طرد الخلاف فيه والمراد أن الطواف يتقرب به وحده: بدون الحج والعمرة.
وقال في الكلام على ما لو ترك الرمي في أيام التشريق، وزاد الإمام فقال: لو صرف الرمي في قصده إلى غير النسك كما لو رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف. انتهى.
وهذا الذي ذكره في صرف الرمي قد ذكر النووي مثله في "شرح المهذب" وغيره، ولا شك أنه كالوقوف، وما نقله عن الإمام فيه هو عين ما تقدم نقله عنه في الوقوف فيكون الصحيح خلافه؛ فاعلمه.
وقال في الكلام على صفة الرمي ما نصه: ويشترط قصد الرمي؛ فلو رمي في الهوى فوقع في المرمي لم يعتد به. انتهى.
وهو مخالف للمذكور في الوقوف.
وقد سكت الرافعي عن السعى؛ قال الطبري شارح "التنبيه" إنه كالوقوف.
الثاني: أن الإمام لما ذكر في صرف الوقوف أنه لا يمتنع تخريجه على صرف الطواف زاد بعده زيادة لابد من معرفتها فقال: ولكن الظاهر أنه لا يجزئ. هذه عبارته.
الثالث: أنا قد استفدنا من تعليل الرافعي أن الطواف المنذور وما يتنفل به الحلال والمحرم وما يأتي به الكي عند مفارقته مكة لابد فيه من النية وهو واضح.
وكلامه وكلام النووي في "شرح المهذب" يقتضي جريان الخلاف في طواف القدوم لأنه من سنن الحج، وتوقف فيه ابن الرفعة. قال: وأما طواف الوداع المفعول عقب الحج والعمرة فقال أعني ابن الرفعة: تجب فيه النية بلا شك لوقوعه بعد التحلل التام. وفيما قاله نظر، والقياس تخريجه
стр. 1822
على الخلاف الآتي في أنه من المناسك أم لا؟ ، والصحيح أنه منها كما ستعرفه.
قوله: فلو أن الرجل حمل محرمًا من صبي أم مريض أو غيرهما وطاف به نظر إن كان الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه حسب الطواف للمحمول بشرطه وإن كان محرمًا ولم يطف به عن نفسه نظر إن قصد الطواف للمحمول فثلاثة أوجه: أظهرها: يقع له دون الحامل وينزل الحامل منزلة الدابة، وهو تخريج على قولنا يشترط أن لا يصرف الطواف إلى غرض آخر.
والثاني: يقع عن الحامل فقط تخريجًا على قولنا لا يشترط ذلك.
والثالث: تحسب لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد دار والآخر قد دير به وأن قصده الطواف عن نفسه وقع عنه. وهل يقع عن المحمول أيضًا؟ قال الإمام: لا يقع.
وحكى وفاق الأصحاب عليه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطواف لهما معًا.
وصاحب "التهذيب" حكى وجهين في الحصول لهما.
ولو طاف ولم يقصد واحدًا من الأقسام فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما. انتهى كلامه.
وهو مشتمل على خمسة أقسام فلنتكلم على الترتيب المذكور في الكتاب:
القسم الأول: أن يكون الحامل حلالًا أو محرمًا ولكن طاف عن نفسه.
وقد أجاب فيه بأن الطواف يقع للمحمول بشرطه، وفيما ذكره في هذا
стр. 1823
القسم أمور:
أحدها: أن ما قاله من حصول للمحمول صحيح إذا لم ينو الحامل شيئًا أو نوى الطواف عن المحمول.
فأما إذا نواه لنفسه فلا؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم.
وإذا كان يصح منه ونواه فكيف يتصور عنه بكونه قد حمل المحرم، بل ينبغي تخريجه على الخلاف الآتي في أنه هل يقع عن الحامل فقط لكونه الفاعل له وهو الصحيح أو يقع لهما.
وهذا الإشكال ذكره ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو إشكال صحيح، وكلام المصنف كالصريح في خلافة لأنه ذكر هذا التفصيل فيما سيأتي ولم يذكره في هذه المسألة فاقتضى ذلك إرادة التعميم هنا. وكذا فعل الرافعي والمصنف في كتابهما.
ثانيها: أنه إذا أحرم بالحج من مكة ثم حمل قبل انتصاف ليلة النحر محرمًا بالعمرة كان حكم هذا المحرم الحامل حكم الحلال بلا شك فكان ينبغي أن يقول: قد طاف عن نفسه أو لم يدخل وقت طوافه.
ثالثها: أن المراد بالحسبان هنا عن المحمول إنما هو الحسبان قد طاف عن نفسه كما كان لو حمل حلال حلالًا بلا شك. وتعليلهم يدل عليه.
وهذا الكلام يأتي أيضًا في قول الرافعي ولكن قد طاف عن نفسه؛ أي: الطواف الذي يضمنه إحرامه.
وما ذكرناه من أن طواف القدوم فيما يجب فيه ملحق بالفرض لم يصرحوا به هنا ولكنه قياس ما سبق من التحاقه به من عدم الاحتياج إلى النية.
رابعها: أن قوله يشترطه يتناول الطهارة والستر والنية أو عدم العارف
стр. 1824
على الخلاف المتقدم.
فإن فقد شئ من هذه الشروط وقع عن الحامل.
وكذلك أيضًا يتناول دخول وقت الطواف كما لو كان محرمًا بالعمرة أو بالحج أو انتصف ليلة النحر، وإنما ذكر المصنف هذا الشرط في أول القسم ليعلم منه إحالة ما بعد عليه؛ فاعلمه.
القسم الثاني: أن يكون الحامل محرمًا ولم يطف عن نفسه وقصد الطواف للمحمول، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قطع الطواف للمحمول في أصح الأوجه، وهو واضح.
القسم الثالث: كالثاني إلا أنه قصد الطواف لنفسه. وكلام الرافعي يقتضي أن المشهور فيه وقوعه عن نفسه فقد جزم في "الشرح الصغير"، وذكر نحوه في "المحرر"، وكذلك النووي في "المنهاج" وغيره من كتبه.
وكلام الرافعي يقتضي أنه لا فرق في هذا القسم بين أن ينوي المحمول أيضًا الطواف عن نفسه أم لا، وهو كذلك كما صرح به في "شرح المهذب" وغيره.
القسم الرابع: كالثاني أيضًا، إلا أنه قصد الطواف لهما معًا.
وليس في الرافعي هنا ولا في "الروضة" تصريح بتصحيح إلا أنه صحح في "الشرح الصغير"، "المحرر" وقوعه عن نفسه كالقسم الذي قبله، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وغيره، ولكن نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" على وقوعه عنهما على خلاف ما قالاه إلا أنه نص في "الأم" على وقوعه عن المحمول في الإملاء على وقوعه عنهما كذا نقله الروياني عن "البحر"؛ فالنصان متفقان على نفي ما صححاه، وهو هاهنا بخصوصه أظهر من نصه في الإملاء فيجب الأخذ به.
стр. 1825
ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في كتاب الحج خصوصًا في هذه المسألة.
وإنما ظفر فيها بكلام بعض المتأخرين وهو الإمام والبغوى؛ فتفطن لذلك وما نقله عن البغوي هنا عائدًا إلى القسم الثالث والرابع فاعلمه فقد صرح البغوي به، وكلام الرافعي موهم أو محتمل.
القسم الخامس: أن لا يقصد شيئًا، وقد أجاب فيه الرافعي بأنه قد يكون كما لو قصد نفسه أو كليهما.
وهذا الجواب بناه على ما قدره هو من أنه لا فرق بين القسمين، وأما على ما نقلناه من افتراقهما فلا يلحق لها معًا، بل كما إذا قصد نفسه خاصة لأن الشرط عدم الصارف ولم يوجد.
