← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

و"العدة"- وجوبه؛ لقوله ﷺ : "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (١). واحتج للثاني بالقياس على طواف القدوم لكن صاحب "التقريب" ألحق طواف القدوم بطواف الوداع في وجوب الجبر. وعلى التسليم بالفرق أن طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودًا في نفسه؛ ألا ترى أنه يدخل في طواف العمرة وطواف الوداع مقصود في نفسه، وكذلك لا يدخل تحت طواف آخر. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن هذا التعليل الذي ذكره في طواف الوداع وهو كونه مقصودًا لا يدخل تحت غيره لم يذكره في "الروضة" ولا في "شرح المهذب". وهو حكم مهم بل قاعدة عظيمة حتى لو طاف للإفاضة بعد رجوعه من أيام منى ثم أراد السفر عقبة لم يكف بل لابد أن يطوف للوداع أيضًا. وكذلك لو طاف للعمرة أو عن نذر. ولكن روى البخاري في صحيحه عن عائشة في اعتمارها مع أخيها عبد الرحمن عقب الحج ما يدل على خلاف؛ فإنه لما ذكر الحديث قال في أثنائه: "فنزلنا المحصب فدعا بعبد الرحمن فقال: أخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما انتظركما هاهنا فأتيا في جوف الليل فقال: أفرغتما؟ قال نعم. فنادى بالرحيل في أصحابه بأن يحل الناس" (٢). هذا لفظه. فلم يأمر بطواف غير طواف العمرة؛ ولهذا ترجم له -

стр. 1892

أعني البخاري- بقوله: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع. الأمر الثاني: أن صاحب "التقريب" قد نقل عن "النص" والأكثرين التفرقة، ونقل المساواة عن بعضهم إلا أنه أيده فقال: ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الذم لترك طواف القدوم، وهو قياس القول بوجوبه في الوداع، لكن نص الشافعي وأكثر الأصحاب على الفرق. هذه عبارته. ثم جزم به -أي: بعدم الوجوب- بعد ذلك بأوراق في الكلام على وجوب الإحرام على داخل مكة فقال ما نصه: وكما خصت مكة نفسها بطواف القدوم لا على أنه واجب بكل حال لكنه سنة؛ فمن تركه فلا قضاء عليه، ولو كان فرضًا أشبه أن يلزم تاركه بعد وجوبه بالإحرام دم، ولا نعلمه أوجبه نصًا إلا أن يقاس على طواف الوداع في أحد القولين. هذا لفظه، ومنه نقلت فثبت بطلان ما نقلوه عنه. والحديث المذكور رواه مسلم ولفظه: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وروى البخاري أيضًا قريبًا منه ولفظه: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (١). والاستدلال إلا للولي لأن لفظ الأمر لا يدل على الإيجاب بخصوصه بل محتمل له وللندب كما أوضحناه في علم الأصول؛ فتفطن له. قوله: الرابعة: إذا خرج من غير وداع وقلنا بوجوبه فعاد وطاف نظر إن عاد قبل الانتهاء إلى مسافة القصر تأدي الواجب به وسقط الدم بلا خلاف

стр. 1893

كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، وإن عاد بعد الانتهاء إليها فوجهان: أصحهما: أنه لا يسقط لاستقراره بالسفر الطويل فوقوع الطواف بعد العود حقًا للخروج الثاني. والثاني: يسقط كما قبلها. ولا يجب العود في الحالة الثانية وأما الأولى ففيها خلاف. . إلى آخره. وما ذكره ﵀ من نفي الخلاف لم يتعرض له في "الروضة" لكون الرافعي قد ذكره بعد الفراغ من المسألة في الكلام علي ألفاظ "الوجيز" وليس ذلك بصحيح؛ فإن في المسألة ثلاثة أوجه خرجها صاحب "التقريب" من نصوص مختلفة ورأيتها في كتابه: أحدها: يعيده مطلقًا. والثاني: يعيده إن لم يتعد. والثالث: يعيده مطلقًا إن قضى ما تركه بأن يطوف للقدوم ثم للوداع الأول ثم للوداع الثاني. هذا كلامه. قوله: ويقول إذا فرغ: اللهم إن البيت بيتك. . . . إلى آخره. ثم قال ما نصه: ثم يصلي على النبي ﷺ وينصرف. وينبغي أن يتبع نظره البيت ما أمكنه. انتهى. وحاصله أنه يرجع القهقري كما يفعله كثير من الناس، أو يلتفت إليه حال انصرافه، وهو أقرب إلى كلامه. إذا علمت ذلك فقد وافق النووي هنا على ما قاله الرافعي. ثم إنه صحح في "شرح المهذب" خلاف ما جزم به هاهنا فقال ما نصه: قطع جماعة بأنه إذا طاف للوداع وبصره للبيت حتى يكون آخر عهده بالبيت.

стр. 1894

وقال القاضي أبو الطيب وآخرون: يلتفت إليه في حال انصرافه كالمتحزن عليه. وقال جماعات: يخرج ماشيًا تلقاء وجهه وهذا الثالث هو الصواب. هذا كلامه. وجزم صاحب "التنبيه" بالوجه الأول فاستدرك عليه النووي في تصحيحه فقال: المختار: أنه لا يلتفت. وهذا الاستدراك يقتضي أن الصحيح ما قاله الشيخ كما اصطلح عليه في خطبة التصحيح.

стр. 1895

الفصل الحادي عشر: في حكم الصبى قوله: وهل للولي أن يحرم عن الصبي المميز؟ فيه وجهان. قال الإمام: وظاهر المذهب هو الجواز لأنه يولي عليه فيه بدليل عدم استقلاله. انتهى. وما نقله عن الإمام وأقره عليه من ترجيح الجواز قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق النووي تصحيحه في "أصل الروضة"، ثم إنه في "شرح المهذب" نقل هذا التصحيح الذي ذكره من تصرفه في "الروضة" عن الرافعي ولم يصحح هو فيه شيئًا فقال: فيه وجهان مشهوران حكاهما المتولي وآخرون؛ أصحهما عند الرافعي يصح، وقطع البغوي بأنه لا يصح. ثم قال: وقطع به أيضًا صاحب "الشامل". هذا كلامه. قوله في "أصل الروضة": والمجنون كصبي لا يميز يحرم عنه وليه. وفيه وجه غريب ضعيف بأنه لا يجوز الإحرام عنه، إذ ليس له أهلية العبادات. انتهى كلامه. وما ذكره من استغراب هذا الوجه غريب صادر عن غير مراجعة؛ فقد جزم الشيخ في "التنبيه" و"التهذيب" بأنه لا يصح، وعلله بأنه ليس أهلًا للعبادة، وصرح به أيضًا. القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ في "الشامل" والماوردي في "الحاوي". وفرق بينه وبين الصبي الذي لا يميز بأن إفاقة المجنون مرجوة في كل وقت بخلاف عدم التمييز.

стр. 1896

ونقله الرافعي أيضًا عن ابن كج الحناطي. وكلامه في "شرح المهذب" يشعر بأن الخلاف كالمتعادل؛ فإنه قال ما نصه: وجهان: جزم المصنف وآخرون بأنه لا يصح منه، وجزم البغوي والمتولي والرافعي وآخرون بصحته. ثم قال: وهذا هو الصحيح. هذا لفظه، وما ادعاه من جزم الرافعي سهو فإنه قد حكى الخلاف كما تقدم. قوله: فيها أيضًا: وفي الوحي والقيم طريقان قطع العراقيون بجواز إحرامهما عن الصغير، وقال آخرون: وجهان: أرجحهما عند الإمام المنع. انتهى. أهمل طريقة ذكرها الرافعي بعد ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: وعن الداركي طريقة قاطعة تنفي الجواز للقيم ونحوه. قوله: وفيه صور: إحداها: القدر الزائد من التفقة بسبب السفر في مال الصبي أو على الولي؟ فيه وجهان، وقيل قولان؛ والأصح أنه على الولي. انتهى ملخصًا. ئم أعاد المسألة في كتاب قسم الصدقات في الباب الثاني في كيفية الصرف فقال ما نصه: والذي يدفع إلى ابن السبيل تمام مؤنتة أو ما زاد بسبب السفر فيه وجهان: أصحهما أولهما، وهما كالقولين في عامل القراض إذا سافر، وفي الولي إذا حج بالصبي وأنفق من ماله لم يضمن. هذا لفظه. وفيه مخالفتان للمذكور هاهنا. إحداهما: جزمه بأن الخلاف قولان على ما رجح هاهنا من كونه وجهين.

