قوله: وذكر حجة الإسلام في هذا الشرط صورة هي من مواضع التوقف ولم أجدها لغيره بعد البحث وهي أنه يقال: والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعًا إذ صار من الحاضرين إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة، وهذه الصورة متعلقة أولا بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزم الإحرام بحج أو عمرة أم لا.
ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة ما ينازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين في صورة تداني هذه وهي أنه لو جاوز الغريب الميقات؛ وهو لا يريد نسكًا ولا دخول الحرم ثم بدا له قريبًا من مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم؟ أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحرام وهو على مسافة بعيدة وحين خطر له ذلك كان على مسافة الحاضرين.
وأصحهما: يلزمه لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحاضرين. انتهى كلامه.
زاد النووي على هذا في "الروضة" فقال: المختار في صورة الغزالي أولًا أنه متمتع وليس بحاضر بل يلزمه الدم.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن التصحيح المذكور في مسألة الوجهين اللذين حكاهما الرافعي عن الغزالي هو للرافعي لا الغزالي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الغزالي قد سبقه إليه الماوردي ومنه أخذ
стр. 1752
الغزالي على كثير من عادته؛ فإن استمداد "الوسيط" من كتب أوضحناها في الخطبة منها "الحاوي".
الثالث: أن ترجيح النووي وجوب الدم نفي مسألة الغزالي مع تسليمة للرافعي ما صححه في المسألة الثانية من عدم الوجوب لا يجتمعان، وقد أوضحه صاحب "الذخائر" فقال: الوجهان جاريان في المسألتين؛ إذ لا فرق بين مكة وما دون مسافة القصر في تناول اسم الحاضر؛ ولهذا يستوي المستوطن بها وبما دون مسافة القصر منها في التمتع وفي كل حكم لحاضر المسجد فكذلك من كان فيها غير مستوطن وفي ما دون مسافة القصر منها.
وقد سوى بينهما أيضًا الطبري شارح "التنبيه" وقال: قياس المذهب عدم الوجوب واستدل بنحو ما سبق.
قال: لكن الوجه في من أحرم قريبًا من مكة أنه متمتع قولًا واحدًا لأن حكم السفر منسحب عليه بدليل جواز القصر، ولو ألحق بأهل ذلك الموضع لامتنع القصر.
وكذلك إذا دخل مكة ولم تحصل إقامة متتابعة من الترخيص.
الأمر الرابع: أن ما ذكره الرافعي من أن حضور المسجد الحرام الذي هو مسقط لدم التمتع والقران شرطه الاستيطان قد ذكر بعد ذلك بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه فقال ما نصه: ووراءه شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فلو جاوزه مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم التمتع لكن يلزمه دم الإساءة.
وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا. انتهى كلامه. وهو في غاية التباين لأنه ليس بين هذه وبين المتقدمة التي صحح
стр. 1753
فيها وجوب الدم فرق، إلا أن هذه الصورة قد جاوز الميقات فيها مريدًا للنسك ثم أحرم وقد حكم بأنه لا دم عليه فيها مع عصيانه لصيرورته من حاضر المسجد الحرام.
وزاد فنقله عن الأصحاب. والنص وتلك لا عصيان فيها، وقد صحح فيها وجوب الدم، ويخالف أيضًا ما صححه النووي من "زياداته" في مسألة الغزالي.
وقد وقع الموضعان هكذا أيضًا في "شرح المهذب"، وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الأول ولم يذكر الثاني.
الأمر الخامس: أن ما ادعاه من أن ما نقلوه عن الشافعي ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان عجيب فقد نص على الاستيطان نصًا صريحًا كما نقله عنه في "التقريب" فقال: قال الشافعي في "الإملاء": ومن كان متمتعًا ينوي في سفرة إيطان مكة فعليه دم المتعة لا يسقط عنه الدم حتى يكون متوطنًا قبل العمرة لا أن يكون متوطنًا بالنية حتى معها فعل. هذا لفظه بحروفه. ثم نقل عن حرملة نحوه أيضًا.
قوله: وهل يجب على المكي إذا قرن أثناء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجًا للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الوجهين قد تبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه قوة الخلاف فإنه عبر بالأصح، وتقوية هذا الخلاف مردودة لأن المعتبر في العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في القران لأن الوقوف بعرفة لابد منه وعرفة من الحل فيكون ذلك نظير ما إذا أحرم
стр. 1754
بالعمرة من مكة ثم خرج إلى أدنى الحل قبل الطواف فإنه لا دم عليه ولا إساءة إلا على وجه شاط جدًا.
والأصح المعروف: القطع بخلاف، كما ذكره الرافعي قبل هذا فراجعه وراجع "الروضة" يظهر لك.
قوله: وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: أنه لا تشترط نية القران، فإن شرطناها ففي وقتها أوجه مأخوذة من الخلاف في نية الجمع بين الصلاتين.
أحدها: حالة الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ منها.
والثالث: ما لم يفرغ من الحج. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من عدم اشتراط نية القران قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي في "الروضة" عليه.
ولقائل أن يقول كيف يعقل عدم اشتراطها؟ لأنه إذا نوى أحدهما لا يصير قارنًا وإن نواهما صار قارنًا ولا معنى لنية القران إلا ذلك؛ ويؤيده أن القاضي حسين في "تعليقه" استدل على وجوب نية التمتع بوجوب القران.
والجواب أن المراد بنية التمتع هو قصد أن الحج في ذلك العام وذلك قصد يكون عند الإحرام بالعمرة أو بعدها على الخلاف المتقدم.
ونظير التمتع بل القران أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف وإذا فعل ذلك فإنه يصير قارنًا وإن لم ينو القران حين الإحرام بالعمرة، فتلخص أن هذه الصورة لا تجب فيها نية القران والتمتع أشبه بها
стр. 1755
من الصورة الأخرى فليحمل كلام الرافعي ومن تبعه عليها.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كون الخلاف مأخوذًا من الخلاف في جمع الصلاتين يقتضي أن الأصح هو الوجه الثاني، وهو: ما لم يفرغ، وبه صرح في "شرح المهذب" وذكر في "الروضة" هذه الأوجه بدون هذا التخريج فلزم خلوها من معرفة الراجح.
قوله: ووراء الشروط المذكورة في الكتاب شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات فلو جاوزها مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم ولكنه يلزمه دم الإساءة وقد أخذ بإطلاقه آخذون.
وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المعنى فيما قاله الأكثرون من عدم وجوب دم التمتع أنه صار من حاضري المسجد الحرام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن اعتبار هذه المسافة من مكة وجه مرجوح، بل الصحيح عنده وعند النووي اعتبارها من الحرم كما ذكره الرافعي قبل ذلك وتقدم ما فيه.
الثاني: أن هذا النص الذي نقله الرافعي إنما هو نصه تفي القديم. كذا ذكره صاحب "التقريب" و"التهذيب" فاعلمه.
قوله: والثاني حكى عن ابن خيران اشتراط وقوع النسكين في شهر واحد وأباه عامة الأصحاب. انتهى
وهذا الذي ذهب إليه ابن خيران ونوزع فيه، وقد أشار إليه الشافعي في رواية حرملة. كذا رأيته في "العمد" للفوراني.
стр. 1756
قوله: واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدم لا محالة. وهل هي معتبرة في تسميته متمتعًا؟
فيه وجهان: الأشهر: لا.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا قد جزم بخلافه قبيل الكلام في المواقيت وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهًا إلى منى؛ لما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" (١). انتهى كلامه. والذي جزم به هاهنا من كونه يتوجه إلى منى بعد الزوال قد ذكر ما يخالفه في باب دخول مكة في أوائل الفصل المعقود للوقوف فقال. المشهور استحباب الخروج بعد صلاة الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى، ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" أيضًا، والفتوى على ما قاله هناك لتصريحه بأنه المشهور ولهذا اقتصر عليه في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب".
