهما طريقان: أظهرهما عند الأكثرين: طرد الخلاف أي: السابق في الصبى. والأظهر من ذلك الخلاف: أنه لا قضاء عليه. ثم قال ما نصه: والثاني: القطع بالمنع في حق المجنون؛ لأنه لم يكن مأمورًا بالصوم في أول النهار، وبالإيجاب في حق الكافر؛ لأنه متعد بترك الصوم، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب". انتهى كلامه. وظاهره يقتضي أن البغوي صحح الطريق الثاني القاطع بالمنع في المجنون وبالإيجاب في الكافر. فأما الشق الثاني من هذه الطريقة وهو الإيجاب في الكافر فصحيح؛ فإن البغوي صحح طريقة القطع به. وأما الأول فلم يصحح فيه شيئًا، بل قال: فأما المجنون إذا أفاق في خلال النهار هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ فيه قولان كالصبي، وقيل: لا يجب قولًا واحدا. هذا لفظه، فينبغي تأويل قول الرافعي، وهذا أصح على أنه أشار للشق الثاني خاصة؛ فإنه محتمل لكنه بعيد في الفهم لا يعرف إلا بتوقيف؛ ولهذا وقع فيه النووي فإنه قدم الكافر وأخر المجنون فقال في حكايتة للطريق الثاني: وقيل يقضي

стр. 1598

الكافر دون المجنون، وصححه صاحب "التهذيب" هذا لفظه. قوله: وتجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أتم به لأجل الصوم. انتهى كلامه. تابعه النووي على هذا الضابط، وترد عليه أمور: أحدها: إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع فاستدام فإن الأصح عند الرافعي والنووي وغيرهما وهو المنصوص وجوب الكفارة مع انتفاء إفساد الصوم في هذه الصورة. ووجه انتفائه أن الصوم لم ينعقد على الأصح كما تقدم إيضاحه قبيل الكلام على شرائط الصوم، وإذا انتفي الانعقاد انتفى الإفساد. الأمر الثاني: لو جامع شاكًا في غروب الشمس فإنه حرام قطعا كما جزم به في "الروضة" من زوائده، ومع ذلك فلا كفارة كما جزم به البغوي في "التهذيب" وفيه كلام يأتي في ما إذا ظن أن الشمس قد غربت فجامع. الثالث: لو أكل ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع. وستعرف ذلك مبسوطًا بعد هذا بأوراق. الرابع: لو كان به عذر يبيح الوطء من. . . . أو غيره فجامع امرأته وهى صائمة مختارة، فإنه لا كفارة عليه بإفساد صومها كما ذكره بعد ذلك مع أن الحد المذكور يصدق فيه. نعم لو قيده بصيام نفسه لم يرد عليه شيء. قوله: وإذا مكنت المرأة طائعة ففي قول: تلزمها الكفارة، والأصح: أنه يختص الزوج بلزوم الكفارة. وعلى هذا فهل يقع عنهما جميعا وهو يحمل عنها؟ فيه قولان

стр. 1599

مستخرجان من كلام الشافعي. انتهى. فيه أمران: أحدهما: لم يصرح الرافعي بإطلاق ترجيح واحد منهما لا هنا ولا في "الشرح الصغير"، وقد رجح في "المحرر" وقوعهما عنه خاصة فقال: إنه الأقرب، وصححه النووي في "أصل الروضة" وفي غيرها. الأمر الثاني: أن القاضي أبا الطيب في "تعليقه" قد صرح بأن القولين منصوصان على خلاف ما دل عليه كلام الرافعي فقال في ذلك قولان: أحدهما: أن يخرجها جميعها عن نفسه، قاله في اختلاف مالك وأبي حنيفة. ثم قال: والثاني: يخرجها عن نفسه وزوجته، قاله في كتبه القديمة والجديدة. هذا لفظ أبي الطيب. قوله: ويتفرع على القولين صور منها .. إلى آخره. ثم قال: والثانية: لو كان الزوج مجنونًا إن قلنا بالأول وهو وقوع الكفارة عنه خاصة فلا شئ عليها، وإن قلنا بالثاني فوجهان أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه تلزمها الكفارة؛ لأن التحمل لا يليق بحاله؛ ولهذا لم تجب عليه الكفارة لنفسه. والثاني أنه تلزمه الكفارة لها، لأن ماله يصلح للتحمل. انتهى. وما ذكره في المجنون من عدم الوجوب على نفسه إنما يصح الاستدلال به على تقدير أن يكون في صوم صحيح ثم يطأ، ومجرد الجنون يبطل الصوم على المعروف فقدم الوجوب؛ لكون الوطء لم يفسد الصوم.