стр. 1897

والثاني: جعله الخلاف في غرامة الجميع على خلاف ما جزم به هنا من كونه في الزائد فقط، واقتصر في "الروضة" على ذكر المسألة هاهنا فسلم من الاعتراض، وذكرها في "شرح المهذب" هنا كما ذكره الرافعي، وزاد عليه فقال: لا خلاف أنه لا يغرم الزائد على مؤنة السفر. قوله في المسألة: فإن أوجبناه على الولي فأحرم بغير إذنه وصححناه حلله، فإن لم يحلله أنفق عليه. انتهى. وتعبيره بقوله: أنفق عليه، قد تابعه عليه في "الروضة". وليس فيه تصريح بأنه ينفق من ماله لتقصيره بترك التحليل أو من مال الصبي لعدم إذنه له، وسياق كلامه يشعر بالأول، إلا أنه بعد هذا بقليل حكى فيما إذا تعاطى الصبي موجبًا للفدية قولين، وصحح أنهما من مال الولي. ثم قال: وهذا إذا أحرم بإذنه. فإنه أحرم بغير إذنه وصححناه فالفدية في مال الصبي قطعًا؛ قاله المتولي. هذا كلامه وهو يؤيد الاحتمال الثاني. فإن كان مراد الأول لزمه تقييد المسألة الثانية بما إذا لم يعلم الولي أو علم ولم يمض ومن عليه فيه التحلل، وأجاب ابن الرفعة بالاحتمال الأول، ونقله عن الرافعي. وقد ظهر لك أنه ليس كذلك. وأجاب في "شرح المهذب" بمثله أيضًا لا أنه فرعه على القول بالإيجاب في مال الصبي فقال: والثاني في مال الصبى؛ فعلى هذا لو أحرم بغير إذنه وصححناه حلله، فإن لم يفعل أنفق عليه من مال الولي. هذه عبارته، وهي أجود من الأول. قوله: الثانية: يمنع الصبي المحرم من محظورات الإحرام؛ فلو تطيب أو ليس ناسيًا فلا فدية كالبالغ الناس وإن تعمد فقد بنوه على أصل مذكور في

стр. 1898

الجنايات وهو أن عمد الصبي عمدًا وخطأ، فإن قلنا عمد وهو الأصح وجبت، وعن الداركي نقل قول فارق بين أن يكون الصبي ممن يلتذ بالطيب واللباس أم لا. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الخلاف المذكور في الجنايات محله في المميز، وفي كلامه هنا إشعار به؛ وعلى هذا فإذا لم يكن مميزًا فلا فدية. وفيه كلام يأتي في أول الجنايات فراجعه. ويدل على عدم الوجوب ما يأتي في باب محرمات الإحرام في النوع الرابع منه أن المجنون والمغمي عليه والصبي؛ الذي لا يميز إذا حلفوا لا كفارة عليهم في أصح القولين. الأمر الثاني: أن القول المعروف فيه إشكال يوهم تعميم الخلاف في المميز وغيره فليتأمل. قوله في "الروضة": وإذا جامع الصبي عامدًا فالأظهر فساد نسكه ووجوب القضاء عليه. ثم قال: ومهما فسد نسكه وأوجبنا القضاء وجبت الكفارة أيضًا وإلا ففي الكفارة وجهان: أصحهما الوجوب. انتهى. وما ذكره من ترتيب الكفارة على القضاء واقتصر عليه قد ذكر معه الرافعي طريقًا آخر على العكس وهي ترتيب القضاء على الكفارة، وعليها اقتصر في "الوجيز" فقال: إن لم تلزم الفدية فالقضاء أولى، وإن لزمت ففي القضاء خلاف. والفرق أن القضاء عبادة بدنية وحال الصبي أبعد عنها. قوله: ولو بلغ الصبي في أثناء الحج بعد الوقوف وقبل خروج وقته، فإن لم يعد إلى الموقف لم يجزئه عن حجة الإسلام لمضي المعظم في حال النقصان، ويخالف الصلاة فإنها تتكرر بخلاف الحج.

стр. 1899

وقال ابن سريج: يجزئ البقاء بإدراك الزمان، وإن عاد أو بلغ قبل وقت الوقوف أو في حال الوقوف أجزأه عنها، لكن يجب إعادة السعي إن كان قد سعى عقب طواف القدوم قبل البلوغ في أصح الوجهين لوقوعه في حال النقصان. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن ابن سريج لا يقول بمثله في الصلاة، بل يوجب الإعادة كما نقله عنه الرافعي وغيره؛ فتفطن له فإن كلام الرافعي هنا موهم، والظاهر أن ابن شريح إنما قال ذلك تخريجًا لا مذهبًا والفرق على المذهب أن الصلاة تتعلق بالزمان فقط فجعل إدراكه إدراكًا لها، والوقوف يتعلق بالزمان والمكان فلم يكن إدراك أحدهما كافيًا. الأمر الثاني: أنه إذا بلغ بعد الوقوف والوقت باق فعاد ولكن بعد الطواف فينبغي أن تجب إعادته أعني الطواف كما سبق في السعي. ولم أر المسألة مصرحًا بها. الثالث: إذا بلغ في أثناء الوقوف فلم لا يخرجوه على ما إذا طول كالركوع ونحوه هل يقع الكل واجبًا أم لا. الأمر الرابع: إذا عتق في أثناء الوقوف فله حالان: أحدهما: أن يقيم بعد العتق زمانًا يعتد بمثله في الوقوف. والثاني: أن لا يحصل ذلك بأن جن مع آخر لفظ العتق أم انفصل عن الموقف لكونه كفى طرفه. وإطلاق الرافعي يقتضي الإطلاق في القسمين. وقال ابن الرفعة: يظهر أن الثاني لا يكفي. قوله: وقد بنوا الوجهين في إعادة السعي؛ على أنه إذا وقع حجة عن حجة الإسلام فهل نقول بأنه تبين بانعقاده في الأصل فرضًا أو نقول بأنه انعقد نفلًا ثم انقلب فرضًا؟ فإن قلنا بالأول لم يعد وإلا عاد. انتهى.

стр. 1900

وهذا الخلاف الذي بنى عليه هذه المسألة لم يذكره في "الروضة". قوله: ولو أن الذمي أتى الميقات مريدًا للنسك فأحرم منه لم ينعقد إحرامه لأنه ليس أهلًا للعبادات البدنية، فإن أسلم قبل فوات الوقوف ولزمه الحج فله أن يحج من سنته وإن يؤخر؛ فإن الحج على التراخى، فإن حج من سنته فعاد إلى الميقات فأحرم منه أو أحرم من موضعه وعاد إليه محرمًا فلا شئ عليه، وإن لم بعد لزمه الدم كالمسلم إذا جاوزه على قصد النسك. ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في الصبي إذا وقعت حجته عن حجة الإسلام لأنه حين مر بالميقات كان سبيل من أن يسلم ويحرم بخلاف الصبي. وقال المزني: لا دم عليه. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران: أحدهما: أنه لم يتعرض للقسم الآخر وهو ما إذا حج من سنة أخرى، والحكم فيه أنه لا يجب الدم مطلقًا كما سبق إيضاحه في فصل المواقيت وسبق أيضًا هناك الوعد بذكر هذا الكلام. الأمر الثاني: أن حكم العبد والصبي في هذا كحكم الكافر. كذا رأيته في "التقريب" منقولًا عن نص الشافعي. قوله: ولو طبيب الولي أو ألبسه أو حلق رأسه فينظر إن فعل ذلك لحاجة الصبي فهو كمباشرة الصبي في أصح الوجهين. والوجهان مشبهان بالوجهين فيما إذا أدخر المغمي عليه معالجة في باب الصوم. انتهى. وهاتان المسألتان قد سبق الكلام عليهما في الركن الثاني من كتاب الصيام فراجعه. قوله: وإن فعله لا لحاجة فالفدية عليه. وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقًا؟ فيه وجهان. انتهى. والأصح أنه لا يكون. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