الحديث المذكور رواه مسلم في صحيحه، ولفظه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا بالحج".
فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال: فإذا تأخرت الثلاثة عن أيام التشريق صارت فائتة لا محالة وإن صدقه عليه أنه في الحج لتأخر طواف الركن لأن تأخره عن أيام التشريق مما ينذر فلا يقع مرادًا من قوله تعالى "ثلاثة أيام في الحج" (٢)، بل هو محمول على الغالب، كذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه
стр. 1757
ضعيف ينازع في ذلك. انتهى كلامه.
وما أشعر به كلامه من عدم الخلاف لا على الوجه الذي في "التهذيب" في تأخر الطواف قد تابعه عليه في "الروضة"، وصرح بأنه لا خلاف فيه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد حكى صاحب "التقريب" وهو ابن القفال مع هذا الوجه وجهًا آخر أنه لا يفوت ما دام في مكة فقال: وفيه وجه آخر أنهم يصومون في الحج بعد أيام التشريق ويؤخرون طواف الإقامة.
وفيه وجه ثالث وهو: أنهم ما لم ينفروا ففي بقية من الحج كان طواف الوداع به يختم.
وهذا لفظه بحروفه، ومن "التقريب" نقلت.
وإذا جعلنا الحلق ركنًا فيأتي فيه ما سبق في طواف الإفاضة.
قوله: وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟ فيه قولان في رواية الحناطي والشيخ أبي محمد، ووجهان في رواية غيرهما. انتهى.
وقد اختلف كلامه في الأصح من هاتين الروايتين فصحح في "الشرح الصغير" أن الخلاف وجهان فقال ما نصه: فيه وجهان، وقيل: قولان، وجزم في "المحرر" بأنه قولان وصححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ففي سقوطه قولان: أصحهما على ما قاله ابن الصباغ وصاحب "التهذيب": أنه يسقط كصوم رمضان.
والثاني: لا بل يهدي عنه لأن الصوم قد وجب بالشروع في الحج فلا يسقط من غير بدل، وهذا يتصور بما إذا لم يجد الهدي في موضعه وله ببلده مال وفي ما إذا كان يباع بثمن غال. انتهى فيه أمور:
стр. 1758
أحدها: أن المراد بالغلو هنا هو البيع بزيادة على ثمن المثل. فتفطن له؛ فإن الغلو يطلق مرة لهذا ومرة وهو الأغلب على ارتفاع القيم لقلة الأشياء. وقد صرح الرافعي بذلك في أوائل الحج في الكلام على الزاد والماء فقال: وإن وجدها بثمن المثل لزم التحصيل سواء كانت الأسعار رخيصة أو غالية. هذا كلامه، وقد أحسن في "شرح المهذب" فلم يعبر بالغلو بل بالزيادة على ثمن المثل، وإن كان في "الروضة" قد وافق الرافعي على التعبير بالغلو وأطلق في الكتابين تصحيح السقوط، وقد صححه أيضًا الشاشي.
الأمر الثاني: أن الصورة الثانية محلها: ما إذا زال الغلو وتركه الرافعي لوضوحه.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة تتصور أيضًا بما إذا كان له مال يحتاج إليه من ثياب وعبد ودار ونحو ذلك فإن الاحتياج يزول بالموت.
قوله: فإن فسرنا الرجوع في الآية بالرجوع إلى الوطن -وهو الصحيح على ما سبق- فلا يمكن صوم السبعة قبله.
وإن قلنا: الفراغ من الحج، فلا يمكن أيضًا قبله. ثم دوام السفر عذر على ما قاله الإمام بل قد سبق أنه يستحب التأخير إلى أن يصل إلى الوطن في أصح القولين للخروج من الخروج.
وقد نقل عن القاضي الحسين أنا إذا قلنا بالاستحباب فمات في الطريق فهل تجب الفدية؟ فيه وجهان يخرجا من الوجهين فيما إذا ظفر بالمساكين ولم يدفع الزكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فتلف المال هل يضمن أم لا؟ انتهى.
ومقتضى هذا التخريج وجوب الفدية على الصحيح على خلاف ما يحاوله الإمام لأن الصحيح في الزكاة هو الضمان وإيجاب الفدية مشكل؛ فإن السفر عذر في صوم رمضان والنذر فكذلك هنا، وقد حذف النووي من "الروضة" هذا التشبيه المقتضى للترجيح.
стр. 1759
الباب الثاني: في أعمال الحج
فيه أحد عشر فصلًا:
الفصل الأول: في الإحرام
قوله: وإذا أحرم في أشهر الحج إحرامًا مطلقًا فله أن يصرفه إلى ما شاء من الحج والعمرة والقران. انتهى.
وما ذكره من الصرف إلى الثلاثة قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو واضح إذا كان وقت الحج باقيًا ومتسعًا، فإن انقضى فقد قال القاضي الحسين على ما نقله عنه في "الكفاية": يحتمل أن يقال: لا، بل يتعين كونه عمرة، ويحتمل بقاؤه على التخيير، حتى إذا عينه للحج يكون كمن فاته.
وذكر الروياني المسألة وعبر بقوله: صرفه إلى العمرة، وهو موافق للاحتمال الأول ويوهم الاحتياج إلى الصرف.
وأما إذا لم ينقض ولكنه ضاق فالمتجه -وهو مقتضى إطلاق الرافعي- لزمه صرفه إلى ما شاء ويكون كمن أحرم الحج في تلك الحالة.
قوله: والتعيين بالنية ولا يجزئ العمل قبله. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الإجزاء قبله، لكن في "البيان" أنه لو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عن القدوم.
وذكر مثله الحضرمي في "شرح المهذب" مع أن طواف القدوم من سنن الحج وقد فعل قبل التعيين.
قوله: ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج في أشهره فوجهان:
стр. 1760
أحدهما: لا يصح، واختاره الشيخ أبو علي وحكاه عن عامة الأصحاب.
والثاني: يصح، واختاره القفال، وبه أجاب صاحب الشامل وغيره. انتهى.
والأصح هو الصحة. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وموضع المسألة فيها هو أول الباب الذي قبل هذا.
قوله: قال في الإملاء: إطلاق الإحرام أفضل؛ لما روي أنه ﷺ أحرم مطلقًا وانتظر الوحي.
وقال في "الأم": والأصح أن التعيين أفضل؛ لما روي عن جابر أنه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج (١).
وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عينه؟ فيه وجهان: أصحهما -وهو المنصوص- لا، بل يقتصر على النية لأن إخفاء العبادة أفضل.
والثاني: نعم؛ لخبر جابر، ولأنه يكون أبعد عن النسيان. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف في التلفظ بالمعين محله في التلبية كما صرح به الأصحاب كلهم. وأما التلفظ به في النية فمحتسب قطعًا لأنه من جملة النية، وقد قال الأصحاب إنه يستحب التلفظ بالنية هنا كما في سائر العبادات، وذكر في "الروضة" أيضًا؛ ولهذا قيد كلام الرافعي بما ذكرناه وأدخله في كلام الرافعي.
الثاني: أن ما ذكره من تصحيح عدم الاستحباب قد تابعه عليه النووي في "الروضة".
стр. 1761
وقال ابن الصلاح: إن محل هذا الخلاف فيما عدا التلبية الأولى، فأما الأولى -وهي التي عند الإحرام- فيستحب أن يسمى فيها ما أحرم به من حج أو عمرة بلا خلاف، وذكر مثله النووي في كتاب "الأذكار"، ونقل في "المناسك" و"شرح المهذب" هذا التقييد عن الشيخ أبي محمد ولم يصرح فيهما بموافقة ولا مخالفة، لكن رأيت في "التقريب" عن نص الشافعي في "الإملاء" وغيره أنه لا يستحب التعيين في التلبية الأولى أيضًا؛ فثبت أن الصواب هو الإطلاق فاعلمه.
