← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

طريقة الخلاف وأن ذلك الخلاف وجهان لا قولان فقال: لو خرج ناسيًا هل يبطل تتابعه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم: لأن اللبث مأمور به والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات. وأصحهما: لا. ثم قال: واقتصر كثير من الأئمة على إيراد هذا الثاني، ومن أورد خلافًا عبر عنه بالوجهين، ولفظ القولين في الكتاب في هذه الصورة محمول على أن الخلاف مخرج. هذا لفظ الرافعي. وذكر نحوه في "الشرح الصغير" فقال: ولو خرج ناسيًا للاعتكاف فوجهان، ويقال: قولان، هذه عبارته فجزم بطريقة الخلاف، ثم صحح أنه وجهان. وصحح في "شرح المهذب" كما صحح في "الروضة" فقال مشيرًا إلى عدم البطلان ما نصه: هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور. قال الرافعي: وقيل في بطلانه قولان. هذا لفظه، وهو غلط، وقد علمت سبب الغلط في مثل ذلك. واعلم أن الصائم لا يفطر بالأكل يسيرًا ناسيًا بلا خلاف، والفرق بينه وبين خروج المعتكف ناسيًا أن مشاهدة المعتكف للمسجد مذكرة لاعتكافه فبعد وقوع النسيان معه فلم نعذره على وجه بخلاف الصائم. وأما المسألة الثانية وهي مسألة الإكراه فقد اقتضى أيضًا كلام "الروضة" أن فيها طريقين وأن أصحهما القطع بعدم البطلان. والثانية على قولين، وفيه أمران:

стр. 1682

أحدهما: أنه مخالف لما ذكره الرافعي؛ فإن المذكور فيه إنما هو طريقة القولين فقال: لو أكره حتى خرج ففيه قولان كالقولين فيما لو أكره وهو صائم. والذي أجاب به الجمهور أنه لا ينقطع به التتابع. هذا لفظه. الأمر الثاني: أنه مناقض لما صححه في "شرح المهذب"؛ فإنه صحح فيه طريقة القولين أيضًا فقال: فطريقان: أصحهما: فيه قولان كالإكراه على الأكل في الصوم. والطريق الثاني: لا يبطل قولًا واحدًا. قوله فيها أيضًا: ومن أخرجه السلطان ظلمًا لمصادرة أو غيرها أو خاف من ظالم فخرج واستتر فكالمكره. انتهى كلامه. وما ذكره ﵀ من التسوية بين الإخراج والخروج خلاف ما صححه في "شرح المهذب" فإنه سلم أن الخارج خوفًا مخرج على القولين في المكره، ولم يحك فيه غير ذلك. وأما من أخرج ظلمًا فصحح فيه طريقة القطع بعدم البطلان فقال فيه لم يبطل اعتكافه على المذهب، وبه قطع الشيخ أبو حامد والماوردي في "الحاوي" وابن الصباغ والجمهور، وقيل: هو كالمكره فيكون فيه القولان وبهذا جزم البغوي والمتولي والرافعي. هذا لفظه. قوله: وإذا دعى لأداء شهادة فإن لم يتعين عليه أداؤها انقطع بتابعه، وإن تعين نظر إن لم يتعين عليه التحمل فطريقان: إحداهما: على قولين، والثانية: يبطل قطعًا، وظاهر المذهب هو البطلان.

стр. 1683

ثم قال: وإن تعين التحمل فإن قلنا إذا لم يتعين -أي: التحمل- لا ينقطع اعتكافه فهنا اعتكافه أولى، وإلا فوجهان انتهى. فيه أمور: أحدها: أن النووي في "أصل الروضة" قد صحح من الطريقين الأولين طريقة القطع. الثاني: أن الأصح في المسألة الأخيرة عدم البطلان. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة". الثالث: أن حاصل ما ذكره الرافعي فيها طريقان: إحداهما: القطع بعدم البطلان. والثانية -وهى الصحيحة-: أن فيها وجهين. وقد تابعه في "الروضة" على ذلك، ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع بأنه لا يبطل ونقله عن الجمهور. قوله في "الروضة": ولو خرجت المعتكفة للعدة لم ينقطع على المذهب، وقيل قولان. انتهى. هذه المسألة لا حاجة إليها لأنه قد ذكرها بعد هذا بنحو سطرين مستوفاة، وسبب وقوعه في هذا التكرار العجيب أن الرافعي ذكرها في هذا الموضع استطرادًا فظن أنه موضعها، ثم ذكرها الرافعي بعد هذا في موضعها فتابعه عليه ناسيًا لما سبق قريبًا. ولقائل أن يقول: لم لا فصلوا بين أن تجب العدة باختيارها لفعلها ما علق عليه الطلاق أو لا تكون كذلك؟ والظاهر أن هذا التفصيل لابد منه. قوله: فإذا خرج لصلاة الجمعة فهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان -ويقال: وجهان- أصحهما: نعم.

стр. 1684

ثم قال: وعلى هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع ابتدأ من أول أسبوع، أين شاء من المساجد وفي الجامع متى شاء، وإن كان أكثر من أسبوع فيجب أن يبتدئ به في الجامع. انتهى. والضابط الذي ذكره لما يجب الابتداء به في الجامع وما لا يجب ليس صحيحًا، لأنه إذا نذر اعتكاف ستة أيام وثلثى يوم وربع يوم مثلًا فقد نذر أقل من أسبوع ولا ينفعه الابتداء به من أول الأسبوع في غير الجامع، وهذا على قولنا أول الأسبوع السبت. فإن قلنا: إنه الأحد، فيصير الاعتراض أفحش، وأما تقييده وجوب الابتداء في الجامع بأكثر من أسبوع فلا يستقيم أيضًا بل ينبغي أن يقول: وإن كان أسبوعًا فصاعدًا بل ما دون الأسبوع، وقد يكون حكمه كذلك على ما تقدم. قوله: فإن عين غير الجامع وقلنا بالتعيين لم يخرج عن نذره إلا بأن يمرض وتسقط عنه الجمعة، أو بأن يتركها عاصيًا ويدوم على اعتكافه. انتهى كلامه. وما ذكره الرافعي من أنه لا يخرج عن نذره إلا بأحد هذين الشيئين ذكره البغوي في "الروضة" فقلده فيه الرافعي ثم النووي في "الروضة" و"شرح المهذب". وهو غريب؛ بل يخرج عن نذره بكل ما يسقط الجمعة من الخوف والوحل والمطر والتمريض، وكذلك بالنوم والنسيان. وليت شعري كيف ذهل البغوي عن هذا حتى وقع من بعده فيه. قوله: ولابد من قضاء الأوقات المصروفة إلى ما عدا قضاء الحاجة [إلا] (١) من الأعذار فإنه غير معتكف فيها. انتهى.

стр. 1685

تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على هذا الإطلاق ولم [أراه في كلام أحد من الأصحاب بل] (١) لابد من استثناء أوقات الأكل والوضوء ونحوهما، فقد قال الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص": زمان الغائط والبول محسوب حتى لا يقضى لأنه يسير. وكذلك المؤذن يخرج للأذان والجنب يخرج للغسل. ثم قال: فأما إذا خرج للمرض أو المرأة للعدة والحيض والنفاس أو لانهدام المسجد أن يبنى أو للجهاد فلا يحسب ويقضيه؛ لأن هذه الأشياء تحتاج إلى زمان طويل. هذا لفظه. وقال القاضي حسين في "تعليقه" عند الكلام في الخروج لقضاء الحاجة: لو أجنب في المسجد له الخروج ليغتسل لأنه لا يمكنه أن يتجرد في المسجد ويكون مستثنى من أصل نذره، وقال في "النهاية" في الرد على من قال: إن للجنب أن يغتسل في المسجد: إن الخروج إذا أمر به فهو في معنى الخروج لقضاء الحاجة ثم نفس الخروج مع أنه مباينة للمسجد غير مؤثر فليكن الخروج لأجل الإنزال الواقع من غير قصد بهذه المثابة. وقال الغزالي في "البسيط": فإن قيل حيث يجوز الخروج فهل يجب تدارك أوقات الخروج أم تحسب من الاعتكاف؟ قلنا: لا يحسب شئ من ذلك من مدة الاعتكاف إلا أوقات الخروج لقضاء الحاجة. وفي معناه الأكل والوضوء إن جوزنا الخروج لهما. وقد اختلف الأصحاب في طريقه؛ منهم من قال: هو معتكف في حركاته وحكمه مستمر عليه.

