← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وأما الجمع بين الإباحة واللزوم فمما لا يعقل. وأما كلام الرافعي فمستقيم كما سبق لأن إشعاره بعدم الوجوب بالنذر موافق لتصريحه بالإباحة تفريعًا على ذلك القول. واعلم أن نذر الحلق له ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا يعين مقدارًا، بل يطلق الحلق فيكفي حلق ثلاث شعرات عند من أوجبه. الحال الثاني: أن يصرح بالاستيعاب؛ قال الرافعي: ففيه تردد عن القفال ولها أجوبة تذكر في النذر، وأشار بذلك إلى ما إذا نذر استيعاب الرأس بمسح الرأس في الوضوء ونحوه، والأصح فيه اللزوم. وهذه المسألة لم يذكرها في "الروضة". الحال الثالث: أن يعبر بالحلق مضافًا فيقول لله تعالى على حلق رأسي، والمتجه أنه كتصريحه بالجميع للعرف، ويحتمل إلحاقه بما إذا قال: على الحلق أو أن أحلق. وتدل عليه الآية. قوله: وأعمال الحج يوم النحر أربعة: جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف. انتهى. لم يتعرض هنا لصلاة العيد، وقد تقدم الكلام عليها في موضعها فراجعها. قوله: ومتى يخرج وقت هذه الأربعة؟ أما الرمى فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر. وهل تمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان: أصحهما: لا. انتهى كلامه فيه أمران:

стр. 1857

أحدهما: أن ما ذكره هنا من الامتداد إلى الغروب فقد ذكر ما يخالفه في الكلام على الأغسال المسنونة فقال نقلًا عن الإمام أنه يمتد إلى الزوال، وقد تقدم الكلام عليه. الأمر الثاني: أن تصحيحه عدم الامتداد تلك الليلة قد تابعه عليه في "الروضة" وكذلك في "المناسك الكبرى"، ثم خالف ذلك في المناسك المذكورة أيضًا في الكلام على فوات رمي أيام التشريق فذكر أن هذا الرمي يجوز فعله بالليل وفي باقي أيام التشريق ويكون أداء، ووافقه عليه أيضًا غيره، وسيأتي الكلام عليه هناك مبسوطًا. قوله: وأما الذبح فالهدي لا يختص بزمن لكن يختص بالحرم. انتهى. واعلم أن الهدي يقع على دماء الحيوانات والمحظورات وعلى ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم كما فعل رسول الله ﷺ ؛ فالأول لا يختص بزمن قياسًا على الديون وغيرها، وهذا هو المراد هنا. وأما الثاني فيختص ذبحه بوقت الأضحية على الصحيح كما ذكره الرافعي في آخر باب الهدي، وصرح هناك بأن اسم الهدي يقع على الكل وبأن الهدي المذكور هناك الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو الذي يسوقه المحرم. ثم ذكر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على مسألة في بابها وحكم عليها بما ذكرته غير أنه عبر في الموضعين بالهدي ولم يفصح عن المراد كما أفصح عنه في الكثير، وظن النووي ﵀ أن المسألة متناقضة فاعترض على الرافعي هنا في "الروضة" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وقال: إن المذكور هنا خلاف الصحيح وإن الصحيح ما ذكره هناك،

стр. 1858

والعجب من استدراكه مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؛ فتفطن لذلك؛ وأحد ما وقع فيه النووي من هذا الوهم الفاحش. قوله: وأما الحلق والطواف فلا أحدهما لكن ينبغي أن يطوف قبل خروجه من مكة. وقال في "التتمة". إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء. انتهى. وكلامه يشعر بجواز تأخير أسباب التحلل إلى خروج أيام الحج، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال في هذا الموضع: يكره تأخير الحلق وطواف الإفاضة عن هذا اليوم، وتأخيرها عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل ذلك أشد، ولكن لا آخر لوقتها، ولا يزال محرمًا حتى يأتي بذلك. انتهى كلامه وما اقتضاه كلامه في "الروضة" وصرح به في الشرح المذكور يشكل عليه ما ذكره فيه أيضًا في الكلام على الفوات؛ فإنه قال ما نصه: قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم: ليس لصاحب الفوات أن يصير على إحرامه إلى السنة القابلة لأن استدامة الإحرام كابتدائه وابتداؤه لا يصح، ونقله أبو حامد هذا عن النص وعن إجماع الصحابة. انتهى. قلت: وجزم به أيضًا صاحب التقريب ونقله عن "النص" أيضًا. وإحصار الحاج بسنة ما نحن فيه فإنه إذا ترك التحلل فاته الحج ولزمه القضاء. وليس في "الشرح" ولا في "الروضة" فيه ولا في الفوات تصريح بوجوب المبادرة إلى التحلل ولا بعدم وجوبها. وقد جزم ابن الرفعة في "المختصر" بأنه لا يجب عليه أن يتحلل بالكلية فقال: كلام الأصحاب دال على أنه غير واجب.

стр. 1859

قال: وصرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما. ثم ذكر في مسألة الفوات ما يدل على أن التحلل فيه واجب، ونقله عن الماوردي، وعلله بأن الاستدامة كالابتداء. وذكر في مسألتنا وهي تأخير طواف الإفاضة والحلق ما يوافقه فقال: الذي يظهر لي أن قول: من قال: يجوز تأخيرهما، ليس على إطلاقه بل هو محمول على من يحل التحلل الأول بأن أتى بأحدهما مع الرمي وإلا يصير محرمًا بالحج في غير أشهره. والذي قاله ابن الرفعة حكمًا وتعليلًا مردودًا؛ فقد تقدم عن "شرح المهذب" عكسه، وأما التعليل فلأن وقت الحج يخرج بطلوع فجر يوم العيد والتحلل قبل ذلك لا يجب اتفاقًا بل أن يؤخروه إلى ما بعد طلوع الشمس، وهو نظير ما لو أحرم بالنافلة في غير وقت الكراهة ثم مدها إليه فإنه يجوز وإن كان ابتداؤها فيه لا يصح. قوله: ومن فاته الرمي ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتيان ببدله؟ فيه أوجه: أشبهها: نعم؛ تنزيلًا للبدل منزلة المبدل. والثالث: إن افتدى بالصوم فلا؛ لطول زمانه. انتهى كلامه. والصحيح في هذه المسألة خلاف ما رجحه الرافعي؛ فإن المشهور أنه لا يتوقف، وهو الذي نص عليه الشافعي. وقد تعرض لما ذكرناه ابن الرفعة أيضًا حتى نقل فيه عن بعضهم الإجماع. وتعبير الرافعي بالأشبهه يدل على أنه لم يظفر بترجيح صريح في المسألة لعدم إمعانه فيها.

стр. 1860

وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف فعبر عنه في "الروضة" بالأصح، ثم نقل ذلك منها إلى غيرها على عادته. فإن قيل ما الفرق عند الرافعي بين هذا وبين المحصر إذا عدم الهدي؟ فإن أصح القولين أن التحلل لا يتوقف على بدله وهو الصوم مع أن العلة في مسألتنا وهي تنزيل البدل منزلة المبدل لوجوده فيه؟ . قلنا: الفرق أن التحلل إنما أبيح للمحصر تخفيفًا عليه حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، فلو أمرناه بالصبر إلى أن يأتي بالبدل لتضرر. قوله: ويحل بالتحلل الأول اللبس والتقليم وستر الرأس. روي أنه ﵊ قال: "إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" (١). وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج قولان، واختلفوا في الأصح منهما؛ فذكر صاحب "المهذب" وطائفة أن الأصح منهما الحل. وقال آخرون: بل الأصح المنع ومنهم المسعودي، صاحب "التهذيب". وهؤلاء أكثر عددًا وقولهم أرفق لظاهر النص في المختصر. انتهى. وما اقتضاه كلامه من رجحان التحريم قد خالفه في "الشرح الصغير" فصحح الحل وعبر بالأظهر، وكلامه في "المحرر" يقتضي التفصيل بينهما؛ فإنه صرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني.