ونقل النووي عن الشيخ أبي محمد أيضًا أنه لا يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها فإن ظهر بما، ولو عقد إحرامه بالنية والتلبية لم يبعد القطع باستحباب ما ذكره مما نواه فيها. قاله الطبري في "شرح التنبيه" وهو حسن.
الأمر الثاني: أن تعليله بإخفاء العبادة الواجبة أفضل، وينبغي التفرقة.
وحديث الإطلاق رواه الشافعي في "مختصر المزني" وقال: إنه حديث ثابت، وحديث جابر في الإحرام بالحج ثابت في الصحيحين.
قوله: ولو أحرم كإحرام زيد وكان إحرام زيد فاسدًا: هل ينعقد إحرامه مطلقًا أم لا ينعقد أصلًا؟ فيه وجهان. انتهى. فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الثاني: أن النووي قد ذكر بعد هذه المسألة بقليل أنه إذا لم يكن زيد محرمًا أصلًا فينظر إن كان عمرو جاهلًا به انعقد إحرامه مطلقًا لأنه جزم بالإحرام، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم بأن علم موته فطريقان: المذهب
стр. 1762
الذي قطع به الجمهور: أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقًا، والثاني: على وجهين: أصحهما: هذا، والثاني: لا ينعقد أصلًا. انتهى.
وذكر الرافعي نحوه أيضًا، وإذا علمت ما قيل في هذه المسألة علمت أن صورة مسألتنا أن يكون المعلق عالمًا بالفساد، فإن جهل انعقد مطلقًا كما قيد بما إذا لم يكن زيد محرمًا.
ثم إنهم جزموا في المسألة الأولى بطريقة الوجهين وصححوا في الثانية طريقة القطع فما الفرق بينهما؟
قوله: ولو أخبره زيد عما أحرم به ووقع في نفسه خلافه فهل يعمل بما أخبر عنه أم بما وقع في نفسه؟ فيه وجهان. انتهى.
قال في "شرح المهذب": أقيس الوجهين وجوب العمل بخبره، وقال في "زيادات الروضة": إنه الأصح.
قوله: ولو أخبره أنه أحرم بالعمرة ثم بان أنه بالحج فقد بان أن إحرام عمرو بالحج أيضًا.
فإن فات الوقت تحلل أو أراق دمًا؟ وهل هو في ماله أو في مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان. انتهى.
والأصح وجوبه في ماله. كذا قاله النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وإذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه فقولان: القديم: أنه يتحرى ويعمل.
ثم قال ما نصه: والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحرام يقينًا فلا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه فالطريق أن يقرب ويأتي بأعمال
стр. 1763
النسكين وهذا كما لو شك في صلاته في عدد الركعات يبني على اليقين لتحقق الخروج عما شرع فيه. انتهى.
وهذا الكلام كله فيه إشعار ظاهر بأن الرافعي يقول بوجوب نية القران بل لا يتوقف متوقف في اقتضاء كلامه.
إذا علمت ذلك فقد صرح -أعني الرافعي- بعد هذا بنحو أربعة أوراث بعدم وجوب فقال في الكلام على رقم لفظ "الوجيز" ما نصه: لك هذا الإعلام إنما يحسن إن ألزمناه جعل نفسه قارنًا وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين ذلك فقال: ولم يذكر الشافعي القران على معنى أنه لابد منه ولكن ذكره ليستفيد به الشاك التحلل مع براءة الذمة على النسكين. . إلى آخر ما قال.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، وجزم في "شرح المهذب" بعدم الوجوب وقال: إنه لا خلاف فيه بل الذي يجب إنما هو نية الحج.
والذي قاله غريب مع تقدم الموضع له، ولأنه قد صرح جماعة كثيرة بوجوب ذلك منهم صاحب "التقريب".
وقال ابن الرفعة في "الكفاية" بعد نقله ذلك عنهما: إنه المفهوم من كلام الأصحاب.
قال: وخالف فيه الإمام ونقله في "المهذب" عن نصه في "الأم"، ونقله أيضًا البندنيجي والروياني عن نصه في "الأم" و"الإملاء"، وصرح به أيضًا الشيخ أبو محمد في كتاب "السلسلة" فقال: مسألة إذا شك في إحرامه وكلفناه القران على المذهب الجديد. هذا لفظه. والغريب أن النووي قد جزم به أيضًا في "الشرح" المذكور قبل الموضع الذي ادعى فيه أنه لا يجب بلا خلاف بنحو ورقتين فقال نصه: أصح الطريقين - وبه قطع الجمهور - أن
стр. 1764
المسألة على قولين: القديم: جواز التحري ويعمل بظنه، والجديد: لا يجوز التحري بل يتعين أن يصير نفسه قارنًا. هذا لفظه بحروفه.
فتلخص أن الفتوى على القول بالوجوب كما دل عليه كلام الرافعي في الموضع الأول ترجيحًا لنص الشافعي، والظاهر أن الرافعي رأى الإمام بعد ذلك جازمًا بعدمه فجزم به ثانيًا تبعًا له غير مستحضر ما قدمه، وتبعه أيضًا النووي عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
واعلم أن هذا الشاك إذا نوى القران فلا يبرأ إلا عن الحج فقط ولا يبرأ عن العمرة كما ستعرفه؛ وحينئذ فلا يصح ما قالوه من إيجاب نية القران بل يكفيه أن ينوي الحج ويأتي بأعماله وحينئذ فتبرأ ذمته فاعلم ذلك.
بل ولا يتجه أيضًا ما قدمناه عن النووي من إيجاب نية الحج بل الواجب وهو مقتضى كلام الرافعي أن يأتي بأعماله؛ لأنه إن كان محرمًا به فواضح، وإن كان محرمًا بالعمرة فقد أتى بها وبزيادة؛ ولهذا لم يصرح الرافعي في الموضع الثاني النافي لوجوب نية القران بوجوب نية الحج فاعلمه.
قوله: فإن قلنا بالقديم فما غلب على ظنه أنه الذي شرع فيه مضى فيه وأجزأه.
ثم قال: وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه، وفائدة التحري الخلاص من الإحرام. انتهى.
تابعه النووي على حكاية هذا الوجه كذلك وهو غير منقول عن وجهه فإنه مخصوص بما إذا ظن القران، أما إذا ظن الحج أو العمرة فإنه يجزئه. كذا نقله في "النهاية" عن الشرح المذكور.
قوله: وإن قلنا بالجديد فنوى القران فكان الشك قد عرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال برئت ذمته عن الحج، وأما العمرة فإن جوزنا إدخالها على
стр. 1765
الحج فكذلك أيضًا، فإن منعنا فوجهان: أصحهما: أنه مما يجزئه؛ ثم قال: ويحكي عن أبي إسحاق أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذرًا في جواز الإدخال. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس كما حكاه عن أبي إسحاق من الجزم بذلك فقد رأيت في "المجموع" للمحاملي ما نصه: قال أبو إسحاق: ويحتمل وجهين: أحدهما: لا يجزئه لأن هذا مصرور للإدخال بسبب القران.
الثاني: أن الكلام الذي قدمناه أن الرافعي حكاه عن الإمام وجعله إيضاحًا لكلامه الذي جزم به صرح في براءة الذمة من العمرة على عكس ما صححه هاهنا.
قوله في أصل "الروضة": فإن حصل الشك بعد الطواف وقبل الوقوف فنوى القران وأتى بأعمال القارن لم يجزءه الحج لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة فيمتنع إدخال الحج عليها بعد الطواف.
وأما العمرة فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الطواف، أجزأته وإلا فلا، وهو المذهب.
وذكر ابن الحداد في هذه الحالة أنه يتم أعمال العمرة بأن يصلي ركعتي الطواف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يحرم بالحج ويأتي بأعماله، فإذا فعل هذا صح حجه؛ لأنه إن كان محرمًا بالحج لم يضر تجديد إحرامه، وإن كان بالعمرة فقد يمنع ولا تصح عمرته لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج ولم تدخل العمرة عليه إذا لم ينو القران.