стр. 1686

ثم قال: منهم من قال: ليس بمعتكف، وهو الصحيح، ولكن معناه أنه جعل مستثنى فهو كما لو قال أعتكف شهرًا إلا في أوقات قضاء الحاجة. وقال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" بعد أن ذكر أن الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركه ما نصه: وفي معناه الخروج للأكل والوضوء إن جوزناه، والموقع للرافعي فيما وقع فيه أن الغزالي في "الوجيز" قال: فعليه قضاء الأوقات المصروفة إلى هذه الأعذار، وأشار بالأعذار إلى أمور عددها ليس فيها شئ مما قلنا يجب استثناؤه كما تعرف بمراجعة لفظه، فحمل الرافعي هذا اللفظ على العموم لا على العهد وتصرف فيه فاعلمه. قوله: وأما ما منه بد ففي وجوب تجديد النية له عند العود وجهان: أظهرهما: لا يجب؛ لشمول النية جميع المدة. ثم قال: وأجرى الشيخ أبو عليّ الخلاف فيما إذا خرج لغرض استثناه ثم عاد. انتهى كلامه. وما نقله الرافعي عن الشيخ أبي علىّ تبع فيه الإمام وتبعه عليه النووي من بعده، والشيخ أبو عليّ لم يطلق ذلك بل شرط فيه أن يطول زمن الخروج فقال في "شرح التلخيص": لو عين عشرة أيام ونوى اعتكاف جميعها إذا دخل، فإذا خرج لعارض استثناه ثم رجع لا يحتاج إلى تجديد النية؛ لأنه نوى الكل دفعة واحدة في الابتداء. قلنا: ويحتمل أن ينوي إذا طال الخروج كما أنه يحتاج أن ينوي كل ليلة من رمضان إن كان الزمان متعينا، هذا لفظه بحروفه ومن "شرح التلخيص" نقلت.

стр. 1687

قوله: ولو عين مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جامع أو خرج من غير عذر ففسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي فقد أجرى الخلاف في وجوب التجديد. قال الإمام: لكن المذهب هاهنا وجوبه. انتهى: تابعه في "الروضة" على نقل ذلك عن الإمام فقط، وقد صحح في "شرح المهذب" ما صححه الإمام فقال: هو كما قال، والصحيح وجوب تجديد النية هنا للخلل المنافي القاطع للاعتكاف. قوله من زوائده: لو قال لله علىّ اعتكاف شهر نهارًا صح فيعتكف النهار دون الليالي، نص عليه في "الأم". انتهى. هذه المسألة. ذكرها الرافعي قبل هذا الموضع بدون ثلاثة أوراق. قوله أيضًا من زوائده: قال الروياني: قال أصحابنا: لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت، أو إن اتفق لي جماع جامعت لم ينعقد نذره، والله أعلم. هذه المسألة قد سبق معناها في كلام الرافعي قبل هذه الموضع بنحو ورقتين وهي أول في فصل.

стр. 1688

كتاب الحج قوله: فمن حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه الحج خلافًا لأبي حنيفه. ومأخذ الخلاف أن الردة عنده تحبط العمل، وعندنا إنما تحبط بشرط أن يموت عليها قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). انتهى ما قاله ﵀، والكلام معه متوقف على إيضاح ما ذكره فلنوضحه فنقول: كلامه فيه أمران: أحدهما: أن أبا حنيفة قد استدل على الإحباط بمجرد الردة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، ونحو ذلك كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) وأجاب الأصحاب بما ذكره الرافعي؛ وهو أنه قد ورد تقييد ذلك في الآية المتقدمة بالموت على الكفر حيث قال تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (٤)، والمطلق محمول على المقيد. إذا تقرر ذلك فلك أن تقول: كيف يصح حمل المطلق على المقيد هنا مع اختلاف المحكوم به؛ لأن المحكوم به في تلك الآية من جملته الخلود في النار وذلك خاص بمن مات على الكفر -والعياذ بالله تعالى- بخلاف

стр. 1689

الآيات المُطْلقة؛ فإن الخلود لم يرد فيها وحينئذ فتكون تلك الآيات دالة على أن الردة وحدها مقتضية للإحباط فقط وتكون الآية الأولى دالة على الردة مع الموت عليها يقتضيان الإحباط والخلود وهو ما تقوله الحنفية، وقد يجيب الأصحاب بأن الخسران من جملة المحكوم به في الآيات المطلقة فقد ورد بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، ولا شك أن ذلك خاص بمن مات على الكفر فلزم التقييد به كما سبق، إلا أن يقال: لما كان ذلك أسوأ الخاسرين حصر الخسران فيه مبالغة كقوله ﵊: " أتدرون من المفلس؟ . . . ." (٢) الحديث، وبالجملة فهذا كله ذهول عن مذهب الشافعي ﵀؛ فقد نص على حبوط ثواب الأعمال بمجرد الردة كذا نص عليه في "الأم". وهي مسألة نفيسة مهمة غفل عنها الأصحاب. قوله: أما الصحة المطلقة فلها شرط واحد وهو الإسلام. انتهى. وهذا الكلام يؤخذ منه أن ولد المسلم يصح حجه مع اعتقاده الكفر، لأنه محكوم ببقائه على الإسلام، وقد سبق الكلام على المسألة في أوائل الوضوء. قوله: ويجوز للولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز وعن المجنون. . . . إلى آخره. وسكت ﵀ عن العبد وقد تعرض له الإمام فقال: إن كان بالغًا فليس للسيد أن يحرم عنه. ومفهوم كلامه يقتضي الجواز في الصغير. قال ابن الرفعة: والقياس أن يكون كتزويجه.

стр. 1690

قلت: وقد رأيت في "الأم" الجزم بالصحة من غير تقييد بالكبير فقال في أول كتاب الحج: وإذا أذن للمملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعًا. هذا لفظه. وأحجه بالهمز معناه: صيره حاجًا، والتخريج على التزويج كما قاله ابن الرفعة مردود؛ فإن الوصي والقاضي يحرمان عن الصبي وإن لم يزوجاه؛ وذلك لما فيه من حصول الثواب والتمرين له من غير لزوم مال. قوله: وأما وجوب حجة الإسلام فتعتبر فيه هذه الشرائط؛ فلا يخاطب بالحج كافر أصلي في كفره ولا عبد ولا صبي ولا مجنون. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن إطلاق هذه العبارة بالنسبة إلى الكافر ليس بجيد فقد ذكر في الصلاة أن الكفار مأمورون بالصلاة وغيرها، وعبر باللفظ الذي نفاه هاهنا وهو لفظ الخطاب، والمذكور هناك هو الموافق لقواعد الشافعي ﵀. نعم: لا يلزم في كفره بإيقاع الفعل، وهو المراد. الأمر الثاني: أن الرافعي ﵀ قد احترز بالأصلي عن المرتد فإنه مخاطب بالحج كما صرح به الشيخ في "التنبيه" فقال: إنه يجب عليه ولا يصح منه، بعد أن ذكر أن الكافر الأصلي لا يجب عليه. فإن قيل: فما فائدة تكليف المرتد بذلك؟ لأنه إن قتل أو مات على الردة فلا يمكن القول بالقضاء عنه لاستحالة وقوع الحج لكافر. وأما النائم فلا فرق فيه عندنا بين المرتد والكافر الأصلي كما تقدم. وإن عاد إلى الإسلام نظر إن لم يكن ماله باقيًا فلا سبيل أيضًا إلى تكليفه بإيقاعه لعدم قدرته عليه، وإن كان باقيًا لم يكن الوجوب عليه بعد

стр. 1691

الإسلام من خواصه، بل الكافر الأصلي إذا أسلم كذلك أيضًا. والجواب: أن نقول فائدته فيما إذا استمر بقاء ملكه في حال الردة مدة لو كان مسلمًا لاستقر عليه الفرض ثم أسلم ومات قبل أن يتمكن بعد إسلامه من الحج زمان الردة، والردة لا تسقط الواجبات كما تقدم في الصلاة والزكاة والصوم. وكذلك إذا حصل استمراره في المدة المذكورة ولكن تلف في الردة أو بعد إسلامه وقبل التمكن ثم استفاد مالًا آخر ومات بعد استفادته لكن قبل أن يتمكن. وقد اقتصر النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" على الجواب الثاني، واقتضى كلام النووي أنه لا فائدة له إلا ذلك، وصرح به ابن الرفعة أيضًا. واعلم أن شرط الوجوب ملك المال، وفي ملك المرتد أقوال، ولابد من تخريج هذه المسألة عليها، وقد صرح بذلك الروياني في "البحر". الأمر الثالث: أن النووي قد حذف من "الروضة" التقييد بالأصلي وأطلق عدم الوجوب على الكافر، وهو غفلة بلا شك مخالف لما قاله في "شرح المهذب". قوله: لكن القادر على المشي يستحب له أن لا يترك الحج. فيه أمران: أحدهما: أن شرط الاستحباب والحالة هذه أن يكون واجدًا للزاد ويكون كسوبا. كذا نص عليه الشافعي في "الأم" و"الإملاء"، ونقله عنه الشيخ أبو حامد، وأصحابه ومنهم المحاملي فقال: قال الشافعي: فإذا لم يجد الزاد ولا كان كسوبًا وإن أراد أن يخرج ويسأل الناس في طريقه فأحب أن لا يفعل؛ لأن كراهة المسألة أبلغ من كراهة ترك الحج.

