← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الحج والإحصار دائم فلابد من التحلل بعد عمرة. وفي القضاء طريقان: أظهرهما وهو المذكور في الكتاب طرد القولين. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على ذلك، وفيه أمران: أحدهما: أنه يقتضي إيجاب التحلل بالعمرة وإن لم يكن متمكنًا من البيت وذلك بأن يبقى محرما إلى أن يتمكن وهو في غاية البعد والجرح. والقياس جواز التحلل في هذه الحالة لأنه محصر، وستعرف من لفظه بعد هذا ما يدل عليه. الأمر الثاني: أن ظاهر هذا الكلام يقتضي تصحيح عدم القضاء؛ لأنه الأصح من القولين السابقين، لكن ذكر -أعني- الرافعي بعد هذا بقليل ما يخالف ذلك فقال: ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر وأمكنه التحلل بالطواف والسعي لزمه ذلك، وعلة القضاء والهدي الفوات. وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي وعليه مع القضاء هديان: أحدهما للفوات، والثاني للتحلل. انتهى كلامه. وتفريعه في جواز التحلل بين زوال الحصر وعدمه لابد منه كما ذكرنا من قبل. وأما إيجابه للقضاء مع دوام الإحصار إلى الفوات فمخالف بإطلاقه ظاهر ما تقدم فينبغي حمله على ما إذا صابر الإحرام غير متوقع للزوال. قوله: وإذا أحصر بعد الوقوف فتحلل ثم زال الحصر فالقديم أنه يجوز البناء على ما مضى ويحرم إحرامًا ناقصًا ويأتى ببقية الأعمال.

стр. 1997

ثم قال ما نصه: وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان فعليه القضاء. نقل الإمام فيه وجهين. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: وجب القضاء، وقيل: فيه وجهان، فزاد طريقة قاطعة وصححها وسببه إيهام قول الرافعي فعليه. ولا شك أن همزة الاستفهام هنا مقدرة، والأصل: أفعليه، ولكن حذفها جريًا على عادة الناس في تعبيرهم التعبير المتداول الذي لا ينكر، وكيف اختصره على هذا والموجود في نسخ الرافعي نقل بلا واو، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير". الأمر الثاني: أنه كيف يتأتى التردد في وجوب القضاء؛ لأن صورة المسألة فيما إذا كان الإحصار بعد الوقوف، والحصر المبيح للتحلل حينئذ لا يتأتى إلا بالنسبة إلى الطواف خاصة؛ لأن الحلق لا يختص بمكان ولا زمان والواجبات كالرمي والمبيت تنجبر بالدم فلذلك قالوا: لا يتحلل منها، ولا يأتي فيها القولان في أنه هل ينبني أم لا؟ كما قاله الرافعي في الكلام على الاستئجار للحج. وإذا علم أن المراد بالحصر هنا إنما هو عن الطواف والطواف لا آخر لوقته وإذا لم يكن لوقته آخر لم يتصور فواته، وإذا لم يتصور الفوات لا يتصور الخلاف في وجوب القضاء. فإن قيل: يتكلف ويفرض المسألة فيما إذا تعذر منه الطواف بالموت؟ قلنا: التفريع على جواز البناء؛ وحينئذ فيستأجر الورثة عنه من يقوم بهذا الذي فاته، ويبني فعله على فعله كما لو لم يكن محصرًا وأخر الطواف بلا عذر.

стр. 1998

قوله: ثم إذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف فلا قضاء عليه وبه قطع العراقيون. وحكى صاحب "التقريب" في وجوب القضاء قولين وطردهما في كل صورة أتى فيها بعد الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك. انتهى ملخصًا. وما حكاه الإمام عن "التقريب" من الاطراد المذكور حاصله جريان الخلاف فيما إذا أتى بطواف القدوم أو الرمي أو الحلق إذا جعلناه نسكا ونحو ذلك. وهذا النقل غلط على "التقريب" ليس له ذكر فيه فإنه ذكر أن المحصر عن البيت يجوز له التحلل، وفي القضاء قولان. ثم ذكر أن المحصر بعد الوقوف يجوز له التحلل. ثم قال ما نصه: ثم يكون الجواب في الإعادة على القولين اللذين ذكرناهما: أحدهما: لا إعادة عليه لأنه إنما حل بعذر الحصر. والثاني: عليه الإعادة لأنه لما وصل إلى البيت خرج عن معنى الحصر. هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولم يذكر بعده ولا قبله غير هذا. قوله: ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره. انتهى. سكت ﵀ عن عكسه؛ وهو ما إذا صد عن مكة ولم يصد عن عرفة، والحكم فيه أنه يجب عليه الوقوف ثم يتحلل. كذا نقله في "شرح المهذب" عن الماوردي ولم ينقل غيره فاعلمه فإن الإطلاقات السابقة في الباب توهم جواز التحلل قبل الوقوف.

стр. 1999

الباب [الرابع] (*) في الدماء وفيه فصلان: الفصل الأول في أبدالها قوله: وكل من لزمه شاة جاز له ذبح بدنة أو بقرة مكانها إلا في جزاء الصيد. انتهى. وفي المنع في جزاء الصيد نظر؛ فإن غايته أن يكون كإخراج الحيوان الكبير عن الصغير؛ إذ المماثلة ليست حقيقة. لا جرم أن كلامه في الأضحية ظاهر في الجواز، وقد تقدم نقله في الكلام على الصيد على ما قاله من المنع؛ ففي إلحاق جزاء الشجر به نظر. فقد يقال: يلحق به طلبًا للمماثلة أيضًا، وحينئذ فيكون مرادًا من لفظ الصيد، ويدل عليه أنهم لما ذكروا أن محرمات الإحرام تتبعه لم يفردوا الشجر بل أدخلوه في قسم الصيد، لكن الظاهر لفظًا ومعنى أنه لا يمتنع ذلك في جزاء الشجر؛ إذ المماثلة بين الحيوانات قريبة بخلاف الشجر مع الحيوان، ولأنها إذا أجزأت عن الشجرة الكبيرة فإجزاؤها عن الصغيرة أولى كالبعير في خمس من الإبل؛ ويدل عليه أنه إذا لزمه بقرة لأجل قلع الشجرة الكبيرة فإنه يجوز إخراج بدنة مكانها كما نقله الرافعي في موضعه عن الإمام وأقره وادعى الإمام أنه لا شك فيه. قوله: وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فهل الفرض سبعًا فقط حتى يجوز أكل الباقي أم الكل فرض؟ فيه وجهان. انتهى. وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها وعلى نظائرها وعلى ما وقع فيها من

стр. 2000

الاضطراب وعلى فوائد الخلاف في باب صفة الصلاة، فراجعه. قوله: والدم المنوط بين المأمورات كالإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل؛ فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة بدراهم واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام ثلاثة أيام عن كل مد يومًا. والثاني: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب؛ فعلى هذا يلزمه دم، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع. والثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره. انتهى ملخصًا. وما ذكره من ترجيح الثاني قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"التذنيب" فقال فيهما: إنه أظهر الوجهين، وخالف في "المحرر" فصحح الأول وعبر بالأصح، ووقع هذا الاختلاف أيضا بين "الروضة" و"المنهاج"، وقد اتضح أن الفتوى على خلاف ما في "المحرر" و"المنهاج" اعتمادًا على رأى الأكثرين.