قال الشيخ أبو زيد وصاحب "التقريب" والأكثرون: إن فعل فالجواب ما ذكره، لكن لو استفتانا لم نفته به، لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج وأن هذا
стр. 1766
الحلق يقع في غير أوانه؛ وهذا كما لو ابتلعت دجاجة إنسان جوهرة لغيره لا نفتي صاحب الجوهرة بذبحها وأخذ الجوهرة، فلو ذبحها لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حية ومذبوحة.
هذا أو تقاتلت دابتان لشخصين على شاهق وتعذر مرورهما لا نفتي أحدهما بإهلاك دابة الآخر لكن لو فعل خلص دابته ولزمه قيمة دابة صاحبه.
واختار الغزالي قول ابن الحداد، ووجهه الشيخ أبو علي بأن الحلق في غير وقته يباح بالعذر لمن به أذى.
انتهى كلامه.
وما نقله في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الأكثرين من عدم الإفتاء به وارتضاه قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب ابن الحداد إلى أنا نفتيه بذلك وقال القاضي أبو الطيب الطبري وصاحب "الشامل" وآخرون ورجحه الغزالي وهو الأصح. هذا كلامه.
قوله: الثاني: إذا أفسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها الحج فهل يصير محرمًا بالحج؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الإحرام الفاسد في حكم المنحل فلا يصح الإدخال كما بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، ولا أثر لكونها فاسدة كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام؛ فعلى هذا يكون الحج صحيحًا محرمًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدم عليه فلا يؤثر فيه. وأصحهما: لا؛ لأن الإحرام واحد وهو فاسد ومحال أن يؤدي بالإحرام نسك صحيح؛ فعلى هذا ينعقد فاسدًا أو صحيحًا ثم يفسد؟ فيه وجهان: ذكروا نظيريهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعًا وطلع الفجر واستدام أحدهما أنه ينعقد
стр. 1767
صحيحًا ثم يفسد لأنه لم يوجد بعد انعقاده مفسدًا. انتهى كلامه. فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره هاهنا من أن إحرام المجامع ينعقد ثم يفسد قد تابعه عليه في "الروضة" ثم خالفه في باب محرمات الإحرام فصحح من "زياداته" عدم الانعقاد، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن مقابل هذا في الصوم إنما هو عدم الانعقاد بالكلية لا انعقاده فاسدًا كما يقتضيه كلامه هاهنا حيث شبهه بالحج فإن الفاسد في الصوم غير منعقد بخلاف الحج، وقد سبقت المسألة واضحة في كتاب الصوم قبيل الكلام على الشرائط.
الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في الصوم لم يذكره الرافعي إلا في هذا الموضع وقد حذفه النووي هنا فلم يذكره في "الروضة" فلزم خلوها عنه، وقد سبق ذكرى له في بابه مستوفي.
стр. 1768
الفصل الثاني: في سنن الإحرام
قوله: ويستحب الغسل للإحرام، ويستوي في استحبابه الرجل والصبي والمرأة وإن كانت حائضًا أو نفساء، وقد روي أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفست بذي الحليفة فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل للإحرام (١) انتهى.
عميس: بعين مهملة مضمومة وميم مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها سين مهملة أيضًا؛ والعمس: أنك تظهر أنك لا تعرف الأمر وأنت عارف به. قاله الجوهري.
والحديث المذكور رواه مسلم.
ومقتضى إطلاق الرافعي استحباب الغسل للمجنون والصبي غير المميز، وهو صحيح.
قوله: فإن لم يجد الماء أو لم يقدر على استعماله يتيمم؛ لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فعن المندوب أولى. نص عليه في "الأم".
وقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام ذكر احتمالًا في أنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء وجعله صاحب الكتاب وجهًا واختاره، وذلك الاحتمال عائد هاهنا بلا شك. انتهى كلامه.
وليس جريانه بلازم فقد يفرق بينهما بأن استعمال التراب هاهنا لا ينافي حال المسافر لأن الغالب في حقه الشعث ولو وجد الماء واغتسل لا ينزع الشعث إليه فلم يكن حالة منافيًا له، بخلاف مصلى الجمعة. وفرق ابن الرفعة بأن الغسل هنا مخالف لغيره بدليل صحته من الحائض والنفساء.
стр. 1769
وقوله. فإذا وجد ما لا يكفيه للغسل توضأ. قاله في "التهذيب". انتهى.
استدرك النووي في "الروضة" عليه فقال: هذا الذي قاله في "التهذيب" قاله أيضًا المحاملي، فإن أراد أنه يتوضأ ثم يتيمم فحسن، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيد؛ لأن المطلوب هو الغسل فالتيمم يقوم مقامه دون الوضوء. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد نص عليها الشافعي وصرح بما قالاه من الاستحباب وذكر ما حاصله الاقتصار على الوضوء على خلاف ما ذكره النووي بحثًا.
والعجب أن الذي نقل هذه المسألة عنه وهو المحاملي قد نقل هذا النص فقال في "المجموع": قال الشافعي: فإن لم يجد ما يكفيه للغسل توضأ، فإن لم يجد ماء بحال تيمم فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء. انتهى.
وقد ذكر الماوردي المسألة كما نقلها المحاملي عن النص.
قوله: ويسن الغسل للحاج في مواطن: أحدها: عند الإحرام كما سبق.
والثاني: لدخول مكة؛ روى ذلك عن فعل رسول الله ﷺ (١). انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن المعتمر يسن له أيضًا الغسل عند هاتين الحالتين بلا نزاع، وإنما عبر بالحاج لأجل ما ذكر بعده من الرمي وغيره.
نعم: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإحرامه ثم أراد دخول مكة، قال الماوردي: إن كان أحرم من مكان بعيد كالجعرانة والحديبية استحب الغسل للدخول، وإن أحرم من التنعيم فلا.
قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج إذا أحرم به من
стр. 1770
التنعيم ونحوه لكونه لم يخطر له إلا ذلك.
الثاني: أن كلام الرافعي وغيره يوهم عدم استحباب الغسل لمن دخل مكة محرم وليس كذلك فقد قال الشافعي في باب الغسل لدخول مكة: وإذا اغتسل رسول الله ﷺ عام الفتح لدخول مكة وهو حلال يصيب الطيب فلا أراه -إن شاء الله تعالى- ترك الاغتسال ليدخلها حرامًا لا يصيب الطيب، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يغتسل لدخول مكة. هذا لفظ الشافعي ومن "الأم" نقلت، وهي مسألة نفيسه قل من تعرض لها.
وحديث الغسل لدخول مكة رواه البخاري في صحيحه من رواية ابن عمر.
قوله: وزاد في القديم غسلين آخرين: أحدهما: لطواف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع، لأن الناس يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد لأن وقتهما موسع فلا تغلب الزحمة فيه عليها في سائر المواطن، وحكى عن القديم الاستحباب للحلق أيضًا. انتهى.
ذكر النووي في "شرح المهذب" في الكلام على الغسل المسنون أيضًا مثل ما قاله هنا حكمًا وتعليلًا، وذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن الجديد عدم الاستحباب لهذه الأمور الثلاث وهو مقتضى كلام "المنهاج" فإنه لما عد الأغسال المسنونة لم يعد هذه الأمور معها، ثم جزم في "المناسك الكبرى" باستحباب الغسل للأمور الثلاثة، وحكى في "التحقيق" عن القديم استحبابه لطواف الإفاضة ولطواف الوداع وأهمل الحلق، وحكى ابن الرفعة في "الكفاية" القول القديم في طواف القدوم أيضًا.
قوله: قال الإمام: ولم يستحب الشافعي الغسل لرمي جمرة العقبة يوم
стр. 1771
النحر لأمرين.