стр. 1600

ولا يستقيم أيضًا الاستدلال به على قولنا: لا يبطل بالجنون؛ لأنه يخرج أيضًا بقولنا في الضابط أثم به، وهذا الإيراد نبه على أصله الغزالي في "البسيط". قوله: وإن كان نائمًا أو ناسيًا فاستدخلت ذكره أي المجنون. انتهى. تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه جريان الوجهين في أنه يجب عليهما شيء لأجل ذلك أم على ما سبق إيضاحه في المجنون. وجريان الخلاف في الناسي صحيح الفعل منه، وأما في النائم فلا يصح من جهة المعنى؛ لأنه لم يوجد منه فعل بالكلية ولا من جهة النقل؛ لأن الموجود في كتب المذهب إنما هو الجزم بعدم الوجوب، ولم يخرجه على ذلك أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين مع التتبع والاستيعاب، فقد جزم بعدم الوجوب عليه البندنيجي في "الذخيرة"، والجرجاني في "الشافي" و"التحرير" وصاحب "الشامل" مع جزمهم في المجنون بأنه يتحملها عنها على خلاف ما صححه الرافعي، وجزم به أيضًا أبو علي الطبري في "الإفصاح" ونقل أنه لا خلاف فيه فقال: وأما إذا كان زوجها مغلوبا أو نائمًا فجاءت فأدخلت ذكره في فرجها فلا كفارة على الزوج وجهًا واحدًا؛ لأنه لم يكن من جهته فعل فيخصه. هذا لفظه، ومن "الإفصاح" نقلته، وجزم به أيضًا سليم الرازي في "المجرد"، والشيخ في "المهذب"، والشاشي في "المعتمد"، والطبري صاحب "العدة"، وأبو الفتح سلطان في كتابه "التقاء الختانين"، والعمراني في "البيان" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به من الخراسانيين القاضي الحسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والبغوي في "التهذيب" وغيرهم، هذا مع حكاية الخلاف في المجنون في كلام كثير منهم كالقاضي مجلي وسلطان المقدسي وصاحب "المهذب" والقاضي الحسين وصاحب "البيان"، وصاحب "المعتمد" والطبري صاحب "العدة"، ولم ينقله

стр. 1601

ابن الرفعة إلا عن الرافعي لكنه سكت عليه ولم يتفطن لما وقع منه. قوله: الثالثة: لو كان مسافرًا والزوجة حاضرة فأفطر بالجماع بنية الترخص فلا كفارة. وكذا إن لم يقصد في أصح الوجهين؛ لأن الإفطار مباح له، فتصير شبهة في درء الكفارة، وهكذا حكم المريض. والصحيح إذا مرض في أثناء النهار فإن أوجبنا فهو كغيره وحكم التحمل ما سبق، وحيث قلنا لا كفارة فهو كالمجنون. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن التردد في إيجاب الكفارة وتعليل السقوط بالشبهة كالصريح في أن أصحاب الأعذار إنما يباح لهم الفطر بشرط نية الترخص, وبه جزم صاحب "التتمة"، ونقله المحب الطبري في "شرح التنبيه" عن الأصحاب إلا أنه عبر بنية الخروج، وعلله بأنه عبادة أبيح الخروج منها قبل كمالها فوجهته الخروج كالمحصر يريد التحلل. وعلله أيضًا بعد هذا بتميز الفطر المباح عن غيره. الأمر الثاني: أن الذي سبق في المجنون أنه لا شيء عليه إن قلنا: إن الكفارة على الواطئ فقط. وكذا إن قلنا عنه وعنها في أصح الوجهين؛ وحينئذ فيكون الصحيح أن لا شيء على المسافر في مسألتنا إذا قلنا عنه وعنها. وقد تابعه في "الروضة" على ذلك، وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا. ثم ذكر في "الشرح" المذكور بعد ذلك بأسطر ما يخالفه فقال: أما إذا