стр. 1692

هذا لفظ الشافعي. . وذكر الشيخ في "المهذب" نحوه. وقال النووي في شرحه له: إنه متفق عليه. الأمر الثاني: أن يقتضي إطلاقه أنه لا فرق في استحباب المشي من الرجل والمرأة، وهو كذلك فقد صرح به جماعة منهم سليم في "المجرد" قال: إلا أن الاستحباب للرجل آكد. نعم رأيت في "التقريب" أن للولي في هذه الحالة منعها، والذي قاله من المنع متجه لا ينافي ما سبق، والظاهر أن الولي في كلامه هو العصبة، ويتجه إلحاق الوحي والحاكم به أيضًا. قوله: ولو لحقه مشقة شديدة في ركوب الراحلة فلابد من وجود المحمل. انتهى: والضابط في ذلك كما نقله في "الكفاية" عن الشيخ أبي محمد أن يلحقه من المشقة بين المحمل والراحلة ما يلحقه بين المشي والركوب. قوله: قال في "الشامل" وعلى هذا لو كان تلحقه مشقة شديدة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة. انتهى. والكنيسة: بكاف مفتوحة ونون مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها سين مهملة، وهى مأخوذة من الكنس وهو السير، ومنه قوله تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (١) أي: المحجوبات. وأما المحمل فهو: الخشبة التي يكون الركوب عليها. قوله: ويشترط شريك يجلس في الشق الآخر وإن قدر على مؤنة المحمل بتمامه؛ وعلله في "الوسيط" بأنه بذل الزيادة وخسران لا مقابل له -أي: فتعسر إحمالها- انتهى.

стр. 1693

وهذا التعليل مقتضاه أن ما يحتاج إليه في سفره من الزاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكذا الأمتعة المستأجر على حملها .. فتفطن لذلك فإن كلام كثير من المختصرات يقتضي تعين الشريك وليس توجيهه ببعيد. وقد حذف من "الروضة" هذا التعليل ففاتته هذه المسألة وأوقع في الإلباس. قوله: وحيث اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما أو يتمكن من تحصيلهما ملكًا أو استئجارًا بثمن المثل أو أجرة المثل. انتهى. ذكر نحوه في "الروضة"، وهو يقتضي أن الوقوف على هذه الجهة والموصى بمنفعته لها أيضًا لا يوجبان الحج، والقياس خلافه بخلاف الموهوب ولو وقف ذلك عليه بخصوصه وقبله أو لم يقبله وصححناه فلا شك في الوجوب مع أنه خارج من كلامه. نعم: لو حمله الإمام من بيت المال كأهل وظائف الركب من القضاة وغيرهم، ففي الوجوب نظر. قوله: ولو لم يكن أهل ولا عشيرة ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان. ثم قال: وهل يختص الوجهان بما إذا لم يملك ببلدته مسكنًا أم لا؟ أبدى الإمام فيه احتمالين؛ ورأى الأظهر التخصيص. انتهى. واعلم أن الراجح على ما قد تحرر من كلام الرافعي في الوقف والوصية أن الأهل هو كل من تلزمه نفقته كالزوجة والقريب، وأن العشيرة هم الأقارب سواء كانوا من قبل الأب أو الأم؛ وحينئذ فيكون الجميع هنا سواء في جريان الوجهين، واتفقوا -كما قاله في "شرح المهذب" واقتضاه كلام الرافعي- على اشتراط نفقة الإياب عند وجود أحدهما على خلاف ما يدل عليه كلام "المحرر" و"المنهاج". ولا شك أن الشخص الواحد من أحد

стр. 1694

النوعين كاف، وقد أفهم كلام الرافعي وغيره أن الوالي من أعلى ومن أسفل لا يلحقون بذلك، وفيه نظر. وما قاله في المسكن قد صرح به في "البسيط" أيضًا فقال: ولا شك أنه لو كان له مسكن مملوك اعتبر نفقة الإياب ولا يكلف بيعه. قال: وفيه احتمال. قوله: ويشترط -أي: لوجوب الحج- أن يكون الزاد والراحلة فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهاب ورجوعه. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم جواز الحج والحالة هذه، وليس كذلك بل لا يجوز حتى يترك لهم نفقة الذهاب والإياب وإلا فيكون مضيعًا لهم، وقد رأيته مصرحًا به في "الاستذكار" للدارمي وغيره، ويأتي في الدين الحال نحوه، وقد أوضحوه في بابه. الأمر الثاني: أن التعبير بالنفقة تبعه عليه في "الروضة"، والصواب التعبير بالمؤنة في الموضعين؛ لأنها تشمل النفقة والكسوة والخدمة والمسكن وإعفاف الأب، وكذلك أجرة الطبيب وثمن الأدوية حيث احتاج إليهما القريب والمملوك، وكذلك الأجنبي إذا تعين الصرف إليه. وقد عبر في "المنهاج" بالمؤنة في الموضع الأول فقط ولابد منهما معًا لأنه قد يقدر على النفقة دون المؤنة فتسقط الأولى عن القريب دون الثانية. قوله: وأظهر الوجهين عند الأكثرين اشتراط كون ذلك فاضلًا عن مسكنه وعبد يحتاج إليه يخدمه لزمانته ومنصبه، لكن لو كان العبد والدار نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لو في التفاوت بمؤنة الحج فإنه يلزمه

стр. 1695

ذلك، هكذا أطلقوه هاهنا لكن في لزوم بيعهما في الكفارة إذا كانا مألوفين وجهان ولابد من عودهما هاهنا. انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من لزوم جريانهما ليس بلازم فقد فرق بينهما في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" بأن الكفارة لها بدل بخلاف الحج إلا أن ما قالاه من الفرق ينتقض بالمرتبة الأخيرة من الكفارة فإنه لا بدل لها وأيضًا فالفطرة لا بدل لها مع أنها كالحج على ما نقله هو عن الإمام. الأمر الثاني: أن تمثيل الرافعي بالعبد للاحتراز على الجارية النفسية المألوفة فإنها إن كانت للخدمة فهي كالعبد في جريان الوجهين، وإن كانت للاستمتاع لم يكلف بيعها حفظًا لما يؤدي إليه تعلقه بها من الضرر الظاهر. وهذا التفصيل لم أره ولكن لابد منه. الأمر الثالث: أن مقتضى إطلاق الرافعي وغيره أنه لا فرق في اعتبار المسكن والخادم بين المرأة المكلفة بإسكان الزوج وإخدامه وبين غيرها، وهو متجه؛ لأن الزوجية قد تنقطع فيحتاج إليهما وكذلك اعتبار المسكن بالنسبة إلى المتفقهة الذين يسكنون بيوت المدارس والصوفية المعتادين الربط والحوانك. الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي عدم اعتبار الكتب في الفقه المحتاج إليها، وليس كذلك بل الصواب كما قاله في "شرح المهذب" أنها تبقى له. قوله: والأصحاب منقسمون -أي: في ركوب البحر- إلى مثبتين للخلاف وإلى نافين، وللمثبتين طرق: أظهرها أنه إن كان الغالب فيه الهلاك لم يلزمه الركوب، وإن كان الغالب السلامة قولان: أظهرهما اللزوم.