стр. 1901

الباب الثالث في محظورات الحج والعمرة وهي سبعة أنواع: النوع الأول: اللبس قوله: ولو استظل بمحمل أو هودج فلا فدية عليه. ثم قال: وخص صاحب "التتمة" عدم الفزية بما إذا لم تمس المظلة رأسه، وحكم بوجوبها إذا كانت تمسه. وهذا التفصيل لم أره لغيره، وإن لم يكن منه بد فالوجه إلحاقه بوضع الزنبيل على الرأس. والأصح فيه عدم الفدية. انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره في "التتمة" وذكر الرافعي أنه لم يره لغيره قد جزم به جماعات منهم الروياني في "البحر" فقال قبيل باب دخول مكة ما نصه: له أن يستظل بما لا يباشر رأسه من الخيمة والمحمل. هذا لفظه، وذكر مثله الخوارزمي في "الكافي" واستدلال القاضي الحسين يقتضيه، وصرح به أيضًا أبو الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي في كتاب المسمى "بالوسائل في فروق المسائل" مع حكاية الخلاف في حمل الزنبيل، وفرق بأن المحمل يقصد به السير بخلاف الزنبيل. قوله: ولو وضع على رأسه زنبيلًا أو حملًا فقيل يجوز قطعًا لأن مقصوده نقل المتاع لا تغطية الرأس. وقيل: على قولين. وهو ما أورده في الكتاب. وسواء ثبت الخلاف أم لا فظاهر المذهب أنه لا فدية. انتهى ملخصًا.

стр. 1902

فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من الطريقين على ما قاله النووي هي طريقة القطع كذا صححه في "شرح المهذب" وفي "الروضة"، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي، ومقتضي كلام الرافعي في "الشرح الصغير" يرجح طريقة القولين. الأمر الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي يؤخذ منه أنه لا فرق بين أن يقصد السير بذلك أم لا، ولم يذكره في "الروضة"، وجعل الفوراني في "العمد" محل الخلاف فيما إذا لم يقصد به الستر وجزم بالوجوب فيما إذا قصد به ذلك. والزنبيل: بكسر الزاي لا غير؛ لأن فعليلا بالفتح مفقود أن نادر. نعم يجوز فتحها مع حذف النون على وزن رغيف. قوله: ولو ألقي على نفسه قبًا أو فرجية وهو مضطجع قال الإمام: إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسًا فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا. انتهى. ثم أعاد المسألة عد ذلك بأسطر فقال: فلو ارتدي بقميص أو قباء أو التحف بهما أو إتزر بسراويل فلا فدية عليه كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع. انتهى. والالتحاف إما أن يكون الإلقاء الذي عبر به أولًا فلابد فيه من التفصيل مع ما اشتمل عليه أيضًا من التكرار على قرب، وإما أن يكون هو القسم الثاني من الإلقاء وهو ما لم يستمسك عند القيام، وهذا الثاني هو الأقرب إلى التعبير بالالتحاف، وعلى كل حال فهو كلام عجيب. وذكرها في "الروضة" كما في الرافعي.

стр. 1903

قوله: ويجوز أن يجعل لإزاره مثل الحجزة ويدخل فيها التكة، بخلاف الشرح والعري للرداء في أصح الوجهين. انتهى. أما الحجزة: فبحاء مهملة ثم جيم ساكنه بعدها زاي وهي التي فيها التكه. والتكه: بكسر التاء كما قاله في "تهذيب الأسماء واللغات". وأما الشرح فقد تقدم في مسح الخف. قوله من "زياداته": المذهب والمنصوص أنه لا يجوز عقد الرداء .. إلى آخره. اعلم أنه قد ذكر هذه المسألة في باب الكفن من "شرح المهذب" وقال: لا خلاف في المنع مع أنه قد نقل الجواد في الشرح المذكور هاهنا عن جماعة فقال: وقطع بالجواز إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط"، والمتولي في "التتمة"، والشيخ أبو نصر وصاحب "المعتمد" وغيرهم. قوله: ولو اتخذ لإزاره شرحًا وعري قال الإمام: وجبت الفدية. انتهى. ذكر البغوي مثله، وحكى صاحب "الذخائر" فيه خلافًا. ثم قال: إن محله فيما إذا تفاوت الشرح والعري بحيث أشبهت الخياطة. فإن قلت: وبعدت عن مشابهة الخياطة، فلا فائدة بلا خلاف. فإن قلت: فهل يتقيد الرداء بذلك أيضًا؟ قلنا: لا. والفرق أن الشرح المتباعد يشبه العقد، والعقد جائز في الإزار ممتنع في الرداء خلافًا للإمام. قوله: وإذا ستر الخنثى المشكل رأسه أو وجهه فلا فدية لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى ورجل في الثانية، وإن سترهما معًا وجبت. انتهى. ذكر مثله في "الروضة"، وليس فيه تعرض للمقدار الذي يجب ستره منه،

стр. 1904

وقد تعرض له في "شرح المهذب" نقلًا عن القاضي أبي الطيب وصاحب "البيان" فقال: قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه": لا خلاف أنا نأمره بالستر ولبس المخيط كما نأمره في صلاته أن يستتر كالمرأة. قال: ولا تلزمه الفدية على الأصح؛ لأن الأصل براءة ذمته، وقيل: تلزمه للاحتياط. وفي "البيان" عن القاضي أبي الفتوح أنه يمتع من ستر الرأس والوجه معًا لأن فيه تركًا للواجب وأنه لو قيل: يوم يكشف الوجه، لكان صحيحًا؛ لأنه إن كان رجلًا فكشف وجهه لا يؤثر ولا يمنع منه، وإن كان امرأة فهو الواجب. ثم قال: وعلى قياس ما قاله يستحب أن لا يلبس المخيط لجواز كونه رجلًا، فإن فعل فلا فدية لجواز كونه امرأة. انتهى كلام "شرح المهذب" ملخصًا. وما نقله عن القاضي أبي الفتوح لعله في كتاب آخر غير المصنف الذي له في أحكام الخناثي، فإن الذي رأيته في التصنيف المذكور إنما هو الاقتصار على ما ذكره الرافعي إلا أنه زاد عدم وجوب الكفارة عليه بلبس المخيط. وقد رأيت التصريح بحكمه مفصلًا في "فتاوى القفال" فقال: يخمر رأسه ولا يخمر وجهه. ورأيت نحوه مبسوطًا بزيادات في كتاب "أحكام الخناثا" تصنيف الإمام أبي الحسن على بن المسلم السلمي الدمشقي تلميذ الغزالي فذكر ما حاصله أنه يجب عليه أن يستر رأسه وأن يكشف وجهه وأن يستر بدنه إلا بالمخيط فإنه يحرم عليه احتياطًا. ثم ذكر أمر النبي ﷺ سودة بنت زمعة بالاحتجاب من ابن وليدة أمها لأجل شبهة واقتضى كلامه أن الأمر بذلك على سبيل

стр. 1905

الإيجاب. وما قاله فيه غريب، وأما في الخنثى فحسن. قوله في "الروضة": ولو اختضبت ولفت على يدها خرقة فوق الخضاب أو لفتها بلا خضاب فالمذهب أنه لا فدية، وقيل: قولان كالقفازين. وقال الشيخ أبو حامد: إن لم تشد الخرقة فلا فدية وإلا فالقولان. انتهى. وما ذكره من تصحيح طريقة القطع غلط، بل حاصل ما في الرافعي تصحيح طريقة القولين وتضعيف طريقة القطع فإنه جعل القولين تفريعًا على تحريم القفازين وصحح منهما التحريم وجعل الطريقة القاطعة بالجواز تفريعًا على جواز لبسهما، والصحيح تحريم القفازين فيكون الصحيح طريقة القولين. وذكر الرافعي في "الشرح الصغير" أيضًا كما في "الكبير" فانعكس ذلك على النووي، ثم إنه أخذ ما تعكس عليه ووضعه في موضعين في "شرح المهذب" وذلك على عادته التي أعلمتك بها مرات وهي نقل ما في "الروضة" إلى "شرح المهذب". قوله: ولو احتاج الرجل إلى ستر الرأس أو لبس المخيط لعذر حر أو برد أو مداواة جاز له ذلك ولكن تجب الفدية كما إذا احتاج إلى الحلق بسبب الأذي فإنه يجوز وتلزمه الفدية كما ورد في القرآن. انتهى ملخصًا. والقياس المذكور ضعيف؛ إذ لا يلزم من وجوب الفدية في الإتلاف وجوبها في الاستمتاع؛ فقد يفرق بعذر النسيان لكون الإتلاف أعط فيجوز أن يكون المرعى في الحلق كونه إتلافًا.