قوله: وقول الغزالي: ولو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه، الأولى فيه قرأه أحرم على المجهول لأنه لا فرق بين أن يكون وليه الذي أحرم به أو غيره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالمجهول قد رأيته كذلك في عدة من نسخ الرافعي وهو تحريف، وصوابه: على المفعول؛ أي: بضم همزة أحرم على البناء للمفعول للعلة التي ذكرها.
الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على أنه لا فرق في الحامل بين الولي وغيره لكن المنقول فيما إذا طاف الصغير راكبًا أنه لا يجزئه إلا إذا كان الولي سابقًا أو قائدًا. كذا قاله صاحب "البحر" وغيره، وهو هاهنا أولى؛ فتقييد الغزالي بالولي للاحتراز عن غيره فإن فيه هذا التفصيل.
стр. 1826
قوله من زوائده: ولو نذر أن يطوف فطاف عن غيره، قال الروياني: إن كان زمن النذر معينًا لم يجز أن يطوف فيه عن غيره، وإن طاف في غيره أو كان زمنه غير معين فهل يصح أن يطوف عن غيره والنذر في ذمته؟
وجهان: أصحهما: لا، كالإفاضة. انتهى. فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من كونه لا يصح في غير الوقت المعين قد ذكر أعني الروياني أيضًا ما يخالفه في الكلام على تقديم حجة الإسلام على غيرها، وقد ذكرته هناك فراجعه.
والمتجه الماشي على القواعد أنه يصح.
الأمر الثاني: أنهما لم يصرحا بحكم انصرافه إلى النذر. وقياسه على الإفاضة يوهم الانصراف مطلقًا.
وليس كذلك بل القياس انصرافه إذا طاف في وقت النذر المعين أو كان النذر مطلقًا دون ما إذا عينه وطاف قبله.
стр. 1827
الفصل الخامس: في السعي
قوله: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون آخر عهده بالبيت كما افتتح طوافه به. انتهى.
وما ذكره من الاقتصار على الاستلام ذكر مثله في بقية كتبه، وكذلك أيضًا النووي وابن الرفعة، وهو الذي رواه مسلم من حديث جابر (١) أيضًا، وذلك كله يقتضي أنه لا يستحب تقبيله ولا السجود عليه. فإن كان الأمر كذلك فلعل سببه المبادرة إلى السعي.
قوله: ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويبدأ بالصفا لأن النبي ﷺ بدأ به وقال: "ابدؤا بما بدأ الله به" (٢). انتهى.
واعلم أن هذه اللفظة -أعني: ابدؤا رواها مسلم في صحيحه على أنها مضارع للمتكلم، ورواها النسائي بلفظ الأمر؛ فإسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم، إلا أن فابدؤا بزيادة فاء العطف في أوله.
واعلم أن من جملة أدلة السعي ما روي عنه ﷺ أنه قال: "يا أيها الناس: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى" (٣).
وقد اختلف كلام النووي في "شرح المهذب" في هذا الحديث فقال في
стр. 1828
أول الكلام على السعي: رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، وقال في آخره: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن.
قلت: وحسنه أيضًا الشيخ زكي الدين في الكلام على أحاديث "المهذب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين فاعلمه.
قوله: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت.
انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على إطلاق استحباب الرقي على الصفا.
وليس على إطلاقه بل هذا مخصوص بالرجل، أما المرأة فإنها لا ترقى كما هو مذكور في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه، ومعناه واضح، ولم يذكره في "المهذب" ولا في شرحه. والعجب من تركهما هذه المسألة.
ولا شك أن الخنثى كذلك.
ولو فصل فيهما بين أن يكون في خلفه محارم وبين أن لا يكون كما قد قيل به في الجهر في الصلاة لم يبعد.
قوله: نعم لا يجوز أن يتخلل بين الطواف والسعي ركن؛ بأن يطوف للقدوم ثم يقف بعرفة، بل عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن تخلل الواجب لا يقدح وذلك بأن يطوف للإفاضة ثم يرجع إلى منى ويرمي ثم يعود فيسعى، وما اقتضاه كلامه صحيح حتى لا تجب عليه إعادة شئ مما فعل.
الثاني: أن تخلل الحلق لا يضر لأنه ركن على المشهور.
стр. 1829
والقول بما دل عليه كلامه يقتضي إما عدم الاعتداد بالحلق وإما وجوب إعادة الطواف وكلاهما بعيد.
والمتجه أن التخلل في المسألة المذكورة لا يضر، وأن هذه المسألة إنما هي مفروضة في طواف القدوم خاصة وإن كان اللفظ مطلقًا؛ ولهذا عبر في المنهاج بقوله: وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة. هذه عبارته فمنع الفصل بالوقوف خاصة، إلا أنه مخالف لما في "المحرر"؛ فإن الذي فيه مثل ما في "الشرح" و"الروضة"، على أن الغزالي في "الوسيط" حكى ترددًا في الفصل بالوقوف أيضًا. والتردد المذكور وجهان رأيتهما في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فاعلمه.
قوله: ولا يشترط وقوعه بعد طواف الركن بل لو سعى عقب طواف القدوم أجزأه.
ولا يستحب أن يعيده بعد طواف الإفاضة لأن السعي ليس بقربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطواف فإنه عبادة في نفسه يتقرب بها وحدها.
وعن الشيخ أبي محمد أنه يكره إعادته فضلًا عن عدم الاستحباب. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه أن الصحيح أنه خلاف الأولى، وقد اختلف فيه كلامه في "شرح المهذب" فجزم في الكلام على الإفاضة من منى إلى مكة بأنه يكره، ونقله عن الأصحاب وقال قبل ذلك في الكلام على السعي ما نصه: قال الشافعي والأصحاب: إذا أتى بالسعي بعد طواف القدوم وقع ركنًا ولا يعاد بعد طواف الإفاضة، فإن أعاده كان خلاف الأولى.
стр. 1830
وقال الشيخ أبو محمد والإمام وغيرهما: تكره إعادته لأنه بدعة.
هذا كلامه، وليس في "المحرر" ولا في "المنهاج" تصريح بشئ بل فيهما أنه لا يعيده.
قوله: غير أنه لا يتصور وقوع السعي بعد طواف الوداع فإن طواف الوداع هو الواقع بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي عليه لم يكن المأتي به طواف الوداع. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن ما قالاه من عدم تصوره وذلك لأن طواف الوداع يؤمر به من أراد الخروج من مكة حلالًا كان أو محرمًا، لكن هل من شرطه أن يخرج إلى مسافة القصر أم لا؟
فيه خلاف مذكور في موضعه؛ وحينئذ فنقول: يتصور ذلك بما إذا أحرم بالحج من مكة ثم أراد الخروج، قيل: فيطوف هذا المحرم للوداع ويخرج لحاجته ثم يعود ويسعى بعد عوده؛ إذ الموالاة بين السعي والطواف غير شرط عندنا.
وهذا التصوير واضح جلي، وقد ذكره صاحب "البيان" والشيخ أبو نصر البندنيجى، وزاد على ذلك فجزما بالصحة وقالا إنه مذهب الشافعي ونقله النووي في "شرح المهذب" عنهما وسلم التصوير، لكنه نازع في الصحة فقال: ولم أر لغيرهما ما يوافقه.
قال: وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجوز إلا بعد القدوم والإفاضة.
وهذا التوقف منه في الصحة مع هذا النقل الصريح مردود. وما ذكر الأصحاب لطواف القدوم والإفاضة دون غيرها فلأن ذلك هو الغالب، وقد ذكر -أعني: النووي- في "شرح المهذب" كلامًا تدخل فيه هذه الصورة فإنه قال الكلام على دخول البيت ما نصه: ويشترط كون السعي بعد
стр. 1831
الطواف صحيح. هذا لفظه.
وذكر ابن عبدان في شرائط الأحكام مثله.
فإن كان بعد الطواف ما أجزأه عن الفرض وإن لم يكن عقب طواف ما لم يجزئه هذه عبارته.
وتدخل في هاتين العبارتين صورة أخرى؛ وهي ما إذا أحرم المكي بالحج كما فرضنا ثم ينتقل بالطواف وأراد السعي بعده.
وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بالمسألة وجزم بالإجزاء.
قال وروى أن ابن عمر وابن الزبير فعلاه، إلا أن فيها نظرًا، وكلام الرافعي في المسألة المتقدمة يقتضي المنع.
الأمر الثاني: أن الرافعي لما حكم في الصورة التي ذكرها بأن الطواف الذي أتى به على أنه للوداع لا يقع عنه لم يتعرض لصحة السعي بل كلامه يوهم عدم الاعتداد به. وليس كذلك بل هو صحيح؛ فتفطن له. وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون قد طاف للإفاضة أم لا؛ فإن طاف صح هذا السعي لتقدم طواف الإفاضة عليه وتراخيه عنه لا يقدح وإن لم يطف وقع هذا الطواف عنه كما صرح به الرافعي وغيره، ويلزم منه الصحة بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن منع الرافعي طواف الوداع عند بقاء شئ من المناسك كيف يستقيم، لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج أن يخرج من مكة قبل أن يفعلهما؛ وحينئذ فهو محتاج إلى طواف الوداع.
فإذا قال: أنا أخرج وأحلق في بلدى؛ فإن صححنا طواف الوداع بطل ما قاله، وإن لم نصححه لزم لخروج بلا وداع أو وجوب الحلق والسعي قبل الخروج.
стр. 1832
الفصل السادس: في الوقوف
قوله: وينبغي للإمام أو منصوبه أن يخطب بمكة في اليوم التاسع من ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيه بالغدو إلى منى ويخبرهم بما بين أيديهم من المناسك لأنه ﵊ فعل ذلك.
انتهى. والمراد بما بين أيديهم أي: في الخطبة الثانية. كذا ذكره الرافعي بعد هذا في الكلام على الخطبة الثانية المشروعة بنمرة ولكن الصواب عدم التقييد بما بين الخطبتين كما ستعرفه هناك. والحديث المذكور رواه البيهقي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ويأمر في خطبته المتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج للوداع. انتهى.
وهذه المسألة يأتي الكلام عليها في فصل طواف الوداع إن شاء الله تعالى.
قوله: ويحرم من كان حلالًا على ما سبق في صورة المتمتع أي: في اليوم الثامن وهو المسمى يوم التروية، ثم يخرج بهم الإمام في ذلك اليوم إلى منى.
ومتى يخرج؟ المشهور أنه يخرج بعد صلاة الصبح بحيث يوافقون الظهر بمنى. وحكى القاضي ابن كج أن أبا إسحاق ذكر قولًا أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون. انتهى كلامه.
وهذا القول الذي اقتضى كلامه يشعر أنه قد جزم به في أواخر باب وجوب أداء النسكين في أثناء كلام أوله قال: وأما المعسر وقد تقدم ذكر لفظه هناك، وأن الفتوى على المذكور هنا.
стр. 1833
واعلم أن الماوردي قد ذكر أن الإمام إذا كان مقيمًا بمنى فيستحب له أن يحرم، ويصعد المنبر محرمًا. وهذا الذي قاله يستثنى منه قولهم يستحب الإحرام يوم الثامن، وقد توقف فيه "شرح المهذب" فقال ما قاله من إحرام الإمام غريب محتمل.
قوله: قال الشافعي: فإن بنى بها -أي بعرفة- قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة والناس تبع لهم. انتهى كلامه.
وما ذكره من إقامة الجمعة في القرية المذكورة وإن كان مسلمًا لكن بناؤها هناك ممتنع على الصحيح، وكذلك في مزدلفة ومنى كما ستعرفه في كتاب إحياء الموات؛ وعللوه بالتضييق فلتتفطن لذلك فإنها إن بنيت لانتفاع الواقفين عامة بها فيحتمل الجواز بعدم الاختصاص بكون ذلك مستثنى؛ ويؤيده اتفاقهم على مسجد الحيف، ويحتمل المنع للتضييق بموضع الجدر.
قوله: في الكلام على الخطبة بنمرة، ويخفف الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة على ما رواه الإمام وغيره من الأذان على ما رواه صاحب "التهذيب" وغيره. انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الوجه الثاني كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب" وغيره من كتبه.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر كلام الرافعي فقال من زياداته الأصح الذي قطع به الجمهور هو الثاني فتفطن لما قاله فإنه غريب.
قوله: وإذا كان الإمام مسافرًا فالسنة له القصر، وليقل الإمام إذا سلم: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر كما قاله رسول الله ﷺ . (١) انتهى.
стр. 1834
السفر: بفتح السين وسكون الفاء.
وقد تقدم إيضاحه في مسح الخف والحديث المذكور رواه مالك في "الموطأ" (١) من قول عمر نفسه وأنه قاله وهو في مكة، وأما رفعه ووروده في نمرة فغريب.
قوله: وأما الأول فلأن صاحب الشامل وطائفة قد ذكروا أن نمرة موضع من عرفات. وقال الأكثرون: ليست منها. . . إلى آخره.
تابعه عليه في الروضة فقال: الصواب أن نمرة ليست من عرفات، ولم يذكر غير هذا.
وقد بسط هذا الاعتراض في "شرح المهذب" فقال: وإنما نمرة فليست أيضًا من عرفات بل بقربها. هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "مختصر الحج الأوسط" وغيره، وصرح به أبو علي البندنيجي والأصحاب، ونقله الرافعي والأكثرون قال: وقال صاحب "الشامل" وطائقة: هي من عرفات.
وهذا الذي نقله غريب ليس بمعروف ولا هو في "الشامل" ولا هو صحيح، بل إنكار للحس؟ ، ولما تطابقت عليه كتب العلماء.
هذا كلامه، والذي ذكره النووي غلط عجيب؛ فإن النقل في "الشامل" كما قاله الرافعي فإنه قال: مسألة: قال الشافعي: ويخطب يوم السابع، ثم قال بعد ذلك: فإذا طلعت الشمس يوم التاسع على تبير راحوا إلى الموقف في أول طلوعها لما روى جابر أن النبي ﷺ "صلى بمنى صلاة الفجر فلما بزغت الشمس رحل في أول بزوغها إلى عرفات" (٢) إذا ثبت هذا فإذا وصل إليها ضرب له خباء أو قبة؛ لأنه روى أن النبي ﷺ "ضرب له فيه من شعر بنمرة"؛ وهو موضع من عرفات.
стр. 1835
هذا لفظ صاحب "الشامل" بحروفه؛ فكأن النووي ذهل عنه لوقوعه ذهولًا.
قوله: واعلم أنه يسن في الحج أربع خطب: إحداها بمكة في المسجد الحرام في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية بعرفة وقد ذكرناها، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك وأحكامها إلى الخطبة الأخرى. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة، وفيها أمران:
[أحدهما] (١): أن ما ذكره في الخطبة الأولى من اقتصار التعليم على ما بينها وبين الثانية من المناسك بخلاف مذهب الشافعي؛ فإنه نص على استحباب تعلم الجميع فقال في "الإملاء" ما نصه: قال الشافعي: وفي الحج أربع خطب: يوم السابع بمكة بعدما يصلي الظهر فيأمر الناس بالمضي إلى منى والإحرام والصلاة بمنى والمسير إلى عرفة وحضور الصلاة بعرفة وغير ذلك من حجة.
هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت، والتي بعدها فكلام الشافعي فيها موافق للمذكور هنا.
الأمر الثاني: أن الخطبة الرابعة لا تدخل في اللفظ الذي عبر به؛ فإنه ليس بعدها خطبة أخرى، وكان الصواب إفراد الرابع بالذكر فيقول كما قال غيره أنه يعلمهم فيها جواز النفر ويودعهم ويوصيهم بالتقوى.
ورأيت في كتاب "الأعداد" لابن سراقة من متقدمي الأصحاب في الباب المعقود -أن خطبة نمرة واجبة، وكذلك ذكره في كتابه المسمى قبل كتاب الزكاة بنحو صفحة فقال: هي وخطبة الجمعة فرضان.