стр. 1861

وقد استدرك عليه النووي في "المنهاج" وصحح التحريم ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين. والحديث المذكور رواه الدارقطني من ثلاثة طرق، ولكنه ضم الذبح في الطرق الثلاث إلى الخصلتين المذكورتين وهما الرمي والحلق. غير أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا مدخل له في التحلل. وروى النسائي بإسناد جيد كما قاله في "شرح المهذب": إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل [شيء] (١) إلا النساء، ونقل أعني النووي في الشرح المذكور أن الحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف وليس كما قال؛ فإن المذكور في أبي داود: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء"، وهو موافق لما رويناه عن النسائي في الاقتصار على خصلة واحدة. قوله في "الروضة": والمذهب حل الطيب بالأول، بل هو مستحب بين التحللين. انتهى. وهذه العبارة لا يعلم منها أن الأصح طريقة القطع أم طريقة القولين، قد بينه الرافعي فقال: وفي الطيب طريقان: أشهرهما أنه على القولين، والثاني: القطع بالحل، وسواء أثبتنا الخلاف أو لم نثبته فالمذهب أنه يحل بل يستحب. هذه عبارته. فاقتصر النووي في "الروضة" على آخر عبارة الرافعي ثم التبس عليه المراد منها في "شرح المهذب" فظن أن مراده رجحان طريقة القطع فصرح به فقال: المذهب الذي عليه الجمهور هو القطع بالحل. هذا لفظه فاحذره.

стр. 1862

الفصل الثامن: في المبيت قوله: وفي الحد المعتبر للمبيت بمزدلفة ومنى قولان: أظهرهما: معظم الليل. انتهى. استدرك عليه النووي فقال ما نصه: المذهب ما نص عليه الشافعي ﵁ في "الأم" وغيره أن الواجب في مبيت مزدلفة ومنى ساعة في النصف الثاني من الليل. انتهى كلامه. وهذا الاعتراض يؤخذ منه موافقة الرافعي على اشتراطه معظم الليل في المبيت بمنى، وهو كذلك. وقد صرح باشتراطه في "الروضة" أيضًا من "زيادته" في أواخر تعليق الطلاق، وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم أن مخالفته في مزدلفة يقتضي مخالفته في منى لاتفاقهما في المعنى وأنه إنما أفرد مزدلفة بالذكر لأن نص الشافعي وقع فيها بخصوصها، وقد سبق الكلام في مبيت مزدلفة على هذه المسألة مبسوطًا. قوله في أصل "الروضة": ثم هذا المبيت مجبور بالدم وهل هو واجب أو مستحب أما ليلة المزدلفة فقد سبق حكمها، وأما ليالي التشريق ففيها قولان: أظهرهما الاستحباب، وقيل: يستحب قطعًا. قلت: الأظهر: الإيجاب، والله أعلم. انتهى كلام "الروضة". وهو غير مطابق لكلام الرافعي -فإنه أعني الرافعي- قد عبر بقوله وبسببه ترجيح قول الاستحباب ثم قال عقبة: ولكن كلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب هذه عبارته فاقتصر النووي على هذا الترجيح الضعيف وعبر عنه بصيغة صريحة، ثم استدرك عليه.

стр. 1863

وكلا الرافعي في "المحرر" ظاهر في الإيجاب أيضًا؛ فإنه عبر بلفظ (على) فقال: فعليه المبيت، ذكر ذلك في الكلام على جواز النفر؛ ولهذا عبر عنه في "المنهاج" بلفظ الوجوب. قوله: إذا ترك مبيت ليلة النحر وحدها أراق دمًا، وإن ترك مبيت ليالي التشريق فكذلك على المشهور كان فتتوزع عليها توزيع الرمي على الجمرات الثلاث. وعن صاحب "التقريب" رواية قول أن في كل ليلة دمًا كما أن في رمي كل يوم دمًا. وإن ترك ليلة أو ليلتين فعلى الأقوال في حلق الشعرة والشعرتين. وإن ترك الأربع فدمان: دم لليلة مزدلفة ودم الثاني التشريق لاختلافهما في الموضع وفي الأحكام وفي قول: دم واحد. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا في الدليل للقول المروي عن "التقريب" أن في رمى كل يوم دمًا مناقض لما سيأتي بعد هذا في الكلام على ترك الرمي؛ فإن الصحيح المذكور هناك وهو المشهور إيجاب دم واحد لرمي الأيام الثلاث. نعم: يجب في رمي كل يوم دم إذا تركه على انفراده إلا أن الكلام الآن ليس في ذلك بل في ترك المجموع. وينبغي أن يستحضر أن حكم المبيت مخالف لحكم المرمى؛ فسيأتيك أنه إذا ترك رمي الأيام الأربعة لزمه دم واحد عند الجمهور. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وإن ترك الليالي الثلاث لزمه دم على المذهب. هذه عبارته. فاقتضى أن الرافعي حكى في المسألة طريقين. وليس كذلك.

стр. 1864

قوله: وأما ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا دم عليه. وهم أصناف: منهم رعاء الإبل، وأهل سقاية العباس؛ فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت هنا ليالي التشريق؛ لما روي عن ابن عمر "أن العباس استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له" (١). وهم عاصم بن عدي أن النبي ﷺ "رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى ويرموا يوم النحر جمرة العقبة ثم يرموا يوم النفر الأول" (٢). انتهى. ذكر مثله في "الروضة". وليس فيه تصريح بجواز ترك مبيت مزدلفة لأهل السقاية والرعاة بخصوصهم؛ فتأمله من أوله إلى أخره، بل كلامه يوهم المنع، والمنقول الجواز؛ فقد حكاه الطبري شارح "التنبيه" عن صاحب "الفروع"، وجزم به في "الكفاية". والحديث الأول رواه البخاري ومسلم. والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن. قوله صحيح لو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت قاله في التهذيب والحديث الثاني رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 1865

قوله: ولو أحدث سقاية للحاج فللمقيم لسقايتها ترك المبيت. قاله في "التهذيب". وقال ابن كج وغيره: ليس له. انتهى. والصحيح المنع؛ فقد نقله صاحب "الحاوي" و"البحر" وغيرهما عن نص الشافعي وهو المشهور كما أشعر به لفظ الرافعي أيضًا، وصحح النووي في "الروضة" وغيرها من كتبه الجواز، وليس كذلك فاعلمه. قوله: ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عرفة لئلا يضطر إلى ترك المبيت فخلاف المقيض إلى عليه. انتهى. وهذه المسألة الأخيرة فيها نظر ظاهر، والذي أجاب به القفال فيها قد سبقه إليه صاحب "التقريب"، وقد نقله عنه الإمام من جملة ما نقل ولكن لم يذكره الرافعي. قوله: ومنهم -أي: من المعذورين- من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو مريض يحتاج إلى تعهده أو كان يطلب عبدًا آبقًا أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته؛ ففي هؤلاء وجهان: أصحهما -ويحكي عن نصه: أنه لا شيء عليهم كالرعاء وأهل السقاية. والثاني: لا يلحقون بهم لأن شغلهم ينفع الحجيج عامة وأعذار هؤلاء تخصهم. انتهى. وفيه أمور: أحدها: أن الماوردي نقل في "الحاوي" عن الشافعي أنه نص على منع لحاق هؤلاء بالمعذورين على خلاف هذا النص المذكور هنا؛ فصار الخلاف في المسألة قولين لا وجهين.

стр. 1866

الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في تعليل الوجه الثاني مقتضاه أن المراد بالإبل هي إبل الحجيج لا إبل غيرهم؛ فتفطن له. ولم يذكر النووي في "الروضة" هذا التعليل. الثالث: أن هذا الخلاف هل هو في جواز ترك المبيت أو في وجوب الدم خاصة مع القطع بجواز الترك؟ كلام الرافعي يحتمل كلام الأمرين، والصواب الذي لا شك فيه هو الثاني فكيف يجب عليه أن يبيت ويترك المريض ضائعًا أو المال تالفًا أو يمكث لمن يقتله ونحو ذلك، وكلام الأصحاب يوهم الأول فاحذره. واعلم أن الثعالبي قد قال في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.