стр. 2001

الفصل الثاني في مكان إراقة الدماء وزمانها قوله: وأما دم الفوات فهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان: أحدهما -وهو نصه في الإملاء أنه يجوز كدم الإفساد يراق في الحجة الفاسدة. وأصحهما أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القضاء؛ لظاهر خبر عمر. فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان: أصحهما أن الوجوب منوط بالتحريم بالقضاء كما أن دم التمتع منوط بالتحريم. ووجه التشبيه أن من فاته الحج يتحلل من نسك ويحرم بآخر كالمتمتع، إلا أن نسكى المتمتع في سنة واحدة والقضاء يقع في سنة أخرى. ولما بينهما من الشبه نقول: لو ذبح قبل التحلل عن الفائت لم يجزئه في الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل الفراغ من العمرة. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره أولًا من جعل الخلاف قولين قد ذكر مثله في "الروضة"، وجزم في المنهاج بجعله وجهين؛ فإنه عبر بالأصح، وقد صرح الشيخ في "المهذب" بذلك، وهو مقتضى كلام "التنبيه" فإنه عبر بقوله: وقيل، واصطلاحه أن ذلك للوجه.

стр. 2002

وحكى النووي في "شرح المهذب" هنا خلافا من غير ترجيح في أنه قولان أو وجهان، وصحح في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام أنه قولان. الأمر الثاني: أن ما ذكره من وجوب تأخيره إلى سنة القضاء قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط حصل من ذهول وسوء تعبير؛ فإن كلامه صريح في أن هذا الدم قد وجب بشيئين وهما الفوات والإحرام بالقضاء، وإذا وجب المال بشيئين جاز تقديمه على أحدهما، بل قد صرح في آخر كلامه الذي نقله عنه بأنه كالمتمتع؛ وحينئذ فيجوز ذبحه بعد التحلل من الحجة التي فاتت، وقيل: الإحرام بالقضاء في أصح الوجهين كما في نظيره من المتمتع، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في التعليق وإمام الحرمين في النهاية؛ فخرجا الذبح قبل سنة القضاء وبعد تحلله على الوجهين في التمتع. الأمر الثالث: أن الوجهين اللذين حكاهما في وقت الوجوب لم يبين الوجه الآخر وهر المقابل للأصح منهما، وكذلك فعل أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه النووي في "الروضة"، وكذلك في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من "شرح المهذب"، وبينه في هذا الباب من الشرح المذكور فقال: وفي وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره: أحدهما: يجب في سنة الفوات وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء. وأصحهما أن الوجوب في سنة القضاء. هذا لفظه. قوله من "زياداته": قال -يعني: صاحب "البحر"-: فإن فرق الطعام

стр. 2003

فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟ وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل تجوز الزيادة على مد والنقص منه. والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر. انتهى كلامه. واعلم أن محل هذا الخلاف إنما هو في دم التمتع ونحوه، أما الاستمتاعات كالطيب واللباس والمباشرة بشهوة والادهان والحلق والقلم؛ فإنه إذا اختار فيها الإطعام وجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع كما ذكره قبل ذلك على خلاف فيه غير هذا، وكلام النووي هنا في هذا الباب يوهم خلاف إيهاما كبيرًا؛ فإنه قد ذكر قبل هذا بأسطر أنواع الأشياء التي تجب فيها الدماء، ثم ذكر أنه إذا أطعم بدلًا من الدم وجب تخصيصه بمساكين الحرم. ثم ذكر هذا الفرع، فراجعه. قوله: والدم الواجب على المحرم يجب تخصيصه لحمه بمساكين الحرم. انتهى. والتقييد باللحم تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهي زيادة موهمة مضرة؛ فإن الجلد كذلك بلا شك. قوله: يختص ذبحه بالحرم في أصح القولين. ثم قال: وفي القديم قول أن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار. ثم قال أيضًا بعد ذلك بأسطر: وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهًا أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهًا أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق، وهما ضعيفان. انتهى كلامه. وهو يوهم أن الوجهين مغايران للقول المحكي أولًا عن القديم. وليس كذلك فإن القديم قائل بالجواز في كل ما أنشئ سببه في الحل ومن جملته

стр. 2004

الحلق فلا يكون الثاني من الوجهين مغايران للقول، وإنما يكون كذلك أن لو كان هذا القائل يقول بانتفاء ذلك عن ما عدا الحلق، وليس في كلامه ما يدل عليه بل غايته التمثيل فقط، ولا يصح أيضًا التخصيص من جهة المعنى؛ إذ لا فرق بين الحلق وبين غيره كالقلم، وقيل: الصيد، ونحوهما. قوله من "زياداته": قال القاضي الحسين في "الفتاوى": لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجب نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم كمن نذر التصدق على فقراء بلد فلم يجدهم يصبر إلى أن يجدهم ولا يجوز نقلها. ويخالف الزكاة على قول؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن القاضي من الصبر في البلد قد جزم في نظيره من الوصية أنه لا يصبر بل تبطل الوصية. ذكر ذلك قبيل المسائل الحسابية، وذكر نحوه الرافعي في الباب الثاني من قسم الصدقات وحذفه من "الروضة"، وسأذكر لفظه في موضعه فراجعه وقد رأيت المسألة -أعني: فقدان المساكين من الحرم في "فتاوى القفال" وأجاب بما ذكره القاضي الحسين من امتناع النقل ومن قياسها على النذر ومن التفرقة بينها وبين الزكاة، كما ذكره تلميذه القاضي المذكور إلا أنه تردد فيما يفعل بالمنذور بين النقلين المتقدمين فقال: فإما أن يبطل وإما أن يصبر حتى يجد القصر. هذه عبارته، وزاد فيه فائدة أخرى وهي: أنه لو نذر لأصناف فقدم

стр. 2005

بعضها جاز النقل كنظيره من الزكاة. الأمر الثاني: أن ما نقله عن القاضي صريح في حكاية قولين في نقل الزكاة عند فقدان الأصناف. وهو غلط لا ذكر له في كلام القاضي ولا في كلام غيره؛ فإن الذي في "فتاويه" بعد ذكر جوابه بعدم النقل ما نصه: قيل له على القول الذي يقول لا يجوز نقل الصدقة فإذا عدم المستحق له النقل كذا هاهنا، أجاب: ليس في الكتاب ولا في السنة أن الصدقة يجب صرفها إلى أهل ناحية بعينها؛ فلهذا جاز النقل، وهذا منصوص على أنه مصروف إلى فقراء الحرم. هذا لفظه. فعبر عنه النووي بعبارة أفسدت المعنى فاعلمه. قوله: والهدايا التي يسقها المحرم هل يختص ذبحها بوقت الأضحية؟ فيه وجهان: أظهرهما وهو ما أورده الغزالي والعراقيون أنها تختص كالأضحية. ثم قال بعد ذلك: إن سوق الهدي مستحب لكل من قصد مكة بحج أو عمرة. . . . إلى آخر ما قاله. تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران. أحدهما: أن هذا الكلام كالصريح، وأن ما يسوقه المعتمر يختص أيضًا بوقت الأضحية على الصحيح. ولا يمكن القول بذلك؛ فإنا لا نشك أنه ﵊ لما أحرم بالعمرة عام الحديبية وساق الهدي إنما قصد به ذبحه عقب تحلله وأنه لا يتركه بمكة حيًا ويرجع إلى المدينة، وقد أشار الرافعي قبل هذا بقليل إلى ما يعضد ما ذكرناه، فإنه قال في دماء الجبرانات: إن الأفضل للحاج ذبحها