стр. 1836
قوله: أن يقفوا عند الصخرات. . إلى آخره.
هذا في حق الرجل، أما [المرأة] (١) فيستحب أن تقف في حاشية الموقف كما تقف في آخر المسجد.
هكذا نقله النووي في المناسك وفي آخر باب الإحرام من "شرح المهذب" عن الماوردي وأقره.
وقياسه استحباب ذلك في حق الخنثى أيضًا ويكون على الترتيب المذكور في الصلاة، ثم يتعدى النظر إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين في وقت واحد.
واعلم أنه يتجه أن يقال: أنه لا يستحب للمرأة فصل الوقوف مع الرجال عند الصخرات وأمر أمرها بمفارقة أهلها الخارجين معها وخيامها الساترة لها والوقوف في حاشية الموقف المؤدي غالبًا إلى ضياع بعضهم من بعض؛ فيبعد جدًا وليس نظير الصلاة.
قوله: وأظهر القولين أن الوقوف راكبًا أفضل؛ اقتداء به ﷺ ، وليكون أقوى على الدعاء.
والثاني: هما سواء. نص عليه في "الأم".
انتهى. تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المرأة مستثناة من استحباب الركوب؛ فإنه يستحب لها أن تكون قاعدة لأنه أستر لها؛ كذا قاله الماوردي، وجزم به النووي في "تصحيح التنبيه".
ولا شك في هذا إذا لم تكن المرأة في هودج ونحوه، فإن كانت كما هو الغالب ففيه نظر، والمتجه الوقوف.
стр. 1837
ثم إنهما يستثنيا الخنثى ولا شك أنه كالمرأة.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيمن لا يحتاج الناس إلى ظهور [من] (١) يستفتي ويقتدي به، فإن كان فالأفضل في حقه الركوب قطعًا.
وكذلك إذا شق عليه الوقوف ماشيًا، أو ضعف عن الدعاء. قاله في "شرح المهذب".
وحديث وقوفه ﵊ راكبًا في الصحيحين (٢).
قوله: ويؤخرون المغرب إلى أن يصلوها مع العشاء بمزدلفة.
ثم قال بعد ذلك: ثم كثر الأصحاب أطلقوا القول بأنه يؤخرهما إلى أن يأتي المزدلفة، ومنهم من قال: ذلك ما لم يخش فوات اختيار العشاء، فإن خاف ذلك لم يؤخر وجمع بالناس في الطريق.
انتهى كلامه. وهذا القيد الذي نقله عن بعضهم قد نص عليه الشافعي فقال في "مختصر الحج الأوسط" من "الأم" في باب ما يفعل من دفع من عرفة ما نصه: ولا يصلي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة فيصليهما فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما دون المزدلفة هذا لفظ الشافعي بحروفه، وذكر مثله في "الإملاء" أيضًا فقال ما نصه: قال الشافعي: وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يخرج حتى يأتي المزدلفة، فإن فعل لم يصل المغرب والعشاء قبل نصف الليل حيث أدركه.
انتهى لفظه بحروفه، ومن "الأم" و"الإملاء" نقلت.
ولا اعتبار مع نص صاحبنا بمخالفة غيره فضلًا عن إطلاقه.
стр. 1838
وقول الشافعي في "الإملاء": فإن فعل أي: أتى المزدلفة يشعر بأن استحباب التأخير إنما هو لمن كان يقصد الدخول إليها، فإن لم يقصد فلا يستحب له هذا الجمع.
وهي مسألة حسنة ومتجهة في المعنى؛ لأنه إن كان يقصد الدخول إليها فإن لم يقصد فلا يستحب له. هذا الأولى، والسنة فيه تقديم الثانية فلا يدخل حتى يصلي.
وتأخير النبي ﷺ لمعنى مناسب؛ وهو اشتغاله بفضل النسك، وإن كان مقيمًا فهو إنما يجمع على قول فعله النسك، وهو ما قلناه من قصد مزدلفة، وذلك أيضًا مفقود.
قوله: ويسيرون بسكينة ووقار، فإن وجد بعضهم فرجة أسرع؛ روى أنه ﷺ كان يسير حتى دفع العنق، فإذا وجد فرجة نصّ (١).انتهى.
العنق: بعين مهملة بعدها نون مفتوحتين وبالقاف، وهو ضرب من السير فيه إسراع يسير.
والنص: بفتح النون وبالصاد المهملة [على هنه] (*).
والفرجة: بضم الفاء وفتحها، ويقال: فرج بلا هاء أيضًا.
وروي في الحديث "فجوة" بدل "فرجة" والفجوة: هو المكان المتسع يخرج إليه من مضيق.
والحديث في الصحيحين.
قوله: ولو فرض النوم في أشواط وبعضها على هيئة لا تنقض الوضوء
стр. 1839
قال الإمام: هذا يقرب من صرف الطواف إلى طلب الغريم.
قال: ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه. انتهى ملخصًا.
والأصح: صحة الطواف.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، ونقل المسألة من هنا إلى فصل الطواف؛ لأنه اللائق بها.
قوله في "أصل الروضة": ولو حضرها ولم يعلم أنها عرفة، أو حضر مغمى عليه أو نائمًا أو دخلها قبل وقت الوقوف ونام حتى خرج الوقت أجزأ على الصحيح.
قلت: الأصح عند الجمهور: لا يصح وقوف المغمى عليه. والله أعلم. انتهى كلامه.
والذي نقله في "الروضة" عن الرافعي من صحة وقوف المغمى عليه سهو فإن المذكور فيه أنه لا يصح، فإنه قال: الرابعة: لو حضر وهو مغمي عليه لم يجزءه؛ لفوات أهليه العادة؛ ولهذا لا يجزئه الصوم إذا كان مغمي عليه طول نهاره.
وفيه وجه أنه يجزئه اكتفاء بالحضور.
هذا لفظه. وذكر أيضًا مثله في "الشرح الصغير"؛ فانعكس هذا الكلام عليه، ثم ظهر له مخالف للأكثرين فاستدركه عليه ظنًا منه أن الرافعي قاله ونقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، ثم رد عليه فيه أيضًا، وسببه ما تقدم مرات أن "الروضة" لخصها قبل شروعه في "شرح المهذب" فكان ينقل من الرافعي مما لخصه فيها من كلامه معتقدًا عدم تغييره.
ووقع ابن الرفعة أيضًا في هذا الغلط، وكأنه اعتمد هنا على "الروضة" في النقل عن الرافعي كما تعمده كثير من الطلبة.
стр. 1840
قوله: ولو حضر مجنونًا لم يجزئه.
قال في "التتمة": لكن يقع نفلًا كحج الصبي الذي لا يميز.
ومنهم من طرد فيه الوجه المنقول في الإغماء. انتهى.
وهذا الذي نقله عن "التتمة" وأقره عليه من وقوعه نفلًا قد تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وهو خلاف مذهب الشافعي؛ فقد نص في "الأم" وغيرها على فوات الحج بالإغماء وحينئذ فيلزم الفوات في المجنون بطريق الأولى، فقال في باب الإحصار بالمرض وغيره ما نصه: قال الشافعي: ومن لم يدخل عرفة إلا مغمي عليه لم يعقب ساعة ولا طرفة عين وهو بعرفة فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت، ونص عليه أيضًا في "الإملاء" فقال: قال الشافعي: وأقل إدراك الحاج الحج أن يدخل عرفة.
ثم قال ما نصه: فإذا دخلها ليلًا أو نهارًا واقفًا أو غير واقف نازلًا وسائرًا في بعض هذه الأوقات فقد أدرك الحج.
وإن لم يدخلها في شيء من هذه الأوقات أو دخلها مغمي عليه لا يعقل في شيء من هذه الأوقات فقد فاته الحج.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الإملاء" نقلت.