стр. 1867

الفصل التاسع: في الرمي قوله: وإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أنه قد تابعه في "الروضة" على إطلاق جواز النفر، وليس ذلك على إطلاقه بل تستثنى منه مسألة حسنة نقلها الروياني في "البحر" فقال: قال أصحابنا: محل هذا إذا كان الشخص قد بات الليلتين الأولتين لكونه قد أتى بمعظم المبيت، أو كان من أصحاب الأعذار الذين يجوز لهم ترك المبيت كأهل الرعاء وغيرهم. أما من لا عذر له ولم يبت الليلتين فلا يجوز له أن ينفر. هذا كلامه، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره. وجزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يجوز النفر إلا لمن بات الليلتين، ولم يفصل بين المعذور وغيره. الأمر الثاني: أن تقييده بما بعد الرمي يشعر بأنه إذا نفر قبل ذلك لا يسقط عنه مبيت تلك الليلة فقال: لو نفر قبل الزوال فقال الشريف العثماني من أصحابنا: لا يسقطان لأن هذا النفر غير جائز. قال الطبري -شارح "التنبيه": وما قاله العثماني صحيح متجه. وكلام الطبري وصاحب "البيان" مشعر بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها في "النهاية" مبسوطة مخالفة لما ذكراه، ونقل في "شرح

стр. 1868

المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له فقال: وجمع إمام الحرمين هذه المسألة وفصلها أحسن تفصيل فقال: لو نفر يوم النحر الأول ولم يرم فإن لم يعد استقرت فدية ذلك اليوم عليه، فإن عاد بعد غروب شمسه فقد فات الرمي والاستدراك ولا حكم لمبيته، فإن رمى في النفر الثاني لم يعتد برميه لأنه ينفره أعرض عن منى والمناسك وإن عاد قبل غروبها فحاصل الخلاف فيه على ما لخصه صاحب "التقريب" أربعة أقوال: أحدها: أن الرمي انقطع ولا ينفعه العود. والثاني: يجب عليه العود ويرمي ما عليه ما لم تغرب الشمس. والثالث: أن يتخير بين أن يرجع ويرمي ويسقط عنه الفرض وبين أن لا يرجع ويريق دمًا. وتجري هذه الأقوال في النفر الأول والثاني. والقول الرابع: عن ابن شريح أنه خرج في النفر الأول ثم عاد قبل الغروب ورمى لم يقع رميه موقع وإن خرج في النفر الثاني ولم يرم ثم عاد ورمى قبل الغروب وقع موقعه. ولا خلاف في أن من خرج في اليوم الأول من التشريف ثم عاد قبل الغروب رمى؛ إذ لا حكم للنفر في الأول، فإن عاد بعد الغروب فقد فاته الرمي، وفيه الكلام السابق في التدارك. وبالجملة لا أثر للخروج في هذا اليوم، وكذا لا أثر له في يوم البحر، وانما يؤثر الخروج في التفريق كما مر. قال: ثم إذا قلنا: من خرج في النفر الأول بلا رمي وعاد قبل الغروب يرمي، فإذا رمى وغربت الشمس لزمه المبيت والرمي من الغد.

стр. 1869

وإن قلنا لا يرمي لم يلزمه المبيت ولو بات لم يكن لمبيته حكم. ولو خرج في النفر الأول قبل الزوال ثم عاد وزالت الشمس وهو بمنى فالوجه القطع بأن خروجه لا حكم له ولو لم يعد حتى غربت الشمس فقد انقطعت العلائق. وإن كان خروجه قبل دخول وقت الرمي. ولو عاد قبل الغروب فظاهر المذهب أنه يرمي ويعتد برميه، ومن الأصحاب من تركه. فهذه الصورة منزلة صورة الأقوال. انتهى ما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام. نعم: إذا تعدى فترك أحدهما فقط فهل يجب عليه أن يأتي بهما معًا، وإن كان الإخلال بالمعظم لم يحصل إلا بترك أحدهما إسقاطًا على المتعجل ووجوبًا على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه على غيره أو يأتي بما تعدى بتركه لقيامه بالمعظم في الخصلة الأخرى، أو يفصل فيقال: إن حصل الإخلاص في المعظم بترك المبيت لم يلزمه الرمي فإنهم قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي فيكون تابعًا، والتابع لا يوجب المتبوع، وإن حصل بترك الرمي وجب المبيت، لما أشرنا إليه من أن إيجاب المبيت لأجله، في كل ذلك نظر. قوله: والسنة أن يرمي بمثل حصى الخذف وهو دون الأنملة طويلًا وعرضًا في قدر الباقلاء، يضعه على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة. روي أنه ﵇ قال: عليكم بحصى الخذف. انتهى كلامه. والحديث المذكور رواه مسلم من رواية الفضل بن عباس (١).

стр. 1870

والخذف: بالخاء والذال المعجمتين، وهو الرمي على الكيفية التي ذكرها. وأما بالحاء المهلمة فهو الرمي من حيث الجملة. وما ادعاه من كونه يرمي بمثل حصى الخذف مسلم، وأما كونه على هيئة الخذف فنازع فيه النووي وقال أنه وجه ضعيف، بل يرميه على العادة. قوله: ولابد مع الرمي من القصد إلى المرمي حتى لو رمى في الهواء فوقع في المرمي لم يتعد به. انتهى. وذكر الطبري شارح "التنبيه" كلامًا حسنًا فيه تقييد وتنبيه لابد منه فقال: أما لو قصد غير المرمي فوقع فيه ثم في المرمي كما يفعله كثير من جهلة الناس يرمون العلم المنصوب في الجمرة والحائط المبني في جمرة العقبة قصدًا ثم ترتد إلى المرمي فالأظهر عندي أنه لا يجزئ؛ لأنه قصد برميه غير المرمي، ويحتمل أنه يجزئ لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي. أما من علم المرمي وقصدهما بالرمي لترتد الحصاة بقوة الرمي إليه لم يبعد الجزم بالصحة لمن رمى في الهواء قاصدًا الوقوع في المرمي بقوة رميه فإنه لا ريب في إجزائه. ولم يذكر الأصحاب في المرمي حدًا معلومًا غير أن كل جمرة عليها علم فينبغي أن يرمي تحته على الأرض ولا يبعد عنه احتياطًا. وقد قال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى، لا ما يسأل من الحصى؛ فمن أصاب مجتمع الحصى أجزأه وإن أصاب سائله لم يجزئه. انتهى كلام الطبري المذكور. قوله: ولو وقعت في غير المرمي ثم تدحرجت إلى المرمي أو ردها الريح إليه فوجهان؛ قال في "التهذيب": أصحهما الإجزاء لأنها حصلت منه لا بفعل الغير. انتهى.

стр. 1871

تابعه النووي في "الروضة" على نقل تصحيحه عن البغوي، وأطلق تصحيحه في "شرح المهذب" هنا ثم قال فيه أيضًا في آخر صفة الحج في فروع: فرع: إذا رمى حصاة فوقعت فتدحرجت بنفسها فوقعت في الرمي أجزأه بالإجماع؛ نقله العبدري. هذا كلامه. وقال الطبري -شارح "التنبيه": أصح الوجهين أنه لا يجزئ. قلت: وقد يفصل ليجزئ في التدحرج دون حمل الريح؛ لأنه ليس من فعله، وهذا في الريح الشديدة، أما الخفيفة فلا يمنع. قوله: ولا يجزئ الرمي عن القوس والدفع بالرجل. قاله في "العدة". انتهى كلامه. وهذا الذي نقله عن "العدة" فيه نظر لكنه قد ارتضاره النووي فجزم به في "الروضة" ولم ينقله عنه ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا. قوله: الثانية: يشترط أن ترمي الحصيات في سبع دفعات. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا لكنه إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إذا رمى حصاتين دفعة واحدة إحداهما باليمنى والأخرى باليسرى فإنه لا يحسب له إلا واحدة بالاتفاق كما قاله في "شرح المهذب" فتفطن لهذه المسألة. قوله: ولو رمى حجرًا قد رمى هو به إلى تلك الجمرة في ذلك اليوم فوجهان؛ قال في "التهذيب": أظهرهما الجواز. انتهى كلامه. وما رجحه البغوي هو الراجح. كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، وعبر أيضًا بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة" و"شرح المهذب"، ونقله فيه عن الجمهور.