أحدهما: اتساع وقته؛ فإن وقته من ائتناف ليلة النحر إلى الزوال.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفة غنية عن الغسل لرمي جمرة العقبة لقرب وقتها منه. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا في بيان وقت الرمي من كونه ينتهى إلى الزوال قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الإمام بل جزم به، وهو سهو؛ فإن المنقول أنه يمتد إلى الغروب، وقد جزم به الرافعي في موضعه وهو الكلام على أسباب التحلل، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى. وأما نقله ذلك عن الإمام فلم أر له ذكرًا في "النهاية" بالكلية، بل رأيت فيها الجزم بأنه يبقى إلى الغروب وحكى مع ذلك وجهين في امتداده إلى الفجر، وفي بعض نسخ الرافعي قال الأئمة عوضًا عن الإمام.
الأمر الثاني: أن كلامه يشعر بمشروعية صلاة العيد في يوم نهى لكن قد نص الشافعي على خلافه؛ كذا نقله عنه الماوردي قبيل قوله: مسألة: ثم يركب فيروح إلى الموقف عند الصخرات فقال ما نصه: قال الشافعي: وليس بعرفة ولا منى ولا مزدلفة جمعة ولا صلاة عيد؛ لأن النبي ﷺ كان في مجيئه يوم عرفة يوم الجمعة فلم يصل الجمعة. هذا كلامه، وذكر في "الروضة" من زياداته في آخر الأضحية نحوه فقال: إن الحاج بمنى لا يخاطب بصلاة العيد.
وذكر الرافعي أيضًا في باب صلاة العيد أن النبي ﷺ لم يصلها بمنى إلا أن يقال: لا يلزم من مشروعية الغسل في هذا اليوم مشروعية الصلاة إذ الغسل فيه مستحب لكل أحد سواء فيه الحاضر وغيره، وسواء كان من أهل
стр. 1772
الصلاة أم لا، لكون اليوم يوم زينة؛ وعلى هذا فيخاطب به من لم يغتسل للوقوف بمزدلفة، فإن اغتسل لها كفى عنها.
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي من أن غسل الوقوف بعرفة يستغنى به عن العيد سهو ومراده الوقوف بمزدلفة فإنه مستحب كما مر ووقته أقرب منه.
قوله: ويستحب أن يتطيب لإحرامه، ولا فرق بين أن يبقى له أثر وجرم بعد الإحرام أو لا يبقى قالت عائشة: "كأنني أنظر وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ (١). انتهى.
الوبيص: بواو مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم صاد مهملة: هو البريق واللمعان، يقال: وبص البرق أي: لمع.
والحديث المذكور في الصحيحين.
قوله: واستحباب التطيب للإحرام إنما هو في البدن، وفي تطييب إزار الإحرام وردائه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لبس ثوب مطيب.
وأصحهما: أنه يجوز.
وفي النهاية وجه ثالث أنه إن بقي عينه بعد الإحرام فلا يجوز وإلا فيجوز. انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في تطييب الإزار والرداء على هذه الكيفية ذكر مثلها في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله الجزم بعدم الاستحباب وأن
стр. 1773
هذه الأوجه إنما هي في الجواز وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال ما نصه: اتفق أصحابنا على أنه لا يستحب [تطييب] (١) ثوبي المحرم عند إرادة الإحرام، وفي جواز تطييبه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون جوازه.
والطريق الثاني: طريقة الخراسانيين فيه ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز بما لا يبقى له جرم ولا يجوز بغيره، وحكى المتولي في تطييب الثياب قولين:
أحدهما: يستحب.
والثاني: يحرم.
وهذا الذي ذكره من الاستحباب غريب جدًا. هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد خالف في "المحرر" فجزم بأن الخلاف في الاستحباب على عكس ما في "الشرحين" فقال: ويستحب تطييب بدنه للإحرام، وكذا ثوبه في أصح الوجهين. هذا لفظه وتابعه عليه النووي في "المنهاج" مع أنه قد بالغ في إنكاره في "شرح المهذب" على المتولي واقتضى كلامه انفراده به. وليس كذلك فقد سبقه إليه شيخه القاضي الحسين في "تعليقه".
وإذا قلنا بالجواز فإنه يكون مكروهًا؛ ذكره القاضي أبو الطيب في "التعليق" أيضًا وكذلك الحضرمي في "شرح المهذب".
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا من كلامه في "شرح المهذب" أن في المسألة طريقة أخرى قاطعة بالجواز وأنها الطريقة الصحيحة، وهذه الطريقة لم يحكها في "الروضة" فضلًا عن تصحيحها بل جزم بالطريقة التي ضعفها وهي طريقة الأوجه، وهو غريب.
стр. 1774
قوله: ويستحب للمرأة أن تخضب بالحناء يديها إلى الكوعين قبل الإحرام. انتهى.
احترز بالمرأة عن الرجل؛ فإنه لا يجوز له الخضاب به إلا لضرورة كما قاله في باب العقيقة من الضرورة. وعن الخنثى فإنه يلحق بالرجل كما قاله في الروضة هنا للاحتياط.
وفي الكلام على الخضاب فروع سبق الكلام عليها في شروط الصلاة، وفي الكلام في جبر العظم.
قوله في أصل الروضة: فرع: فإذا أراد الإحرام نزع المخيط ولبس إزارًا ورداء. انتهى.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأن النزع هل يجب أم لا؟ ، بل هو إلى الاستحباب أقرب؛ فإنه قد عطف عليه ما هو مستحب، وهكذا عبارة "المحرر" و"الشرح الصغير" أيضًا؛ فإنه قال: وينبغي لمن أراد الإحرام أن يتجرد عن مخيط ثيابه ويلبس إزارًا ورداء ونعلين.
وقد صرح -أعني النووي- بذلك في مناسك الحج فقال: فصل في آداب الإحرام، وفيه مسائل.
ثم قال: الرقعة تجرد عن الملبوس الذي يحرم على المحرم لبسه. انتهى. فجعل وقته الآذان.
إذا علمت ذلك فقد جزم الرافعي في "الشرح الكبير" بوجوبه فقال متعقبًا لكلام "الوجيز" ما نصه: وقوله في "الكتاب": السنة أن يتجرد عن المخيط ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السنن التجرد بالصفة المذكورة، فأما مجرد التجرد فلا يمكن عده من السنن؛ لأن ترك لبس المخيط في الإحرام لازم ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحرام.
стр. 1775
وكلام الرافعي هذا قد أسقطه النووي جميعه من "الروضة"، وإسقاطه إياه غريب، وجزم بوجوبه أيضًا في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط. انتهى.
وعبر في "المنهاج" بقوله: ويسن أن تخضب المرأة للإحرام يديها ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب ويلبس إزارًا ورداء. هذه عبارته، وهي توهم استحباب التجرد، لكن نقل عن النسخة التي هي بخطه أنها مضبوطة برفع الدال في قوله: ويتجرد حتى يكون مقطوعًا عما قبله، واعلم أن إيجاب نزع الثياب قبل الإحرام مشكل؛ لأن الموجب له هو الإحرام وقبل ذلك لم يحصل سبب الوجوب.
ولهذا لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق، لا يمتنع عليه وطؤها على الصحيح، ويجب النزع بمجرد الإيلاج. ثم إن الرافعي قد ذكر في الصيد أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه إزالته عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه النووي عليه مع أن المدرس في المسألتين واحد، واستشكله أيضًا الطبري شارح "التنبيه" فقال لا أرى أحدًا من الأصحاب يقول ذلك.
قوله: ويستحب أن يصلي قبل الإحرام ركعتين، فإن أحرم في وقت فريضة فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام. انتهى.
وقد ألحق القاضي الحسين السنة الراتبة في ذلك بالفرض، وتوقف النووي في "شرح المهذب" في إغناء الفرض عن هاتين الركعتين لأنهما سنة مقصودة، وكلامه في "الأم" يشهد له ويدل على الاكتفاء؛ فإنه قال: أحببت له أن يصلي نافلة، فإن أهل في إثر مكتوبة أو في غير إثر صلاة فلا بأس.
