وأما الفقيه فاختلفوا فيه؛ فنقل الماوردي في "الحاوي" عن الشافعي أنه واجب ولم يذكر خلافه فقال: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهًا لأنه حكم فلم يجز إلا بقوله من يجوز حكمه.
ورأيت في "التقرير" عن "الإملاء" نحوه.
وكلامه في "الروضة" يشعر به؛ فإنه قال: يرجع فيه إلى قول عدلين فقيهين فطنين، لكن نقل في "شرح المهذب" عن الشافعي والأصحاب أنه على سبيل الاستحباب.
والصواب الأول، وقياسه أن لا يكتفي بالمرأة والعبد أيضًا.
وأما على المذكور في "شرح المهذب" ففيه نظر.
وقد سكت الرافعي والجمهور عن الرجوع إلى العدلين بالنسبة إلى القيمة، وقد صرح باشتراطه في "التنبيه"، وكذلك الروياني والماوردي أيضًا في الكلام على إتلاف البيض.
قوله: ولا يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين إن قتل عمدًا؛ لأنه فاسق. فإن قتل خطأ أو اضطرارًا إليه جاز في أصح الوجهين. انتهى.
وتعليله بالفسق يقتضي الجواز إذا تاب، وهو واضح.
قوله: أما الحمام ففيه شاة، وما مستند ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: أن إيجابها لما بينهما من الشبه فإن كل واحد منهما يألف البيوت ويأنس بالناس.
وأصحهما: أن مستنده توقيف تابعهم فيه.
ثم قال: والمشهور أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر؛ فيدخل
стр. 1962
فيه اليمام وهي التي تألف البيوت والقمري والفاختة والدبسي والقطة. انتهى. وهذا الذي رجحه الرافعي قد نص عليه الشافعي في "المختصر"، وكذلك في "الأم" فقال في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" في باب ما جاء في الصيد ما نصه: فأما الطير فلا مثل له ومثله قيمته، إلا أن في حمام مكة. انتهى.
وذكر مثله أيضًا في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في باب الحج. إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن فائدة الخلاف ما إذا كان الحمام صغيرًا هل تجب فيه سخلة أو شاة.
وهذه الفائدة ذكرها الفوراني في "العمد" والماوردي في "الحاوي"، وذكر صاحب "التقريب" هذا التردد مع القول بأن المدرك هو الاتباع، ونقل في "التقريب" عن نصه في "الإملاء" ما يوافقه فقال: قالوا: في حمام مكة شاة فقلنا به اتباعًا وزعمنا أن كل حمام من حمام مكة وغيرها قتل بمكة أو خارجًا منها ففيه شاة إن كان الحمام كبيرًا، وإن كان صغيرًا ففيه شاة صغيرة.
هذا كلامه. وجب الشاة الصغيرة وهي السلخة مع القول بأن سببه الاتباع، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد أن الخلاف فيما لو قتل طائر أكبر من الحمام أو مثله يبني على هذا؛ فإن قلنا: المستند هو التوقيف أوجبنا الشاة، وإن قلنا: المشابهة أوجبنا القيمة. وإذا أوجبنا الشاة فقال في "التقريب": يجوز أن يجب فيما هو أكبر من الحمام شاة أكبر من الشاة الواجبة في الحمام.
стр. 1963
الأمر الثاني: أن النووي ﵀ قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" وكأنه ظن أنه خلاف لفظي لا فائدة له.
الثالث: أن التعليل الذي ذكره -وهو إلفه البيوت واستئناسه بالناس- لا يستقيم في الحمام مطلقًا؛ لفقدانه في غالب أنواع الحمام كالفواخت وغيرها، وقد تقدم من كلامه أن المشهور إطلاق اسم الحمام على الجميع.
قوله: وأما عنزة، فإن كان أصغر من الحمام جثة كالزرزور والصعوة والبلبل والقنبرة والوطواط ففيه القيمة. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من وجوب القيمة في الوطواط قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم؛ وذلك لأن القاعدة التي ذكرها هو وغيره أن ما لا يحل أكله لا يحرم على المحرم التعرض له ولا يجب الجزاء بقتله إلا المتولد من المأكول وغيره تغليبًا للحرمة، والوطواط لا يحل أكله كما قاله في باب الأطعمة، وعبر بالخفاش، ولم يحك فيه خلافًا، إلا أنه حاول جريان وجه ضعيف فيه من مسألة أخرى، وإذا تقرر أنه لا يحل أكله لزم ألا يجب بقتله شئ.
وكذلك لم يتعرض لذكره في "الشرح الصغير" على أن الرافعي مسبوق بذلك وأول من ذكره -فيما علمت- صاحب "التقريب"، وأشعر كلامه بأن الشافعي قد ذكره.
ورأيت في "اللباب" للمحاملي أن اليربوع لا يحل أكله. قال: ويجب فيه الجزاء في أصح القولين.
والذي ذكره غريب.
ورأيت في "فروع" ابن القطان التي نقلها عنه ابن كج أن أبا عبد الرحمن
стр. 1964
الشافعي -وهو ابن بنت الشافعي- ذهب إلى أن ما لا مثل له لا شئ فيه بالكلية.
وتاريخ فراغ النسخة التي نقلت منها سنة ثمانين وأربعمائة.
واعلم أن القبرة: بقاف مضمومة ثم باء موجودة مشددة مفتوحة: اسم للطائر المعروف، جمعه: قبر: بحذف الهاء.
قال طرفة وكان يصطاد هذا الطائر في صباه:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا الجو فبيضى واصفرى
ونقري ما شئت أن تنقرى ... قد ذهب الصياد عنك فأبشرى
لابد من أخذك يومًا فاحذرى
أنشده الجوهري. وقال: إن فيه لغة أخرى؛ وهي القنبرا بنون ثم باء مضمومة وبالمد في آخره، وجمعه: قنابر.
وقول طرفة: بمعمر: بميم مفتوحة وعين ساكنة، وهو المنزل الكثير الماء والمرعى.
قوله: ويجوز فداء الذكر بالأنثى في أصح القولين. وهل هو أولى؟
قال بعضهم: نعم لأن لحمها أرطب.
وقيل: لا، لأن كم الذكر أطيب. انتهى ملخصًا.
والأصح أنه ليس أولى، بل الأولى الذكر للخروج من الخلاف. كذا
стр. 1965
صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"زيادات الروضة" و"تصحيح التنبيه".
قوله: وهل يجوز فداء الأنثى بالذكر؟ فيه وجهان، ويقال: قولان. انتهى ملخصًا.
ولم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا منهما والأصح هو الجواز. كذا صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"الروضة"، واختار صاحب "الحاوي الصغير" المنع.
قوله: الفرع الثاني: إذا قتل صيدًا حاملًا من ظبية وغيرها قابلناه بمثله من النعم حاملًا.
ثم قال ما نصه: فيقوم المثل حاملًا ويتصدق بقيمته طعامًا. وفي وجه: يجوز أن يذبح حاملًا نفيسا بقيمة حامل. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على الاقتصار على التصدق بالقيمة، وهو يشعر بتعين ذلك وأنه لا يجوز له الصيام عن كل مد يومًا، ولا يتأتى القول بذلك فاعلمه، بل يتخير بينهما قطعًا، وقد صرح به في "شرح المهذب"؛ لأن الله تعالى خير في جزاء الصيد بينهما وبين إخراج المثل، فلما تعذر ذبحه وإخراجه لنقصان لحمه فيبقى التخيير بين الخصلتين الباقيتين.
قوله في "أصل الروضة": فرع: قال الشافعي ﵁ في "المختصر": فإن خرج ظبيا نقص عشر قيمته فعليه عشر قيمة شاة، وقال المزني تخريجًا: عليه عشر شاة.
قال جمهور الأصحاب: الحكم ما قاله المزني، وإنما ذكر الشافعي القيمة لأنه قد لا يجد شريكًا في ذبحه شاة فأرشده إلى ما هو أسهل فإن جزاء
стр. 1966
الصيد على التخيير؛ فعلى هذا هو مخير إن شاء أخرج العشر، وإن شاء صرف قيمته في طعام وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يومًا.