стр. 1602

قلنا بأنها عنه وعنها فيلزمه أن يكفر عنها بالإعتاق أو بالإطعام في أصح الوجهين، لكنه فرضها فيما إذا قدم مفطرًا ولا أثر له قطعًا. والصواب هو المذكور ثانيًا في "شرح المهذب"، والفرق بينه وبين المجنون واضح. قوله: وذكر أصحابنا العراقيون فيما لو قدم المسافر مفطرًا فأخبرته امرأته بفطرها وكانت صائمة أن الكفارة عليها إذا قلنا: الوجوب يلاقيها؛ لأنها غرته وهو معذور. ويشبه أن يكون هذا تفريعًا على قولنا: لا يتحمل المجنون، وإلا فليس العذر هنا أوضح منه في الجنون. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على هذا البحث ولم يرتضه في "شرح المهذب"، بل فرق بفرق واضح فقال: قلت: الفرق أنه لا تغرير منها في صورة المجنون. هذا لفظه. الأمر الثاني: أن ما حاوله الرافعي من حكاية الخلاف قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، وزعم في "شرح المهذب" أن ما قاله العراقيون متفق عليه، وفي "الكفاية" أنه لا خلاف فيه، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قالا. قوله من زياداته: قال صاحب "المعاياة" فيمن وطئ زوجته ثلاثة أقوال: أحدها: تلزمه الكفارة دونها. والثاني: تلزمه كفارة عنهما. والثالث: تلزم كل واحد كفارة.

стр. 1603

ويتحمل الزوج ما دخله التحمل من العتق والإطعام. انتهى كلامه. وهو يوهم أن تحمل الزوج لما يقبل التحمل لا يأتي في القول الثاني، وليس كذلك؛ فقد صرح الجرجاني في الكتاب المذكور بجريانه أيضًا فيه، وهو أيضًا يؤخذ من تعبيره بقوله: عنهما. وقد تقدم في هذه المسألة قول آخر أنه يجب على كل واحد في ماله كفارة. واعلم أن الجرجاني في "المعاياة" لما نقل القول الثاني الذي حكاه عنه النووي صرح بأن الكفارة على هذا القول تتبعض، وفي المسألة وجهان حكاهما الروياني في "البحر". أحدهما: أنه وجب على كل منهما النصاب ويحمل الزوج ما وجب عليها. والثاني: أنه يجب على كل منهما كفارة كاملة ثم يتحمل عنها ويتداخلان. وقد حكى ابن الرفعة الأول عن ابن الصباغ وأنه مقتضى كلام القاضي الحسين، وحكى الثاني عن البندنيجي والمتولي والشيخ أبي حامد حتى صرح الشيخ أبو حامد بأن الكفارة تقع كلها عنه وكلها أيضًا عنها. كذا نقله عنه جماعة منهم صاحب "الذخائر"، ونقله في "الكفاية" عن البندنيجي، وهو مقتضى الوجوب على وجوب كل واحد منهما. وفي "الكفاية" عن ابن يونس أن بعض المتأخرين قال: الذي يقتضيه المذهب أن الولاء يكون بينهما؛ لأن العتق أجزأ عنهما. وهذا المتأخر الذي عناه ابن يونس هو صاحب "البيان"؛ فإنه هكذا قال. ولا شك أن هذه المسألة مفرعة على الخلاف السابق.