стр. 1906

النوع الثاني: الطيب قوله في "الروضة": وأما البنفسج فالمذهب أنه طيب، وقيل: لا، وقيل: قولان. انتهى. واعلم أن الرافعي قد ذكر طرفًا للأصحاب يؤخذ منها ثلاثة أقوال أو وجوه فأسقطها النووي؛ وذلك أن الرافعي نقلا عن "النص" أنه ليس بطيب وصحح القطع بأنه طيب ثم قال ما نصه: واحْتلف الصائرون إليه أي إلى القطع في تأويل النص فقيل: أرأد به البنفسج الجاف فإنه بعد الجفاف لا يصلح إلا للتداوي. وقيل: أراد به بنفسخ الشام والعراق فإنه لا يتطيب به. وقيل: أراد به المربا بالسكر. هذا كلامه. والتفصيل المستفاد عند كل قائل من الثلاثة المذكورين لا يوجد منه شيء من كلام "الروضة" وقد وقعت هنا أشياء للثياب لابد من ضبطها؛ فمنها: الخيري: بخاء معجمة مكسورة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت ثم راء مهملة بعدها ياء مشددة. ومنها: الضميران: اسم للريحان الفارسي. وهو بضاد معجمة مفتوحة بعدها ياء ساكنة ثم ميم مضمومة، هكذا ضبطه النووي في كتبه وفسره في كتاب "الإيمان" بالريحان الفارسي، وفسر الريحان الفارسي هنا به، ولا يعلم من ذلك حقيقته. وما ذكره النووي في ضبطه هو كذلك إلا أنه لغة قليلة حكاها ابن بري في "حواشي الصحاح". والمعروف وهو المجزوم به في "الصحاح" أنه الصومران بالواو وفتح الميم.

стр. 1907

ومنها: المرزنجوش: . وهو براء مهملة ثم زاي معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم جيم مضمومة وبالشين المعجمة. ومنها: القيصوم: وهو بالقاف المفتوحة والياء الساكنة بنقطتين من تحت وبالصاد المهملة. ومنها: الخليجين: بالجيم. وهو الورد المربا. قوله: ومنه دهن البان نقل الإمام عن نص الشافعي ﵁ أنه ليس بطيب. وكذا البان نفسه، وكذا ماء الورد. وهذا ما أورد المصنف. وأطلق الأكثرون القول بأن كل واحد منهما طيب ونسبه أن لا يكون هذا خلافًا محققا، بل الكلامان محمولان على توسط حكاه صاحبا "المهذب" و"التهذيب" وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طيب وغير المنشوش ليس بطيب. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على ذكر هذا التأويل لكلام الشافعي بحثًا. وقد صرح به الشافعي في "الأم" فقال في باب الطيب للإحرام ما نصه: والادهان دهنان دهن طيب يفتدي صاحبه إذا دهن به من جسده شيئًا قل أو كثر، وذلك مثل البان المنشوش بالطيب والزنبق وماء الورد وغيره. قال: ودهن ليس بطيب مثل سلحه البان غير منشوش. هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت. والمنشوش: بميم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شينين معجمتين. قال الجوهري: النشيش: صوت الماء وغيره عند غليانه. والزنبق المذكور في كلام الشافعي بزان معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم قاف. قال الجوهري: هو دهن الياسمين، وقد عبره بالياسمين الأبيض.

стр. 1908

قوله: ولو داس بنعله طيبًا لزمته الفدية لأنها ملبوسة له. انتهى. تابعه على إطلاقه في "الروضة" وشرط المسألة أن يتعلق به شئ منه. كذا نقله الماوردي عن نص الشافعي. قوله: ولو تطيب ناسيًا لإحرامه أو جاهلًا بتحريم الطيب لم تلزمه الفدية وعذر كما لو تكلم ناسيًا في الصلاة أو أكل ناسيًا في الصوم. انتهى. وقد سبق أن عدم البطلان بكلام المصلي وأكل الناس مقيد بما إذا لم يكثر ذلك منهما. وقياس ذلك أن يأتي مثله في الطيب وهو مقتضى الإلحاق المذكور. قوله: ولو مس طيبًا رطبًا وهو يظن أنه يابس لا يعلق به شئ منه ففي وجوب الفدية قولان: أحدهما: تجب لأنه قصد الطيب مع العلم بكونه طيبًا. وأجاب الغزالي بالأول ورجحه للإمام وغيره، ورجحت طائفة الثاني، وذكر صاحب "التقريب" أنه الجديد. انتهى. وهذا الذي نقله عن صاحب "التقريب" ليس الأمر فيه كما ذكره؛ فقد رأيت "التقريب" فوجدته قد حكى في المسألة وجهين من غير ترجيح ثم نقل عن "المختصر" و"الأم" كلامًا وتردد في حمله فقال بعد حكاية الوجهين وهما رواية المزني، فإن مسه ولا يعلم أنها رطبة فعلق بيده طيب غسله، وإن تعمد ذلك افتدى؛ فقد يحتمل أن يكون معناه وإن مس الكعبة ولا يعلم أنها مطيبة بالخلوق، وأما إذا علمها مطيبة ثم مسها الخلوق افتدى. فظاهر معناه أن يتعمد مس الخلوق عالمًا بأنه رطب. هذا كلام "التقريب" من غير زيادة عليه.

стр. 1909

النوع الثالث دهن شعر الرأس واللحية قوله: فيحرم استعمال الدهن في الرأس واللحية، ويجوز للأقرع والأصلع والأمرد، ونقل المزني أنه لا يمنع من دهن ما لا شعر. ثم قال ما نصه: لكن قال المسعودي في الشرح: ليس الأمر على ما قاله المزني بل هو منهى عن استعمال الدهن في الرأس والوجه كله وإن لم يكن عليه شعر لأنه موضع الشعر. انتهى. فيه أمور: [أحدها] (١) قوله: أنه قد تلخص من نقله عن المسعودي بأنه يمتنع في الوجه والرأس وإن كان أقرع أو أصلع، وقد حذف النووي من "الروضة" هذه المقالة. الثاني: أن كلام الرافعي والنووي هنا يوهم جوار استعمال الدهن في ما عدا اللحية من شعر الوجه كالحاجب والشارب والعنفقة والعذارين. القياس التحريم في الجميع. وقد تعرض له الطبري شارح "التنبيه" فقال: الظاهر أن جميع شعر الوجه في معنى اللحية. الثالث: أن إطلاقه يشعر بأنه لا فرق في اللحية بين أن تكون من رجل أو امرأة، وهو كذلك؛ فقد صرح به القاضي الحسين. قوله: ولو اكتحل بما لا طيب فيه فروى المزني أنه لا بأس به، وفي "الإملاء" أنه يكره، وتوسط متوسطون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتويتاء الأبيض لم يكره وإن كان فيه زينة كالإثمد كسره.

стр. 1910

انتهى ملخصًا. تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير تصحيح، والأصح هو التفصيل فقد صححه النووي في "شرح المهذب" وجزم به في "شرح مسلم" وقال: إنه مذهب الشافعي.