стр. 1696

والطريق الثاني قولان مطلقًا، والثالث لا يجب على الجبان، وفي غيره قولان، والرابع يجب على غير الجبان، قولان. وأما النافون للخلاف فلهم طرق أيضًا: أحدها: القطع بعدم اللزوم، وثانيها: القطع باللزوم، والثالث: إن غلب الهلاك لم يلزم وإن غلبت السلامة لزم، والرابع: إن كان جبانًا لم يلزم وإلا لزم. انتهى ملخصًا. والحاصل أن في المسألة ثمانية طرق، فإن الرافعي ﵀ لم يصحح شيئًا في هذه المسألة؛ لأنه وإن صحح التفصيل بين أن تغلب السلامة أو يغلب الخوف فهو إنما صححه على طريقة المثبتين للخلاف ولم يبين هل الأصح طريقة المثبتين أو طريقة النافين. وإذا علمت ما ذكره ففيه أمور: أحدها: أن الأصح من حيث الجملة هو التفصيل المذكور. كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وذكر في "المحرر" نحوه فقال: والأظهر أنه يلزمه ركوب البحر إن كان الغالب السلامة. هذا لفظه. الأمر الثاني: أن النووي ﵀ قد صحح أيضًا في "الروضة" هذا التفصيل وصحح مع ذلك طريقة القطع به لا طريقة إثبات الخلاف، ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي؛ فتفطن له. ثم إنه لم يذكر من طرق مجئ الخلاف سوى الطريقة الثانية وحذف الثلاثة الباقية؛ فتوجه على "الروضة" اعتراضان؛ وهما إسقاط هذه الطرق وزيادة تصحيحين. الأمر الثالث: ذكر في "الروضة" من زوائده في باب الحجر أنه لا يجوز

стр. 1697

المسافرة بمال الطفل في البحر على المذهب وإن أوجبنا ركوبه في الحج. وعلى قياس ما قاله يحرم إركاب الطفل وركوب الحامل بطريق الأولى؛ لأن حرمة النفس أبلغ من حرمة المال؛ فاعلم ذلك فإنه يقع كثيرًا. وحينئذ فيكون من شروط الوجوب وضع الحامل وسقيها الولد اللبان، وكذلك فطام الولد إن تعينت للإرضاع. فإن لم يتعين ففيه نظر. وعلى قياس ما قاله النووي أيضًا يحرم إركاب البهائم، وكذلك الزوجة والأرقاء البالغون إذا لم يكن برضاهم. نعم: إن كان إلى دار الإسلام فيجوز بلا شك. قوله: ولو استوى الهلاك والسلامة فقد تردد كلام الأئمة في وجوب ركوبه فإن لم نوجبه ففي التحريم تردد لهم أيضًا. انتهى ملخصًا. والأصح عدم الوجوب وأنه يحرم؛ كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة". وكلام "المحرر" يدل لما صححه في المسألة الأولى، وقد تقدم لفظه فراجعه. قوله: وإذا لم يوجب الركوب فلو توسط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان، وهما مبنيان عند الأئمة على القولين في المحصر إذا أحاط العدو به من الجوانب هل له التحلل؛ إن قلنا له التحلل فله الانصراف وإن قلنا لا؛ لأنه لا يستفيد به الخلاص فليس له الانصراف. قال في "التتمة": وهو المذهب. انتهى. ثم ذكر أن الخلاف محله فيما إذا استوى ما قطعه مع ما بقي وكان له في الرجوع طريق آخر غير البحر، فإن لم يكن له طريق غيره فلا يجب جزمًا.

стр. 1698

فإن تفاوت؛ فإن كان الباقي أقل لزمه جزمًا وإن كان أكثر لم يجب جزمًا. إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أن ما جزم به من كون الخلاف في المحصور قولين قد صحح خلافه في باب الإحصار من "الشرحين الكبير" و"الصغير"، وحكى جعله قولين عن الإمام، والغزالي فقط. الثاني: أن الصحيح في "الشرحين" و"الروضة" في مسألة الحصر هو جواز التحلل، ومقتضاه جواز الانصراف هنا، إلا أن نقله عن صاحب "التتمة" تصحيح المنع وسكوته عليه يوهم موافقته عليه؛ ولهذا أشار إلى ترجيحه في "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله رجح على البناء للمفعول وسكت عليه. وقد اغتر النووي بالمذكور هنا فصرح بتصحيحه في "أصل الروضة" ذهولًا عما يأتي في الإحصار غير أنه سلم من الاعتراض الأول لكونه لم يتعرض هنا للبناء المذكور، وكذلك لم يتعرض له أيضًا صاحب "التتمة" ولا الرافعي في "الشرح الصغير". الثالث: أن هذه المسألة محتاجة إلى بيان حقيقتها؛ وذلك لأن الحج ليس على الفور فكيف يصح القول بوجوب الذهاب ومنعه من الانصراف؟ وقد يجاب بأمور: منها: أن نقول. صورة المسألة إذا صدر ذلك ممن خشى الغصب فإن الراحج أن الحج يتضيق عليه. ومنها: إذا أحرم بالحج وضاق وقته. ومنها: إذا نذر من لم يحج أن يحج في تلك السنة.

стр. 1699

إلا أنه قد تقدم أن محل الوجهين فيما إذا كان له في البر طريق يرجع فيه وحينئذ فلابد أن يزاد في التصوير أن تلك الطريق التي في البر قام بها من يمنع الذهاب دون الإياب أو لو رجع إليها المتوسط وسلكها لم يدرك الحج. ومنها: أن يقال المسألة مفروضة حيث لم يتضيق الحج. ومرادهم بوجوب الذهاب وعدم وجوبه إنما هو استقرار الوجوب وعدم استقراره. قوله: فإن خرج مع المرأة من تأمن معه على نفسها من زوج أو محرم إما بنسب أو غيره فذاك، وإلا فإن وجدت نسوة ثقات فعليها أن تخرج معهن. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن العبد حكمه في النظر إلى سيدته والخلوة بها كحكم المحرم على الأصح عند الإذن وإن لم يكن محرمًا بدليل انتقاض الوضوء بمسه، وإذا كان حكمه حكم المحرم لزم أن يكتفي به هاهنا، وقد رأيته مصرحًا به في "ترتيب الأقسام" للمرعشي وفي "النكت" لابن أبي الضيف؛ وحينئذ فيرد على اشتراط الزوج أو المحرم. الأمر الثاني: أن تعبيره يقتضي اشتراط ثلاث نسوة غيرها، وهذا بعيد لا معنى له، بل المتجه الاكتفاء باجتماع أقل الجمع وهو ثلاث، وأي معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأي دليل يدل عليه. الثالث: أن ما شرطه في النسوة من كونهن ثقات يقتضي اشتراط بلوغهن؛ لأن الصبي ليس بثقة كما صرحوا به في مواضع. وهذا الذي اقتضاه كلامه يحتمل أن يكون الأمر فيه كذلك، وهو الظاهر لخطر السفر،

стр. 1700

ويحتمل تخريجه على الخلاف المعروف في العدة. ثم إنه لم يشترط ذلك في المحرم وغيره ممن يخرج مع المرأة وفيه نظر سببه أن الوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي. الرابع: أنه يشترط في حق الخنثى أيضًا من المحرم ما يشترط في المرأة؛ لاحتمال الأنوثة؛ فإن كان معه نسوة من محارمه جاز، وإن كن أجنبيات فلا؛ لأنه يحرم عليه الخلوة بهن. كذا نقله في "شرح المهذب" عن القاضي أبي الفتوح، وصاحب "البيان"، وغيرهما، واقتصر عليه. وما قاله في الأجنبيات مبني على منع خلوة رجل بنسوة، والمشهور جوازه. واعلم أن مراد الرافعي وغيره هنا بالأمن هو الأمن من خديعة المرأة واستمالتها إلى الفاحشة. قوله: فإن لم تجد نسوة ثقات فأقوال؛ ظاهر المذهب منها أنه لا يلزمها. والثاني: عليها أن تخرج مع المرأة الواحدة. والثالث: واختاره جماعة -أن عليها أن تخرج وحدها؛ لما روي عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: "يا عدي، إن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله" قال عدي: فرأيت ذلك. (١) انتهى. فيه أمور: أحدها: أن هذا الذي صححه من كون الواحدة غير كافية إنما هو بالنسبة إلى الاستطاعة وعدمها، وأما جواز الخروج في أداء حجة الإسلام معها -أي: مع المرأة الواحدة- فجائز على الصحيح.