ومنهم من جرى على ظاهر النص وقال: الواجب عشر القيمة. وجعل في المسألة قولين: المنصوص وتخريج المزني فعل الواجب عشر القيمة. هذا إذا قلنا بالمنصوص فأوجه:
أحدها: تتعين الصدقة بالدراهم.
والثاني: لا تجزئه الدراهم بل يتصدق بالطعام أو يصوم.
والثالث: يتخير بين عشر المثل وبين إخراج الدراهم.
والرابع: إن وجد شريكًا في الدم أخرجه ولم تجزئه الدراهم وإلا أجزأته.
هذا في الصيد المثلى، فأما غيره فالواجب ما نقص من قيمته قطعًا. انتهى كلامه.
وهذه الأوجه التي ذكرها في التفريع على القول المنصوص فيها أمران:
أحدهما: أن الأصح منها هو الوجه الأول وهو تعين الدراهم. كذا رجحه الرافعي في "الشرح الكبير" فقال: أنه أشبه الوجوه، وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه"، ووقع كذلك في بعض نسخ "الروضة" ففي بعضها أحدها وفي بعضها أصحها، وجمع بخطه بينهما فكتب الصاد والحاء فوق الحاء والدال وأضافهما إلى الثاني؛ وكأنه تردد في كلام الرافعي.
الأمر الثاني: أن تعيين إخراج الدراهم مشكل فإن جزاء الصيد على
стр. 1967
التخيير، وقد استشكله النووي في "نكت التنبيه" وعلله بما ذكرته.
واعلم أن هذا الإشكال سببه أن النووي ﵀ قد غلظ في هذه المسألة في اختصاره لكلام الرافعي، ثم إنه أخذ مما قرره في "الروضة" فذكره أيضًا في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه" ثم تفطن لإشكاله في النكت المذكورة ظنًا منه أن الحكم كما ذكره فيه، وأن ما ذكره هو الذي ذكره غيره.
ووجه الغلط أن الرافعي جعل هذه الأوجه مفرعة على عدم اختيار الطعام والصيام فلنذكر لفظه لبيان ذلك وبيان اعتراض آخر وهو تداخل الأوجه التي حكاها فقال بعد تعليل المنصوص بما في التبعيض من المشقة ما نصه: وعلى هذا -أي: ظاهر النص- لو لم يرد الإطعام ولا الصيام ما الذي يخرج؟
حكى القاضي ابن كج عن بعضهم أنه وجد شريكًا أخرجه -يعني العشر- ولم يخرج الدراهم وإلا فله إخراجها.
وعن ابن أبي هريرة أن له إخراجها وإن وجد شريكًا.
وعن أبي إسحاق أنه مخير بين إخراج العشر وبين إخراج الدراهم. فهذه ثلاثة أوجه.
ونقل أبو القاسم الكرخي وغيره أنه لا يجزئه إخراج عشر المثل.
وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدراهم ولكن يصرفها إلى الطعام ويتصدق به أو يصوم عن كل مد يومًا، وهذا ما أشار إليه في الكتاب حيث قال: فعليه الطعام بعشر ثمن المثل.
والأشبه من هذا كله تفريعًا على المنصوص -إن أثبتنا الخلاف- تعين
стр. 1968
الدراهم.
هذا لفظ الرافعي، وحاصل ما حكاه من الأوجه على ما اقتضاه إيراده سته وهي في الحقيقة أربعة؛ فإن ما حكاه ابن أبي هريرة من جواز إخراج الدراهم إن كان المراد أنه لا يخرج معها عشر المثل فهو الوجه الأخير القائل بتعين الدراهم وإن كان المراد إخراجه معها فهو الثالث.
وأما ما نقله عن الكرخي فالظاهر أنه الأخير أيضًا.
وبالجملة فقد أحسن النووي في اختصاره للأوجه وإن أخطأ من وجه آخر.
قوله من "زيادته": لو قتل نعامة فأراد أن يعدل عن البدنة إلى بقرة أو سبع شياه لم يجزئه على الأصح. ذكره في "البحر". انتهى كلامه. ولم يذكر عكس هذه الصورة في هذا الباب، وقد ذكره في أوائل باب الأضحية وأجاب فيه بمثل ما ذكره في هذه الصورة فقال: ويجوز أن ينحر الواحد البدنة أو البقرة عن سبع شياه لزمته شاتان مختلفة كالتمتع والقران والفوات ومباشرة محظورات الإحرام ونذر التصدق بشاة والتضحية بشاة، لكن في جزاء الصيد يراعى المماثلة ومشابهة الصور، فلا تجزئ البدنة عن سبع من الظباء، ولو وجب شاتان على رجلين في قتل صيدين لم يجز أن يذبحا عنهما بدنة. انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: جزمه بجواز إخراج البدنة عن السبع من الغنم في غير جزاء الصيد مشكل لأنهن أفضل منها وكيف ينزل الواجب إلى شئ هو دونه في الفضيلة؟
واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في باب الأضحية يوهم جواز إخراج
стр. 1969
البدنة عن الشاة في جزاء الصيد، وليس كذلك فاعلمه؛ فإنه قد نص على منعه في أوائل باب الدماء، وسيأتي أيضًا ذكره هناك.
قوله: فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد ويلزم به وجهان: أصحهما أنه يلزمه جزاء كل مثل.
والثاني: أرش ما نقص .. إلى آخره. تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين مع أن المسألة فيها نصان للشافعي على وفق الوجهين. ذكرهما بلفظهما صاحب "الاستقصاء"؛ فيكون الخلاف قولين. وقد صرح بذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" وخالف في "التنبيه" فجعلهما وجهين؛ فإنه عبر بقوله: وقيل: هذا التعبير هو عادته في حكاية الأوجه كما قاله النووي في "شرح المهذب".
قوله: وإذا أوجبنا بالأزمان جزاء كاملًا فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة لها امتناع نسبة العدو وامتناع بالجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه وجهان:
أحدهما: أن يتعدد الجزاء لتعدد الأمتاع.
وأصحهما أنه لا يتعدد.
وعلى هذا فما الذي يجب؟ قال الإمام: الغالب على الظن أنه يتعين ما نقص. . . . إلى آخره.
وهذا البحث الذي ذكره الإمام قد جزم به في "الشرح الصغير".
قوله: ولو جرح صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يدر أنه مات بجراحه أو بسبب حادث فهل الواجب جزاء كامل أم ضمان الجرح فقط؟
стр. 1970
فيه قولان. انتهى.
والأصح هو الثاني. كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".
قوله في "أصل الروضة": فرع: سبق أنه يحرم على المحرم أكل الصيد الذي ذبحه وكذا يحرم عليه أكل ما اصطاده له حلال أو بإعانته أو دلالته بلا خلاف.
فإن أكل منه فقولان: الجديد: لا جزاء والقديم: تلزمه القيمة بقدر ما أكل. انتهى كلامه. وما ادعاه من عدم الخلاف فيما إذا صاده له ليس كذلك؛ فقد رأيت في الفروع التي عقلها ابن كج عن شيخه ابن القطان حكاية قولين فقال: وإن كان نوى بصيده المحرم فهل يجوز له أكله أم لا؟ على قولين.
هذه عبارته.
قوله: ولو رمى إلى صيد بعضه في الحل وبعضه في الحرم وجب الضمان أيضًا تغليبًا للحرمة والاعتبار بالقوائم ولا نظر إلى الرأس. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، وحكى معه عن المعاناة للجرجاني وجهًا.
ثانيًا: أنه لا ضمان.
وثالثًا: أن العبرة بالأكثر.
ورابعًا: أنه إن كان خارجًا من الحرم إلى الحل ضمنه وإن كان عكسه فلا، والظاهر أن هذا التصوير إنما هو في القائم.
стр. 1971
وقد تعرض صاحب "الاستقصاء" للنائم وقال: إن العبرة بمستقره.