стр. 1911

النوع الرابع: الحلق والقلم: قوله: ولو قطع يده أو بعض أصابعه وعليها شعر وظفر فلا فدية لأنهما تابعان غير مقصودين، وشبهوه بما إذا أرضعت امرأته الكبيرة الصغيرة بطل النكاح ولزمها مهر الصغيرة، ولو قتلهما فلا مهر عليها لا ندارج البضع في الفتل. انتهى. وما ذكره من وجوب المهر تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو قول مخرج، والصحيح المنصوص أن الواجب على المرضعة إنما هو نصف المسمى كما سأذكره إن شاء الله تعالى في الباب الثالث في الرضاع القاطع للنكاح فراجعه. قوله: ولا يتوقف وجول كمال الدم على حلق جميع الأظفار بالإجماع بل يكمل الدم في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار. انتهى. وما ادعاه من الإجماع قد تابعه عليه أيضا في "الروضة"، وليس كذلك؛ لأن مالكًا ذهب في أحد قوليه إلى أنه لا يفتدي إلا بحلق جميع الرأس، فإن حلق بعضه لم يكن عليه شئ. حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي". قوله: فإن حلق شعره أو شعرتين فأقوال: أظهرها وهو الذي ذكره في أكثر كتله أن في الشعرة مدًا من طعام، وفي شعرتين مدين؛ لأن تبعيض الدم عسير والشرع قد عدل الحيوان بالإطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هي النهاية في "القلة" والمد أقل ما وجب في الكفارات فقوبلت به. والثاني: في شعرة درهم وفي شعرتين درهمان؛ لأن التبعيض لما عسر وكانت الشاة تقوم في عهد رسول الله ﷺ بثلاثة دراهم اعتبرنا تلك القيمة.

стр. 1912

والثالث: رواية الحميدي عن الشافعي: في شعره ثلث دم وفي شعرتين ثلثان. وهو قسط الواجب في الثلاث. انتهى. وما ذكره الرافعي في هذه المسألة هو المعروف في المذهب والمذكور في كتب النووي أيضًا. وإطلاقهم هذه الأقوال وتصحيح الأول منها مشكل لأنه إذا حلق ثلاث شعرات فيكون مخيرًا بين إخراج الدم أو ثلاثة آصع أو صيام ثلاثة أيام؛ وحينئذ فإذا حلق شعرة أو شعرتين فيكون أيضًا مخيرًا بين يخصها من الخصال الثلاث، فكيف يأتي ما ذكروه؟ والجواب: أن هذه الأقوال ليست على إطلاقها بل إن اختار الإطعام أخرج عن كل شعرة صاعًا بلا نزاع، وإن اختار الصيام صام عن كل واحدة يومًا بلا نزاع، وإن اختار الدم فهو محل الأقوال وتعليلها مذكور في كلامهم. وهذا الذي ذكرته من تصوير المسألة جزم به صاحب "البيان". كذا رأيته في كتابه المسمى "بالسؤال عما في المهذب من الإشكال". والذي قاله متعين لا محيد عنه، وقد تبعه عليه ابن أبي الضيف في "نكت التنبيه" والطبري شارح "التنبيه" وقال أنه مما لا يمكن دفعه. قوله: ولو أغمي عليه مخلق ففيه قولان منصوصان. والمجنون والصبي الذي لا يميز كالمغمي عليه. انتهى ملخصًا. والصحيح في المسائل كلها عدم الوجوب. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" ولم يصحح في "الروضة" شيئا، إلا أن الرافعي لما ذكر هذا الخلاف في قتل الصيد أيضًا صحح هناك من زياداته عدم الوجوب فيه، وهو نظير ما نحن فيه؛ لاشتراك الجميع في الإتلاف.

стр. 1913

وهذا الكلام قد سبق الوعد بذكره في الكلام على إحرام الصبي. قوله: وقول الغزالي: إن في الحلق والإتلاف ناسيًا وجهين يدخل فيه قتل الصيد ويقتضي كونه على الخلاف. وهكذا قاله الأكثرون، وأشار مشيرون إلى القطع فيه بالوجوب. انتهى. وما ذكره هاهنا من رجحان طريقة الخلاف قد ذكر ما يناقضه في الكلام على الصيد مناقضة عجيبة، وتابعه في "الروضة" على ذلك، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ولو حلق الحلال شعر المحرم مكرهًا أو نائمًا أو مغمي عليه ففيه قولان: أصحهما: أن الفدية على الحالق. وبناها الأصحاب على أن الشعر في يد المحرم كالوديعة أو كالعارية وفيه جوابان فإن قلنا كالوديعة وهو الأظهر عندهم؛ فالفدية على الحالق وإلا فعلى المحلوق. ثم قال ما نصه: فإن قلنا على الحالق فامتنع فهل للمحلوق مطالبته بإخراجها؟ فيه وجهان. وجواب الأكثرين أن له ذلك بناء على أن المحرم كالمودع، والمودع خصم فيما يأخذ منه ويتلف في يده. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن مخاصمة المودع قد ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع أخرى وجزم في جميعها بأنه لا يخاصم، على عكس ما ذكره هاهنا: أحدها: في كتاب الرهن في أثناء الباب الثالث. والثاني: في كتاب الإجارة في أوائل الباب الثالث وهو موضع المسألة؛ فإنه قد ذكر هناك من يخاصم من غير المالك كالمستأجر والمرتهن والمودع، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

стр. 1914

والثالث: في كتاب السرقة في آخر الشرط الخامس. وتبعه النووي في هذه المواضع على عدم المخاصمة وهو المشهور أيضًا في المذهب. وإذا علمت ذلك علمت أن المشهور هنا أنه لا يجوز للمحلوق مطالبة الحالف بإخراجها على خلاف ما ذكره هنا فإنه قد صرح بأن المطالبة مبنية على أنه كالمودع، ثم زاد عليه فقال: إن المودع يخصم، وقد قرر هو أنه ليس الأمر فيه كذلك ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" في هذا الباب، بل ذكرها في الإجارة كما ذكرها في "الكبير"، وصحح النووي في "الروضة" أن للمحلوق أن يطالب ولم يتعرض للبناء والتعليل الذي ذكره الرافعي. وكذلك فعل في "شرح المهذب" وقد اتضح أنه ليس الأمر فيه كما قاله فاعلمه. الأمر الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الشعر قد دخل وقت حلقه أم لا، لكن قال الطبري شارح "التنبيه": الظاهر فيما دخل وقته أنه لا فدية فيه قطعا. قال: نعم لا يبعد جعله متعديًا حتى يأثم. قوله في المسألة: وإن قلنا الفدية على المحلوق ففدى بالهدي أو الإطعام رجع على الحالق بأقل الأمرين من الإطعام وقيمة الشاة، وإن فدى بالصوم فلا رجوع في أظهر الوجهين، وقيل يرجع بثلاثة أمداد من طعام لأنها بدل صومه. انتهى كلامه. ومقتضاه أنه يجوز للمحلوق أن يفدي بالصيام إذا قلنا: أن الفدية عليه، وتابعه النووي في "الروضة" على ذلك.

стр. 1915

ليس ذلك على إطلاقه بل محله إذا غاب الحالق أو أعسر، فأما مع حصوره ويساره فلا يجوز للمحلوق الفداء بالصوم. كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب فقال ما نصه: قال أصحابنا فإن أراد المحلوق إخراجها والحالة هذه كان عليه أن يفدي بالهدي أو الإطعام دون الصيام. هكذا قاله الشيخ أبي حامد والأصحاب لأنه متحمل لهذه الفدية عن غيره والصوم لا يصح فيه التحمل، وإن غاب الحالق أو أعسر لزم المحلوق أن يفدي ليخلص نفسه من الفرض. قال الأصحاب: وله هنا أن يفدي بالهدي والإطعام والصيام. وأطلق البغوي وغيره أن له أن يفدي بالإطعام والهدي والصيام. ولم يفرقوا بين وجود الحالق وعدمه. وقطع الماوردي بأنه لا يجوز الصيام مطلقًا لأنه لا يتحمل. انتهى كلامه. ولا شك أن ما قاله النووي في "شرح المهذب" يستقيم إذا قلنا: إن الوجوب لا يختص بالمحلوق بل يجب على الحالق أيضًا لأن الحالق إذا خوطب بالفدية قبل الإخراج وثبت للمحلوق الرجوع عليه عند إخراجه لزم بالضرورة أن يكون الإخراج بطريق التحمل عنه والصوم لا يتحمل. فأما إذا قلنا: إن الوجوب يختص بالمحلوق، فيصح صومه مطلقًا لانتفاء التعليل المذكور. والصواب: أنه لا يختص به لأن التفريع على قول العارية وضمان العارية كما يجب على المستعير يجب أيضًا على المسلف. قوله: ثم إذا رجع أي: المحلوق فإنما يرجع بعقد الإخراج في أصح الوجهين. والثاني: له أن يأخذ منه ثم يخرج. انتهى كلامه.