стр. 1872

قوله: والثابت في الرمي لا يرمي عن المستنيب إلا بعد أن يرمي عن نفسه، فلو فعل وقع عن نفسه فلو فعل وقع عن نفسه كما في الحج. انتهى. ذكر في "الروضة" مثله، ولا يعلم منه أن المراد التوقف على جميع رمى ذلك اليوم أو على رمى تلك الجمرة حتى إذا رمى الجمرة الأولى فيصح أن يرمي عقب ذلك عن النائب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه؟ ، وفي المسألة نظر. وقول الرافعي: فلو فعل وقع عن نفسه، يدل على الاحتمال الثاني، وما ذكرناه هنا يأتي أيضًا في الرعاء وأهل السقاية فإنه إذا أخروا رمى يوم ثم أرادوا فعله مع رمى الذي عليه فإنا نأمرهم بالقضاء قبل الأداء. قوله: ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرمي عنه لم يجزء الرمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرمي عنه في أصح الوجهين ولا يبطل هذا الإذن بالإغماء لأنه واجب كما لا تبطل به الاستنابة في الحج بخلاف سائر الوكلات. انتهى. فيه أمور: أحدهما: أن التعبير في أول المسألة بقوله لم يجزء قد تابعه عليه في "الروضة"، وهذه اللفظة ينبغي أن تقرأ بضم الياء بمعنى يكفي، لا بفتحها بمعنى يحل؛ فإن الشافعي قد نص في "الإملاء" على أنه لا يجوز فقال: ومن أغمي عليه فلم يفق حتى مغيب الشمس من آخر أيام التشريف أحببت لمن معه أن يرمي عنه، وعلى المغمي عليه أن يهريق دمًا لأنه لم يأمر بالرمى. هذا لفظه بحروفه. وهي مسألة حسنة لكنها مخالفة للقواعد لأن الرمي إن لم يصح أصلًا -وهو الذي عبر به في "شرح المهذب"- فكيف يؤمر به، وإن صح فكيف صححناه بلا إذن، وأيضًا فصحته عنه تستلزم

стр. 1873

براءة ذمته منه. الأمر الثاني: ما نبه عليه في "الروضة" فقال: شرطه أن يكون أذن قبل الإغماء في حال تصح الاستنابة فيه. صرح به الماوردي وآخرون، ونقله الروياني عن الأصحاب. الأمر الثالث: لم يصرحوا بحكم الاستنابة بالنسبة إلى وجوبها، والمتجه فيها الوجوب لضيق الوقت بخلاف المغصوب. واعلم أن ما صححوه من عدم البطلان بالإغماء قد أجاب العراقيون بمثله فيما إذا استناب المغصوب في الحج ثم مات، ونقله عنه عنهم الإمام هنا. ثم قال: وما قالوه محتمل في الإغماء بعيد في الموت. قلت: والذي قاله العراقيون فيهما متجه، والأحسن في تعليله ما ذكره الرافعي في آخر المسألة وهو أن الاستنابة إنما جوزناها للعجز وقد انتهى إلى حالة هو فيها أعجز مما كان. قوله: إحداهما: إذا ترك رمي يوم النفر عمدًا أو سهوًا هل يتداركه في اليوم الثاني والثالث أو ترك رمي اليوم الثاني أو رمى اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث: فيه قولان: أصحهما: نعم. ثم قال: التفريع إن قلنا بأنه لا يتدارك فهل يتدارك رمى اليوم في الليلة التي تقع بعده من ليالي التشريق؟ فيه وجهان وهما مفرعان على الصحيح في أن وقته لا يمتد إلى الليلة على ما سبق. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على تفريع هذين الوجهين على الأصح هناك وهو عدم الامتداد، وهو فاسد لأنا إذا فرعنا على أنه لا يمتد ليلًا فكيف يحسن الجزم بأنه لا يتدارك نهارًا وأن يكون في التدارك ليلًا خلاف؛ إذ لا مزية فيه لليل على النهار بل النهار أولى لأنه محل للرمي على الجملة.

стр. 1874

والصواب أن يجعل الخلاف مفرعًا على الخلاف لا على الوجه المصحح، وقد ذكره كذلك في "الشرح الصغير". قوله: وإن قلنا بالتدارك فتدارك فهو أداء أو قضاء؟ فيه قولان: أحدهما أنه قضاء لمجاوزته الوقت المصروف له، وأظهرها أنه إذا ولاه لما كان للتدارك فيه مدخل كما لا يتدارك الوقوف بعد فوات التفريع إن قلنا أنه أداء فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أنه قد ذكر قبل الموضع بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه المذكور هنا فقال: وللصنفين جميعًا -يعني: رعاة الإبل، وأهل سقاية العباس- أن يدعوا رمي منى ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين على التوالي. انتهى كلامه. وهو في غاية العجب، لأنه قطع هناك بأن أصحاب الأعذار الذي أرخص لهم تأخير صوم رمي يوم واحد ولا يجوز تأخير رمي يومين. وصحح هنا أنه يجوز تأخير رمي يوم ويومين من غير عذر لأنه جعل أيام منى كالوقت الواحد وجعل كل يوم القدر المأمور به وقت اختيار لا وقت جواز كما قلنا في الصلاة أن لها وقت اختيار ووقت جواز. وقد وقع هذا التناقض أيضًا للرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب". وهو تناقض عجيب، ومع تناقضه فجوازه مشكل جدًا؛ إذ لم يرد من فعل النبي ﷺ إلا توزيع الرمي على الأيام، فالقول بجواز التأخير وحلق يوم أو يومين عن الرمي لا دليل عليه لاسيما مع قوله ﵇: "خذوا

стр. 1875

عني مناسككم" (١). وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة أن الرافعي والإمام صححا أن الرامي المتدارك فصار وهو غلط. الأمر الثاني: أنه قد تقدم أيضًا عند الكلام على الترخص للرعاة والسقاة أن الصنفين إذا أخروه يقضونه من الغد كما حكيناه من قبل؛ فظاهره يخالف، وإن احتمل القضاء اللغوي فإن اصطلاحهم يدفعه. قوله في التفريع على قول الأداء: ويجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال. انتهى كلامه. ومعناه أن الرمي الفائت إذا قلنا: يقع أداء فيجوز أن يقدم على الزوال وبه صرح النووي في "شرح المهذب". إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أن هذا الحكم الذي اقتضاه كلامه فاسد، والعبارة التي عبر بها عنه فاسدة أيضًا أما قال فلا يجوز أن يرمي قبل الزوال. ثم إن الرافعي لم يوجد في شرحه لهذا الموضع اعتراض عليه ولا حكاية خلاف أصلًا، ولا يتخيل في شارح كتاب أنه يجزم بعكس المشروح من غير تنبيه عليه ولا تعليل لما في الأصل؛ فعلمنا بذلك حصول غلط في نسخ "الشرح الكبير"، وقد علم ذلك من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه ما نصه: وإذا قلنا: أنه أداء، فهل يجوز تقديمه على الزوال أم يتأقت بما بعده؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن ما قبل الزوال لم يشرع فيه لأن تعيين الوقت بالأداء أليق. وهذا ما أورده في "الكتاب".