قوله: ولو نفر صيدًا حرميًا قاصدًا أو غير قاصد فدخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر أيضًا الضمان. قاله في "التهذيب"، بخلاف ما لو قتله محرم يكون الجزاء عليه تقديمًا للمباشرة. انتهى لم يبين الوقت الذي ينتهي به الضمان الواجب على المنفر، وقد بينه الفوراني في "العمد" فقال ما نصه: إذا نفر صيدًا محرم فخرج من الحرم فهو في ضمانه إلى أن يرجع سالمًا إلى الموضع الذي نفره منه أو يسكن موضعًا آخر مثل ذلك الموضع ويألفه زمانًا فيزول الضمان حينئذ.
هذا لفظ الفوراني.
واعلم أن تنفير الصيد الحرمي هو نظير المسك من الحرم؛ لأن كلًا منهما موجب الضمان، وقد تقدم الكلام على ذلك والوعد بذكر هذه المسألة.
قوله: فرع: لو دخل الكافر الحرم وقتل صيدًا وجب عليه الضمان كضمان الأموال، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يحتمل عندي أن لا يجب لأنه غير ملتزم حرمة الحرم. انتهى.
والذي حكاه احتمالًا عن الشيخ هو وجه مصرح به. كذا حكاه الجرجاني في "التحرير" ولم يرجح مقابله عليه، بل حكى وجهين من غير ترجيح.
قوله: فيحرم التعرض بالقطع والقلع لكل شجر رطب حرمي غير مؤذ فيخرج بقيد الرطب الشجر اليابس؛ فلا شئ في قطعه كما لو قد صير بصفين. انتهى. تابعه في "الروضة" على الحكم بعدم الإيجاب في القطع
стр. 1972
خاصة، وسكت عن حكم القلع مع تقدم ذكره، بل كلامه يوهم الإيجاب فيه حتى يكون نظير اليابس من الحشيش كما ستعرفه.
لكن صرح النووي في "نكت التنبيه" بأنه لا يجب في قلعه ولا في قطعه شئ، فاعلمه.
قوله في "أصل الروضة": ويخرج بقيد غير المؤذي العوسج وكل شجرة ذات شوك فإنها كالحيوان المؤذن فلا يتعلق بقطعها ضمان على الصحيح الذي قطع به الجمهور. وفي وجه اختاره صاحب "التتمة" أنها مضمونة؛ لإطلاق الخبر ويخالف الحيوان فإنه يقصد بالأذية. انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أنه قد وافق الرافعي هنا على أنه لا شئ فيه، وخالف في "شرح مسلم" فقال: الصحيح أنه يحرم ويجب الضمان بقطعه، وقال في "تصحيح التنبيه" وتحريزه: إنه المختار.
الأمر الثاني: أن استدلاله بإطلاق الخبر يقتضي أنه لم يستحضر دليلًا خاصًا بالمسألة، وهو غريب؛ ففي الصحيحين: "ولا يعضد شوكها"، وقد ذكر هو هذه الرواية في "شرح المهذب" وغيره.
قوله: ولو نقل شجرة من شجر الحرم إلى الحل فعليه الرد، وإن نقلها فيسبب فعليه الجزاء، سواء نقل إلى الحل أو الحرم.
ثم قال ما نصه: وإن ثبتت في الموضع المنقول إليه فلا جزاء عليه، ولو قلعها قالع لزمه الجزاء إبقاء لحرمة الحرم. انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بالذي يعود إليه الضمير لزمه هل هو الأول أو الثاني؟ وقد أمعنت النظر في المسألة فلم أر في كلام الأكثرين تصريحًا بها.
стр. 1973
وصرح الجرجاني في "الشافى" بأن الضمان على الأول فقال: ضمنها الناقل لوجود التعدي منه دون المتلف. هذا لفظه.
وذكر الخوارزمي في "الكافي" نحوه فقال: وإن ثبتت لا جزاء عليه وتكون في ضمانه، فلو قطع يعود عليه الجزاء. وصرح البندنيجي في "تعليقه" وسليم في "المجرد" والبغوي في "التهذيب" بوجوبه على الثاني، وزاد البندنيجي بمطالبة الأول أيضًا وشبهه بالمعصوب إذا أتلفه فتلف.
واقتصر ابن الرفعة على ما قاله البندنيجي وهو واضح متعين، وحمل مقالة سليم والبغوي عليه ممكن؛ فيتعين المصير إليه.
وينبغي فيما إذا ثبتت في الحل وتعذر ردها أن الناقل يطالب في الحال لأنه عرضها شرعًا للأيدي بوضعها في الحل فصار كالتعرض الحسي فيما إذا زال امتناع الصيد.
وقد جزم بما ذكرته الجرجاني في "التحرير".
قوله: وإذا قطع غصنًا من شجرة حرمية ولم يخلف فعليه ضمان النقصان، فإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفًا كالسواك وغيره فلا ضمان.
وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضمان قولان كالقولين في سن البالغ. انتهى.
وما ذكره من عدم الضمان في الغصن اللطيف إذا خلف ذكر مثله في "الروضة" أيضًا ولم يؤخذ منه الحكم بجواز الإقدام على قطعه؛ ولهذا اتفقوا على التحريم في الكبير مع الاختلاف في السقوط عند الاختلاف بل كلامه السابق يقتضي تحريم قطعه -أي: قطع الصغير، وليس كذلك؛
стр. 1974
فقد جزم بالجواز في "شرح المهذب" في الكلام على جواز أخذ الأوراق.
قوله؛ ويجوز أخذ أوراق الأشجار لكنها لا تهشي جذارًا من أن تصيب لحاها. انتهى.
والتعبير بالمشي واللحاء أخذه الرافعي من "التهذيب"؛ فأما الهش فهو الضبط قال تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. واللحاء: بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد: هو القشر.
قاله الجوهري.
إذا علمت مدلول كلامه فليس فيه بيان حكم الضبط هل هو حرام أو مكروه، وقد أوضحه النووي في سرح الحرم وقطع الأغصان الصغار بيده بحيث لا يتأذى نفسي الشجرة.
والموضع الذي قال لا يجوز أراد إذا خبط الشجرة حتى تساقط الورق وتكسرت الأغصان؛ لأن ذلك يضر الشجرة.
وهكذا ذكر هذا التأويل للنص والجمع بينهما الشيخ أبو حامد في "تعليقه" وأبو على البندنيجي والمحاملي في كتابيه "المجموع" و"التحريد" وآخرون، ونقله صاحب "البيان" عن الأصحاب. انتهى كلامه.
والمتجه من جهة الحديث منعه مطلقًا؛ فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح ولا يضبط فيها شجر إلا لعلف" (١).
стр. 1975
قوله: وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كانت كبيرة وبشاة إن كانت دونها. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن البقرة والشاة هل يتوقف إيجابهما على قلع الشجرة أولًا، بل يجبان بالقطع ليس في كلامه تصريح بذلك، وقد عبر الشيخ في "التنبيه" بالقلع -أعني: باللام.
وتعبير الرافعي "بالتامة"، مشعر به، إلا أن يقال التامة للاحتراز عن الغصن.
الأمر الثاني: لم يصرح هو ولا النووي ولا ابن الرفعة بسن البقرة، ورأيت في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" بيان ذلك؛ فقال: لا يشترط إجزاؤها في الأضحية بأن تكون لها سنتان بل يكفي فيها التبيع وهو ابن سنة. وأما الشاة فصرح هنا بأنها لابد أن تكون في سن الأضحية، وهو يؤخذ من كلام الرافعي في موضع آخر، وكان سببه أن الشاة لم يوجبها الشرع إلا في هذا السن بخلاف بدليل التبيع في الثلاثين منها.
نعم إطلاق الرافعي في أول الباب الثاني في الدماء يقتضي اشتراط ذلك.
