المريض، فإن حج بعد موته أجزأه بلا خلاف؛ كذا قاله الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
الأمر الثاني: أن تعليل الرافعي قول الإجزاء بأنا تبينا أن العلة غير مرجوة الزوال يقتضي أن محل الخلاف فيما إذا مات بذلك المرض، فلو مات بسبب عارض بأن قتل أو لسعته حية ونحوه أو وقع عليه سقف لم يجزئه قولًا واحدًا؛ لأنا لم نتبين كون المرض غير مرجو الزوال، وهذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" ثم اغتر هو في "شرح المهذب" بما ذكره في "الروضة" فقال: وقد أطلق الأصحاب "المسألة"، والظاهر أن مرادهم ما دامت بذلك المرض، ثم ذكر ما تقدم ذكره.
الثالث: أن القولين في الإجزاء لا يخصان بحال الموت، بل يجريان أيضًا فيما إذا تفاحش ذلك المرض فصار ميئوسًا منه كما صرح به خلائق كثيرون، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا، وهو واضح.
الرابع: أن المرض مانع من تعلق الوجوب بالعليل لأنه لا يمكنه الحج بنفسه ولا بغيره وحينئذ فإذا كان غير مرجو فاستنابه ثم برئ ثم مات منه فلا يجب القضاء من تركته إلا إذا كان قد تمكن قبل ذلك المرض أو بعده، وهكذا قياس عليه، وقد نبه على ذلك الدارمي في الاستذكار ناقلًا له عن النص فتفطن له.
قوله في المسألة: فإذا قلنا لا يقع عن المستأجر، فلا يستحق أجره في أصح القولين؛ لأن المستأجر لم ينتفع به. انتهى.
وتصحيحهم عدم الاستحقاق هنا مخالف لما سبق قريبًا من تصحيحهم الاستحقاق في الاستئجار للتطوع، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الاختلاف فهل هو أجرة المثل أو المسمى؟ فيه وجهان. فأحدهما أنا هل نتبين فساد
стр. 1717
الاستئجار أم لا؟ انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح أنه أجرة المثل، كذا صححه في "شرح المهذب".
قوله: وإن قلنا بوقوعه عن التطوع المستأجر فعن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخرج ما يستحقه الأجير على هذين الوجهين؛ لأن الحاصل غير ما ابتغاه. انتهى.
والأصح هنا استحقاق المسمى؛ كذا صححه في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" واقتضى كلامه في "الشرح" المذكور تصحيح طريقة القطع فإنه قال بعد تصحيح ما نصه: وهذا هو ظاهر كلام البغوي والأكثرين، وقال الشيخ أبو محمد: لا يبعد تخريجه على الوجهين.
قوله: وأما المعضوب فيلزمه الاستنابة في الجملة سواء طرأ العضب بعد الوجوب أو بلغ معضوبًا.
ثم قال بعد ذلك: ولو امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عنه الحاكم؟ فيه وجهان أشبههما: لا. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن شرط الاستنابة أن يكون بين المعضوب وبين مكة مسافة القصر، فإن كان أقل فلا، بل يكلف الحج بنفسه. قاله في "التتمة" ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره عليه وعلله بأن المشقة لا تكثر عليه.
الثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره لا يأتي في القسمين المذكورين وهما: من بلغ معضوبًا، ومن طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج، بل إنما يأتي في القسم الثاني خاصة؛ وذلك لأن من بلغ معضوبًا لا تلزمه الاستنابة على
стр. 1718
الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد وجوب الحج فإنه تلزمه المبادرة إلى الاستنابة في أظهر الوجهين عند الإمام وغيره كما أوضحه الرافعي في الكلام على أن الحج لا يجب على الفور، وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن الخلاف المتقدم لا يمكن إحرازه فيما إذا بلغ معضوبًا لعدم الوجوب على الفور بخلاف من طرأ عليه العضب بعد الوجوب، ولما تكلم الرافعي على المسألة في الكلام على وجوب الحج على التراخي خص الخلاف بالحالة الثانية كما هو الصواب وأشار هناك إلى أن الحاكم على هذا الوجه مخير بين أن يستأجر وبين أن يجيره على الاستئجار بخلاف ما تشعر به عبارته هنا من تعين الاستئجار.
الثالث: أن ما ذكرنا في استئجار الحاكم عند امتناع المعضوب من الإجارة يأتي بعينه في الإذن للمطيع، لكن ذكر النووي في "شرح المهذب" أن المعضوب إذا لم يأذن ألزمه الحاكم فإن امتنع فالوجهان.
والذي قاله من الإلزام لا يستقيم، ولم أر من قال به، والتعليل المذكور في الاستئجار والنيابة موجود بعينه في الإلزام، وهذا خيروا بينهما على القول بوجوب الاستئجار كما تقدم، فالصواب أنه أيضًا على الوجهين والقول بالتخيير صريح فيه وفي إبطال ما قاله النووي.
قوله: ولوجوب الاستنابة على المعضوب طريقان: أحدهما: أن يكون مالكًا لمال يستأجر به من يحج عنه، والثاني: أن يتبرع غيره بالحج عنه.
فإن كان المطيع أحد فروعه لزمه القبول ويشترط فيه أن لا يكون المطيع ضرورة ولا معضوبا وأن يكون موثوقًا بصدقه.
انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره ﵀ من كونه غير معضوب قد تابعه
стр. 1719
علمه في "الروضة" ومحله إذا كان فقيرًا، فإن كان غنيًا يمكنه الاستئجار عنه لزمه قبوله إذا كان ابنًا؛ كذا ذكره الدارمي في "الاستذكار"، وحكى النووي في "شرح المهذب" عن "التتمة" نحوه، وزاد فحكى في الأجنبي وجهين من غير ترجيح، وعلل عدم اللزوم بأنه في الحقيقة بذل المال.
الثاني: أن النووي في "الروضة" قد توهم أن وجوب القبول في الفروع مقطوع به فصرح بنفي الخلاف فقال: فيلزمه القبول والحج قطعًا، ثم اطلع بعد ذلك على خلاف فيه فاعترض به على الرافعي ظنًا منه أنه الذاكر لنفي الخلاف.
قوله: فلو بذل الماشي الطاعة وجب القبول إن لم يكن الماشي أبًا أو ابنًا، فإن كان فوجهان.
ثم قال: وإذا أوجبنا القبول والمطيع ماشي فهو فيما إذا كان مالكًا للزاد فإن عول على الكسب في الطريق ففي وجوب القبول وجهان أولى بالمنع لأن الكاسب قد ينقطع في الأسفار وإن لم يكن كسوبًا أيضًا، وعول على السؤال فأولى بالمنع لأن السؤال قد يرد. انتهى كلامه بحروفه.
فيه أمور:
أحدها: أن الراجح من الوجهين المذكورين هو عدم الوجوب.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ورجحه أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: والأشبه المنع؛ لأنه يعسر عليه مشى ولده، فإن كان مع المشي يعول على الكسب فأولى بأن لا يجب القبول لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار وإن كان يعول على السؤال فأولى بالمنع. هذا لفظه.
الثاني: أن كلام الرافعي هنا يقتضي أن مسألة المعول على الكسب
стр. 1720
والسؤال صورتها في الماشي وقد صرح به في "الشرح الصغير" كما تقدم لك فلا يلزم من عدم الوجوب في هذه الحالة عدمه في الراكب وحينئذ فتكون مسألة السؤال وحدها أو الكسب وحدها ليست في الشرحين ولا في "الروضة".
نعم: صرح بها صاحب "الحاوي الصغير" وأجاب بعدم اللزوم كما أجاب في الماشي.
الثالث: قد أسلفنا في أول كتاب الحج أن صاحب التقريب قد نص في كتابه على مسألة حسنة، وهي أن المرأة القادرة على المشي لو أرادت أن تحج ماشية كان لوليها منعها من ذلك؛ وحينئذ فلا يجب القبول في مسألتنا على من جوزنا له المنع بطريق الأولى، بل المتجه عدم الوجوب على الولي وعلى غيره.
قوله من "زياداته": قال الدارمي: لو بذل لأبويه فقبلا لزمه ويبدأ بأيهما شاء.
قال: وإذا قبل الأب البذل لم يجز له الرجوع.
وإذا كان على المعضوب حجة نذر فهي كحجة الإسلام. انتهى.
فأما المسألتان الأولتان فالذي ذكره فيهما من اللزوم بعد قبول الأبوين ومن عدم جواز الرجوع هو وجه ضعيف؛ فقد ذكر المسألة قبل هذا بدون صفحة وصحح جواز الرجوع فاعلمه وتفطن له. وجزم ابن عبدان في شرائط الأحكام بما قاله الدارمي وقال: إنه لا يجب عليه على الفور، وهو واضح.