стр. 1776
قوله: وتستحب التلبية في مسجد مكة وهو المسجد الحرام ومسجد الخيف بمنى ومسجد إبراهيم ﵇ بعرفة؛ فإنها مواضع النسك.
وكذا في سائر المساجد على الجديد لإطلاق الأخبار، والقديم: لا يلبي فيها حذرًا من التشويش على المتعبدين، بخلاف المساجد الثلاثة فإن التلبية فيها معهودة.
كذا أورده الأكثرون، وهو مقتضى ما في الوضوء أيضًا. وقالوا: إن استحببنا استحببنا رفع الصوت وإلا فلا، وجعل الإمام محل الخلاف في استحباب رفع الصوت، قال: فإن لم يؤثر الرفع في سائر المساجد ففي الرفع من المساجد الثلاثة وجهان. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن كلامه نزل على أنه اعتقد أن المراد بإبراهيم في قولهم مسجد إبراهيم هو الخليل ﵊، وسيأتي بعد هذا في الكلام على الوقوف مثله لاسيما في "الروضة" فإنه قد ذكر لفظ الصلاة عليه والسلام كما هو مذكور في النسخة التي بخط النووي، وهذا الذي قد توهماه خطأ سبقهما إليه ابن سراقة في كتاب "الأعداد" ومن أصل صحيح مسموع بخط بعض أصحابه نقلت، وإنما هو إبراهيم [. . . .] (١).
الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أن مسجد إبراهيم ليس من عرفة وقال الأكثرون: عجزه من عرفة وصدره ليس منها ويميز بينهما أحجار.
قالوا: وإنما قال الشافعي ذلك لأنه زيد فيه بعده.
هكذا ذكره في "الروضة" عند الكلام على الوقوف؛ فقول الرافعي
стр. 1777
والنووي هذا بعرفة خطأ على كل تقدير.
الأمر الثالث: أن بعض الأصحاب قد ألحق بهذه الثلاثة مسجد الميقات، وحكى الحضرمي شارح "المهذب" عن بعضهم أنه جعل مسجد المشعر الحرام بمزدلفة مكان مسجد منى. والحق إلحاق هذين بالثلاثة المذكورة، وإن كان مراد الرافعي بكونها مواضع النسك أن عرفة موضع للوقوف ومنى موضع المبيت، وهما من النسك، والمسجد الحرام لا يخفى أمره، وهذا المعنى هو ظاهر كلامه.
بل إذا كان هذا هو المراد فيكون كل مسجد في مكة ومنى وعرفات حكمه حكم الثلاث المذكورة.
ويحتمل أن يريد بالنسك ما يقع في المساجد الثلاث بخصوصها كالطواف في المسجد الحرام والخطبة والصلاة في مسجد إبراهيم، إلا أن مسجد الخيف لا يلحق هذين في ذلك.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي استغراب مقالة الإمام مع أنها مقالة قديمة رأيتها مجزومًا بها في كتاب "التقريب" لابن القفال الشاشي، وذكر مثله أيضًا الماوردي في "الحاوي"، والغزالي في "البسيط" وزاده أيضاحًا.
قوله: وهل تستحب التلبية في طواف القدوم والسعي بعده؟ قولان: الجديد: لا يستحب؛ لأن فيها أدعية وأذكار خاصة فصار كطواف الإفاضة والوداع.
والقديم: يلبي ولا يجهر بخلاف طواف الإفاضة فإنه هناك شرع في أسباب التحلل فانقطعت التلبية، وهذا التوجيه يعرفك أن قول "الوجيز": وفي حال الطواف قولان، محمول على طواف القدوم وإن كان اللفظ مطلقًا وفي غيره من أنواع الطواف لا يلبي بلا خلاف. انتهى كلامه. فيه
стр. 1778
أمران:
أحدهما: أن ذكره طواف الوداع هنا سهو فإن الكلام في تلبية المحرم وطواف القدوم والافاضة صادران منه فيصح قياس أحدهما على الآخر، وأما طواف الوداع فصادر من غير محرم لوقوعه بعد التحللين فليس هو مما يجب فيه شيء.
نعم: إن أراد طواف الوداع الذي يقع قبل التحلل كما إذا أحرم بالحج ثم أراد الخروج قبل الوقوف إلى الحل لحاجة فطاف للوداع وخرج فلا يسلم أنه لا يأتي فيه القولان لأن علة الامتناع في طواف الإفاضة إنما هي مشروعيته في أسباب التحلل كما تقدم، وهذا المعنى منتف في هذا الطواف فتعين جريان القولين فيه.
فالجديد: لا يلبي؛ لأن له أذكار تخصه، والقديم: نعم؛ لكونه محرمًا فلم يشرع في أسباب التحلل.
وكذلك أيضًا يجري القولان في الطواف الذي يتنفل به المحرم لما قلناه أيضًا، وقد نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" على طواف النفل فقال: الظاهر جريان القولين فيه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن كلام "الوجيز" محمول على طواف القدوم خاصة وأنه لا يلبي في ما عداه من الأنواع بلا خلاف غير مسلم لما عرف من أن طواف النفل يجري فيه القولان.
وكذلك طواف الوداع الواقع قبل التحلل، فالحاصل أن كلام الغزالي عام في سائر الأنواع وعمومه مستقيم إلا في طواف الإفاضة، وقد أخرجه بعد في الكلام على أسباب التحلل، وقد عبر النووي في "الروضة" بعبارة دفعت الاعتراض الثاني.
стр. 1779
قوله: ويستحب رفع الصوت بالتلبية لقوله ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". وروي أنه ﷺ قال: "أفضل الحج العج والثج" (١).
والعج: رفع الصوت. انتهى كلامه.
وقد استثنى الشيخ أبو محمد التلبية المقترنة بالإحرام فإنه لا يجهر بها ونقله عنه النووي في شرح المهذب وأقره وجزم في المنهاج بأن عبر بقوله: ويرفع في دوام الإحرام.
والحديث الأول رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، والثاني رواه أيضًا الترمذي وقال: سألت عنه البخاري، فقال: عندي أنه مرسل.
والثج: بالثاء المثلثة والجيم هو إراقة الدم، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ (٢).
قوله: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، والنساء يقتصرن على إسماع أنفسهن ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة. انتهى.
وإلحاق التلبية بالصلاة يقتضي أن المرأة تجهر بها إذا كانت وحدها أو بحضرة الزوج والمحارم والنساء؛ لأن الصحيح في الصلاة هو الجهر في هذه الأحوال على ما أوضحه في "الروضة" هناك، وحذف النووي هنا القياس المذكور ففاتته هذه المسألة.
قوله: قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم لأن
стр. 1780
صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض الأصحاب. انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" فنقل عن الدارمي أيضًا أنه لا يحرم، بل يكره، فحاصله رجحان الجواز، وقد ذكر في "شرح المهذب" ما هو أصرح منه فقال: ولو رفعت المرأة صوتها بالتلبية ففيه وجهان، صحح الروياني: أنه لا يحرم وصرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب البندنيجي. والخنثى هنا كالمرأة. انتهى كلامه.
وقال النووي في "شرح مسلم" في باب التلبية ما نصه: والمرأة ليس لها الرفع؛ لأنه يخاف الفتنة بصوتها. انتهى. ومقتضاه التحريم.
وفي "الشرح الصغير" ما يوهم ذلك فإنه قال: والنساء لا يرفعن أصواتهن بل يقتصرن على إسماع أنفسهن. انتهى.
والفتوى على جواز الرفع كما تقدم إيضاحه في باب الأذان.
قوله: وتلبية النبي ﷺ لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (١).
وإن هذه تكسر على الابتداء، وتفتح على معنى: لأن الحمد. انتهى.