قوله في "أصل الروضة": أما غير الشجر وكلأ الحرم يحرم قطعه، فإن قلعه لزمه القيمة إن لم يخلف، فإن أخلف فلا قيمة قطعًا لأن الغالب هنا الإخلاف كسن الصبي. انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع بعدم إيجاب القيمة غريب لم يذكره الرافعي أيضًا فقد جزم القاضي أبو الطيب في "تعليقه" بأنه لا يسقط، والغريب أنه ادعى
стр. 1976
أنه لا خلاف فيه أيضًا على عكس ما ادعاه في "الروضة". قال: والفرق بينه وبين الغصن على أحد القولين: إن الحشيش لا يتخلف في العادة؛ فلو أسقطنا الضمان على قاطعه، بخلاف الغصن فابتعد بعود. هذا لفظه، ونقله منه أيضًا النووي في "شرح المهذب"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: ويجوز تسريح البهائم في حشيشه للرعي، وكذا قطعه لتعلقها به في أظهر الوجهين. انتهى.
وإذا جوزنا القطع للعلف فأراد قطعه للبيع ممن يعلف فإنه لا يجوز ذلك كما قاله في "شرح المهذب"؛ فلتتفطن له فإنه مهم وكلامهم هنا موهم.
قوله: ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخبر. انتهى.
ويستثنى أيضًا ما يتغذى به كالرجلة والنبات المسمى في الحجاز بالبقلة ونحو ذلك؛ فإنه يجوز أيضًا لأنهما في معنى الزرع.
قاله الطبري شارح "التنبيه".
قوله: ولو احتيج إلى شئ من نبات الحرم للدواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان: أحدهما: لا لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر.
وأصحهما: الجواز لأن هذه الحاجة أهم من الحاجة إلى الإذخر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن حكاية الوجهين في: جواز القطع مشكل؛ للمعنى الذي ذكره ولما أشكل ذلك علىَّ تتبعت الحاكين لهذا الخلاف فوجدت الإمام في
стр. 1977
"النهاية" قد حكاه عن "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فقلده في ذلك من جاء بعده كالغزالي والرافعي والنووي، فراجعت "شرح التلخيص" فلم أجد الخلاف مذكورًا فيه على الوجه الذي نقله الإمام؛ فإنه نقل عن صاحب "التلخيص" جواز قطع الإذخر وما كان للدواء وما أنبته الآدميون. ثم قال ما نصه: فأما الثلاثة التي استثناها فقال: الإذخر أن يقطع لأن في الخبر أن العباس قال: يا رسول الله إلا الإذخر. فقال ﷺ : "إلا الإذخر فإنه لقيننا وبيوتنا" (١) فاستثنى ذلك لحاجتهم إليه في بيوتهم.
والثاني: قال: ما كان لدواء فله قطعه.
قلت: يحتمل إذا قطع أن تكون عليه القيمة؛ لأنه قطعه لحاجته فصار كما لو قتل الصيد للمجاعة.
واحتمل أن يكون الجواب على ما ذكر لأنه إنما أبيح له قطع الحشيش للقنو والبيوت وعلف الدواب للحاجة، وحاجته إلى الدواء أعظم من حاجته إلى علف الدابة، ولا تكون حاجته دون حاجة دابته؛ فلهذا قلنا: لا شئ عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومن شرحه نقلته، وحاصله حكاية الخلاف في وجوب الجزاء وأن القطع جائز، وهو صحيح لا شك فيه، ولم يذكر الشيخ أبي على فيه غير ذلك، واحتمالات الأصحاب الوجوه وجوه، فلهذا جعلها الإمام وجهين.
الأمر الثاني: أن الخلاف المذكور في قطعه للدواء يجري فيما لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيفه البيوت ونحوه.
стр. 1978
كذا قاله الغزالي في "البسيط" و"الوسيط"، ومقتضاه رجحان الجواز، وقد تبعه عليه صاحب "الحاوي الصغير" فجوز القطع للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء، وقلَّ من تعرض لهذه المسألة.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ولو احتج ظاهره أن الأخذ كذلك يتوقف على وجود السبب، ويتجه أن يقال: يجوز قطعه وتحصيله عنده ليستعمله عند وجود سببه لاسيما إذا كان غريبًا.
ولو أخذه ليبيعه لمن يحتاجه فهو كأخذ الحشيش كذلك، وقد تقدم.
قوله: فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البقاع. انتهى.
وما ذكره من الكراهة قد خالفه في "الروضة" هنا فقال من زياداته: الأصح أنه لا يجوز، وجزم به أيضًا في أواخر صفة الحج من "شرح المهذب" في الكلام على زيارة قبر رسول الله ﷺ قال: وكذلك حرم المدينة أيضًا.
وقال في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الشرح المذكور: وقال المحاملي والشيخ في "المهذب": لا يجوز ذلك، وقال الكثيرون أو الأكثرون: يكره انتهى.
وقد نص الشافعي ﵀ في "الأم" على المسألة فقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى المذكور بعد باب قطع العبد في باب الحج ما نصه: قال الشافعي: ولا يخرج من حجارة الحرم ولا ترابه شئ إلى الحل؛ لأن له حرمة ثبتت باين بها ما سواها، ولا أرى -والله أعلم- أن جائزًا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان.
هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته فثبت أن الفتوى على التحريم.
قوله: أبو الفضل بن عبدان: ولا يجوز قطع شئ من ستر الكعبة ونقله
стр. 1979
وبيعه وشراؤه خلاف ما يفعله العامة فيشترونه من بني شيبة. انتهى.
وما نقله هنا عن ابن عبدان وارتضاه قد ذكر في آخر كتاب الوقف ما يخالفه فقال: وحصر المسجد إذا بليت، ونحاتة أخشابه إذا نخرت، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها جمال ولا منفعة في بيعها وجهان: أصحهما: نعم.
قالوا: ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. انتهى.
وقد استدرك في "الروضة" عليه هنا فقال: قال الحليمي أيضًا: لا ينبغي أن يؤخذ منها شئ، وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيعها، وقال ابن الصلاح -بعد أن ذكر قول ابن عبدان والحليمي: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب "مكة" أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيفرقها على الحاج، وهذا الذي اختاره الشيخ حسين متعين لئلا يتلف بالبلي، وبه قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة ﵃ انتهى.
وذكر مثله في "شرح المهذب" في آخر كفارة الإحرام.
والذي قاله في الموضعين مخالف لما وافق عليه الرافعي في الوقف من وجهين:
أحدهما: فيما يفعل فيها.
والثاني: فيما يفعل في ثمنها.
واعلم أن الكسوة لها أحوال:
أحدها: أن توقف على الكعبة، وحكمها ما سبق الآن.
الثاني: أن يصدر من مالكها تمليكها للكعبة فلقيمها أن يفعل فيها ما يراه
стр. 1980
من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.
والثالث: أن يوقف شئ على أن يؤخذ ريعه وتكسى به الكعبة كما قد وقع في عصرنا، فإن الإمام وقد وقف على ذلك بلادًا من إقليم مصر ثم فوض بعد ذلك النظر في بلد الأوقاف إلىّ فنظرت عليها مدة طويلة ثم تركتها اختيارًا للانقطاع وإيثارًا للنفع والانتفاع، وقد تلخص لي في هذه المسألة أنه إن شرط الواقف شيئًا من بيع أو إعطاء إلى أحد أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط شيئًا نظر إن لم يقف الناظر تلك الكسوة فله بيعها بلا نزاع وصرف ثمنها في كسوة أخرى، وإن وقفها فسيأتي فيها ما سبق من الخلاف في البيع.
نعم: يبقى قسم آخر وهو الواقع اليوم في هذا الوقف وهو أن الواقف لم يشترط شيئًا من ذلك وشرط تجديدها كل سنة مع علمه؛ فإن بني شيبة كانوا يأخذونها كل سنة لما كانت تكسى من بيت المال فهل يجوز لهم أخذها الآن أو يباع ويصرف ثمنها إلى كسوة أخرى؟ فيه نظر، والمتجه الأول.
