قوله: ومنها الطيور: فيجوز السلم فيها، وقال في "المهذب": لا يجوز. انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "الروضة"، وقريبًا منه في "الشرح الصغير" وفيه إشعار بأن غير الشيخ لم يقله ولاسيما من المتقدمين على الشيخ وهو غريب.
فقد نص الشافعي في (البويطي) على المنع فقال ما نصه ولا يجوز السلم في الطير لأنها لا تنضبط بسن ولا ذرع. هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت.
نعم: نص الشافعي في غيره على الصحة، ونقله الروياني وغيره.
قوله: وفي كتب أصحابنا العراقيين اعتبار أمر شائع -أي في اللحم- وهو بيان السمن والهزال. انتهى.
وهذا الشرط نقله أيضًا عنهم في "الشرح الصغير" و"الروضة" وليس فيه تصريح بموافقتهم ولا مخالفتهم، وقد أهمله الرافعي في "المحرر" وكذلك النووي في "المنهاج"، وفيه إشعار بعدم اعتباره، ولابد منه فقد نص الشافعي عليه في "البويطي".
قوله: ولا يلزم قبول الرأس والرجل من الطير والذنب من السمكة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة] (١) وفيها إشعار بأن رأس السمكة يجب قبولها، وليس كذلك فاعلمه، فقد نص الشافعي في "البويطي" على أنه لا يجب، فقال ما نصه: ولا بأس بالسلم في الحيتان، ويسمى أجناسها وصغارها وكبارها وأجلها ووزنها، وحيث يقبض لا يوزن ذنبها ولا رأسها. هذا لفظه.
وجزم ابن الرفعة بذلك، ولم يتعرض لكلام الرافعي ولا لهذا النص، ثم حكى فيما إذا كان الحوت صغيرًا وجهًا أنه يجب قبول الرأس والذنب،
стр. 2312
لأن العادة أكلهما معه.
ثم [قال: والمذهب الأول، وأيضًا فقد نص الشافعي في "الأم" كما] (١) قاله في "المطلب" على أنه: إذا كان على الذنب لحم وجب قبوله.
قوله في أصل "الروضة": في السلم في الدبس والعسل المصفى بالنار والسكر والفانيد واللبا وجهان استبعد الإمام المنع فيها كلها.
قلت: وممن اختار الصحة في هذه الأشياء: الغزالي وصاحب "التتمة" والله أعلم. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح في الجميع هو المنع على ما يقتضيه كلام الرافعي.
الثاني: أن في السكر والفانيد طريقة قاطعة بالجواز حكاها الرافعي، ولم يذكرها في "الروضة"، ولنذكر عبارة الرافعي ليعرف منه الموضعان فقال: والسمن والدبس والسكر والفانيد كالخبز، ففي سلمها الوجهان. وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السلم في السكر والفانيد. هذا لفظه. ثم قال: وفي اللبا والعسل المصفى بالنار الوجهان.
وهذا الكلام مقتضاه المنع في جميع هذه الأشياء لأنه الصحيح في الخبز.
ويؤيده أن [الأصح] (٢) في باب الربا إلحاق ما دخلته النار للتمييز عما دخلته، للطبخ حتى لا يجوز بيع بعضه ببعض، فأطلق النووي ذكر الوجهين فقط، ثم حذف هذه الطريقة المنقولة عن الإمام، وحكى عنه شيئًا آخر.
الثالث: [أن النووي] (٣) صحح في "تصحيح التنبيه" جواز الجميع، لكنه لم يصرح فيه بالعسل والسمن غير أنه يؤخذ منه، فإنه لما عدد هذه
стр. 2313
الأشياء جعل ضابطها أن تكون النار لطيفة، ولا شك أن نار العسل المشار إليه وهو عسل النحل ألطف من نار السكر.
ولم يصرح في غير هذا الكتاب بتصحيح، فإنه لم يتعرض لذلك في "المنهاج"، وأما في "الروضة" فكما تقدم.
الرابع: أن ما نقله عن صاحب "التتمة" من تجويز السلم في الخمسة المتقدم غلط، إنما اختار الجواز في اللبا قبل أن يخلطه باللبن وتطبخ، أما بعد طبخه، فلا.
قوله: وتردد صاحب "التقريب" في السلم في الماء ورد لاختلاف تأثير النار فيما يتصعد ويقطر. انتهى.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا أيضًا، والراجح هو الجواز، فقد قال الروياني: إنه أصح عندي وعند عامة الأصحاب.
قوله: والأكارع كالرؤوس. انتهى.
أهمل شرطًا آخر في الأكارع لم يذكره، ونبه عليه النووي في "الروضة"، وهو بيان أنها من الأيدي والأرجل.
قوله: وفي كتاب القاضي ابن كج اعتبار شرط آخر -أي لتجويز السلم في الرؤوس على قول-، وهو أن يكون المشافر والمناخر منحاة عنها، وهذا لا اعتماد عليه. انتهى كلامه.
وما قاله ابن كج قد وافقه عليه الماوردي في المشافر.
قوله: وهل يحتاج في السمن إلى التعرض للحديث والعتيق، قال الشيخ أبو حامد: لا بل العتيق معيب لا يصح السلم فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: العتيق المتغير هو المعيب لأكل عتيق، فيجب البيان. انتهى كلامه.
стр. 2314
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن القاضي أبي الطيب، قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، لكن نقل عنه في "الشامل" أنه إن اختلفت القيمة وجب البيان، وإلا فلا فقال ما نصه: قال القاضي: ونقول حديث أو عتيق إن كان يختلف.
الأمر الثاني: أن النووي لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والراجح عند الرافعي: وجوب البيان، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وما نقله عن الشيخ أبي حامد من الحكم والتعليل قد نص عليه الشافعي.
والغريب أن الشيخ أبا حامد قد نقله عنه، فاقتصار الرافعي عليه في غاية العجب.
وقد نقله عنه في "الشامل" فقال: وقال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: إطلاقه يقتضي الحديث، فإن العتيق معيب، وإنما يصلح للخراج. انتهى كلامه، فتلخص من ذلك أنه مذهبنا.
قوله: وليس في الزبد إلا الوزن. انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه لا يصح السلم فيه كيلًا، بل وزنا، لكن نص الشافعي في "الأم" على أنه يصح السلم فيه كيلًا ووزنًا.
قوله: ولا يجوز السلم في القز وفيه الدود حيًا ولا ميتًا، لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وذكر قبل ذلك في أوائل البيع في الكلام على شروط البيع من "زياداته": جواز بيع القز وفيه الدود وزنًا، على [خلاف] (١) ما جزم به هاهنا من فساد التقدير بالوزن، وذكرت لفظه هناك.
стр. 2315
وثبت أن الصواب هو المذكور هنا، وهو المنع فراجعه.
قوله: الخامسة: إذا أسلم في الثياب بين الجنس ثم قال: ويبين الغلظ والرقة والنعومة والخشونة .. إلى آخره.
ذكر في "الشرح الصغير" و"المحرر": الصفاقة والرقة مع الغلظ والرقة، ولابد من ذلك، فإن الغلظ والرقة راجعان إلى كيفية [الغزل، وقد صرح الرافعي بذلك أيضًا قبل هذا بقليل، والصفاقة والرقة راجعان إلى كيفية] (١) النسج.
فالصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، مأخوذ من الصفق، وهو ضرب آلة النسج.
والرقة: تباعدها.
والحاصل: أن هذين الوصفين لابد من التعرض لهما في العقد، وأن التعبير عنهما بهذه الألفاظ صحيح إلا الرقة، فإن استعماله فيما ذكر ومغاير للرقة مخالف لما قاله الجوهري، فإنه قد صرح بأن الدقيق والرقيق خلاف الغليظ على أن الشيخ أبا حامد قد سبق إلى ذكر هذه الألفاظ، وعبر بعبارة هي أحسن من عبارة الرافعي فقال: الدقة أو الغلظ والصفاقة أو الرقة، ولم يتعرض في "الروضة" للفظتين الأخيرتين تبعًا لما قاله الرافعي.
قوله: وعن الصيمري أنه يجوز السلم في القميص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا وضيقًا وسعة. انتهى كلامه.
