الفور سواء كان [مبيعًا] (١) كما إذا أسلم بلفظ البيع أو كان ثمنًا للمبيع أو دين سلم.
قوله نقلًا عن "الوجيز": وترك التقصير بأن يرد عليه في الوقت إن كان حاضرًا. وإن كان غائبًا أشهد شاهدين حاضرين.
فإن لم يكن حضر عند القاضي. انتهى كلامه.
ونقل عن "الوسيط" نحوه أيضًا، وأنه صرح بأنه لو رفع إلى القاضي والمردود عليه حاضر كان تقصيرًا، ثم قال الرافعي بعد ذلك ما نصه: وفي الترتيب المذكور إشكال لأن الحضور في هذا الموضع إما أن يعني به الاجتماع في المجلس أو الكون في البلد.
فإن كان الأول فإن لم يكن البائع عنده ولا وجد الشهود لم يسعى إلى القاضي ولا يسعى إلى البائع؟ واللائق بمن يمنع المبادرة إلى القاضي إذا وجد البائع أن يمنع منها إذا أمكنه الوصول إليه.
فإن كان الثاني فأي حاجة إلى أن يقول شاهدين حاضرين، ومعلوم أن الغائب عن البلد لا يمكن إشهاده. انتهى.
وقول الرافعي: (لم يسعى) تقديره لأي شيء يسعى وهو بكسر اللام بعدها ميم مفتوحة، ثم فعل مضارع في آخره ألف.
ووقع في نسخ الرافعي بلم الجازمة وحذف الألف من يسعى على الجزم ولا معنى له، بل هو كما ذكرناه.
وأما إيضاحه فهو أن الغزالي قد ذكر أنه لا يجوز العدول إلى الحاكم مع وجود المالك، وأنه إذا لم يجد المالك ولا الشهود يجوز العدول إليه -أعني الحاكم- ويترك المالك: فقال الرافعي: ينبغي التسوية بين حضوره وعدم
стр. 2207
حضوره [حتى إذا جعلنا الذهاب إليه عند الوجود] (١) تقصيرًا كان ذلك عند عدمه.
قوله في الرد على الغائب: قال القاضي في "فتاويه" يدعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم، وأنه أقبضه الثمن ثم ظهر العيب، وأنه فسخ [البيع] (٢)، ويقيم البينة على ذلك في وجه مسخر ينصبه القاضي ويحلفه القاضي مع البينة لأنه قضاء على الغائب ثم يأخذ المبيع منه ويضعه في يدي عدل ويبقى الثمن دينًا على الغائب فيقبضه القاضي من ماله.
وإن لم يجد له سوى المبيع باعه فيه. انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي في هذه المسألة يوهم أو يقتضي أن المشتري إذا فسخ بالعيب ليس له حبس المبيع لاسترداده الثمن، وليس كذلك، بل له حبسه إلى قبضه. كذا نقله الرافعي في الكلام على حكم المبيع قبل القبض عن صاحب "التتمة" وأقره وبني عليه امتناع تصرف البائع فيه.
قوله: وإلى أن ينتهي إلى الخصم أو القاضي هل يلزمه الاشهاد على الفسخ إذا تمكن منه؟ فيه وجهان منقولان عن صاحب "التتمة" وغيره أصحهما اللزوم. انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان اللزوم، وقد صرح به في "الشرح الصغير" هنا فقال: فيه وجهان، واللزوم أشبه بالترجيح عندهم، وكذلك في "المحرر" أيضًا فقال: إنه أظهر الوجهين.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في الشفعة في الكلام على ما إذا بلغه الخبر وهو غائب فسار من غير إشهاد ما يخالفه فإنه قال: والظاهر أنه لا يجب الاشهاد كما لو أنقد وكيلًا.
стр. 2208
وليطرد ذلك فيما إذا كان حاضرًا في البلد فخرج إليه أو إلى مجلس الحكم كما سبق في الرد بالعيب. انتهى كلامه.
ذكر مثله أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يتعرض لهذا في "المحرر": ولا شك أن البابين من جهة المعنى على حد واحد، وقد صرح الأصحاب بذلك، بل صرح هو به في هذا الباب فقال: واعلم أن القول في كيفية المبادرة وما يكون تقصيرًا وما لا يكون إنما نبسطه في كتاب الشفعة. هذا كلامه.
فدل على ما قلناه من استواء البابين، وهو واضح وقد وقع الموضعان كذلك في "الروضة" وصحح في تصحيح التنبيه في مسألة الشفعة أنه يجب على عكس ما ذكره في "الروضة" هناك.
ومن نظائر المسألة نفي الولد، وقد رجح فيه الرافعي في كتاب اللعان وجوب الإشهاد إذا كان غائبًا وسار لنفيه، واقتضى كلامه أنه لا يجب على الحاضر.
قوله: ولو عجز في الحال عن الإشهاد فهل عليه التلفظ بالفسخ؟ فيه وجهان: أصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب" أنه لا حاجة إليه. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، والراجح في هذه المسألة أنه لابد منه فقد قال صاحب "التتمة": إذا اطلع ليلًا ولم يتمكن من الحاكم والإشهاد والبائع فلابد من الفسخ باللفظ عند عامة الأصحاب، وجوز القفال التأخير.
وهذا الكلام صريح في حكايته عن الأكثرين، وليس في كلام الرافعي ترجيح إلا عن الإمام والبغوي، لكنه في "الشرح الصغير" صرح بالتصحيح فقال: الأصح أنه لا حاجة إليه.
стр. 2209
فإنه لما لم يجد في "الكبير" إلا هذا الترجيح صرح به.
واعلم أن الإمام لم يفرضها في حال العجز كما فرضه الرافعي، بل أطلق، وأيضًا فإنه جازم بعدم الوجوب لا مصحح له.
قوله: ولو قال: لم أعلم أن الرد يبطل بالتأخير قبل قوله: لأنه يخفي على العوام. انتهى.
استدرك النووي فقال: شرطه أن يكون مثله ممن يخفي عليه؛ قال: وكذلك الشفعة.
وهذه المسألة مع نظائرها نذكرها إن شاء الله تعالى مبسوطة في النكاح.
قوله: فلو كان المبيع رقيقًا فاستخدمه في مدة طلب الخصم أو القاضي بطل حقه، وإن كان بشيء خفيف. انتهى كلامه.
واعلم أن الإستخدام هو طلب الخدمة، وحينئذ فيؤخذ من التعبير به أنه لو خدمه وهو ساكت لم يضر، وهو متجه، وأن مجرد الطلب يؤثر سواء وجد العمل أم لم يوجد، وفيه نظر.
قوله: ولو ركب الدابة للانتفاع فاطلع على العيب لم يجز استدامة الركوب، وإن توجه للرد بخلاف ما لو كان لابسًا ثوبًا فاطلع على عيبه في الطريق، فتوجه للرد ولم ينزع فهو معذور، لأن نزع الثوب في الطريق لا يعتاد، قاله المارودي. انتهى كلامه.
وما ذكره المارودي في الثوب يتعين تصويره في ذوي الهيئات، فإن غالب المحترفة لا يمتنعون من ذلك، ويأتي أيضًا نحوه في النزول عن الدابة.
قوله من "زوائده": قلت لو اشتري عبدًا فأبق قبل القبض فأجاز المشتري المبيع ثم أراد الفسخ فله ذلك ما لم يعد العبد إليه، ذكره الإمام الرافعي في آخر المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة. انتهى.
стр. 2210
وهذه المسألة وأخواتها كالغصب والصباغ. ذكرها الرافعي في الباب الذي يلي ما نحن فيه، وهو باب حكم المبيع قبل القبض، وحكى فيها خلافًا وتفاريع، وبسط الكلام فيها فراجعها.
قوله: ولو زال العيب الحادث بعد ما أخذ المشتري أرش العيب القديم فهل له الفسخ ورد الأرش؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع.
وإن كان بعد قضاء القاضي فوجهان مرتبان، والأصح كما قاله البغوي أيضًا المنع. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو ما صححه البغوي، كذا صححه النووي في أصل "الروضة"؛ لكن في "الحاوى الصغير" جواز الرد.
الثاني: أن ما ذكره الرافعي من ترتيب الخلاف [على الخلاف] (١) يؤخذ منه وجه فارق بين المسألتين، ولم يذكره النووي في "الروضة" بل سوى بين المسألتين.
قوله: واعلم أن كل ما يثبت الرد على البائع لو كان في يده يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري، وما لا رد به على البائع لا يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري إلا في الأقل.
فلو خصي العبد ثم عرف به عيبًا قديمًا فلا رد، وإن ازدادت قيمته، ولو نسى القرآن أو الحرفة ثم عرف به عيبًا قديمًا فلا رد لنقصان القيمة. انتهى كلامه.
ومعنى قوله: (إلا في الأقل) أنه يتصور أن لا يرد المشتري بالشيء على البائع، ومع ذلك يمنع الرد إذا حدث عند المشتري.
стр. 2211
قال ابن الرفعة في "المطلب": ولعله احترز به عما ذكره ابن الصباغ من أنه إذا اشترى عبدًا له أصبع زائدة فقطعها فإنه يمنع الرد، وإن زادت به قيمته كما إذا خصي العبد، وإن كان لو اشتراه وقد قطع البائع أصبعه الزائدة قبل البيع ولا شين لا يثبت للمشتري الخيار بخلاف الخصي.
وما ذكره ابن الصباغ من امتناع الرد قد سبقه إليه القاضي أَبو الطيب، وخالفهما المتولي فقال: إن له الرد، لكن قال ذلك بعد: إن قرر أن فعل البائع له ليس بعيب، وهو ماشٍ على قاعدته.
وأما القاضي أَبو الطيب وابن الصباغ فيحتمل أن [لا] (١) يكونا قالا ذلك لأنهما يريان أنه عيب حتى يرد به المشتري لو صدر عند البائع.
ويحتمل أن يكون المستند أنه جزء ورد عليه العقد وهو غير موجود حالة الرد.
قوله: ولو زوجها ثم عرف بها عيبا فكذلك، أي ليس له الرد لنقصان القيمة.
قال الروياني: إلا أن يقول الزوج: إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق، وكان ذلك قبل الدخول، فله الرد لزوال المانع بالرد. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حصر الرد فيما ذكره الروياني وليس كذلك، فإن التزويج لو كان من البائع كان كتعليق الطلاق على الرد لأنه بالرد ينفسخ النكاح. ولم أر هذه الصورة مسطورة، وقد توقف ابن الرفعة في "المطلب" فيما ذكره الروياني لأجل مقارنة العيب للرد، والتوقف ضعيف لأن المعنى المقتضي للامتناع وهو نقصان القيمة غير موجود.
قلت: ويندفع النظر المذكور بما إذا قال الزوج: فأنت طالق قبيله.
стр. 2212
قوله: وإذا اشترى حليًا بوزنه من جنسه ثم أطلع علي عيب قديم بعد حدوث آخر عنده ففيه أوجه:
أحدها: وهو اختيار القاضي الطبري وصاحب "المهذب" ومعظم العراقيين: أنه يفسخ البيع، ويرد الحلي مع أرش العيب الحادث. . . . إلى آخر ما قال.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: إن هذا الوجه ذهب إليه الأكثرون، وصححه أيضًا النووي في "أصل الروضة".
الثاني: لم يبين الرافعي أن الفاسخ هو الحاكم أو المشتري؟ وقد بينه الشيخ أَبو حامد وصاحب "العدة" فقالا: إن الفاسخ هو الحاكم.
قوله في "الروضة": فرع:
لو اطلع على عيب الثوب بعد صبغه فأراد البائع إعطاء الأرش وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ فالأصح أن المجاب هو البائع، ولو كان بالعكس فوجهان، قطع ابن الصباغ والمتولي بأن المجاب هو البائع أيضًا. انتهى ملخصًا.
صرح الرافعي بأن الراجح في المسألة الثانية هو ما قالاه، فقال بعد حكاية هذا في أثناء بحث ما نصه: وقضية إيراد الأئمة أنه لا يجاب المشتري إذا طلب الأرش. انتهى.
فحذف النووي الترجيح المذكور، مع أن الواقف على هذا الكلام لو لم يظفر به -أعني بهذا: الترجيح- لكان [لا] (١) يتوقف في إجابة المشتري
стр. 2213
لأنه طالب لتقرير العقد.
والأصح فيه أنه يجاب طالبه كما تكلموا عليه في مسألة امتناع الرد بحدوث العيب إذا لم يرض البائع بأخذه مجانًا، بل مسألة الصبغ أولى بالإجابة لأن في إجابة البائع لما سأله فيها إخراج عين من ملك المشتري لم يرض بإخراجها، ثم إنهم قد قالوا أيضًا بتقديم الإجازة على الفسخ فيما إذا اشترى عبدًا بأمة ثم أعتقهما فإن الأصح تنفيذ إعتاق ما يقتضي إبقاء العقد.
وبالجملة فهذه المسألة مشكلة خارجة عن القواعد محتاجة للفرق بينها وبين ما سبق.
قوله: ولو اشترى شيئًا مأكوله في جوفه فكسر منه مقدارًا يعرف به العيب فوجده معيبًا ففي رده خلاف.
فإن جوزنا ففي تفريعه أرش الكسر خلاف. ثم قال: فإن قلنا بالتغريم غرم ما بين قيمته صحيحًا فاسد اللب ومكسورًا فاسد اللب ولا ينظر إلى الثمن. انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره أن العين المبيعة إذا رجعت إلى البائع بانفساخ العقد فوجد بها عيبًا وطالب بالعيب فإنه ينسب الأرش إلى القيمة لا إلى الثمن.
والمعني فيه أن العقد قد انفسخ، وصار المقبوض في يده كالمستام.
إذا علمت هذا الحكم وتعليله فقد جزم في الفلس بما يخالفه فقال فيما إذا رجع غريم المفلس في العين، وقد نقصت بفعل مضمون أنه يطالب مع الغرماء بأرش النقص من الثمن.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة"، واقتصر في "المحرر" على ذكرها في الفلس.
ولأجل هذا الاختلاف أثبت ابن الرفعة في "الكفاية" في المسألتين خلافًا.
стр. 2214
قوله: فإذا باع بعض المبيع ثم اطلع على عيب فهل يرجع بحصة الباقي؟ فيه وجهان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه يرجع. انتهى.
والصحيح ما قاله صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: فإذا وجد بالمبيع عيبًا يمكن حدوثه فادعى البائع أنه حدث عند المشتري، وأنكر المشتري فالقول قول البائع لأن الأصل لزوم العقد واستمراره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أننا وإن صدقنا البائع فإذا حلف ثم جرى الفسخ بعده فتحالف وطالب المشتري بأرشه، وزعم أنه أثبت حدوثه بيمينه فلا نجيبه إليه لأن يمينه وإن صلحت للدفع عنه فلا تصلح لشغل ذمة المشتري، بل للمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث. قاله الغزالي في "الوسيط" هنا، وسبقه إليه القاضي ثم الإمام.
الثاني: رأيت فىِ "المطارحات" لابن القطان مسألة حسنة غريبة فيها تقييد لإطلاق تصديق البائع فقال: لو ادعى المشتري عينين في يد البائع فاعترف بأحدهما، وادعى حدوث الآخر في يده حتى يمتنع عليه الرد كان القول قول المشتري، وجعلها قاعدة عامة حيث كان العيب يثبت الرد صدق البائع، وحيث كان يبطله صدق المشتري، وهذا الذي قاله متعين عملًا بالأصل في الموضعين.
قوله: ولو اختلفا في بعض الصفات هل هو عيب فقال واحد من أهل المعرفة: إنه عيب، فهل يثبت الرد؟ قال في "التهذيب": نعم.
واعتبر في "التتمة" شهادة اثنين. انتهى.
стр. 2215
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح. وقال في "المطلب": القياس ما قاله صاحب "التتمة" وجزم به القفال في "فتاويه" ويشهد له أيضًا ما قاله الرافعي في الديات، وتابعه عليه النووي أيضًا أنّا إذا أوجبنا الخلفات فلابد من معرفة الحمل من قول عدلين من أهل الخبرة، والحمل من جملة العيوب المذكورة. هاهنا وإن لم يكن في البهائم عيبًا.
قوله: وفي "التتمة" ذكر وجه أن الفسح يرفع العقد من أصله مطلقًا أي قبل القبض وبعده تخريجًا من القول بوجوب مهر المثل إذا فسخ النكاح بعيب حدث بعد المسيس. انتهى كلامه.
وما قاله ليس مطابقا لما في "التتمة"، فإنه قد ذكر أن الرد يرفع العقد من أصله تخريجًا من نص الشافعي في النكاح على أن الرجل إذا وطئ امرأته ثم وجد بها عيبًا يفسخ النكاح يغرم لها مهر المثل.
قال: ووجه هذه الطريقة المخرجة أن سبب الفسخ قارن العقد وهو العيب فاستند في الحكم إليه، ويجعل كأنه جمع في العقد بين موجود ومعدوم حتى يصير كأن العقد لم يكن. انتهى كلامه.
وهو صريح في اختصاص هذا الوجه المخرج بالعيب المقارن على خلاف ما دل عليه تعبير الرافعي.
وعلى هذا فيكون الفسخ بالعيب الحادث مضافًا إلى وقت حدوثه كما ذهب بعض الأصحاب إليه في فسخ النكاح.
قوله: وإن افتضها الأجنبي بآلة الافتضاض فعليه المهر، وهل يدخل فيه أرش البكارة أو الرد؟ فيه وجهان: أصحهما: يدخل. انتهى.
هذه المسألة سبق الكلام عليها واضحا في آخر باب البيوع المنهي عنها فراجعه.
стр. 2216
قوله: لنا ما روى أن مخلد بن خفاف ابتاع غلامًا. . . . الحديث المعروف (١).
وروى في آخره أنه ﵊ قال: "الخراج بالضمان".
أما مخلد فإنه بميم مفتوحة وخاء معجمة ساكنة. وخفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهو غفاري يقال: إن له ولأبيه ولجده صحبة.
وحديثه هذا رواه أَبو داود وابن حبان في "صحيحه" وكذلك الترمذي والحاكم وقالا: إنه صحيح.
قوله: ولو اشترى جارية فولدت ثم اطلع على عيب بها فهل يتعين الأرش أم يجوز التفريق؟ فيه اختلاف.
ثم قال: وسنذكر نظيره في الرهن. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في هذه المسألة أنه لا يجوز التفريق، وكذا صرح الرافعي بالمسألة، وبالتصحيح في باب الفلس في الكلام على الرجوع وعبر بالأصح فافهمه، فإن المسألة ليس فيها تصحيح في هذا الباب.
الثاني: أن الرافعي أشار بقوله: (وسنذكر نظيره في الرهن) إلى أن الأم
стр. 2217
إذا رهنت دون الولد أو بالعكس واحتجنا إلى البيع فإنه لا يجوز التفريق على الأصح، غير أنه لا يؤخذ منه امتناع التفريق في هذه المسألة لأن الرافعي لم يجعل المسألة كالمسألة وإنما جعل الخلاف نظير الخلاف، وهو نظيره لكونه أيضًا خلافًا في جواز التفريق.
وقد عبر النووي في "الروضة" عن هذه العبارة بتعبير فاسد فقال: وستأتي المسألة مع نظيرها في الرهن. هذا لفظه.
والمسألة ليس لها ذكر في الرهن، وليست أيضًا نظير هذه.
قوله: فأما إذا اشترى جارية أو بهيمة حاملًا ثم وجد بها عيبًا، فإن كانت حاملًا بعد ردها كذلك وإن وضعت الحمل، ونقصت بالولاة فلا رد. انتهى كلامه.
وما قاله ﵀ من امتناع الرد بسبب النقصان الحاصل من الولادة تابعه عليه في "الروضة" وهو صحيح إن كان المشتري عالمًا بالحمل حالة العقد، أو علم به بعد ذلك ورضى.
فأما إذا استمر الجهل إلى الوضع فلا، وقد تقدم في أول الباب أن العيب إذا حصل في يد المشتري بسبب موجود في يد البائع كافتضاض البكر وقطع العبد وقتله بما سبق من النكاح والجناية والردة هل يكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: إن علم المشتري بذلك كان من ضمانه وإلا فمن ضمان البائع.
قوله: ولو اشترى جارية أو بهيمة حائلًا فحملت ثم اطلع على عيب، فإن نقصت بالحمل فلا رد إن كان الحمل في يد المشتري، وإن لم تنقص أو كان الحمل في يد البائع فله الرد.
وأما الولد فإن قلنا: يعرف ويأخذ قسطًا من الثمن فيبقى للمشتري
стр. 2218
فيأخذه إذا انفصل.
وحكى الماوردي وجهًا آخر أنه للبائع لاتصاله بالأم عند الرد.
وإن قلنا: لا يعرف فهو للبائع، ويكون تبعًا للأم عند الفسخ كما يكون تبعًا لها عند العقد. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الكلام على أن الحمل هل هو عيب أم لا؟ وقد سبق في العيوب ذكره، وذكر ما وقع فيه من المخالفة في كلامه وكلام النووي فراجعه.
الثانى: أن الحمل هل يتبع الأم في الفسخ أم لا؟ وحاصل ما ذكره هنا ترجيح عدم الدخول.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في نظيره من الفلس ما يخالفه فقال في آخر الباب في الكلام على رجوع البائع: ولو كانت حائلًا عند الشراء حاملًا عند الرجوع ففي رجوع البائع في الحمل قولان، والأكثرون مائلون إلى ترجيح قول الرجوع، وذكروا أنه المنصوص لأن الحمل تابع في البيع، فكذا في الرجوع انتهى ملخصًا.
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" و"الروضة" والصواب التسوية بينهما.
وحينئذ فينبغي أن تكون الفتوى على انتقال الحمل مع الأم لنقله إياه في الفلس عن الأكثرين، وهو مقتضى كلام "المحرر"، فإنه هنا جعل الزيادات المتصلة للبائع، ولم يستثنى منها شيئًا، وصرح به هناك.
ومن نظائر المسألة رهن الجارية أو البهيمة حائلًا ثم تحمل، والأصح أن الرهن لا يتعدى إلى الولد وكذلك رجوع الوالد في الهبة.
والصحيح فيها أن الحمل لا يتبع الأم على وفق ما صححوه في هذا
стр. 2219
الباب. كذا صححه النووي في "الروضة" وهو مقتضى كلام الرافعي، فإنه بناه على أنه هل يأخذ قسطًا من الثمن كما فعل هنا؟ .
الأمر الثالث: إذا قلنا: لا يتبع في الفلس، فقال الشيخ أَبو محمد: يرجع فيها قبل الوضع.
وقال الصيدلاني وغيره: لا يرجع في الحال، بل يصبر إلى انقضاء المدة، هكذا قاله الرافعي.
ومقتضاه رجحان الثاني، وحينئذ فقياسه أن لا يجوز للمشتري أن يفسخ بالعيب حتى تضع، لكن ذكر النووي هناك من "زياداته" أن قول الشيخ أبي محمد هو ظاهر كلام الأكثرين.
وفي "الشرح" و"الروضة" حكاية الوجهين في الواهب من غير ترجيح.
وسبب امتناع الرجوع قبل الوضع أنه إدخال ملك اختيارًا فلم يجز عند عدم دخول الحمل كبيع الحامل بحر، فإنهم صححوا امتناعه، وعللوه بأن مقتضى البيع دخول الحمل مع الأم، ولم يوجد فصار نظير ما إذا باع الجارية واستثنى حملها.
وقد تقدم [الكلام على] (١) هذا التعليل في موضعه.
الأمر الرابع: أن النووي قد ذكر أيضًا من "زياداته" في كتاب الفلس نقلًا عن الماوردي من غير مخالفة له أنا إذا قلنا: إن الحمل لا يتبع الأم فلا تسلم الجارية إلى البائع، ولا تبقى في يد المشتري أو الغرماء لأن لكل واحد حقا، وقياس هذا إنما يأتي في الرد بالعيب، وظاهر كلامهم يأباه.
واعلم أن الحمل يندرج في المعاوضة قطعًا، وفي اندراجه في غيرها من العقود والفسوخ قولان، حتى الهبة نقل الإمام فيها أن الجديد عدم
стр. 2220
الاندراج، وكلام الرافعي يقتضي الجزم فيها بالاندراج، وفي الرهن الأصح الاندراج وفي الفلس والرجوع بالهبة.
قوله: لكن لو أقاله في البعض ليعجل الباقي أو عجل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي فهي فاسدة. انتهى كلامه.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها واضحًا في أول البيوع المنهي عنها فراجعه.
قوله من "زياداته": قال القفال في "شرحه في التلخيص": لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ففيه ثلاثة أوجه، سواء قلنا: الإقالة بيع أو فسخ:
أصحها -وهو قول ابن المرزبان-: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان وتبطل الإقالة. انتهى كلامه.
وهذه المسألة لم أرها في "شرح التلخيص" المذكور وينبغي تحرير تصويرها لأنه إن كان قبل قبض الثمن فلا فائدة في الاختلاف لأنه ساقط عن المشتري، قليلًا كان أو كثيرًا.
فإن قيل: قد يكون معينا وتحصل منه زوائد يطلبها البائع.
قلنا: حينئذ لا موجب لتصديق البائع وإعطائه ما يدعيه بمجرد قوله.
وإن كان بعد القبض فتصديق البائع واضح لأنه غارم، ومجيء الخلاف بعيد لاسيما التحالف، فإنه يؤول أيضًا إلى النزاع بعد الانفساخ فلا يبقي له فائدة.
قوله: ولو رد العقد علي درهمين معينين فخرج أحدهما نحاسًا له قيمة فالعقد باطل لأنه بان أنه غير ما عقد عليه، وقيل: إنه صحيح تغليبًا للإشارة. انتهى كلامه.
стр. 2221
وما ذكره هنا من تغليب العبارة على الإشارة، قد ذكر في أوائل كتاب النكاح في الكلام على المعقود عليه ما يعكر عليه فإنه ذكر هناك ما إذا قال: بعتك فرسي هذا، وهو بغل، وذكر فيه ما يقتضي الصحة تغليبًا للإشارة، ونقل هناك أيضًا عن الروياني في "البحر" أنه لو قال: زوجتك هذا الغلام وأشار إلى ابنته صح، وكلامه أيضًا يقتضي صحة البيع في كتاب الخلع، ولم يتعرض في "الروضة" للموضع الثاني.
قوله من زياداته: ولو اشترى سلعة بألف في الذمة فقضاه عنه أجنبي متبرعًا فرد السلعة بعيب لزم البائع رد الألف، وعلى من يرد؟ وجهان:
أحدهما: على الأجنبي لأنه الدافع.
والثاني: على المشتري لأنه تقدر دخوله في ملكه فإذا رد المبيع رد إليه ما يقابله، وبهذا الوجه قطع صاحب المعاياة. انتهى كلامه.
وهذا الكلام فيه إشعار برجحان الثاني لأن تصحيح بعض أئمة المذهب معمول به فضلًا عن القطع، لكن نقل في الصداق ما يخالفه فقال في أوائل السبب الرابع من الباب الثاني ما نصه: وإذا كان الابن بالغًا وأدى الأب عنه الصداق فهو كالأجنبي إذا أدى عنه، والأصح في صورة الأجنبي عود النصف إليه لا إلى الزوج، قاله الإمام. انتهى.
وذكر أيضًا في كتاب الضمان نحوه فقال: وإذا ضمن الثمن عن المشتري بغير إذنه وأداه فرده المشتري بعيب أو غيره فهل يرجع ما دفعه إليه أم للمشتري؟ قال: على الخلاف المذكور في الصداق ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير".
قوله أيضًا من "زياداته": قال القفال والصيدلاني وآخرون: إذا اشترى ثوبًا وقبضه وسلم ثمنه ثم وجد بالثوب عيبًا قديمًا فرده فوجد الثمن معيبًا ناقص الصفة بأمر حدث عند البائع يأخذه ناقصًا ولا شيء عليه له بسبب
стр. 2222
النقص، وفيه احتمال لإمام الحرمين ذكره في باب تعجيل الزكاة. انتهى كلامه.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في المانع الأول من موانع الرد، وما ذكره هنا أيضًا من جعل الرجوع احتمالًا غريب، فإنه وجه ثابت قوي على ما صرح به هو هناك فقال: لا أرش لنقص صفة المسمى في الأصح.
стр. 2223
قال ﵀: النظر الثالث في حكم العقد قبل القبض وبعده
قوله: الأول أن يتلفه المشتري فهو قبض منه على المذهب -إلى آخره.
يستثني من ذلك ما إذا اشترى عبدًا [فارتد] (١) قبل القبض وكان المشتري هو الإمام فقتله فإنه لا يكون قبضًا ولا يستقر عليه الثمن بخلاف ما إذا كان غير الإمام فإنه مستقر عليه، كذا نقله الرافعي قبيل باب الديات عن "فتاوى البغوي" وأقره.
ويستثني أيضًا ما لو قتله قصاصًا ففى "المطلب" لابن الرفعة أنه يظهر أن يكون كالآفة.
والقياس في تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن أن يكونوا كالمرتدين في هذا الحكم.
ويتصور كون الزاني المحصن عبدًا مع أن شرط الإحصان الحرية في الكافر إذا زنى ثم لحق بدار الحرب فاسترق.
وقد سبق في أواخر الرد بالعيب كلام آخر متعلق بهذه الصورة.
واعلم أن استقرار الثمن على قاتل المرتد إذا كان غير الإمام مشكل، فإنه لو قتله لم يلزمه شيء كما ستعرفه واضحًا في خيار النقص، فكيف يستقر عليه الثمن مع أن هذا القتل غير مضمون، وهكذا القول أيضًا في الثلاثة التي ألحقها.
وأما القتل للصيال فسيأتي في كلامه.
قوله: والثالث أن يتلفه البائع فطريقان:
أظهرهما: أنه على قولين:
стр. 2224
أصحهما: انفساخ العقد. انتهى كلامه.
وما صححه هاهنا من الانفساخ قد صححه أيضًا في باب الفلس في الكلام على رجوع البائع فقال: إنه الأصح عند صاحب "التهذيب" وغيره، وصححه أيضًا هنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" [لكنه أعادها في "الشرح الصغير" في أوائل كتاب الصداق وقال: الأصح] (١) أنه كإتلاف الأجنبي؛ والفتوى على المذكور هنا وهو الانفساخ. فإن الرافعي نقله في آخر المسألة عند الكلام على رقم كلام الغزالي عن الجمهور.
قوله: ولو صال العبد المبيع على المشتري في يد البائع فقتله دفعًا، فعن الشيخ أبي علي ألا يستقر الثمن عليه.
وعن القاضي أنه يستقر. انتهى.
والأصح عدم الاستقرار، وكذا قال النووي من "زياداته".
قوله: ولو أغرق البحر الأرض المشتراة أو وقع عليها صخور عظيمة من جبل بجنبها أو كسيها رمل فهل هو كالمتلف أو أثرها ثبوت الخيار؟ فيه وجهان، الأشبه الثاني. انتهى.
وما ذكره هاهنا من ترجيح ثبوت الخيار قد ذكر ما يخالفه في موضعين من هذا الكتاب: أحدهما في كتاب الشفعة [فإنه جزم في أوائل الباب الثاني منها بأن غرق الأرض إتلاف لا تعييب. حتى إنه إذا حصل في بعض الأرض المشتراة] (٢) فلا يأخذ الشفيع إلا بالحصة.
والثاني في آخر الإجارة فقال فيما إذا استأجر أرضًا فغرقت بالماء أنه يكون كانهدام الدار.
والصحيح في انهدامها الانفساخ لا الخيار.
стр. 2225
ووقعت هذه المواضع أيضًا في "الروضة"، وعبر عن قول الرافعي هنا الأشبه والثاني بقوله: إنه الأصح.
وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الثاني فقط، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "مختصره".
قوله: إذا اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الثاني قولا تفريق الصفقة. انتهى.
وهذه المسألة سبق الكلام عليها في تفريق الصفقة فراجعه.
قوله: وأصح الأوجه أنه يصح إعتاق المبيع قبل القبض سواء كان للبائع حق الحبس أم لا ثم قال: فلو وقفه ففي "التتمة" أنه ينبني على أن الوقف هل يفتقر إلى القبول؟
إن قلنا: نعم. فهو كالبيع، وإلا، فكالإعتاق وبهذا أجاب صاحب "الحاوي". انتهى.
وهذه المقالة التي نقلها هنا عن "التتمة" وارتضاها ولم يردها نقلها عنه أيضًا في وقف الراهن المرهون ثم صحيح القطع، بإنه لا يلتحق بالعتق وأنه يبطل مطلقًا.
والقياس التسوية بين البابين وإلا فما الفرق.
قوله: ولو باع المبيع قبل القبض من البائع لم يصح في أصح الوجهين، ثم قال: والوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة وإلا فهو إقالة بصيغة البيع. قاله في "التتمة". انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة". والنقل المذكور قد نقله صاحب "التتمة" عن بعضهم فقال: السابعة: إذا باع المبيع قبل القبض من البائع فمن أصحابنا من قال: إن باع منه بغير جنس الثمن الأول وقدره وصفته فهو إقالة بلفظ البيع.
стр. 2226
ومنهم من قال: البيع منه جائز لأن المنع من البيع بحق أو للعجز عن التسليم فأيهما كان ففي حقه معدوم هذا لفظه.
وقد ذكر شيخه القاضي الحسين هذه المسألة بزيادة لابد من معرفتها، فإن حكم المسألة متوقف عليها فقال وإن باعه بمثل ذلك الثمن جنسًا وقدرًا إن جوزنا البيع في المسألة الأولى فهاهنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا يجوز كذلك.
والثاني: يجوز ويجعل إقالة بلفظ البيع.
والوجهان في الحقيقة يبنيان على أن العبرة في العقد باللفظ أو بالمعنى؟ هذا لفظه.
وفي المسألة كلام آخر سبق ذكره في الرد بالعيب في الكلام على ما إذا اطلع على العيب بعد زوال الملك فراجعه والأصح كما قاله الرافعي في أوائل السلم أن العبرة باللفظ. وحينئذ فلا يصح هذا على الصحيح.
والعجب من إسقاط الرافعي هذه الزيادة.
قوله: فلو وهب منه أي من البائع قبل القبض أو رهن فطريقان:
أحدهما: القطع بالمنع.
وأصحهما في ما نقل عن صاحب "التهذيب": أنه على القولين. انتهى.
والصحيح ما قاله صاحب "التهذيب" كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: والأمانات كالوديعة. ثم قال: والمال في يد المستأجر بعد المدة. انتهى.
وهذه المسألة فيها كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الإجارة فراجعه.
стр. 2227
قوله: فمنها ما حكاه صاحب "التلخيص" عن النص أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض، فمنهم من قال: هذا إذا قرره السلطان فتكون يد السلطان في الحفظ يد المفرز، ويكفي ذلك لصحة البيع.
ومنهم من لم يكتف بذلك، وحمل النص على ما إذا وكل وكيلًا في فقبضه الوكيل ثم باعه الموكل، وإلا فهو بيع شيء غير مملوك، وهذا ما أورده القفال في الشرح. انتهى ملخصًا.
فيه أمران نبه عليهما في "الروضة":
أحدهما: أن الأصح هو الأول، وإن كان على خلاف القاعدة للرفق بالجند.
الثاني: أن مراد الرافعي بقوله: وهو الذي أورده القفال في "الشرح" إنما هو عدم الاكتفاء فإنه نقل هكذا في "شرح التلخيص" له، وأما الحمل المذكور على ما إذا وكل فلم يذكره.
قال: وصرح القفال بأن مراد الشافعي بالرزق هو الغنيمة. انتهى كلام "الروضة".
والذي ذكره الرافعي والنووي هنا كلام غير محرر مخالف للقواعد والنقول في المسألة بعينها، ويصح بما ذكره الرافعي في كتاب السير فإنه قال: وقولنا: تملك الغنيمة بالقسمة، محله إذا رضي الغانم بالقسمة أو قبل ما عينه له الإمام.
وأما إذا رد فينبغي أن يصح رده.
وذكر البغوي فيه خلافًا فقال: إذا أقر الإمام الخمس وأقرر نصيب كل واحد منهم أو أقرر لكل طائفة شيئًا معلومًا فلا يملكونه قبل اختيار التملك على الأصح حتى لو ترك بعضهم حقه صرف إلى الباقين هذا كلامه.
стр. 2228
وحينئذ فيكون ما ذكره هاهنا من صحة البيع في نصيبه وهو في يد الإمام صحيحًا متجهًا ماشيًا على القياس لأنه بيع الغانم المقدار الذي عينه له الإمام قبول منه له لاسيما إذا وجد منه الرضى بقسمة الإمام، ولو أفرز الإمام للأجناد المرتبين في ديوان الجيش شيئًا من مال [الفيء] (١) كان بيعه قبل قبضهم له مخرجًا على ما ذكرناه في الغنيمة.
قوله: ومنها: الشفيع إذا تملك الشقص قال في "التهذيب": له بيعه قبل القبض.
وقال في "التتمة": ليس له ذلك لأن الأخذ بها معاوضة.
قال في "الروضة": من "زوائده" إن الثاني أقوى. انتهى.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد صرح بالتصحيح في باب الشفعة فقال: إنه أظهر الوجهين، وعبر عنه في "الروضة" بالأصح.
وكلامه هنا يؤذن بعدم استحضاره إياه.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر هناك تفصيلًا فقال: وفي نفوذ تصرف الشفيع قبل القبض إذا كان قد سلم الثمن وجهان:
أصحهما: المنع كالمشتري.
والثاني: الجواز لأنه قهري كالإرث.
ولو ملك بالإشهاد أو بقضاء القاضي لم ينفذ تصرفه قطعًا، وكذا لو ملك برضى المشتري يكون الثمن عنده. هذا كلام "الروضة" إلا أنه مخالف لكلام الرافعي، فإنه -أعني الرافعي- نقل هذا التفصيل عن الإمام خاصة؛ ثم قال عقب حكايته له: والقياس التسوية. هذا لفظه.
стр. 2229
قوله: ومنها إذا استأجر صباغًا ليصبغ ثوبًا وسلمه إليه. . . . إلى آخره.
وهذه المسألة فيها كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في آخر الفلس فراجعه.
قوله: فإذا باع بدراهم أو بدنانير في الذمة جاز الاستبدال عنها في الجديد لما روي عن ابن عمر ﵄. قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق (١).
وإذا باع بغير الدراهم والدنانير فجواز الاستبدال عنه ينبني على أن الثمن ما ألصق به ثاء الثمنية إن قلنا: إنه هو. فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين وإن لم نقل بذلك فلا يجوز. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الجواز إذا لم نقل بهذا الوجه تبعه عليه في "الروضة" وهو لا يستقيم لأن لنا وجهين آخرين:
أحدهما: أن الثمن هو النقدان لا غير، وعلى هذا فلا يجوز الاستبدال كما قال.
والثاني: أن الثمن هو النقد، فإن لم يكن أو كان العوضان نقدين فالثمن ما اتصل به الباء.
وهذا الوجه هو الصحيح، وحينئذ فيجوز الاستدلال، ويكون هو الصحيح لوجود الباء أيضًا مع انتفاء النقدية فاعلمه.
والبقيع الوارد في الحديث المذكور هو بالباء الموحدة وهو بقيع الغرقد
стр. 2230
مدفن أهل المدينة، وكانوا يبيعون فيه الإبل لعدم كثرة الموتى فيه.
وفال ابن باطيس: الظاهر أنه بالنون، وحكاه ابن معن قولًا ورد عليهما النووي في "تهذيبه". والحديث رواه أَبو داود.
قوله: وإن استبدل عنهما ما لا يوافقهما في علة الربا كما إذا استبدل عن الدراهم طعامًا أو ثيابًا نظر إن عين جاز.
وهل يشترط فيه القبض في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم. وهو اختيار الشيخ أبي حامد ويحكى عن أبي إسحاق وجماعة من الأصحاب، وصححه الغزالي، وهو ظاهر نصه في "المختصر".
وأصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يشترط. انتهى ملخصًا.
وكلامه ظاهر في رجحان الاشتراط، وليس كذلك، بل الصحيح عدم الاشتراط. كذا صححه الرافعي في كتاب الصلح من هذا الكتاب، وصححه أيضًا هنا في "المحرر"، وهو مقتضى كلامه في "الشرح الصغير" وصححه النووي في "زياداته".
قوله: الضرب الثالث: ما ليس بمثمن ولا ثمن كالقرض والاتلاف، فيجوز الاستبدال عنه إذا استهلكه.
أما إذا بقى في يده فلا لأنا إن قلنا: إن القرض يملك بالقبض فبذله غير مستقر في الذمة، لأن للمقرض أن يرجع في عينه.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فالمستقرض مسلط عليه، وذلك يوجب ضعف الملك في القرض. انتهى كلامه.
وما نقله عن "الشامل" إذا ملكناه بالقبض صحيح وأما إذا قلنا: لا يملك
стр. 2231
إلا بالتصرف فلا يصح نقلًا ولا معنى.
أما الأول فلأن صاحب الشامل إنما نقله عن بعضهم فقال: قال بعض أصحابنا: لا يجوز، وأشعر إيراده بترجيح خلافه.
وأما الثاني فلأن كلام الرافعي في الاستبدال عن الدين ولا دين على المقرض إذا قلنا: لا يملك إلا بالتصرف، فهي مسألة أخرى إلا أنها مسألة مهمة، وقد حذفها من "الروضة".
قوله: ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال، ويجوز عكسه، ويكون تعجيلًا. انتهى.
واعلم أن المسألة لها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون لكل منهما على الآخر دين أحدهما حال والآخر مؤجل فيتبادلان.
ثانيها: أن يبادله بدين له على غيره.
ثالثها: أن يكون لأحدهما على صاحبه دين فيبادله عنه بدين آخر لم يكن ثابتًا، بل يحدث إثباته، وفي كل من الثلاثة كلام يخصه بالنسبة إلى الجواز، وإلى اشتراط القبض في المجلس وغيرها، وبعضه يعرف مما سبق ومما يأتى.
قوله: وأما بيع الدين من غير من عليه، كما إذا كان له على إنسان مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة فقولان:
أصحهما: المنع.
فإن جوزنا فيشترط أن يقبض مشتري الدين ذلك الدين ممن عليه، ويقبض بائع الدين العوض في المجلس حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد. انتهى.
стр. 2232
وما ذكره هاهنا من تصحيح المنع قد جزم به أيضًا في الكتابة في الحكم الثالث في الكلام على بيع نجوم الكتابة، لكنه ذكر في أواخر الخلع ما حاصله الجواز فقال في أوائل المسألة الخامسة: ولو قال: قبلت الخلع بألف في ذمة فلان فينبنى على أن العقد بألف فى ذمة آخر، هل يجوز؟ فيه خلاف. فإن قلنا: يجوز. تحالفا، وهذا الأصح عند الشيخ أبي حامد وصاحب "المهذب" وابن الصباغ وغيرهم. هذا كلامه.
ولم يذكر ترجيحًا غيره، وهو صريح في رجحان الجواز. وقد اختلف كلام النووي أيضًا في المسألة، فإنه قال في "الروضة" هنا من "زوائده": الأظهر الصحة.
وصرح بتصحيحه في آخر الخلع فقال في "اختصاره" لكلام الرافعي: والأصح التحالف بناء على صحة بيع الدين. وقال في "المنهاج" هنا: الأظهر أنه لا يجوز، ولم يتعرض لها في الكتابة.
قوله من "زياداته": وقد حكى الرافعي بعد هذا وجهًا عند بيع الأرض المزروعة في باب الألفاظ المطلقة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة، وأن إمام الحرمين ادعى أنه ظاهر المذهب. انتهى كلامه.
والذي قاله النووي سهو، فإنه الوجه المحكى هناك إنما هو صحة القبض لا في صحة البيع.
قوله: وإن كان المبيع من المنقولات لم يكف في قبض التخلية، بل يشترط النقل والتحويل وفي قول رواه حرملة أنها تكفي.
وقيل: يكفي لنقل الضمان إلى المشتري، ولا يكفي لجواز تصرفه.
فعلى الأول يأمر العبد بالإنتقال من موضعه، ويسوق الدابة ويقودها. انتهى.
زاد في "الروضة" على ذلك فقال: قلت: ولا يكفي استعماله
стр. 2233
وركوبها بلا نقل، وكذا وطء الجارية على الصحيح، كذا ذكره في "البيان" والله أعلم. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اقتضاه كلامهما من عدم الاكتفاء بركوب الدابة ليس على إطلاقه، بل صورته إذا كان بغير إذن البائع، فإن ركب بإذنه حصل القبض. كذا جزم به الرافعي في كتاب الغصب في الكلام على ما إذا ركب دابة الغير. فتفطن لذلك، فإنها مهمة.
الأمر الثاني: أن المبيع إذا كان خفيفًا يتناول باليد لابد في قبضه من تناوله، كما صرح به الفوراني والمحاملي وصاحب "التنبيه"، وقد استدركه في "الروضة" بعد هذا.
الأمر الثالث: إن هذه المسألة التي ذكرها على أنها من زياداته، واقتصر على نقلها عن "البيان" قد سبق ذكرها في كلام الرافعي مجزومًا بها، ذكر ذلك في الرد بالعيب في الكلام على الاستخدام.
قوله: ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض.
وإن وضعه ولم يقل شيئًا أو قال: لا أريده. فكذا في الأصح.
ثم قال: ولو وضع المديون الدين بين يدى مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع، وأولى بعدم الحصول لعدم تعيين الدين فيه. انتهي.
لم يصحح شيئا في "الروضة"، وقد جزم في الشفعة بما يؤخذ منه ترجيح الحصول فقال: ثم لا يملك الشفيع بمجرد الأخذ، بل تعتبر مع ذلك أمور:
الأول: أن يسلم العوض إلى المشتري فيملك به إن سلمه، وإلا خلى
стр. 2234
بينه وبينه، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم، هذا لفظه وسنعيد هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بابها لمعنى غير ما ذكرناه.
قوله: فلو قبض جزافًا ما اشتراه مكايلة دخل [المقبوض] (١) في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح لأنه قد يزيد على القدر المستحق.
فإن باع ما استيقن أنه له فوجهان، ذهب الجمهور إلى أنه لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد، وعن أبي إسحاق أنه يصح. انتهى.
وما ذكره من بطلان البيع في مقدار حقه وإن قبضه فاسد، قد ذكر عقبه ما يخالفه فقال: ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقًا له فالقبض فاسد أيضًا حتى يجري إكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقي. انتهى.
ومقتضاه أنه لا يرد قدر حقه، وهو يستلزم صحة قبضه.
واعلم أنه إذا قبض جزافًا ما إذا اشتراه مكايلة فهلك في يده ففي انفساخ العقد وجهان حكاهما الرافعي في الكلام على الجوائح، ولم يرجح شيئًا منهما.
قوله: فلو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر، وزعم القابض أنه كان دون حقه أو قدره فالقول قول القابض.
فلو أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم قبول قوله عند إقراره بجريان الكيل يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون حقه متعلقًا بالعين خاصة والذمة خلية، كما إذا باعه الصبرة مكايلة وبين أن يكون الحق في الذمة كما إذا أسلم إليه أو اشترى منه صاعًا في ذمته، فإن الرافعي قد ذكر ذلك جميعه في هذا الفصل ثم أتي
стр. 2235
بهذا الكلام عقبه، ولكنه قد صرح في كتاب الضمان بما يخالف ذلك إذا كان الحق في الذمة فقال: لو اختلف البائع والمشتري في نقص الصنجة الموزون بها الثمن صدق البائع بيمينه.
وذكر المسألة أيضًا في باب اختلاف المتبايعين، وفصل فيها فقال: لو اشترى طعامًا كيلًا وقبضه بالكيل أو وزنًا وقبضه بالوزن أو أسلم فيه وقبضه ثم جاء وادعى نقصًا.
فإن كان قدرًا يقع مثله في الكيل والوزن قبل، وإلا فقولان: أصحهما: عدم القبول. انتهى.
ومقتضى قوله: (كيل) أنه يرجع بالنقصان، وإلا لم يكن للقبول فائدة.
وهو عكس ما جزم به أولًا، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وستكون لنا عودة إلى المسألة بعد هذا بنحو ورقة.
قوله: فليس على البائع الرضى بكيل المشتري، ولا على المشتري الرضى بكيل البائع، بل يتفقان على كيال، وإن لم يتراضيا نصب الحاكم أمينًا يتولاه كذا ذكره في "الحاوي". انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وظاهره يقتضي أن كيل المشتري معتد به، لكنه ذكر بعد ذلك بنحو ورقة ما يخالفه فقال: ولو أذن لمستحق الحنطة أن يكتال من الصبرة حقه ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز لأن الكيل أحد ركنى القبض وقد صار ثابتًا فيه من جهة البائع مفاصلًا لنفسه.
والثاني: يجوز لأنه المقصود منه معرفة المقدار.
قوله: وإن كان لزيد طعام على رجل سلمًا ولآخر مثله على زيد فأراد زيد أن يوفي ما عليه مما له على الآخر فقال: إذهب إلى فلان واقبض
стр. 2236
لنفسك ما لي عليه فقبضه فهو فاسد.
ثم قال ما نصه: وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الآخذ، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق زيد؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم.
وهما مبنيان على القولين في ما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري هل يعتق المكاتب؟ . انتهى كلامه.
والقولان المبني عليهما محلهما إذا قلنا. لا يصح بيع النجوم. كذا ذكره صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما وكلام الرافعي يوهم خلافه فاحذره.
قوله: ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه، ثم كاله على مشتريه وأقبضه فقد جرى الصاعان، وصح القبضان ثم إن وقع في الكيل الثاني زيادة أو نقصان، فإن كان قدر ما يقع بين الكيلين فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له. انتهى.
وما ذكره هاهنا من عدم الرجوع قد جزم بما يوافقه في باب زكاة المعشرات في الكلام على الخرص، ثم ذكر ما يخالف الموضعين معًا في باب التخالف، وجزم بما حاصله أنه يرجع، وقد سبق إيضاحه قبل هذه المسألة بقليل مع كلام آخر متعلق بها.
قوله: ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أم على المشتري؟
حكي صاحب "الحاوي" فيه وجهين. انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": ينبغي أن يكون الأصح أنها على البائع، وما ذكره النووي بحثًا هو الأصح عند صاحب "الحاوي" فقد جزم به في كتاب القصاص في مسألة أجرة الجلاد الحدود في أجوبته عن أدلة أبي حنيفة.
وجزم به أيضًا الدبيلي في "أدب القضاء" ويتجه أنه إن كان الاحتياج
стр. 2237
إلى النفاذ لأجل ظهور حال شيء ادعى البائع رداءته، وعلم به المشتري أيضًا فهو عليه أي على المشتري، وإلا فعلى البائع.
قوله: ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره فدفع إلى المستحق دراهم وقال: اشترِ بها مثل ما تستحقه علي واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك صح الشراء والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض وامتناع كونه وكيلًا لغيره في حق نفسه.
وقيل: يصح قبضه لنفسه، وإنما الممتنع أن يقبض من نفسه لغيره.
ثم قال: ولو قال: اشترِ لنفسك فالتوكيل فاسد إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه؟ وتكون الدراهم أمانة في يده لأنه لم يقبضها ليمتلكها. انتهى.
وما ذكره في أواخر كلامه من منع الشراء بمال الغير لنفسه قد ذكر في عكسه خلافه فإنه قال في باب الوكالة: لو قال لغيره اشترِ لي من مالك كذا بكذا صح شراؤه للموكل إلا في السلم فأي فرق بين أن يشتري بمال نفسه لغيره أو يشتري بمال غيره لنفسه.
وهذه المسألة قد سبق ذكرها أيضًا في البيع في الكلام على بيع الفضولي، وفصل فيها تفصيلًا آخر.
قوله: ولو طلب القسمة قبل القبض قال في "التتمة": يجاب إليها لأنا إن جعلنا القسمة إفرازًا فظاهر، وإن جعلناها بيعًا فإن الرضى غير معتبر فيه لأن الشريك يجبر عليه.
وإذا لم نعتبر الرضى جاز أن لا نعتبر القبض كما في الشفعة. انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: "كما في الشفعة" قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا فإن أراد أنه يجوز للشفيع أن يتصرف في الشقص قبل قبضه فالصحيح المنع كما ذكره في أوائل الباب الثاني من أبواب الشفعة.
стр. 2238
وإن أراد أن يجوز للشفيع أن يأخذ قبل قبض المشتري فهو موافق لما يقتضيه كلامه في كتاب الشفعة غير أن النووي صرح بالمسألة في "زياداته"، وحكي فيها وجهين من غير تصريح بتصحيح، لكنه أقر صاحب "التنبيه" على المنع، ولم ينبه عليه في تصحيحه فاقتضى ذلك أن يكون هو الصحيح عنده.
وهذا الاحتمال الثاني لعله المراد، فإن صاحب "التنبيه" ذهب إلى أن الشفيع يمنع من التصرف في الشقص إلا بعد قبضه كما نقله عنه الرافعي في هذا الباب.
قوله: لكن لو اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثمن حتى أقبض المبيع ففيه أربعة أقوال:
أحدها: يجبران معًا بأن يأمر الحاكم كل واحد منهما بإحضار ما عليه. فإذا أحضره سلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، أو يأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، لكن يمنعان من التخاصم فإذا سلم أحدهما ما عليه أجبر الآخر.
والثالث: يجبر المشتري.
والرابع -وهو الأصح-: أنه يجبر البائع. انتهى ملخصًا.
وما ذكره في هذه المسألة يستثنى منه مسائل منها إذا كان البائع وكيلًا فإنه لا يجبر على التسليم، بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن كما ذكروه في بابه.
ومنها: عامل القراض حكمه حكم الوكيل.
ومنها: إذا باع الحاكم أموال المفلس. قال الرافعي: فعن أبي الحسين أنه يجب البدائة بتسليم الثمن بلا خلاف. وعن أبي إسحاق أنه يجيء هاهنا قولان:
стр. 2239
أحدهما: إجبار المشتري.
والثاني: إجبارهما.
ولا يجيء قول الابتداء بالبائع لأن من يصرف لغيره فلابد أن يحتاط، ولا قول الإعراض عنهما لأن الحال لا يحتمل التأخير.
قوله: وهذا كله فيما إذا كان الثمن في الذمة، فإن كان معينًا سقط القول الثالث، وإن تبايعا عرضًا بعرض سقط القول الرابع أيضًا، وبقي القولان.
أحدهما: يجبران.
والثاني: لا يجبران.
ويشبه أن يكون الأول أظهر. انتهى كلامه.
وما ذكره ﵀ من سقوط القول الثالث فقط وإبقاء الرابع وهو إجبار البائع في ما إذا كان الثمن معينًا ولم يكن عوضًا مناقض لما ذكره في "الشرح الصغير" وللمذكور هنا أيضًا فيما إذا كان عرضين، ومخالف لكلام الأصحاب.
فأما "الشرح الصغير" فإنه سَوَّى بين العرضين وبين غيرهما في سقوط القولين فقال: فإن كان معينًا فيخاف هلاكه، ويتعين كالمبيع فلا يجيء فيه القول الأول والثاني، وكذا لو تبايعا عرضًا بعرض فيبقى فيهما قولان:
أحدهما: يجبران.
والأخر: لا يجبران، هذا كلامه.
وأما مخالفته لكلام الأصحاب، فإن المحاملي، والإمام والبغوي وغيرهم كما قاله في "الكفاية" قالوا: إن القولين يسقطان حيث كان الثمن معينًا.
стр. 2240
وأما مخالفته للمذكور هنا، فإنه قد ذكر في العوضين سقوط الرابع أيضًا، وهو إجبار البائع مع اشتراكهما في التعيين، فإن فرق بأن الأول فيه ثمن وهو النقد، قلنا: الأصح عنده أن الثمن لا يختص به، بل بما دخلت عليه الباء يكون ثمنًا أيضًا.
ولهذا قال ابن الرفعة: إنه لا وجه لما قاله الرافعي.
وتابعه في "الروضة" على هذا الكلام، ثم تفطن في "المنهاج" فذكره على الصواب.
قوله: التفريع إن قلنا: يجبر البائع على التسليم أولا، أو قلنا: لا يجبر، ولكنه تبرع وابتدأ بالتسليم والمشتري قد يكون موسرًا، وقد يكون معسرًا. إلى آخره.
لقائل أن يقول: قد تقدم أن محل الأقوال في الإجبار إنما هو عند عدم خوف الفوات.
وإذا كان معسرًا لم يحصل بهذا الشرط، فلا يستقيم أن يكون ذلك قسمًا من أقسام محل الخلاف.
وجوابه: أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا ظن البائع وظننا أيضًا يساره فأخلق، أو طرأ الإعسار ونحو ذلك.
قوله في المسألة: فإن كان ماله في البلد حجر عليه إلى أن يسلم الثمن، ثم قال: وحكى صاحب "الكتاب" هاهنا وفي "الوسيط" وجها: أنه لا يحجر عليه، ويمهل إلى أن يأتي بالثمن، ولم أرَ لغيره نقل هذا الوجه على هذا الإطلاق. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إنكار ذلك، وقد [رده] (١) ابن الرفعة في
стр. 2241
"الكفاية" فقال: إن الغزالي لم يطلقه، بل حكاه فيما إذا كان المشترى عينًا، بعد أن حكى أنه إذا تحقق إفلاسه، ولم يكن معه سوى المبيع، أو كان وزادت الديون عليه فللبائع الرجوع.
فتعين أن مراده بالمعنى: من يساوى ماله ديونه أو زاد عليها، وإذا كان كذلك فهذا الوجه منقول في "النهاية" عن رواية الشيخ أبي محمد، وبه جزم القاضي الحسين في "التعليق".
قوله: وإن كان غائبًا على مسافة القصر، فلا يكلف البائع الصبر إلى إحضاره، بل يفسخ.
ثم قال: وحكى الإمام عن ابن سريج: أنه لا يفسخ، ولكن يرد المبيع يرد إلي البائع، ويحجر على [المشتري] (١)، ولا يحجر] (٢) عليه، أو يرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه المشتري ويمهل إلى الإحضار، وادعى في "الوسيط" أنه الصحيح. انتهى.
وما نقله عن الإمام من أن ابن سريج قد قال في هذه الحالة: إن المبيع يرد إلى البائع، ويحجر على المشتري، قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو غلط، فإن في "النهاية" عن ابن سريج، أنه لا حجر وأما رد البيع فنقله عنه كما ذكره الرافعي، وهو إثباته وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة هنا غلطان فاحشان نبهت عليهما في "الهداية" فتفطن لذلك.
قوله: الحالة الثانية: أن يكون معسرًا فهو مفلس، فالبائع أحق بمتاعه. انتهى.
وهذا الكلام جميعه يدل على أن الرجوع إلى العين بالإفلاس لا يتوقف على حكم الحاكم، وليس كذلك فاعلمه، فقد قال الرافعي في أول كتاب
стр. 2242
الفلس: الذي يدل عليه كلام الأصحاب هاهنا تعريضًا وتصريحًا افتقار الرجوع إلى توسط الحجر.
ثم قال: وقد حكينا في الكلام على البداءة بالتسليم ما يشعر بخلافه، وأشار إلى ما ذكرناه أولًا فاعلمه، وكلام الرافعي يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في المسألة مع أن المسألة فيها وجهان شهيران، ممن حكاهما صاحب "المهذب".
نعم في افتقار الرجوع بعد الحجر إلى إذن الحاكم وجهان شهيران أيضًا.
قال الرافعي في الكلام على الرجوع، أشبههما: أنه لا يفتقر.
قوله: فإن كان في ما دون مسافة القصر، فهل هو كالذي في البلد أو كالذي على مسافة القصر؟ فيه وجهان. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح هو الأول، كذا جزم به في "المحرر"، وصححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: ولو لم يتفق التسليم حتى [حل] (١) الأجل فلا حبس أيضًا. انتهى.
وما جزم به من عدم الحبس هنا قد تابعه عليه في "الروضة"، ثم حكى أعني الرافعي -في كتاب الصداق في حبس المرأة نفسها بذلك وجهين، وصحح الحبس ونقله عن الأكثرين، وأعادها في النفقات فحكى فيها وجهين من غير تصحيح، ثم إنه صحيح في الصداق من "الشرح الصغير": جواز الحبس فقال: وإن حل الأجل قبل [أن تسلم نفسها فأظهر الوجهين: أن لها الحبس لاستحقاقها المطالبة بعد] (٢) الحلول كما في الابتداء. هذا لفظه والصواب جواز الحبس كما رجحه في الصداق، فقد
стр. 2243
نص عليه الشافعي في مسألة البيع كما نقله القاضي أَبو الطيب في كتاب الصداق عن حكاية المزني في المنثور، ونسب خلافه إلى الخطأ بسبب ذلك، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" هناك، ومن نظائر المسألة حلول الأجل قبل إفلاس المشتري، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه [وكذا لو أعاره للمشتري على أصح الوجهين] (١). انتهى.
لقائل أن يقول: ما صورة مسألة إعارة البائع للمشتري؟ فإنه لا جائز أن يكون في زمن الخيار، فإن البائع لا يجب عليه إذ ذاك التسليم، ولو تبرع وسلم كان له الرد كما سبق، ولا جائز أن يكون بعد لزوم البيع لخروج المبيع عن ملك البائع وانتقاله إلى المشتري، وحينئذ فلا إعارة.
والجواب: أنه يتصور بما إذا أجر عينًا وباعها لغيره، ثم استأجرها من المستأجر وأعارها للمشتري قبل القبض.
ويتصور أيضًا بما إذا باعه نصف عبد، ثم أعاره النصف الذي على ملكه قبل قبض المشتري لما اشتراه هذا إذا أريد مطلق الإعارة كما يدل عليه [اطلاق] (٢) كلامه.
فإن أراد إعارة المبيع فلا تأتي هذه الصورة، وقد يتصور بما إذا أعاره، ثم باعه.
ويقال: إن هذه الاعارة مانعة لحق الحبس، وبما إذا أعاره في زمن الخيار ثم انقضى الخيار وفيهما نظر.
قوله: فينبغي أن يكون تسليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قطعة من المبيع؟ فيه وجهان ذكرناهما في
стр. 2244
باب التفريق. انتهى.
وكلامه هاهنا يقتضي أن هذا الخلاف ثابت فيما يقبل القسمة وما لا يقبلها، لاسيما وقد تقدم التمثيل بالعبد، مع أن الذي قدمه هناك أنه خاص بما يقبل القسمة ذكر ذلك قبيل الكلام على الخيار.
نعم أطلق الماوردي حكاية الوجهين عن ابن سريج من غير تفصيل.
стр. 2245
قال ﵀:
النظر الرابع من كتاب البيع ... في موجب الألفاظ المطلقة
قوله: وإن لم يصرح بالمناصفة، بل أطلق الاشتراك، فقيل: يبطل، وهو ما أورده في ["التهذيب"] (١).
وقيل: يصح ويحمل على المناصفة، وهو ما أورده في "التتمة"، وصححه الغزالي. انتهى ملخصا.
لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا، والراجح هو الثاني، كذا جزم به في "المحرر"، وصححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: يكره أن يواطئ صاحبه فيبيعه بما اشتراه ثم يشتريه منه بأكثر، ليخبر به في المرابحة، فإن فعل قال ابن الصباغ: ثبت للمشتري الخيار.
وخالفه غيره أيضًا. انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": قول ابن الصباغ أقوى.
قوله: ولو اشترى شيئا بعرض وباعه مرابحة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، لأن البائع بالعرض يسدد فوق ما يسدد البائع بالنقد. انتهى كلامه بحروفه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو غلط، فإنه يقتضي أنه إذا باعه بلفظ القيام، يذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، وهو معلوم الفساد، فإنه يقع بلفظ الشراء لا بلفظ القيام.
ويقتضي أيضًا أنه إذا باع بلفظ القيام لا يقتصر على ذكر القيمة، وليس كذلك، فقد قال في آخر الباب: وإذا أجر دارًا بعبد، أو نكحت على عبد، أو خالع زوجته عليه، أو صالح عن النفقة عليه، لم يجز بيع العبد مرابحة