قوله: قال -يعني الغزالي- في "الوجيز": ويلتحق حرم المدينة بمكة في التحريم، وفي الضمان وجهان: أحدهما: لا إذ ورد فيه سلب نبات الصايل فهو جزاؤه.
انتهى لفظ الغزالي. ثم قال في أثناء شرحه له: وإذا قلنا بالتحريم ففي ضمان صيدها ونباتها قولان: الجديد: أنه لا يضمن، والقديم الضمان.
وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة.
وأظهرهما: أخذ السلب.
стр. 1981
ثم قال بعد ذلك ما نصه: وقوله في الكتاب ففي الضمان وجهان اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان.
وقوله: إذ ورد فيه سلب نبات الصايل معناه: أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الخبر دون الجزاء؛ إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به كما في صيد مكة.
وعنى بالضمان الجزاء دون المشترك بينه وبين السلب، فاعرف ذلك. انتهى لفظه بحروفه، وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التقرير الذي ذكره آخر الكلام الغزالي حيث قال: وقوله إذ ورد فيه .. إلى آخره مع الاعتراض الذي أورده عليه قبل ذلك وهو جعل الخلاف وجهين لا يتصور الجمع بينهما؛ فإن التقرير الذي ذكره آخرا يقتضي أن الغزالي أراد بالخلاف أنه هل يجب ما أوجبناه في مكة أم يجب السلب؟ وإذا كان الأمر كذلك كان الخلاف وجهين بلا شك كما قدمه.
وأما القولان القديم والجديد فإن بحملهما في أصل الوجوب كما تقدم فحمل ما حكاه الغزالي من الخلاف على أصل الوجوب حتى ورد عليه مناف لما ذكره بعد ذلك، والغريب أن الموضعين لا فاصل بينهما، والصواب ما ذكره آخرًا؛ فإن التعليل الذي ذكره الغزالي صريح فيه ولا يحتمل حمله على حكاية الخلاف في أصل وجوب الضمان؛ فعاود نظرك فيه. وذكر في "الوسيط" نحوه أيضًا، غير أنه في الكتابين المذكورين لم يحك الخلاف في أصل الضمان ولا صرح به فكأنه تركه نسيانًا، وهذا هو الذي يوقع من لم يتأمل كلام الغزالي على حمله على أصل الضمان. نعم حكى في "البسيط" الخلاف فيما يلزمه وجمع بينهما في "النهاية".
стр. 1982
الأمر الثاني: أن استدلال الرافعي بالحديث وتصويره المسألة بالثياب يقتضي إجراء الخلاف في الكلام.
ولم يتعرض في "الروضة" لذلك فلزم خلوها عن هذه المسألة.
وحديث السلب رواه مسلم في صحيحه من حديث سعد.
قوله: وج الطائف واد بصحراء الطائف قال الشافعي ﵁: أكره صيده، وعن الشيخ أبي على حكاية تردد في أنه تحريم أو مجرد كراهة. والصحيح عند عامة الأصحاب الأول .. إلى آخره.
اعلم أن حكم شجر وج كحكم صيده.
كذا صرح به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الشافعي والأصحاب، وذكره الغزالي أيضًا في "الوجيز"، ولم يتعرض الرافعي ﵀ لشرحه، وكأنه تركه نسيانًا، وبسبب ذلك أغفله النووي فلم يذكره في "الروضة".
ووج: بواو مفتوحة ثم جيم مشددة، قال في "تهذيب الأسماء واللغات" نقلًا عن الحازمي: وربما اشتبه هذا بوح بالحاء المهملة المشددة أيضًا اسم لناحية بعمان.
стр. 1983
القسم الثالث من كتاب الحج في اللواحق
وفيه بابان:
الأول: في موانع الحج
وهي ستة:
قوله: فإذا أحصر العدو المحرمين عن المضي في الحج كان لهم أن يتحللوا، والأولى أن لا يعجل التحلل إن وسع الوقت فربما يزول المنع فيتمون النسك، وإن كان ضيقًا فالأولى التعجيل كيلا يفوت الحج. انتهى: فيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين أن التحلل واجب أم لا. وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في أعمال يوم النحر فراجعه.
الأمر الثاني: أن الإحصار المقتضى للتحلل شرطه أن يكون عن الأركان خاصة، فلو منع من الرمي والمبيت فإنه لا يجوز التحلل كما نقله في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره؛ لأنه متمكن من التحلل بالطواف والحلق، ويقع حجه مجزئًا عن حجة الإسلام، ويجبر الرمي والمبيت بالدم.
الأمر الثالث: أنه إذا صابر الإحرام متوقعًا زوال حتى فاته الحج فإنه القضاء لا يجب على الأصح كما ستعرفه وحينئذ فقوله: لئلا يفوته الحج؛ أي: فإنه يلزمه القضاء على وجه.
الأمر الرابع: أن محل ما ذكره فيما إذا لم يتيقن انكشاف العدو فإن يتقن قال الماوردي: فينظر إن كان في الحج وتيقن انكشافهم في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، أو في العمرة وتيقن انكشافهم عن قرب -وهو ثلاثة أيام- لم يجز التحلل.
стр. 1984
قوله: إحداها: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل قال: فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قلَّ؛ إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج، بل يكره البذل إن كان الطالبون كفارًا؛ لما فيه من الصغار. انتهى كلامه.
وتقييد الكراهة بالكفار يقتضي أن المسلمين ليسوا كذلك، وقد تقدم عن الرافعي في أول كتاب الحج ما يخالفه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإن احتاجوا إلى قتال يسير نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التحلل ولا يلزمهم القتال وإن قدروا عليه؛ لما فيه من التغرير بالنفس، وإن كانوا كفارًا فقد حكم صاحب "الكتاب" بوجوب القتال إذا لم يزد عدد القتال على الضعف.
وهكذا حكى الإمام عن بعض المصنفين ولم يرتضه على هذا الإطلاق بل شرط فيه وجدانهم السلاح وأهبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد قصدهم الكفار فلا قرار ولا سبيل إلى التحلل.
والأكثرون قالوا: لا يجب القتال على الحجيج مطلقًا. نعم لو تقاتلوا لم يكن لهم الفرار بالشرط المتقدم. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله. وما أوهمه كلام الإمام في نقله عن بعض المصنفين من المخالفة في اشتراط الأهبة عجيب لا يتصور أن يريده أحد، وكيف يتصور إيجاب المقاتلة بغير آلة؟ إلا أن المراد ببعض المصنفين هو الفوراني، وفي نفس الإمام منه ما في نفسه كما تقدم إيضاحه في أوائل الكتاب، وحبك الشئ يعمي ويصم.
قوله: فإذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان: أحدهما: ليس لهم التحلل لأنهم يستفيدون به أمنًا فصار من العدو الذي بين يديهم. انتهى.
стр. 1985
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في تعليل الصحيح يقتضي تقييد المسألة فإذا كان المانعون فرقًا متميزة لا تعضد كل واحدة الأخرى، فإن كان المانعون بجميع الجوانب فرقة واحدة لم يجز التحلل، فتفطن له.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف إنما يستقيم إذا اتسع الوقت، فإن ضاق بحيث يخشى الفوات تحللوا قطعًا ليستفيدوا به دفع القضاء على ما مر ومصابرة الإحرام إلى التحلل يعمل عمرة.
قوله: الثالثة: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض خلافًا لأبي حنيفة، فإن شرطه فقولان: أظهرهما: صحة الشرط، وبه قال أحمد؛ لحديث ضباعة بنت الزبير وهو ما روي أن النبي ﷺ قال لها: "أما تريدين الحج؟ " فقالت: أنا ساكنة. فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستنى" (١).
والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة. انتهى ملخصًا.
وضباعة: بضاد معجمة مضمومة ثم باء موحدة. والزبير أبوها هو أحد أعمام النبي ﷺ ، وحديثها هذا مذكور في الصحيحين.
والمراد بقوله: "محلي حيث حبستني" أي: مكان تحللي هو المكان الذي حبسني فيه المرض.