стр. 1701

كذا صرح به في "شرح المهذب" في ثلاثة مواضع من آخر باب الإحصار، وذكره أيضًا في "شرح مسلم" بعبارة أوضح من ذلك فقال ما نصه: فلو وجدت امرأة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح. ثم قال: واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم. هذا كلامه، وحاصله أنهما مسألتان: إحداهما: شرط وجوب حجة الإسلام. والثانية: شرط جواز الخروج لأدائها فتفطن لذلك فإنه مهم التبس على كثيرين. الأمر الثاني: ما نَبّه عليه الشيخ أبو حامد فقال: ونحن لا نشترط في سفر المرأة مع المرأة ملازمتها إياها بل لو مشت قدام القافلة أو بعدها فإنه يكفي. كذا نقله عنه في "شرح المهذب" وأقره. الثالث: ذكره النووي في "شرح مسلم" في الكلام على حديث الخثعميه التي سألت عن أداء الفرض عن أبيها أن فيه فوائد منها جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا. انتهى. وهذه المرأة لا يجب عليها مباشرة هذا الحج، لأن الشخص لا يجب عليه الحج عن غيره فيكون الذي قاله النووي فيها إما مناقض لما تقدم لكونه لم يشترط المحرم، وإن كان سألنا عن النسوة أو جوز ذلك لأنها مؤدية فرضًا فأشبه فرضها.

стр. 1702

واعلم أن الظعينة الواردة في الحديث بظاء معجمة مفتوحة ثم عين مهملة مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت ثم نون: هي المرأة تكون في الهودج، فإن لم تكن فيه فليست بظعينة. قاله الجوهري. والحيرة: بكسر الحاء المهملة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم راء مهملة: مدينة بقرب الكوفة. والحديث المذكور رواه مسلم (١). قوله: هذا حكم الفرض، وهل لها الخروج إلى سائر الأسفار مع النساء الخلص؟ فيه وجهان لأنه لا ضرورة إليها، والأصح عند القاضي الروياني المنع. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن الروياني قد صحح في "البحر" الجواز فقال إنه الأصح والأقيس، إلا أن ما نقله عنه الرافعي صحيح أيضًا فإنه صحح في "الحلية" وعبر بالأصح أيضًا، والماوردي وغيرهما، ونص عليه الشافعي في كتاب العدد من "الأم" كما نقله أبو حامد والماوردي وصححه النووي في كتبه، وحكى في "شرح المهذب" اتفاق الأصحاب على تصحيحه (٢). قوله: وفي كون المحرم أو الزوج شرط الوجوب أو التمكن اختلاف رواية عنهما -يعني أبا حنيفة وأحمد. قال الموفق ابن طاهر: ولأصحابنا مثل هذا التردد في النسوة الثقات. انتهى كلامه. وقد أسقط النووي في "الروضة" هذا الخلاف وجزم بأنه شرط للوجوب. وفائدة الخلاف فيما إذا استطاعت المرأة ولم تجد النسوة، فإن جعلناهن

стр. 1703

شرطًا للتمكن استقر الوجوب عليها حتى يقضى عنها لو ماتت، فإن جعلناهن شرطًا للوجوب فلا. وهذه الفائدة ذكرها الرافعي بعد ذلك في نظير المسألة. وما نقله ابن طاهر في النسوة يطرد كما قاله ابن الرفعة في المحرم والزوج. قوله: أما المال فلو خاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي لم يجب الحج، فإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير، لكن إذا كانوا كفارًا فأطاقوا مقاومتهم فيستحب لهم أن يخرجوا ويقاتلوا لينالوا ثواب الحج والجهاد جميعًا، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال، ويكره بذل المال للرصديين لأنهم يحرضون بذلك على التعرض للناس. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن عدم الوجوب محله إذا كان الحاج هو الباذل، فإن بذل الإمام أو نائبه وجب الحج. كذا نقله الطبري شارح "التنبيه" عن "التجربة النظامية" لإمام الحرمين وسكت عن الأجنبي. والقياس وهو مقتضى تخصيص الإمام بالإمام ونائبه: عدم الوجوب، لما فيه من المنة. الثاني: أن مقتضى كلامه تعميمًا وتعليلًا وسياقًا: كراهة البذل للمسلم والكافر معًا، ودلالة لفظه على المسلم أظهر من دلالته على الكافر؛ فإن الكراهة مذكورة عقب ذكره للمسلمين لكنه ذكر في باب الإحصار أن الكراهة مختصة بالكفار، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعات كذلك في "الروضة". قوله: ولو وجدوا من يبدرقهم بأجرة فوجهان: أظهرهما عند الإمام وجوب الحج.

стр. 1704

انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي في "المحرر" قد أطلق ترجيح الوجوب تقليدًا للإمام، ثم تبعه في "المنهاج" و"شرح المهذب" على ذلك، والفتوى على عدم الوجوب فقد أجاب به العراقيون وكذلك القاضي الحسين وجزم به صاحب "التنبيه" وأقره عليه النووي فلم يستدركه عليه، ونص عليه الشافعي، وممن نقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" فثبت أن الفتوى عليه؛ ولهذا لم ينقله في "الروضة" و"الشرح الصغير" إلا عن الإمام. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تبع الرافعي في حكاية الخلاف وجهين ثم خالف في "المنهاج" فجعله قولين، وهو ذهول سببه تقليد "المحرر" في تعبيره بالأظهر. الثالث: أن هذا الخلاف فائدته في العصيان بعد الموت ووجوب الحج عنه لا في تعجيل الإعطاء في حال الحياة فإن الحج على التراخي. نعم إن خشي الغصب أو نذر الحج في سنة معينة فواضح. وما ذكرناه في هذه المسألة يأتي مثله في المسألة الآتية أيضًا. واعلم أن البدر بفتح الباء وإسكان الدال مهملة ومعجمة هي الخفارة، وهي عجمية معربة. قاله ابن الصلاح. قوله: وإذا لم يخرج المحرم إلا بأجرة فقد رتب الإمام وجوب استئجاره على وجوب البدرقة، وجعل اللزوم هاهنا أظهر. انتهى. ذكره مثله في "الروضة". وتخصيصهما بالمحرم يشعر بأن الزوج والنسوة ليسوا كذلك، والمتجه إلحاقهم به، كذلك قوام السفينة أيضًا. قوله: ويشترط وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بحمل

стр. 1705

الزاد والماء منها، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عن أهلها انقطعت المياه لم يلزمه الحج وإن قدر على الحمل؛ لما فيه من المؤنة العظيمة. ثم قال: ويحتمل حملها قدر ما جرت العادة به في طريق مكة كحمل الزاد من الكوفة إلى مكة وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثة. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره أخيرًا في الماء تبعه عليه في "الروضة". ولقائل أن يقول: إن كانت صورته عند انقطاع بعض المياه مما كان في هذه المسافة فهو مخالف لما تقدم من عدم الوجوب وإن كانت عند عدم الانقطاع فاقتصاره على المرحلتين والثلاث يدل على عدم الوجوب من الزيادة لأجل نقل مؤنته فهل هو كذلك؟ والجواب: أن كلامهم يشعر باغتفارها مطلقًا لحق مؤنته، وألحق به سيلم وغيره علف الدابة في اعتبار هذه المسافة وهو متعين لا شك فيه؛ فقد أشار النووي في "شرح المهذب" لذلك فقال بعد نقل اشتراطه في كل منزلة عن البغوي والمتولي ما نصه: وينبغي أن تعتبر فيه العادة كالماء. هذه عبارته. وقد ظهر أن الذي ذكره بحثًا مصرح به إلا أنه لم يطلع عليه. الأمر الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يمكنه سلوك طريق آخر أم لا، وقياس ما ذكره في الإحصار خلافه كما ستعرفه. قوله: وذكر في "التهذيب" أنه إذا شرع السفيه في حج الفرض أو في حج نذره قبل الحجر بغير إذن الولي، أو في حج تطوع ثم حجر عليه لم يكن للولي تحليله، وإن شرع في التطوع بعد الحجر كان له التحليل إن كان ما يحتاج إليه للحج يزيد على نفقته المعهودة ولم يكن له كسب. انتهى.