стр. 1876

هذا كلام "الشرح الصغير"، وهو يبين لك أن المذكور في "الكبير" غلط وسببه إسقاط وقع للناقل أولًا من المسودة. وأما الثاني -وهو فساد العبارة- فلأن يوم التدارك مدلوله هو اليوم الذي يتدارك فيه الرمي. ورمى هذا اليوم وغيره من أيام التشريق يقدم على الزوال قطعًا، وقد اتفق عليه الأئمة الأربعة ولم يخالف فيه منهم إلا أبو حنيفة في اليوم الثالث خاصة وقد أوضحه الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين. نعم: وقع التردد في تقديمه إلى يوم آخر مع فعله بعد الزوال لكن مراد الرافعي بهذا اللفظ إنما هو الرمي الثابت كما تقدم ذكره للمعنى الذي قلناه ولقرينه تصريح الغزالي في "الوجيز" والنووي في "شرح المهذب" به، وكذلك الرافعي أيضًا في التفريع على القول الآخر وهو القضاء. الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الرمي ليلًا على القول بأنه أداء، وقد ذكره في "الشرح الصغير" وحكى فيه طريقين أصحهما: أنه على الوجهين فيما قبل الزوال، والثانية: القطع بالمنع، وكأنه سقط من جملة ما سقط. وحاصل ما قاله في "الشرح" المذكور امتناع الإتيان به إلا نهارًا بعد الزوال وهو المذكور في "النهاية" فقال: والوجه القطع به، وجزم له الغزالي في "الوسيط"، وابن يونس في "التعجيز" وفي شرحه له، وجوز ابن الصباغ في "الشامل" تفريعًا على هذا القول -يعني قول الأداء- أن يفعل ليلًا ونهارًا، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وذكر مثله ابن الصلاح ثم النووي في مناسكهما. الأمر الثالث: أنه لم يصرح بحكم جمرة العقبة وقد صرح به المذكوران أيضًا في مناسكهما وقالا بأن الحكم فيها بالنسبة إلى تداركه ليلًا ونهارًا

стр. 1877

والحكم عليه بالأداء كحكم رمي أيام التشريق، وصرح بذلك أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" في العجائب، ثم رأيت ذلك -أعني التسوية بين الرميين مجزومًا بها في كتاب "التقريب"، ونقله عن "النص". قوله: ونقل الإمام على هذا القول -أي: القول بكونه أداء- أنه لا يمتنع من تقديم رمي يوم إلى يوم، لكن يجوز أن يقال أن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول فلا يجوز التقديم. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله الرافعي عن الإمام من جواز التقديم هو المعروف في المذهب فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" وأن الأئمة أجازوه، ولم يحك فيه خلافًا وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمد". الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك في "الروضة" على ما نقله الرافعي فقال ما نصه: والصواب الجزم بمنع التقديم وبه قطع الجمهور تصريحًا ومفهومًا، والله أعلم. وذكر نحوه في "شرح المهذب" ونسب تجويزه فيه إلى الإمام فقط، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قال وأنه لم يمعن النظر هاهنا؛ وكأنه أخذ المنع من كلام "الحاوي" للماوردي؛ فإنه استدل في أثناء هذه المسألة بالإجماع على منعه، وتبعه عليه في "البحر" فقال: الصحيح أنه لا يجوز التعجيل قولًا واحدًا. قوله: وإن قلنا: أنه قضاء، فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق، ولا سبيل إلى تقديم رمي يوم على يوم. ثم قال: ولا إلى تقديمه على

стр. 1878

الزوال. انتهى لفظه. والممنوع تقديمه على الزوال مراده به الرمي المتدارك، وتعليله للمسألة الآتية يدل عليه، وهو ظاهر أيضًا. ومنعه التقديم تفريعًا على القضاء كيف يستقيم مع جزمه قبل ذلك بجوازه تفريعًا على كونه أداء. وهو في غاية التباين لأن الجواز في القضاء أولى عنه في الأداء بدليل الصلوات الخمس ونحوها. وهو يدل أيضًا على بطلان ذلك الحكم. وقد حكى في "الشرح الصغير" في مسألتنا وجهين عن حكاية الإمام وصحح المنع لكنه ماش على قاعدة واحدة فإنه يمنع التقديم أيضًا على القول بأنه أداء. قوله في التفريع على هذا القول -وهو قول القضاء- وهل يجوز بالليل؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن القضاء لا يتأقت. والثاني: لا؛ لأن الرمي عبادة النهار كالصوم. هذا لفظه، وما ذكره هنا من تصحيح جوازه بالليل تفريعًا على قول القضاء غريب جدًا؛ فإنه قد تقدم من كلامه في المسألة السابقة الجزم بأنه لا يجوز تقديمه على الزوال تفريعًا على هذا القول؛ وحينئذ فإذا امتنع فعله قبل الزوال على هذا التفريع لزم امتناع بالليل بطريق الأولى: لأن النهار محل للرمي على الجملة بخلاف الليل. لا جرم أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح المنع وعبر بالأصح والمنع هو الصواب. قوله: وهل يجب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك؟ فيه قولان: إن قلنا قضاء فلا. انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن ما قاله على القول بالقضاء من عدم الوجوب إنما يتجه في

стр. 1879

المتروك سهوًا، أما المتروك عمدًا فإنه يجب فعله على الفور، ومن لازم أن لا يتقدم شيء عليه، وهذه الأحكام مفروضة في المتروك سهوًا وعمدًا كما تقدم في صدر المسألة. الأمر الثاني: أن ما صححه من وجوب الترتيب قد تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرها على إطلاقه. وقال النووي في "المناسك الكبرى": هذا إذا فعله بعد الزوال، فإن فعله قبله لم يجب. الأمر الثالث: أنه لا فرق في وجوب الترتيب من جمرة العقبة ورمى أيام التشريق حتى لو لم يرم في يوم النحر وقلنا بتداركه وجب الترتيب بينه وبين رمى التشريق، كذا صرح به ابن الصلاح ثم المصنف في المسألة التاسعة من مناسكهما؛ فتفطن له فإنه قلَّ من تعرض له. قوله في "الروضة": ولو رمى إلى الجمرات كلها عن اليوم قبل أن يرمي إليها عن أمسه أجزأه إن لم يوجب الترتيب وإلا فوجهان: أصحهما: يجزئه ويقع عن القضاء والثاني: لا يجزئه أصلًا. قال الإمام: ولو حرف الرمي إلى غير النسك بأن يرمي إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف؛ فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغى قصده، وإن انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزءه أصلًا، وإلا أجزأه عن يومه. انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره فيما إذا صرف الرمي إلى غير النسك وقلنا: ينصرف، لا يستقيم الأخذ بما دل فيه كلامه عليه -وهو الإجزاء عن اليوم إذا لم يوجب الترتيب- لأنا إذا قلنا ينصرف فلا يتصور القول بأنه يجزئه ولا عن أمسه، وقد ذكر الإمام المسألة على الصواب فإنه ذكر أولًا مسألة الدابة

стр. 1880

وحكى ما فيها من الخلاف في الانصراف، ثم فرع عليه فقال: إن قلنا: لا ينصرف، فلو رمى على قصد يومه وقع عن أمسه، وإن قلنا ينصرف فإذا رمى وظيفة يومه فإن لم نوجب الترتيب إجراء عن يومه، وإن أوجبناه لم يجزءه أصلًا. هذا كلامه. فعلمنا أن الإمام جعل مسألة الدابة مقدمة للمسألة المقصودة -وهي الرمي عن اليوم قبل الرمي عن الأمس- وقدمها ليسن بها أن قصد الرمي عن اليوم صرف له عن رمى أمسه. ثم إن الرافعي عبر بعبارة موهمة لكنها صحيحة أيضًا؛ فإنه ذكر كما في "الروضة" إلا أن أراد حكاية كلام الإمام عبر بقوله وزاد الإمام كذا وكذا. فعلمنا بذلك أن مراد الرافعي تتمة المسألة السابقة وأن الإمام رتب فيها ترتيبًا زائدًا. ثم إن النووي حذف هذه اللفظة المرشدة للصواب وجعلها مسألة مستقلة، وصنع ذلك أيضًا في "شرح المهذب"؛ فلزم منه ما لزم من الخلل المذكور، فاعلمه. نعم: يمكن تأويل كلام "الروضة" على بُعد بأن يجعل المراد بقوله: فإن لم ينصرف أوقع عن أمسه؛ أي: فإن ينصرف بالصارف وقع في المسألة السالفة عن أمسه، وكذا فيما بعد أيضًا. فإذا أعدنا الكلام على المسألة السابقة على وفق ما صرح به الإمام استقام. وفي الصرف كلام مهم تقدم في الكلام على صرف الطواف. هذا كله في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق. قوله: أما إذا ترك رمي يوم النحر ففي تداركه في أيام التشريق طريقان: أصحهما: أنه على قولين. والثاني: القطع بأنه لا يتدارك. انتهى. ولم يتعرض الرافعي ﵀ ولا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" للحكم على هذا الرمي المتدارك بالأداء والقضاء ولا لفعله بالليل