واختيار الشافعي هو الفتح. كذا نقله الزمخشري في "تفسيره" في آخر سورة يس فقال: كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي. وذكر في "الروضة" أن الكسر أصح وأشهر.
وحديث التلبية رواه الشيخان من رواية ابن عمر بهذا اللفظ.
قوله: فإن رأى شيئًا يعجبه قال:
لبيك إن العيش عيش الآخرة، ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٢) انتهى.
стр. 1781
ودعوى ثبوته ممنوعة، بل هو مرسل فإن الشافعي رواه بسند صحيح عن مجاهد عن النبي ﷺ هكذا ذكره البيهقي، ورواه أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" عن عكرمة قال: نظر النبي ﷺ حوله وهو بعرفة فقال: لبيك اللهم لبيك، إن الخير خير الآخرة. هذا لفظه.
ورواه أبو ذر الهروي في "مناسكه" بلفظ آخر، ولفظه كما نقله عنه الطبري شارح "التنبيه": أنه ﵊ لما أحرم ورأى كثرة الناس تواضع في رحله وقال: لا عيش إلا عيش الآخرة.
واعلم أن الشافعي في "الأم" نقل أن النبي ﷺ قال ذلك في أسَرّ أحواله، فأما الأشد ففي حالة حفر الخندق، وأما الأيسر فحين وقف بعرفات ورأى جميع المسلمين.
وقوله: العيش عيش الآخرة. يعني أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة.
قوله. ولا يتكلم في أثناء التلبية بأمر أو نهي أو غيرهما، لكن لو سَلَّم عليه رد. نص عليه. انتهى.
زاد النووي على هذا فقال: ويكره التسليم عليه في حال التلبية، والله أعلم.
وليس في كلامهما ولا فيما نقلاه عن الشافعي ما يؤخذ منه أن الرد على سبيل الإيجاب أو الاستحباب، بل ربما يفهم منه الوجوب وليس كذلك بل الرد مستحب.
كذا نص عليه الشافعي في "الأمالي" بعد ثلاثة أوراق من كتاب الحج فقال ما نصه: وقال -يعني الشافعي: ولا بأس أن يرد الملبي السلام بين ظهراني التلبية وأن يأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة في بعض التلبية
стр. 1782
كان أحب إليّ، فأما السلام فأحب إليّ أن يرد ولا يتركه لأنه فرض والتلبية نافلة. هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته.
ومراده بكلامه الأخير أن الرد من حيث الجملة فرض بخلاف التلبية.
ورأيت في كتاب "التقريب" نصًا آخر ينبغي معرفته فقال عقب ذكره لما نقلناه عن "الأمالي" ما نصه: وفي مسائل حرملة سئل مالك عن الرجل يسلم عليه وهو يلبي أيرد السلام؟ قال: يرد بعد أن يفرغ من تلبيته. قال الشافعي: هكذا أحب. انتهى كلام "التقريب".
ويمكن الجمع بين النصين؛ فإن الرد في أثناء التلبية أحب من القول بالكلية وتأخيره إلى الفراغ أحب من فعله في الأثناء.
قوله: واعلم أنه يستحب الإتيان بالسنن الخمس على الترتيب المذكور في الكتاب أي: فيبدأ بالغسل ثم التطيب ثم التجرد بالصفة السابقة ثم الصلاة ثم التلبية.
نعم لم أر ما يقتضي ترتيبًا بين التطيب والتجرد. انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي استحباب الترتيب المذكور لم يتعرض لها في "الروضة".
قوله: ويستحب أيضًا أن يتأهب للإحرام بحلق الشعر وتقليم الظفر وقص الشارب. انتهى. فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يتعرض لوقت هذه الأشياء. والقياس أن يكون التنظيف بها مقدمًا على الغسل كما في غسل الميت.
الثاني: أن ما نقله صاحب عن نص الشافعي فقال: قال في "الإملاء" واجب لمن أراد الإحرام قبل العشر أن يأخذ من شعر جسده ولحيته وشاربه وأظفاره وما سقط على وجهه من رأسه أن يؤخر شعره للحلق. انتهى.
стр. 1783
فاستفدنا أن مريد الإحرام في العشر لا يأخذ هذه الشعور إذا أراد الأضحية كما لا يأخذها غيره أيضًا، وأن ما احتاج إلى إزالته من شعر رأسه لا يزيله بل يتركه حتى يحلقه مع رأسه.
стр. 1784
الفصل الثالث: في سنن دخول مكة
قوله في أصل "الروضة": السنة أن يدخل المحرم بالحج مكة قبل الوقوف، ولدخوله سنن منها: الغسل بذي طوي. . . . إلى آخره.
ومقتضاه أن استحباب الغسل بذي طوي وما ذكر بعده من الدخول من الثنية العليا خاص بالحاج، وليس كذلك بل يستحب ذلك للمعتمر أيضًا كما صرح به في "شرح المهذب".
والعجب أن الرافعي ذكر المسألة على الصواب ولكن غيرها النووي إلى هذه العبارة الغير مستقيمة؛ فإنه قال -أعني الرافعي: ولدخول مكة سنن منها: أن يغتسل بذي طوي وهو من سواد مكة قريب منها. هذا لفظه، وهو يتناول الحاج والمعتمر، بل قد ذكرنا في باب الإحرام أن هذا الغسل يستحب للحلال أيضًا.
والدخول من الثنية كذلك أيضًا كما ستعرفه.
وقول الرافعي: من سواد مكة: أي: قراها، وهو اليوم خراب.
وسُمِّيت بذلك لأنه كان بها بئر مطوية بالحجارة، أي: مبنية لها.
قوله: ومنها أن يدخل مكة من ثنية كداء -بفتح الكاف والمد- وهي من أعلى مكة، وإذا خرج فيخرج من ثنية كداء -بضم الكاف.
ثم قال: وهو عام يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضًا؛ ويدل عليه أنهم كتبوها بالألف. ومنهم من قال: إنها بالياء، وروى فيه شعرًا، روي أنه ﵇ كان يدخل مكة من الثنية العلياء ويخرج من الثنية السفلى (١).
стр. 1785
انتهى. فيه أمور:
أحدها: أن استدلاله بالكتابة عجيب فإن الكتابة بالألف لا تستلزم أن يكون ممدودًا، بل كل مقصور لا يمال كالعصا ونحوه يكتب بالألف، وكذلك بالليل أيضًا.
وكلامه في "الشرح الصغير" ظاهر في ترجيح القصر:
قال النووي: وهو الصواب الذي قطع به المحققون.
الأمر الثاني: أن كديا الذي هو بضم الكاف، والياء على التصغير: جبل مرتفع قريب من مكة في صوب اليمن، وفيه أيضًا ثنية ضيقة وقد سلكتها في ذهابي إلى جبلي ثور، وليس بلغة كما توهمه بعضهم. فتلخص أن الألفاظ الثلاث لثلاث جبال في كل منها ثنية.
الأمر الثالث: أن الحكمة في هذه المغايرة أنه قاصد عبادة فاستحب الدخول من طريق والرجوع من أخرى لتشهد له الطرقات كما قلنا في العبد. وهذا المعنى حسن صحيح نبه عليه النووي في رياض الصالحين وقال إن سائر العبادات كالجمعة وعيادة المرضى وغيرهما يستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى. ذكر ذلك في طريق والرجوع في أخرى. في ترجمة من تراجم الأبواب.
فإن قيل: فلم اختصت العليا بالدخول والسفلى بالخروج فهذه حاصل مغايرة الذهاب لذهاب كيف اتفق؟
فالجواب: أن الداخل يقصد موضعًا على المقدار فناسب الدخول من العليا والخارج عكسه.