стр. 1916

تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح امتناع الرجوع قبل الإخراج، وخالفه في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وإذا قلنا بهذا فقال المصنف وجمهور الأصحاب: إن كان الحالق حاضرًا وهو موسر فللمحلوق أن يأخذها من الحالق ويخرجها؛ لأنه لا معنى لإلزام المحلوق بإخراجها ثم الرجوع على الحالق مع إمكان الأخذ من الحالق، وهذا قد قطع به العراقيون جميعهم وجماعة من غيرهم. وقال المتولي والبغوي والرافعي: فيه وجهان: أصحهما: لا يرجع. انتهى كلامه. وهو تباين فاحش فإنه يقتضي أن المشهور والمعروف طريقة القطع بالرجوع وأن طريقة الوجهين ضعيف فضلا عن تصحيحها ثم تصحيح عدم الرجوع، وقد اتضح لك أن الفتوى على خلاف المذكور في "الشرح" و"الروضة"، فاعلمه. ومدرك الخلاف في هذه المسألة قد تقدم مبسوطًا في المسألة السابقة، وهو أنه هل يجب على الحالق كما يجب على المحلوق أم لا؟ . وما صححه النووي في "الشرح" المذكور ونقله عن الجمهور من جواز مطالبة الحالق ابتداء موافق للقول بالوجوب عليه، وهو ماش على طريقته في المسألة السابقة. قوله: وهل للحالق أن يفدي على هذا القول أي: قول الوجوب على المحلوق؟ أما بالصوم فلا لأنه متحمل والصوم لا يتحمل، وأما بغيره فنعم ولكن بإذن المحلوق لأن في الفدية معنى القربة فلابد من نية من لاقاه الوجوب.

стр. 1917

انتهى كلامه. تابعه أيضًا في "الروضة" عليه، وهو لا يستقيم إلا على الطريقة التي أشرنا إليها من كونه لا يجب على الحالق مع المحلوق. وأما على الطريقة الأخرى التي يقتضيها كلامه في "شرح المهذب" وهي القائلة بأنه تجب عليه فإنه لا يستقيم منعه من التكفير لا بالصوم ولا بالمال. فإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر هذا الفرع في "شرح المهذب" كما ذكره الرافعي وكأنه قلده فيه غير مستحضر ما هو مفرع عليه فخلط طريقة بطريقة، وقياس ما قاله في الشرح المذكور في المسألتين السابقتين مخالفًا للرافعي أن يقول بخلافه أيضًا هنا.

стр. 1918

النوع الخامس: الجماع قوله: ولو جامع بين التحللين فقولان: أظهرهما: تجب شاة. والثاني: بدنة. ثم قال: ونقل الإمام بدل القولين وجهين، ووجهًا ثالثًا وهو أنه لا يجب فيه شئ أصلًا. وهو ضعيف. انتهى. ودعواه أن عدم الوجوب وجه مصرح به وأن الإمام نقله غريب جدا؛ فإن الإمام لم ينقله بل ولا صرح به، وإنما أشار إلى تخريجه، ومع كونه قد أشار إلى ذلك وصرح بأن التخريج بعيد، فاعلم ذلك. وممن نبه عليه ابن الرفعة أيضًا، وقد تبعه في "الروضة" على إثباته وجهًا لكنه لم ينقله عن الإمام. قوله: هل قضاء الحج على الفور؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كالأداء. وأصحهما أنه على الفور ويضيف بالشروع. ثم قال: عن ابن القفال إجراء هذا الخلاف في كل كفارة وجبت بعدوان انتهى. وهذه المسألة أعني: إيجاب هذه الكفارة على الفور قد وقع فيها اختلاف في كلامه وفي كلام النووي أيضًا، وستعرف ذلك إن شاء الله تعالى مبسوطًا في كتاب الظهار في الباب المعقود للكفارات. فإن قيل: كيف يكون الحج المأتي به في هذه الحالة قضاء مع وقوعه في وقته وهو الغمر؟ قلنا: سنعرف جوابه في المسألة التي بعدها إن شاء الله تعالى.

стр. 1919

قوله: وذكر الإمام والغزالي أن المتعدي بترك الصلاة بلزمه قضاؤها على الفور بلا خلاف؛ لأن المصمم على ترك القضاء مقتول عندنا، ولا يتحقق هذا إلا مع توجه الخطاب بمبادرة القضاء. وفي توجيه ما ذكره وقفة لأن أكثر الأصحاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القضاء على ما عرف في باب ترك الصلاة. انتهى ملخصًا. وفيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من حكاية الخلاف هناك في الامتناع من القضاء لم يتقدم له ذكر، بل تقدم ما يشعر بالجزم بعدم اعتباره. نعم: ذكره النووي هناك من زوائده وأسقط من هنا هذا الكلام كله؛ فلزم خلو "الروضة" من نقل الرافعي له في الموضعين، وقد تقدم ذكر لفظ الروجية في موضعه فراجعه. الأمر الثاني: أن هذه الوقفة التي ذكرها الرافعي عجيبة والاستدلال عليها أعجب لأن الإمام والغزالي ادعيا قتل المصمم وهذا مسلم وهو كاف في استدلالهما. والذي استدل به الرافعي إنما هو العكس ولم يدعياه. قوله: والمتعدي بترك الصلاة يلزمه قضاؤها على الفور دون غيره، وقيل: يجب عليهما، وقيل: لا يجب على واحد منهما. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن توجه القضاء واضح إذا كان واجدًا لأحد الطهورين، وإن كان فاقدًا لهما فقد نقل الروياني عن والده أنه لا يجب عليه ذلك لأنه لو قضى لاحتاج إلى الإعادة ثانيًا وثالثًا وهكذا إلى ما لا يتناهى، بخلاف المؤداه في الوقت فإنها تجب مرة واحدة بحرمة الوقت.

стр. 1920

قال: وهل يجوز للفاقد المذكور القضاء أي: ويقضي إذا وجد الماء؟ . فيه وجهان. هكذا نقله في باب التيمم من "شرح المهذب". ثم قال أعني النووي: إن الصواب من الوجهين أنه لا يجوز لما ذكرناه. وسكت عن القادر على التيمم في موضع يلزمه القضاء. وفيه نظر. والمجزوم به في باب التيمم من "فتاوى البغوي" أن القضاء يجب في هذه الحالة. الأمر الثاني: أن من دخل في صلاة ثم أفسدها صارت قضاء وإن أوقعها في الوقت؛ لأن الخروج منها لا يجوز فلم يبق للإحرام بها وقت. كذا جزم به القاضي الحسين في تعليقه والمتولي في "التتمة" والروياني في "البحر" وغيرهم، كلهم في باب صفة الصلاة في الكلام على النية؛ وحينئذ فإن قلنا الفائت على الفور فيتجه أن لا يجوز تأخيرها إلى أثناء الوقت. وإن قلنا: إنه على التراخى؛ ففي جواز إخراجه عن الوقت الأصلي نظر، والمتجه المنع. قوله: وإن كان قد أحرم بعد مجاوزة الميقات نظر إن جاوزه مشيًا لزمه في القضاء أن يحرم من الميقات الشرعي وليس له أن ينشئ ثانيًا وإن جاوزه غير مسمى بأن لم يرد النسك ثم بدأ فأحرم ثم أفسد فقد حكى الشيخ أبو علي فيه وجهين: أحدهما وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره أن عليه أن يحرم في القضاء من الميقات الشرعي لأنه الواجب في الأصل. وأصحهما عند الشيخ أنه لا يلزمه ذلك؛ سلوكًا بالقضاء مسلك الأداء؛ ولهذا لو اعتمر المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحج من مكة وأفسده لا يلزمه