وجزم الشيخ في "التبيه" بمثله أيضًا فقال: ومن فاته الوقوف بعرفة أو وقف وهو مغمي عليه فقد فاته الحج.
ولم يستدرك عليه النووي في تصحيحه.
ورأيت في "التقريب" مثله أيضًا، ومقتضى كلامه جريانه في الحلق إذا جهلناه ركنًا.
وقد صرح صاحب "التقريب" نقله أيضًا عن الشافعي في المجنون.
стр. 1841
قوله: إحداهما: وقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر يوم عرفة؛ لما روي عن عروة بن مضرس الطائي أن النبي ﷺ قال: "من صلى معنا هذه الصلاة يعنى الصبح يوم النحر وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" (١).
ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال وبعد مضى إمكان صلاة الظهر. انتهى.
مضرس: بميم مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ثم راء مشددة مكسورة بعدها سين مهملة.
والتفث: هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٢). الآية. وهو ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها.
والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
واعلم أنا إن تمسكنا بالحديث فيقوى مذهب الحمل، وإن تمسكنا بالفعل
стр. 1842
فيقوى الوجه الآخر، ويكون نظير ما قالوه في الأضحية فالذي ذهب إليه الجمهور مخالف للدليل القولي والفعلي.
قوله في "الروضة": فلو اقتصر على الوقوف ليلًا صح حجه، وقيل: فيه قولان. انتهى.
وقد حكى الرافعي ﵀ طريقة ثالثة عن رواية الإمام فقال: وعن شيخه أن الخلاف مخصوص بما إذا أنشأ الإحرام ليلة النحر، فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه أصحها: يكون مدركًا سواء أحرم قبل ليلة العيد أو فيها.
والثاني: لا على التقديرين.
والثالث: أنه مدرك بشرط تقديم الإحرام عليهما.
انتهى ملخصًا. فحذف النووي ذلك.
قوله: وإن دفع قبل الغروب ولم يعد ليلًا ففي وجوب الدم قولان؛ قال المحاملي والروياني: أصحهما: لا يجب؛ بل يستحب بحديث عروة المتقدم ونقله الكرخي عن الجديد وقطع به بعضهم، وفي "التهذيب" أن الجديد هو الوجوب. انتهى ملخصًا.
ليس فيه هاهنا تصريح بتصحيح، وقد صرح في أوائل الفصل الثامن المعقود لمبيت منى بأن الراجح قول الاستحباب، وصرح بتصحيحه هاهنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وعبر فيهما بالأصح وصححه أيضًا النووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" وفي غيرهما من مشاهير كتبه، ثم خالف في "المناسك الكبرى" وصحح وجوبه مع تصحيحه فيها أن الجمع بين الليل والنهار لا يجب. وهو ذهول.
стр. 1843
قوله في أصل "الروضة": وإذا قلنا بالوجوب في مسألتنا فعاد ليلًا فلا دم على الأصح. انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا تبعًا للرافعي من طريقة الوجهين قد خالفه في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: ففي سقوط الدم عنه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون وطائفة من غيرهم يسقط؛ لما ذكره المصنف.
والثاني حكاه الخراسانيون: فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: لا يسقط.
هذا لفظه. ووقع في "المنهاج" كما وقع في "الروضة".
قوله: فإن أخطأوا فوقفوا العاشر نظر إن تبين قبل الزوال فوقفوا بعده فقد قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يجزئهم لأنهم وقفوا على يقين الفوات، وهذا غير مسلم لأن عامة الأصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة لا يتمكنون من حضور الموقف بالليل يقفون من الغد.
فإذا لم يحكم بالفوات فقيام الشهادة ليلة العاشر لزم مثله في اليوم العاشر. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه. وعبارتهما تشعر بأنهما لم يقفا على التصريح بذلك لغير البغوي.
وقد صرح القاضي الحسين في تعليقه بالمسألة وخرجها على وجهين في مسألة، ولم يصرح فيها بترجيح.
стр. 1844
الفصل السابع: في أسباب التحلل
قوله: ومبيت مزدلفة نسك، فإن دفع منها بعد انتصاف الليل فلا شيء عليه معذورًا كان أو غير معذور؛ لأن سودة (١) وأم سلمة (٢) أفاضتا في النصف الأخير بإذن رسول الله ﷺ ولم يأمرهما بالدم.
وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضًا. انتهى كلامه. وليس فيه تصريح بالمقدار الذي يحصل به المبيت، وفيه أربعة أقوال:
أحدها: معظم الليل كما لو حلف لا يبيت في موضع فإنه لا يحنث إلا بأن يقيم فيه المعظم.
والثاني: أن المعتبر هو الحصول بها حال طلوع الفجر.
وهذان القولان حكاهما الرافعي في الكلام على مبيت منى استطرادًا. وصحح الأول منهما وعبر بالأظهر؛ فاعلمه.
إلا أنه استشكله على القول بوجوب المبيت من جهة أنهم لا يصون مزدلفة إلا قريبًا من ربع الليل والدفع منها بعد انتصاف الليل جائز كما سبق فيلزم أن لا يحصل المعظم بالضرورة.
والقول الثالث: أن يحصل بلحظة من النصف الثاني لا بكونه يسمى مبيتًا؛ فإن الأمر بالمبيت لم يرد هنا، بل لما تقدم، في تقرير إشكال
стр. 1845
الرافعي بخلاف المبيت بمنى فإنه لابد فيه من المعظم.
والرابع: يحصل بساعة من نصف الليل وطلوع الشمس.
وهذان القولان حكاهما في "الروضة"، وصحح الأول منهما وهو الذي عبرنا عنه هنا بالثالث.
وحديث تقديم سودة رواه البخاري ومسلم مع أحاديث تتعلق بتقديم غيرها أيضًا.
وحديث تقديم أم سلمة رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.
قوله: فإن لم يعد وترك مبيت مزدلفة أراق دمًا.
ثم قال: وهل هو واجب أو مستحب فيه طرق: أظهرها: أنه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عرفة قبل الغروب. انتهى وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التنظير قد ذكره أيضًا في "المحرر" و"الشرح الصغير"، ومقتضاه ترجيح عدم وجوبه لأنه الصحيح في الإفاضة من عرفة.
إذا علمت ذلك فقد استدرك النووي عليه في "الروضة" فقال من زياداته: الأظهر وجوبه.
ثم إنه ارتضى ذلك في "مختصر المحرر" فلم يستدرك عليه.
واعلم أن الرافعي لما ذكر هذه المسألة في "المحرر" قال: وفي كون الدم واجبًا أو مستحبًا مثل الخلاف المذكور في عرفات، فلما اختصره النووي قال: وفي وجوبه القولان.
ولم يذكر غير ذلك وهو غريب؛ فإنه ذكر هذه المسألة في أول فصل بحيث لم يتقدم للقولين ذكر في ذلك الفصل، وهو من المواضع التي يسأل عنها في "المنهاج".
стр. 1846
الأمر الثاني: أن يقتضي كلامه أنه لا فرق في إيجاب الدم بين المعذور وغيره لأن كلامه في المسألة السابقة يدل على إرادة القسمين.
وليس كذلك لما ستعرفه في الكلام على مبيت منى.
قوله: وينبغي أن يأخذوا من المزدلفة الحصى للرمي.
ثم قال ما نصه: ولو أخذوا من موضع آخر جاز لكن يكره الأخذ من المسجد لأنه فريضة، ومن الحش لنجاسته، ومن المرمي؛ لما قيل: إن من يقبل حجه يرفع حجره وما لقي فهو مردود. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أنه أهمل موضعًا رابعًا يكره الأخذ منه نص عليه الشافعي ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" في الكلام على مبيت مزدلفة فقال: قال الشافعي والأصحاب: يكره أخذ حصى الجمار من أربعة مواضع: من المسجد، والحش، والحل، والجمار التي يرمي بها غيره. انتهى.
ونص الشافعي في "الأم" على كراهة أخذه من كل موضع نجس سواء كان حشًا أو غيره. انتهى.