стр. 1604

قوله أيضًا من "زوائده" نقلًا عن "المعاياة": فإذا وطئ أربع زوجات في يوم لزمه على القول الأول كفارة فقط عن الوطء الأول ولا يلزمه شيء بسبب باقي الوطآت. ويلزمه على الثاني أربع كفارات: كفارة عن وطئه الأول عنه وثلاث عنهن؛ لأنها لا تتبعض إلا في موضع توحد تحمل الباقي، ويلزمه على الثالث خمس كفارات: كفارتان عنه وعنها بالوطء الأول. قال: ولو كان له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم فعلى الأول: عليه كفارة واحدة بكل حال. وعلى الثاني: إن قدم وطء المسلمة فعليه كفارة، وإلا فكفارتان. وعلى الثالث: كفارتان بكل حال؛ لأنه إن قدم المسلمة لزمه كفارتان عنه وعنها ولم يلزمه للذمية شيء، وإن قدم الذمية لزمه لنفسه كفارة ثم للمسلمة أخرى. هذا كلامه، وفيه نظر، والله أعلم. انتهى كلام "الروضة"، والنظر الذي أشار إليه متعلق بما ذكره في "التفريع" على القول الثاني وراجع إليه؛ فإن الروياني فرع عليه تعدد الكفارة إذا كانت الموطوءة مسلمة. وقياس ما سبق في المسافر إذا كان صائمًا فوطئ زوجته أنه لا شئ عليه على الصحيح. قوله: وإذا قلنا الوجوب يلاقيها وكانت أمة فعليها الصوم؛ لأن العتق لا يجزيء عنها. قال في "المهذب": إلا إن قلنا العبد يملك بالتمليك، فإن الأمة كالحرة المخيرة. انتهى ملخصًا.

стр. 1605

اعترض في "الروضة" على كلام "المهذب" فقال: هذا الذي قاله في "المهذب" غريب، والمعروف أنه لا يجزيء العتق عن الأمة، وقد قال في "المهذب" في باب العبد المأذون: لا يصح إعتاق العبد سواء قلنا: يملك أم لا؛ لأنه يضمن الولاء وليس هو من أهله، والله أعلم. انتهى كلامه ﵀، وهو يقتضي انفراد صاحب "المهذب" به وأنه لا يعرف لغيره، وهو غريب؛ فقد صرح في كتاب الكفارات بحكاية ذلك عن غيره فقال: وإن ملكه سيده عبدًا ليعتقه عنها لم يصح؛ لأنه يستحق الولاء وليس العبد من أهل إثبات الولاء. وعن صاحب "التقريب" أنه يصح إعتاقه ويثبت له الولاء، وعن القفال يخرج قول أنه يصح إعتاقه عن الكفارة، والولاء موقوف على أنه إن عتق فهو له وإن دام رقه فلسيده. هذا كلامه، وذكر أيضًا في كفارة اليمين نحوه. وذكر القاضي حسين في البيع في أواخر باب الجراح بالضمان أنه إذا ملكه سيده عبدًا فأعتقه عن نفسه بإذن سيده ففي صحة ذلك قولان؛ فإن صححنا فالولاء للسيد، وذكر الشيخ أبو محمد في أول كتاب الأيمان من "السلسلة" نحوه أيضًا. قوله تفريعًا على التحمل، وإن اختلف حالهما فإن كان أعلى حالًا منها نظر إن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أو الإطعام فوجهان: أظهرهما: أنه يجزيء الإعتاق عنهما. ثم قال: وإن كان هو من أهل الصيام وهي من أهل الإطعام، فالذي قاله الأئمة أنه يصوم عن نفسه ويطعم عنها؛ لأن الصوم لا يتحمل به.