стр. 1706

ذكر في الروضة مثله. وقوله فيه بغير إذن الولي هو متعلق بقوله (شرع) لا بقوله (نذره) فاعلمه وتفطن له. إذا علمت ذلك فقد بقي من أقسام المسألة قسم لم يذكراه وهو: ما إذا شرع فيما نذره بعد الحجر، والكلام فيه متوقف على أن هذا النذر هل يصح أم لا؟ وستعرف حكمه في أول النذر إن شاء الله تعالى. قوله: ومن شروط الحج ما ذكره البغوي وغيره أن يجد رفقة يخرج معهم في الوقت التي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه، فإن خرجوا قبله لم يلزمه الخروج معهم، وكذا إن أخروا بحيث لا يبلغوا إلا بقطع أكثر من مرحلة في اليوم، هذا الإطلاق محمول على غالب الحال، فإن كانت الطريق بحيث لا يخاف الواحد فيها فلا حاجة إلى الرفقة، وبه صرح في التتمة. انتهى كلامه. وما ذكره من كون الإطلاق محمولًا على ما قاله في "التتمة" تبعه عليه في "الروضة" وهو ممنوع؛ فقد صححوا في كتاب التيمم وغيره أن الإنقطاع عن الرفقة عذر وإن كان الطريق آمنًا؛ لما فيه من الوحشة. قوله: ويجب الحج على التراخي، وقال مالك وأحمد والمزني: إنه على الفور، ويروي مثله عن أبي حنيفة. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن العزم شرط في جواز التأخير كما سبق إيضاحه في الصلاة. الأمر الثاني: أنه متى اجتمع عليه مع حجة الإسلام حجة القضاء وجب عليه المبادرة إلى فرض الإسلام وذلك لازم؛ لأنهم صححوا أن القضاء يجب على الفور، وقالوا أيضًا: إن حجة الإسلام يجب تقديمها على حجة القضاء؛ فلزم من هاتين القاعدتين وجوب المبادرة كما قلناه، وهكذا القول

стр. 1707

في العمرة أيضًا. ويجب أن يكون الحكم كذلك فيما لو قال وهو في أوائل ستين مثلًا: لله عليّ أن أحج في سنة إحدي وستين حجة ليست حجة الإسلام. الأمر الثالث: أن ما نقله عن أبي حنيفة قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله: وقال مالك وأبو حنيفة، لكن قال المحاملي في "المجموع": قال المزني: ليس لأبي حنيفة في المسألة نص ولكن اختلف صاحباه؛ فقال محمد بن الحسن كقولنا، وقال أبو يوسف: إنه على الفور، فأخذ أصحابه بقوله؛ فاستفدنا منه أنه قول الحنفية لا قول أبي حنيفة، وعبارة الرافعي أبعد عن الاعتراض من عبارة "الروضة". قوله: لنا أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخّره النبي ﷺ من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وحج هو سنة عشر، وعاش بعدها ثمانين يومًا ثم قبض إلى -رحمة الله تعالى-. انتهى. وهذا الذي جزم به من نزول الفرض سنة خمس قد صحح ما يخالفه في أوائل السير فقال: وفرض الحج سنة ست، وقيل: سنة خمس. هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين، وصحح ابن الرفعة أيضًا أنه في ست، ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب، وقيل: إنه فرض سنة ثمان قاله الماوردي في "الأحكام السلطانية"، وقيل سنة تسع حكاه في "النهاية". وقوله: (وعاش بعدها) أي: بعد عوده من الحج لا بعد الحج نفسه، فاعلمه؛ فإن الحج انقضى ثالث عشر وتوفي رسول الله ﷺ في الثاني عشر من ربيع الأول.

стр. 1708

وهذه الأمور التي نقلها الرافعي هنا عنه ﵊ كلها صحيحة مشهورة. قوله: وإن تخلف من وجب عليه الحج ومات قبل حج الناس تبين عدم الوجوب، وإن مات بعدما حج الناس استقر الوجوب عليه ولزم الإحجاج من تركته. ثم قال ما نصه: قال في "التهذيب": ورجوع القافلة ليس بشرط حتى لو مات بعد انتصاف ليلة النحر ومضى بعد السير إلى مني والرمي بها وإلى مكة والطواف بها استقر الفرض عليه. فإن مات أو جن قبل انتصاف ليلة النحر لم يستقر. انتهى كلامه، وفيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن "التهذيب" من اشتراط المضى إلى منى والرمي بها وأقره عليه وهو كذلك فيه، وقد ذكره أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" وجزم به ولم يعزه إلى أحد، واشتراطه غلط فإن المشروط في استقرار الفرض إنما هو مضى زمن يمكن فيه فعل الأركان دون ما عداها من الواجبات؛ بدليل عدم اشتراط الرمي في أيام منى والمبيت في لياليها وغير ذلك، حينئذ فلا يشترط مضى زمن يسع الذهاب إلى منى ويسع الرمى بها. وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة" بل ذكرها قبيل المواقيت، وعبر عن قول الرافعي، فإن مات أو جن قبل انتصاف ليلة النحر بقوله قبل ذلك مشيرًا إلى أن الطواف والرمى وغيرهما مما ذكر هو تعبير مؤكد للاعتراض ماض على الاشتراط دافع التأويل فإن عبارة الرافعي ربما تقبل التأويل. الأمر الثاني: أنه أهمل الحلق وما يقوم مقامه وهو التقصير، ولابد من

стр. 1709

مضى زمن يسعه إذا جعلناه ركنًا. الثالث: أنه لم يذكر السعى ولابد منه. نعم إذا دخل مكة قبل الوقوف فطاف القدوم جاز الإتيان بالسعى عقبة؛ حينئذ فإذا كان دخول الناس قبل الوقوف لم يشترط للسعى زمان بعد الانتصاف. الأمر الرابع: أن المبيت بمزدلفة عند الرافعي لا يجب؛ وحينئذ فيكفي في زمن الطواف وغيره مما شرطناه كالسعي والحلق أن يكون واقعًا عقبة انتصاف الليل، ويشترط مع ذلك أن يكون السير بهذه الأمور واقعًا بعد الانتصاف لإمكان سيره من عرفة إلى مكة خصوصًا إذا لم يشترط الجمع بين الليل والنهار بعرفة. قوله: ولو لم يخرج بحج بعد الوجوب حتى مات فقيل: لا يعصي لأنا جوزنا له التأخير، وأظهرهما: نعم، وإلا ارتفع الحكم بالوجوب والمجوز هو التأخير دون التفويت، وقيل: يعصي الشاب دون الشيخ. انتهى كلامه. فيه أمور مهمة سبق بعضها في أوائل كتاب الصلاة، والذي يخص ما نحن فيه أن اسم الشيخ يطلق عند الفقهاء واللغويين على من جاوز الأربعين والقائل هنا بتعصية الشيخ دون غيره قيده بالشيخ الهرم، كذا نقله القاضي الحسين وغيره، وذكره أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" ولابد منه. قوله: يبدأ بحجة الإسلام ثم بالقضاء. . إلى آخره. اعلم أن هذا الكلام يستثنى منه مسألة ذكرها الروياني في "البحر"

стр. 1710

حاصلها تقديم التطوع على النذر فقال: لو حج الفرض ثم نذر الحج في العام الثالث جاز أن يتطوع بالحج في العام الثاني. قال: وفي حجه عن غيره وجهان. هذا كلامه. والسبب في جواز التقديم هاهنا أَنَّا إن أوقعنا المفعول في السنة الثانية عن المنذور لزم تقديم العبادة البدنية على وقتها وهو ممتنع، وإن منعناه بالكلية لزم انسداد في "الروضة" من "زياداته" قبل الكلام على السعي نقلًا عن الروياني أيضًا من غير مخالفة أنه لو نذر طوافًا من زمن معين فطاف في غيره والنذر في ذمته لا يصح على الأصح، وسنذكر لفظه هناك. قوله: ومن عليه فرض ليس له أن يحج عن غيره؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة فقال النبي ﷺ "من شبرمة"؟ قال: أخي أو قريب لي. قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة" (١). وفي رواية: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة". انتهى. شبرمة: بشين معجمة مضمومة ثم باء موحدة ساكنة ثم راء مضمومة، ذكره ابن منده وأبو نعيم في "الصحابة" وتوفي في حياة رسول الله ﷺ .

стр. 1711

والرواية الأولى من هذا الحديث رواها أبو داود بإسناد على شرط مسلم، وأما الرواية الثانية فرواها البيهقي وقال: إسنادها صحيح، ولفظه: "قال: فاجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة". قوله: وقول "الوجيز" بالقضاء ثم بالنذر يعلم بالواو؛ لأن الإمام أشار إلى تردد في تقديم القضاء على النذر، والصحيح العكس. انتهى. أعلم أن هذا التردد الذي ذكره الإمام ليس هو خلافًا للأصحاب؛ فإن القول بتقديم النذر احتمال لنفسه، كذا قاله النووي في "شرح المهذب" قال: وقد اتفقوا على تقديم القضاء. والذي قاله النووي أولًا من أن تقديم النذر احتمال له مسلم وإن كان الرافعي قد أقامه في "شرح الصغير" أيضًا وجهًا كما دل عليه كلامه هنا حيث ذكر أنه يعلم بالواو. وأما دعواه الاتفاق على تقديم القضاء فمردود ففي تعليق القاضي أبي الطيب الجزم بوجوب الأسبق منهما لأنهما جميعًا من جهته. قوله: ولو استؤجر من لم يحج للحج في الذمة جاز وطريقه أن الحج عن نفسه ثم عن المستأجر في سنة بعدها. انتهى. وهذا الكلام قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بأن الأجير يمتنع عليه استئجار من يقوم بهذا الحج الذي استؤجر عليه وذلك يحتاج إلى نقل صريح، والذي يظهر جوازه كاستئجار الوارث عن مورثه وإن كان لم يحج. قوله: ولو استأجر المغصوب رجلين ليحجا عنه في سنة واحدة إحداهما حجة الإسلام والأخرى حجة قضاء أو نذر فوجهان: أحدهما، لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غيرها.