وهذا الذي نقله عن أبي حنيفة عجيب فإنه كيف يتصور الجواز بدون الشرط والمنع عند وجوده.
قوله: فنقول: إذا كان المحصر واجدًا للدم فيذبح وينوي التحلل عنده لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره فلابد من قصد صارف، وفي
стр. 1986
وجوب الحلق خلاف مبني على أن الحلق نسك أم لا. انتهى ملخصًا. تابعه عليه في "الروضة". وفيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم أنه لا يجب مقارنة النية للحلق إذا أوجبناه، والقياس وجوبه لما سبق، وقد جزم به ابن الرفعة نقلًا عن الأصحاب، ويتلخص منه أنه لابد من النية مرتين فاعلمه؛ ولهذا ذكر الرافعي بعد ذلك أنه إذا لم يجد الهدي يتحلل بالنية والحلق، وذكر نحوه في الكلام على تحليل العبد. ويتجه أن يقال: إن لم يقدر على الهدي وجبت مقارنة النية للحلق؛ لما سبق، وإن قدر عليه فتكفي مقارنة النية له كما يكفى اقتران النية بأول الوضوء والصلاة وغيرها.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقديم الذبح على الحلق كما صرح به الماوردي وغيره؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١).
قوله: وإن لم يجد الهدي إما لإعسار أو غيره فهل له بدل؟ فيه قولان يأتي ذكرهما: أصحهما: نعم وهو الإطعام بقيمة الشاة فإن عجز فصوم التعديل.
فإن قلنا: إن دم الإحصار له بدل، فإن كان بطعم فيوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتيب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المشقة في الصبر على الإحرام أعظم أي: بخلاف الذبح. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وتابعه عليه النووي في "الروضة"، وهو كلام غير مستقيم؛ لأنه حكى الخلاف في الصوم وجعله مرتبًا على الخلاف في الذبح ثم فرق، والخلاف في الذبح لم يتقدم له ذكر، بل جزم بتوقف
стр. 1987
التحلل عليه فبقي مرتبًا على غير مذكور، وقد ذكره الغزالي في "الوجيز" على الصواب فإنه قال: وتحلل المحصر هل يقف على إراقة دم الإحصار؟ فيه قولان.
فإن كان معسرًا وقلنا: الصوم بدل ففي جواز توقفه قولان مرتبان وأولى بأن لا يتوقف، لأن الصوم طويل هذا لفظه، فلما شرحه الرافعي نسى القول الأول ثم إنه رتب عليه فلزم ما لزم.
قوله: الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر؛ لأن النبي ﷺ أحصر عام الحديبية فذبح بها وهى من الحل. انتهى. ذكر في "الروضة" نحوه. وهو يشعر بأنه لو أراد أن يذبح في الحل أيضًا ولكن في موضع آخر غير الذي أحصر فيه فإنه لا يجوز له ذلك والأمر فيه كما أشعره كلامه فقد جزم به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الدارمي وغيره. وسببه أن موضع الإحصار قد صار في حقه كنفس الحرم، وهو نظير منع المتنفل إلى غير القبلة من التحول إلى جهة أخرى وحديث الذبح بالحديبية ثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر (١).
قوله: فأما إذا كان مصدودًا عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ ذكر فيه وجهان؛ والأصح أن له ذلك. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله. ومحل هذا الخلاف ما إذا كان الحصر في الحل ولكن أمكنه الذبح في الحرم، فأما إذا كان الحصر في أطراف الحرم فلا يجوز الذبح في الحل بلا خلاف. كذا ذكره في "شرح المهذب". وكلام الرافعي يوهم خلافه.
قوله: ولو أذن السيد للعبد في الإحرام بالعمرة فأحرم بالحج فله تحليله،
стр. 1988
قاله في "التهذيب" وظني أنه لا يسلم من الخلاف. انتهى ملخصًا.
والأمر كما ظنه الرافعي؛ فقد حكى الدارمي في المسألتين وجهين وصحح أن له التحليل فيهما. كذا رأيته في "الاستذكار" في باب حج الصبي يبلغ والعبد يعتق، ونقله عنه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" قال: لكن الأصح الوجه الثالث المفصل كما قاله صاحب "التهذيب".
قوله: وكل دم يلزم بسبب ارتكاب المحظورات كالطيب واللباس وقتل الصيد والفوات فلا يجب على السيد بحال سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه.
وأما العبد فلا ملك له حتي يذبح لكن لو ملكه السيد فعلى القديم يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك ففرضه الصوم وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذا إن كان بإذنه في أصح الوجهين لأنه لم يأذن في موجبه. انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن ما أطلقه من وجوب إخراج العبد عند تمليك السيد قد تابعه عليه في "الروضة"، ومحله إذا ملكه ليكفر أو ملكه مطلقًا ثم أذن له في التكفير به. كذا صرح في الباب الثاني من كتاب "الأيمان"، وذكر نحوه في الظهار، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن يمنع السيد من الصوم. محله إذا كان الرقيق أمة لما فيه من تفويت الاستمتاع عليه والكفارة على التراخي، أو كان عبدًا يضعف به عن الخدمة أو يناله ضرر، وإلا فلا منع على الأصح.
كذا نبه عليه أيضًا في كتاب "الأيمان" ثم قال عقبه: وعلى هذا لا يمنعه من صوم التطوع وصلاة التطوع في مثل هذه الحالة في غير زمان الخدمة.
стр. 1989
قوله: وإن قرن العبد أو تمتع بإذن سيده فهل يجب الدم على السيد؟
الجديد: لا يجب، وفي القديم قولان، بخلاف ما إذا أذن له في النكاح فإن السيد يكون ضامنًا للمهر على القديم قولًا واحدًا؛ لأن الدم له بدل وهو الصوم.
ثم قال: وإذا لم يوجب الدم على السيد فالواجب على السيد الصوم. انتهى.
ولك أن تقول: إذا لم يجب على السيد فلم لا يجب في كسب العبد كما في الصداق وغيره؟ وقد أشار إليه الجرجاني في "التحرير".
قوله في "أصل الروضة": وإذا جاز للسيد التحليل جاز للعبد التحلل. انتهى كلامه.
وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا، وهو يوهم أن العبد يجوز له أن يتحلل وإن لم يأمره سيده.
وليس كذلك بل المراد إنما هو الجواز عند أمر السيد.
وقد صرح الرافعي بمثله في الزوجة، وهو نظير المسألة.
وذكر الرافعي أيضًا هنا تعليلًا يشير إلى المقصود فإنه قال عقب هذه العبارة الموهمة: لأن الحصر بغير حق يجوز له أن يتحلل؛ فالمحصر بحق أولى. هذا لفظه. فحذف النووي التعليل المذكور وأبقى هذه العبارة الموهمة بل الدالة على الجواز عند عدم الأمر، ثم إن التحلل يجب عند الأمر؛ فكان حقه أن يقول: وإذا أمر السيد بالتحليل وجب على العبد التحلل.
قوله: ولو أحرم المكاتب بغير إذن المولى فمنهم من جعل جواز تحليله
стр. 1990
على قولين بناء على قولين في سفر التجارة. وهل يمنعه السيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل لأنه لا منفعة للسيد في سفر الحج. انتهى كلامه.
لم يصحح في الروضة شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القطع بالجواز؛ فقد صححها البندنيجي والنووي في "شرح المهذب".
قوله: ولو نذر العبد الحج يأتي به في حال الرق فهل يجزئه؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا.
والأصح أنه يجزئه. كذا صححه النووي من "زيادات الروضة".
قوله: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زوجها. انتهى.
وما ذكره هاهنا من كون الإذن مستحبًا لا واجبًا قد ذكر في آخر هذا المانع ما يخالفه فقال ما نصه:
الثاني: الأمة المزوجة لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن السيد والزوج جميعًا.
هذا لفظه، وهو صريح في وجوب استئذان الزوج.