стр. 1606

وقضية من قال بإجزاء العتق عن الصوم في الصورة السابقة إجزاء الصيام عن الإطعام لأن من فرضه الإطعام لو تحمل المشقة وصام أجزأه، والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن القاضي أبا الطيب قد أجاب عما قاله الرافعي فقال: ليس له أن ينتقل من الإطعام هاهنا إلى الصيام الذي هو أعلى منه؛ لأن الإطعام وجب عليه بسبب غيره، وإنما كان ذلك يجوز لو كان بسببه. هذا كلامه. الأمر الثاني: أن هذا الذي ذكره الرافعي بحثًا قد صرح بنقله الفوراني، وأنه حكى في ذلك وجهين للأصحاب، وصحح التحمل على وفق ما بحثه الرافعي، وحكى ذلك عنه صاحب "الذخائر" أيضًا. الأمر الثالث: أن قول الرافعي: والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل ليس هو استدلالًا على ما يرومه الرافعي من إجزاء الصيام عن الإطعام؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ولأن الصوم كما يتحمل يتحمل به؛ أي: كما يتحمل بالإعتاق الذي هو أعلى منه فكذلك يتحمل الإعتاق الذي هو أدنى. وأما مراد الرافعي -والله أعلم- معارضة تعليلهم أن الصوم لا يتحمل به فقال: ما قلتم من أن الصوم لا يتحمل به يلزمكم أن لا يتحمل أيضًا وقد قالوا: إنه يتحمل بالإعتاق. واعلم أنه قد بقي من الأقسام قسم لم يذكره الرافعي ولا النووي في "الروضة" وهو ما إذا كانت من أهل الإعتاق وهو من أهل الإطعام، وقد ذكره النووي في "شرح المهذب" فقال: يطعم ويلزمه الإعتاق عنها. وكذلك

стр. 1607

ذكره سليم الرازي في "المجرد". قوله: إذا ظن أن الصبح لم يطلع فجامع ثم بان خلافه فحكم الإفطار قد سبق ولا كفارة لعدم الإثم. قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي يقول مثله هنا لتقصيره في البحث. انتهى. وهذا التعبير عما قاله الإمام يوهم أن ذلك بحث منه لا نقل للأصحاب، وقد اغتر به النووي في "شرح المهذب" فصرح بذلك فقال: فلا كفارة، قطع به المصنف والأصحاب إلا إمام الحرمين فإنه قال في آخره: وليس الأمر كذلك بل نقله عن الأصحاب فقال: ثم إذا ألزمنا الناسي الكفارة عند الحكم بإفطاره فتلك الصورة أولى، وهذا لم أقله احتمالًا بل ذهب إليه طوائف من أصحابنا. هذا لفظ الإمام، فصرح بنقل الخلاف وبالأولوية أيضًا. قوله: ولو ظن أن الشمس قد غربت فجامع ثم بان خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة أيضًا؛ لأنها تسقط بالشبهة. وهذا ينبغي أن يكون مفرعًا على جواز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكفارة وفاء بالضابط المذكور. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن البغوي في "التهذيب" لم يفرض هذه المسألة فيما إذا ظن الوقت؛ بل فرضها فيما إذا شك فيه فقال بخلاف ما لو أكل شاكًا في غروب الشمس فبان أنها لم تغرب يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار وتحريم الأكل.