стр. 2006

بمنى وللمعتمر ذبحها بالمروة. ثم قال: وكذا حكم ما يسوقانه من الهدي. الأمر الثاني: أن الهدي كما يطلق على ما يسوقه المحرم يطلق أيضًا على ما يلزمه من دماء الجبرانات. وهذا الثاني لا يختص بوقت الأضحية كما سبق في أعمال يوم النحر مبسوطًا، وسبق أيضًا هناك الرد على النووي في توهمه اختلاف كلام الرافعي، فراجعه. قوله: ويستحب أن يشعر الهدي. ثم قال: والإشعار: الإعلام. والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة وهي مستقبلة القبلة فيدميها ويلطخها بدمها ليعلم من رآها أنها هدي فلا يستجيز التعرض لها. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على إطلاق استحباب الإشعار في الصفحة اليمنى، ويستثنى من ذلك ما إذا أهدى بدنتين أو بقرتين مقرونتين في حبل واحد؛ فإنه يستحب إشعار الأخرى في الصفحة اليسرى لأنها هي التي تشاهد. كذا قاله الروياني في "البحر"، ونقله عنه في "الروضة"، ثم قال: وفيه احتمال. قوله: وإذا عطب الواجب في الطريق فعليه ذبحه، وإذا ذبحه غمس النصل الذي قلده به في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه ليعلم من يمر به أنه هدي ليأكل منه. وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه؟ قولان: أصحهما عند صاحب "التهذيب" أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه.

стр. 2007

انتهى. فيه أمور: أحدها: لم يذكر ﵀ هو ولا النووي تعليل القول الثاني وذكرا تعليل الأول مع وضوحه فنقول: إنما احتيج التفرقة وتخصيصها بمن أراد. ثانيها: أن كلام الرافعي يوهم أنه يكفي وجود الإباحة في نفس الأمر وإن لم يسمع الآكل حتى تكون فائدته دفع الضمان. وليس كذلك؛ بل القولان في أن الإباحة هل تتوقف على سماعه أم لا؟ وفي كلام الرافعي في الباب الذي بعد هذا في الكلام على المعاطاة ما يدل عليه لمن تأمله. ثالثها: أن له إباحة الأكل لا يسوغ الحمل ولا التصرف فكيف اقتصروا هنا عليه مع أن الواجب في أمثال هذا تمليك الفقراء إياه ليتصرفوا فيه بما شاؤوا؟ ! ورابعها: أن الأصح في هذه المسألة هو ما صححه البغوي كذا صححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب". قوله: ولا يجوز للمهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان: أصحهما أنه لا يجوز أيضًا لما روي أن النبي ﷺ قال فيه: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك" (١). انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن هذا الاستدلال ضعيف لا حجة فيه؛ لأنه لم يرد النهي عن أكل الرفقة مطلقًا حتى نقول: إنه يعم الأغنياء والفقراء، بل إنما ورد النهي

стр. 2008

عن أكل بعضه؛ فيحتمل أن يكون النبي ﷺ قد علم أن رفقة هذا الرجل أغنياء فنهاهم. والحاصل أنها واقعة معين لا عموم فيها. الأمر الثاني: أنه لم يبين المراد بالرفقة هنا، وفيه خلاف تعرض له في الروضة فقال: إن الأصح الذي يقتضيه ظاهر الحديث وقول الأصحاب أن المراد بالرفقة الحديث، وقول الأصحاب: أن المراد بالرفقة جميع القافلة، وحكى الروياني في "البحر" وجهًا استحسنه أنهم الذين يخالطونه في الأكل وغيره دون باقي القافلة. الأمر الثالث: حيث وقع الأكل الممتنع في هذه الحالة فهل يغرم لفقراء الموضع أم لفقراء الحرم؟ سكت عنه ﵀، وقد ذكره صاحب "التقريب" فقال: يغرم قيمته لمساكين الحرم؛ لأنه لهم بطريق الأصالة وإنما أكله فقراء الموضع لتعذر الاتصال. وقال بعضهم: القياس أن يغرمه لفقراء هذا الموضع. هذا كلامه. الأمر الرابع: أن ما جزموا به هاهنا من منع الأكل وادعى في "الروضة" أنه لا خلاف فيه يختص بما فرضوا فيه الكلام وهو ما إذا عطب، فأما إذا وصل إلى موضعه وذبحه ففي الأكل وجوه مشهورة؛ والراجح أنه يجوز في المعين ابتداء دون الواجب عما في الذمة على اضطراب فيه ستعرفه في باب الأضحية. قوله من زياداته: قلت: إذا عطب هديه المتطوع به قال صاحب "الشامل" وغيره: لا يصير مباحًا للفقراء إلا بلفظ؛ وهو أن يقول: أبحته للفقراء وللمساكين. قال: ويجوز لمن سمعه الأكل، وفي غيره قولان: قال في "الإملاء": لا يحل حتى يعلم الإذن، وقال في القديم، والأم: يحل. وهو الأظهر والله

стр. 2009

أعلم. انتهى كلامه. وهذا النقل الذي ذكره ﵀ عن صاحب "الشامل" غلط؛ فإن صاحب "الشامل" إنما ذكره في الهدي الواجب فقال: فإن كان تطوعًا فله ذبحه وأكله وإطعام الأغنياء والفقراء. هذا لفظه. ولم يذكر في التطوع غير ذلك. ثم قال: وإن كان واجبًا .. إلى أن قال ما نصه: إذا ثبت هذا فالهدي لا يصير مباحًا للفقراء إلا باللفظ وهو أن يقول: أبحته للفقراء والمساكين؛ لما روي أن النبي ﷺ نحر بدنًا له ثم قال: "ليقطع من شاء منكم"؛ فدل على أن ذلك لا يصير مباحًا إلا بالقول، وإنما لم يصر مباحًا بالنحر والإعلام؛ لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء، وهذا كما قلنا في الزكاة: ليس للفقراء أن يأخذوها إلا بإذن صاحب المال؛ كذلك هذا. إذا ثبت هذا فمن سمع الإذن جاز له أن يأخذ، وأما من لم يسمع إذنه وإباحته فهل يجوز له أن يأكل منه؟ ففيه قولان: قال في "الإملاء": لا يحل له الأكل إذا رأى هديًا مذبوحًا حتى يعلم الإذن فيه، وقال في "القديم" و"الأم": لهم الأكل. هذا كله إذا نحره. فأما إذا تركه ولم ينحره حتى هلك وجب عليه ضمانه. هذا كلام "الشامل"، وقد حكاه عنه الخوارزمي في "كافيه" على الصواب. تم الجزء الرابع بحمد الله وعونه، يتلوه في أول الخامس كتاب البيع.

стр. 2010

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي ﵀ الْمُتَوفَّى ٧٧٢ هـ اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ الْجُزْء الخَامِس مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

стр. 2011

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2012

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (٥)

стр. 2013

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٨١ - ٧٤٠ - ٨ الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - ٥٢ شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ _ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢ المملكة المغربية دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هَاتِف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

стр. 2014

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب البيع والنظر في خمسة أطراف: الطرف الأول: في صحته وفساده ، [وفيه أربعة أبواب] (١). الباب الأول في أركانه قوله: والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال. انتهى. وما ذكره ﵀ إن كان حدًا للبيع اللغوى فليس بجامع، بل الصواب أن يقول: مقابلة شيء بشيء كما قاله الماوردى، ليدخل ما ليس بمال كالكلب ونحوه. وإن كان حدًا للبيع الشرعي فيرد عليه أمور: [منها] (٢): القرض كما لو قال: خذ هذا بمثله، وكذلك الإجارة أيضًا، فإن الحد صادق عليهما وليسا ببيع ولهذا لا ينعقدان بلفظ البيع. فإن توهم [متوهم] (٣) أن المال لا يطلق على المنفعة، واستند في الجواب عن الإجارة إليه. قلنا: فيلزم أن لا يكون أيضًا جامعًا لأنه [لا] (٤) يجوز أن يجعل الثمن منفعة. وأيضًا فقد صرح هو في كتاب الوصية بدخول منفعة في المال فقال: الأموال تنقسم إلى: أعيان ومنافع. هذا لفظه.