وأما كون الزوجة حرة أو أمة فلا أثر له قطعًا بالنسبة إلى وجوب استئذان الزوج لاستوائهما في المقتضى وهو الزوجية.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
وذكر في "شرح المهذب" حكم الأمة كما ذكره في "الروضة" وادعى أنه لا خلاف فيه لكنه لم يصرح في الموضع المذكور أولًا بالجواز بل قال: ينبغي لها أن لا تفعل فليس فيه تناقض صريح، فالمنع من ذلك موافق لما
стр. 1991
أفهمه كلام "الروضة" في النفقات من منع الشروع في الصوم فإنه قال: ولا تشرع فيه بغير إذن.
وظاهر هذه الصيغة التحريم، وبه صرح فيها أي: في الروضة في صوم التطوع نقلًا عن الأصحاب، لكن عبارة الشرحين "الكبير" و"الصغير": أنه لا ينبغي لها ذلك، وقد حذف في "الشرح الصغير" مسألة الأمة ومع ذلك اختلف كلامه؛ فإنه استدل على جواز تحليلها بأنه حج غير جائز، وعبر في "الكبير" بقوله: غير مشروع.
قوله: وهل للزوج منع المرأة من حج الفرض؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنها عبادة مفروضة فأشبه الصوم والصلاة.
وأصحهما: نعم؛ لقوله ﷺ : "أيما امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها" (١). ولأن الحج على التراخي وحق الزوج على الفور. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: ليس المراد من الصوم المقيس عليه هو الصوم المضيق؛ لأنه لا يكون نظير المسألة، بل الصوم المتسع لقضاء رمضان، والصحيح فيه أن له المنع منه على خلاف ما جزم به هاهنا. كذا ذكره في كتاب النفقات.
الأمر الثاني: أن مقتضى التعليل المذكور امتناع تحليل الصغيرة إذا أحرمت بتطوع أو قضاء، وكذلك الكبيرة إذا سافرت مع الزوج فأحرمت بالفرض وقت إحرامه به.
стр. 1992
وفيه نظر يتجه أن يكون محل الخلاف فيما إذا أحرمت من الميقات أو من مكة في الوقت المعتاد وهو يوم التروية، فإن أحرمت قبله كان له المنع جزمًا.
الأمر الثالث: أن التعبير بالفرض تدخل فيه مسائل:
إحداها: حجة الإسلام ولا إشكال فيها.
الثانية: المنذورة، وللنذر حالان:
أحدها: أن يتعلق بزمان بعينه فيتجه أن يقال: إن كان قبل النكاح فليسله المنع منه؛ لأن تعينه سابق على حقه، وإن كان بعده نظر إن أذن فيه الزوج فكذلك كما لو أحرمت بإذنه ثم أراد الرجوع، وإن كان بغير إذنه فله المنع.
وقد صرح الرافعي بنظير هذا التفصيل في نذر الصوم، ذكره في كتاب النفقات، وهناك ذكر ما يجوز مبسوطًا.
الحال الثاني: أن لا يتعلق بزمان بعينه فيتجه أيضًا أن يقال: إن كان قبل النكاح أو بعده ولكن بإذنه فهو على القولين في حجة الإسلام، وإن كان بعده وبغير إذنه فلا يتخرج على القولين لبعدها.
وقد أطلق الرافعي في نظير هذا من الصوم أن له المنع على الصحيح.
المسألة الثالثة: القضاء:
وفي جواز المنع منه وجهان صرح بهما المتولي والبغوي وغيرهما في الكلام على الجماع؛ قال المتولي: والوجهان ينبنيان على أن القضاء على الفور أم لا؟
فإن قلنا: نعم فلا منع، وإلا فيمنع، والمرجح الفورية فيكون المرجح عدم المنع، وهذا متجه إذا وطئها الزوج أو أجنبي ولكن قبل النكاح.
стр. 1993
فإن وطئ الأجنبي بعده في نسك لم يأذن فيه الزوج فله في القضاء المنع أو التحليل كما في الأداء، وإن كان قد أذن ففي المنع نظر.
والقضاء إذا كان سببه الفوات يجب أيضًا على الفور على الصحيح.
ولا يخفى حكمة ما ذكرناه.
وقد ذكر النووي مسألة النذر والقضاء في "شرح المهذب" فقال: قال الدارمي والجرجاني في "التحرير": وحجه النذر كالإسلام، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين، وينبغي أن يكون القضاء كذلك.
هذا لفظه. وعجب منه في هذا الكلام المخالف للمنقول والمعقول.
المسألة الرابعة: الإحرام لدخول مكة:
إذا فرعنا على وجوبه فقد تقدم أن مقتضى إطلاق الرافعي وغيره أنه لا فرق فيه بين المرأة المتزوجة وبين غيرها إذا كان سفرها بإذن الزوج؛ وحينئذ فإذا أحرمت لا يحللها، غير أن زوجها إذا كان بمكة مثلا فالمتجه أنه لا يجوز لها العدول عن العمرة إلى الحج؛ لطول زمانه.
فإن فعلت فالمتجه جواز التحليل لتقصيرها. ولا قضاء لو دخلت بغير إحرام.
والحديث المذكور رواه الدارقطني والبيهقي.
قوله: وأما حجة التطوع فله منعها منها، وكذا له أن يحللها على الأصح كما له التحليل في صوم التطوع وصلاة التطوع. انتهى.
وما ذكره من المنع في التطوعات محله في النفل المطلق، أما صوم عرفة وعاشوراء والسنن الراتبة للصلاة فليس له منعها في أصح الوجهين كما ذكره في كتاب النفقات، قال: وصوم الاثنين والخميس كالتطوع المطلق وله المنع من الخروج لصلاة العيدين والكسوف.
стр. 1994
قوله: وحيث جوزنا للسيد التحلل فمعناه الأمر به، فإن أمرها فلم تفعل فللزوج أن يستمتع بها والإثم عليها. كذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة محرمة لحق الله تعالى كالمرتدة. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله. والذي قاله الصيدلاني هو المذهب كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ولم أجد حكاية الخلاف في منع الأبوين الولد في حج الفرض لغير الغزالي إلا للقاضي ابن كج. انتهى.
وهذا الخلاف قد صرح به الفوراني من الإبانة والعمد، وأشار إليه القاضي حسين في "تعليقه" فقال: المذهب أنه لا منع, وصرح في كتاب السير بحكايته وجهًا، وقد سبق في أول الكتاب التنبيه على سبب ذلك.
قوله: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار.
وبم يتحلل؟ قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق ولم يتعرض للسعي. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالتحلل بما ذكره إنما هو التحلل الثاني، وأما الأول ففي "شرح المهذب" أنه يحصل بواحد من الحلق أو الطواف. يعني مع السعي على ما فيه من الخلاف الآتي ذكره؛ لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه حكم الرمي وصار كمن رمى.
الأمر الثاني: أنه ليس في كلامه هنا ما يدل على وجوب التحلل على الفور أم لا، وقد سبق الكلام عليه مبسوطًا في أعمال يوم النحر فراجعه.
قوله: واتفق الأصحاب على وجوب الحلق إذا جعلناه نسكا وعلى أن الطواف لابد منه, والسعي على طريقين: أشبههما أنه على
стр. 1995
قولين: أصحهما: الوجوب.
والطريق الثاني: القطع بالوجوب. انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع.
قوله: ثم من فاته الحج إن كان حجه فرضًا فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعًا فعليه قضاؤه كما لو أفسده.
ثم قال: وفي وجوب الفور في القضاء الخلاف السابق في الإفساد. انتهى.
ومقتضى كلامه أن الفرض في الفوات لا يكون قضاء وأنه يبقى في ذمته موسعًا كما كان.
وهذا بخلاف ما قاله في نظيره وهو الإفساد؛ فإنه صرح هناك بأن المفسد إذا أتى بالنسك يكون قضاء سواء كان فرضًا أم نفلًا.
فإن قيل: الفرق أن المفسد متعد فلهذا جعلنا الفرض فيه قضاء حتى يكون على الفور بخلاف الفوات.