стр. 1608

ثم قال: وحيث قلنا يجب القضاء فإن كان قد جامع قضى ولا كفارة عليه في الموضعين؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة. هذا لفظه. ذكر ذلك في أثناء فصل أوله قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (١) الآية. وإذا كانت صورة المسألة فيما إذا شك فلا يجيء البحث الذي بحثه الرافعي لأن الشاك يحرم عليه الأكل قطعًا كما جزم به الرافعي وصرح به أيضًا في "الروضة" من "زياداته" بل كلام البغوي صريح في إبطاله حيث حكم بعدم الوجوب عند تحريم الأكل لأجل الشبهة وعند جوازه أولى. الأمر الثاني: أن الإلزام بالضابط المذكور إنما يصح عند من ذكره وارتضاه، وأما من لم يذكره بالكلية أو ذكره ولم يرتضيه فلا يلزمه القول بمقتضاه؛ لأنه قد لا يقول به. إذا علمت ذلك فالبغوي لم يذكر هذا الضابط بالكلية، وإنما ذكره الغزالي، والغزالي لم يذكر هذه المسألة فلم يتوجه الإلزام به على أحد. الأمر الثالث: أن ما تقدم في المسألة التي قبل هذه المسألة عن كلام الإمام تجري في هذه الصورة بطريق الأولى فاعلمه؛ فإن جزم الرافعي بهذه دون تلك قد يوهم خلافه. قوله: ولو أكل الصائم ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع فهل يفطر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا لا تبطل صلاته. وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه. وعلى هذا فلا كفارة؛ لأنه وطء وهو يعتقد أنه غير صائم.

стр. 1609

وعن القاضي أنه يحتمل وجوبها؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوطء. انتهى كلامه. وهذا النقل عن القاضي قد تابعه عليه النووي وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على خلاف وأنه ليس فيها إلا هذا الاحتمال. وليس كذلك ففيها خلاف قديم رأيته في كلام الإمام محمد بن يحيى في كتاب الصيام من "تعليقه" في الخلاف منقولًا عن الحليمي فقال: ووجبت الكفارة في وجه أورده الحليمي من أصحابنا في "المنهاج". هذه عبارته. واعلم أن سبب التعليل الذي ذكره القاضي -وهو أبو الطيب- أن الإمساك واجب. وإذا علمت ذلك ظهر لك إيراد هذه الصورة على الضابط المذكور قبل هذا بأوراق في وجوب الكفارة وهو قولهم أنها تجب بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به لأجل الصوم. ووجه التقييد الأخير أن الصوم لما كان واجبًا وأوجبنا الإمساك لأجله؛ لكونه يشبهه كان تأثيمه لأجل الصوم وهو وجوب الإمساك على ما في ظنه وإن كان صائمًا حقيقة. وبهذا التقدير جميعه يظهر أن صورة المسألة في ما إذا علم وجوب الإمساك، فإن ظن عدم وجوبه أيضًا فلا كفارة قطعًا. قوله: وهل يلزمه مع الكفارة قضاء اليوم الذي أفسده بالجماع؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يجب. والثاني: لا.

стр. 1610

والثالث: إن كفر بالصيام لم يلزم وإلا لزم. ثم قال بعد ذلك: قال الإمام: ولا خلاف أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمله الزوج، فإن الكفارة إذا كانت صومًا لا يتحمل فما ظنك بالقضاء. انتهى كلامه. وهذا الاستدلال لا يثبت للإمام ما يحاوله؛ لأنا إذا قلنا بالوجوب عليها وكانت من أهل الصوم وهو من أهل العتق، فإنه يحمل عنها الصوم بإعتاقه كما قاله الرافعي في موضعه وقد تقدم ذكره. وإن كانا معًا من أهل الصيام ففي الاكتفاء بصومه عن صومها وجهان حكاهما القاضي الحسين في "تعليقه". قوله في "الروضة": لو كان من لزمته الكفارة فقيرًا فهل له صرفها إلى أهله وأولاده؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لحديث الأعرابي المشهور. وأصحهما: لا كسائر الكفارات. وأما رقبة الأعرابي فلم تدفع إلى أهله عن الكفارة. انتهى. واعلم أن الإذن للأعرابي في إطعامه لأهله رواه الشيخان (١)، وذكر الرافعي له ثلاثة تأويلات منقولة عن نصه في "الأم" فقال في الثالث منها: إنه يحتمل أن النبي ﷺ تطوع بالتكفير عنه وشرع له صرفه إلى الأهل والعيال؛ فتكون فائدة الخبر أنه يجوز للغير التطوع بالكفارة عن الغير بإذنه وأنه يجوز للمتطوع صرفه إلى أهل المكفر عنه وعياله. هذا كلام الرافعي فيما نقله عن نصه في "الأم"، وهذا الثالث قد أسقطه النووي من "الروضة" مع أنه تؤخذ منه هذه المسألة الحسنة التي ذكرها في كلامه؛ وهي إعطاؤها لأهل الذي يكفر عنه.