والحش: بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة: هو المرحاض، وجمعة: حشوش، وأصله في اللغة البستان ثم أطلق على هذا المعنى لأن العرب كانت تقضي حاجتهم في البساتين والحدائق.
الأمر الثاني: أن النووي قد جزم في باب الغسل من "شرح المهذب" بتحريم إخراج الحصى من المسجد، فقال في الفصل المعقود لأحكام المساجد ما نصه: ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحصاه وحجر وتراب وغيره. وقد يحرم التيمم بترابه.
ومثله الشمع والزيت.
стр. 1847
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد" (١).
هذا كلامه. وهو عكس ما قاله في الحج. إلا أن يقول قائل: مراده أنه إذا أخرجها من المسجد ورمى بها فتتبعها في المرمي بأعيانها ويعيدها إليه. وهو في غاية البعد عن كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه، وفي نهاية العسر.
وبتقديره فنفس الإخراج حرام كما اقتضاه كلامه أولًا ودل عليه الحديث.
وقد سبق في كلامه هناك وهنا مصير عجبًا من منعه التيمم وتجويزه أخذ الحصى. وما أشبه هذا بقول الحسن البصري لأهل العراق: تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البراغيث.
الأمر الثالث: إطلاقهم يقتضي بقاء الكراهة إذا غسل المأخوذ من الموضع النجس لأخذه إياه من مكان مستقذر ويؤيده أنهم نصوا على استحباب غسل الجمار قبل الرمي بها سواء أخذه من موضع نجس أم لا، فلو لم تبق الكراهة بعد الغسل لكان يلزم أن لا يصح قولهم، ويكره الرمي بها مع قولهم يستحب الغسل، وما أشار إليه الرافعي من رفع الحصى الثقيل فرواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعًا لكن بإسناد ضعيف.
قال البيهقي: ويروى من وجه آخر ضعيف أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا.
قال: وإنما هو مشهور عن ابن عباس موقوفًا عليه.
стр. 1848
ولأجل ما ذكرناه عبر الرافعي بقوله: لما قيل.
قوله: ثم الجمهور قالوا ببرود الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبح. وفي "التهديب": أخر أخذها عن الصلاة.
انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة"، والذي قاله البغوي هو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم" و"الإملاء".
وروى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قاله في "شرح المهذب" أن رسول الله ﷺ قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: "التقط لي حصى فالتقطت له حصيات مثل حصى الحذف" (١).
قوله: ويرمون سبع حصيات إلى جمرة العقبة وهي في حضيض الجبل مترقية عن الجادة. انتهى.
حضيض: بحاء مهملة وبضادين معجمتين.
قال الجوهري: هو قرار الأرض عند منقطع الجبلين.
والمترقية، بالتاء المثناة من فوق وبالقاف، من الرقي وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعة عن الطريق.
والجادة: الطريق التي يسلكها غالب الناس. والجمع: الجواد.
قوله: فأحد القولين أن الحلق ليس بنسك وإنما هو استباحة محظور لأن كل ما لو فعله قبل وقته كان استباحة كالطيب واللبس.
وأصحهما وبه قال مالك وأبو حينفة وأحمد أنه نسك مثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات. انتهى كلامه.
стр. 1849
وهو صريح في أن الطيب مباح لا ثواب فيه وإلا لم يصح قياس القول الأول عليه ليس كما قال، بل المنقول استحبابه بين التحللين؛ لرواية عائشة، ونص عليه الشافعي في "الأم" وجزم به هو أعني الرافعي في آخر المسألة، ووقع هذا الاختلاف للنووي أيضًا؛ فإنه ذكر في "شرح المهذب" ما ذكره الرافعي من القياس المذكور وجزم في "الروضة" باستحبابه.
واعلم أنا قد استفدنا من استحباب الطيب أنه لا يلزم من كون الشيء استباحة محظور أن ينتفي عنه الثواب؛ ولهذا قال في "الوسيط": إذا جعلنا الحلق استباحة محظور كان مستحبًا يلزم بالنذر بلا خلاف، وفيه كلام آخر ستعرفه.
قوله في "أصل الروضة": فإن قلنا: إن نسك فهو ركن لا يجبر بالدم. انتهى. وحكى الرافعي بعد هذا في الكلام على ما يحصل به التحلل عن الداركي أن الحلق ليس بركن إذا جعلناه نسكًا، وأسقط النووي هذا الوجه، وذهب الشيخ أبو حامد وجماعة إلى أنه ركن في العمرة واجب في الحج.
فحصلنا على خمسة أوجه.
قوله: لكن الحلق أفضل؛ لقوله ﷺ : "رحم الله المحلقين. فقالوا يا رسول الله والمقصرين؟ فقال في الرابعة: والمقصرين" (١). انتهى.
وما أطلقه من تفضيل الحلق قد تبعه في "الروضة" وهو في الحج صحيح.
وأما العمرة ففيها تفضيل نص عليه الشافعي في "الإملاء" ذكره في أثناء كتاب الحج قبل آخره بنحو خمسة عشر ورقة فقال ما نصه: قال الشافعي: ومن قدم معتمرًا قبل الحج في وقت إن حلق فيه حمم رأسه حتى لا يأتي
стр. 1850
عليه يوم النحر إلا وثم شعر يحلق أحببت له أن يبتدئ الحلاق بفصل الحلاق، وإني لا أدري لعله لا يدرك حلاق الحج.
وإن قدم يوم التروية أو يوم عرفة في وقت إن حلق فيه لم يحمم رأسه إلى يوم النحر اخترت له أن يقصر ليحلق يوم النحر، ولو حلق لم يكن عليه شيء.
هذا لفظه بحروفه ومن "الإملاء" نقلته.
وهي مسألة نفيسة.
وحمم: بحاء مهملة وميم مفتوحة مشدودة، ومعناه: أسود من الشعر؛ مأخوذًا من الحممة؛ وهي الفحم.
ويؤيد التقصير أيضًا أنه إذا تعاطاه المعتمر المذكور لزم أن يقوم في كل نسك بواجب من الحلق أو التقصير فيثاب ثواب الواجب ويدخل في دعوة النبي ﷺ بالفعلين معًا. بخلاف ما لو حلق في العمرة.
والحديث الذي ذكره المصنف رواه الشيخان.
قوله: والنساء لا يؤمرن بالحلق؛ لما روي أنه ﷺ قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" (١). انتهى.
وتعبيره بعدم الحلق ذكر مثله في "الروضة"، وليس فيه تصريح بكونه حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى أو مباحًا، وقد تعرض له في "شرح المهذب" فحكى فيه وجهين:
стр. 1851
أصحهما: أنه مكروه.
والثاني: يحرم لأنه مثلة في حقهن وقد نهي الشارع عنها.
وأيضًا فلما رواه على أن رسول الله ﷺ "نهى أن تحلق المرأة رأسها" (١)، رواه الترمذي وقال: أنه مضطرب.
ثم نقل أعني النووي على أبي الفتوح أن الخنثى في ذلك كالمرأة، وما أطلقه النووي وغيره من الكراهة يتجه تقييده بثلاث شروط وهي: أن تكون كبيرة حرة خلية عن الأزواج؛ فإن كانت صغيرة لم تنته إلى سن يترك فيه شعرها فالمتجه أنها كالرجل في استحباب الحلق.
وإن كانت أمة فإن منعها السيد من الحلق حرم بلا نزاع، ويعدل إلى التقصير؛ لأن الشعر ملكه، ولأنه قد يقصد الاستمتاع بها أو بقصد بيعها والحلق ينقص القيمة. وإن لم يمنع ولم يأذن فالمتجه التحريم أيضًا لما ذكرناه. ثم المتجه فيما إذا قصرت امتناع الزيادة على ثلاث شعرات إلا بإذن وإن كانت حرة إلا أنها متزوجة جاز لها تقصير الجميع وإن منع الزوج؛ لأن لها غرضًا في حصول هذه السنة، ولا ضرر على الزوج فيه.