قلنا: لا نسلم أن الفوات لا تعدي فيه؛ فإنه قد يترك الوقوف عمدًا حتى يفوت وقته.
ولو سلمنا أنه لا تعدي فيه فيكون من فاته النفل ليس متعديًا فيكون تداركه على التراخي. وهو خلاف ما سبق نقله عنه.
لا جرم أن المذكور في "التنبيه" و"التعجيز" و"الحاوي" و"المنهاج" وغيرها من المختصرات إطلاق لفظ القضاء على المأتي به لأجل الفوات أيضًا.
قوله: الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صابر الإحرام متوقعًا زواله ففاته
стр. 1996
الحج والإحصار دائم فلابد من التحلل بعد عمرة.
وفي القضاء طريقان: أظهرهما وهو المذكور في الكتاب طرد القولين. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وفيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي إيجاب التحلل بالعمرة وإن لم يكن متمكنًا من البيت وذلك بأن يبقى محرما إلى أن يتمكن وهو في غاية البعد والجرح.
والقياس جواز التحلل في هذه الحالة لأنه محصر، وستعرف من لفظه بعد هذا ما يدل عليه.
الأمر الثاني: أن ظاهر هذا الكلام يقتضي تصحيح عدم القضاء؛ لأنه الأصح من القولين السابقين، لكن ذكر -أعني- الرافعي بعد هذا بقليل ما يخالف ذلك فقال: ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر وأمكنه التحلل بالطواف والسعي لزمه ذلك، وعلة القضاء والهدي الفوات.
وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي وعليه مع القضاء هديان: أحدهما للفوات، والثاني للتحلل.
انتهى كلامه.
وتفريعه في جواز التحلل بين زوال الحصر وعدمه لابد منه كما ذكرنا من قبل. وأما إيجابه للقضاء مع دوام الإحصار إلى الفوات فمخالف بإطلاقه ظاهر ما تقدم فينبغي حمله على ما إذا صابر الإحرام غير متوقع للزوال.
قوله: وإذا أحصر بعد الوقوف فتحلل ثم زال الحصر فالقديم أنه يجوز البناء على ما مضى ويحرم إحرامًا ناقصًا ويأتى ببقية الأعمال.
стр. 1997
ثم قال ما نصه: وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان فعليه القضاء. نقل الإمام فيه وجهين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: وجب القضاء، وقيل: فيه وجهان، فزاد طريقة قاطعة وصححها وسببه إيهام قول الرافعي فعليه.
ولا شك أن همزة الاستفهام هنا مقدرة، والأصل: أفعليه، ولكن حذفها جريًا على عادة الناس في تعبيرهم التعبير المتداول الذي لا ينكر، وكيف اختصره على هذا والموجود في نسخ الرافعي نقل بلا واو، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أنه كيف يتأتى التردد في وجوب القضاء؛ لأن صورة المسألة فيما إذا كان الإحصار بعد الوقوف، والحصر المبيح للتحلل حينئذ لا يتأتى إلا بالنسبة إلى الطواف خاصة؛ لأن الحلق لا يختص بمكان ولا زمان والواجبات كالرمي والمبيت تنجبر بالدم فلذلك قالوا: لا يتحلل منها، ولا يأتي فيها القولان في أنه هل ينبني أم لا؟ كما قاله الرافعي في الكلام على الاستئجار للحج.
وإذا علم أن المراد بالحصر هنا إنما هو عن الطواف والطواف لا آخر لوقته وإذا لم يكن لوقته آخر لم يتصور فواته، وإذا لم يتصور الفوات لا يتصور الخلاف في وجوب القضاء.
فإن قيل: يتكلف ويفرض المسألة فيما إذا تعذر منه الطواف بالموت؟ قلنا: التفريع على جواز البناء؛ وحينئذ فيستأجر الورثة عنه من يقوم بهذا الذي فاته، ويبني فعله على فعله كما لو لم يكن محصرًا وأخر الطواف بلا عذر.
стр. 1998
قوله: ثم إذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف فلا قضاء عليه وبه قطع العراقيون.
وحكى صاحب "التقريب" في وجوب القضاء قولين وطردهما في كل صورة أتى فيها بعد الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك. انتهى ملخصًا.
وما حكاه الإمام عن "التقريب" من الاطراد المذكور حاصله جريان الخلاف فيما إذا أتى بطواف القدوم أو الرمي أو الحلق إذا جعلناه نسكا ونحو ذلك.
وهذا النقل غلط على "التقريب" ليس له ذكر فيه فإنه ذكر أن المحصر عن البيت يجوز له التحلل، وفي القضاء قولان.
ثم ذكر أن المحصر بعد الوقوف يجوز له التحلل.
ثم قال ما نصه: ثم يكون الجواب في الإعادة على القولين اللذين ذكرناهما:
أحدهما: لا إعادة عليه لأنه إنما حل بعذر الحصر.
والثاني: عليه الإعادة لأنه لما وصل إلى البيت خرج عن معنى الحصر. هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولم يذكر بعده ولا قبله غير هذا.
قوله: ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره. انتهى.
سكت ﵀ عن عكسه؛ وهو ما إذا صد عن مكة ولم يصد عن عرفة، والحكم فيه أنه يجب عليه الوقوف ثم يتحلل. كذا نقله في "شرح المهذب" عن الماوردي ولم ينقل غيره فاعلمه فإن الإطلاقات السابقة في الباب توهم جواز التحلل قبل الوقوف.
стр. 1999
الباب [الرابع] (*) في الدماء
وفيه فصلان:
الفصل الأول في أبدالها
قوله: وكل من لزمه شاة جاز له ذبح بدنة أو بقرة مكانها إلا في جزاء الصيد. انتهى.
وفي المنع في جزاء الصيد نظر؛ فإن غايته أن يكون كإخراج الحيوان الكبير عن الصغير؛ إذ المماثلة ليست حقيقة.
لا جرم أن كلامه في الأضحية ظاهر في الجواز، وقد تقدم نقله في الكلام على الصيد على ما قاله من المنع؛ ففي إلحاق جزاء الشجر به نظر.
فقد يقال: يلحق به طلبًا للمماثلة أيضًا، وحينئذ فيكون مرادًا من لفظ الصيد، ويدل عليه أنهم لما ذكروا أن محرمات الإحرام تتبعه لم يفردوا الشجر بل أدخلوه في قسم الصيد، لكن الظاهر لفظًا ومعنى أنه لا يمتنع ذلك في جزاء الشجر؛ إذ المماثلة بين الحيوانات قريبة بخلاف الشجر مع الحيوان، ولأنها إذا أجزأت عن الشجرة الكبيرة فإجزاؤها عن الصغيرة أولى كالبعير في خمس من الإبل؛ ويدل عليه أنه إذا لزمه بقرة لأجل قلع الشجرة الكبيرة فإنه يجوز إخراج بدنة مكانها كما نقله الرافعي في موضعه عن الإمام وأقره وادعى الإمام أنه لا شك فيه.
قوله: وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فهل الفرض سبعًا فقط حتى يجوز أكل الباقي أم الكل فرض؟ فيه وجهان. انتهى.
وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها وعلى نظائرها وعلى ما وقع فيها من
стр. 2000
الاضطراب وعلى فوائد الخلاف في باب صفة الصلاة، فراجعه.
قوله: والدم المنوط بين المأمورات كالإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل؛ فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة بدراهم واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام ثلاثة أيام عن كل مد يومًا.
والثاني: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب؛ فعلى هذا يلزمه دم، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.
والثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من ترجيح الثاني قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"التذنيب" فقال فيهما: إنه أظهر الوجهين، وخالف في "المحرر" فصحح الأول وعبر بالأصح، ووقع هذا الاختلاف أيضا بين "الروضة" و"المنهاج"، وقد اتضح أن الفتوى على خلاف ما في "المحرر" و"المنهاج" اعتمادًا على رأى الأكثرين.