стр. 1611

وقد صرح بجوازه الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص" نقلًا عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: يجوز للرجل أن يكفر عن ولده الصغير في الموضع الذي يلزمه ويصرفها إليه عند حاجته ليأكل كفارة نفسه كما كفر ﷺ عن الأعرابي ودفع إليه كفارته ليأكل هو وأهله. هذا لفظ الشيخ أبي علي، ومن "شرح التخليص" نقلته، وكذا نقله القاضي حسين في "تعليقه" عن أصحابنا. قوله: قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يجب لأسباب مباشرة من العبد كزكاة الفطر؛ فإذا عجز وقت الدخول لم تثبت في ذمته. والثاني: ما يجب بأسباب مباشرة على جهة البدل كجزاء الصيد؛ فإذا عجز وقت وجوبه يثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة. والثالث: ما يجب بذلك لكن لا على جهة البدل ككفارة الجماع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان: أظهرهما: تثبت في الذمة عند العجز. انتهى. واعلم أن ما وجب في الحج لا عن إتلاف بل عن استمتاع لكفارة اللباس والطيب ونحوهما حكمها حكم ما وجب على جهة البدل على الصحيح؛ كذا ذكر في "شرح المهذب" فاعلمه فإن فيه وقفة، وكلامه هنا يوهم خلافه. قوله: إن الجمهور حكوا الخلاف في استقرار كفارة الجماع قولين، وإنما أطلق صاحب "الكتاب" فيها وجهين تقليدًا للإمام. انتهى.

стр. 1612

وهو يوهم انفراد الإمام بحكاية الوجهين، وليس كذلك، فقد جزم بحكاية الوجهين في المسألة جماعة آخرون قدماء أجلاء منهم أبو علي الطبري في "الإفصاح" والقاضي الحسين في "تعليقه". قوله: والفدية مد من طعام لكل يوم من أيام رمضان يصرف إلى الفقراء، وكل مد منهما بمثابة كفارة تامة؛ فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها إلى مسكين. ثم قال: ويجب بثلاث طرق منها: التأخير .. إلى آخره. لم يصرح هو ولا النووي بأنه هل يجوز أن يعطي الفقير أقل من مد، وقد صرح به القاضي الحسين في "تعليقه" هنا وجزم بالمنع فقال: إذا لزمه مد التأخير ليس له أن يدفعه إلى مسكين. هذا لفظه. وذكر في "الروضة" من "زوائده" في باب الدماء في الكلام على التصدق بالإطعام بدلًا عن الذبح فرعًا يتعلق بما نحن فيه فقال: قال صاحب "البحر": أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة. ثم قال: فإن فرق الطعام فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل يجوز الزيادة على مد والنقص منه. والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر. هذا كلامه، فيحتاج إلى الفرق بين منع إعطاء الكفارة الواحدة هنا -وهى المد- إلى جمع، وبين الجواز في غيرها، فإن قيل: لأن المد في غاية القلة وهو كفاية الشخص غالبًا فلم يوزع؟ قلنا: ينتقض بما نقلناه الآن عن "الروضة" في باب الدماء، بل المنع هناك أولى؛ لأنه لا ضرورة فيه لحصول الإعطاء إلى ثلاثة أشخاص مد، بخلاف