стр. 2015

ومنها أن المقابلة المطلقة ليس فيها دلالة على المقصود أصلًا، فإنه لم يتعرض لكونها في عقد، ولا أن ذلك العقد يقتضى انتقال الملك، ثم إنه لابد أن يقول على الوجه المأذون فيه ونحو هذا. قوله: ثم أحد الأركان الصيغة وهي الإيجاب من جهة البائع بأن يقول: بعت أو اشتريت أو ملكت، وفي ملكت وجه منقول عن "الحاوى" انتهى كلامه. لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" هل الوجه في نفي الانعقاد به بالكلية أو في نفي صراحته فقط؟ وكلام الماوردى يقتضى فيه خلافًا، فإنه قسم الألفاظ إلى ما يصح به العقد، وإلى ما لا يصح به وإلى ما اختلف فيه. ثم قال: ومن المختلف فيه قول البائع قد ملكتك، فيه لأصحابنا وجهان. أحدهما: يصح العقد به لأن حقيقة البيع تمليك المبيع بالعوض، فلا فرق بين ذلك وبين قوله: بعتك. والوجه الثاني وهو الصحيح: لا يصح العقد به لعلتين. إحداهما: أن التمليك هو حكم البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك بعقبة. والثانية: أن لفظ التمليك يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض، فصار من جملة الألفاظ المحتملة. قوله: وسواء تقدم قول البائع: بعته أو قول المشترى: اشتريت، فيصح البيع في الحالتين. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة" والتمثيل لتقديم اللفظ الصادر من المشترى باشتريت يشعر بأن لفظ القبول لا يجوز تقديمه، وبه صرح الإمام فقال: والقبول في الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به كقوله: قبلت.

стр. 2016

فأما ما يتأتى فيه ذلك كقوله: ابتعت ونحوه، فذاك قائم مقام القبول. هذا كلامه. واقتصر ابن الرفعة في "الكفاية" هنا عليه. قوله: وعن ابن سريج تخريج قول للشافعى أنه يكتفي بها أي: بالمعاطاة في المحقرات وذكروا لمستند التخريج صورًا. منها لو عطب الهدى في الطريق فغمس النعل الذى قلده بها في الدم وضرب بها صفحة سنامه هل يجوز للمارين الأكل منه؟ فيه قولان: ومنها لو قال لغيره: اغسل هذا الثوب فغسله، وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة هل يستحق الأجرة؟ فيه خلاف سيأتى في موضعه. ومنها لو قال لزوجته: إن أعطيتنى ألفًا فأنت طالق، فوضعته بين يديه، ولم تتلفظ بشئ فإنه يملكه ويقع الطلاق. وفي الاستشهاد بهذه الصور نظر. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: في بيان النظر الذى أشار إليه الرافعي ﵀ فنقول: قال في "المطلب": أما جواز الأكل من الهدى فلأن الأكل مباح للضيفان بالتقديم، وأيضًا فلأنه انحصر الحال فيه في دلالة [الفعل] (١) ولا يلتحق به ما لم ينحصر الحال فيه. نعم نظير الهدى ما إذا عدم النطق، ونحن نقول بانعقاد البيع في تلك الحالة بالإشارة المفهمة قولًا واحدًا. وأما مسألة الغسال فلأن مذهب الشافعي ﵁ أنه لا يستحق شيئًا، والذهاب إلى الاستحقاق ليس قولًا حتى يخرج منه إلى هنا قول بل هو وجه لبعض الأصحاب.

стр. 2017

وأما مسألة الإعطاء فإن الملك فيه لم يستند إلى مجرد الوضع، بل إلى اللفظ السابق. وأجاب في "المطلب" عن النظر المذكور في الأخيرة بأن اللفظ وإن كان موجودًا من جانب الزوج فليس من جانب المرأة والحالة هذه لفظ أصلًا، ونحن إذا اعتبرنا اللفظ اعتبرناه من الجانبين. قال: وبهذا يظهر أن التخريج منها أظهر من الصورتين الأخيرتين، ووقع في بعض نسخ الرافعي هنا مخالفة للنسخة التى نقلت منها بالنسبة إلى عود النظر إلى جميع الصور أم إلى بعضها؟ واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على الاستناد في التخريج إلى مسألة الغسال. الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا للتخريج صورة رابعة، وهي أظهر مما ذكره الرافعي، وهي ما إذا قلّد هديه، هل يصير منذورًا بمجرد التقليد؟ فيه قولان، وقد ذكر النووي في "الروضة" هذه الصورة، واقتصر عليها فأدخلها في كلام الرافعي فافهمه، وتفطن له. وقال بعضهم: لعله خرجه من كل ما أخذ الشافعي فيه بالعرف كحمل الهدية والإذن في دخول الدار وغيرهما، وهو تخريج متجه أيضًا. قوله: المسألة الثانية: ولو قال: بعني، فقال البائع: بعتك. نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت أو قبلت. انعقد لا محالة، وإلا فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هاهنا، وقولان في رواية آخرين. وكذلك أورده في النكاح ثم قال: وعن أحمد روايتان كالقولين. انتهى كلامه. والصحيح عند الرافعي أن الخلاف وجهان. كذا صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: فوجهان ويقال: قولان. انتهى. ولم يصرح في "المحرر" بشيء، بل عبر بالأصح، وليس له في التعبير به

стр. 2018

اصطلاح. واختلف كلام النووي في ذلك فصحح في "شرح المهذب" و"الروضة" أنه وجهان، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي مع أن الرافعي لم يصرح بشئ، بل أول كلامه، وآخره يشعر برجحان أنهما قولان وجزم في "المنهاج" بأن الخلاف قولان وهو الصواب فإن الغزالى في كتاب النكاح من "الوسيط" نقلهما قولين منصوصين فقال: ونص في البيع على قولين. هذا لفظه. واعلم أن الغزالى هاهنا في "البسيط" قد حكى الخلاف قولين. وأما حكايته وجهين فهو في "الوسيط" و"الوجيز" خاصة فاعلمه، فإن كلام الرافعي يوهم خلافه. قوله: ولو قال: سلطتك عليه بألف فهل هو من الكنايات أم لا؟ اختلفوا فيه. انتهى. والأصح أنه كناية. كذا صححه النووي في "الزيادات" قوله: فإن قلنا: ينعقد بالكتب فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان. انتهى كلامه. لم يبين الوجه المقابل للأصح، وقد بينه في الباب الثاني من كتاب الطلاق، فإنه رجح أيضًا هناك انعقاد البيع بالكتابة وأنه يشترط أيضًا القبول لورود الكتاب ثم قال ما نصه: وفي وجه لا يشترط ذلك، ويراعى التواصل اللائق بين المتكاتبين، وقد أشرنا إلى ذلك كله في أوائل البيع. هذا لفظه. واستفدنا منه أن ذلك الوجه هو الذى أشار إليه هنا، وقد ذكر الرافعي في النكاح أنا إذا صححنا انعقاده بالمكاتبة فيكفي وقوع القبول في مجلس الخبر وسأذكره في موضعه إن شاء الله تعالى لكلام فيه ينبغي الوقوف عليه.