стр. 1712

وأظهرهما -ويحكي عن نصه في الأم: يجوز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي؛ فعلى الأول إن أحرم الأجيران معًا صرف إحرامهما إلى نفسهما، وإن سبق أحدهما وقع إحرامه عن المغصوب وانصرف إحرام الآخر إلى نفسه. انتهى. فيه أمور: أحدها: في إيضاح تعليل الوجهين؛ فأما الأول فقد وقع فيه اضطراب في نسخ الرافعي؛ ففي بعضها ما ذكرناه وهو الصواب ومعناه أن حجة الإسلام في مثالنا لا تتقدم على غيرها وتقدمها لابد منه. وأما تعليل الثاني فوجه ما قاله فيه أنه إن أحرم بهما معًا أو بفرض الإسلام أولًا فواضح عدم تقدم غير فرض الإسلام على فرض الإسلام، وأن تقدم إحرام غير الفرض وقع عن الفرض كما تقدم. فإذا أحرم الآخر به -أي بالفرض- وليس هو عليه انصرف إلى ما بقي عليه وهو القضاء أو النذر. الثاني: قد تقرر من كلامه أن الاعتبار بالإحرام مع أن الذي أحرم أولًا قد يتأخر تحلله وأداؤه الأركان عن المتأخر فيؤدي أيضًا إلى المحذور المذكور، بل التقدم حقيقة إنما وجد في مثالنا في الحجة التي تأخر إحرامها؛ لأن الحجة عبارة عن مجموع الأفعال والمجموع قد تأخر عن تلك. ولو قيل بالتعارض ووقوعهما عن الأخير لم يبعد. وفائدة هذا كله فيما إذا فاوت في الجعل فقال: من حج عنى حجة الإسلام فله ألف مثلًا ومن حج القضاء فله خمسمائة، سواء صدر ذلك من مغصوب أو موص.

стр. 1713

ولو أحرم أحدهما بالقضاء أو النذر وتحلل منه التحللين ثم شرع الآخر في حجة الإسلام انعكس الحال كما لو فعل المستأجر ذلك، ويحتمل أن يقال: إنه يقع عن الأخير حيث حكمنا بالانعكاس؛ لأنه لم يأت بالمأذون فيه، إلا أن قول الرافعي وإن سبق أحدهما رفع إحرامه عن المغصوب ينفيه. الثالث: أن كلامه في التقدم يحتمل معنيين: أحدهما: مفهومه المطلق وجميع ما سبق إنما هو تفريع عليه. والثاني: أن يريد به بالنسبة إلى سنتين فيكون مراده بقوله في تعليل الأول لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غيرها أنها لم تقع في سنة متقدمة على سنة القضاء والنذر، وهكذا أيضًا مراده في تعليل الثاني، وهذا الاحتمال الثاني هو ظاهر كلامه؛ لأنه قد جزم في تعليل الأول بأن حجة الإسلام لم تتقدم على غيرها، وهو صحيح بالنسبة إلى السنة لا إلى التقدم الحقيقي؛ فإن فرض الإسلام قد يقدم على غيره وقد يتقدم غيره عليه وقد يقفان معًا، والرافعي قد سَلّم هذا في تعليل الوجه الثاني ولكن انتقل إلى شئ آخر. قوله: وأما حجة التطوع فهل يجوز الاستنابة من المغصوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لبعد العبادات البدنية عن قبول النيابة وإنما جوزنا في الفرض للضرورة، وأصحهما -وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد: نعم؛ لأنه عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأداء الزكاة. انتهى كلامه. وما أطلقه هنا من جواز ذلك للوارث محله إذا كان الميت قد أوصى به، أما إذا لم يوص فلا يجوز على المعروف.

стр. 1714

هذا حاصل ما ذكره في كتاب الوصية فإنه نقل عن "أمالي السرخسي" خاصة ما يدل على الجواز، ثم قال: لكن العراقيين أطلقوا أنه إن لم يوص بحج التطوع لم يحج عنه. هذا لفظه، وتبعه عليه في "الروضة" على ذلك بعد أن أطلق أيضًا المسألة هنا. نعم؛ صرح هنا بالمنع في "شرح المهذب" وزاد على ذلك فصرح بأنه لا خلاف فيه، ذكر في الكلام على قول "المهذب" وتجوز النيابة في حج الفرض. قوله في المسألة: وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع فاستأجر وقع الحج عن الأخير، وفي استحقاق أجرة المثل قولان مرويان عن الأم: أحدهما: أنه لا يستحق لوقوع الحج عنه. وأظهرهما عند المحاملي وغيره أنه يستحقها لأنه دخل في العقد طامعًا في الأجرة وتلفت منفعته عليه وإن لم ينتفع بها المستأجر فصار كما لو استأجر بحمل طعام مغصوب. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن تعليل الرافعي بقوله لأنه دخل في العقد طامعًا في الأجرة يؤخذ منه أن محل الخلاف فيما إذا جعل الأجير فساد الإجارة، فإن علم فسادها لم يستحق شيئًا بلا خلاف، وقد صرح صاحب التتمة بما اقتضاه كلامه. وحذف النووي هذا التعليل من "الروضة" ثم استدرك ذلك فيها وفي "شرح المهذب" ناقلًا له عن التتمة فقط. الأمر الثاني: وقد استدركه أيضًا النووي في الكتابين المذكورين ناقلًا له عن "التتمة" أيضًا أن القولين إنما هما في المعضوب خاصة، فإن أوصى الميت بحجة تطوع وقلنا: لا تدخله النيابة فحج الأجير وقع عن نفسه ولا أجرة له بلا خلاف لا على الوصي ولا على الوارث ولا في التركة على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي من جريانها في الميت أيضًا.

стр. 1715

الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه وهو الاستئجار على حمل المعضوب قد حذفه النووي من "الروضة" ففاتته هذه المسألة المهمة، والقياس فيها استحقاق أجرة المثل لا المسمى، وفي كلام الرافعي أيضًا إشعار به. الأمر الرابع: أن مقتضى نقل الرافعي رجحان الاستحقاق، ولهذا أطلق النووي تصحيحه في أصل "الروضة"، والصواب خلافه؛ لأن أصح القولين تقديم المباشرة على الغرور كما أوضحوه في باب الغصب وغيره بل سيأتي بعد هذا بقليل من كلامهما ما يوضحه. قوله: والعليل الذي يرجى زوال علته ليس له أن يحج عن نفسه كما مر، فإن أحج وشفي لم يجزئه ذلك قولًا واحدًا، وإن مات ففيه قولان: أحدهما: يجزئه لأنه تبين أنها كانت غير مرجوة الزوال. وأظهرهما عند الأئمة: لا؛ لأن الاستنابة لم تكن جائزة له؛ وعلى هذا فيكون نفلًا ويقع للأجير. وقيل للعليل: ولو استناب من لا يرجو زوالها؛ ثم شفى فعلى القولين، وقيل: لا يقع عن العليل قطعًا. انتهى ملخصًا. واعلم أن قول الرافعي: (يحج) هو بضم الياء، وقوله: (أحج) هو بالهمزة في أوله ومعناهما استنابة غيره في ذلك، ولهذا عدل عنهما في "الروضة" وعبر بنحو ما ذكرناه. إذا علمت ذلك ففيما ذكره في الصورة الأولى أمور: الأول: أن الخلاف المذكور فيها محله في ما إذا حج النائب في حياة