стр. 1613

فدية الصوم. قوله: إحداهما: إذا فاته صوم وتمكن من فعله ومات قبل القضاء فالجديد: أنه يطعم من يزكيه لكل يوم مد، روي ذلك عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا. والقديم: أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، لقوله ﵊: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (١). فعلى القديم لو أمر الولي أجنبيًا فصام عنه بأجرة أو بغيرها جاز كالحج، ولو استقل به الأجنبي جاز على الأصح. انتهى. وظاهر كلامه يشعر بأن المراد بالاستقلال أن يكون بغير إذن الولي لكن شرطه أن لا يكون الذي يصوم عنه قد أذن له؛ فسيأتي في كتاب الوصايا أن الذي وجب عليه الصوم إذا أوصى لأجنبي أن يصوم عنه صح صومه وإن لم يأذن له الولي، وهو واضح. واعلم أمرين: أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صرح بأنه يأثم، وتبعه عليه في "المنهاج" ولم يصرح به الرافعي. ولا يؤخذ ذلك من وجوب التدارك؛ ألا ترى أن الحج المتروك عمدًا لا يقضي فيه الميت على رأي جماعة ومع ذلك يفعل عنه. الأمر الثاني: أن النووي قد صرح في "شرح مسلم" بأن الأصح أن الولي يصوم عن الميت، وذكر في "الروضة" وكثير من كتبه نحوه. والحديث الأول قال الترمذي: الصحيح وقفه على ابن عمر؛ ولهذا قال

стр. 1614

في "الروضة": إنه ضعيف، والثاني ثابت في الصحيحين. قوله: والمعتبر على قولنا: أن الولي يصوم هل هو الولاية على ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو تشترط العصوبة أو الإرث؟ توقف الإمام فيه وقال: لا نقل عندي في ذلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث. انتهى. زاد النووي على ذلك فقال: المختار أن المراد مطلق القرابة. قال: وفي "صحيح مسلم" (١) أن النبي ﷺ ذكر لامرأة أن تصوم عن أمها. وهذا يبطل احتمال العصوبة انتهى. واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل، المسألة قد صرح بها جماعات كثيرة منهم: القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والماوردي في "الحاوي"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر". فأما القاضي فجزم باعتبار القريب كما رجحه النووي فقال: فإذا قلنا: يجب أن يصام عنه، فمن شاء من أقاربه صام عنه. هذا لفظه، وقال ابن الصلاح: إنه الأقرب، وصاحب "الذخائر": إنه الأظهر. وجزم الماوردي باعتبار الإرث، كما رجحه الرافعي فقال في أواخر كتاب الوصايا: وكان الشافعي في القديم يجوز النيابة في صوم الفرض إذا ناب عنه وارثه، وفي نيابة الأجنبي عنه وجهان. هذا لفظه. وذكر البغوي نحوه أيضًا فقال: هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان. هذا لفظه.

стр. 1615

ونقله الروياني في "البحر" عن بعض أصحابنا واقتصر عليه، وقال: لا فرق بين المستغرق وبين وارث شيء، وصححه ابن أبي الصيف في "نكته". وذكر النووي في "شرح مسلم" ما يوهم أن هذه الاحتمالات وجوه فقال: المراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: العصبة، والصحيح الأول. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. هذا لفظه. قوله: ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه، ولا تسقط عنه الفدية. ونقل البويطي أن الشافعي - رضى الله عنه - قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه. وفي رواية: يطعم عنه. قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن التخريج المذكور يحتمل أن يكون راجعًا إلى الأمرين المتقدمين وهما فعل الاعتكاف وإخراج الطعام بدلًا عنه وأن يرجع إلى الأخير وهو الإطعام. وقد بين الرافعي في كتاب الوصايا المراد وجعله راجعًا إليهما، وذكر ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: ولك أن تعلم قوله وأما الصلاة عنه قضاء لما فاته فلا تنفعه. قالوا: وليخرج من الصوم أشير إليه، وقد ذكرناه الصوم. هذا كلامه فظهر بما قاله، وقد راجحت "التهذيب" فوجدته قد عبر بلفظ: (هذا) أي: اسم الإشارة للقرب كما عبر الرافعي؛ فيكون التخريج في الإطعام خاصة
следующие страницы →