стр. 2019

وإذا قيل بذلك في النكاح لزم القول به في البيع بطريق الأولى، وحينئذ فيصح أن تكون الإشارة إلى هذين الوجهين. قوله: وفي مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالمكاتبة أنه لو قال: بعت دارى من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قبلت ينعقد لأن النطق أقوى من الكتابة وقال أبو حنيفة: لا ينعقد. انتهى كلامه. والذى تلخص أي: من كلامه وكلام النووي أن الراجح في هذه المسألة هو المنع، وسأذكر ذلك في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة فاعلمه. قوله: نعم. لو قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولًا بذلك وأخبره به فقبل انعقد كما لو كاتبه. انتهى كلامه. وهذه المسألة قد أسقطها النووي من "الروضة". قوله: وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاد البيع المقيد بالإشهاد بالكتابة إذا [توفرت] (١) قرائن الأحوال وأفادت التفاهم. انتهى. وما نقله عن الغزالى وأقره عليه ذكر مثله أيضًا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وأنكره ابن الرفعة في "المطلب" فقال: إنه مخالف لكلام الأئمة. قوله من "زياداته": قال الغزالى في "فتاويه": لو قال: باعك الله أو أقالك الله فهو كناية. انتهى ملخصًا. هذه المسألة ذكر الرافعي نظيرها في الكلام على كنايات الطلاق، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح فقال: فيما إذا أسند الطلاق إلى الله تعالى، أو أسند العتق أو الإبراء فقال مثلًا: أبرأك الله أنه صريح عند العبادي، وكناية عند البوشنجي، وهذه المسألة مثلها.

стр. 2020

قوله: وكلام الغزالي يقتضى اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه أو بالعكس، وفيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع، انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح أيضًا في "الشرح الصغير" بتصحيح. والأصح: أنه لابد منهما ففي "المحرر" و"المنهاج" اشتراط الصيغتين من غير تفصيل. وصرح بتصحيحه أيضا في "شرح المهذب" وهو المذكور في "الحاوى الصغير" وذكر الماوردي في باب الحجر وجهًا ثالثًا أنه لا حاجة إلى لفظ بالكلية، بل ينعقد بالرضى، وهو قوي. الأمر الثاني: أن هذا الخلاف له شرط نقله الرافعي في باب الهبة عن الإمام وأقره عليه فقال بعد حكاية هذين الوجهين: قال الإمام: وموضع الوجهين في القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل كقوله: اشتريت لطفلى أو اتهبت له أما إذا قال: قبلت البيع والهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه بحال. قوله في أصل "الروضة" في الوجهين المتقدمين وسيأتيان إن شاء الله تعالى بفروعهما في باب الخيار. انتهى. وهذا الذى قاله من ذكرهما في باب الخيار ليس كذلك، نعم ذكر تفاريع وجه الصحة من غير تعرض إلى خلاف فيه، ولعل السبب في قول النووي ذلك أن الرافعي قال فيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع فرأى النووي تفريع الصحة في باب الخيار فظن أن الرافعي ذكرهما أيضًا: نعم ذكرهما الرافعي في باب الحجر. قوله: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ولا يتخللهما كلام أجنبى .. إلى آخره. اعلم أن الحكم بالبطلان عند تخلل الكلام الأجنبى فيه كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في النكاح.

стр. 2021

قوله في "الروضة": ولو مات المشترى بين الإيجاب والقبول ووارثه حاضر فقبل فالأصح المنع، وقال الداركى: يصح. انتهى كلامه. وتعبيره هنا بالأصح يقتضى قوة الخلاف، وليس كذلك فقد قال الماوردى والمحاملي: إن الداركى خالف فيه الإجماع. وقال في "شرح المهذب" ما نصه: وبالبطلان قطع الأصحاب في كل الطرق، وحكى الرويانى وجهًا أنه يصح قبول الوارث، وهذا شاذ باطل. هذا لفظه، وهو في غاية التباين. قوله: ويشترط موافقة القبول للإيجاب، ثم قال: ولو قال بعتك هذا بألف فقال: قبلت نصفه بخمس مائة ونصفه بخمس مائة قال في "التتمة": يصح العقد لأنه تصريح بمقتضى الإطلاق، ولك أن تقول إشكالًا سيأتى القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة. وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بيعة واحدة والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع. انتهى كلامه. ذكر نحوه في "الروضة" وينبغى أن يتفطن إلى أن الرافعي قد ساق مقالة صاحب "التتمة" مساق الأوجه الضعيفة، لأنه نقله عنه بعد أن قرر اشتراط مطابقة القبول للإيجاب في المعنى، وهو منتف هاهنا، لكن في "شرح المهذب" أن الظاهر الصحة، وقد علمت مدرك هذا الوجه ومدرك مقابله. وهذه المسألة لها أصل يستند إليه ذكره الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الموانع قبل الفصل الرابع المعقود للكفر فقال فيما إذا جمع بين حرة وأمة في عقد واحد إن نكاح الأمة يبطل، ويصح نكاح الحرة على الصحيح. وموضع الخلاف فيما إذا قال: زوجتك هذه وهذه بكذا، فقال: قبلت نكاحهما.

стр. 2022

فأما إذا قال: زوجتك بنتى هذه، وزوجتك بأمتى هذه فقال: قبلت نكاح بنتك، وقبلت نكاح أمتك، فنكاح البنت صحيح بلا خلاف. ثم قال: ولو فصل المزوج وقال الزوج: قبلت نكاحهما، أو جمع المزوج وفصل الزوج فهو كما لو فصلا جميعًا، أو كما لو جمعا جميعًا؟ وجهان أصحهما الأول. انتهى. قوله: وفي "فتاوى القفال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم فقال: اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع، وهو غريب. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن هذا النقل عن القفال إنما ساقه الرافعي أيضًا مساق الأوجه الضعيفة فاعلم ذلك، وقد صرح بمسألة القفال في الباب الثاني من أبواب الوكالة قبيل الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين، وجزم بالبطلان وكذا جزم به أيضًا في كتاب الخلع في الكلام على جعله طلاقًا، وجزم به الإمام والقاضي الحسين كان في كتاب الخلع والماوردى هنا، والهروى في "الإشراف" ولم يقف النووي هنا على شئ من هذه النقول، ولم يتفطن لكونه سيق مساق الأوجه الضعيفة، ورأى أن المتوجه هو البطلان، فأجاب به تفقهًا، أعنى في "شرح المهذب" فقال: الظاهر فساد العقد، وإذا قلنا بالصحة صح بالألف فقط ولغى ذكر الخمسمائة كما أشار إليه الإمام. ولو ابتدأ المشترى فأجاب البائع بأنقص أو ضم معه عينًا أخرى فهو نظير المسألة، وقد ذكرهما الرافعي في الطريق الثاني من الباب الرابع من كتاب الخلع، وصحح البطلان. وقيل: يصح بما أجاب به البائع منهما، وقيل فيما إذا ضم عينًا أخرى أنه يصح ولكن في المسئول. الأمر الثاني: أن هذا النقل الذى نقله الرافعي عن "فتاوى القفال" وتبعه