стр. 1716

المريض، فإن حج بعد موته أجزأه بلا خلاف؛ كذا قاله الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره. الأمر الثاني: أن تعليل الرافعي قول الإجزاء بأنا تبينا أن العلة غير مرجوة الزوال يقتضي أن محل الخلاف فيما إذا مات بذلك المرض، فلو مات بسبب عارض بأن قتل أو لسعته حية ونحوه أو وقع عليه سقف لم يجزئه قولًا واحدًا؛ لأنا لم نتبين كون المرض غير مرجو الزوال، وهذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" ثم اغتر هو في "شرح المهذب" بما ذكره في "الروضة" فقال: وقد أطلق الأصحاب "المسألة"، والظاهر أن مرادهم ما دامت بذلك المرض، ثم ذكر ما تقدم ذكره. الثالث: أن القولين في الإجزاء لا يخصان بحال الموت، بل يجريان أيضًا فيما إذا تفاحش ذلك المرض فصار ميئوسًا منه كما صرح به خلائق كثيرون، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا، وهو واضح. الرابع: أن المرض مانع من تعلق الوجوب بالعليل لأنه لا يمكنه الحج بنفسه ولا بغيره وحينئذ فإذا كان غير مرجو فاستنابه ثم برئ ثم مات منه فلا يجب القضاء من تركته إلا إذا كان قد تمكن قبل ذلك المرض أو بعده، وهكذا قياس عليه، وقد نبه على ذلك الدارمي في الاستذكار ناقلًا له عن النص فتفطن له. قوله في المسألة: فإذا قلنا لا يقع عن المستأجر، فلا يستحق أجره في أصح القولين؛ لأن المستأجر لم ينتفع به. انتهى. وتصحيحهم عدم الاستحقاق هنا مخالف لما سبق قريبًا من تصحيحهم الاستحقاق في الاستئجار للتطوع، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الاختلاف فهل هو أجرة المثل أو المسمى؟ فيه وجهان. فأحدهما أنا هل نتبين فساد

стр. 1717

الاستئجار أم لا؟ انتهى. تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح أنه أجرة المثل، كذا صححه في "شرح المهذب". قوله: وإن قلنا بوقوعه عن التطوع المستأجر فعن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخرج ما يستحقه الأجير على هذين الوجهين؛ لأن الحاصل غير ما ابتغاه. انتهى. والأصح هنا استحقاق المسمى؛ كذا صححه في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" واقتضى كلامه في "الشرح" المذكور تصحيح طريقة القطع فإنه قال بعد تصحيح ما نصه: وهذا هو ظاهر كلام البغوي والأكثرين، وقال الشيخ أبو محمد: لا يبعد تخريجه على الوجهين. قوله: وأما المعضوب فيلزمه الاستنابة في الجملة سواء طرأ العضب بعد الوجوب أو بلغ معضوبًا. ثم قال بعد ذلك: ولو امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عنه الحاكم؟ فيه وجهان أشبههما: لا. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن شرط الاستنابة أن يكون بين المعضوب وبين مكة مسافة القصر، فإن كان أقل فلا، بل يكلف الحج بنفسه. قاله في "التتمة" ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره عليه وعلله بأن المشقة لا تكثر عليه. الثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره لا يأتي في القسمين المذكورين وهما: من بلغ معضوبًا، ومن طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج، بل إنما يأتي في القسم الثاني خاصة؛ وذلك لأن من بلغ معضوبًا لا تلزمه الاستنابة على

стр. 1718

الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج فإنه تلزمه المبادرة إلى الاستنابة في أظهر الوجهين عند الإمام وغيره كما أوضحه الرافعي في الكلام على أن الحج لا يجب على الفور، وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن الخلاف المتقدم لا يمكن إحرازه فيما إذا بلغ معضوبًا لعدم الوجوب على الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد الوجوب، ولما تكلم الرافعي على المسألة في الكلام على وجوب الحج على التراخي خص الخلاف بالحالة الثانية كما هو الصواب وأشار هناك إلى أن الحاكم على هذا الوجه مخير بين أن يستأجر وبين أن يجيره على الاستئجار بخلاف ما تشعر به عبارته هنا من تعين الاستئجار. الثالث: أن ما ذكرنا في استئجار الحاكم عند امتناع المعضوب من الإجارة يأتي بعينه في الإذن للمطيع، لكن ذكر النووي في "شرح المهذب" أن المعضوب إذا لم يأذن ألزمه الحاكم فإن امتنع فالوجهان. والذي قاله من الإلزام لا يستقيم، ولم أر من قال به، والتعليل المذكور في الاستئجار والنيابة موجود بعينه في الإلزام، وهذا خيروا بينهما على القول بوجوب الاستئجار كما تقدم، فالصواب أنه أيضًا على الوجهين والقول بالتخيير صريح فيه وفي إبطال ما قاله النووي. قوله: ولوجوب الاستنابة على المعضوب طريقان: أحدهما: أن يكون مالكًا لمال يستأجر به من يحج عنه، والثاني: أن يتبرع غيره بالحج عنه. فإن كان المطيع أحد فروعه لزمه القبول ويشترط فيه أن لا يكون المطيع ضرورة ولا معضوبا وأن يكون موثوقًا بصدقه. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره ﵀ من كونه غير معضوب قد تابعه

стр. 1719

علمه في "الروضة" ومحله إذا كان فقيرًا، فإن كان غنيًا يمكنه الاستئجار عنه لزمه قبوله إذا كان ابنًا؛ كذا ذكره الدارمي في "الاستذكار"، وحكى النووي في "شرح المهذب" عن "التتمة" نحوه، وزاد فحكى في الأجنبي وجهين من غير ترجيح، وعلل عدم اللزوم بأنه في الحقيقة بذل المال. الثاني: أن النووي في "الروضة" قد توهم أن وجوب القبول في الفروع مقطوع به فصرح بنفي الخلاف فقال: فيلزمه القبول والحج قطعًا، ثم اطلع بعد ذلك على خلاف فيه فاعترض به على الرافعي ظنًا منه أنه الذاكر لنفي الخلاف. قوله: فلو بذل الماشي الطاعة وجب القبول إن لم يكن الماشي أبًا أو ابنًا، فإن كان فوجهان. ثم قال: وإذا أوجبنا القبول والمطيع ماشي فهو فيما إذا كان مالكًا للزاد فإن عول على الكسب في الطريق ففي وجوب القبول وجهان أولى بالمنع لأن الكاسب قد ينقطع في الأسفار وإن لم يكن كسوبًا أيضًا، وعول على السؤال فأولى بالمنع لأن السؤال قد يرد. انتهى كلامه بحروفه. فيه أمور: أحدها: أن الراجح من الوجهين المذكورين هو عدم الوجوب. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ورجحه أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: والأشبه المنع؛ لأنه يعسر عليه مشى ولده، فإن كان مع المشي يعول على الكسب فأولى بأن لا يجب القبول لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار وإن كان يعول على السؤال فأولى بالمنع. هذا لفظه. الثاني: أن كلام الرافعي هنا يقتضي أن مسألة المعول على الكسب

стр. 1720

والسؤال صورتها في الماشي وقد صرح به في "الشرح الصغير" كما تقدم لك فلا يلزم من عدم الوجوب في هذه الحالة عدمه في الراكب وحينئذ فتكون مسألة السؤال وحدها أو الكسب وحدها ليست في الشرحين ولا في "الروضة". نعم: صرح بها صاحب "الحاوي الصغير" وأجاب بعدم اللزوم كما أجاب في الماشي. الثالث: قد أسلفنا في أول كتاب الحج أن صاحب التقريب قد نص في كتابه على مسألة حسنة، وهي أن المرأة القادرة على المشي لو أرادت أن تحج ماشية كان لوليها منعها من ذلك؛ وحينئذ فلا يجب القبول في مسألتنا على من جوزنا له المنع بطريق الأولى، بل المتجه عدم الوجوب على الولي وعلى غيره. قوله من "زياداته": قال الدارمي: لو بذل لأبويه فقبلا لزمه ويبدأ بأيهما شاء. قال: وإذا قبل الأب البذل لم يجز له الرجوع. وإذا كان على المعضوب حجة نذر فهي كحجة الإسلام. انتهى. فأما المسألتان الأولتان فالذي ذكره فيهما من اللزوم بعد قبول الأبوين ومن عدم جواز الرجوع هو وجه ضعيف؛ فقد ذكر المسألة قبل هذا بدون صفحة وصحح جواز الرجوع فاعلمه وتفطن له. وجزم ابن عبدان في شرائط الأحكام بما قاله الدارمي وقال: إنه لا يجب عليه على الفور، وهو واضح. وأما المسألة الثالثة فقد تقدم ذكر الرافعي لها أيضًا وبسطها، وقد فرع الدارمي على الأولى تفريعًا حسنًا وهو أنه إذا حج الابن عن أحدهما ثم مات ففي وجوب القضاء عنه خلاف.
следующие страницы →