стр. 1881

وما قبل الزوال، وقد أوضحناه قبل ذلك بنحو ورقتين فراجعه. وهذه المسألة التي حكى الرافعي فيها طريقين قد نص عليها الشافعي في "الأم"، ونص على التدارك نصًا صريحًا على وفق ما اقتضاه ترجيح الرافعي. قوله: والسنة أن يرفع يده عند الرمي فهو أهون عليها. انتهى. تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية" على إطلاق الرفع، وهذا في الرجل، أما المرأة فلا يستحب لها ذلك بلا شك لأنه أستر لها. وقد صرح به الطبري -شارح "التنبيه"، وكذلك النووي في تصحيحه إلا أنه عبر بالأصح فاقتضى أن يكون فيها وجهان ولا أعلمه منقولًا. ولا شك أن الخنثى في هذا كالمرأة. وحد الرفع أنه يرى بياض إبطه؛ كذا ذكره في "التنبيه" و"شرح المهذب"، وذكر في "الروضة" في الكلام على الوقوف أن الداعي إذا رفع يديه لا يجاوز بهما رأسه، ويتجه مثله هاهنا أيضًا. واعلم أن الإبط أسود؛ وذلك لما فيه من الشعر فكيف يستقيم أن يقال: حتى يرى بياض إبطه؟ والجواب أن بياض الإبط كان من خواص النبي ﷺ فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق على غيره ذهولًا. قوله: ويسن أن يكون نازلًا في اليومين الأولين وراكبًا في اليوم الأخير فيرمي وينفر عقبه. هكذا أورده الجمهور ونقلوه عن نصه في "الإملاء" وفي "التتمة" أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة. انتهى. اعترض في "الروضة" على كلام المتولي فقال ما نصه: هذا الذي في "التتمة" ليس بشيء، والصواب ما تقدم. هذا لفظه، وهو كلام عجيب؛

стр. 1882

فقد ثبت فيه الحديث الصحيح من رواية ابن عمر؛ وهو أن النبي ﷺ "كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا" (١). رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح. والعجب أن النووي قد ذكر هذا الحديث في "شرح المهذب" وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم. قوله في "الروضة": فإن ترك الرمي يوم النحر وأيام التشريق وقد توجه عليه رمى اليوم الثالث فثلاثة أقوال: أحدها: دم، والثاني: دمان، والثالث: أربعة، وهذا الأخير أظهرها عند صاحب "التهذيب". لكن مقتضى كلام الجمهور ترجيح الأول خاصة عجيب؛ فقد صرح الرافعي في أول المسألة بأن الأصح وجوب دمين، وعلله باختلاف الرميين في الحكم. قوله: الثانية: لو ترك اليوم أو رمي واحد من أيام التشريق. لزمه دم، وإن ترك بعض رمى اليوم نظر إن كان من واحد من أيام نظر إن كان من واحد من أيام التشريق فقد جمع الإمام فيه طرقًا: أحدها: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا يكمل الدم في بعضها، فإن ترك جمرة ففيما يلزمه الأقوال. التي يأتي ذكرها في حلق الشعرة. قال: والطريق الثاني أن الدم يكمل في وظيفة الجمرة الواحدة. وفي الحصاة والحصاتين الأقوال الثلاثة. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي ﵀ ذكر طريقين لا غير مع أنه قد ذكر في أول كلامه أن الإمام حكى فيها طرقًا.

стр. 1883

إذا علمت ذلك فاعلم أن ما ذكره من حكاية الإمام للطرق صحيح. والطريقة الثالثة من الطرق التي حكاها الإمام أن الدم يكمل بثلاث حصيات فصاعدًا وفيما دون ذلك أقوال الشعرة. وهذه الطريقة هي المشهورة المجزوم بها في "المحرر" و"المنهاج"، فنسيها الرافعي أو سقطت من الناقل أولًا من المسودة. وقد أشكل الأمر على النووي فقال في "الروضة": فيها طريقان: وحاصل الطرق الثلاث أن في تكميل الدم ثلاثة أوجه: أحدها: يرمي يوم. والثاني: يرمي جمرة. والثالث: بثلاثة أحجار، وقد ذكره هكذا الرافعي في "الشرح الصغير" والغزالي في "الوجيز". الأمر الثاني: أن ما ذكره من إلحاق الجمرة بالشعرة في مجئ الأقوال صحيح، إلا أن تلك الأقوال مفرعة على اختيار الدم كما سنوضحه في موضعه، وأقوال الجمرة متأصلة ليست مفرعة على شيء؛ لأن الدم الواجب في الحلق وغيره من المنهيات دم تجبير، والواجب في ترك الرمي وغيره من المأمورات دم ترتيب فتفطن له. قوله: وفي ترك الحصاة الأقوال الثلاثة الآتية في الشعرة إذا حلقها ثم قال: واعلم أن الخلاف المذكور وليس في ترك الحصاة والحصاتين مطلقًا، ولكن إن ترك حصاة من الجمرة الأخيرة من آخر أيام التشريق ففيه الخلاف، وإن تركها من الجمرة الأخيرة من يوم النفر أو النفر الأول ولم ينفر، فإن قلنا: الترتيب غير واجب من التدارك ورمي الوقت صح رميه، لكنه ترك

стр. 1884

رمي حصاة واحدة ففيه الخلاف. وإن أوجبنا الترتيب فهو على الخلاف السابق في أن الرمي بنية اليوم هل يقع عن الماضي؟ إن قلنا: نعم، تم المتروك بما أتى به في اليوم الذي بعده لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم فعليه دم. وإن قلنا: لا، كان تاركًا رمي حصاة ووظيفة يوم فعليه دم إن لم نفرد كل يوم بدم. وإن أفردنا فعليه الوظيفة اليوم. وفيما يجب لترك الحصاة الخلاف المذكور. وإن تركها من إحدى الجمرتين الأولتين في أي يوم كان فعليه دم لأن ما بعدها غير صحيح لوجوب الترتيب في المكان. انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا. وتعبيره في أثناء الكلام بقوله: لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم يقتضي الاعتداد بالجمرة الثالثة؛ وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه. وهو سهو. وكأنه نظر إلى كونه قد رمى عنها بعد الإتيان بالحصاة التي عليه، وهو سهو لما ذكره بعد ذلك من وجوب الترتيب في المكان بلا خلاف؛ فالصواب أن يقول كان تاركًا لوظيفة اليوم. قوله: هذا كله إذا ترك بعض يوم من التشريق. فإن ترك بعض رمي النحر فقد ألحقه في "التهذيب" بما إذا ترك من الجمرة الأخيرة من اليوم الأخير، وقال في "التتمة": يلزمه دم ولو ترك حصاة لأنها من أسباب التحلل، فإذا ترك شيئًا منها لم يتحلل إلا ببدل كامل. انتهى كلامه.

стр. 1885

تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على نقل ذلك من غير ترجيح. وما ذكره في "التتمة" قد نقله في "البحر" عن الأصحاب حكمًا وتعليلًا. وعَبّر بقوله: قال أصحابنا، وهو الصحيح أيضًا لا للمعنى المذكور، بل لأن الصحيح أن رمي يوم النحر حكمه في التدارك كحكم رمي أيام التشريق حتى يجوز تداركه فيها وحينئذ فيكون الحكم هنا كما إذا تركها من الجمرة الأخيرة من اليوم الأول من أيام التشريق وقد سبق أنه يلزمه دم وسبق ما انبنى عليه من القواعد. نعم: طريقة البغوي إنّ رَمْي يوم النحر نوع آخر من الرمي مخالف لرمي أيام التشريق فكذلك وفى بقاعدته هنا. وأما الرافعي والجمهور فيمنعون ذلك. قوله: وحكى في "النهاية" وجهًا غريبًا أن الدم يكمل في حصاة واحدة. انتهى. تابعه في "الروضة" على حكاية هذا وجهًا وعلى استغرابه أيضًا، وليس بوجه ولا غريب؛ فإن الشعرة فيها أربعة أقوال، ووجوب الدم الكامل أحد الأربعة كما ذكره الرافعي بعد هذا، غير أنه لم يستحضره هاهنا فاقتصر على حكاية الثلاثة الباقية، وحينئذ فإذا ألحقنا الحصاة بالشعرة جاءت فيها الأقوال الأربعة.