стр. 1921

في القضاء أن يحرم من الميقات بل يكفي أن يحرم من جوف مكة، ولو أفرد الحج ثم أحرم بالعمرة من أدنى الحل ثم أفسدها يكفيه أن يحرم في قضائها من أدنى الحل. والوجهان مفروضان فيما إذا لم يوجع إلى الميقات فما فوقه. أما إذا رجع ثم عاد فلابد من الإحرام من الميقات. انتهى كلامه. فيه أمران. أحدهما: أن الأصح هو الوجه الثاني وهو عدم الوجوب. كذا صححه في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصحح النووي في "أصل الروضة" الأول، وكذلك صححه في "شرح المهذب" أيضًا وكأنه تمسك بما تشعر به عبارة الرافعي من رجحانه القائلين به لكن المذكورين في كلامه أكثر عددا. الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من أن محل الخلاف فيما إذا لم يعد إلى الميقات مع ما نقله عن "التهذيب" أولًا صريح في أن صاحب "التهذيب" فرض المسألة فيما إذا لم يعد وأوجب مع ذلك الإحرام من الميقات. وهو غلط؛ فإن هذه لم يذكرها صاحب "التهذيب" فضلًا عن كونه يكلفه الذهاب إلى الميقات, والذي ذكره إنما هو فيما إذا عاد؛ فإنه قال: فإن كان قد جاوز الميقات غير مريد للنسك ثم بدا له أن يحرم فأحرم ثم أفسد الحج قال ﵀: يجب أن يحرم من الميقات في القضاء، فإن جاوزه ثم أحرم عليه دم لأنه جاوزه مريدًا للنسك وفي الإحرام لم يجاوزه مريدًا للنسك. هذا لفظه. وما ذكره من التعليل وهو المجاوزة على إرادة النسك يبين أن صورة الوجهن فيما إذا عاد إلى بلده كما هو الغالب أو ما في معنى ذلك مما هو

стр. 1922

يحاذي الميقات أو فوقه وانتهى إلى الميقات على قصد النسك وإلا لم يصح تعليله لأنه قد تجاوز الميقات بحاجة ثم يعن له عند انتهائه إلى المكان الذي أحرم منه بالآداء أن يحرم بالقضاء. ثم إن كلام الرافعي نفسه يرشد إلى هذا التصوير فإنه قد علل في أثناء تقسيم المسألة بقوله: وليس له أن ينشئ ثانيًا؛ فصار أول كلامه يخالف آخره. وقد قطع الماوردي بوجوب الدم إذا رجع ثم عاد ومر بالميقات غير محرم، وقطع أيضًا بعدم الدم إذا كان أحرم بالأداء من (*) فخرج بالقضاء من مكة إلى ذلك الموضع فأحرم منه. وحكى الوجهين فيما إذا كان أحرم بالأداء من الحل فخرج من مكة إليه ولم يصل إلى الميقات فيجب عليه الدم على أحد الوجهين؛ لأن له أحد ميقاتين إما الحرم وإما ميقات بلده ولم يحرم من واحد منهما. وهذا الذي قاله الماوردي ظاهر متجه، ويتعين حمل الوجهين في كلام الرافعي وغيره عليه أو على ما إذا عاد على قصد النسك، وتكون مجاوزة الميقات جائزة هنا على وجه لمحاكاة القضاء للأداء. وهذا الحمل هو الأقرب. لاسيما إلى التعليل المذكور في كلام الرافعي، وإلا كيف يستقيم الأخذ بظاهر ما قاله من تكليف الذهاب إلى الميقات إذا كان إحرامه بالأداء من مكة ثم أفسد وأقام به فإن أحدًا لا أظنه يوافق عليه. وبما قاله الماوردي يظهر لك أن ما احتج به الرافعي للوجه الثاني ليس محل النزاع. قوله: ولا يجب أن يحرم بالقضاء في الزمان الذي أحرم فيه بالأداء بل له التأخير عنه مثل أن يحرم مثلًا بالأداء في شوال له أن يحرم بالقضاء في ذي القعدة.

стр. 1923

وفرقوا بين الزمان والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المكاني أكمل؛ ألا ترى أن مكان الإحرام يتعين بالنذر وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الإحرام بالحج في شوال له أن يؤخره. وظني أن هذا الاستشهاد غريب لا يسلم عن النزاع. انتهى لفظه بحروفه. وما ذكره في المسألة التي استشهد بها غريب جدًا؛ فإن الاستشهاد المذكور وهو نذر الزمان قد ذكره في كتاب النذر وسوى بينه وبين نذر المكان وحكى فيهما معًا وجهين. وزاد على ذلك فصحح أنه يلزمه الوفاء بهما فقال: ولو نذر أن يحرم بالحج من شوال فهو على الخلاف الذي سبق، والأظهر وهو اختيار صاحب "التهذيب" أنه يلزم. وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا. هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين. فإذا ظهر أن الأصح في المسألة التي استدلوا بها هو اللزوم على خلاف ما قرروه هنا وأنه هو المذكور في بابه ظهر أن الأصح في المسألة المستدل عليها وجوب القضاء وأن زمان الإحرام كمكانه، وقد رأيته مجزومًا به في "التتمة" نقلًا عن القاضي الحسين في الكلام على الاستئجار للحج في أثناء الفروع المعقودة لتعيين الميقات، وذكر في "شرح المهذب" ما يوافقه في الكلام على الاستئجار للحج ما نصه: ولو شرط على الأجير الإحرام من أول يوم في شوال جاز ولزم الوفاء به. ذكره القاضي الحسين وغيره. قال القاضي الحسين والمتولي: وعلى هذا لو أحرم في أول شوال وأفسده لزمه في القضاء أن يحرمه في أول شوال كما في ميقات المكان.

стр. 1924

هذا لفظه. وقد ذكر الرافعي في النذر أيضًا أنه إذا نذر الحج في سنة تعينت على الصحيح. وهو يشكل على ما قاله هنا أيضًا. ولم يتعرض في "الشرح الصغير" لمسألة الاستشهاد في كتاب النذر، بل ذكرها في هذا الباب، ولم يتوقف فيها كما توقف في "الكبير" فاقتضى أنه لا خلاف فيه، وهو غريب. واعلم أن هذا الاختلاف العجيب قد وقع في كتب منها "شرح المهذب" للنووي و"شرح التنبيه" لابن الرفعة و"شرح التعجيز" لمصنفه فإنه ذكرها في الكلام على الإفساد كما ذكرها غيره وذكرها كذلك قبيل الكلام على الاستئجار للحج، وبالغ فيه فقال: لا يتعين الزمان بلا خلاف. ثم قال في الكلام على الاستئجار له أنه إذا عين الأجير زمانًا تعين كما لو نذر الحج فيه. قوله من "زياداته": ولا يلزم الذي أفسد أن يسلك في القضاء الطريق الذي سلكه في الأداء بلا خلاف لكن يشترط إذا سلك غيره أن يحرم من قدر مسافة الإحرام في الأداء. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه صريح في أنه لا يجب عليه الإحرام من المكان الذي أحرم فيه بالأداء بلا خلاف. وليس الأمر فيه كذلك؛ فقد حكى الماوردي وجها أنه يجب الإحرام منه فقال: فلو كان أحرم في الأداء من البصرة وأحرم في القضاء من مصر والمسافة بينهما إلى الحرم واحدة ففيه وجهان: أحدهما: لا دم عليه، ويكون اختلاف الجهتين كاختلاف الطريقين.