стр. 2023

عليه النووي في "الروضة" وغيرها غلط، ففي "فتاوى القفال" التصريح بعكسه فقال: مسألة إذا قال بعتك هذا الثوب بألف درهم مؤجلة إلى شهر بشرط خيار الثلاث، فقبل أن يفرع هو قال المشترى اشتريت، فإن ذلك لا يجوز ما لم يتم أخر حرف من كلامه، وعلى هذا لو قال: زوجتك ابنتى بألف مؤجلة إلى شهر. فقبل قبل أن يفرع هو من آخر حرف من هذا الكلام قال: قبلت فإن ذلك لا يصح ولا ينعقد النكاح لأنه من باب الإيجاب والاستيجاب كالبيع، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا بألف، فقال: اشتريته بألف وخمسمائة، لا ينعقد البيع أما إذا وكل وقال بع هذا بألف فباع بألف وخمسمائة جاز، ولو وكله أن يزوج ابنته بألف فروج بخمس مائة، فإن النكاح لا ينعقد. كذا قال الشيخ ﵀ بخلاف ما لو قال: للولى: زوجنى من فلان بألف، فزوج بخمسمائة فإن النكاح ينعقد، ولها مهر المثل. هذا كلام القفال في "الفتاوى" بحروفه ومن نسخة معتمدة كانت لابن الصلاح وعليها خطه نقلت. ذكر ذلك بعد نحو ستة أوراق من أول الكتاب من "الفتاوى" التى ليست مرتبة. نعم ذكر أعنى: القفال بعد هذا بدون الورقتين كلاما يوهم خلافه، فقال: مسألة إذا قال: بعنى هذا بألف درهم. فقال: بعتك بخمس مائة، صح ولا يحتاج أن يقول: قبلت، وكذا لو قال: بعتك بألف. فقال: اشتريت بألف وخمسمائة، جاز إن وجد البيع مرة أخرى. هذه عبارته. فلم يقتصر على الحكم بالجواز. بل جعل الجائز وجدان المبيع مرة غير

стр. 2024

هذه، وأشار بذلك إلى اشتراط القبول بعده، فلم يقف الرافعي على المسألة السابقة ووقف على هذه ذاهلًا عن اللفظ المذكور في آخرها وهو عجيب. نعم استغراب الرافعي له يدل على عظم قدره. قوله: في "أصل الروضة": فرع: لو قال: بعتك بألف. فقال: قبلت، صح قطعًا بخلاف النكاح فإنه يشترط فيه على رأى أن يقول: قبلت نكاحها احتياطًا للأبضاع. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف قد ذكره أيضًا في "شرح المهذب" بعبارة هى أصرح من هذه فقال: يصح البيع بلا خلاف. هذا لفظه، وليس كما ذكره من نفي الخلاف، وقد أعادها الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة، وحكى عن الحناطى أنه نقل فيها وجهين، وذكره أيضا النووي في "الروضة" ولم يصرح الرافعي هنا بدعوى القطع. الثاني: أن هذا الكلام ليس فيه تصريح بأن (قبلت) وحدها من الصرائح أو الكنايات؟ وقد ذكر الرافعي في كتاب النكاح ما يدل على أنها كناية، فقال فيما إذا قال: قبلت ولم يقل: "تزويجها" ولا "نكاحها" ما نصه: وأصح الطرق أن المسألة على قولين: أحدهما: الصحة، لأن القبول ينصرف إلى ما أوجبه فكان كالمعاد لفظا. وأظهرهما: المنع، لأن لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظى الإنكاح والتزويج والنكاح لا ينعقد بالكنايات. هذا لفظه، وهو صريح في أن للتقدير الواقع بعد (قبلت) ألحقه هناك بالكنايات فيكون أيضًا كناية هنا وهو المدعى. فإن قيل: بل هو صريح للتقدير.

стр. 2025

قلنا: المقدر إن كان كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) هنا صريحًا كقبلت البيع فيكون المقدر في النكاح أيضا كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) صريحًا كقبلت النكاح، وحينئذ فينعقد النكاح به، وإن لم يكن المقدر كالملفوظ به، بل تكون (قبلت) وحدها ملحقًا بالكنايات حتى لا ينعقد بها النكاح، فيلزم أن تكون (قبلت) وحدها في البيع كناية فالقول به في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه، بل هى مسألة واحدة أخذت طرفًا من اللغة وطرفًا من العقل. قوله: ويعتبر في المتعاقدين التكليف .. إلى آخره. أهمل من شروطهما شرطًا آخر، وهو الاختيار فإن بيع المكره بغير حق لا يصح، وقد استدركه في "الروضة" وأهمل أيضا عدم الحجر للاحتراز عن السفيه ونحوه، وعبر في "المنهاج": بالرشيد، وهو تعبير فاسد كما نبهت عليه في شرحى له. قوله: من "زياداته": ولا يصح بيع السكران ولا شراؤه على المذهب، وإن كان غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول، وسنوضحه في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن سلب التكليف عن السكران قد تكرر منه في غير موضع وهو كلام ساقط فإن الصحيح عند الفقهاء أن السكران كالصاحى في تصرفاته سواء كانت تنفعه كقبول الهدية والوصية وغيرهما، أو تضره كالطلاق وكذلك موجبات الحدود ونحوها، وهذا هو معنى التكليف، غير أن الأصوليين صححوا أنه ليس مكلفًا حتى أنه يعامل معاملة غير المكلفين في إبطال أثر هذه الأشياء كلها سواء كانت له أو عليه، فخلط النووي طريقة

стр. 2026

الفقهاء بطريقة الأصوليين، فإنه نفي التكليف عن السكران ومع ذلك حكم بصحة تصرفاته وهما طريقان لا يمكن الجمع بينهما. وليت شعري ما الذي فهمه من معنى التكليف حتى أنه نفاه عن السكران مع القول بتنفيذ تصرفاته سواء كانت له أو عليه ومؤاخذته بما صدر منه حتى تقام عليه الحدود والتعازير وتوجب عليه الكفارات، ويحكم بالطلاق والعتاق إلى غير ذلك، نعم إبطال الصلاة ونحوها كفقدان النية وهو واضح. الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أنه مكلف على عكس ما قاله النووي، كذا نقله عنه الرويانى في كتاب الصلاة، ورأيته أيضًا منصوصًا عليه في "الأم" في باب طلاق السكران فقال ما نصه: فإن قال قائل فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله قيل المريض مأجور ويكفر عنه بالمرض مرفوع عنه القلم إنها ذهب عقله، وهذا آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب. انتهى كلامه. واعلم أن هذا النص يدل على فائدة حسنة فلنذكرها وإن كانت أجنبية عما نحن فيه ثم نعود إلى ما نحن فيه، فنقول: اعلم أن الشيخ عز الدين قد ذكر في "القواعد الكبرى" أن المصائب ليس فيها بنفسها أجر. فقال: وظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب بمباشرة أو تسبب قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) والمصائب ليست منها، بل إن صبر فله أجر الصابرين، وإن رضى فله أجر الراضيين. هذا كلامه، والنص المتقدم عن الشافعي يرد عليه فإنه حكم بأجره مع زوال عقله، ومن المعلوم انتفاء الصبر والرضى في تلك الحالة. الأمر الثالث: أن ما ادعاه من إيضاحه في كتاب الطلاق ليس الأمر فيه

стр. 2027

كذلك، بل ذكره هناك بعبارة تدل على أنه أضعف إيرادًا وأكثر فسادًا وسنذكره هناك فراجعه. قوله: ولو فتح الصبى بابًا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول أو أوصل هدية وأخبر عن إهداء مهديها نظر إن انضمت إليه قرائن تفيد العلم جاز الاعتماد، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بقوله، وإن لم تنضم فإن كان عارمًا غير مأمون لم يعتمد، وإلا فطريقان: أصحهما القطع بالقبول. والثانى على وجهين في قبول روايته. انتهى ملخصا. اعلم أن النووي ﵀ قد ذكر المسألة في باب الوكالة واقتصر فيها على طريقة الوجهين وهي الطريقة التى ضعفها في هذا الباب وذكرها أيضًا من زوائده في باب الهبة، وقال: إنه يعتمد على قوله بالاتفاق فاختلف كلامه فيها من ثلاثة أوجه. والعارم بالعين والراء المهملتين قال الجوهرى: وصبي عارم من العرام بالضم في شرس يعنى سيء الخلق كثير الخلاف، وقد عرم يعرم ويعرم أى بالضم والفتح عرامة بالفتح أيضًا. قوله: لكن لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا ففي صحته قولان: أصحهما: أنه لا يصح. ولو اشترى مصحفًا أو شيئًا من أخبار الرسول ﷺ ففيه طريقان: أحدهما: طرد القولين. وأظهرهما: القطع بالبطلان. والفرق أن العبد يمكنه الاستتابة، دفع الذل عن نفسه. . . . إلى آخره. انتهى. فيه [أمران] (١):

стр. 2028

[أحدهما] (١): ذكر النووي أن الخلاف في بيع العبد والمصحف و [كتب الفقه] (٢) إنما هو في صحة العقد. وأما التحريم فلا خلاف في ثبوته، كذا نبه عليه النووي في "الزيادات" و"شرح المهذب". وما قاله مردود، ففي "الإيضاح" للصيمرى بالنسبة إلى كتب الفقه ما يخالفه فقال: وأما إذا اشتروا كتب الفقه والطب والنحو، فلا حرج عليهم. وزعم بعض أصحابنا أن النصرانى إذا ابتاع كتاب المزنى كان كمن ابتاع مصحفًا، والصحيح خلافه. الأمر الثاني: أن ما صححه من طريقة القطع في المصحف وما بعده قد تابعه عليه في "الروضة". ثم إنه جزم في "المنهاج" من زياداته بطريقة القولين وكذلك في باب الأحداث من "شرح المهذب"، ولم يصحح هنا شيئًا من الطريقين. قوله: وامتنع الماوردى في "الحاوى" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة. انتهى كلامه. والذى نقله "الحاوى" وتابعه عليه في "الروضة" هو مذكور فيه في هذا الباب، لكنه في كتاب عقد الذمة [فقال] (٣): فصل في كتب الحديث فقال: إن كان المذكور فيها سيرته وصفته فالأمر كذلك أي: من الجواز قطعًا وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه ففي البيع وجهان. قوله في أصل "الروضة": فرع. يجوز أن يستأجر الكافر مسلمًا على عمل في الذمة، ويجوز أن يستأجر عينه على الأصح، حرًا كان أو عبدًا.

стр. 2029

فعلى هذا هل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره مسلمًا؟ وجهان، قطع الشيخ أبو حامد بأنه يؤمر. انتهى كلامه. فيه أمرأن: أحدهما: أن حكاية الخلاف في جواز الإجارة لم يصرح به الرافعي، وإنما حكى الخلاف في الصحة، ولا يلزم من الصحة الجواز، وقد نقدم في الشراء ما يوضحه أيضًا. الأمر الثاني: أن الصحيح من الوجهين الأخيرين أنا نأمره بالإزالة، كذا صححه النووي في "شرح المهذب". وللماوردي في المسألتين تفصيل حسن ذكره في باب الحكم بين المهاديين فقال: والصحيح عندى أن الإجارة إن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه وراثة كالخياطة صحت وإن كانت كالخرمة فلا. فإن صححنا الإجارة فإن كان مما يعمله الأجير في يد نفسه أخذ بعمله، وإن كان في يد المستأجر وناشئًا عن أمره أمرناه بإجارته. وقال في باب كراء الإبل: إنه إذا لم ينقلها الكافر من نفسه إلى مسلم، وإلا فسخها الحاكم عليه. قوله من زياداته: وإذا صححنا إجارة عينه فهى مكروهة. نص عليه الشافعي. انتهى. وما نقله عن الشافعي من كراهته، ولم يحك فيه خلافًا يشكل على الرهن، فإنا إذا صححنا رهن المسلم والمصحف من الكافر ففي تحريمه وجهان ذكرهما النووي في "الروضة" من "زياداته" واقتضى كلامه أن التحريم أرجح لكون القائلين به أكثر. وأيضًا فقد جزم بتحريم شراء المسلم وغيره كما تقدم على القول

стр. 2030

بالصحة. ولهذا قال الصميرى في "الإيضاح" في باب تبديل أهل الذمة: إنهم حملوا الكراهة في كلام الشافعي هنا على التحريم. قوله: ولا خلاف في جواز إعارته منه. انتهى. وليس الأمر كما قال من نفى الخلاف، فقد جزم الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" بالتحريم، وكذلك الجرجاني، وقد استدرك النووي في "الروضة" عليه ذلك. واعلم أن ما سبق من أنه إذا استأجره مسلمًا وصححنا الإجارة يجبر على نقلها لغيره بأن يؤجرها كما قاله في "الروضة" بشكل يجوز إعارته ليخدمه، واستعماله فيها، فإنه إذا جاز بلا عوض فبالعوض أولى لأنه حينئذ يكون عاملًا لنفسه. ومعنى الإمتهان موجود في الصورتين. والفرق من جهة المعنى غير واضح. قوله: وإذا باع الكافر عبدًا مسلما بثوب فوجد بالثوب عيبًا رده، وهل له استرداد العبد؟ فيه وجهان: أظهرهما على ما ذكره صاحب "الكتاب" أن له ذلك. انتهى ملخصًا. وما رجحه الغزالى هو الراجح؛ فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين. والنووي في "الروضة" و"شرح المهذب": إنه الصحيح. قوله: ولو وكل المسلم كافرًا ليشترى له عبدًا مسلمًا فإن سمى الموكل في الشراء صح وإلا [فإن قلنا يقع الملك للوكيل أولًا لم يصح] (١).

стр. 2031

قإن قلنا: يقع للموكل صح. انتهى. وهذا الذى ذكره من الجواز عند تسميته [إذا قلنا بالمذهب أنه يقع] (١) للموكل ابتداء، فذكر قبل كتاب الصداق في نظيره نقلًا عن البغوى ما يخالفه، فإنه جزم بأنه لا يجوز أن يوكل المسلم كافرًا في قبول نكاح المسلمة، وتبعه في "الروضة" عليه، ونقله في "الروضة" إلى الباب الرابع في بيان الأولياء، وزاد على ذلك فذكره أيضا من "زوائده" في أوائل الوكالة جازمًا به، وستعرف الموضعين في بابيهما. ولا شك أن البضع لا يقع للوكيل بلا خلاف فأقل مراتبه أن يكون نظير ما إذا صرح بالسفارة، أو قلنا: لا ينتقل. وكونه نكاحًا لا أثر له لاسيما وصحة الشراء من الوكيل شرطها توجه الخطاب إليه بأن يقول: بعتك. حتى لو قال: بعت موكلك لم يصح. وأما التزويج فشرط صحته من الوكيل صرفه عنه بأن يقول: زوجت موكلك، فإن قال: زوجتك لم يصح. لا جرم أن الإمام قال في كتاب الخلع: إنه يجوز توكيل الكافر في إيجاب مسلمة على المذهب الظاهر. ويؤخذ من تجويز الإمام ذلك تجويزه في القبول بطريق الأولى. وذكر الإمام أيضًا في كتاب الوصية عند الكلام في الوصية يزوجه وارثه لأجنبى ما حاصله: أنه إذا اشترى زوجته بطريق الوكالة لغيره وقلنا: إن الملك ينتقل للوكيل ثم الموكل لا ينفسخ النكاح. قوله في أصل "الروضة": فرع. لو اشترى كافر مرتدًا فوجهان لبقاء علقة الاسلام كالوجهين في قتل المرتد بالذمى. انتهى كلامه.

стр. 2032

فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من الوجهين في الشراء هو عدم الصحة. كذا صححه هو في "شرح المهذب" وعبر بالأصح فاعلمه. وهذا الكلام مذكور هنا قد ذكره الرافعي أيضا، وهو يشعر بصحة البيع لأن الصحيح في المسألة المشبهة بها هو وجوب القصاص. الأمر الثاني: أن الخلاف في إيجاب القصاص ليس هو وجهين كما قاله هنا، بل هو قولان كما جزم به هو والرافعي في كتاب الجنايات. وهذا الاعتراض لا يتوجه على الرافعي لأنه لم يصرح بقولين ولا وجهين، بل عبر بلفظ الخلاف فغيره النووي إلى ما تراه. قوله: إذا كان في ملك الكافر عبد فأسلم لم يزل ملكه عنه، ولكن لا يقر في يده، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه. ثم قال: ولا تكفي الحيلولة. نعم [لا تكفي] (١) الكتابة في أظهر الوجهين. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد جعل الخلاف وجهين أيضًا، ثم خالف في "شرح المهذب" فقال: وفي الكتابة قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما، وحكاهما إمام الحرمين والغزالي وجماعة وجهين: أصحهما باتفاقهم الاكتفاء بها. هذا لفظه. والصواب أنهما قولان فقد نص عليهما الشافعي في "الأم" في كتابة النصراني فقال: ولو أن نصرانيًا ابتاع عبدًا مسلمًا، أو كان له عبد نصراني

стр. 2033

فأسلم ثم كاتبه بعد إسلام العبد على دنانير أو دراهم أو شيء تحل كتابة المسلمين عليه أو لا تحل ففيها قولان. أحدهما: أن الكتابة باطلة لأنها ليست بإخراج له عن ملكه. ثم قال: والقول الثاني أن النصرانى إذا كاتب عبده المسلم بشئ يحل فالكتابة جائزة، فإن عجز بيع عليه، وكذا إذا اختار التعجيز بيع عليه. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته. فثبت أن الخلاف في الاكتفاء قولان منصوصان، ومراد الشافعي هنا في القول الثاني بالجائز هو الاكتفاء به بدليل قوله: فإن عجز بيع عليه. الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن الحيلولة لا تكفي، وأنه لابد من إزالة الملك يستثنى منه ما إذا كان قد دبره قبل إسلامه، فإنه لا يكلف إزالة ملكه عنه في أصح القولين، بل تكفي الحيلولة لما فيه من مصلحة العتق. هكذا ذكره [الرافعي في التدبير حكمًا وتعليلًا. فأما إذا وقع التدبير] (١) بعد الإسلام ففي الاكتفاء به وجهان نقلهما الإمام في باب المهادنة عن صاحب "التقريب"، ونقلها أيضًا في "الذخائر"، وجزم الرافعي في الشرحين بأنها لا تكفي. وذكر ذلك في باب الكتابة، استدل به للقائل بأن الكتابة لا تكفي في إبقاء المسلم على ملك الكافر فقال: الكتابة لا تزيل الملك فصار كما لو دبره أو علق عتقه بصفة. وقد ذكر المسألتين في "المحرر" فقال: ولو كان للكافر عبد مسلم فدبره ينقض تدبيره، ويباع عليه، وإن دبر عبده الكافر ثم أسلم العبد ولم يرجع السيد عن التدبير فينقص التدبير ويباع أو ينزع من يده، ويصرف كسبه إلى سيده؟ فيه قولان: أحسنهما الثاني. هذا لفظه. وتبعه النووي عليه في "المنهاج". والنقض الذى ذكره في "المحرر" هل معناه إبطاله بعد الحكم بصحته حتى لو مات السيد قبل إبطاله عتق العبد، أو معناه الحكم ببطلانه من أصله

стр. 2034

وعلى الأول فهل يتوقف ذلك على لفظ أم لا؟ فيه نظر. وحكى الإمام في باب المهادنة في تعليق العتق طريقين: أحدهما: أنه كالتدبير. والثاني: لا يكفي قطعًا. وحكاهما أيضًا في "الذخائر". قوله في أصل "الروضة": ولو أسلمت مستولدة كافر فلا سبيل إلى نقلها إلى غيره بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب. وهل يجبر على إعتاقها؟ وجهان. الصحيح: لا يجبر، بل يحال بينهما، وينفق عليها وتستكسب له في يد مسلم. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن تعبيره بالمذهب يقتضى أن في المسألة طريقين، فإن هذا هو اصطلاحه مع أن الرافعي لم يحكمها، ولم يصرح أيضًا بهما غيره، فاعلمه. فإن تعبير النووي في غير هذا الموضع قد يوهم ذلك، والسبب في تعبير المصنف بهذا أن الرافعي عبر بالمذهب، ولا اصطلاح له فيه، فتبعه عليه المصنف ذاهلًا عن اصطلاحه. الأمر الثاني: أن هذا الكلام صريح في -استكسابها- في يد رجل، فإنه عبر بقوله: (مسلم) وهذا سهو. وقد ذكره في كتاب أمهات الأولاد على الصواب فقال: تجعل عند امرأة ثقة. هذا لفظه.

стр. 2035

والرافعي سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر هنا بقوله: وتسكتسب له في يد غيره. هذا لفظه فغيره النووي إلى ما تراه. الثالث: أن الشيخ في "التنبيه" قد عبر في كتاب النفقات عن هذين الوجهين باحتمالين، وجعل محلهما عند تعذر استكساب الأمة. وصرح به أيضًا النووي في "تصحيحه" على خلاف المذكور هنا من إجراء الخلاف مطلقًا، إلا أن الشيخ لم يصور المسألة بمن أسلمت عند كافر بل فيما إذا عجز السيد عن الإنفاق عليها أي: على أم الولد، ولا فرق بين التصويرين في هذا المعنى. قوله من "زياداته": قال المحاملي في "اللباب": لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء إلا في ست مسائل: إحداها: بالإرث. الثانية: يسترجعه بإفلاس المشتري. الثالثة: يرجع في هبته لولده. الرابعة: إذا رد عليه بعيب. الخامسة: إذا قال المسلم أعتق عبدك عني فأعتقه وصححناه. السادسة: إذا كاتب عبده الكافر وأسلم العبد ثم عجز عن النجوم فله تعجيزه. وهذه السادسة فيها تساهل، فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز، وترك السابعة وهي ما إذا اشترى من يعتق عليه والله أعلم. انتهى كلام النووي. ووافقه عليه ابن الرفعة في "المطلب" وغيره، والعجب منهما في هذا الكلام فقد تركا مع هذه المسألة السابعة التى اعتقدا أن لا ثامن لها مسائل كثيرة تزيد على ثلاثين مسألة: إحداها: وهي في أبواب البيع: أن يرجع إليه بتلف معاملة قبل
следующие страницы →