стр. 1886

الفصل العاشر: في طواف الوداع قوله في "أصل الروضة": وإذا خرج بلا وداع وقلنا: يجب الدم فعاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم، وإن عاد بعد بلوغها فوجهان: أصحهما: لا يسقط. انتهى كلامه: فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من طريقة الوجهين مخالف لما في "شرح المهذب" وأنه حكى فيه طريقين وصحح طريقة القطع فقال: وإن عاد بعد بلوغها فطريقان: أصحهما -وبه قطع الجمهور: لا يسقط. والثاني حكاه الخراسانيون وجهان. هذا لفظه. وقد عبر في "المنهاج": بالصحيح. الأمر الثاني: أن تعبيره بالسقوط ذكره أيضًا الرافعي وهو يقتضي ثبوت الدم بمجرد الخروج، وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في مجاوزة الميقات بعد إحرام، فراجعه. قوله: أحدهما: ذكر الإمام والغزالي أن طواف الوداع من مناسك الحج، وليس على الخارج من مكة وداع لخروجه منها، لكن صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما أوردوا أنه ليس من جملة المناسك حتى يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيًا أو آفاقيًا. وهذا أقرب بسببها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله للإحرام، ولأنهم اتفقوا على أن المكي إذا حج وهو على عزم الإقامة بوطنه لا يؤمر

стр. 1887

بطواف الوداع، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بها ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما قاله من كون طواف الوداع ليس من المناسك مردود؛ فقد تظافر على أنه من المناسك كلام الشافعي والأصحاب؛ فقد قال الشافعي في "الإملاء" بعد تقريره أنه ليس بواجب ما نصه: فإن قال قائل: فلم أمرتموه أن يهريق دمًا. قيل: هو شيء أمر به من الحج والعمرة فتركه. هذا لفظه ومن "الإملاء" نقلت. وقال في "الأم" في باب الطواف بعد عرفة: أعمال الحج منها ما إذا تركه ورجع إليه سقط عنه الدم، ولو لم يرجع لزمه الدم مثل الميقات في الإحرام ومثله والله أعلم طواف الوداع قياسًا على المزدلفة والجمار والبيتوته ليالي منى لأنه نسك قد تركه. هذا لفظه في "الأم"، وصرح به القاضي في "التلخيص" وصاحب "التقريب" والمحاملي والقاضي الحسين، وكذلك القاضي أبو الطيب في استدلاله على وجوبه، وقال الماوردي: أنه من سنن الحج، وكذلك أبو بكر بن لال في "مختصر" له لطيف حنيفة في العبادات خاصة وسماه "شرح ما لا يسع المكلف جهله" وصاحب "التنبيه" أنه من واجباته، ونقله الفوراني في "العمد" عن الأصحاب فقال ما نصه: قال أصحابنا: طواف الوداع من جملة الأبعاض. قال القفال: وهذا غلط. انتهى. وأيضًا فقد اتفقوا على جبره بالدم عند الترك وجوبًا إن قلنا بوجوبه، وهو دليل على أنه من الحج لأن الدم إنما يجب للتحلل الحاصل في الحج لا لترك المأمور به يتجرد بدليل وجوبه إذا ترك الإحرام من الميقات وعدم وجوبه إذا ترك الإحرام لدخول مكة.

стр. 1888

الأمر الثاني: أن استدلاله عليه بأنه لو كان من المناسك لعم المقيم والراحل كلام ضعيف كما نبه عليه صاحب "التقريب" وسبب الوقوع فيه ذهولهم عن شرطه؛ لأنه وإن كان من المناسك لكن إنما يشرع لمعنى وهو مفارقة البين وذلك مفقود هنا، ثم إن الاستدلال الذي قبله فيه نظر أيضًا لأنه إن كان اقتضاء الدخول للإحرام فسببه اقتضاء الخروج للوداع فيكونان سواء في الوجوب أو عدمه. وليس كذلك، بل الوداع واجب والإحرام غير واجب. الثالث: أنه قد ذكر في أوائل الفصل المعقود للوقوف ما يخالف ما قاله هاهنا ويوافق كلام الغزالي فقال في الكلام على الخطبة المسنونة يوم السابع ما نصه: وينبغي أن يأمر في خطبته للمتمتعين أن يطوفوا قبل الخروج للوداع. انتهى. وما قاله من أن المتمتع يطوف للوداع دون غيره سببه أن المتمتع قد أراد الخروج بعد تحلله من مناسكه وهي أعمال العمرة. وأما المفرد والقارن فلم يتحللا من مناسكهما. إذا علمت ما ذكره هناك فهو مخالف لما رجحه هاهنا لتخصيصه الأمر عن فرع من المناسك ولانتفاء الخروج إلى مسافة القصر. وقد تابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، وعبر عن قول الرافعي هنا أنه أقرب بقوله: أنه أصح، ثم خالف الموضعين معًا في "شرح المهذب" فقال عقب الكلام على هذه المسألة في أثناء فرع ما نصه: والصحيح المشهور أن طواف الوداع يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها، سواء أكانت مسافة قريبة أم بعيدة لعموم الأحاديث وممن صرح به صاحب "البيان" وغيره، انتهى كلامه.

стр. 1889

ثم ذكر أيضًا في الشرح المذكور ما يخالف هذا ويوافق كلام "الروضة" فإنه نقل عن الشافعي والأصحاب إيجابه. واعلم أن في نقله ذلك عن صاحب "البيان" نظر؛ لأن صاحب "البيان". ذكر ذلك فيما إذا خرج إلى منزله وهو يقتضي أن من خرج لحاجة ويعود قريبًا لا وداع عليه، بخلاف يقتضيه كلام النووي. ومما يدل عليه أيضًا أن العمراني قال: قال الشيخ أبو نصر في "المعتمد": ليس على المقيم الخارج إلى التنعيم وداع عندنا خلافا "للبيان" أنه عليه. الأمر الرابع: أنه قد تقرر بما ذكرناه في النصوص السابقة أن الخلاف في كونه من مناسك الحج جار في العمرة أيضًا على خلاف ما يوهمه تقييده المذكور في أول المسألة. قوله: الثانية: ينبغي أن لا يمكث بعد طواف الوداع، فإن مكث نظر إن كان لغير عذر أو اشتغل بغير أسباب الخروج من شراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض فعليه إعادة الطواف. وإن اشتغل بأسباب الخروج من شراء الزاد وشد الرحل ونحوهما فقد نقل الإمام فيه وجهين: أحدهما أنه يحتاج إلى الإعادة ليكون آخر عهده بالبيت. وأصحهما -وبه أجاب المعظم- أنه لا يحتاج لأن المشغول بأسباب الخروج غير مقيم. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أنه قد سبق في باب الاعتكاف أن عيادة المريض إذا لم يخرج