وأما الحلق فيمتنع الجزم بامتناعه لأن فيه تشويهًا، ويحتمل تخريجه على الخلاف في إجبارها على ما يتوقف عليه كما الاستمتاع كإزالة الأوساخ ونحوه. والصحيح أن له إجبارها عليه، وفي التحريم عليها عند منع الوالد نظر. والأوجه.
وحكم التقصير فيما زاد على الأنملة كحكم الحلق؛ لأنه لا ينضبط؛ فلو
стр. 1852
جوزنا زيادة عليه لكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التشويه.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد حسن.
قوله: وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من البداءة بالشق الأيمن هل المراد أنه يستوعبه من مقدمه إلى مؤخره أم يفعل ذلك أولا بالمقدم ثم يفعله بالمؤخر؟ اختلف فيه كلام النووي فقال في "مناسك الحج الكبرى" ما نصه: والسنة في صفة الحلق أن يستقبل المحلوق القبلة ويبدأ الحالق بمقدم رأسه فيحلق منه الشق الأيمن ثم الأيسر ثم يحلق الباقي. هذا كلامه.
وقال في "شرح المهذب": السادسة: قال أصحابنا: يستحب أن يبدأ بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر. هذا لفظه وهو الموافق لكلام الأصحاب وللحديث الصحيح.
الأمر الثاني: أن المراد بالذي يستقبل القبلة إنما هو المحلوق له لا الحالق كما صرح به في "شرح المهذب" ولفظ الرافعي و"الروضة" محتمل للمحلوق والحالق، وكذلك لفظ الرافعي بالنسبة إلى الكبير عند فراغه وأن يدفن شعره.
ثم قال: التكبير ولم أر فيه نقلًا صريحًا.
الأمر الثالث: أن النووي قد نسى التكبير فلم يذكره في "الروضة" ووقع له بسبب نسيانه غلط فأحسن في "شرح المهذب" فإنه ذكر ما في "الروضة" ثم قال بعده: قال صاحب: "الحاوي": في الحلق أربع سنن: أن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بشقه الأيمن، وأن يكبر عند فراغه، وأن يدفن شعره.
стр. 1853
ثم قال: وهذا كلامه، وهو حسن إلا التكبير عند فراغه؛ فإنه غريب، وقد استحب التكبير أيضًا البندنيجي، ونقله صاحب "البحر" عن أصحابنا. انتهى.
فانظر كيف استغرب استحبابه مع أنه مجزوم به في الرافعي؛ وسببه ما أشرنا إليه مرات من كونه ينقل من "الروضة" ويعزوه إلى الرافعي، وقد سري هذا الوهم أيضًا إلى المناسك؛ فإنه عد المستحبات كما وقع في "الروضة" خاصة ولم يذكر التكبير.
قوله في "الروضة": ولو حلق ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعره واحدة شيئًا ثم عاد ثانيًا فأخذ منها ثم ثالثًا فأخذ، فإن حملنا الفدية به لو كان محصورًا حصل النسك وإلا فلا. انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا. وهذه المسألة المحال عليها وهي تكميل الفدية قد ذكرها الرافعي في آخر النوع السادس من محرمات الإحرام، ونقلها النووي إلى آخر النوع السابع، وصححا معًا أن الدم لا يكمل بل يجب في كل منها ما يجب فيه لو انفرد وهو المدون بالعاقي في ذلك حتى اقتضى كلامهما تصحيح القطع به، وحينئذ فلا يحصل به النسك أيضًا على الأصح المقطوع به.
وقد خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: فلو حلق أو قصر ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا هو المذهب. انتهى لفظه. ثم نقل بعد ذلك ما قاله هو في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الإمام خاصة وأن الرافعي يخصه فقال كذا وكذا، وهو تباين فاحش، على أن الرافعي هنا لم يصرح بالمنع على القول بعدم تكميل الفدية، بل إنما يؤخذ من مفهوم كلامه، وإنما النووي هو الذي صرح به حالة الإحصار.
стр. 1854
قوله: ومن لا شعر على رأسه يستحب له إمرار الموسي على الرأس تشبها بالحالقين. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا التعبير، وهو يقتضي أنه إذا كان على بعض رأسه شعر لا يستحب له إمرار الموسي على الباقي، والقياس خلافه لأنه كما يستحب الحلق في الجميع يستحب إمرار الموسي عليه للمعنى الذي قالوه وهو التشبيه.
قوله: أما إذا نذر الحلق في وقته فإنه متعين ولم يقم التقصير مقامه ولا النتف ولا الإحراق. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه، وعبر في "شرح المهذب" بعدم الإجزاء.
وهذه العبارات مجملة إذ يحتمل أن يكون المراد عدم الجواز فقط، ويحتمل عدم حصول التحلل أيضًا. وعلى كل من التقديرين، فإذا زال الشعر جميعه بغير الحلق فهل يبقى الحلق أيضًا في ذمته حتى يتعلق بالشعر المستحلق تداركًا لما التزمه أو لا يتعلق به؛ لأن النسك إنما هو في إزالة شعر اشتمل عليه الإحرام كما قاله الرافعي فيه نظر، والمتجه الأول وهو عدم الجواز؛ فإنه إذا نذر صفة في واجب لم تقدح تلك الصفة في الاعتداد بذلك الواجب كما لو نذر الحج ماشيًا وقلنا بوجوب المشي فركب.
قوله في "الروضة": وفي وجه غريب لا يلزم الحلق بالنذر إذا لم يجعله نسكًا. انتهى كلامه.
وحاصله أن الصحيح المعروف أن الحلق يلزم بالنذر وإن قلنا: إنه ليس بنسك، وهذا مشكل؛ لأن النووي جازم بأن الحلق لا ثواب فيه إذا فرعنا على هذا القول أي: كونه ليس نسكًا. هكذا قاله في "شرح المهذب" وغيره وصرح به الرافعي أيضًا.
стр. 1855
وإذا لم يثبت عليه فكيف يلزم بالنذر مع اتفاقهم على أن النذر لا يصح إلا في قربة.
وبالجملة فالذى ذكره في "الروضة" غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن الرافعي قد قال ما نصه: وقوله يعني الغزالي لا خلاف في أنه مستحب يلزم بالنذر ليس صافيًا عن الإشكال لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات على قولنا أنه ليس بنسك وقد ذكر غيره أنه إنما يلزم بالنذر على قولنا أنه نسك.
هذا لفظ الرافعي، ولم يذكر في هذه المسألة غيره، وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهو صريح في إنكاره؛ وليوضح ذلك فيقول: قد علمت أن الغزالي ذهب إلى استحبابه على القول بأنه ليس بنسك، ويلزم من استحبابه لزومه بالنذر، ونزاع الرافعي ليس في الوجوب على تقدير تسليم الاستحباب بل إنما نازع في الاستحباب المقتضي للوجوب؛ ولهذا عبر بقوله لأن التوجيه الذي مر يقتضي كونه من المباحات فتأمله. . إلى آخره.
وحاصل ما يستفاد من سياقه رجحان الإباحة وعدم الوجوب، وهو كلام صحيح.
وأما ما صححه النووي من الوجوب بناء على أنه ليس من المناسك فلا يستقيم؛ لأنه إن كان تفريعًا على أنه مستحب فهو تفريع صحيح غير أنه لا يقول هو به فإنه قد صرح في "شرح المهذب" وغيره فعبر بعدم الثواب كما تقدم نقله عنه في المسائل السابقة، وإن كان مع القول بالإباحة فلا يستقيم لأن اللازم بالنذر إنما هو المستحب دون المباح؛ فالصواب إما أن يقول باستحبابه ولزومه بالنذر أو بإباحته وعدم لزومه.
стр. 1856
وأما الجمع بين الإباحة واللزوم فمما لا يعقل.