стр. 1925

والثاني: عليه دم؛ لأن من شرط القضاء مماثلة الأداء، والإحرام من مصر وإن كان مساويًا لمسافة الإحرام من البصرة فهو غير الإحرام من البصرة؛ فلم يقم مقامه في إسقاط الدم. هذا كلام الماوردي، وهو صريح فيما ذكرته، غير أن كلامه يدل على أنه إذا أحرم من المكان الذي أحرم منه أولا وسلك طريقًا آخر كفى ذلك بلا خلاف. الثاني: أن ما ذكره من الإحرام بقدر مسافة الأداء ليس على إطلاقه فإن المسافة التي أحرم منها أولًا لو كانت فوق الميقات مثلًا أو من الميقات ولكن كانت بالنسبة إلى الطريق التي سلكها بين الميقات ومكة فلا يتصور على ما ذهب إليه من وجوب الإحرام من الميقات إذا كان قد أحرم في الأداء من دون الميقات أن يجوز له مجاوزته هنا حتى يحرم من نظير تلك المسافة. وأما على ما ذهب إليه الرافعي فيتحمل الجواز هنا، ولكن المتجه المنع أيضًا لأنه أحرم في الأداء من الميقات ويريد أن يجاوزه في القضاء. قوله: فإذا خرجت الزوجة للقضاء فهل يجب على الزوج ما زاد على النفقة بسبب السفر؟ فيه وجهان. قال في "العدة": ظاهر المذهب فيها هو الوجوب. انتهى. والذي قاله في "العدة" هو الصحيح. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي أصل "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير". ولو زمنت الزوجة وصارت معضوبة فهل يلزم الزوج أن يستأجر من ماله من يحج عنها؟ فيه الوجهان في النفقة الزائدة. كذا نقله في "شرح المهذب" عن القاضي حسين والبغوي. قوله: وإذا خرجا معًا ليفترقا في الموضع الذي وقعت فيه الإصابة كيلا

стр. 1926

تدعوه الشهوة إلى المعاودة فإن معهد الوصال مشوق. وهل يجب ذلك؟ فيه قولان: الجديد أنه لا يجب كما أنه لا يجب في سائر المنازل. انتهى. لم يبين الغاية التي ينتهى إليها الافتراق، بل كلامه يوهم بأن الافتراق خاص بتلك المنزلة. وليس كذلك؛ فإن المجزوم به في "شرح المهذب" وفي غيره: أن الأمر بالتفريق سواء قلنا بوجوبه أو استحبابه يمتد إلى أن يتحلل التحللين. قال الماوردي: ويعير لها في السير والمنزل وقول الرافعي مشوق هو بكسر الواو المشددة؛ أي: المكان الذي عهد فيه الوصال داع له ومشوق إليه. قوله: ويجوز للمفرد بأحد النسكين إذا أفسده أن يقضيه مع الآخر قارنًا وأن يتمتع بالعمرة إلى الحج، ويجوز للمتمتع والقارن القضاء على سبيل الإفراد ولا يسقط دم القرآن بالقضاء على سبيل الإفراد خلافًا لأحمد. إذا عرف ذلك ففي الفصل مسألتان. إحداهما: إذا جامع القارن .. إلى آخره. ثم قال بعد ذلك: ثم إذا اشتغل بقضائهما فإن قرن أو تمتع فعليه دم آخر، وإلا فقد أشار الشيخ أبو علي إلى خلاف فيه ومال إلى أنه لا يجب شئ آخر. انتهى كلامه. وهو يريد بقوله في أول الكلام: ولا يسقط دم القران بالقضاء على سبيل الإفراد، أن الدم الذي وجب للفوات الواقع في عام الإفساد لا يسقط بالقضاء على سبيل الإفراد.

стр. 1927

وهذه غير مسألة الشيخ أبي على المذكور أخيرًا؛ فإن مسألته في الدم الذي وجب للقران المرتب في الذمة، وقد صحح الرافعي قبل ذلك في أوائل الحج في الكلام على الاستئجار للقران والتمتع ما يوافق الشيخ أبا على، وقد تقدم التنبيه عليه، وجزم أيضًا في كتاب النذر في الكلام على نذر الحج بما يقتضيه أيضًا فراجعهما. وقد توهم النووي أن المراد بالأولى هو المراد بالثانية فقال عقب كلام الشيخ أبي على ما نصه: قلت: المذهب وجوب دم آخر إذا أفرد في القضاء، وبه قطع الجمهور، وممن قطع به الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب في كتابيه والمتولي وخلائق أخرون وهو مراد الرافعي بقوله في أوائل هذا النوع، ولا يسقط دم القران لكنه ناقصه بهذه الحكاية عن أبي على، والله أعلم. قال: والحمل على هذه الصورة عجيب لوجوه: منها: أن السياق يدفعه. ومنها: أنه لم يكن قد تكلم على إيجاب الدم للقضاء حتى تكلم بعده على إسقاطه. ومنها: إلزام التكرار والتناقض بعد أسطر. وهذه الأمور ظاهر الكلام وصلا عن غيره، وبالجمله فهو فاسد بلا شك مؤد إلى إسقاط مسألة الرافعي. واعلم أن النووي قد ذكر في أول باب الفوات والإحصار من "شرح المهذب" هذه المسألة أعني القضاء على سبيل الإفراد. وحكى وجها أن الدم يسقط، وذكرها أيضًا في هذا الموضع من الشرح المذكور، وقال: إنه لا خلاف في عدم السقوط.

стр. 1928

قال: وقد اتفق عليه الأصحاب في الطريقين لأنه قد أسفر في ذمته قضاء حجه بالصفة الماضية وهي القران، فإذا عدل عنه إلى ما هو أفضل جاز لكن لا يسقط الدم. هذا كلامه. قوله: ولو قدم القارن مكة وطاف وسعى ثم جامع بطل نسكاه وإن كان بعد أعمال العمرة. انتهى. وما ذكره من أن الوطء والحالة هذه وقع بعد أعمال العمرة تبعه عليه النووي. وليس كذلك فإن الحلق من الأركان على المعروف ولم يأت به. قوله: فلو أحرم مجامعًا ففيه وجوه: أحدها: ينعقد صحيحًا ثم إن نزع استمر وإلا فلا. والثاني: ينعقد فاسدًا وعليه القضاء والمضي فيه، ولا كفارة إلا إذا استمر فيكون كمن جامع في الحج الفاسد. والثالث: لا ينعقد كالصلاة مع الحدث. انتهى ملخصًا. والأصح عند الرافعي هو الأول فقد جزم به قبل ذلك في باب الإحرام قبيل الكلام على سنن الإحرام بنحو ورقة وصفحة، وقد سبق ذكر لفظه هناك. وأما النووي فاختلاف كلامه في هذه المسألة في "الروضة" فإنه قد وافق الرافعي في باب الإحرام على ما ذكره هناك وهو كونه ينعقد صحيحًا ثم خالفه فيها هاهنا فصحح من "زياداته" الوجه الثالث وهو عدم الانعقاد.

стр. 1929

وقد ذكر الرافعي المسألة في موضع ثالث وهو باب مواقيت الحج قبيل الكلام على الميقات المكانى، وجزم هناك بأنه ينعقد ولم يزد عليه، وهو محتمل لكل من الوجهين الأولين ومخالف على كل حال لما صححه النووي من "زوائده" إلا أن هذا الموضع لم يذكره في "الروضة". ولو أحرم في حال نزعه فقيل: ينعقد صحيحًا، وقيل: فاسدًا، وقيل: لا ينعقد. حكاهن في "الكفاية".

стр. 1930

النوع السادس: مقدمات الجماع قوله: ويحرم على المحرم المباشرة بالشهوة وحيث ثبت التحريم وباشر شيئًا منها عمدًا وجبت عليه الفدية. ثم قال: وإن كان ناسيًا لم يلزمه شئ بلا خلاف؛ لأنه استمتاع محض. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما قاله من نفي الخلاف غريب جدًا؛ فقد قال إمام الحرمين في "النهاية" قبل باب الصبي يبلغ والمملوك يعتق بنحو خمس ورقات ما نصه: وضبط الأصحاب المباشرة الموجبة للفدية بما يوجب نقض الطهارة. ثم مسائل الملامسة في الطهارة تنقسم إلى خلاف ووفاق، والأمر في الحج ينطبق على قياسها خلافًا ووفاقًا. وأما الصوم فالمباشرة المحضة لا تؤثر فيه، فهذه مراتب المباشرة وحكمها، وانتقاض الطهارة ووجوب الفدية تتجاريان بلا افتراق. انتهى لفظه. وقال أيضًا في كتاب النكاح في باب الربا لا يحرم الحلال ما نصه: ولم أر أحدًا من الأصحاب يشترط قصد الشهوة في الملامسة عند إيجاب الفدية على المحرم. انتهى. وذكر أيضًا الغزالي في "البسيط" أنه ينطبق على مسائل النقض وفاقًا وخلافًا، وذكر في "الوسيط" نحو ذلك، وكذا في "الوجيز" فقال: وكل ما ينقض الطهارة منها يوجب الفدية أنزل أم لم ينزل هذا لفظه -أعني "الوجيز".
следующие страницы →