стр. 1890

لها بل كانت على طريقه لا تقطع التوالي في الاعتكاف الواجب بل يغتفر صرف قدرها في سائر الأغراض فكذلك القول في صلاة الجنازة أيضًا. وإذا ثبت هذا هناك لزم جريانه هنا بطريق عليه فقال: وأخر عهد معقول؛ وهو أن يفرغ من الرحلة وجميع حوائجه ثم يطوف، فإن أخذه بعد ذلك ارتحالًا أو مقامًا فينزل أو زيارة لأحد أو بيعًا أو شراء على غير طريقه عاد للوداع، وإن مر على طريقه بمنزله وأنقذ رحلته لم يعد. هذا لفظه، ونقله عنه صاحب "التقريب". والأمر الثاني: أنا قد استفدنا من هذا النص أن مذهب الشافعي خلاف ما رجحه الرافعي من كون الاشتغال بشد الرحل في غير طريقه لا يضر. الأمر الثالث: أن الذي حكاه عن "النهاية" مخالف للمذكور فيها؛ فإن التردد الذي حكاه فيها إنما هو في التعريج لأمر قبل طواف القدوم، وقال أنهم قطعوا بأن التعريج في طواف الوداع يفسده ذكر ذلك في الفصل المعقود لأحكام الطواف أن لا يعرج الراجع إلى مكة بعده على أمر، فإن عرج على [أمر] (*) فسد ما جاء به عن الجهة المطلوبة وتعين الإتيان بطواف الوداع مرة أخرى. هذا لفظه. ثم أعاد المسألة بعد ذلك بنحو ورقة في الكلام على طواف القدوم فقال: ثم قال الأئمة: ينبغي أن لا يعرج القادم على أمر حتى يطوف طواف القدوم؛ ففي قوله الأئمة تردد. وقطعوا بأن التعريج نقد طواف الوداع نفسه. هذا لفظه. نعم: صرح الغزالي في "البسيط" بحكاية الوجهين. قوله: الثالثة: هل يجب طواف الوداع أم لا؟ فيه قولان كالقولين في الجمع بين الليل والنهار؛ أصحهما -على ما قاله صاحبا "التهذيب"

стр. 1891

و"العدة"- وجوبه؛ لقوله ﷺ : "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (١). واحتج للثاني بالقياس على طواف القدوم لكن صاحب "التقريب" ألحق طواف القدوم بطواف الوداع في وجوب الجبر. وعلى التسليم بالفرق أن طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودًا في نفسه؛ ألا ترى أنه يدخل في طواف العمرة وطواف الوداع مقصود في نفسه، وكذلك لا يدخل تحت طواف آخر. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن هذا التعليل الذي ذكره في طواف الوداع وهو كونه مقصودًا لا يدخل تحت غيره لم يذكره في "الروضة" ولا في "شرح المهذب". وهو حكم مهم بل قاعدة عظيمة حتى لو طاف للإفاضة بعد رجوعه من أيام منى ثم أراد السفر عقبة لم يكف بل لابد أن يطوف للوداع أيضًا. وكذلك لو طاف للعمرة أو عن نذر. ولكن روى البخاري في صحيحه عن عائشة في اعتمارها مع أخيها عبد الرحمن عقب الحج ما يدل على خلاف؛ فإنه لما ذكر الحديث قال في أثنائه: "فنزلنا المحصب فدعا بعبد الرحمن فقال: أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما انتظركما هاهنا فأتيا في جوف الليل فقال: أفرغتما؟ قال نعم. فنادى بالرحيل في أصحابه بأن يحل الناس" (٢). هذا لفظه. فلم يأمر بطواف غير طواف العمرة؛ ولهذا ترجم له -

стр. 1892

أعني البخاري- بقوله: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع. الأمر الثاني: أن صاحب "التقريب" قد نقل عن "النص" والأكثرين التفرقة، ونقل المساواة عن بعضهم إلا أنه أيده فقال: ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الذم لترك طواف القدوم، وهو قياس القول بوجوبه في الوداع، لكن نص الشافعي وأكثر الأصحاب على الفرق. هذه عبارته. ثم جزم به -أي: بعدم الوجوب- بعد ذلك بأوراق في الكلام على وجوب الإحرام على داخل مكة فقال ما نصه: وكما خصت مكة نفسها بطواف القدوم لا على أنه واجب بكل حال لكنه سنة؛ فمن تركه فلا قضاء عليه، ولو كان فرضًا أشبه أن يلزم تاركه بعد وجوبه بالإحرام دم، ولا نعلمه أوجبه نصًا إلا أن يقاس على طواف الوداع في أحد القولين. هذا لفظه، ومنه نقلت فثبت بطلان ما نقلوه عنه. والحديث المذكور رواه مسلم ولفظه: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وروى البخاري أيضًا قريبًا منه ولفظه: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (١). والاستدلال إلا للولي لأن لفظ الأمر لا يدل على الإيجاب بخصوصه بل محتمل له وللندب كما أوضحناه في علم الأصول؛ فتفطن له. قوله: الرابعة: إذا خرج من غير وداع وقلنا بوجوبه فعاد وطاف نظر إن عاد قبل الانتهاء إلى مسافة القصر تأدي الواجب به وسقط الدم بلا خلاف

стр. 1893

كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، وإن عاد بعد الانتهاء إليها فوجهان: أصحهما: أنه لا يسقط لاستقراره بالسفر الطويل فوقوع الطواف بعد العود حقًا للخروج الثاني. والثاني: يسقط كما قبلها. ولا يجب العود في الحالة الثانية وأما الأولى ففيها خلاف. . إلى آخره. وما ذكره ﵀ من نفي الخلاف لم يتعرض له في "الروضة" لكون الرافعي قد ذكره بعد الفراغ من المسألة في الكلام علي ألفاظ "الوجيز" وليس ذلك بصحيح؛ فإن في المسألة ثلاثة أوجه خرجها صاحب "التقريب" من نصوص مختلفة ورأيتها في كتابه: أحدها: يعيده مطلقًا. والثاني: يعيده إن لم يتعد. والثالث: يعيده مطلقًا إن قضى ما تركه بأن يطوف للقدوم ثم للوداع الأول ثم للوداع الثاني. هذا كلامه. قوله: ويقول إذا فرغ: اللهم إن البيت بيتك. . . . إلى آخره. ثم قال ما نصه: ثم يصلي على النبي ﷺ وينصرف. وينبغي أن يتبع نظره البيت ما أمكنه. انتهى. وحاصله أنه يرجع القهقري كما يفعله كثير من الناس، أو يلتفت إليه حال انصرافه، وهو أقرب إلى كلامه. إذا علمت ذلك فقد وافق النووي هنا على ما قاله الرافعي. ثم إنه صحح في "شرح المهذب" خلاف ما جزم به هاهنا فقال ما نصه: قطع جماعة بأنه إذا طاف للوداع وبصره للبيت حتى يكون آخر عهده بالبيت.

стр. 1894

وقال القاضي أبو الطيب وآخرون: يلتفت إليه في حال انصرافه كالمتحزن عليه. وقال جماعات: يخرج ماشيًا تلقاء وجهه وهذا الثالث هو الصواب. هذا كلامه. وجزم صاحب "التنبيه" بالوجه الأول فاستدرك عليه النووي في تصحيحه فقال: المختار: أنه لا يلتفت. وهذا الاستدراك يقتضي أن الصحيح ما قاله الشيخ كما اصطلح عليه في خطبة التصحيح.

стр. 1895

الفصل الحادي عشر: في حكم الصبى قوله: وهل للولي أن يحرم عن الصبي المميز؟ فيه وجهان. قال الإمام: وظاهر المذهب هو الجواز لأنه يولي عليه فيه بدليل عدم استقلاله. انتهى. وما نقله عن الإمام وأقره عليه من ترجيح الجواز قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق النووي تصحيحه في "أصل الروضة"، ثم إنه في "شرح المهذب" نقل هذا التصحيح الذي ذكره من تصرفه في "الروضة" عن الرافعي ولم يصحح هو فيه شيئًا فقال: فيه وجهان مشهوران حكاهما المتولي وآخرون؛ أصحهما عند الرافعي يصح، وقطع البغوي بأنه لا يصح. ثم قال: وقطع به أيضًا صاحب "الشامل". هذا كلامه. قوله في "أصل الروضة": والمجنون كصبي لا يميز يحرم عنه وليه. وفيه وجه غريب ضعيف بأنه لا يجوز الإحرام عنه، إذ ليس له أهلية العبادات. انتهى كلامه. وما ذكره من استغراب هذا الوجه غريب صادر عن غير مراجعة؛ فقد جزم الشيخ في "التنبيه" و"التهذيب" بأنه لا يصح، وعلله بأنه ليس أهلًا للعبادة، وصرح به أيضًا. القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ في "الشامل" والماوردي في "الحاوي". وفرق بينه وبين الصبي الذي لا يميز بأن إفاقة المجنون مرجوة في كل وقت بخلاف عدم التمييز.
следующие страницы →