الزوج كان ميتًا عند التزويج فعلى القديم لا إشكال، وأما على الجديد فإنه يخرج على القولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حى فبان ميتًا.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في باب الربا ما يخالفه فقال: ولا يجوز بيع الربوى بجنسه جزافًا ولا بالتخمين والتحرى، فلو باع صبرة بصبرة وخرجتا متماثلتين لم يصح، لأن التساوى شرط، وشرط صحة العقد تعيين العلم به عند العقد.
ولهذا لو نكح امرأة لا يعلم أهى أجنبية أم معتدة أم لا؟ لم يصح النكاح. انتهى.
وقريب منه ما إذا عقد شهادة خنثيين، ثم تبين أنهما رجلان. الأصح فيه الصحة. كذا قاله النووي من زياداته في النكاح، قال: بخلاف نظيره من الصلاة لأن النية شرط فيها، وهى مترددة بخلاف الشهادة، لكن يشكل على هذا ما جزم به الرافعي في كتاب القضاء قبيل الطرف الثاني، ووافقه عليه النووي أن الإمام لو ولى رجلًا للقضاء وهو لا يعرف حاله لم تصح توليته، وإن ظهر كونه بالصفة المشروطة.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة الثانية بقوله: إن مات أى لا يستقيم لأن هذا تعليق على مستقبل وإن كان لفظه ماضيًا، والتعليق على المستقبل لا يصح بالاتفاق كما لو قال: إن قدم زيد أو طلعت الشمس فقد بعتك، فالصواب تصوير هذه المسألة بقوله: إن كان أَبى قد مات، وقد صورها الإمام في كتاب النكاح بذلك.
الأمر الثالث: أن الصحيح في هذه المسألة، وهى ما إذا صرح بالتعليق أنه لا يصح. كذا صرح به في "الروضة" في كتاب النكاح فقال: لم يصح النكاح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: وجهان.
هذا لفظه في هذه المسألة، وفي نظائرها، وهو مخالف لما جزم به في
стр. 2067
"الروضة" هنا تبعًا للرافعى من طريقة الوجهين.
الأمر الرابع: إنه إذا أذن له في الشراء بشئ معين ثم اختلفا، وجعلنا الجارية للوكيل ظاهرًا وهو يزعم أنها للموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشريها بعشرين مثلًا فقد بعتك إياها بعشرين فيقبل الوكيل.
وحينئذ فيصح البيع على الصحيح كما قاله الرافعي، وعلله صاحب "الشامل" بأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل إن اتفقا على أن الشئ المذكور ملك لأحدهما فيقول: إن كان ملكى فقد بعتكه فيصح.
وكذا لو شرط علم وجوده لأنه لا يؤدى إلى وقوف البيع. هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فتكون صورة المسألة هنا أيضًا، وفي جميع نظائرها فيما إذا لم يعلما موت الأب وغيره من الشروط المعلق عليها، فإن علما صح.
قوله: وذكر الإمام أن الصحة على قول الوقف بأجرة، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة. انتهى.
وسيأتى أن الوصية للوارث إذا صححناها موقوفة على الإجازة فهل تكون إجازته تنفيذًا أو ابتداء عطية؟ فيه خلاف، والقياس أن يأتي ذلك بتفاريعه هناك فراجعه.
وما نقله عن الإمام وأقره هو والنووي عليه هو معنى ما في "المحرر"، فإنه جزم بأنه ينعقد موقوفًا ولا معنى للانعقاد إلا الصحة.
نعم كلام الرافعي في العدد يفهم أن الانعقاد موقوف.
قوله: عن الإمام إن الوقف يطرد في كل عقد يقبل الإستنابة كالبياعات والإجارات والهبات والعتق والطلاق والنكاح وغيرها. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله هنا عن الإمام وارتضاه من جريان القولين في العتق والطلاق قد ذكر في موضعين من هذا الكتاب ما يخالفه، وأن القولين لا
стр. 2068
يجريان فيهما.
أحدهما: في كتاب الضمان في الكلام على ضمان المجهول فقال ما نصه: ومنها لو كان لأبيه دين على إنسان فأبراه، وهو لا يعلم موت مورثه إن قلنا: البراءة إسقاط صح، كما لو قال لعبد أبيه أعتقتك، وهو لا يعلم موت الأب.
وإن قلنا: تمليك فهو كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حى، وهو ميت. انتهى كلامه.
وهذا صريح في أن القولين لا يجريان في العتق وأنهما إنما يجريان في التمليكات لا في الإسقاطات.
والموضع الثاني: في أوائل نكاح المشركات فقال ما نصه: وحيث توقفنا في النكاح وانتظرنا الحال إلى انقضاء مدة العدة، فلو طلقها قبل تمام العدة فالطلاق موقوف أيضًا، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبين وقوعه، وتعتد من وقت الطلاق وإلا فلا طلاق، وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود، وقال: لا يقع في قول، وإن اجتمعا على الإسلام.
وأجراهما: فيما إذا أعتق أمة أبيه على ظن كونه حيًا فبان ميتًا.
والمذهب الأول، فإن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق، فأولى أن يقبلا تقدير التعليق. انتهى.
قوله: الشرط الثاني: القدرة على التسليم فلا يجوز بيع الضال والآبق والمغصوب إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن في المنع من بيع هؤلاء إشكالًا، وذلك أن إعتاقهم جائز بلا شك، وصرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب
стр. 2069
بالإعتاق كالعبد الزمن صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زمنى، بل مطلقًا لوجود منفعة من المنافع التى يصلح لها الشراء.
الأمر الثاني: قال الثعالبى في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.
قوله: فإن باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه صح في الأصح، ثم قال: لكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت للبائع، فله الخيار، وفيه وجه أشار إليه الإمام. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام ليس مطابقًا له، فإن كلام الرافعي في عجز المشتري والإمام فرضها في عجز البائع.
قوله: ولو باع السمك في بركه صغيرة يمكن أخذه منها بلا تعب صح، وإن كانت كبيرة فوجهان أظهرهما: المنع.
ثم قال: وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك، فإن منع فعلى قولى بيع الغائب إلا أن لا يعلم قلة السمك وكثرته ولا سيئًا من صفاته فيبطل بلا [محالة] (١). انتهى.
وعبر في "الروضة" بقوله: فلا يصح قطعًا، وفي "شرح المهذب" بقوله: بلا خلاف وما قالاه من نفي الخلاف ليس بصحيح، فسيأتى بعد هذا في التفريع على صحة بيع الغائب وجه أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع، ولا قدره ولا صفته حتى لو قال: بعتك ما في كى أو ميراثى من أَبى وهما لا يعلمانه صح.
قوله من "زياداته": ولو باع ثلجًا أو جمدًا وزنًا وكان ينماع إلى أن يوزن
стр. 2070
لم يصح على الأصح.
وسيأتى هذا إن شاء الله تعالى في المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها في الفصل [الأول] (١) المعقود للمسائل المتعلقة بالباب الأول فصورتها على ما ذكره هناك [إنما هو في تلف البعض خاصة. وأما إذا كان يتلف كله فيبطل جزمًا. هذا حاصل ما ذكره هناك] (٢) وسنذكر لفظه في موضعه.
وأيضًا فبتقدير ما فرضه، وهو أن ينماع جميعه فله حالان:
أحدهما: أن يكون على الأرض، فلا إشكال في البطلان.
والثانى: أن يكون في إناء فينظر إن عبر بقوله: بعتك هذا كل رطل بكذا، ولم يذكر الجمد، فلا يتأتى الخلاف، بل يصح جزمًا لأن بيع الماء بالوزن صحيح، وإن عبر بقوله: هذا الجمد فيتجه تخريج الصحة فيه على الخلاف المشهور في الإشارة والعبارة.
قوله: وذكر بعض شارحى "المفتاح" أنه لو باع دارًا إلا بيتًا في صدرها لا يلى شارعًا ولا ملكًا له على أنه لا ممر له في المبيع لا يصح البيع. انتهى.
وما نقله عن الشارح المذكور وأقره، ولم يذكر ما يوافقه، ولا ما يخالفه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وقد صرح بالمسألة في "شرح المهذب" وحكى فيها وجهين، وقال: أصحهما: البطلان إلا أن الرافعي في الركن الثاني من كتاب الشفعة قد ذكر ما حاصله الجزم بالصحة، وسأذكره في موضعه إن شاء الله فراجعه.
قوله: كما لو باع ذراعا معينا من أرض أو دار فإنه يصح. انتهى.
стр. 2071
اعلم أن بيع الدار يتناول الأبنية بلا شك، فيدخل في الذراع المعين ما يسامته من الأبنية، وسيأتي أن بيع النصف المعين من الجدار لا يصح في بعض الصور فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": ولو أعتق الجاني، فإن كان السيد معسرًا لم ينفذ على الأظهر، وقيل: لا ينفذ قطعًا.
وإن كان موسرًا نفذ على أظهر الأقوال.
والثالث موقوف إن فداه نفذ وإلا فلا. انتهى.
حكى الرافعي طريقة قاطعة بالنفوذ في الموسر، ولم يذكرها في "الروضة".
قوله: واستيلاد الجارية الجانية كإعتاقها. انتهى.
اعلم أن في استيلاد الجارية المرهونة ثلاثة طرق:
أحدها: القطع بالنفوذ.
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الأقوال الثلاثة في إعتاقها، والقياس جريان هذه الطرق، واستيلاد الجانية أيضًا.
قوله في أصل "الروضة": ومتى فدى السيد الجاني فالأظهر أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد، والثاني: يتعين الأرش وإن كثر. انتهى كلامه.
وقد تقدم فيما يلزم فيه الفداء ثلاث مسائل وهى: البيع والإعتاق والاستيلاد، وقد جزم فيها بإثبات قولين.
وهذا الذي جزم به هو طريقة ضعيفة، والمشهور في المسائل الثلاث إنما طريقة القطع بالأقل ومحل القولين إنما هو في الفداء مع إمكان بيعه هكذا ذكره الرافعي والمصنف في كتاب الجنايات في أواخر باب العاقلة، وستعرف لفظه هناك.
стр. 2072
والرافعي ﵀ سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر بقوله: فيه خلاف يأتى في موضعه. والأصح الأول. هذا لفظه.
فلم يذكر أن الخلاف قولان ولا وجهان ولا طريقان، وليس له فيه اصطلاح فتصرف النووي في كلامه ذاهلًا عن المذكور هناك، فوقع في الغلط.
قوله من "زياداته": ولو ولدت الجارية لم يتعلق الأرش بالولد قطعًا، ذكره القاضى أبو الطيب في نماء الرهن، والله أعلم.
وهذا الكلام يقتضى أن هذا النقل غريب مع أن الرافعي قد صرح به في موضعين من كتابه:
أحدهما: في النكاح في الكلام على الولاية على الرقيق.
والثانى: في أواخر باب العاقلة، وهو الموضع اللائق بالمسألة فإنه هناك ذكر أحكام جناية الأرقاء.
قوله: فأما إذا أوجبت الجناية القصاص فطريقان:
أحدهما: طرد القولين، ثم قال: وأصحهما: القطع بالصحة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع ثم خالف في "المنهاج" فجزم بطريقة القولين، فإنه عبر بالأظهر.
قوله: ولو أعتق السيد العبد الجانى جناية توجب المال فأصح [الطريقين] (١) نفوذه من الموسر دون المعسر.
أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجنى عليه إلى ذمته باختيار الفداء. انتهى كلامه.
وما ذكره من انتقال الحق إلى ذمته باختياره للفداء قد تكرر منه في هذا
стр. 2073
الفصل، وعبر عنه بعبارات مختلفة، وتبعه النووي عليه وهو خلاف الصحيح، فقد قال -أعنى: الرافعي- في آخر باب العاقلة: ولو قال السيد: اخترت الفداء، وقال: أنا أفديه فوجهان:
أحدهما: يلزمه الفداء ولا يقبل رجوعه.
والصحيح: أنه لا يلزمه، بل يبقى خياره كما كان. انتهى واللفظ "للروضة".
стр. 2074
الشرط الخامس كون المبيع معلومًا
قوله: وعن أَبي حنيفة ﵀ أنه لو قال: بعتك أحد عبدى أو عبيدى الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة فما دونها يصح العقد.
وغرب المتولى فحكى عن القديم قولًا مثله، ثم قال: ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العبيد [على] (١) الثلاثة أو لم يجعل له الاختيار أو زادوا على الثلاث أو فرض ذلك في الثياب والدواب وغير العبيد، وعلى النكاح. انتهى كلامه.
وما ذكره عن أَبى حنيفة من البطلان في الثياب قد نقل بعد ذلك عنه عكسه فقال في الكلام على خيار الشرط: الثالثة: لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، وقال أبو حنيفة: يجوز في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد كما قال في البيع. هذا كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، واعلم أن النووي في "الروضة" لما حكى هذا القول القديم لم يصرح باشتراط هذه القيود كما صرح به الرافعي وإنما ساقها مساق المثال فاعلمه واجتنبه.
قوله: ولو لم يكن إلا عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد وقال السيد، بعتك عبدى من هؤلاء والمشترى يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب. قاله في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندى أن هذا البيع باطل لأن المبيع غير متعين. انتهى.
стр. 2075
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والأصح ما قاله البغوى، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر [بالأصح] (١).
قوله: ولو باع الجملة واستثنى جزءًا شائعًا جاز. مثاله: بعتك ثمرة هذا البستان إلا ربعها وقدر الزكاة منها. انتهى.
قال الماوردي في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمر: ولابد من ذكر قدر الزكاة في البيع أعشر هو أو نصف عشر.
وقال مالك: ليس يلزم ذكر القدر لأن العلم به شرعًا يغنى عن ذكره شرطًا [وهذا ليس بصحيح لأنه لو كان علمه بالشرع يغنى عن استثنائه بالشرط لكان العلم] (٢) بوجوب الزكاة يغنى عن اشتراط الزكاة. انتهى.
وجزم في "البحر" بوجوب ذكره أيضًا، ثم إذا استثنى قدر الزكاة فأراد المشترى أن يدفع قدر الزكاة من غير تلك الثمرة ففيه وجهان حكاهما الماوردي في الباب المذكور:
أحدهما: يجوز لأنه يحل في ذلك محل البائع، وقد كان ذلك جائزًا للبائع.
والثانى: لا، لأن المشترى لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها بخلاف البائع، قال الرويانى في "البحر": وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندى.
وما قالاه يقتضى أنه يجوز للبائع إمساك ذلك المقدار وإخراج الزكاة من غيره.
قوله: ولو باع ذراعًا من أرض أو ثوب يعلمان ذرعانه ثم اختلفا فقال المشترى: أردت الإشاعة حتى يصح العقد، وقال البائع: بل أردت معنيًا
стр. 2076
حتى يفسد ففي المصدق منهما احتمالان انتهى.
قال النووي في "الزيادات": أرجح الاحتمالين يصدق البائع حتى يفسد.
واعلم أنه إذا قال: قارضتك على أن نصف الربح لك صح على الأصح.
وإن قال: على أن نصفه لى لم يصح في الأصح على ما تعرفه في القراض، فعلى هذا إذا قال: خذ المال قراضًا بالنصف، فالأشبه كما قاله في "المطلب" أنه يصح تنزيلًا على شرط النصف للعامل، وكلام سليم في "المجرد" يشير فيه إلى الوجهين، ثم قال أعنى سليمًا: وإذا قلنا بالصحة، فقال رب المال: أردت أن النصف لى فيكون فاسدًا، وادعى العامل العكس صدق العامل لأن الظاهر منعه. انتهى.
وهذه المسألة هى شبيهة بمسألتنا، وحكمها مخالف لما رجحه في "الروضة" إلا أن المتبادر إلى الفهم من مسألة القراض إنما هو اشتراكهما على السواء.
قوله: أما إذا عين الممر من جانب صح البيع. . . . إلى آخره.
لم يتعرض ﵀ في هذا الفصل لاشتراط بيان قدر الممر بالذرع، وقد صرح بالمسألة في كتاب الدعاوى فقال: إذا ادعى أن له طريقًا في ملك غيره أو ادعى حق إجراء الماء.
قال القاضي أبو سعد: الأصح لا يحتاج إلى إعلام قدر الطريق والمجرى.
ثم قال: وقال أبو على السنجي: يشترط إعلام الطريق [والمجري] (١) وهكذا لو باع بيتًا من دار، وسمى له طريقًا ولم يبين قدره لا يصح. هذا كلامه.
стр. 2077
قوله: ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشارع فليس للمشترى طروق ملك [البائع] (١) فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها.
ولو كانت ملاصقة لملك المشترى فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه، بل يدخل فيه من ملكه القديم.
وأبدى الإمام ﵀ فيه احتمالًا، قال: وهذا إذا أطلق البيع؛ أما إذا قال بحقوقها فله المرور في ملك البائع. انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه احتمالًا هو وجه ثابت في المسألتين جميعًا أعني في الملاصقة للشارع والملاصقة لملك المشتري كذا حكاه فيهما معًا صاحب "التتمة" في الباب الثاني عشر المعقود لبيع الأصول والثمار في المسألة العاشرة من الفصل الثالث، وكذلك القاضي حسين، كما نقله عنه في "الكفاية".
ثم إن الاحتمال المذكور خاص بالمسألة الأخيرة كما هو المفهوم من عبارة المصنف، فإن الإمام قد صرح بذلك.
وكذلك ما نقله عن الإمام آخرًا من جواز المرور إذا قال: بعتكها بحقوقها، فإنه ذكره في المسألة الأخيرة خاصة.
نعم أجراه الغزالي في "البسيط" في المسألتين جميعا، وقد جزم الرافعي في "الشرح الصغير" بما قاله الإمام.
ولو كانت الدار ملاصقة لمسجد أو أرض موقوفة على الدفن فهل هو كالشارع؟
فيه نظر، والمتجه في المسجد عدم الالتحاق بخلاف المقبرة.
قوله: ولو باع داره واستثنى لنفسه بيتًا فله الممر، فإن بقى نظر: إن
стр. 2078
أمكن اتخاذ ممر صح البيع وإلا فوجهان، وجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح" انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من استحقاق الممر ينبغى أن يكون محله فيما إذا لم يكن البيت متصلًا بشارع أو بملك البائع، فإن كان كذلك فيكون على الوجهين السابقين في المسألة قبلها.
وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقته" في باب الوقت الذى يحل فيه بيع الثمار.
وحينئذ فيكون الصحيح عدم الاستحقاق.
الثاني: أن الصحيح من الوجهين فيما إذا بقى الممر، ولم يمكن اتخاذه عدم الصحة. كذا صححه في "الروضة" من "زياداته" وقاسه على بيع ذراع من ثوب ينقص بالقطع، وهذا هو التعليل الذي نقله الرافعي عن شارح "المفتاح" والموضع الذي نقله عنه الرافعي هو في أثناء الشرط الرابع، وكلام الرافعي هناك يوهم استغراب ما حكاه عن "المفتاح"، وكذا كلام "الروضة"، بل هو أشد إيهامًا من كلام الرافعي.
قوله: وأما القدر فالمبيع قد يكون في الذمة، وقد يكون معينًا، والأول هو السلم. انتهى.
ودعواه أن كلما عقد على الذمة سلم ليس كذلك، بل شرطه أن يعقد عليه بلفظ السلم.
فاما إذا عقد بألفاظ البيع فقال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك، ووصفه فإن الأصح أنه لا يكون تسليمًا، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه دون أحكام السلم كما قاله في باب السلم.
стр. 2079
قوله: فما كان في الذمة من العوضين فيشرط كونه معلوم القدر، حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت حنطة، أو بزنة هذه الصنجة ذهبًا لم يصح البيع. انتهى.
وهذا التمثيل الذي قاله: يشعر بأنه لو لم يكن المعقود عليه في هذين المثالين في الذمة بأن قال: بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة أو بزنة هذه الصنجة من هذا الذهب أنه يصح، والأمر كذلك على الصحيح فافهمه.
وسببه أن الإضافة إلى شيء حاضر لا غرر فيه لإمكان الشروع في الوفاء عقيب العقد.
وقد صرح الرافعي بهذا الحكم والتعليل في باب السلم في الكلام على تعيين الميكال، لكنه اقتصر على التمثيل بالمبيع دون الثمن فقال ما نصه: لو عين المكيل بما لا يعتاد الكيل به كالكوز فسد السلم لأن ملاءه مجهول القدر، ولأن فيه غررًا لا حاجة إلى احتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة فوجهان بناء على المعنيين.
والأصح الصحة اعتمادًا على المعنى الثاني هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: ولو قال: بعت بما باع به فلان فرسه أو ثوبه وأحدهما لا يعلمه لم يصح للجهل.
وقيل: يصح للتمكن من العلم، كما لو قال في صبرة مجهولة: بعتكها كل صاع بدرهم.
وقيل: إن حصل العلم قبل التفريق صح، وإلا فلا. انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بما إذا علما ذلك، إلا أنه مشعر بالجزم بصحة البيع.
стр. 2080
وقد صرح بالمسألة في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى، وحكى فيها وجهين، ولم يصحح منهما شيئًا، وسأذكر لفظه هناك لشيء يتعلق به.
قوله: ولو قال: بعت بمائة دينار إلا عشرة دراهم لم يصح إلا أن يعلما قيمة الدنانير بالدراهم. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن لا يكفي علمهما، بل يشترط قصدهما استثناء القيمة وذكر صاحب "المستظهري" في ما إذا لم يعلما حال العقد قيمة الدينار من الدراهم، ثم علما في الحال طريقين:
أصحهما: لا يصح كما ذكرنا.
والثاني: على وجهين. والله أعلم. هذا لفظه بحروفه.
وما نقله ﵀ عن "المستظهري" من حكاية الخلاف في ما إذا لم يعلما عند العقد، ثم علما سهو فإن هذا النقل الذي عزاه إليه محله في آخر باب الربا، وقد قال هناك ما نصه: فإن اشترى ثوبًا بمائة درهم إلا دينار لم يصح، ومن أصحابنا من حكى أنهما إذا علما قيمة الدينار من الدراهم في الحال كان في صحة البيع وجهان، وما ذكرنا أصح. هذا لفظ الشاشي بحروفه.
وحاصله أنه حكم أولًا ببطلان البيع علما أو جهلا، ثم حكى طريقة ضعيفة بإثبات وجهين عند العلم. وهو عكس ما نقله عنه في "الروضة"، ثم إننى راجعت أيضًا كلام الماوردي لعلمى أن غالب ما ينقله الشاشى في الكتاب المذكور فيه فرأيته قد ذكر المسألة في الموضع الذي ذكرها فيه الشاشى، ومثل بالمثال بعينه، وزاد المسألة إيضاحًا فقال:
فرع: فإذا باعه ثوبًا بدينار إلا درهم فإن جهلا أو أحدهما قيمة
стр. 2081
الدينار في الحال كان البيع باطلًا للجهل بالثمن.
وإن علما قيمة الدينار ففي البيع وجهان:
أحدهما: أن البيع باطل، لأن الاستثناء من غير جنس الثمن.
والثاني: أن البيع جائز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم، وقد باعه بدينار إلا درهم كان بمثابة قوله: بعتك بدينار إلا عشر دينار.
فيصبر البيع بتسعة أعشار دينار، والأول أصح الوجهين، لأنه استثنى درهمًا، ولم يعين قيمة درهم، فلا يلزم المشترى دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترٍ فتعذر استيفاء العقد فبطل هذا لفظه.
ونقله عنه صاحب "البحر" أيضًا، فوضح بذلك بطلان ما نقله في "الروضة".
قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المحكى عن أبى إسحاق أنه ينصرف كما ذكرنا في النقد.
قال في "التتمة": وهو المذهب.
ومن صوره أن يبيع صاعًا بصاع من الحنطة أو بشعير في الذمة، ثم أحضر اقبل التفريق. انتهى كلامه.
واعلم أن كلام المتولى لا يطابق ما نقله عنه الرافعي فإنه قال: إذا باع صاع حنطة بصاع حنطة فإن كانت أنواع الحنطة في البلد تختلف، وأطلق لا يصح العقد.
وإن وصف البدلين، أو كان النوع واحدًا لا يختلف أو حضر البدلين في المجلس وتقابضا فالعقد صحيح على ظاهر المذهب كما ذكرنا في الدراهم بالدنانير.
стр. 2082
وقد ذكر في المسألة وجه آخر أن العقد لا يصح حتى يكون أحدهما معينًا حالة العقد، وليس يتضح الفرق بين الطعام والدراهم.
وهكذا لو باع صاع حنطة موصوفة بصاع شعير فالحكم على ما ذكرنا .. انتهى كلامه.
فالمتولي جازم بأن الغلبة في هذا كافية، وأن العقد ينصرف إلى الغالب.
وإنما الخلاف الذي حكاه في اشتراط تعيين أحدهما، ولهذا سوى بينه وبين الموصوف في حكاية الخلاف مع أن الوصف كاف بلا نزاع.
فهذا الوجه وهو امتناع بيع الطعام بالطعام إذا كانا معًا في الذمة قد حكاه الرافعي في باب السلم، وبالجملة فالخلاف المذكور في "التتمة" غير ما نقله عنه الرافعي.
نعم الخلاف صحيح من غير "التتمة" فإن الغزالي حكاه هو وغيره.
وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما نقله الرافعي عن "التتمة".
قوله: حتى لو باع بدينار أو بعشرة دنانير، والمعهود في البلد الصحاح انصرف إليها، وإن كان المعهود المكسور انصرف إليه.
قال في "البيان": إلا أن تتفاوت قيمة المكسر فلا يصح. انتهى.
واعلم أن صاحب "البيان" قال: فرع: إذا قال: بعتك بألف درهم مكسرة فقد قال الصيمري: قال أكثر أصحابنا. يصح.
قال: وأظنهم أجازوا ذلك إذا تفاوتت قيمة المكسر.
فأما إذا اختلف قيمتها، وهي هكذا في وقتنا مختلفة فلا يصح. هذا لفظه.
فقائله إنما هو الصيمري ناقلًا له عن غيره بطريق الظن لا بالجزم.
стр. 2083
وقال الروياني في "البحر" في باب الربا: لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز، وقيل: إنما يجوز إذا لم تتفاوت القيمة، فإن تفاوتت فلا يجوز. انتهى. وهذا يقتضي تصحيح الجواز.
قوله: ولو قال: بعتك بألف صحاح ومكسرة ففيه وجه أنه يصح، ويشبه أن يكون جاريًا فيما إذا قال: بعتك بألف ذهب وفضة. انتهى.
اعترض النووي على هذا التخريج فقال: لا جريان له هنا. والفرق أن الغرر يعظم فيه لكثرة التفاوت بين الذهب والفضة.
قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح بشرط كونه مدورًا جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشترطه فعليه شق وزنه نصف مثقال. انتهي.
تابعه في "الروضة" على تقييد الصحيح بما إذا عم وجوده، ومقتضاه أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وهو لا يستقيم، فإنه سيأتي من كلامهما بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده، فإنه ينبنى على جواز الاستبدال عن الثمن. فإن جوزناه: صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل. وإن لم تجوز الاستبدال: لم يصح.
قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة، كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب فخرج ناقصًا أو زائد فقولان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع لأن الجمع بينهما محال.
والثاني: يصح لإشارته إلى الصبرة.
وعلى هذا إن خرج ناقصًا فللمشتري الخيار، فإن أجاز فهل يخير بالجميع أو بالقسط؟ فيه وجهان.
وإن خرج زائدًا فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان.
стр. 2084
أظهرهما؛ أنها للمشتري، لأن جملة الصبرة مبيعة منه، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع وجهان:
أصحهما: أنه لا خيار له أيضًا.
والثاني: أن الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشترى وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار. انتهى مخلصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف قد جعله أيضًا في "الشرح الصغير" قولين، لكنه قد خالف في "المحرر" فجعله وجهين فقال ما نصه: صح البيع إن خرجت كما ذكرنا، وإلا لم يصح في أصح الوجهين. انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وقد استفدنا من "المحرر" أيضًا أن الصحيح ما قاله البغوي.
وقد صرح بتصحيحه أيضًا في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في أصل "الروضة" هنا وغيرها من كتبه.
الأمر الثاني: أن الرافعي ﵀: قد ذكر بعض أمثلة هذه المسألة في باب الربا، وأجاب على القولين بالصحة بما يخالف المذكور هاهنا فقال في أثناء الطرف الأول: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلًا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.
فإن كالا أو وزنا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان:
قال في "التهذيب": أصحهما: البطلان.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة ولمشتريها الخيار.
ثم قال: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافًا جاز؛ ولو باعها بها
стр. 2085
صاعًا بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانا من جنس واحد. انتهى كلامه.
فأما التفريع الذي ذكره على قول الصحة في المسألة الأولى فواضح لأنه لا يمكن التصحيح في الجميع لأجل الربا.
وأما القول به أيضًا في المسألة الثانية، وهي بيع صبرة [القمح بصبرة] (١) الشعير فمخالف للمذكور هنا.
فإن بيع الصبرة [بالعشرة كل صاع بدرهم قد وجد فيه مقابلة الجملة بالجملة والأفراد بالأفراد وهذا بعينه موجود أيضًا في بيع الصبرة بالصبرة] (٢) صاعًا بصاع فحاصله أنهما مثالان للمسألة، ونحن نعلم بالضرورة أن الحكم ليس خاصًا بالمثال المذكور. في هذا الباب وهو بيع الصبرة بعشرة بل سائر الأعيان كذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكر من "زياداته" في باب الربا عقب المسألة الثانية عكس ما ذكره هاهنا فقال: قال أكثر أصحابنا: إذا باع صبرة الحنطة بصبرة الشعير صاع بصاع، وخرجتا متساويتين صح. وإن تفاضلتا، ورضى صاحب الزائدة بتسليم الزيادة تم البيع، ولزم الآخر قبولها.
وإن رضى صاحب الناقصة بقدرها من الزائدة صح؛ وإن تشاحا فسخ البيع. انتهى كلامه.
فصحح بيع التفاضل على عكس ما قاله هنا، ثم إنه أيضًا يشكل على بيع صبرة القمح بصبرة القمح إذ لا أثر لاختلاف الجنسين.
فإن من صحح أولًا فإنما يصحح مع التماثل، وأثبت له الخيار.
الأمر الرابع: أن الصحيح من الوجهين في المقدار الذي يخير به أنه يخير
стр. 2086
بالبعض. قاله في "شرح المهذب".
قوله: نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ انتهى.
والصحيح الكراهة، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وسوى في ذلك بين بيعها والبيع بها.
وعلل صاحب "التتمة" عدم الكراهة بقوله: ووجه أن شراء المجهول الذرع لا يكره، فكذلك هاهنا هذا لفظه.
ومقتضاه الجزم بعدم الكراهة في المذروع.
قوله في "أصل الروضة": أما إذا أصدقها عينًا غائبة أو خالعها عليها، أو عفى عن القصاص على عين غائبة، فيصح النكاح وتقع البينونة ويسقط القصاص قطعًا، وفي صحة المسمى القولان.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (قطعًا) راجع إلى الثلاثة فقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: ولا خلاف في هذه الثلاثة. هذا لفظه.
وما ذكره من نفي الخلاف في النكاح ليس كذلك فإن [في] (١) النكاح قولا قديمًا أنه يفسد بفساد الصداق. وقد حكاه هو في مواضع من كتاب الصداق، وكذلك ما ذكره في البينونة أيضًا فإنه صاحب "التتمة" حكى وجهًا أنه لا تحصل عند فساد العوض، وقد ذكره في "الروضة".
[قوله أيضًا في أصل الروضة: ] (٢) في الركن الرابع من كتاب الخلع ويجريان -أي قولا الغائب- في رهنه وهبته وهما أولى بالصحة لعدم الغرر، ولهذا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية. انتهى كلامه.
стр. 2087
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من الأولوية قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال: وفي رهن الغائب وهبته القولان، وقيل: هما أولى بالصحة لعدم الغرر هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما جزم به من عدم الخيار عند الرؤية لم يجزم به الرافعي، وإنما عبر بقوله: ولهذا قيل: إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه، وذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا.
وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا أن القولين يجريان في الواقف أيضًا، واقتصر عليه، لكنه ذكر في كتاب الوقف من "زياداته" أن الصحيح صحته، وأنه لا خيار له عند الرؤية فاعلمه، وستقف عليه هناك إن شاء الله تعالى فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": الثالثة: إن لم نجوز شراء الغائب وبيعه لم نجوز بيع الأعمى وشراءه وإلا فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز أيضًا إذ لا سبيل إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار.
والثاني: يجوز، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته. انتهى كلامه.
وما صححه من منع شراء الأعمى تفريعًا على امتناع بيع الغائب صحيح.
وأما ما صححه من امتناع بيعه تفريعًا على هذا القول فمناقض لما صححه بعد هذا، فإنه ذكر في أواخر الكلام على بيع الغائب أن من باع عينًا لم يراها فلا يثبت له الخيار عند رؤيتها على الصحيح بخلاف المشتري.
وفرقوا بينهما بان جانب البائع بعيد عن الخيار، ولهذا لو باع شيئًا على أنه معيب فبان صحيحًا لا خيار له.
стр. 2088
ولو اشتراه على أنه صحيح فبان معيبًا ثبت له الخيار.
إذا علمت ذلك علمت أن ذكره هنا مناقض لما سيأتي.
وقد وقع أيضًا هذا الاختلاف في "شرح المهذب" وكلام الرافعي صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يصحح هنا ولا في "الشرح الصغير" شيئًا من الوجهين في ثبوت الخيار للبائع، وإنما نقل كلًا عن طائفة، والتصحيح المذكور في أصل "الروضة" من تصرفه، فلا اعتداد به.
قوله في المسألة: وإذا قلنا: لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح منه الإجارة والرهن والهبة أيضًا. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الرهن والهبة من منعهما إذا جوزنا بيع الغائب، ولكن منعنا الأعمى منه لا يستقيم لأن المقتضى لمنعه بيعه على القول بجواز بيع الغائب، إنما هو تعذر إثبات خيار الرؤية لما تقدم.
وقد تقدم من كلام "الروضة" أنه إذا جوزنا رهن الغائب وهبته فلا خيار فيهما عند الرؤية، ولا فرق بين الأعمى والبصير الذي لم تتقدم له رؤية.
نعم هذا الاشكال لا يرد على الرافعي لأنه لم يجزم بنفي خيار الرؤية للبصير الذي لم ير الموهوب والمرهون، وإنما عبر بقوله: قيل: إنه لا خيار لهما، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
قوله: وهل للأعمى أن يكاتب عبده؟ قال في "التهذيب": لا. وقال في "التتمة": المذهب جوازه تغليبًا للعتق. انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله في "التتمة" فقد جزم أيضًا بجوازه ابن عبدان في كتاب "شرائط الأحكام".
وقال النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.
стр. 2089
وسبق البغوي إلى المنع جماعة منهم ابن القاص في "التلخيص"، والقفال في شرح له.
قوله: لو اشترى غائبًا رآه قبل العقد نظر إن كان مما لا يتغير غالبًا كالأرض، أو لا يتغير في المدة المتخللة بين الرؤية والشراء صح العقد.
ثم قال: وقال الأنماطي لا يصح، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه شاذ مردود.
وما نقله وجهًا عن الأنماطي خاصة قد نص عليه الشافعي. كذا حكاه الروياني في "البحر" عن البيهقي عن ابن مقلاص تلميذ الشافعي.
وقد شرط المارودي في الاكتفاء بالرؤية السابقة أن يكون متذكرا للأوصاف حال البيع، وجزم به الروياني في "البحر" ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غيره، وهو متجه لأن الناسي جاهل به حال العقد وقال في "شرح المهذب" إن ما قاله المارودي غريب لم يتعرض له الجمهور.
قوله في أصل "الروضة": الثاني: استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم هل يقوم مقام الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؟ وجهان:
أصحهما: لا، وبه قطع العراقيون. انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا فرعنا على الصحة في هاتين المسألتين فإنه لا خيار له عند الرؤية. كذا جزم به الرافعي، ولم يتعرض له المصنف.
قوله: وقول "الوجيز" في بطلان بيع الغائب، ولعله أصح [القولين] (١) إنما هو مرض القول فيه لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح. انتهى.
стр. 2090
وهذه الصيغة أعني مرض ذكرها في "الشرح الصغير" أيضًا وهو بالميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة وأشار بذلك إلى قوله: (ولعل) فإن التعبير بها يدل على عدم قوته.
قوله: فالقوصرة.
هي بالقاف المفتوحة والصاد المهملة والراء المشددة وهو: الذي يجعل فيه التمر. قاله الجوهري ومراده الوعاء الذي يملأ من التمر اللين، ويتحامل عليه لينكبس بعضه على بعض وهو المسمى بالعجوة في معظم بلاد مصر وبالكبيس في صعيدها.
قوله: وعن الصيمري حكاية خلاف في القطن في العدل أنه يكفي رؤية أعلاه أم لابد من رؤية جميعه؟ قال: والأشبه عندي أنه كقوصرة التمر أي فتكفي رؤية الأعلى. انتهى كلامه.
ولم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح ولا بيان أن الخلاف قولان أو وجهان، والصحيح ما رجحه الصيمري. كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالصحيح.
وأما الخلاف فإنه قولان، كذا نقله العمراني في "البيان".
قوله: ولو أراه أنموذجًا، واستغنى به عن رؤية الباقي فإن أدخله فعن القفال وغيره القطع بالصحة. وقال الإمام: إنه القياس، وعن بعض الأئمة المنع. انتهى كلامه.
وصورة المسألة أن يخلط الأنموذج بالصبرة، فإن أدخله [في البيع] (١) ولم يخلطه بها فيكون بمنزلة عينين رأى إحداهما لأن المرئي فيه متميز عن غير المرئي. هكذا ذكره البغوي في "فتاويه"، وهو متعين لا شك فيه. قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين وأراه إحداهما ثم باعهما.
стр. 2091
قوله: بخلاف السمك يراه في الماء الصافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صافي لأن الماء من مصالحها. انتهى كلامه.
وتقييد الصحة في الأرض بالماء الصافي يشعر بأن الماء الكدر يمنع صحتها لعدم الرؤية، لكنه في كتاب الإجارة اشترط رؤية العين المستأجرة، ثم ذكر أن الماء الكدر لا يمنع الصحة.
وعلله بأنه من مصالحها، فالتسوية بين البابين في الرؤية، وفي هذا التعليل يقتضي التسوية بينهما في الإبطال بالماء الكدر أو في عدمه فإن الرؤية شرط الشراء والإجارة، فإن قيل إذا عين السمكة بالجنس والوصف فهل يصح بيعها أيضًا في الماء، وإن لم يرها كالأرض؟ قلنا: لا، وذلك لأنه إنما يصح بيع السمكة في الماء إذا أمكن إخراجها بلا صعوبة.
وحينئذ فنقول: لما أمكنه رؤيتها وإعادتها إلى الماء بلا مشقة لم نكتف فيها بالرؤية من وراء الماء كغيرها بخلاف إجارة الأرض.
قوله: ففي شراء الدار لابد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة؛ وفي البساتين رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى. انتهى كلامه.
والأصح في هذين الوجهين الاشتراط. كذا صرح به في "شرح المهذب" فقال: أصحهما: الاشتراط لاختلاف الغرض به. انتهى كلامه.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه ذكر كلام الرافعي بعينه من غير زيادة ولا نقصان، ثم قال: وقيل في اشتراط رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي تدور به الرحى
стр. 2092
وجهان. هذا لفظه.
وتعبيره بقوله: (وقيل) فاسد لوجهين:
أحدهما: أنه يقتضي إثبات طريقين، وأن الرافعي حكاهما مع أن الرافعي لم يحكِ إلا طريقة واحدة، وهي طريقة الوجهين، وكذلك هو في "شرح المهذب"، وقد تقدم ذكر لفظهما.
الوجه الثاني: أنه بتقدير ما قاله من [الطريقين فليس في] (١) كلامه ما يبين أن الطريقة الصحيحة وهي طريقة القطع هل هي باشتراط الرؤية أم بعدمها؟ وكلامه إلى عدم الاشتراط أقرب فإن المتبادر إلى الذهن أن ذلك يعود إلى المسائل التي قبلها، بلا فاصل، والرؤية فيها لا تشترط.
وقد تقدم من كلامه في "شرح المهذب" أن الصحيح خلافه.
قوله: وإذا اشترى عبدًا فلابد أن يرى منه ماعدا العورة على أظهر الوجهين.
قال: وفي الجارية وجوه:
أحدها: أنها كالعبد.
والثاني: يرى ما يبدو عند المهنة.
والثالث: تكفي رؤية الوجه والكفين. انتهى ملخصًا.
والأصح [إلحاق] (١) الجارية بالعبد. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وفي رؤية الشعر وجهان، قال في "التهذيب":
أصحهما: أن لا يشترط. انتهى.
стр. 2093
والصحيح ما قاله البغوي، كذا صححه الرافعي بعد ذلك في أسباب الخيار في أول القسم الثاني المعقود لخيار النقيصة وعبر بالأصح.
وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" هنا، وفي "شرح المهذب" أيضًا.
قوله: ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أحد الوجهين. انتهي.
والصحيح عدم الاشتراط. كذا صححه البغوي وتلميذه العماد النيهى -بكسر النون وبالياء بنقطتين من تحت-. على ما نقله عنه ابن الصلاح في فوائد رحلته.
وقال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح.
وسوى في "التهذيب" بين لسان الدابة ولسان الآدمي في إثبات الخلاف، والقياس التسوية بينهما في الأسنان أيضًا.
واعلم أن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم أن الخلاف في الأسنان واللسان والشعر خاص بالجارية، فإنهما ذكرا ذلك في تفاريعهما دون العبد ويقويه من جهة المعنى غرض الاستمتاع بها، لكن البغوي والنيهي وغيرهما جعلوا محل الخلاف في الرقيق، فدل على عمومه في الجارية والعبد.
وأيضًا فإنه يؤخذ من تصحيح النووي إلحاق الجارية بالعبد.
قوله: والثوب المطوي لابد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أنه يصح بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع لما في نشرها من التنقيص. انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الجواز احتمالًا عن الإمام وهو يقتضي أنهما لم يظفرا بخلاف في المسألة.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: هكذا أطلقه الأصحاب
стр. 2094
وقطعوا به، ثم نقل احتمال الإمام، ولكن رأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبى علي الجزم بأنه لا يشترط، ونقله أيضًا عنه البغوي في "فتاويه". وجزم به الجرجاني في كتابه المسمى بـ "الشافي" وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر فعل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله من "زوائده": قال القفال في "شرح التلخيص": لو اشترى الثوب المطوي، وصححناه ونشره فاختار الفسخ وكان لطيه مؤنة ولم يحسن طيه لزم المشترى مؤنة الطي [انتهى. فيه أمران:
أحدهما: أن التقييد بعدم معرفة الطي] (١).
يقتضي إيجابه عليه إذا عرفه.
والقياس وجوب المؤنة مطلقًا لأن الطي ليس بمثلى.
الأمر الثاني: أنه سيأتي في أثناء خيار النقص فيما إذا اشترى ثوبًا مطويًا واطلع على عيب به بعد نشره المنقِص له فرده لا يلزمه شيء في أصح القولين كما في كسر البيض والذبح.
ولا شك أن المصلحة في الموضعين قد تكون في الإمساك وقد تكون في الرد.
قوله: ولا يصح بيع الثياب التَّوزية في المسوح على هذا القول. انتهى.
أما التوزية فبتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم واو مفتوحة مشددة ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب منسوبة إلى توز بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند.
ويقال لها أيضًا توج بالجيم. قاله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
стр. 2095
وأما المسوح: فبالسين والحاء المهملتين جمع مسح بكسر الميم وهو الملاس من الشعر، ويجمع أيضًا على أمساح.
وقوله: (على هذا القول) أي القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك فإنه بعيد التبادر.
قوله: وذكر العبادي أن الفقاع يفتح رأسه وينظر فيه بقدر الإمكان ليصح بيعه.
والغزالي أطلق المسامحة به في "الإحياء" فيما أظن. انتهى.
والأصح هو الصحة مطلقًا. كذا صححه النووي في "زيادات الروضة"، والأمر كما ظنه الرافعي من إطلاق المسامحة به في "الإحياء"، وإنما توقف فيه الرافعي لأن عبارته فيها إيهام.
لكن ما ظهر للرافعي منها هو حاصل ما يدل عليه كلامه عند التأمل.
ونقل ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن تصنيف الشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن النيهي -بكسر النون- كما سبق ضبطه في الصفحة التي قبلها. أنه لا يصح شراؤه حتى يصبه ويراه.
قوله في أصل "الروضة": الخامسة: إذا جوزنا بيع الغائب فعليه فروع:
أحدها: بيع اللبن في الضرع باطل.
فلو قال: بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا. لم يجز على المذهب لعدم تيقن وجود ذلك القدر، وقيل: فيه قول بيع الغائب. انتهى.
ترك وجهًا ذكره الرافعي بعد هذا بأسطر، ونقل عن الإمام أن جماعة قالوا به، وهو أنه إن كان المبيع قدرًا يسيرًا وابتدر الحلب، فإنه يتخرج على بيع الغائب لأنه لا يفرض والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة، فإن كان كثيرًا بطل، ولا يتوهم من كلام الرافعي أن الوجه عائد لغير هذه الصور فاعلمه.
стр. 2096
قوله فيها أيضًا: ولو حلب شيئًا من اللبن فأراه ثم باعه شيئًا مما في الضرع فوجهان كما في الأنموذج.
وذكر الغزالي الوجهين فيما لو قبض على قدر من الضرع وأحكم شده وباع ما فيه.
قلت: الأصح من الصورتين البطلان لأنه يختلط بغيره مما ينصب في الضرع. هذا كلام "الروضة".
وهو فاسد لأن المسألة الأولى مفرعة على امتناع بيع الغائب لأن ذلك هو صورة مسألة الأنموذج، وما ذكره ثانيًا لا يستقيم إلا على جواز بيعه أعني الغائب، فليس الوجهان هما الوجهان، بل ولا مناسبة بينهما.
وما ذكره من "زياداته" في تعليل البطلان للصورتين مستقيم على الأولى، وكلام الرافعي مستقيم فإنه لما ذكر المسألة الثانية لم يجعل الخلاف الذي فيها هو الخلاف المتقدم، بل خلافًا آخر أسقطه من "الروضة"، وقد تقدم ذكرى إياه.
وفي كلام الرافعي بعض غموض، وصحح في "شرح المهذب" في المسألتين كما صحح في "الروضة".
قوله في "الروضة": الثاني لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وفي وجه يجوز بشرط الجز، وهو شاذ ضعيف.
ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذكاة، وتجوز الوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه جعل هذا الفرع كله فرعًا ثانيًا من فروع القول بعدم اشتراط
стр. 2097
الرؤية.
وجميع ما في هذا الفرع ليس له تعلق باشتراط الرؤية ولا بعدم الاشتراط.
والرافعي ﵀ سالم من هذا الاعتراض، فإنه ذكر بيع اللبن في الضرع، [وذكره صحيح فإنه من تفاريع المسألة ثم قال بعد ذكره له: ونختم المسألة بصور شبهها] (١) وذكر ما في هذا الفرع من المسائل، فعبر في "الروضة" بقوله: (الثاني) ذاهلًا عن كونه في تعداد المسائل المفرعة على جواز بيع الغائب.
وقد ذكر أيضا في "الروضة" فروعًا أخرى فرعها على امتناع بيع الغائب، ولا تعلق لها به فاعلم ذلك.
الأمر الثاني: أنه يستثنى من كلامه ما إذا اقبض على قطعة جمعها وقال: بعتك هذه.
قال في "شرح المهذب" فإنه يصح بلا خلاف، وفيه احتمال للغزالي لأنه يتعين به غير المبيع وهو الباقي من الصوف.
وذكر الرافعي تعليلًا يخرج هذه المسألة وهو أن مقتضى بيع الصوف هو الاستيعاب، ولا يمكن إلا بإيلام الحيوان فأسقطه من "الروضة" وهذا الوجه الذي قال فيه: إنه شاذ ضعيف قد اختاره الروياني في "الحلية" فقال: إنه القياس والاختيار.
وصحح صاحب "الاستقصاء" فيما إذا قبض على قطعة أنه لا يصح كما ذهب إليه الغزالي احتمالًا، وقال: إن قول الصحة ليس بشيء.
الأمر الثالث: إذا أوصى بالصوف أو باللبن فجز الموصى له الصوف
стр. 2098
على العادة، وما كان موجودًا حال الوصية [يكون] (١) للموصي له، وما حدث يكون للوارث.
فلو اختلفا في قدره فالقول قول الوارث بيمينه هكذا نقله في "شرح المهذب" عن "شرح المختصر" للبغوي.
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن العلة في بطلان المسألتين إنما هو الجهالة حتى لو علم مقدار المسك واللبن صح.
لكن كلامه في باب زكاة النقدين صريح أو كالصريح في عدم الصحة وإن علم المقدار، فإنه نقل وجهين في جواز المعاملة بالدراهم المغشوشة إذا كان قدر النقرة مجهولًا.
ثم قال: وربما نقل العراقيون الوجهين مطلقًا، ووجهوا المنع بأن المقصود غير معين، فصار كما لو شيب اللبن بالماء وبيع، فإنه لا يصح. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن صور المسألة في المسك أن يكون مخالطًا لغيره لا على وجه التركيب، فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز كما ذكره في "شرح المهذب"، وتدليل المصنف يقتضيه [لأن المقصود والحالة هذه ليس هو المسك بخصوصه بل المقصود هو المجموع.
قوله: ] (١) ويجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة نيئة ومشوية ولا اعتبار بما عليها من الجلد فإنها مأكولة وكذا المسموط نيئًا ومشويًا، وفي
стр. 2099
النيء احتمال للإمام. انتهى.
وصورة المسألة كما قاله البغوي في "فتاويه" في رؤوس الغنم: أما رؤوس الإبل والبقر قال: فلا يجوز لأنه بمثابة البيع بعد الذبح وقبل السلخ. أي لأن جلده لا يؤكل.
قوله من "زوائده": ولو باع سمنًا في ظرف ورأى أعلاه مع ظرفه أو دونه صح. انتهى.
وصورة المسألة أن لا يختلف الظرف بالرقة والغلظ فإن اختلف فقيل: يصح قطعًا، وقيل: يبطل قطعًا وقيل بتخريجه على قولى بيع الغائب وهو الصحيح. هكذا ذكره قبل ذلك بنحو ورقتين في الكلام على بيع الصبرة، وسيأتي في الرهن ما يخالفه.
قوله في المسألة أيضا من "زياداته": فإن قال: بعتكه بظرفه كل رطل بدرهم فإن لم يكن للظرف قيمة [بطل. انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" فقال: فإن لم يكن له قيمة] (١) لم يصح البيع بلا خلاف لأنه لا قيمة له، وأخذ الثمن في مقابلة وزنه.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأنه يبطل في الظرف فقط أم فيه وفي السمن؟
وقد صرح الإمام بالمسألة ونقل أن البطلان فيهما، فقال: قد قطع أصحابنا بفساد البيع في السمن من حيث اشتمل على اشتراط بذل مال في مقابلة ما ليس بمال.
والوجه تخريج هذا عندنا على تفريق الصفقة فالرق مع السمن ممتنع جميعًا في القدر وقوبلا في الثمن فكان كصفقة تجمع حرًا وعبدًا وشاة وخنزيرًا. هذا كلامه.
стр. 2100
والذي قاله بحثًا هو الصواب. ونظير هذه المسألة ما إذا باع القز وفيه الدور وزنًا، وقد تقدم الكلام على ما وقع فيها من الخلل في كلام النووي فراجعها.
قوله: وإن كان للظرف قيمة فقيل يصح.
وإن اختلفت قيمتها كما لو باع فواكه مختلطة وزنًا أو كيلًا، وقيل: باطل لأن المقصود السمن وهو مجهول بخلاف الفواكه.
وقيل: إن علما وزن الظرف والسمن جاز وإلا فلا. وهذا هو الأصح. ذكره البغوي وغيره. انتهى.
وما ذكره ﵀ متهافت يدفع أوله آخره، وذلك لأن صورة المسألة إن كانت أعم من كون الظرف مجهولًا أو معلومًا فلا يصح تعليل البطلان بالجهالة، فإن كانت مع جهالته فلا يصح مجيء [الوجه] (١) الثالث.
قوله: أما إذا كان المبيع شيئين ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغائب لم يصح البيع فيما لم يره، وفي ما رآه قولا تفريق الصفقة، وإن صححنا شراء الغائب ففي صحة العقد فيهما قولان لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفى الحكم لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يره، وإمساك ما رآه. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على الجزم بأن له تبعيض هذه الصفقة بالرد، وهو مشكل على ما إذا اشترى عينين صفقة واحدة فاطلع على إحداهما بعيب، فإنه إما أن يردهما أو يمسكهما، وليس له التبعيض، مع أن السبب قد وجد في الصورتين في البعض.
لا جرم أن البغوي في "فتاويه" والمتولى في "التتمة" قد جزما بأن
стр. 2101
حكمه حكم رد العيب في تفريق الصفقة ولعل الرافعي ﵀ إنما وقف هنا على كلام من جوز التفريق هناك، فتبعه عليه النووي.
قوله: الثالثة: إذا لم تشترط الرؤية فيشترط ذكر جنس المبيع في ظاهر المذهب.
ثم قال: وعلى قولنا أنه يشترط ذكر الجنس فالظاهر أنه لابد من ذكر النوع أيضًا بأن يقول: عبدي التركي أو فرسي العربي.
وأوهم الإمام خلافا فيه فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك، واشترطه العراقيون. انتهى كلامه.
وهو يقتضي إنكار الخلاف في اشتراط النوع، وهو ثابت، فقد صرح به القاضي حسين في "تعليقه" فقال: وهل يشترط ذكر النوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لأنه إنما يحتاج إليه لتمييز المبيع من غيره، وذلك يحصل بذكر الجنس.
والثاني: نعم لأن القيمة تختلف باختلاف الأنواع كما تختلف باختلاف الأجناس. هذا كلام القاضي.
قوله: وإذا ذكر الجنس والنوع لم يفتقر إلى ذكر الصفات، وفي وجه يفتقر إلى ذكر [معظم] (١) الصفات.
وضبط ذلك بما يصف به المدير عند القاضي، قاله القاضي أبو حامد.
وفي وجه أضعف منه يفتقر إلى صفات السلم. قاله أبو علي الطبري. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف في أن العبرة بصفات السلم لا
стр. 2102
بالصفات التي يدعى بها عند القاضي، وهو غريب، فإنه صريح بأن الصفات المذكورة في الدعوي ليست هي صفات السلم، وليس كذلك فقد جزم هو والنووي بأنها هي، كذا ذكره في موضعين:
أحدهما في باب القضاء على الغائب.
والثاني في أوائل كتاب الدعوى، ولم يذكرا خلاف ذلك.
قوله: ولو باع ما لم يره وصححنا العقد فهل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما عند المراوزة: لا يثبت لأن جانب البائع بعيد عن الخيار.
والثاني: يثبت لأنه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشترى، وهذا هو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومن تابعه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح هو الثاني. كذا صححه الرافعي في الكلام على شراء الأعمى وتبعه، وقد تقدم ذكره هناك مبسوطًا، وتقدم ما وقع فيه من المخالفة للنووي فراجعه.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يجده البائع زائد على ما وصفه به.
فإن وجده زائدًا ثبت له الخيار بلا خلاف قاله المارودي في "الحاوي" وقاسه على ما إذا وجده المشترى ناقصًا.
قوله: ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية؟ فيه وجهان.
قال صاحب "التهذيب": والامتداد أصح. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" والذي صححه البغوي هو الصحيح.
стр. 2103
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو باعه المشتري قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باعه في زمن خيار الشرط، فإنه يصح على [أصح] (١) الوجهين لأنه يصير مجيزا للعقد، وهنا الإجازة قبل الرؤية. انتهى.
وما ذكره من تصحيح البيع في زمن الخيار صورته إذا أذن فيه البائع أو باعه المشترى منه، فإن باعه من غيره بغير إذن لم يصح قطعًا كما أوضحوه في باب الخيار.
قوله: والثاني: نقل القاضي الروياني وصاحب "التتمة" وجهًا أنه يعتبر على قول اشتراط الرؤية الذوق في الخَلِّ ونحوه، والشم في المسك ونحوه، واللمس في الثياب ونحوها. انتهى كلامه.
وما نقله ﵀ عن "التتمة" من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط. فإن صاحب "التتمة" لم ينقله إلا في الشم والذوق ولم يتعرض للمس بالكلية، ثم إن الذهاب إليه بعيد جدًا، فإن المقصود من الثياب يعرف بالرؤية، وأما الخل والمسك ونحوهما فلا يعرف حالهما إلا بالشم والذوق، ومن جملة الحواس حاسة السمع، ولم يصرح الرافعي بجريان الخلاف فيما إذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
والفرق سهولة الشم والذوق بخلاف السماع فإنه إلى اختيار الطائر، وقد يشتريه صغيرًا لأجل فائدة سماعه في المستقبل.
قوله: الحادي عشر: ذكر بعضهم أنه لابد من ذكر موضع المبيع الغائب، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، فلا يجوز
стр. 2104
شرط تسليمه في بلد البيع بخلاف السلم، فإنه مضمون في الذمة، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها [يكون] (١) بيعًا وشرطًا. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهذا الذي نقله عن بعضهم ذكره المارودي والروياني في "البحر" ونقله في "شرح المهذب" عن المارودي إلا أن تعبير الرافعي بالموضع ليس مطابقًا لكلامهم فقد قال المارودي: ولابد في بيع العقار من ذكر البلد الذي هو فيه فيقول: بعتك داري بالبصرة أو ببغداد لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم.
والثاني: لا لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
هذه عبارته، ذكر ذلك بعد نحو كراس من أول البيع.
وذكر الروياني والنووي في الشرح مثله.
نعم أطلق المارودي أيضًا في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله لأنه لابد في بيع الدار من ذكر حدودها.
وذكر الرافعي أيضًا مثله في كتاب الوكالة في التوكيل في شراء دار، وهو يشعر بالاشتراط في شراء الغائب. وقد بسطت المسألة في "الهداية" فلتراجع منها.
قوله في أصل "الروضة": ولو رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني، وهو لا يعلم أيهما المسروق.
قال الغزالي في "الوسيط": إن تساوت صفتهما وقدرهما وقيمتهما
стр. 2105
كنصفى كرباس واحد صح قطعًا.
فإن اختلفا في شيء من ذلك خرج على بيع الغائب. انتهى.
وما ذكره من تفريع هذا على جواز بيع الغائب ليس بصحيح، بل الصواب تفريعه على امتناعه، [ولم يفرعه الرافعي على شيء، بل ذكره من جملة فروع منشورة بعضها مفرع على امتناعه] (١)، وبعضها على جوازه. ثم إن هذا الحكم ذكره الغزالي من جهته، ولم ينقله عن أحد، فإنه ذكره في "الوسيط" أنها وقعت له في "الفتاوي" فأفتى فيها بذلك، وهكذا ذكره الرافعي أيضًا، وكلام النووي [يوهم أن الغزالي ناقل لهذه المسألة عن غيره ولاسيما عبارته في شرح المهذب] (٢) فإنه نقل عنه أنه قال: يصح البيع بلا خلاف. وسببه أنه ينقل في "شرح المهذب" ما لخصه في "الروضة" وكلما نقل شيئا من كتاب إلى كتاب زاد في التحرير والتعبير.
وبالجملة فالذي قاله الغزالي حسن كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: إذا لم يشترط الرؤية فاختلفا فقال البائع للمشتري قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته ففيه وجهان: أظهرهما عند العبادي أن القول قول المشتري. انتهى.
والذي قاله العبادي هو الصحيح. كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: أما إذا اشترطنا الرؤية وفرض هذا الاختلاف يعني قول البائع للمشتري: إنك رأيت، وقول المشتري: ما رأيت.
فقد ذكر الغزالي في "فتاويه" أن القول قول البائع لأن للمشتري أهلية الشراء وقد أقدم عليه فكان ذلك إعترافًا منه بصحة العقد ولا ينقل هذا عن خلاف. انتهى كلامه.