وأيضًا فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم ﵊ حين قال ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (١) كان على كداء
стр. 1786
الممدود؛ فلذلك استحب الدخول منه. قاله السهيلي. وهذا المعنى الذي ذكرناه يقتضي مغايرة الدخول للخروج الآتي من غير المدينة أيضًا وسيأتي ما فيه، ويقتضي استحباب الدخول من العليا والخروج من السفلى وإن لم يكن حاجًا ولا معتمرًا كاستحباب تقديم اليمنى لداخل المسجد واليسار للخارج منه. وإن لم يقصد عبادة فينبغي القول به إلا أن يرد نقل يدفعه. والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وابن عمر.
قوله: قال الأصحاب: وهذه السنة في حق من جاء من طريق المدينة والشام، فأما الجاؤون من سائر الأقطار فلا يؤمرون أن يدوروا حول مكة ليدخلوا من ثنية كداء.
وكذلك القول في إيقاع الغسل بذي طوي.
وقالوا: إنما دخل رسول الله ﷺ من تلك الثنية اتفاقًا فالأفضل لأنها على طريق المدينة، وهاهنا سيأتي.
ثم قال: والثاني: أن الشيخ أبا محمد نازع في ما ذكروه من موضع الثنية وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جملة المعلى، وهو في أعلى مكة والمرور فيه يفضي إلى رأس الردم وباب بني شيبة، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبراهيم ﵇.
ثم ذهب الشيخ إلى استحباب الدخول منها لكل جائى تأسيًا برسول الله ﷺ والإمام هنا عَدّ الجمهور في الحكم الذي ذكروه شهد للشيخ بأن الحق في موضع التنبيه ما ذكره. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله ﵀ عن الإمام من موافقة الجمهور على استحباب الدخول للآتي من طريق المدينة والشام، وقد تبعه عليه أيضًا في
стр. 1787
"الروضة"، وهو سهو عجيب؛ فإن الذي ذهب إليه إنما هو عدم الاستحباب مطلقًا على عكس ما نقله عنه فقد قال في "النهاية" بعد ذكر نزاع والده في "التنبيه" ما نصه: والحق ما ذكره الشيخ -يعني: والده- ولكن الوجه عندي أن لا يرى الدخول من هذه الثنية نسكًا فإن الممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يتضح تعلق النسك به، ويمكن أن يحمل دخول رسول الله ﷺ على غرض أو سبب متعلق بالعادة لم يسع الرواة نقله. هذا لفظه بحروفه.
ثم ذكر بعد ذلك أيضًا ما يؤكده فقال ما قاله شيخي في موضع التنبيه صحيح، وما ذكره من تعلق النسك بالدخول من هذه الثنية لا أرى له وجهًا.
الأمر الثاني: لم يبين موضع اغتسال الداخل من غير الثنية، وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: يغتسل من نحو مسافة الثنية.
الأمر الثالث: أن مقتضى ما ذكروه استدلالًا وتعليلًا جريان الأوجه الثلاثة أيضًا في طلب الغسل من ذي طوي، لكن جزم النووي بأنه يختص بالآتي من طريق المدينة مع تصحيحه استحباب الدخول من الثنية العليا لكل أحد كما قاله الشيخ أبو محمد.
ولعل الفرق أن ما ذكرناه في الثنية العليا في المناسبة لا يحصل سلوك غيرها، ومناسبة الغسل وهي التنظيف حاصلة بفعله في كل موضع، إلا أن في التفريق نظرًا من وجه آخر وهو أنا إذا كلفناه الدوران ليدخل فينتهي في دورانه إلى الطريق الذي يدخل منه الآتي من المدينة، وربما يمر أيضًا في أثناء دورانه بذي طوي أو يحاذيه بحيث يبقى قريبًا منه جدًا كالآتي من
стр. 1788
اليمن، فإذا كنا نأمر الآتي من طريق المدينة بالذهاب إلى قِبل وجهه حتى يغتسل بذى طوي ثم يعود إلى خلف فأمر اليمنى وقد مر أو قارب بطريق الأولى.
قوله: ويسن إذا وقع بصره على البيت أن يقول ما روي في الخبر وهو أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا (١).
ثم قال بعد ذلك في الكلام على لفظ "الوجيز": وضم صاحب "الكتاب" في الدعاء للبيت لفظة البر إلى المهابة ولا ذكر له في الخبر وهو الدعاء المحض
المهابة دون البر، والثابت في الخبر إنما هو الاقتصار على البر، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن التعبير بوقوع البصر على البيت قد ذكر مثله في "الروضة"
стр. 1789
وهو يشعر بأن هذا الدعاء لا يستحب للأعمى ولا لمن دخل في ظلمه.
والذي أشعر به كلامهما محتمل متجه، ويحتمل أن يقال أيضًا: يستحب لهما الدعاء به في الموضع الذي يراه منه غيرهما، ويستحب ولكن عند دخول المسجد لأنهما صارا كالحاضرين بين يديه أو عند ملامسة البيت قبل مشروعيتهما في الطواف في أذكاره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من إنكار ورود البر وإنكار صحة معناه هو المراد كما أوضحه النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" في الكلام على لفظ البر فقال بعد نقله لكلام الرافعي: قلت: وإطلاق البر على البيت له وجه صحيح وهو أن بره زيارته كما أن من جملة بر الوالدين والأقارب زيارتهم؛ وحينئذ فمعنى الدعاء بزيادة بره هو الدعاء بكثرة زائريه كأنه قال: اللهم كثرهم.
قال: قد روى الأزرقي صاحب "تاريخ مكة" هذا الحديث عن مكحول عن النبي ﷺ بلفظ البر والمهابة في البيت. رواه الغزالي في "الوجيز" إلا أنه مرسل وفي إسناده مجهول وضعيف. انتهى كلامه.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي في آخر كلامه أن الثابت في الخبر كذا وكذا عجيب؛ فإن المذكور أيضًا ليس بثابت بل رواه الشافعي عن ابن جريج عن النبي ﷺ بإسناد مرسل ومعضل كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ومنها أن يدخل المسجد من باب بني شيبة وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم لأن النبي ﷺ دخل المسجد منه قصدًا لا اتفاقًا فإنه لم يكن على طريقه وإنما كان على طريقه باب إبراهيم، والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد وكأن المعنى فيه أن ذلك الباب في جهة باب الكعبة. انتهى.
стр. 1790
فإن طباق الأصحاب هنا على استحباب الدخول من باب بني شيبة وتعليلهم بأنه لم يكن على طريقه إلا باب إبراهيم ينافي كلامهم في المسألة السابقة فإنهم قالوا: إن الثنية العليا على طريق المدينة ويلزم من كونها على طريقها أن يكون باب بني شيبة على طريقه أيضًا لأن الداخل من الثنية يمر على باب المعلى، وأول ما يلقى من الأبواب باب بنيشيبة، وهذا معلوم بالمشاهدة لا مكابرة فيه، وقد تقدم أيضًا في أثناء كلام الشيخ أبي محمد.
وحديث الدخول من باب بني شيبة رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس.
والمعنى فيه ما أشار إليه الرافعي وإيضاحه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضًا فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله ابن عبد السلام في "القواعد" فكأن الدخول من الباب الذي يشاهد منه تلك الجهة أولى. وسكت الرافعي عن الباب الذي يخرج منه عند إرادته الرجوع إلى بلده، ويستحب أن يكون ذلك هو باب بني سهم ففي "النوادر" عن ابن حبيب أن النبي ﷺ دخل المسجد من باب بني شيبة وخرج إلى الصفا من باب بني مخزوم وإلى المدينة من باب بني سهم -بالسين- ويسمى اليوم بباب العمرة.
قوله: ويبتدئ كما دخل بطواف القدوم لأنه ﵇ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت (١)، وسمي أيضًا طواف التحية. لأنه تحية للبقعة يأتي به من دخلها سواء كان تاجرًا أو حاجًا أو دخلها لأمر آخر. انتهى.
والمراد بالبقعة الذي هذا تحيتها هو البيت؛ فإن الطواف تحية له كما