وما نقله عن الصيمري من الجواز وأقره، ولم يذكر في هذا الباب، بعده ولا قبله ما يخالفه، قد ذكر في آخر الباب الثاني من أبواب الخلع عكسه، فإنه صرح بعدم جواز السلم فيها، ولم يحك فيها خلافًا، وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 2316
ووقع الموضعان [في الروضة] (١) كذلك، وذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" في الخلع فقط كما ذكرها في "الكبير"، ولم يذكرها في "المحرر"، والفتوى على خلاف ما قاله هنا.
قوله: وكل شيء لا يتأتى وزنه بالقبان لكن يوزن بالعرض على الماء. انتهى.
وكيفية الوزن بالماء [ذكرها الرافعي في باب الربا فقال ما نصه: وقد يتأتى الوزن بالماء] (٢) بأن يوضع الشيء في ظرف، ويلقى على الماء وينظر مقدار غوصه.
قوله: وفي الرصاص يذكر نوعه من قلعى وغيره وفي الصفر من شبه وغيره. انتهى.
الشبه بشين معجمة وباء موحدة مفتوحتين ضرب من النحاس. قاله الجوهري.
قوله: فنقول: السلم في المنافع كتعليم القرآن وغيره جائز، ذكره الروياني. انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل الجواز عنه من غير مخالفة له، وهو الصواب على كلام فيه يأتيك إن شاء الله تعالى في باب القرض.
قوله من "زياداته": ولو أسلم الدراهم في الدنانير أو بالعكس سلمًا حالًا، فوجهان محكيان في "البيان"، والأصح المنصوص: المنع. انتهى ملخصًا.
وتوجيه المنع كما قاله في "البيان": أن لفظ السلم يقتضي تقديم أحد العوضين، واستحقاق قبضه دون الآخر، والصرف يقتضي تسليم العوضين
стр. 2317
في المجلس فيصادف أحكامها.
والعجب من نقل هذا الحكم عن "البيان" بدون نقل تعليله عنه، وفيه غموض ودقة.
نعم نقل الرافعي في أول الباب في جعل رأس المال دينًا نحوه، وزاده إيضاحًا فقال: لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط، فلو وجد لكان متبرعًا به، وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات.
واعلم أن صاحب [البيان] (١) نقل عن الشيخ أبي حامد المنع في هذه المسألة، وليست كما قاله، بل إنما نقله أبو حامد المذكور عن النص، ثم قال: وعندي أنه يجوز.
قوله: ولا يجوز السلم في الحباب والطساس والطناجير. انتهى.
وأما الحباب بكسر الحاء المهملة وبالبائن الموحدتين فهي جمع حب.
والطساس: بكسر الطاء جمع طس بفتحها، ويقال فيه: طست بإبدال سينه الثانية تاء.
والطناجير: جمع طنجير بكسر الطاء، قاله الصنعاني، قال العسكري في "التلخيص" في كتاب أسماء الأشياء ونعوتها: هو أعجمي يضرب فيه، قالوا: طنجرت اللحم فهو مطنجر إذا طبخته في الطنجير، قال بعضهم: هو الدست.
قوله: كما يجوز في مربعات الصرم [وقطع الجلود وزنًا، ولا يجوز في الجلود على هيئتها لتفاوتها دقة وغلظًا. انتهى كلامه.
الصرم: ] (٢) بصاد مفتوحة وراء مهملة ساكنة وفي آخره ميم، هو
стр. 2318
الجلد بلغة فارس. قاله الجوهري، ولم أرَ هذا كله في "الروضة".
قوله: وإذا أسلم في التمر بين النوع. . . . إلى آخره.
أهمل هو والنووي شرطًا آخر، وهو كون جفافه على النخل أو بعد الجذاذ، ولابد منه كما قاله الماوردي فإن الأول أنقى، والثاني أصفى.
قوله: وفي العسل يبين أنه جبلى أو بلدي .. إلى آخره.
قال الماوردي: ولابد أن يبين أيضًا مرعاه وقُوته ورقته.
قوله: إحداهما: ذهب العراقيون إلى اشتراط التعرض للجودة والرداءة، وظاهر النص يوافق ما ذكره.
وقال غيرهم: لا حاجة إليه، وهو الأظهر. انتهى.
ودعواه أن ظاهر النص يوافقهم غريب، فقد نص على اشتراطه في مواضع من "الأم" نصًا صريحًا، لا جرم أن النووي قد اعترض عليه في "الروضة" أيضًا.
قوله: ولا يجوز السلم في الأرز والعلس لاستتارهما بالكمام. انتهى.
وما ذكره هنا في الأرز والعلس، قد سبق فيهما ما يخالفه في الكلام على بيع الثمار فراجعه.
стр. 2319
الباب الثاني في أداء المسلم فيه والعرض
قوله: ويجب تسليم التمر جافًا، والرطب غير مشدخ. انتهى.
هو بالشين والخاء المعجمتين.
قال في "الأم": وهو ما لم يترطب مشدخ، وأراد بذلك أنه عولج بالتغمير ونحوه حتى ترطب، وهو المسمى بالمعمول في بلاد مصر.
قوله: ولو أتى بالمسلم فيه قبل المحل، وامتنع المسلم من قبوله فقال الجمهور: إن كان له في الامتناع غرض، كما إذا كان وقت نهب، أو كان مما يحتاج إلى مكان له مؤنة كالحنطة الكثيرة فلا يجبر على القبول. . . . إلى آخره.
وهذا الكلام يقتضي أن الحنطة وغيرها من الحبوب إذا كانت قليلة يجبر على قبولها، وأن الحجارة الكبيرة ونحوها لا إجبار فيها، لما فيها من مؤنة المكان وهو عكس ما قاله الشافعي في "الأم"، فإنه قال في باب تعجيل الكتابة ما نصه: قال الشافعي: ولو كاتبه على عرض من العروض، فإن كان لا يتغير على طول الحبس كالحديد والنحاس والرصاص وغيرها مما لا يتغير على طول الحبس، وكالدراهم والدنانير يلزم السيد أن يقبلها منه.
ثم قال بعد ذلك: والحنطة والشعير والأرز مما يتغير.
ثم قال: وكل موضع [أجبرت السيد على قبضه من المكاتب] (١) أخبرت فيه رب الدين، وإلا فلا. انتهى.
ومخالفته لكلام الرافعي واضحة، وهذا المعنى الذي اعتبره الشافعي من التغيير على طول الزمان لم يتعرض له الرافعي، ولابد منه فإنه غرض صحيح لاسيما من الذين يطلبون الأسعار في الحبوب ونحوها.
وأما المعنى الذي اعتبره الرافعي من مؤنة الموضع، فهو حقير في
стр. 2320
الغالب بالنسبة إلى فائدة التعجيل، فلذلك أهمل الشافعى اعتباره.
قوله: فإن كان للمؤدى غرض فى التعجيل سوى براءة الذمة كفكاك الرهن وبراءة الضامن أجبر على القبول.
ثم قال: وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الجنس قبل الحلول؟ فيه وجهان، المذكور منهما فى الكتاب أنه يلتحق. انتهى.
لم يصرح بتصحيح فى "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح ما قاله فى "الوجيز"، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ولو ظفر بالمستقرض في غير مكان الإقراض فأخذ منه القيمة ثم عاد إلى مكان الإقراض فطلب أحدهما رد القيمة والرجوع إلى المثل، ففي إجابته وجهان، انتهى ملخصًا.
والأصح عدم الإجابة، كذا قاله النووي من "زياداته".
قوله: وكذا فى المسلم يطالب بقيمة بلد العقد إذا جوزنا أخذ قيمته. انتهى.
واطلاقه اعتبار قيمة بلد العقد في السلم ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك، فإن المعتبر فى السلم قيمة الموضع الذي يستحق فيه التسليم، ثم قد يكون بلد العقد، وقد يكون غيره، وقد استدركه عليه في "الروضة".
قوله: والبكر الفتى من الإبل، والبازل الذي له ثمان سنين تمامًا. انتهى.
والفتى بفاء مفتوحة وتاء مثناه مكسورة وياء بنقطتين من تحت مشددة وجمعه أفتاء كيتيم وأيتام.
قال الجوهري: وهو خلاف المسن يعني أنه الصغير.
والبازل بالباء الموحدة والزاي المعجمة.
قوله: ويعتبر فى القرض أهلية التبرع، لأن القرض تبرع أو فيه شائبة
стр. 2321
التبرع.
ألا ترى أنه لا يقرض الولى مال الطفل إلا لضرورة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه منع الولى من إقراض مال الطفل ليس كذلك على ما ذكره في كتاب [الحجر] (١)، فإنه فصل هناك فجوز للقاضى دون غيره، لكن فيه كلام يذكر هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
الأمر الثاني: أن الرافعي متردد في أن القرض تبرع محض، أو فيه شائبة التبرع؟ .
وجزم بعد هذا فى أثناء الباب بالاحتمال الثاني، وجزم به أيضًا في كتاب الضمان، وبالغ في نفي الاحتمال الأول فقال: واعلم أن القول بكون الضمان تبرعًا إنما يظهر حيث لا يثبت [الرجوع] (٢)، فأما حيث يثبت فهو إقراض لا محض تبرع، هذا لفظه.
وذكر فى كتاب الوصية نحوه فقال: أما التبرع فهو إزالة الملك عن مال مجانًا.
ووافقه النووي على هذا، ولكن قال: إنه ينبغي أن يضم إليه ما يدخل فى الاختصاصات، فيقال عن مال ونحوه.
ثم خالف فى الضمان فقال من "زياداته": إن القرض تبرع.
قوله: وأما الصيغة، فالإيجاب لابد منه، وهو أن يقول: أقرضتك أو أسلفتك أو خذ هذا بمثله. . . . إلى آخره.
لم يبين هل هذه الصيغ كلها صرائح، أو بعضها صريح وبعضها كناية.
وظاهر كلامه أن الجميع صرائح، لكنه قد نص فى البيع على أنه إذا قال: خذ هذا بمثله، يكون كناية فينبغى هنا كذلك، وذكر النووي في "الروضة" هذه الصيغ كما ذكرها الرافعي.
стр. 2322
قوله: فإن اختلفا في ذكر البدل، كان القول قول المخاطب. انتهى كلامه.
والتعبير بالمخاطب تعبير ملتبس لا يدرى هل هو بفتح الطاء أو بكسرها، وفتح الطاء هو المراد هنا، ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: الآخذ، وحكى وجهًا من زياداته أن القول قول الدافع، قال: وهو متجه.
قوله من "زياداته": وفي "التتمة" وجه أن الاقتصار على ملكتك، قرض. انتهى.
وما حكاه عن "التتمة" لم أرَ له ذكرًا فيها، لا في هذا الباب ولا في غيره.
قوله: فأما الجارية المحرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا خلاف فى جواز إقراضها منه. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفى الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك، فقد حكي الماوردي في "الحاوي" في قرضها منه ومن المرأة وجهين لأصحابنا [ونسب الجواز إلى البغداديين، والمنع إلى البصريين قال: وعلى رأيهم] (١) يصرف جنسًا لا يجوز إقراضه.
وهذا الموضع قد استدركه أيضًا النووي.
قوله: وما لا يجوز السلم فيه هل يجوز قرضه؟ إن قلنا: الواجب فى المتقوم القيمة جاز؛ وإن قلنا: المثل فلا. انتهى.
ومقتضى هذا تصحيح منع قرضه، لأن الصحيح إيجاب المثل لا القيمة، ويستثني من هذا الإطلاق جزء الدار، فإنه لا يجوز السلم فيها قطعًا كما صرح به الرافعي وغيره.
ومع هذا فيجوز قرضه، كما نقله في "المطلب" في كتاب الشفعة عن
стр. 2323
الأصحاب، وهو مقتضى كلام الرافعي أيضًا هناك، فإنه قال في أوائل الباب الثاني: ومنها: قال في "التتمة": "إذا استقرض شقصًا أخذه الشفيع بقيمته.
وإن قلنا: إن المستقرض يرد المثل لأن القرض مبنى على الإرفاق والشفعة ملحقة بالإتلاف هذا لفظه.
فجعل القرض مجزومًا به، ففرع عليه هذا التفريع الذي نقله عن صاحب "التتمة"، ولم يرده بل ارتضاه، ثم إنه حكم بجوازه مع قولنا: إنه يرد المثل، فدل ذلك على استثناء هذه المسألة كما قلناه.
ونص أيضًا على الجواز في الباب الأول من أبواب الشفعة ناقلًا له عن "التتمة" أيضًا، لكن جزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يجوز قرض العقار، ويمكن حمله على الدار جميعها، وما قاله أولئك على الجزء فقط.
قوله: وفى إقراض الخبز وجهان كما فى السلم، وأصحهما عند البغوي: المنع.
واختار ابن الصباغ وغيره: الجواز. انتهى ملخصًا.
زاد في "الروضة" عليه أن صاحب "التتمة" و"المستظهرى" قطعا بجوازه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الراجح فى هذه المسألة هو الجواز، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وفي إقراض الخبز وجهان كما في السلم، والمختار الجواز للحاجة وإطباق الناس عليه، هذا لفظه.
وعبارة "الكبير" و"الروضة" تقتضى أن القائلين به أكثر من القائلين بالمنع.
стр. 2324
وإذا جوزنا إقراض الخبز، فقال الدارمي فى "الاستذكار": إن اتفقا على رد الخبز أو القيمة: جاز، وإن اختلفا فقال ابن المرزبان: الأولى القيمة.
فإن شرط عليه رد الخبز فوجهان قالهما ابن القطان.
قوله من "زياداته": وفى فتاوى القاضي: أنه لا يجوز إقراض الروبة لأنها تختلف بالحموضة، قال: ولا يجوز إقراض المنافع، لأنه لا يجوز السلم فيها. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الروبة براء مهملة مضمومة وبعدها واو ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة وهى الخميرة التي تلقى من اللبن الحامض على اللبن الحليب ليروب، قاله الجوهرى.
الثانى: أن ما نقله عن فتاوى القاضي من امتناع قرض المنافع وأقره عليه هو موجود فى "فتاويه" قبيل الإجارة وبعد القراض، لكن صرح المتولى أيضًا فى هذا الباب بجواز قرض المنافع فقال: السادسة: إقراض المنافع جائز عندنا حتى إذا قال: أقرضتك منفعة عبدى أو دارى شهرًا وسلم العين صار مستحقًا للمنافع يتصرف فيها على حسب اختياره، هذا لفظه.
فتعبيره بقوله: (عندنا) يقتضى نقله عن المذهب وشهرته فيه.
وسأذكر أيضًا ما يوضح ترجيحه.
الثالث: أن ما نقله أيضًا عن القاضى [فى الفتاوى المذكورة من امتناع قرض المنافع قد رأيته أيضًا مصرحًا به فى كتاب الغصب من كتابه المسمى "بالإشراف"، ثم فرع على ذلك فقال فلو قال أقرضتك منافع هذه الدار
стр. 2325
احتمل أن يكون إباحة.
الأمر الرابع: أن ما حكاه عنه] (١) فى تعليل امتناع القرض بامتناع السلم وأقره عليه، واقتضى كلامه الاتفاق عليه عجيب، فقد جزم الرافعي فى الإجارة بالجواز، فقال: إنه يجوز إيرادها على المنافع الكائنة فى الذمة بلفظ السلم، ويكون سلمًا، ونص عليه الشافعي، وقد ذكره الرافعي أيضًا في كتاب السلم نقلًا عن الروياني ولم يخالفه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
وإذا بطل مستنده فى امتناع القرض، وهو امتناع السلم لزم أن يكون الصواب هو الجواز كما تقدمت الإشارة إليه.
وذكر القاضى الحسين فى باب الغصب من تعليقه أن منافع الدور لا يصح السلم فيها.
قلت: وسببه أن اختلاف الغرض لمكانها يوجب بالضرورة تعيين الدار، وإذا عين صار نظير السلم فى ثمرة نخلة معينة أو قرية صغيرة، وهو باطل، لأن انقطاعه لا يؤمن.
وهكذا القول فى منفعة سائر الأعيان بخلاف المنافع الكائنة في الذمة كالخياطة ونحوها، فتعين حمل المنع على الأول، والجواز على الثانى، ولا خلاف ولا اختلاف، ويكون الجواز فى المعين مستثنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو أقرضه بلا شرط فرد أجود أو أكثر أو ببلد آخر جاز، ولا فرق بين الربوى وغيره، ولا بين الرجل المشهور برد الزيادة وغيره على الصحيح فيها. انتهى كلامه.
ومدلوله أن الوجه المحكي هو في جواز قبول الزيادة، فأما في الربوي فصحيح.
стр. 2326
وأما الوجه في المشهور برد الزيادة فهو في صحة إقراضه، كذا حكاه الرافعي، وما قاله في "الروضة" سهو.
قوله: الثانية: يجوز أن يقرضه بشرط الرهن والكفيل، وكذا بشرط أن يشهد أو يقر به عند الحاكم، انتهى.
لقائل أن يقول: ما فائدة هذا الشرط حتي يحكم بصحته، لأنه لا يجب على المقترض الوفاء بما شرط عليه من الرهن وغيره، ولا يجب أيضًا على المشروط كفالته أن يتكفل، وقد صرحوا بذلك في البيع المشروط فيه هذه الأمور، وإنما صححنا هذه الشروط في البيع، لأن فيه فائدة وهى الفسخ على تقدير أن لا يحصل سواء كان الثمن حالًا أو مؤجلًا، ثم يأخذ العين إن كانت باقية وقيمتها إن كانت تالفة، وأما المقرض فيجوز له فى كل وقت أن يرجع.
قوله: لا شك أن المستقرض يتملك ما استقرضه. انتهى كلامه.
وهو يقتضى أنه لا خلاف فيه، وليس كذلك فقد حكي الخوري في "شرح المختصر" قولًا: أنه لا يملكه وإنما سلطه المقرض على إتلافه.
قال: وهذا هو المحفوظ للشافعى.
قوله: فى أصل "الروضة": وإن قلنا يملك بالتصرف، فمعناه إذا تصرف فتبين ثبوت ملكه انتهى كلامه.
وليس فيه بيان الوقت الذي يملك فيه، وقد جزم الرافعي هاهنا بأنه قبيل التصرف، فإنه عبر بقوله: قبيله.
وحكي -أعني الرافعي- في الكلام على الزكاة المعجلة عن الإمام بحثًا آخر فقال: ينقدح فيه أمران:
أحدهما: [هذا.
стр. 2327
والثانى: أن يستند الملك إلى حالة القبض، وقد صرح الغزالي في "البسيط" هنا بحكايته وجهًا.
قوله: ] (١) وإذا فرعنا على الوجه الأول، وهو أن المراد بالتصرف الذي يتوقف عليه الملك على القول الضعيف وهو المزيل للملك، فهل يكفي البيع بشرط الخيار؟ إن قلنا: إنه لا يزيل الملك فلا.
وإن قلنا أنه يزيل فوجهان. انتهى كلامه.
واعلم أن خيار المجلس هل يمنع نقل [الملك] (٢) أم لا؟ فيه الخلاف فى خيار الشرط، فجزمهم بأن البيع يكفى بدون خيار الشرط يقتضي الجزم به مع خيار المجلس أيضًا، وما الفرق بين خيار المجلس والشرط؟
قوله: ولو استقرض من يعتق عليه لم يعتق على القول بأنه يملكه بالتصرف.
قال صاحب "التهذيب": ويجوز أن يقال: يعتق عليه [ويحكم بالملك قبيله. انتهى.
وما حكاه الرافعي احتمالًا فقط قد جزم به] (٣) صاحب "التتمة" وقال: وجهًا واحدًا، لأنه لو كان عبدًا أجنبيًا وأعتقه نفذ، وكل سبب يفيد اعتبار عتق الأجنبي يفيد عتق القريب.
قوله في أصل "الروضة": وإن اقترض متقومًا، فالأصح عند الأكثرين: أنه يرد مثله من حيث الصورة، والثاني: يرد القيمة يوم القبض إن قلنا: يملك به، وإن قلنا بالتصرف فوجهان:
أحدهما: كذلك.
стр. 2328
والثاني: تجب قيمته أكثر ما كان من القبض إلى التصرف. انتهى كلامه.
والصحيح من هذين الوجهين هو الوجه الثاني وهو وجوب الأكثر. كذا صححه هو -أعني النووي- في "نكت الوسيط"، وصححه أيضًا الرافعي في شرحيه "الكبير" و"الصغير" معًا فقال: فإن قلنا بالأول -أي وجوب القيمة- فالاعتبار بقيمة يوم القبض، إن قلنا: يملك القرض بالقبض.
فإن قلنا: يملك بالتصرف فالأكثر من يوم القبض إلى يوم التصرف، وفيه وجه أن الاعتبار بيوم القبض، هذا لفظ الرافعي في "الكبير" بحروفه.
وقد ذكر في "الصغير" مثله أيضًا، فعدل النووي عنه، وحكي وجهين من غير ترجيح، وكأنه والله أعلم وقعت له هنا نسخة سقيمة فاختصر منها، ومحل هذه المسألة فى الرافعي قبيل هذا الموضع، ولكن نقله النووي إلى هنا.
стр. 2329
كتاب الرهن
[وفيه أربعة أبواب] (١)
الباب الأول: في أركانه
قوله: ورهن رسول الله ﷺ درعه من يهودي فتوفي وهى مرهونة عنده (٢). انتهى.
قال الماوردي: اختلف الناس في فكاك الدرع، فقال قوم: افتكه قبل موته، لأنه ﵊ يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى" (٣). وهذه صفة تنتفى عنه ﷺ .
وقال آخرون -وهو الصحيح-: "أنه مات قبل فكاكه، فقال: فعلى هذا يكون قوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي" محمولًا على من مات ولم يترك وفاءًا.
قوله: أما الدين ففي جواز رهنه وجهان: أصحهما: المنع. لأن الدين غير مقدور على تسليمه. انتهى.
والقول بالجواز شرطه أن يكون على ملي، كذا نقله النووي فى "نكت الوسيط" عن "الانتصار" لابن عصرون وأقره.
قوله: ولو رهن نصيبه من بيت معين من الدار المشتركة بغير إذن
стр. 2330
شريكه فوجهان: أصحهما عند الإمام: أنه يصح.
وأرجحهما عند البغوي: أنه لا يصح. انتهى ملخصًا.
والراجح علي ما يقتضيه كلام "الروضة": هو الصحة، فإنه قال من "زياداته": قد وافق الإمام على تصحيح صحته الغزالى في "البسيط" وصاحب "التتمة" وغيرهما.
وكلام الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير" يشعر به، فإنه نقل تصحيح الإمام واقتصر عليه.
قوله: والظاهر جواز رهن المسلم من الكافر، ورهن المصحف منه يترتب على رهن العبد، ورهن السلاح من الحربي يترتب على بيعه منه. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين كيفية الترتيب هنا، والمراد أنا إن أبطلنا رهن العبد فرهن المصحف أولى، وإن صححنا فوجهان.
فيكون المصحف أولى بالبطلان من العبد لا العكس، وقد صرحوا في البيع بذلك.
وأما ترتيب رهن السلاح من الحربى على بيعه منه فواضح، يعلم مما تقدم.
الثاني: أنه ليس فيه بيان الصحيح في رهن المصحف، والصحيح جوازه كما صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه علي أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الثالث: أن هذا الكلام جميعه إنما هو فى الصحة، كما تقدم التعبير به.
стр. 2331
وأما الجواز فقال النووي في "زيادات الروضة" إن المذكور في "تهذيب المقدسي" وغيره: أنه حرام.
قال: وفي كتاب الجزية من "تهذيب البغوي": أنه مكروه.
قوله فى الكلام علي ألفاظ "الوجيز"، وفي العبارة المذكورة لترجمة هذا الشرط -يعني الشرط الثاني- نظر. انتهى.
لم يبين وجه النظر، وقد أوضحه في "الشرح الصغير" فقال: وقول الغزالي في ترجمة الشرط الثاني أنه لا يمتنع إثبات يد المرتهن عليه ليكن المراد منه في الدوام.
وأما في الابتداء بقدر ما يلزم الراهن فامتناعه علي الخلاف.
قوله: والتفريق بين الأم وولدها الصغير ممنوع، فلو رهن أحدهما دون الآخر جاز، ويباعان معًا، ويوزع الثمن علي قيمتهما، وكيفية التوزيع مبنية على مقدمة، وهى ما إذا رهن أرضًا بيضاء ثم نبت فيها نخل فللأرض حالان:
أحدهما: أن يرهنها ثم يدفن النوى.
والثاني: أن يكون مدفونًا في الأرض يوم الرهن، فإذا بيعت الأرض مع النخيل وزع الثمن عليهما، والمعتبر في الحال الأول قيمة الأرض فارغة, وفي الحال الثاني قيمة أرض مشغولة.
وفي كيفية اعتبار قيمة الأشجار وجهان نقلهما الإمام في الحالين: أظهرهما: أن الأرض تقوم وحدها، فإذا قيل: هى مائة قومت مع الأشجار.
فإذا قيل: هى مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار عشرون وهى سدس المائة والعشرين، فيراعي في ثمنها نسبة الأسداس.
والثاني: أنا كما قومنا الأرض وحدها، نقوم الأشجار وحدها نابتة.
стр. 2332
فإذا قيل: هي خمسون عرفنا أن النسبة بالأثلاث، ثم قال: عدنا إلى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا معًا وأردنا التوزيع قال الإمام: فيه طريقان:
أحدهما: أن التوزيع عليهما كالتوزيع على الأرض والأشجار، فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفى الولد الوجهان.
والثانى: أن الأم لا تقوم وحدها، بل تقوم مع الولد خاصة، لأنها رهنت وهى ذات ولد، والأرض رهنت بلا أشجار، وهذا ما أورده الأكثرون. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالطريق الثاني التي نقلها عن الأكثرين، وهى أن الأم لا تقوم وحدها، بل مع الولد إنما هو تقويمها موصوفة، بأنها ذات ولد، وليس المراد تقويم المجموع قطعًا، لأنا نريد أن نعرف قيمة الأم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة قيمتها دون ولدها، ثم يجيء بعد ذلك الوجهان فى أنا هل نقوم المجموع أم الولد وحده؟
وقد أوضحه في "المحرر" فقال: والأظهر فى كيفية التوزيع أن تقوم الأم وحدها ثم مع الولد، هذا كلامه، إلا أنه أراد بالوحدة خلاف المجموع، وأراد به في [الشرع] (١) الخلو عن الحضانة فاعلمه.
وعلى هذا فمراده بقوله في الطريق الأول: فتعتبر قيمة الأم وحدها أي خلية عن الحضانة أيضًا، هذا كله متعين لا شك فيه، لكنه قد ذكر في الطريق الأول أن التوزيع عليهما كالتوزيع علي الأرض والشجر، وقد تقدم في الأرض أن المعتبر قيمتها مشغولة، فكيف يفرع على هذا اعتبار خلو الأم عن الولد، لاسيما وقد عبر في الأرض المشغولة بقوله: أظهرهما: تقوم الأرض وحدها -أعنى بصيغة وحدها- وهو يقتضى عوده فى التفريع، وهو فاسد بلا شك إلا أن يلتزم أن مراده بصيغة وحدها
стр. 2333
المذكورة فى الأرض مقابل المجموع، وبالموضعين المذكورين فى الولد والأم الخلو عن الحضانة، وأن المراد بشغل الأرض إنما هو الشغل بالنوى.
فحينئذ يصح أن تعتبر قيمة الأم خلية عن الأولاد، وإن فرعنا على أن التوزيع كالتوزيع على الأرض والشجر، لكنه خلاف المنقول، فإن الماوردي والمحاملي وغيرهما قد صرحوا بأن الأرض إذا رهنت وفيها نوى ثم أخرجت نخلًا، أنها تقوم ذات نخل، وبالجملة فلا شك في اشتمال هذا الكلام على خلل.
الأمر الثانى: أن هذا الحكم الذي ذكره الرافعي، وهو تقويم الأم وحدها إنما يأتى إذا كان المرهون هو الأم، حتى لو رهن الولد انعكس الأمر، والمسألة قد فرضها هو فى رهن أحدهما كما تقدم فراجع لفظه.
وهذا الاعتراض وارد على "الروضة" أيضًا و"المحرر" و"المنهاج"، وكذلك على "الحاوي الصغير"، فإنه قال: وإن رهن واحد وزع بقيمتها وقيمتهما أي إذا رهن واحد من الأم أو الولد وزع بقيمة الأم وبقيمتهما.
والسبب فى وقوع هذا الاعتراض الفاحش فى هذه الكتب، أن الغزالى في "الوجيز" مثل برهن الأم، فلما شرحه الرافعي التفت إليه ومشى على حكم المثال بعد أن ذكر هو لفظًا عامًا، ولم يمثل به فلزم وقوع ذلك فيه، وفي فروعه المتقدم ذكرها.
الأمر الثالث: أنا إذا فرعنا على أنه يقوم الولد أيضًا، فقال الغزالى: إنه يقوم منفردًا.
قال الرافعي: والوجه ما نقله الإمام أنه يقوم الولد محضونًا مكفولًا، كما قومنا في نظيره من الأشجار أنها تقوم ثابتة لا مقلوعة، ثم إن النووي في "الروضة" لما حكي الوجه الثاني في الأشجار لم يقيدها بكونها ثابتة، ثم أحال رهن الأم على ما تقدم في رهن الشجر، فلزم أن يقوم الولد
стр. 2334
منفردًا إذا فرعنا على ذلك الوجه، وهو خلاف ما رجحه الرافعي، والعجب من حذف النووى ذلك.
قوله: إذا رهن ما يسارع إليه الفاسد بدين حال، فإن بيع في الدين أو قضي من موضع آخر فذاك، وإلا بيع وجعل الثمن رهنًا.
فلو تركه المرتهن حتى فسد، قال في "التهذيب": إن كان الراهن أذن له فى بيعه ضمن، وإلا فلا.
ويجوز أن يقال: عليه الرفع إلى القاضي ليبيعه. انتهى.
قال في "الروضة": هذا الاحتمال الذي قاله الرافعي قوى أو متعين. انتهى.
وفيما قاله أمران:
أحدهما: أن إذن الراهن للمرتهن في بيع السلعة لا يصح على الصحيح إلا إذا باع والمالك حاضر فينبغى حمل هذا عليه.
الثانى: أن هذا الاحتمال الذى ذكره الرافعي وقواه النووي، راجع إلى قول صاحب "التهذيب": أنه إذا لم يأذن الراهن في البيع لا يضمن، وهو الذي فهمه النووي أيضًا، فإنه قال في "الروضة" عقب ذكره أنه قوي أو متعين ما نصه: وقد قال صاحب "التتمة" في هذه الصورة إن سكتا حتى فسد، [أو طلب المرتهن بيعه فامتنع الراهن، فهو من ضمان الراهن] (١).
وإن طلب الراهن بيعه فامتنع المرتهن، فهو من ضمان المرتهن. هذا كلامه.
وهو صريح في إرادة المسألة الثانية غير أنه مخصوص بما إذا لم تكن
стр. 2335
مراجعة الرهن؛ فإن أمكنت مراجعته لم يكن للقاضى أن يبيع، وفهم ابن الرفعة أنه عائد إلى قول البغوي: أنه إذا أذن له ضمن وعلى هذا فمعناه أنه إذا أذن له في بيعه فلم يفعله فعليه أن يرفع الأمر إلى القاضي.
ثم قال: ويجوز أن يقال: لا يضمن، لأن البيع لا يجب عليه.
قال: بل الولى مع كونه يجب عليه عمارة عقار الطفل، فى وجوب الضمان عليه وجهان إذا أهمله.
قوله في المسألة: وإن لم يشترط هذا ولا ذاك -يعنى بيع ما يتسارع إليه الفساد- ولا عدم بيعه، فقولان أصحهما عند أصحابنا العراقيين: أنه لا يصح، وميل من سواهم إلى الصحة، وهو الموافق لنصه في "المختصر" انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بتصحيح واحد من القولين، وقد اختلف كلامه فى الأصح منهما، فقال في "الشرح الصغير" ما نصه: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: يصح الرهن ويباع عند الإشراف على الفساد. انتهى لفظه بحروفه.
وقال في "المحرر" ما نصه: وإن لم يشترط لا هذا ولا ذاك لم يصح الرهن في أصح القولين انتهي كلامه.
والفتوى على الصحة على خلاف ما في "المحرر" لنقل الرافعي إياه في "الشرح الصغير" عن الأكثرين.
ولم يصرح النووي في "الروضة" بتصحيح، غير أنه نقل من "زياداته" أن الرافعي في "المحرر" صحح البطلان واقتصر عليه، وأقر الشيخ في "التنبيه" على تصحيح البطلان، ولم يستدركه في تصحيحه، وهو يشعر برجحان المنع عنده، وقد تقدم أن الأمر على خلافه فاعلمه.
стр. 2336
قوله: ولو طرأ قبل القبض ما عرضه للفساد، ففى الانفساخ وجهان كما في حدوث الموت والجنون. انتهى.
والصحيح: عدم الانفساخ، فقد جزم في "المحرر" بما يقتضينه، وقال النووي في "زيادات الروضة": إنه الأرجح، والمراد بحدوث الموت والجنون أي فى العاقد فاعلمه فإن فيه خلافًا يأتى في الباب الثاني.
قوله: الثانية: رهن العبد الجانى مرتب على بيعه، إن لم يصح بيعه فرهنه أولى، وإلا فقولان. . . . إلى آخره.
وهذا الكلام يؤخذ منه رجحان امتناع رهنه إذا كانت الجناية خطأ لأن الراجح امتناع بيعه.
وأما حيث يجوز بيعه، وهو ما إذا كانت الجناية عمدًا، فلم يرجح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا.
والصحيح الجواز، كذا ذكره في "المحرر" فقال: ورهن العبد المرتد والجاني كبيعهما، هذا لفظه.
والصحيح: جواز البيع، فيكون الرهن كذلك.
قوله: فإن صححنا رهنه، فقال المسعودى والإمام: يكون مختارًا للفداء كما لو باعه.
وقال ابن الصباغ: لا يلزمه الفداء بخلاف البيع، لأن محل الجناية باقى هنا، والجناية لا تنافي الرهن. انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح عدم الوجوب، بل يكون مخيرًا بينه وبين التسليم ليباع، كذا نقله النووي من "زياداته" عن الأكثرين.
стр. 2337
الثاني: أن الرافعي ذكر في كتاب النكاح وجهين في جواز تزويج الجارية الجانية، وصحح النووي من زياداته الجواز، وجزم هو والرافعي بأنا إذا صححنا يكون ملتزمًا للفداء، وهو مشكل على هذه المسألة والقياس التسوية.
قوله: ولو رهن الثمرة قبل بدو الصلاح بدين مؤجل [يحل] (١) قبل الإدراك فقولان: أصحهما: البطلان، لأن العادة في الثمار الإبقاء إلى الإدراك، فصار كما لو رهن شيئًا على أن لا يبيعه عند المحل.
وإن شرط القطع عند المحل فقيل: يصح قطعًا، وإليه أشار الشيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب"، وقيل: على القولين: انتهى ملخصًا.
والصحيح طريقة القطع، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: والأظهر القطع بالجواز. هذا لفظه.
وصحح النووي في "زيادات الروضة" الجواز فقال: إنه المذهب، ولم يصرح بالأصح من الطريقين.
قوله: وإن استعار شيئًا ليرهنه فتلف في يده، فأطلق الغزالي أنه يضمن لأنه مستعير.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: إنه ضمان فلا شيء عليه. انتهى ملخصًا.
لم يصح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والمذهب الضمان، كذا قاله النووي من "زياداته"، ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وظاهر سياق الرافعي أن محل القولين في ما بعد الرهن.
وحينئذ فما سلكنا به مسلك الضمان مطلقًا، ولا مسلك العارية مطلقًا.
стр. 2338
وأيضًا فلو تلف في يد المستعير قبل الرهن أو بعده وقبل القبض هل يضمن أم يتخرج على القولين؟ .
قوله: ومنها إذا قلنا: إنه ضمان وجب بيان جنس الدين. . . . إلى آخره.
سكت عن التفريع على القول بأنه عارية، قال في "الروضة": وإذا قلنا به فله أن يرهن عند الإطلاق بأي جنس شاء وبالحال والمؤجل.
قال في "التتمة": لكن لا يرهنه بأكثر من قيمته لأن فيه ضررًا. قال: ولو أذن في حال فرهن بمؤجل لم يصح كعكسه، لأنه قد لا يرضى أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل، ولو استعار ليرهن عند واحد فرهن عند اثنين أو بالعكس لم يجز على الأصح، كذا نقله الرافعي في آخر الباب الثالث، وعلله فاعلمه.
قوله: الركن الثاني: المرهون به، وله ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون دينًا ثابتًا لازمًا. . . . إلى آخره.
تابعه على ذلك في "الروضة" وقد أهمل شرطًا رابعًا، وهو أن يكون معلومًا لكل منهما، كذا رأيته في "شرائط الأحكام" لابن عبدان، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" ناقلًا له عن "الاستقصاء"، ورأيت في "المعين على مقتضي الدين" لأبي خلف الطبري أحد أصحاب القفال نحوه أيضًا فقال: الخامس: أن يكون الحق الذي يرهن فيه الرهن يكون معلوم المقدار.
ثم قال: والسابع: يجب أن تكون مدة حبس الرهن معلومة، وغاية فكه محدودة، لأنه إذا كانت مجهولة لا يصح الرهن. هذا لفظه بحروفه. وكأنه أراد بالسابع أن يكون الأجل معلومًا.
قوله: ولو امتزج الرهن وسبب ثبوت الدين، بأن قال: بعتك هذا
стр. 2339
بألف وارتهنت بها عندك، فقال: اشتريت ورهنت، أو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك، فقال: استقرضت ورهنت صح الرهن على الأصح، وهو ظاهر النص ولو قال البائع: ارتهنت وبعت وقال المشترى: اشتريت ورهنت لم يصح، لتقدم أحد شقي الرهن على شقي البيع.
وكذا لو قال: رهنت وبعت. وقال المشترى: رهنت واشتريت لتقدم شقى الرهن معًا على أحد شقي البيع فالشرط أن يقع أحد شقي الرهن بين شقي البيع، والآخر بعد الشقين معًا. انتهى.
وهذا الضابط الذي ذكره في آخر كلامه، واقتضاه كلامه قبل ذلك أيضًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مخالف لما ذكراه في نظير المسألة، وهو مزج البيع بالكتابة، فإن حاصله تجويز المقارنة وغيرها وسيأتيك ذلك واضحًا في أوائل باب الكتابة فراجعه.
قوله: ولو قال البائع: بعتك بكذا على أن ترهنى دارك به, فقال المشترى: اشتريت ورهنت، فوجهان: قال بعضهم: يتم العقد بما جرى.
وذكر في "التتمة" أنه ظاهر النص، وقال القاضي لا يتم بل يشترط أن يقول بعده: ارتهنت أو قبلت، لأن الذي وجد منه إنما هو شرط إيجاب الرهن لا استحبابه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب". . . . إلى آخره.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، والراجح هو الاكتفاء فإنه المشهور عند الأصحاب، كذا ذكره الإمام في "النهاية" في أول كتاب الرهن مع أنه ذكر هنا أن المحققين على أنه لا يكفي.
قوله: قال الإمام: وجواز الرهن بالثمن في مدة الخيار مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، فإن منعه فالظاهر منع الرهن لوقوعه قبل ثبوت الدين. انتهى كلامه.
وتعبير الإمام بالظاهر في هذه الحالة يشعر بخلاف [في المسألة وهو
стр. 2340
صحيح، وسببه: اختلافهم فيما لم يجب ولكن جري سبب] (١) وجوبه.
قوله: وإن كان الأصل فى وضع الدين هو الجواز كالجعل في الجعالة فوجهان: أصحهما: لا يصح الرهن، وموضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، أما قبل الشروع فلأنه لا ثبوت للجعل بحال، وأما بعد الفراغ فلأنه لازم.
ثم قال ما نصه: [ثم لبان أن يبنى] (٢) الوجهين على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ويقول: إن لم نجوز الرجوع فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزناه لم يصح الرهن به. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ظاهر كلام كثير من الأصحاب أو أكثرهم أن الخلاف بعد العمل، هكذا قاله في "الروضة"، وإجراء الخلاف في هذه الحالة صحيح، وسببه اختلافهم فى ما لم يجب، ولكن جرى سبب وجوبه، وادعي في "الروضة" أن الصواب [ما قاله الرافعي ذهولًا عن هذا التوجيه، وليس كذلك بل الصواب طريقة إجراء الخلاف مطلقًا. وأما تقييد الخلاف] (٣)، فذكره القاضي حسين ثم البغوي ثم الرافعي، وتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه.
الأمر الثاني: وقد نبه عليه بعضهم: أنه لو صح ما قاله الرافعي من البناء لكان الأصح جواز الرهن، وليس كذلك.
وأيضًا فلا خلاف في جواز الرجوع، وإنما الخلاف في أثر الرجوع، فقيل: لا يستحق شيئًا.
стр. 2341
وحينئذ فلا يصح الرهن، وقيل: يستحق القسط من المسمى، وحينئذ فإن علم صح.
وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الصحيح، وعلى هذا قد يقال: إن هذا إنما يجب بعد الرجوع أما قبله فالأمر ينتهى إلى استحقاق المسمى فلا يصح.
ويحتمل أن يقال: استحق بدل عمله إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله. وعلى كلا الاحتمالين يبعد تصحيح الرهن أما على الأول فلأنه لم يستحق.
وأما على الثاني فلأن المستحق لم يتعين، وأيضًا بتقدير هذا كله فلا يصح ضمان الجميع على مقتضى ما قاله من البناء، مع أن كلامه فيه -أعني في الجميع-
قال ابن الرفعة: وصور البندنيجى المسألة بما إذا قال: من جاء بعبدى الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به، ولو قال: إن رددت عبدي الفلاني فلك كذا، وهذا رهن به فهو بمعناه بلا شك. أما لو قال: من جاء بعبدي الفلاني فله دينار وهذا رهن به، فهل يقال: لا يصح الرهن لكون المرتهن غير معين، أو يصح ويسقط القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة؟ فيه نظر، والأقرب الأول.
قوله: فرع:
لا يجوز رهن الملاك بالزكاة، والعاقلة بالدية قبل تمام الحول لفوات الشرط الثاني. انتهي لفظه بحروفه.
ومقتضي هذا الكلام صحة الرهن بالزكاة بعد تمام الحول، وكيف يصح مع أن الزكاة تجب في العين بحيث يكون الفقراء شركاء رب المال. ولا شيء في ذمة المالك، وشرط الرهن أن يكون على دين، وقد يأول
стр. 2342
بأن التقييد بما قبل الحول راجع إلى المسألة الثانية، وهي مسألة العاقلة، وقد ذكروا في الضمان ما يقتضي الصحة أيضًا كما سأذكره هناك، وهو ضعيف التأويل.
قوله: فما جاز الرهن به جاز ضمانه، وكذا عكسه إلا ضمان العهدة فإنه جائز، ولا يجوز الرهن به على الصحيح. انتهى.
تستثنى أيضًا الأعيان المغصوبة، فإن ضمانها يصح دون الرهن على الصحيح.
وقد استثناه في "الروضة"، واعلم أن النووي في "الروضة" هنا قد جعل الخلاف في ضمان العهدة وجهين، وصرح في كتاب الضمان تبعًا للرافعي بقولين، وعنده أن عدم الصحة يتخرج على أن الرافعي هنا لم يبين هل هو قولان أو وجهان؟ .
قوله: رهن شيئًا بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال شهدا بما يسمعا، وحكم الحاكم بأنه مرهون بالعشرين.
نعم لو قال عند الإشهاد: كان مرهونًا بعشرة فجعلته رهنًا بعشرين، ونقل الشاهدان ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم ممن يذهب إلى القول الجديد؟
حكى الإمام عن صاحب "التقريب" فيه وجهين، وإن عرفا الحال فإن كانا يعتقدان جواز الإلحاق، فهل لهما أن يشهدا بأنه رهن بالعشرين أم عليهما بيان الحال؟ وجهان.
وإن كانا يعتقدان منع الإلحاق لم يشهدا إلا بما جرى باطنًا، وفيه شيء بعيد.
стр. 2343
وهذا التفصيل فيما إذا شهدا بنفس الرهن، وفيه صور الجمهور، فإن شهدا على إقرار الراهن فالوجه تجويزه مطلقًا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر أوائل هذا الكلام اختصارًا فاسدًا سببه إسقاط شيء منه، فإنه قال: فرع: رهن بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال ونقلا ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم يعتقد القول الجديد؟ وجهان. هذا لفظه.
فأسقط ما وقع بعد لفظ الحال إلى قوله: ونقلا، فاجمع بينه وبين كلام الرافعي. وتأمله.
الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الثاني منع الشاهدين من الشهادة بذلك، كذا صححه النووي من "زياداته"، وعلله بأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما.
وقول الرافعي: (وفيه شيء بعيد) أراد أن فيه خلافًا بعيدًا.
وقد صرح به في "الروضة"، وسوف تكون لنا عودة إلى الكلام على هذه المسألة في الباب الثاني من كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.
قوله من "زياداته": ولو مات وعليه دين مستغرق فرهن الوارث التركة عند صاحب الدين على شيء آخر، ففي صحته وجهان بناء على القولين. انتهى.
وتقييد المسألة بالدين المستغرق موهم، ولا فرق بين المستغرق وغيره فاعلمه.
قوله: وإن كان الرهن مشروطًا في بيع نظر إن لم يجز الشرط جهالة
стр. 2344
كما إذا شرط في البيع رهنًا على أن يبقي محبوسًا عنده بعد أداء الثمن شهرًا، ففي فساد الرهن قولان:
أصحهما: الفساد.
فإن فسد ففي فساد البيع القولان في أن الرهن وسائر العقود المستقلة إذا شرطت في البيع على نعت الفساد هل يفسد البيع؟ وقد ذكرناهما في باب البياعات. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه هنا وهناك يوهم أن القولين جاريان في ما إذا شرط بيعًا أو إجارة أو غيرهما في بيع وليس كذلك، بل اشتراط صحيحه باطل مبطل فاشتراط فاسده أولى.
وإنما القولان اللذان أشار إليهما الرافعي في البابين في ما كان كالصفة في البيع في جواز شرطه معه، ويجوز إفراده، وذلك هو الراهن والكفيل والضمين فقط، وتعليلهما مذكور في كلامه.
الأمر الثاني: أن الشرط متى بطل جر جهالة مطلقًا، لأن الرهن يترك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل وجب أن يضم ذلك الجزء المجهول إلى الثمن فيصير مجهولًا، وهذا هو مقتضى كلام الأصحاب، والمعنى يقتضيه أيضًا.
نعم إن كان الشرط لا غرض فيه فمسلم، وليس الكلام فيه.
قوله في أصل "الروضة": فلو رهن شجرة أو شاة بشرط أن يحدث الثمرة أو الولد مرهونًا لم يصح الشرط على الأظهر، وقيل: يصح قطعًا لأنه مجهول معدوم. انتهى كلامه.
وما ادعاه من الصحة قطعًا غلط، بل صوابه عدم الصحة، ولذلك
стр. 2345
ذكره الرافعي.
قوله في المسألة: لا يصح أيضًا الرهن على الصحيح، ثم قال: فإن كان الرهن بهذا الشرط مشروطا في بيع، فإن صححنا الشرط أو أفسدناه، وصححنا الرهن صح البيع، وللبائع الخيار. انتهى كلامه.
وهو صريح في إثبات الخيار مع صحة الشرط، وهو سهو وكأنه نقص منه شيء، ويكون الأصل، وللبائع الخيار في المسألة الثانية.
قوله: المسألة الثانية: لو قال: أقرضتك هذه الألف بشرط أن ترهن به وبالألف الذي لي عليك كذا. فرهن بالألف القديم ظانًا صحة ذلك. فعن القاضي أنه لا يصح الرهن. إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في أول الباب الثالث من أبواب البيع.
قوله: فرع:
لو قال: رهنتك هذا الحُق بما فيه، أو هذه الخريطة بما فيها، وما فيهما معلوم مرئي صح الرهن في الظرف والمظروف، وإلا لم يصح الرهن في المظروف، وفي الحق والخريطة قولا تفريق الصفقة. انتهى كلامه.
وجزمه هنا بطريقة القولين يقتضي أن العلة في جريان القولين في تفريق الصفقة هو تبعيض الصفقة إذ لو كانت العلة هي الجهل بالعوض لزم الصحة هنا قطعًا.
وقد تقدم الوعد في باب تفريق الصفقة بذكر هذه المسألة.
قوله عقب ما تقدم: وما نص عليه في "المختصر" من الصحة في الحق، وعدمها في الخريطة فسببه أنه وضع المسألة في حق له قيمة يقصد لها بالرهن، وفي خريطة ليست لها قيمة تقصد لها بالرهن.
وحينئذ يكون المقصود ما فيها، ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا،
стр. 2346
وما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل [ما فيها.
ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا، وما فيها بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل] (١) فيهما جميعًا.
وفي وجه يصح الرهن فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ. انتهى كلامه.
اعلم أن المسألة لها أربعة أحوال:
أحدها: أن يرهنهما جميعًا، وهو المراد من هذا الكلام الذي ذكرته.
والثاني: أن يرهن الظرف دون ما فيه.
الثالث: أن ينص على الظرف ولا يتعرض لغيره.
والرابع: أن ينص على المظروف وحده.
وحكم هذا القسم [أنه إن كان المظروف معلومًا صح فيه دون الظرف، وهذا القسم] (٢) لم يذكره الرافعي، وذكر الثلاثة الأولى، وكلامه في ما إذا رهن الظرف وحده أو رهنه وأطلق واضح.
وأما الأول وهو رهنهما فالذي تقدم من أول الفرع إلى آخره مفروض فيه، لكنه عبر في آخره بعبارة مشكلة فلنوضحه فنقول: قوله: (فإن كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا) ليس هو استئناف قسم آخر، بل من تتمة تأويل النص الوارد في الخريطة لا تنتهي قيمتها إلى حيث يقصد بالرهن فافهمه.
وقوله: (إليهما) أي إلى الخريطة المذكورة وما فيها.
وقوله: (وما فيها) أي وما في الخريطة.
стр. 2347
وقوله: (فيبطل فيهما) أي في الخريطة وما فيها.
والحاصل أنه أعاد صورة المسألة إيضاحًا وتوطئة للوجه الذي ذكره من بعد، وهو أنه لا يبطل الرهن بانتفاء القيمة التي [يقصد] (١) لمثلها الرهن، بل يصح فيهما، وإن كانت قليلة القيمة، وهو وجه متجه جدًا.
وظن النووي أن قول الرافعي: (ولو كان اللفظ. . . . إلى آخره) هو القسم الرابع، وهو رهن المظروف وحده، فقال: ولو كان اللفظ مضافًا إلى ما فيهما جميعًا وكان ما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه بطل فيهما جميعًا، وفي وجه يصح فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ. هذا لفظه.
وهو غلط فإنه مع مخالفته لتعبير الرافعي لا يتصور مجيء خلاف في الظروف، ولا يصح معه التعليل الذي ذكره، بل الخلاف راجع إلى رهن الظرف والمظروف.
وقد صرح به كذلك الغزالي في "البسيط"، غير أنه لم يذكر رهن المظروف وحده ولا الظرف وحده وكأنه تركهما لوضوحهما، وذكر الإمام نحوه أيضًا.
قوله من "زياداته": قال إمام الحرمين والغزالي في "البسيط": كل ما ذكرناه في الرهن يجرى مثله في البيع حرفًا حرفًا في ما إذا قال: بعتك الخريطة بما فيها أو وحدها، أو الخريطة لأن مأخذه اللفظ والله أعلم.
وهذا الذي ذكره في "زياداته" يقتضي أنه إذا لم يكن للخريطة وغيرها من الظروف قيمة لا يصح البيع في المظروف، ويأتي في الظرف
стр. 2348
قولا تفريق الصفقة، وهو مخالف لما ذكره قبل باب الربا من "زياداته" أيضًا، فإنه جزم هناك بالصحة فيهما من غير تفصيل بين أن يكون له قيمة أم لا.
ثم ذكر بعده هذا التفصيل فيما إذا باع المظروف والظرف كل رطل بدرهم.
فكان ذلك صريحًا في تعميم الأول، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: ومنها -أي من صور الارتهان على مال الطفل- أن يكون دينه مؤجلًا، إما بأن ورثه كذلك، أو بأن باع الولي حالًا ماله نسيئة بالغبطة، ولا يجوز الاكتفاء بيسار المشتري، بل لابد من الارتهان بالثمن.
وفي "النهاية" رمز إلى خلاف ذلك أخذًا من جواز إيضاع ماله. انتهي كلامه.
وما نقله عن "النهاية" من الرمز إلى خلاف ذلك تابعه عليه في "الروضة"، وقد صرح الإمام في المسألة بوجهين، وصحح الجواز، ونقله عنه الرافعي كذلك في كتاب الحجر فقال: وروي الإمام وجهين في صحة البيع إذا لم يرتهن وكان المشتري مليًا، وقال: الأصح الصحة، هذا كلام الرافعي؛ لكن المذكور في "النهاية" هاهنا هو ما قاله الرافعي.
стр. 2349
قوله: الفصل الثاني رهن المكاتب وارتهانه جائز إن شرط النظر والمصلحة كما ذكرنا في حق الطفل.
ومنهم من قال: لا يجوز استقلالًا، وبإذن السيد قولان بناء على أن الرهن تبرع؛ وتفصيل صور الارتهان كما في الفصل الأول.
وفيه وجه: أنه لا يجوز له الاستقلال بالبيع نسيئة بحال. انتهي كلامه.
وما صححه الرافعي هنا من إلحاق المكاتب بالطفل، قد صحح خلافه في أثناء كتاب الكتابة في الحكم الثالث من أحكام الكتابة، ونقله عن إطباق عامة الأصحاب عليه.
وكذلك ما صححه من جواز البيع نسيئة قد خالفه هناك فقال: ولا يجوز الرهن (١) [ولا الإرتهان ولا البيع نسيئة وتابعة في "الروضة" على الموضعين، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى فاستحضره، واعلم أن الفتوى على خلافه.
قال الرافعي: ورهن المأذون أولى بالمنع من جهة أن الرهن ليس من عقود التجارات وشبهه الإمام بإجارة الرقاب.
قال في "الروضة": وهذا الترتيب الذي قاله الرافعي ترتيب الإمام، قال: وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" و"التهذيب" بأنه كالمكاتب.
стр. 2350
الباب الثاني: في القبض والطوارئ قبله
قوله: صفة القبض هنا في العقار والمنقول كما سبق في البيع، ويطرد الخلاف في كون التخلية في المنقول قبضًا، وعن القاضي: القطع بأنها لا تكفي هنا، لأن القبض مستحق هناك. انتهى.
واعلم أن ما ذكره في تعليل عدم الاكتفاء في [الهبة] (١) موجود بعينه في الموهوب، فيكون الحكم فيهما سواء بلا شك.
لكنه اقتصر في باب الهبة علي عدم جريان ذلك القول، ناقلا له عن المتولي وهو تلميذ القاضي الحسين. وستعرف لفظه هناك.
قوله: وإذا رهن شيئًا عنده فلابد من الإذن في قبضه، وكذا مضي الزمان إليه.
وقال حرملة: لا يحتاج إلى مضيه، وفي اشتراط مصيره إليه ومشاهدته أوجه:
أصحها: لا.
وثالثها: إن شك في بقائه كالحيوان اشترط، لأنه معرض للآفات، وإن تيقن بقاءه فلا. انتهى.
ذكره مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن اشتراط عدم الذهاب إليه صححه البغوي فتبعه عليه الرافعي ثم النووي.
والأكثرون على الإشتراط، ونقله ابن الرفعة عن ظاهر نص الشافعي.