وأما المسألة الثالثة فقد تقدم ذكر الرافعي لها أيضًا وبسطها، وقد فرع الدارمي على الأولى تفريعًا حسنًا وهو أنه إذا حج الابن عن أحدهما ثم مات ففي وجوب القضاء عنه خلاف.
стр. 1721
قوله في "الروضة": والأظهر الجديد أن العمرة فرض والقديم أنها سنة. انتهى.
والقول بعدم الوجوب ثابت في الجديد؛ فقد نص عليه الشافعي في أحكام القرآن؛ كذا حكاه عنه جماعة منهم المحاملي والقاضي أبو الطيب، وقد أشار الرافعي إلى ذلك وإن كان غير جازم به فقال عقب ما سبق: وأشار بعضهم إلى ترديد القول فيه قديمًا وجديدًا.
قوله: وعندنا يجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة؛ وذلك بأن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك. ذكره في "العدة". ولو استأجر بالنفقة لم يصح لأنها مجهولة. انتهى كلامه.
والمراد بالرزق أن لا يستأجر، بل يعقد بصيغة الجعالة ونحوها بأن يقول: من حج عني فله ألف، أو حج عني وأعطيك ألفًا.
إذا علمت ذلك فما نقله عن صاحب العدة من أصل الجواز صحيح، وأما ما نقله عنه من الجواز بالنفقة وأقره عليه فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم ينقله عنه، وكذلك فعل النووي في "الروضة".
والحكم المذكور مردود بحثًا ونقلًا.
أما بحثًا: فواضح وهو جهالة العوض.
وأما نقلًا: فإن الشافعي قد نص على المسألة وصرح بعدم الصحة فقال في "الأم" ما نصه: قال رجل لرجل: حج عن فلان الميت بنفقتك دفع إليه النفقة أم لم يدفعها هذا غير جائز؛ لأن هذه أجرة غير معلومة، فإن حج أجزأت عنه وله أجرة مثله، وقد نص في الإملاء على مثله فقال: وإن كان لم يكن يؤاجر ودفع إليه مالًا فقال: وقيل: ويجوز أن رجل دراهم فيقال: أنفق منه وحج عن فلان، فحج عن فلان وله أجرة مثله؛ لأن هذه
стр. 1722
إجارة فاسدة لأنها غير معلومة فرد الفضل من إجارة مثله.
وكذلك إن دفع إليه مالًا فقال أنفق منه وحج عن فلان، فإن خسر فعلينا وإن زاد فلنا هذا لفظ "الإملاء" بحروفه ومنه نقلت.
وذكر في "البويطي" مسألة نحوه أيضًا فقال: حج عن فلان وأكثر منها وأنفق فما بقي فرده وما خسر فعلينا. هذا لفظه بحروفه.
وقد وقع النووي في "شرح المهذب" في أشد مما وقع فيه في "الروضة" فقال: ويجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة، وهذا لا خلاف فيه.
صرح به القاضي أبو الطيب في "المجرد"، والأصحاب قالوا: وذلك أن يقول حج من غير عني وأعطيك نفقتك أو كذا وكذا. وهذه عبارته، وهو عجيب جدًا.
قوله: والأصح المنصوص صحة الجعالة على الحج وغيره مما تصح الإجارة عليه، وقيل: لإمكان العقد عليه بالإجارة، ثم قال فعلى الثاني قد حج عنه إنسان وقع الحج عن المعضوب الإذن، وللعامل أجرة المثل لفساد العقد، وفيه وجه أنه يفسد الإذن؛ لأنه غير متوجه إلى البيان بعينه فهو كما لو قال وكلت من أراد بيع داري فلا يصح التوكيل. انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بالتوكيل ليس بجيد بل ينبغي أن يقول فلا يصح الإذن؛ لأن الكلام في أنا إذا فرعنا على بطلان العقد هل يبطل الإذن أم لا؟
قوله: مقتضى كلام إمام الحرمين والغزالي تجويز تقديم الإجارة على خروج الناس للحج وأن للأجير انتظار خروجهم ويخرج مع أول رفقة، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم يقتضي اشتراط وقوع الإجارة العينية في زمان خروج الناس من تلك البلد حتى قال صاحب "التهذيب":
стр. 1723
لا يصح إلا وقت خروج القافلة بحيث يشتغل عقب العقد بالخروج أو بأسبابه كشراء الزاد، وسوأء على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج ليمكنه الاشتغال بالعمل عقب العقد، وعلى ما قاله الإمام والغزالي لو جري العقد في وقت تراكم الأنداء والثلوج فوجهان: أحدهما يجوز، وبه قطع الغزالي في "الوجيز" وصححه في "الوسيط" لأن توقع زوالها مضبوط.
والثاني: لا لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار خروج الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر.
هذا كله في إجارة العين.
أما إجارة الذمة فيجوز تقديمها على الخروج بلا شك. انتهى ملخصًا.
وقد اعترض في "الروضة" نقل ابن الصلاح وأقره عليه فقال: قلت: أنكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح على الإمام الرافعي هذا النقل عن جمهور الأصحاب.
قال: وما ذكره عن صاحب "التهذيب" على التوفيق بينه وبين كلام الإمام أم هو شذوذ من صاحب "التهذيب" لا ينبغي أن يضاف إلى جمهور الأصحاب؛ فإن الذي رأيناه في "التتمة" و"الشامل" و"البحر" وغيرها مقتضاه أنه يصح العقد في وقت يمكن فيه الخروج والسير على العادة أو الاشتغال بأسباب الخروج.
قال صاحب "البحر": أما عقدها في أشهر الحج فيجوز في كل موضع لإمكان الإحرام في الحال. هذا كلام الشيخ أبي عمرو. انتهى كلام "الروضة"، وفيه أمران:
стр. 1724
أحدهما: أن سكوت النووي على كلام ابن الصلاح يوهم صحة ما استدرك على الرافعي، وليس كذلك بل الأمر كما نقله الرافعي عن الجمهور فقد صرحوا أنه في كتبهم المشهورة والمجهورة، ونقل النووي في "شرح المهذب" عبارة جمع كثير منهم.
وفي بعض ما نقله كفاية في رد كلام ابن الصلاح فراجعه، ولولا الإطالة والاكتفاء بما ذكرته لذكرت عباراتهم.
نعم: جوز ابن المرزبان عقدها قبل الوقت مطلقًا، وقال بعضهم: إن كان قريبًا لم يجز، وإن كان بعيدًا جاز. حكاهما الدارمي بعد تصحيحه المنع كما صححه غيره.
وحاصل ما أشرنا إليه من المنقول اعتبار وقت الخروج وأن زمن تحصيل الزاد ونحوه لا يضر إذا كان الخروج عقبه؛ لأنه في العرف ليس بخارج عن وقت الخروج، وهذا الذي تحصل من نقولهم مخالف لكلام الإمام والغزالي قطعًا وموافق لما يقوله الرافعي، بل النقول التي استند إليها ابن الصلاح يوافقه أيضًا فمن أين يجئ الاعتراض على الرافعي؟ .
الأمر الثاني: أن هذا الحكم المذكور في الزيادات عن صاحب "البحر" وهو جواز عقدها في أشهر الحج في كل موضع قد صرح به خلائف كثيرون وهو يؤخذ أيضا من كلام الرافعي؛ لأنه جوز ذلك في مسألة، وإذا جاز ذلك فيها جاز في غيرها من الأماكن البعيدة بطريق الأولى.
قوله: ففي "التهذيب" وغيره أنه إن قال: ألزمت ذمتك لتحج بنفسك، لم يجز أن يستنيب لأن الأغراض تختلف باختلاف أعيان الأجزاء، وهذا قد ذكره الإمام عن الصيدلاني وخطأه فيه وقال ببطلان الإجارة لأن الدينية مع الربط بمعين تتناقضان فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، وهذا إشكال
стр. 1725
قوي. انتهى.
وحاصل الجزم بالصحة أنه ليس فيه إلا كلام الإمام.
إذا علمت ذلك فقد جزم بالبطلان في آخر كتاب الإجارة في المسائل المتعلقة بالباب الأول وستعرف لفظه هناك. وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" وردها النووي في كتاب الحج في "شرح المهذب" كما ذكرها فيه في "الروضة"، ووافق الفوراني في هذا الباب من "العمد" على الصحة أيضًا، وفرق بينه وبين المسلم بأن الحج قربة وإعراض الناس في عين من تحصيل القربة متفاوت؛ لأنه قد يستأجر فاسقًا ويخرج به عن العهد شرعًا، وأما في السلم فلأنه إذا أطلق حمل على الحد.
قوله: وهل يشترط تعين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ فيه قولان: أحدهما: يشترط لاختلاف المواقيت.
والثاني: لا يشترط، ويعتبر ميقات تلك البلدة على العادة الغالبة، وبهذا أجاب في "المقنع" وصححه ابن عبدان. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وأطلق تصحيح الثاني وفيه أمران:
أحدهما: أنه لم يبين المراد بالبلد هل هي بلد الإجارة أو بلد المحجوج عنه وقد بينه جماعة منهم الغزالي في "البسيط" فقال إن الاعتبار ببلد المحجوج عنه، وكذلك البغوي في "التهذيب".
الثاني: إن الأجير إذا عدل عن الميقات الواجب إلى غيره جاز إن كان مثله أو أطول منه.
كذا ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق فاعلمه؛ فإن كلامه هنا
стр. 1726
يوهم خلافه، وستقف على المسألة بعد هذا بقليل.
قوله: ووراءه صورة أخرى؛ وهي أن يستأجر المعضوب لنفسه ثم يموت ويؤخر الأجير الحج عن السنة الأولى فهل يثبت الخيار للوارث؟ لم نلقها مسطورة.
ولفظ "الوجيز" يشعر بعدم ثبوثه، والقياس الثبوت كخيار العيب. انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على دعوى عدم نقلها ولكنه خالفه في الحكم فقال: الظاهر المختار أنه للوارث الفسخ إذ لا ميراث في هذه الأجرهة بخلاف الرد بالعيب. هذا كلامه.
والعجب من قول هذين الإمامين أن المسألة ليست مسطورة مع أنها مسطورة في الكتب المشهورة؛ فقد صرح بها المحاملي في "المجموع" في باب الإجارة على الحج وهو في أثناء كتاب الحج فقال: وأما إذا استأجره إجارة في الذمة بأن يستأجره ليحصل له حجه فإطلاق هذه الإجارة يقتضي التعجيل.
ثم قال ما نصه: وفرع أبو إسحاق على هذا فقال: إذا استأجره ليحصل له حجه وأطلق فإطلاق العقد حجه في هذه السنة، فإن أخر الحج عن هذه السنة نظر في المستأجر، فإن كان حيًا فله فسخ الإجارة لأنه ينتفع بذلك -وهو أنه يتصرف في الأجرة-، وإن كان ميتًا لم يجز فسخ الإجارة بل ينتظر إلى الثانية ثم يحج الأجير الحج عنه؛ لأنه إذا استرجع منه الأجرة فلا يتمكن الوارث من التصرف فيها ولابد من استئجار غيره ولا يمكن استئجاره قبل السنة الثانية فلا فائدة في استرجاع ذلك، بل يترك حتى يحج
стр. 1727
عنه الأجير في السنة الثانية. هذا لفظ المحاملي، وهو يوافق ما أبداه النووي بحثًا.
ثم رأيت المسألة في "عدة" الطبري فنقل عن سليم الرازي أنه لا خيار، ونقل عن المحاملي أن المسألة ليست منصوصة للشافعي وأن الذي يجئ على المذهب ثبوته، وهذه "العدة" هي عدة أبي عبد الله الحسين التي ينقل عنها صاحب "البيان" لا عدة أبي المكارم ابن أخت صاحب "البحر" الذي ينقل عنها الرافعي، فاعلم ذلك.
قوله: ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد فالمذهب أنه لا شئ عليه. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه.
وتقييده ذلك بالمساوي أو الأبعد يشعر بأن الأقرب إلى مكة لا يجوز له سلوكه ويلزمه الدم لو فعله، وبه صرح البغوي في "التهذيب" فقال عليه دم الإساءة إلا أن يكون الولي استأجره وعين له ذلك فالدم على الولى. قاله في باب الإجارة.
وصرح به أيضًا الغزالي في "البسيط" واقتضى كلامه أن العبرة فيما ذكرناه بالمسافة سواء كان ميقاتًا شرعيًا أم لم يكن إذا لم تكن فيه مجاوزة للميقات، لكن في "المهذب" و"التتمة" و"الشامل" و"البيان" وغيرها القطع بالجواز وعدم وجوب الدم لأن الشرع قد جعل هذه المواقيت بعضها يقوم مقام بعض.
وهذا الذي ذكروه مناف للتعيين الذي نحن نفرع عليه، وقد فرع الطبري شارح "التنبيه" على ذلك فرعا طويلًا فقال: لو استأجر مكي عن أفقي ليحج عنه أو يعتمر ولم يعين له ميقات وقلنا يصح وينزل على ميقات
стр. 1728
المستأجر عنه فأحرم من مكة فوجوب الدم ينبني على الوجهين المتقدمين فيما إذا أحرم من ميقات بلد دون ميقات بلد دون ميقات بلد المستأجر، فإن منعنا ثم كما قال البغوي فهنا أولى، وإن جوزنا ثم كما في "المهذب" و"التتمة" وغيرهما احتمل هنا وجهين: أحدهما: لا شيء عليه؛ لأن مكة ميقات شرعي والشرع أقام المواقيت الشرعية بعضها مقام بعض؛ فعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة فلا شئ على المستأجر أيضًا، وأصحهما: عليه دم؛ لأن العبرة بالمستأجر.
ولو استأجر أفقي مكيًا للتمتع لزمه دم، ولا نظر إلى كون الآتي به مكيًا.
والفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحرم الأجير من ميقات شرعي دون ميقات المستأجر لأن الأجير منزل منزلة المستأجر والمستأجر لو أتى من طريق الميقات الذي أحرم منه الأجير كان ميقاتًا له، وكذلك أجيره.
ولو دخل مكة غير محرم وهو مريد للنسك ثم أحرم منها لزمه دم الإساءة ولم يكن ميقاتًا للمار بها بل للمقيم بها بشرط أداء تحية حرمها المشروعة لمريد النسك والمستأجر عنه غير مقيم بمكة وهو مريد للنسك ولم يؤد وظيفة التحية، وأجيره بمنزلته فليقم بما لزمه لو كان ناسكًا فيخرج إلى حيث لزمه الإحرام منه فيحرم منه، ويزيد ذلك بيانًا أنهم اتفقوا على أن الأفقي لو مر بميقات وأراد مجاوزته ليحرم من مكة لكونها ميقاتًا منصوصًا عليه لم يجز قطعًا.
واختلفوا فيما سوى مكة كما تقدم في محاذاة الحليفة والجحفة فدل على مغايرتها لغيرها؛ وعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة للإحرام لم يصح العقد لكن لو أحرم عنه منها صح وتأثير الفساد في بطلان المسمى ووجوب
стр. 1729
أجرة المثل وهل يجب دم؛ لأن التعيين بطل لبطلان العقد وبقى إذن مجرد في النسك فاقتضاه كاملًا، فإذا نقضه وجب جبره أو لا يجب لأنه أتى به كما أمر؟ فيه احتمالان، وعلى الثاني إن كان المستأجر عنه في صورة الغضب وجب عليه دم، وإن كان وليه في صورة الموت احتمل وجهين كقولي دم محظور الصبي؛ فإن قلنا: الدم على الولي ثم، فهنا أولى؛ لأنه المباشر للمحظور، وإن قلنا في مال الصبي ففي التركة، فإن لم يكن فالظاهر أنه لا يتعين الولي ولو قبل بتعيينه لم يبعد ويجعل بشرطه كالملتزم.
فإن قيل: اتفق الجمهور على جواز استئجار المرأة للحج عن الرجل فإحرامهما مختلف ولا يجب دم قطعًا للبسها المخيط وتغطية رأسها لا عليه ولا عليها اعتبارًا بحالها لكونها المباشرة، فهلا كان استئجار المكي كذلك بالنسبة إلى الميقات؟ قلنا: الفرق أنهم جعلوا الميقات معتبرًا بالمستأجر ولهذا اختلفوا في وجوب تعيينه في الإجارة لاختلاف الغرض باختلافه وذلك لتمكن الأجير من الإحرام منه وإن شق عليه، ولا كذلك لباس المحرم فإنه معتبر به لا بالمستأجر؛ فلذلك جوزنا في إحرامها ما لم يجز في إحرامه لتعينه في حقها؛ إذ الستر واجب عليها، والله أعلم.
وهذا كله إذا استؤجر المكي من تركة الميت. فلو تبرع متبرع بالنسك عنه حيث جاز ففي الدم الاحتمالان فيما إذا عينت مكة للإحرام في الإجارة، وأولى أن لا يجب لأنه جرى ثم التزام نسك متصف بنقص فلما بطل العقد أثر بطلانه في إلغاء الصفة وبقي مجرد النسك والأصل فيه التمام ولا التزام هنا وانما تبرع به ناقصًا فلزمه بالإحرام ما بعده كاملًا حتى لو أساء في شئ منه لزمه جبره وأتى بأصل الإحرام كما تبرع به؛ وعلى هذا يجب الدم في تركه المحجوج عنه؛ لأن الإحرام من الميقات من جملة الواجبات وقد أسقط عنه ما عداه فكان جبره من ماله كما لو قضى عنه بعض دينه وبقي بعضه.
стр. 1730
فإن لم يكن له تركه أو كانت ولم يجب عليه الحج لم يجب على واحد منهما.
وذكر فقهاء اليمن من أهل العصر أن المحجوج عنه إن كان قد وجب عليه الحج لم يلزم المتبرع عنه شيء وكأنه قضى بعض دينه وإن لم يجب عليه ألحق بالإحرام عن الصبي فيخرج على الوجهين بجامع التوريط فيما لم يلزمهما ولا اختيار لها فيه، وهو قريب ولكن الفرق ممكن وهو المختار، فإن توريط الصبي حقيقة فإنه صار ناسكًا بإحرام الولي عنه، فلو حط المورط فألزم زائد النفقة والكفارات، وهنا إنما ورط نفسه بالتبرع بالإحرام لا المحجوج عنه فيلزمه جبر النقص بعده من ترك مأمور وارتكاب محظور قطعًا بخلاف نقض الإحرام نفسه كما قدمناه، وهذا كله في المتبرع بالنسك من مكة.
أما المتبرع بالاستئجار فإن ألحقنا مكة بالمواقيت الشرعية على ما تقدم فلا شيء عليه وإلا فسدت الإجارة لاقترانها بالشرط الفاسد ويبقى مجردًا دون العاقد وفيه الاحتمالات المتقدمان فيما لو عين له مكة في الإجارة. وهذا الفرع لم أر فيه نقلًا.
قوله في أصل "الروضة": فلو عينا مكانًا أبعد من الميقات الشرعي بأن عينا الكوفة مثلًا فهل يلزم الأجير الدم بمجاوزته غير محرم؟ وجهان: الأصح المنصوص: نعم.
فإن قلنا باللزوم فهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شئ من الأجرة؟ على قولين: أصحهما: لا ينجبر ثم قال: ولو شرط الإحرام من أول شوال فأخره لزمه الدم، وفي الانجبار الخلاف، وكذا لو شرط أن يحج ماشيا فحج راكبًا لأنه ترك مقصودًا.
هكذا نقلت المسألتان عن القاضي الحسين ويشبه أن تكونا مفرعتين على أن الميقات المشروط كالشرعي وإلا فلا يلزم الدم كما في مسألة تعيين
стр. 1731
الكوفة. انتهى كلام "الروضة".
وما ذكره هنا من لزوم الدم والحط فيما إذا حج راكبًا قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال بعد حكايته لما ذكره في "الروضة" ما نصه: وقطع البغوي بأنه إذا استأجره ليحج ماشيًا فحج راكبًا؛ فإن قلنا: الحج راكبًا أفضل، فقد زاد خيرًا.
وإن قلنا: الحج ماشيًا أفضل، فقد أساء بترك المشي وعليه دم، وفي وجوب رد الميقات بين أجرة الراكب والماشي وجهان بناء على ما سبق، وهذا الذي قاله المتولي هو الأصح. هذا لفظه في "شرح المهذب".
والأصح عنده -أي: عند النووي- أن الحج راكبًا أفضل؛ فيكون الأصح عنده أنه لا دم ولا حط على خلاف المذكور في "الروضة".
ونظير المسألة ما إذا نذر أن يحج ماشيًا فحج راكبًا، وقد صحح فيها في "الروضة" وجوب الدم أيضًا، وستعرف المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: الأولى إذا استأجره للقران فامتثل فالدم على المستأجر في أصح الوجهين، والثاني: على الأجير.
وإن أفرد أو تمتع وأتى بهما معًا من الميقات بأن عاد إليه بعد الفراغ من الأول وكانت الإجارة على الذمة فلا شئ عليه لأنه زاد خيرًا ولا على المستأجر لأن الأجير لم يقرن ولم يتمتع.
ثم قال: وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يجب على المستأجر دم لأن القران الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابن الصباغ وغيره. انتهى موضع الحاجة ملخصًا.
وما ذكره هنا من عدم وجوب الدم على المستأجر قد تابعه عليه في "الروضة" وموافقته عليه مناقضة لما سيأتي في المجامع فإنه قد صرح من
стр. 1732
"زوائده" بأن القارن والمتمتع إذا أفسدا نسكهما وقضياه مفردين يلزمهما دم آخر للقضاء الذي كان في الذمة، ثم إنه لما حكم بالوجوب بالغ فيه فراجعه، وكلام الرافعي هناك وفي باب النذر مقتضاه رجحان عدم الوجوب؛ فهو ماشي على قاعدة واحدة.
قوله: المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر؛ إن قدم العمرة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيرًا، وإن أخر العمرة. . . . إلى آخر ما ذكره.
واعلم أن ما ذكره هاهنا من أنه إذا قدم العمرة وعاد للميقات فأحرم بالحج يكون مفردًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك؛ فإن هذا وجه ضعيف، والمشهور -كما قاله الرافعي في آخر الكلام على شروط التمتع- أن هذا متمتع ولكن لا يلزمه الدم، وسأذكر لفظه هناك.
قوله في "الروضة" في المسألة المذكورة -وهي الأمر بالتمتع-: وإن قرن فقد زاد خيرًا. نص عليه؛ لأنه أحرم بالنسكين من الميقات، وكان مأمورًا بأن يحرم بالحج من مكة، ثم إن عدد الأفعال للنسكين فلا شئ عليه وإلا فهل يحط شئ من الأجر لاختصاره في الأفعال؟ وجهان، وكذا الوجهان في أن الدم على المستأجر أم الأجير. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذين الوجهين اللذين حكاهما النووي من غير ترجيح قد ذكر الرافعي بعد حكايتهما كلامًا آخر حاصله تصحيح الحط؛ فإنه قال: نقلوا وجهين في أنه هل يحط شيء من الأجره للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدم أو على الأجير لنقصان الأفعال.
وكل ذلك يخرج على الخلاف المتقدم في عكسه وهو ما إذا تمتع المأمور بالقران. هذا لفظه، والصحيح في عكسه أنه مخالف.
стр. 1733
الأمر الثاني: أن تعبيره في "الروضة" عن الوجهين المذكورين ثانيًا بقوله: وكذا الوجهان -أعني بصيغة ال- لا يستقيم بعد تنكيره الوجهين المذكورين أولًا؛ فتأمله؛ فالصواب تعريفهما أو تنكيرهما.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ثم إن عدد الأفعال للنسكين ظاهره أن يتبرع فيأتي بطوافين وسعيين كما يشترطه أبو حنيفة. وليس كذلك بل المراد تجديد العود إلى الميقات كما سبق في التمتع؛ فإنه ينفع القارن في سقوط الدم على الصحيح كما يأتي في موضعه، إلا أنه لو استحضر أن المراد ما ذكرناه لعبر بقوله ثم إن عاد فإنه أخصر وأقرب إلى المراد، وعبر الرافعي بقوله ثم إن عدد الأفعال.
واقتصر عليه فزاد النووي لفظه (النسكين) فزاد الكلام خللًا وإيهامًا، وعبر في "شرح المهذب" بعبارة "الروضة" في المسألة جميعها بل في مسائل الفصل جميعه.
قوله: فلو مات في أثناء الحج فهل يجوز البناء على حجه؟ فيه قولان: الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء.
ثم قال ما نصه: لأنه لو أحصر فتحلل ثم زال الحصر فأراد البناء لا يجوز، فأما إذا لم يجز البناء على فعل نفسه فأولى أن لا يجوز لغيره البناء على فعله. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره صريح في أن القولين لا يجريان في المحصر إذا تحلل وهو مخالف لما ذكره في أواخر مواقع إتمام الحج في الكلام على المحصر فإنه قال هناك ما نصه: وهل يجوز البناء لو انكشف الإحصار؟ فيه الخلاف السابق؛ الجديد: لا يجوز، والقديم: الجواز إحرامًا ناقصًا. هذا كلامه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "شرح المهذب" فسلم الكتابان من الاختلاف.
стр. 1734
قال ﵀: المقدمة الثانية في: المواقيت
قال الشافعي: وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة واعترض ابن داود عليه في تعبيره بالتسع فقال: إما أن يريد به الأيام أو الليالي؛ إن أراد الأيام فاللفظ مختل؛ لأن جمع المذكر في العدد بالهاء كما قال تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١)، وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي التي يصح الإحرام فيها عنده عشر لا تسع.
قال الأصحاب: هاهنا قسم آخر؛ وهو أن يريد الأيام والليالي جميعًا، والعرب تغلب التأنيث في العدد، ولذلك قال تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، وقال ﵊: "واشترط الخيار ثلاثًا" (٣). والمواد الأيام والليالي. . . . إلى آخر ما ذكر.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في القسم الأول من أن جمع المذكر لابد فيه من الهاء إنما محله إذا كان المعدود ملفوظًا به، فإن كان محذوفًا كما وقع في كلام الشافعي فكقولك صمت عشرة -يريد: عشرة أيام- فإنه يجوز له حذف التاء وإثباتها وإن كان الإثبات هو الفصيح.
ومما ورد من ذلك ما حكاه الكسائي عن ابن الجراح: صمنا من الشهر خمسًا.
стр. 1735
وحكى أيضًا الفراء: أفطرنا خمسًا وصمنا خمسًا، ومنه الحديث الصحيح: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال" (١). وإذا علمت ذلك علمت أن الكلام الشافعي صحيح على إرادة الأيام.
والعجب من سرعة اعتراض ابن داود أو غيره على الشافعي في حكم لغوي وكلامه حجة في اللغة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من احتمال إرادة الأيام والليالي جميعًا والعرب تغلب المؤنث على المذكر عند اجتماعهما جواب عجيب؛ لأن السؤال باق وهو إخراج الليلة العاشرة.
الأمر الثالث: أن القائل مثلًا إذا قال سكنت الدار تسعًا وأراد أيامًا وليالي؛ فإن أراد أن بعض التسع أيام وبعضها ليالي فهذا جمع بين مذكر ومؤنث حقيقة، ولا يستقيم إردة ذلك هاهنا، وإن أراد ما يريده القائل بقوله عشرة أيام بلياليها فالمعدود مذكر وإنما نوى مع المعدود شيئًا آخر مؤنثًا، وكذا عكسه.
الأمر الرابع: أن هذا اللفظ الذي جزم به هنا بإسناده إلى النبي ﷺ قد أنكره غاية الإنكار في كتاب البيع، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: أما المقيم بمكة فميقاته مكة ثم من أي موضع أحرم منها جاز، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن يتهيأ للإحرام ويحرم من المسجد قريبًا من البيت وأظهرهما: الأفضل أن يحرم من باب داره ويأتي المسجد محرمًا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا أن المستحب لمن ميقاته خلفه أو
стр. 1736
قريبه أن يحرم من الطرف الأبعد من مكة ليقطع الباقي محرمًا، وقياسه أن المكي يحرم من طرفها الأبعد عن مقصده -وهو عرفات- تعين ما قاله من العلة.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من زياداته في الكلام على ركعتي الإحرام أن الأصحاب قالوا: إن كان في الميقات مسجد فالمستحب أن يصلي الركعتين فيه وما تقرر أن ميقات المكي مكة وفيها مسجد فيستحب فعلها فيه وحينئذ فكيف يجتمع ذلك مع ما صححوه هنا من كونه يحرم من باب داره ثم يأتي المسجد؛ لأن الركعتين سابقة على الإحرام.
قوله: وميقات المتوجهين من المدينة ذو الحليفة، وهي على ميل من المدينة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ما نبه عليه العمراني؛ وهو أن عائشة كانت تحرم من ذي الحليفة وبالعمرة من الجحفة.
قال: وهو محمول عندنا على أن للمدينة طريقين فمن أي الطريقين سلك أحرم من ميقاتها، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي الزبير أن جابرًا سئل عن المهل -فقال أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة (١).
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون ذي الحليفة على ما ذكره صاحب "الشامل" فقلد فيه الرافعي والحسي يرده، بل الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ وهو ثلاثة أميال أو يزيد قليلًا، بل ذكر الغزالي في "البسيط" أنها على ستة أميال وصححه في "شرح المهذب"، وقيل على سبعة، ولم يتعرض في "الروضة" لشيء من ذلك.
стр. 1737
وذو الحليفة: اسم ماء من مياه بني خيثم.
والحليفة: تصغير الحلف بفتح الحاء واللام، واحد الحلفا وهو النبات المعروف.
قوله: وميقات المتوجهين من المشرق والعراق وخراسان ذات عرق؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، وإنا إذا ردناه شق علينا. قال: فانظروا حذوها، فحد لهم ذات عرق (١).
والثاني وإليه صيغ الأكثرين أنه منصوص عليه روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق ذات عرق. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الأكثرين وأقرهم عليه قد ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا فقال إنه الأرجح ثم خالف ذلك في "شرح مسند الإمام الشافي" فقال: ذهب الشافعي إلى أن ذات عرق ليس منصوصًا عليه وإنما هو باجتهاد عمر. هذه عبارته، ولم يحك فيه خلافًا، وهو تباين فاحش؛ فإن حاصله أم مقابله ليس مذهبًا له.
الأمر الثاني: أن قول الشافعي قد اختلف في ذات عرق فقال في موضع: هو منصوص عليه، وفي موضع آخر: ليس منصوصًا عليه. كذا ذكره القاضي أبو الطيب في "تعليقه"؛ فثبت إذن أن الخلاف قولان لا وجهان. والحديث الأول رواه البخاري.
والمصران: هما البصرة والكوفة.
стр. 1738
والمراد بفتحهما: عمارتهما؛ لأنهما إسلاميتان بنيتا في خلافة عمر.
وجور: بفتح الجيم وآخره راء مهملة من قولهم: جار يجور إذا مال أي: مائل منحرف.
والحديث الثاني رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه من رواية جابر، إلا أن الرواي عن جابر وهو أبو الزبير لم يجزم بأن جابرًا رفعه إلى النبي ﷺ قال: أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، ورواه عنه جماعة مرفوعًا -يعني شاك-، إلا أن إسناد هذه الرواية ضعيف. والسماع المعتمد عن المنقين في قرن هو التسكين، ورأيته منقولًا عن أبي عبيد وغيره ورواه صاحب "الصحاح" بالتحريك، وادعى أن أويسًا منسوب إليه. انتهى.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اتفق العلماء على التسكين واتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء وفي نسبة أويس إليه قال في "شرح المهذب": وانما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد بلا خلاف بين أهل المعرفة.
وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ أنه قال: "أويس بن عامر من مراد ثم من قرن" (١).
قوله: الثانية: إذا سلك طريقًا لا ينتهى إلى ميقات أحرم عند محاذاة الميقات، فلو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة نظر إن تساويا في المسافة إلى مكة وإلى طريقه جميعًا أو في المسافة إلى مكة وحدها أحرم عند محاذاتهما، وإن تساويا في المسافة إلى طريقة وتفاوتا في المسافة إلى مكة ففيه وجهان: أحدهما: أن له أن يحرم عند محاذاة أقربهما.
стр. 1739
وأظهرهما: يتعين المحاذى الأبعد، وليس له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب كما ليس للخارج من المدينة أن يجاور ذا الحليفة ليحرم من الجحفة، وقد يتصور في هذا القسم محاذاة الميقاتين دفعة واحدة؛ وذلك بانحراف أحد الطريقين لو عورة وغيرها وحينئذ فلا كلام في الإحرام موضع المحاذاة.
لكن هل إحرامه منسوب إلى أبعد الميقاتين أو قريبهما؟ حكى الإمام فيه وجهين. قال: وفائدتهما فيما إذا جاوز موضع المحاذاة وانتهى المكان الذي يسلك منه إلى الطريقين اللذين للميقات فأراد العود لدفع الإساءة ولم يعرف موضع المحاذاة فهل يرجع إلى هذا أم ذاك؟ وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه فالاعتبار بالأقرب إليه، وقيل: إلى مكة.
واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضى كل واحد إلى ميقات، ويمكن تصوير القسم الثالث والرابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كذي الحليفة والجحفة؛ فإن أحدهما بين يدي الآخر فقد يتساوى قربهما على طريقه وقد يتفاوت. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالمحاذاة في هذا الموضع هو المسامته عن اليمين أو الشمال دون الظهر أو الوجه.
الثاني: أن الإمام قد احترز بقوله: ولم يعرف موضع المحاذاة عما إذا عرفه فإنه يرجع إليه أو إلى مثل مسافته من أحد الميقاتين كذا صرح به الإمام أيضًا.
الثالث: أن تساوى الميقاتين في المسافة إلى مكة واضح، وأما تساويهما بالنسبة إلى طريقه فيحتمل أمور:
أحدها: أن يحاذيهما معًا وتكون المسافة من موضعه إلى أحدهما
стр. 1740
كالمسافة من ذلك الموضع إلى الآخر.
ثانيها: أن يحاذي أحدهما قبل الآخر إلا أن مسافة ما بين الأول وموضع محاذاته كمسافة ما بين الثاني وموضع محاذاة الأول سواء؛ وذلك بأن تكون المسافة من محاذاة الثاني إليه أقل لأجل انحراف ووعورة في طريق الأول.
وهذه الأقسام داخله في قول الرافعي أولًا ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة لأنه قسم إلى الثلاثة؛ فإن قوله: فميقاته الموضع الذي يحاذيهما، يقتضي أنه حاذاهما معًا.
وقوله في القسم الذي بعده: فيه وجهان. . . . إلى آخره، يقتضي أنه حاذى أحدهما قبل الآخر.
وقد أهمل قسمًا آخر؛ وهو أن تكون مسافة أحدهما إلى طريقه أقل من مسافة ذاك، ومسافته إلى مكة أكثر وذاك بالعكس ومجموع المسافتين مساوية لمجموع المسافتين.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلامه قد اشتمل على أربعة أقسام كما ذكره في آخر المسألة:
أحدها: أن يتساوي الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقة جميعًا.
الثاني: أن يتساويا في المسافة إلى مكة ويتفاوتا في المسافة إلى طريقه.
الثالث: عكسه.
الربع: أن يتفاوتا في المسافتين جميعًا على عكس الأول.
وهذه الأقسام والأحكام التي أجاب بها فيها غير محررة لأن الميقاتين قد يتحاذيان في كل منها، وقد تقدم أحدهما على الآخر، بل الصواب ما سلكه
стр. 1741
غيره؛ وهو أن يجعل مورد التقسيم هو المحاذاة وتقسيمها إلى ما يقع على الترتيب أو المعية فيقول: إن حاذا أحدهما قبل الآخر وجب الإحرام من محاذاة الأول على الصحيح قد حاذاهما معًا أحرم من ذلك الموضع ولكن هل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أم لا إلى آخر ما ذكره.
قوله: وإذا جاوز الموضع الذي لزمه الإحرام منه غير محرم أثم وعليه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له عذر. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد هاهنا بالمجاوزة إنما هو المجاوزة إلى جهة الحرم.
فأما إذا جاوز إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد فإنه يجوز ذكره الماوردي وضرب له مثلًا بذات عرق وذي الحليفة، وقياسه في المكي أن يجاوز مكة إلى غير جهة عرفه ثم يحرم محاذيًا لمكة. كذا نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" قال: ولم أره مصرحًا به.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي يوهم أن التحريم ثابت عاد أم لم يعد، لكن جزم جماعات كثيرون بأنا حيث أسقطنا الدم بالعود فلا تكون المجاوزة حرامًا، منهم المحاملي في "التجريد" والروياني في "البحر"، وقال في "البيان" إنه ظاهر الوجهين، واقتصر في "الكفاية" على كلام الروياني وتأول كلام من أثبت الخلاف، وفي "شرح المهذب" على كلام "البيان".
نعم: صرح المحاملي بأن شرط انتفاء التحريم أن تكون المجاوزة بنية العود والذي قاله لابد منه وما اقتضاه كلام "الكفاية" من إنكار الخلاف ليس كذلك فقد رأيته في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي حكايته بلفظ لا يحتمل التأويل فقال: يسقط عنه الدم، وظاهر المذهب أنه لم يسئ بذلك ولم يأثم، ومن أصحابنا من قال أساء وأثم. هذه عبارته.
стр. 1742
الثالث: أن ما قاله من إيجاب الإحرام منه قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك بل إذا قلنا بأن العود بعد الإحرام مسقط للدم -وهو الصحيح- فأحرم من موضعه ثم عاد فإنه يكون جائز بلا شك، وصرح به غيره؛ ويدل عليه تعليله بأن المقصود قطع المسافة محرمًا ويؤيده أيضًا أنهم لما أوجبوا على المكي الخروج إلى أدنى الحل عند إرادة الإحرام بالعمرة صححوا أنه يجوز له أن يحرم من مكة ثم يخرج بعد أن بنوا الخلاف على سقوط الدم، بل صرح المحاملي في "المجموع" والجرجاني في "التحرير" وغيرهما باستحباب ذلك للمكي لأنه شبيه ثم أحرم قبل الميقات.
الأمر الرابع: أن هذا التعبير يوهم بحتم العود إلى الميقات الذي أساء بمجاوزته، وليس كذلك بل لو عاد إلى مثل مسافة من ميقات آخر جاز. صرح به إمام الحرمين في الكلام على محاذاة الميقاتين؛ ويؤيده أن المفسد لما أوجبوا عليه القضاء من الميقات الذي أحرم منه في الأداء قالوا إنه يجوز له تركه والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر حتى ادعى في "الروضة" عدم الخلاف فيه.
قوله: فإن كان له علة كما لو خاف الانقطاع عن الرفعة أو كان الطريق مخوفًا أو الوقت ضيقا لم يعد.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه صريح في أن الانقطاع مع الأمن عذر وسببه مشقة الاستنجائين، وقد تقدم الكلام عليه في التيمم وغيره.
الثاني: أن إطلاقهم يقتضي وجوب العود على الماشي إذا لم يحصل له ضرر، وهو محتمل لكونه قد تعدى، والمتجه أن يقال إن كان على دون مسافة القصر وجب وإلا فلا كما قلنا في الحج ماشيًا.
قوله: ثم إذا لم يعد فعليه دم. انتهى.
стр. 1743
ذكر في "الروضة" نحوه، وليس على إطلاقه بل شرط وجوب الدم أن يكون قد أحرم بعد المجاوزة وأن يكون إحرامه بالعمرة أو بالحج ولكن في تلك السنة، فإن لم يحرم أصلًا لم يلزمه شئ كما صرح به الماوردي وغيره قالوا: لأن الدم إنما يجب لنقصان السبب ولا يجب بدلًا من النسك ويؤيده أنا إذا قلنا بوجوب الإحرام على داخل مكة فتركه فلا شئ فيه كما نقله الرافعي عن ابن كج وأقره.
وإن أحرم بالعمرة وجب الدم في أي وقت أحرم لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها وإن كان إحرامه بالحج فإن كان في تلك السنة وجب؛ لأنه بان أن الحج في هذه السنة كان واجبًا عليه من الميقات، وإن حج في السنة الثانية لم يلزمه؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح بحج سنة قابله.
كذا ذكره القاضي الحسين والمتولي والبغوي والخوارزمي، وفي كلام الرافعي في باب حج الصبي ما يدل له فراجعه.
قوله: وأظهر القولين أن الإحرام من دويرة أهله أفضل من الميقات؛ لما روي أنه ﵊ قال: "من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والثاني: الميقات أفضل اقتداء به ﵊.
وقطع بعضهم بالأول حتى أطلق مطلقون كراهية الإحرام من الميقات، وقيل: إن أمن على نفسه ارتكاب المحظورات فدويرة أهله وإلا فالميقات. انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح الأول يستثني منه الحائض والنفساء.
كذا نقله صاحب "التقريب" عن النص فقال: قال الشافعي في "المناسك الكبير": ولا أحب للحائض والنفساء أن يقدما إحرامهما قبل وقتهما. هذه
стр. 1744
عبارته، وأراد بالوقت الميقات.
وقد ذكر الرافعي بعد هذا في الكلام على سنن الإحرام ما يقوي ذلك.
والحديث الأول رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي، وإسناده ليس بقوي كما قاله في "شرح المهذب" ولفظ الحديث: "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، أو "وجبت له الجنة" بلفظ "أو" وهو شك من الراوي.
وأما حديث إحرام النبي ﷺ من الميقات فثابت في الصحيحين.
قوله: وأفضل بقاع الحل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس النظر إلى المسافة ولكن المتبع سنة رسول الله ﷺ ، وقد نقلوا أنه اعتمر من الجعرانة مرتين: مرة عمرة للقضاء سنة سبع، ومرة عمرة هوازن.
ولما أرادت عائشة أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، وصلى بالحديبية عام الحديبية وأراد الدخول منها للعمرة فصده المشركون عنها؛ فقدم الشافعي ﵁ ما فعله ثم ما أمر به ثم ما هم به.
والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ من مكة، والتنعيم على فرسخ. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد فضل الإحرام بالحج والعمرة من باب داره على الإحرام بهما من الميقات وإن كان على خلاف ما فعله النبي ﷺ لما فيه من طول زمن الإحرام؛ وحينئذ فيقال له لم راعيت ذلك في هذه المسألة ولم تراعه في تعيين ميقات العمرة؛ فإنك قدمت التنعيم على الحديبية والحديبية أبعد كما تقدم لاسيما وأن النبي ﷺ كان على عزم الرحيل لما
стр. 1745
أرادت عائشة أن تعتمر كما رواه البخاري ومسلم؛ فعين التنعيم لكونه أقرب أماكن الحل؟
الأمر الثاني: أن إحرام النبي ﷺ بالعمرة من الجعرانة (١). صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أنس.
وأما ما ذكره من إحرامه ﵊ في عمرة القضاء منها أيضًا فكيف يستقيم مع أنه ﷺ خرج من المدينة على قصد الإحرام وميقات أهل المدينة ذو الحليفة في الحج والعمرة.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من كونه ﵊ عام الحديبية أراد الدخول من الحديبية للعمرة (٢). صحيح فقد رواه الشيخان أيضًا.
واحتراز الرافعي بهذه العبارة عن الإحرام بها فإنه لم يقع من الحديبية بل من ذي الحليفة كما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ووقع في "البسيط" للغزالي أنه ﵊ هم بالإحرام من الحديبية.
قال في "شرح المهذب": وهو غلط صريح لأن ميقاته ذو الحليفة كما سبق.
стр. 1746
القسم الثاني في المقاصد: وفيه أبواب:
الباب الأول: في وجوه أداء النسكين:
قوله: وكل من الإفراد والتمتع والقران جائز بالاتفاق، وأما الأفضل منها فإن قول الشافعي لا يختلف في تأخير القران عن الإفراد والتمتع. . إلى آخره: فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن نصوص الشافعي متفقة على تأخير القران غريب؛ فقد حكى جماعة منهم صاحب "البيان" قولًا أنه -أي القران- أفضل منها، وحكوه كما قاله في "شرح المهذب" عن نصه في "أحكام القرآن" بل في "الوسيط" وغيره قول أن القران أفضل من التمتع فقط، وقد ذكره الرافعي بعد هذا في آخر الفصل.
الأمر الثاني: أنه إذا قرن واعتمر بعده أيضًا فينبغي أن يكون أفضل من الإفراد لاشتماله على مقصوده مع زيادة عمرة أخرى.
وهو نظير ما قالوه في المتيمم أنه إذا رجى الماء فصلى أولًا بالتيمم على قصد إعادتها بالوضوء فإنه أفضل لا محالة، وهكذا إذا اعتمر المتمتع بعد الحج أيضًا خصوصًا إذا كان مكيًا، أو عاد لإحرام الحج إلى الميقات فإن فوات هذه الشروط لا يخرجه عن كونه متمتعًا وإنما يسقط الدم.
قوله: ولو أحرم بالعمرة ثم شرع في الطواف لم يجز إدخال الحج عليها، وذكروا في تعليله أربعة معان:
أحدها: أنه اشتغل بعمل من أعمال العمرة فيقع عنها ولا ينصرف بعده إلى القران.
والثاني: إتيانه بفرض من فروضها لأن الفرائض هي المقصودة.
стр. 1747
والثالث: إتيانه بمعظم أفعالها.
والرابع: أنه أخذ في التحليل المقتضى لنقصان الإحرام فلا يليق به إدخال الإحرام المقتضى لقوة الإحرام وكماله، وهذا هو الذي أورده أبو بكر الفارسي في "العيون".
فإن أدخل العمرة على الحج فالجديد أنه لا يجوز، والقديم جوازه.
وعلى هذا فإلى متى يجوز الإدخال فيه أربعة أوجه مفرعة على المعاني الأربعة: أحدها وهو الأصح كما قاله البغوي: يجوز ما لم يشرع في طواف القدوم أو غيره من أعمال الحج.
والثاني: ما لم يأت بالسعي أو غيره من الفروض. قاله الخضري.
والثالث: ما لم يقف بعرفة.
والرابع: ما لم يشتغل بشيء من أسباب التحلل.
انتهى، والأصح هو الرابع كذا قاله في "شرح المهذب"، ونقله عن النص وهو مراد الرافعي بقوله أورده الفارسي في "العيون"؛ فإن الكتاب المذكور موضوع لنصوص الشافعي.
قوله: فإن أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج ففيه خلاف لعلنا نورده من بعد إن شاء الله تعالى. انتهى.
وهذا قد ذكره بعد ذلك كما أشار إليه هنا، وصحح أنه ينعقد إحرامه بالحج ولكن ينعقد فاسدًا. ذكر ذلك قبل الكلام على سنن الإحرام.
قوله: وبجب على القارن دم لما روي عن عائشة ﵂ قالت: أهدى رسول الله ﷺ عن أزواجه بقرة وكن قارنات (١).
ولأن الدم واجب على المتمتع بنص القرآن. وأفعال المتمتع أكثر من
стр. 1748
أفعال القارن، وإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كان أولى.
وصفه دم القران كصفة دم التمتع، وعن مالك أن على القارن بدنه، وحكى الحناطي عن القديم مثله، لنا أن المتمتع أكثر من فيها لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن أولى. انتهى كلامه.
وهذان التعليلان لا يمكن القول بصحتهما من قائل واحد؛ لأن الأول يقتضي أن القران أولى بوجوب الدم من التمتع، والثاني عكسه.
والحديث المذكور ثابت في الصحيحين.
قوله: الثالث: التمتع وهو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويدخل مكة ويأتي بأفعال العمرة ثم ينشئ الحج من مكة. انتهى.
وتقييده بميقات بلده ليس بشرط، وسأنقل بعد ذلك في آخر المسألة من كلامه ما يوضحه، وكذلك تقييده أيضًا الحج بكونه من مكة، بل لو أحرم به من ميقات بلده كان متمتعًا أيضًا غير أنه لا يلزمه الدم.
وعبارة "الروضة" في هذه المسألة كعبارة الرافعي.
قوله: وإنما يجب الدم على المتمتع بشروط: أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
ثم قال: وحاضروا المسجد الحرام من مسكنه دون مسافة القصر.
وهذه المسافة هل تعتبر من نفس مكة أو من الحرم؟ فيه وجهان حكاهما إبراهيم المروزي.
والثاني: هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين. انتهى.
وهو يقتضي رجحان الثاني، وصرح بترجيحه أيضًا في "الشرح الصغير"
стр. 1749
فقال إنه أشبه الوجهين. ثم إنه في "المحرر" خالف ما ذكره في "الشرحين" فقال: إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن من حاضري "المسجد الحرام" وهو من بعد مسكنه عن مكة فوق مسافة القصر. هذا لفظه.
والفتوى على ما في "المحرر" فقد نقله صاحب "التقريب" عن نص الشافعي فقال: حاضر المسجد الحرام عند الشافعي من بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
نص عليه في "الإملاء"، وأيده الشافعي بأن اعتبار ذلك من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب لاختلاف المواقيت. هذا كلام "التقريب" ومنه نقلت.
واعلم أن "المحرر" مخالف "للشرحين" من وجه آخر وهو جعله من كان على مسافة القصر من الحاضرين.
وقد غير النووي في "المنهاج" عبارة "المحرر" فقال: وحاضروه من دون مرحلتين من مثله، ثم استدرك عليه في اعتبار المسافة من مكة وقال: إن الأصح اعتبارها من الحرم؛ فاندفعت عنه المخالفة الأولى، لكنه يوهم أن الرافعي جعل من كان على مسافة القصر من الحاضرين، وذكر المسألة في "شرح المهذب" كما ذكرها في "المنهاج".
وهاهنا سؤالان:
أحدها: أن القادر على المشي يلزمه الحج إذا كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، والمذكور في "الشرحين" و"الروضة" أن هذه المسافة تعتبر من مكة لا من الحرم، وهو عكس ما تقدم، ويمكن الفرق بأن الحج مضاف إلى البيت فاعتبر بخلاف المسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
стр. 1750
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) فإنه جميع الحرم، وفي الفرق نظر.
الثاني: وقد أورده النووي في "نكت التنبيه" فقال: جعلوا مكة وما جاورها من الأمكنة التي أهلها معدودون من حاضري المسجد الحرام كالشئ الواحد حتى لا يجب على المتمتع الدم عند عدم عوده إلى الميقات، ولم يجعلوا ذلك كالشئ الواحد فيما إذا جاوزه المريد النسك غير محرم بل أوجبوا عليه الدم إذا لم يعد، ولو جعلوه شيئًا واحدًا لكان يحرم من أيها شاء كما يحرم من أي بقاع مكة شاء مع أن الدم في كل من المسألتين وجب لقول الإحرام من الميقات.
قوله: فلو كان له مسكنان أحدهما في حد القرب من الحرم والثاني في حد البعد منه، فإن كانت إقامته في أحدها أكثر فالحكم له، فإن استويا نظر إلى أهله وماله؛ فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، فإن استويا فالحكم للذي خرج منه. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن مراده بالعزم على الرجوع هو الإقامة فإن صاحب "البيان" قد نقل هذا الحكم جميعه عن الشافعي، وعبر بما ذكرته لك وهو الإقامة.
الثاني: أنه ساكت عما لو استوت إقامته فيهما ولكن كان أهله في أحدهما، وأما الآخر قد ذكره الطبري شارح "التنبيه" فقال: الذي تبين لي أن النظر إلى مكان الأهل.
الثالث: أن المراد بالأهل هم، الزوجة والأولاد الذين تحت حجره، ومن عداهم كالآباء والأخوة فلا ترجيح لهم نبه عليه الطبري أيضًا وهو صحيح.
стр. 1751
قوله: وذكر حجة الإسلام في هذا الشرط صورة هي من مواضع التوقف ولم أجدها لغيره بعد البحث وهي أنه يقال: والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعًا إذ صار من الحاضرين إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة، وهذه الصورة متعلقة أولا بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزم الإحرام بحج أو عمرة أم لا.
ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة ما ينازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين في صورة تداني هذه وهي أنه لو جاوز الغريب الميقات؛ وهو لا يريد نسكًا ولا دخول الحرم ثم بدا له قريبًا من مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم؟ أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحرام وهو على مسافة بعيدة وحين خطر له ذلك كان على مسافة الحاضرين.
وأصحهما: يلزمه لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحاضرين. انتهى كلامه.
زاد النووي على هذا في "الروضة" فقال: المختار في صورة الغزالي أولًا أنه متمتع وليس بحاضر بل يلزمه الدم.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن التصحيح المذكور في مسألة الوجهين اللذين حكاهما الرافعي عن الغزالي هو للرافعي لا الغزالي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الغزالي قد سبقه إليه الماوردي ومنه أخذ
стр. 1752
الغزالي على كثير من عادته؛ فإن استمداد "الوسيط" من كتب أوضحناها في الخطبة منها "الحاوي".
الثالث: أن ترجيح النووي وجوب الدم نفي مسألة الغزالي مع تسليمة للرافعي ما صححه في المسألة الثانية من عدم الوجوب لا يجتمعان، وقد أوضحه صاحب "الذخائر" فقال: الوجهان جاريان في المسألتين؛ إذ لا فرق بين مكة وما دون مسافة القصر في تناول اسم الحاضر؛ ولهذا يستوي المستوطن بها وبما دون مسافة القصر منها في التمتع وفي كل حكم لحاضر المسجد فكذلك من كان فيها غير مستوطن وفي ما دون مسافة القصر منها.
وقد سوى بينهما أيضًا الطبري شارح "التنبيه" وقال: قياس المذهب عدم الوجوب واستدل بنحو ما سبق.
قال: لكن الوجه في من أحرم قريبًا من مكة أنه متمتع قولًا واحدًا لأن حكم السفر منسحب عليه بدليل جواز القصر، ولو ألحق بأهل ذلك الموضع لامتنع القصر.
وكذلك إذا دخل مكة ولم تحصل إقامة متتابعة من الترخيص.
الأمر الرابع: أن ما ذكره الرافعي من أن حضور المسجد الحرام الذي هو مسقط لدم التمتع والقران شرطه الاستيطان قد ذكر بعد ذلك بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه فقال ما نصه: ووراءه شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فلو جاوزه مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم التمتع لكن يلزمه دم الإساءة.
وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا. انتهى كلامه. وهو في غاية التباين لأنه ليس بين هذه وبين المتقدمة التي صحح
стр. 1753
فيها وجوب الدم فرق، إلا أن هذه الصورة قد جاوز الميقات فيها مريدًا للنسك ثم أحرم وقد حكم بأنه لا دم عليه فيها مع عصيانه لصيرورته من حاضر المسجد الحرام.
وزاد فنقله عن الأصحاب. والنص وتلك لا عصيان فيها، وقد صحح فيها وجوب الدم، ويخالف أيضًا ما صححه النووي من "زياداته" في مسألة الغزالي.
وقد وقع الموضعان هكذا أيضًا في "شرح المهذب"، وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الأول ولم يذكر الثاني.
الأمر الخامس: أن ما ادعاه من أن ما نقلوه عن الشافعي ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان عجيب فقد نص على الاستيطان نصًا صريحًا كما نقله عنه في "التقريب" فقال: قال الشافعي في "الإملاء": ومن كان متمتعًا ينوي في سفرة إيطان مكة فعليه دم المتعة لا يسقط عنه الدم حتى يكون متوطنًا قبل العمرة لا أن يكون متوطنًا بالنية حتى معها فعل. هذا لفظه بحروفه. ثم نقل عن حرملة نحوه أيضًا.
قوله: وهل يجب على المكي إذا قرن أثناء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجًا للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الوجهين قد تبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه قوة الخلاف فإنه عبر بالأصح، وتقوية هذا الخلاف مردودة لأن المعتبر في العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في القران لأن الوقوف بعرفة لابد منه وعرفة من الحل فيكون ذلك نظير ما إذا أحرم
стр. 1754
بالعمرة من مكة ثم خرج إلى أدنى الحل قبل الطواف فإنه لا دم عليه ولا إساءة إلا على وجه شاط جدًا.
والأصح المعروف: القطع بخلاف، كما ذكره الرافعي قبل هذا فراجعه وراجع "الروضة" يظهر لك.
قوله: وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: أنه لا تشترط نية القران، فإن شرطناها ففي وقتها أوجه مأخوذة من الخلاف في نية الجمع بين الصلاتين.
أحدها: حالة الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ منها.
والثالث: ما لم يفرغ من الحج. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من عدم اشتراط نية القران قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي في "الروضة" عليه.
ولقائل أن يقول كيف يعقل عدم اشتراطها؟ لأنه إذا نوى أحدهما لا يصير قارنًا وإن نواهما صار قارنًا ولا معنى لنية القران إلا ذلك؛ ويؤيده أن القاضي حسين في "تعليقه" استدل على وجوب نية التمتع بوجوب القران.
والجواب أن المراد بنية التمتع هو قصد أن الحج في ذلك العام وذلك قصد يكون عند الإحرام بالعمرة أو بعدها على الخلاف المتقدم.
ونظير التمتع بل القران أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف وإذا فعل ذلك فإنه يصير قارنًا وإن لم ينو القران حين الإحرام بالعمرة، فتلخص أن هذه الصورة لا تجب فيها نية القران والتمتع أشبه بها
стр. 1755
من الصورة الأخرى فليحمل كلام الرافعي ومن تبعه عليها.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كون الخلاف مأخوذًا من الخلاف في جمع الصلاتين يقتضي أن الأصح هو الوجه الثاني، وهو: ما لم يفرغ، وبه صرح في "شرح المهذب" وذكر في "الروضة" هذه الأوجه بدون هذا التخريج فلزم خلوها من معرفة الراجح.
قوله: ووراء الشروط المذكورة في الكتاب شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات فلو جاوزها مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم ولكنه يلزمه دم الإساءة وقد أخذ بإطلاقه آخذون.
وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المعنى فيما قاله الأكثرون من عدم وجوب دم التمتع أنه صار من حاضري المسجد الحرام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن اعتبار هذه المسافة من مكة وجه مرجوح، بل الصحيح عنده وعند النووي اعتبارها من الحرم كما ذكره الرافعي قبل ذلك وتقدم ما فيه.
الثاني: أن هذا النص الذي نقله الرافعي إنما هو نصه تفي القديم. كذا ذكره صاحب "التقريب" و"التهذيب" فاعلمه.
قوله: والثاني حكى عن ابن خيران اشتراط وقوع النسكين في شهر واحد وأباه عامة الأصحاب. انتهى
وهذا الذي ذهب إليه ابن خيران ونوزع فيه، وقد أشار إليه الشافعي في رواية حرملة. كذا رأيته في "العمد" للفوراني.