وأما كلام الرافعي فمستقيم كما سبق لأن إشعاره بعدم الوجوب بالنذر موافق لتصريحه بالإباحة تفريعًا على ذلك القول.
واعلم أن نذر الحلق له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن لا يعين مقدارًا، بل يطلق الحلق فيكفي حلق ثلاث شعرات عند من أوجبه.
الحال الثاني: أن يصرح بالاستيعاب؛ قال الرافعي: ففيه تردد عن القفال ولها أجوبة تذكر في النذر، وأشار بذلك إلى ما إذا نذر استيعاب الرأس بمسح الرأس في الوضوء ونحوه، والأصح فيه اللزوم. وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة".
الحال الثالث: أن يعبر بالحلق مضافًا فيقول لله تعالى على حلق رأسي، والمتجه أنه كتصريحه بالجميع للعرف، ويحتمل إلحاقه بما إذا قال: على الحلق أو أن أحلق. وتدل عليه الآية.
قوله: وأعمال الحج يوم النحر أربعة: جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف. انتهى.
لم يتعرض هنا لصلاة العيد، وقد تقدم الكلام عليها في موضعها فراجعها.
قوله: ومتى يخرج وقت هذه الأربعة؟ أما الرمى فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر.
وهل تمتد تلك الليلة؟
فيه وجهان: أصحهما: لا. انتهى كلامه فيه أمران:
стр. 1857
أحدهما: أن ما ذكره هنا من الامتداد إلى الغروب فقد ذكر ما يخالفه في الكلام على الأغسال المسنونة فقال نقلًا عن الإمام أنه يمتد إلى الزوال، وقد تقدم الكلام عليه.
الأمر الثاني: أن تصحيحه عدم الامتداد تلك الليلة قد تابعه عليه في "الروضة" وكذلك في "المناسك الكبرى"، ثم خالف ذلك في المناسك المذكورة أيضًا في الكلام على فوات رمي أيام التشريق فذكر أن هذا الرمي يجوز فعله بالليل وفي باقي أيام التشريق ويكون أداء، ووافقه عليه أيضًا غيره، وسيأتي الكلام عليه هناك مبسوطًا.
قوله: وأما الذبح فالهدي لا يختص بزمن لكن يختص بالحرم. انتهى.
واعلم أن الهدي يقع على دماء الحيوانات والمحظورات وعلى ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم كما فعل رسول الله ﷺ ؛ فالأول لا يختص بزمن قياسًا على الديون وغيرها، وهذا هو المراد هنا.
وأما الثاني فيختص ذبحه بوقت الأضحية على الصحيح كما ذكره الرافعي في آخر باب الهدي، وصرح هناك بأن اسم الهدي يقع على الكل وبأن الهدي المذكور هناك الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو الذي يسوقه المحرم.
ثم ذكر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على مسألة في بابها وحكم عليها بما ذكرته غير أنه عبر في الموضعين بالهدي ولم يفصح عن المراد كما أفصح عنه في الكثير، وظن النووي ﵀ أن المسألة متناقضة فاعترض على الرافعي هنا في "الروضة" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وقال: إن المذكور هنا خلاف الصحيح وإن الصحيح ما ذكره هناك،
стр. 1858
والعجب من استدراكه مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؛ فتفطن لذلك؛ وأحد ما وقع فيه النووي من هذا الوهم الفاحش.
قوله: وأما الحلق والطواف فلا أحدهما لكن ينبغي أن يطوف قبل خروجه من مكة. وقال في "التتمة". إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء. انتهى.
وكلامه يشعر بجواز تأخير أسباب التحلل إلى خروج أيام الحج، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال في هذا الموضع: يكره تأخير الحلق وطواف الإفاضة عن هذا اليوم، وتأخيرها عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل ذلك أشد، ولكن لا آخر لوقتها، ولا يزال محرمًا حتى يأتي بذلك. انتهى كلامه وما اقتضاه كلامه في "الروضة" وصرح به في الشرح المذكور يشكل عليه ما ذكره فيه أيضًا في الكلام على الفوات؛ فإنه قال ما نصه: قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم: ليس لصاحب الفوات أن يصير على إحرامه إلى السنة القابلة لأن استدامة الإحرام كابتدائه وابتداؤه لا يصح، ونقله أبو حامد هذا عن النص وعن إجماع الصحابة. انتهى.
قلت: وجزم به أيضًا صاحب التقريب ونقله عن "النص" أيضًا.
وإحصار الحاج بسنة ما نحن فيه فإنه إذا ترك التحلل فاته الحج ولزمه القضاء.
وليس في "الشرح" ولا في "الروضة" فيه ولا في الفوات تصريح بوجوب المبادرة إلى التحلل ولا بعدم وجوبها.
وقد جزم ابن الرفعة في "المختصر" بأنه لا يجب عليه أن يتحلل بالكلية فقال: كلام الأصحاب دال على أنه غير واجب.
стр. 1859
قال: وصرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
ثم ذكر في مسألة الفوات ما يدل على أن التحلل فيه واجب، ونقله عن الماوردي، وعلله بأن الاستدامة كالابتداء.
وذكر في مسألتنا وهي تأخير طواف الإفاضة والحلق ما يوافقه فقال: الذي يظهر لي أن قول: من قال: يجوز تأخيرهما، ليس على إطلاقه بل هو محمول على من يحل التحلل الأول بأن أتى بأحدهما مع الرمي وإلا يصير محرمًا بالحج في غير أشهره.
والذي قاله ابن الرفعة حكمًا وتعليلًا مردودًا؛ فقد تقدم عن "شرح المهذب" عكسه، وأما التعليل فلأن وقت الحج يخرج بطلوع فجر يوم العيد والتحلل قبل ذلك لا يجب اتفاقًا بل أن يؤخروه إلى ما بعد طلوع الشمس، وهو نظير ما لو أحرم بالنافلة في غير وقت الكراهة ثم مدها إليه فإنه يجوز وإن كان ابتداؤها فيه لا يصح.
قوله: ومن فاته الرمي ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتيان ببدله؟ فيه أوجه: أشبهها: نعم؛ تنزيلًا للبدل منزلة المبدل.
والثالث: إن افتدى بالصوم فلا؛ لطول زمانه. انتهى كلامه.
والصحيح في هذه المسألة خلاف ما رجحه الرافعي؛ فإن المشهور أنه لا يتوقف، وهو الذي نص عليه الشافعي.
وقد تعرض لما ذكرناه ابن الرفعة أيضًا حتى نقل فيه عن بعضهم الإجماع.
وتعبير الرافعي بالأشبهه يدل على أنه لم يظفر بترجيح صريح في المسألة لعدم إمعانه فيها.
стр. 1860
وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف فعبر عنه في "الروضة" بالأصح، ثم نقل ذلك منها إلى غيرها على عادته.
فإن قيل ما الفرق عند الرافعي بين هذا وبين المحصر إذا عدم الهدي؟ فإن أصح القولين أن التحلل لا يتوقف على بدله وهو الصوم مع أن العلة في مسألتنا وهي تنزيل البدل منزلة المبدل لوجوده فيه؟ .
قلنا: الفرق أن التحلل إنما أبيح للمحصر تخفيفًا عليه حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، فلو أمرناه بالصبر إلى أن يأتي بالبدل لتضرر.
قوله: ويحل بالتحلل الأول اللبس والتقليم وستر الرأس.
روي أنه ﵊ قال: "إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" (١).
وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج قولان، واختلفوا في الأصح منهما؛ فذكر صاحب "المهذب" وطائفة أن الأصح منهما الحل.
وقال آخرون: بل الأصح المنع ومنهم المسعودي، صاحب "التهذيب". وهؤلاء أكثر عددًا وقولهم أرفق لظاهر النص في المختصر.
انتهى. وما اقتضاه كلامه من رجحان التحريم قد خالفه في "الشرح الصغير" فصحح الحل وعبر بالأظهر، وكلامه في "المحرر" يقتضي التفصيل بينهما؛ فإنه صرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني.