أصحها: أنه يطالب أيضًا، لأن العقد له.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان في يد العبد وفاء فلا يطالب وإلا طولب.
ثم قال: ولو اشترى المأذون شيئًا للتجارة، ففي مطالبة السيد بالثمن الأوجه. انتهى.
وهو صريح في أن ديون معاملات العبد تجب على السيد، ويؤمر بقضائها.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد ذلك بدون ورقة ما يخالفه فقال: ولا تتعلق ديون معاملة العبد برقبته ولا بذمة السيد. انتهى.
وهو غريب جدًا، ولا يستقيم أن يجمع بينهما بأن يقال: لا شيء في ذمته، لكن يطالب ليؤدي من أموال التجارة عنه، لأن أحد الأوجه أنه إن كان في يد العبد وفاء لم يطالب وإلا طولب.
وقد وقع هذا الاختلاف في "الشرح الصغير" و"المحرر" و"المنهاج" ووقع أيضًا في "الروضة" على وجه أشد مما وقع في الشرح، فإنه ادعى نفي الخلاف في الموضع الثاني فقال: ولا بذمة السيد قطعًا.
قوله في المسألة: والوجه الأول والثاني جاريان في عامل القراض مع رب المال لتنزيل رب المال منزلة العمرة على المال المعين. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي ﵀ تعليل للوجه الثاني، وكأنه ترك تعليل الأول لوضوحه.
قوله: ولو اشترى بألف في الذمة، فتلفت الألف قبل أن ينفذها ففي انفساخ العقد وجهان:
أصحهما: أنه لا ينفسخ، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يجب على السيد ألف آخر، لأن العقد وقع له.
стр. 2277
والثاني: لا يلزمه، ولكنه إن أخرج ألفا آخر مضى العقد، وإلا فللبائع الفسخ.
ويشبه أن يكون هذا أظهر. انتهى ملخصًا.
وهذا الوجه الذي رجحه الرافعي بحثًا، قد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك النووي في أصل "الروضة" فقال: إنه الأصح.
وتصحيح هذا الوجه منهما لا يوافق ما ذكراه في القاعدة المتقدمة، وهي لزوم دين معاملة العبد للسيد، فإنا إن قلنا بلزومه عليه لزم إيجاب الألف هنا، وأن يكون العقد باقيًا.
وإن قلنا بعدم اللزوم، لزم الانفساخ فالتخيير لا يوافق تلك القاعدة، والموافق للأصح منها: هو لزوم الألف.
لا جرم أن الإمام لما ذكر الخلاف في لزوم دين المعاملة على السيد، وصحح قول اللزوم، وعلله بما علله الرافعي، ثم ذكر هذه المسألة صحح أن العقد باقٍ، ويلزم السيد ألف أخرى.
وأيضًا فإن التلف هنا هو نظير التلف في يد الوكيل وعامل القراض.
ولما ذكر مسألة القراض في بابها لم يحكِ فيها الوجه الذي رجحه في هذه المسألة فضلًا عن ترجيحه، ولم يرجح فيها أيضًا شيئًا.
وأما مسألة الوكيل فحكاه وفيها غير أنه لم يصرح فيها بتصحيح، وتابعه في "الروضة" على ذلك كله، غير أنه صحح في "تصحيح التنبيه" في مسألة القراض انقلاب العقد إلى العامل، وهو أقرب من تصحيح التخيير.
قوله: وهل تتعلق ديون التجارة بما يكسبه بعد الحجر؟ فيه وجهان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا تتعلق به. انتهى.
стр. 2278
وما قاله البغوي هو الصحيح، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله من "زياداته": قال في "التهذيب": لو جنى على المأذون، أو كلانت أمة فوطئت بشبهة، لا تقضي ديون التجارة من الأرش والمهر. انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من عدم التعلق بالمهر، وجزم به ولم يذكر في الباب خلافه، قد جزم بعكسه في كتاب النكاح في باب المولى عليه في الكلام على الولاية على الرقيق، وهو من زوائده أيضًا، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه.
قوله أيضًا من "زياداته": ولو [اشترى] (١) المأذون من يعتق على سيده بغير إذنه لم يصح على الأظهر.
فإن قلنا: يصح، ولم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان فقي عتقه قولان كما لو اشترى بإذن المولى، وإن اشترى بإذنه صح، فإن لم يكن على المأذون دين عتق وإلا فقولان:
أحدهما: لا يعتق.
والثاني: يعتق ويغرم قيمته للغرماء. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه الزيادة جميعها قد ذكره [الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض وذكرها] (٢) في "الروضة" أيضًا تبعًا له.
الثاني: أن النووي في "تصحيح التنبيه" قد صحح من القولين في ما
стр. 2279
إذا اشترى بإذن السيد، وكان عليه دين أنه لا يعتق.
ونقل ابن الرفعة في باب القراض من "المطلب" عن الأصحاب: أنه كالراهن فقال: نعم قالوا: إن كان عليه دين ففي عتقه عليه الخلاف في عتق الراهن، وأجروه فيما إذا باشر السيد عتق عبد اشتراه المأذون للتجارة، وقد ركبته الديون. هذا كلامه.
وأشار إليه الرافعي أيضًا في باب القراض، فإنه شبهه بالمرهون، وحينئذ فيكون الصحيح: التفصيل بين الموسر وغيره، ولا يتجه غيره، هذا كله إذا اشتراه بالإذن.
فإن اشتراه بغير الإذن، وكان عليه دين ففي العتق أيضًا قولان.
لكن هل هما مخرجان على القولين فيما إذا وقع الشراء بالإذن حتى يكون الصحيح الذي في إحداهما تصحيحًا في الأخرى أو مرتبان وأولى بالبطلان؟ ، اختلف فيه كلام "الروضة"، فالمذكور في هذا الباب كما تقدم نقله عنه هو التخريج، وفي باب القراض هو الترتيب.
وينبني على هذا الاختلاف ما إذا قلنا بالترجيح المستفاد من كلام الرافعي و"المطلب"، وهو إلحاقه بالمرهون فكان السيد في مسألتنا وهو الشراء بغير الإذن موسرًا.
فعلى المذكور في "الروضة" هنا يستفاد [تصحيح الإعتاق، وعلى المذكور هناك لا يستفاد] (١).
واعلم أن شراء القريب بإذن السيد بمنزلة إعتاق السيد، وقد تقدم في أول الباب أنه يفصل فيه بين الموسر والمعسر.
стр. 2280
قوله: فرع:
لو أذن لعبده في التجارة مطلقًا ولم يعين مالًا، فعن أبي طاهر الزيادي: أنه لا يصح هذا الإذن، وعن غيره: أنه يصح، وله التصرف في أنواع الأموال. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، ولا تعرض لها في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
فمراد الرافعي بقوله: (ولم يعين مالًا) أي نوعًا من المال يتجر منه.
قوله: وأصح الوجهين: أنه لا يصح شراؤه دون إذن السيد، لأنه لو صح، فإن أثبتنا الملك له فليس أهلًا لذلك، وإن أثبتناه للسيد بعوض عليه فهو لم يرض به، وإن كان بعوض على العبد فيلزم حصول أحد العوضين لغير من يلزمه مقابله. انتهى ملخصًا.
وما صححه الرافعي في هذه المسألة سبقه إليه الإمام والمتولي، وهو مخالف للجمهور.
فإن الماوردي والقاضي أبا الطيب قد صرحا بأن الجمهور على الصحة.
وما ذكره في دليل [المنع] (١) فهو منقوض بالمأذون، فإنهم اتفقوا على أن ما اشتراه يكون ملكًا للسيد مع اختلافهم في من يكون الثمن في ذمته.
قوله من "زياداته": ولا يحل للمكاتب التسري بغير إذن سيده، وبإذنه قولان كتبرعه. انتهى.
وهذا الكلام يشعر برجحان الجواز، لأنه الصحيح في التبرع بالإذن، لكن الصحيح منع التسري، وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 2281
باب اختلاف المتبايعين
قوله: مثل أن يختلفا في قدر الثمن فيقول البائع: بعتك هذا بمائة، ويقول المشتري: بخمسين، فينظر: إن كان لأحدهما بينة قضى بها، فإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله سمعتا.
ثم إن قلنا بالتساقط فكأن لا بينة وإلا توقفنا إلى ظهور الحال.
وإن لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن حاصل ما ذكره تفريعًا على عدم التساقط وهو [قول] (١) الاستعمال مجيء قول الوقف دون قول القرعة والقسمة.
وما ذكره هنا مخالف لما ذكره في كتاب الدعاوى والبينات في أثناء الركن الخامس المعقود للبينة، فإنه قال: إن قول القرعة يأتى هنا خلافًا لابن سلمة، وأن قول القسمة والتوقف لا يأتيان على المشهور، فلم يوافق ما ذكره هاهنا إلا في أن قول القسمة لا يأتي.
وأما القولان الآخران فذكر كلًا منهما على العكس مما هنا، أما الوقف فبعدم إتيانه، وأما القرعة فبإتيانها، غير أنه مثل هناك بالاختلاف في الإجارة، وسأذكره في موضعه فراجعه.
وحكى عن ابن سريج: تقديم بينة مدعى الزيادة.
[الأمر الثاني] (٢): إن الرافعي ﵀ إنما مثل هنا بالمثال المذكور للإشارة إلى أن شرط التحالف أن يكون ما يدعيه البائع أكثر.
وقد صرح الرافعي به في الاختلاف في الصداق فقال: وإنما يحسن
стр. 2282
وضع المسألة إذا كان ما تدعيه المرأة أكثر.
قوله: ولو قال البائع: بعتك العبد، فقال: [بل] (١) الجارية ولم يختلفا في الثمن: نظر، إن كان الثمن معينًا تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإن كان في الذمة فوجهان:
أحدهما: يتحالفان، قاله ابن الحداد واختاره القاضى أبو الطيب وابن الصباغ.
والثاني: لا، قاله الشيخ أبو حامد واختاره الإمام وصاحب "التهذيب".
ونظير المسألة اختلاف الزوجين في أنه أصدقها أباها أو أمها. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يذكر قسيم قوله: (ولم يختلفا في الثمن) وكان ينبغي أن يقول: فإن اختلفا كان حكمه كذا، ولا يغني عنه ما ذكره هو وغيره من أن الاختلاف في قدر الثمن يوجب التحالف، فإن الصورة المطلوبة أن يختلفا فيه مع الاختلاف في عين المبيع.
ولم يذكر الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" هذا القيد.
[الأمر الثاني] (٢): أن الأصح من الخلاف عدم التحالف، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" في باب السلم، فقال بعد أن ذكر التحالف في السلم ما نصه: فإن ادعى أحدهما أن البيع إنما كان بشيء وخالفه الآخر، مثل قوله: اسلفني درهمًا في كذا، وقال هذا: بل دينار، فالقول قول البائع مع يمينه.
ويفسخ السلم لأنهما لم يجتمعا على أصل واحد. هذا لفظه بحروفه.
стр. 2283
وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" هنا التحالف، وعبر بالأظهر، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" في الباب الخامس من كتاب الصداق، فإنه صحح التحالف في المسألة المتقدمة، وهي ما إذا قال الزوج: أصدقتك أباك، فقالت: بل أمي.
وهذا الخلاف هو الخلاف في مسألتنا بعينه، صرح به الرافعي هناك، وكلامه أيضًا هنا يشعر به، لكنه لم يصرح بتصحيح، بل التصحيح من تصرف النووي.
الثالث: أن المنقول عن ابن الحداد إنما هو التحالف في مسألة الصداق، كما نقله عنه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، ولم يتكلم في مسألة البيع، قال في "الكفاية": ومسألة الصداق المذكورة العوضان فيها معينان، فيصح فيها التحالف قطعا كما لو كان الثمن معينًا، وردد في "المطلب" فقال: إما أن يقطع فيها بالتحالف نظرًا لما ذكرناه، أو يقطع بعدمه نظرًا إلى أن الصداق عقد مستقل لكون النكاح لا يفسد بفساده، فلا تحالف جزمًا، فليست نظير مسألة البيع أصلًا حتى يكون قول ابن الحداد بالجواز في هذه يلزم منه الجواز في تلك.
الرابع: أن ما نقله عن الإمام أيضًا من المنع ليس في كلامه ما يقتضيه، بل كلامه يؤخذ منه الجواز، لأنه قال: إن الخلاف يلتفت إلى ما لو أقر بألف عن ضمان فقال: المقر له عن جهة أخرى.
والأصح في إقرار عبده اللزوم، ولم يتعرض لهذه المسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".
قوله: ولو ادعى صحة العقد والآخر فساده فوجهان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب": تصديق مدعي الفساد، وأصحهما عند الغزالي، وهو اختيار الشيخ أبى حامد وابن الصباغ: تصديق مدعي
стр. 2284
الصحة، لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين صحتها.
وأيضًا فلو قال: هذا الذي بعتنيه حر الأصل.
وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من رجحان الثاني، قد صرح به في "المحرر"، وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي وغيره.
ويستثنى من هذه القاعدة مسائل، منها: إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها، [فادعى البائع] (١) أنه أراد ذراعًا معينًا حتى لا يصح العقد، وادعى المشتري الشيوع حتى يصح ويكون كأنه باعه العشر مثلًا على تقدير أن يكون ذرعها عشرة، ففي المصدق منهما احتمالان ذكرهما الرافعي من غير ترجيح.
والأرجح منهما على ما قاله في "الروضة" من "زياداته": تصديق البائع فيفسد.
ومنها: لو اختلفا في أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف، فإن القول قول مدعي الإنكار حتى يفسد كما ستعرفه في كتاب الصلح فراجعه.
ومنها: لو قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليّ، [وقال] (٢) العبد كنت في حال الكمال، وعرف للسيد جنون أو حجر كان هو المصدق. كذا جزم به الرافعي في الكتابة في أثناء الحكم الثاني.
الأمر الثاني: أن استدلاله بما إذا اختلفا في أن المبيع حر أم رقيق؟ يقتضي الاتفاق عليه، لكنه قد ذكر بعد ذلك بنحو ورقة: أنه لو كان في
стр. 2285
يده عصير فوجدناه خمرًا بعد البيع، فقال المشتري: كان عند الشراء خمرًا، وأنكر البائع، كان على الخلاف في مدعي الصحة والفساد.
قوله: ولو رد المسلم فيه على المسلم إليه بعيب، فقال المسلم إليه: [ليس] (١) هذا هو الذي قبضته مني، فالأصح أن القول قول المسلم لأن اشتغال ذمة المسلم إليه معلوم، والبراءة غير معلومة.
والوجهان جاريان في الثمن في الذمة.
ثم قال بعد ذلك: ولك أن تقول: الفارق بين الثمن والمسلم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عن المسلم فيه غير جائز، وفي الثمن [لو رضي] (٢) بالمقبوض لوقع عن الاستحقاق، وإن لم يكن من جنسه متى كانت له قيمة لأن الاستبدال عن الثمن جائز. انتهى.
ولك أن تقول: الاستبدال لابد فيه من لفظ يدل عليه، إما بالصريح أو بالكناية كسائر العقود، فكيف يكتفي بمجرد الرضا؟
قوله: ولو اشترى طعامًا كيلًا وقبضه بالكيل، أو وزنًا وقبضه بالوزن أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعي نقصانًا فيه، نظر: إن كان قدرًا يقع مثله في الكيل والوزن قبل، وإلا فقولان. . . . إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الكلام على حكم المبيع قبل القبض فلتراجع.
قوله: ولو باعه عصيرًا وسلمه إليه فوجده خمرًا، فقال البائع: تخمر في يدك، وأنكر المشتري، فأيهما يصدق؟ فيه قولان. انتهى ملخصًا.
والأظهر: تصديق البائع، كذا صححه في "الروضة" من "زياداته"،
стр. 2286
وفي "تصحيح التنبيه".
قوله: ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكر البائع فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع، كما لو اختلفا في العيب.
والثاني: أنهما يتحالفان، قاله في "التتمة" وهذا أصح. انتهى كلامه.
والأصح ما قاله صاحب "التتمة"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ويبدأ في التحالف بالبائع، وفي قول بالمشتري.
ثم قال: وتقديم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضًا بثمن في الذمة.
فأما إذا تبادلا عرضًا بعرض، فلا يتجه إلا التسوية على ما ذكر الإمام، وينبغي أن يخرج ذلك على أن الثمن ما أدى. انتهى كلامه.
وهذا التخريج ليس بلازم، قال في "المطلب": لأن مأخذ البداءة قوة جانب على جانب، كما ذكروه في تعليل الأقوال، وذلك مفقود هاهنا.
قوله: ظاهر نص الشافعي ﵁ الاكتفاء بيمين واحدة من كل واحد من المتعاقدين يجمع فيها بين النفي والإثبات، فيقول البائع: ما بعته [بخمسمائة] (١)، وإنما بعته بألف، ويقول المشتري: ما اشتريته بألف، وإنما اشتريته بخمسمائة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على الإثبات بصيغة إنما، وهو المذكور أيضًا في "المحرر"، وهذه اللفظة لا حاجة إليها.
стр. 2287
قوله: ولو عرض اليمين عليهما فنكلا جميعًا ففيه وجهان للإمام:
أحدهما: أن تناكلهما كتحالفهما.
والثاني: أنه يوقف الأمر، وكأنهما تركا الخصومة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة قد صرح بها الماوردي في "الحاوي"، وجزم بالاحتمال الثاني وهو التوقف، ونقله الإمام في آخر كلامه عن بعض المتقدمين بعد أن ذكر أن أئمة المذهب لم يتعرضوا للمسألة، وصححه النووي في "الروضة" من زياداته، وخالف الغزالي في "البسيط" فقال: له حكم التحالف على [الظاهر] (١).
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بقوله: فيه وجهان للإمام -يستفاد منه: أنهما احتمالان له، وأن الرافعي يرى أن احتمالات الإمام وجوهًا، وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة.
ولما اختصر النووي في "الروضة" كلام الرافعي أطلق حكاية وجهين في المسألة، ولم يعزهما إلى الإمام كما عزاه الرافعي، ثم استدرك عليه فقال من "زياداته": هذان الوجهان ذكرهما الإمام احتمالين لنفسه، وإطلاقه أنهما وجهان، ثم استدراكه بأنهما احتمالان غريب.
قوله: ومن الذي يفسخه؟ فيه وجهان:
أحدهما: الحاكم، كالفسخ بالعنة لأنه فسخ مجتهد فيه.
وأظهرهما: أن للمتعاقدين أيضًا أن يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
стр. 2288
أحدها: أن ما ذكره في الفسخ بالعنة من تعين الحاكم فيه مناقض لما ذكره في كتاب النكاح، فإنه صحح جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم، وسأذكر لفظه في موضعه.
وحذف التعليل من "الروضة" فسلم من الاختلاف.
الثاني: أن حكاية الخلاف في جواز الفسخ لأحدهما واضحة.
وأما بالنسبة إليهما معًا فسهو، لأن المتعاقدين يجوز لهما الفسخ بلا سبب، بلا خلاف، فما ظنك عند وقوع الاختلاف.
وقد صرح بالمسألة في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض فقال: إنه يجوز لهما رفع العقد، بلفظ الفسخ، ولم يحك فيه خلافًا، ونقله هو في هذا الباب بعد هذا بقليل، وقال: إنه لا شك فيه، والموقع في هذا الوهم لمن وقع فيه أن بعض الأصحاب عبر بقوله: لأحدهما، وبعضهم عبر بقوله: لهما، وهو يريد ما أراده الأول -أي كل منهما على البدل- فجمع بينهما.
فتلخص أن الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أحدهما خاصة.
الأمر الثالث: أن ما صححه من جواز الفسخ لأحدهما قد سبقه إلى تصحيحه الغزالي والجرجاني.
وأما الأول فصححه الأكثرون، منهم القاضي حسين والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والروياني والشاشي في "الحلية" والهروي في "الإشراف" والغزالي في "الخلاصة" وابن أبي عصرون.
قوله: قال الإمام: وإذا قلنا: الحاكم هو الذي يفسخ فذاك إذا استمرا على النزاع، ولم يفسخا أو التمسا الفسخ.
أما إذا أعرضا عن الخصومة، ولم يتفقا على شيء ولا فسخا ففيه تردد. انتهى.
стр. 2289
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا التردد، وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد رأيت المسألة مصرحًا بها في تعليقة القاضي الحسين، وجزم بأنه ليس للقاضي أن يفسخ العقد بينهما.
قوله في أصل "الروضة": ثم إذا فسخ العقد ارتفع في الظاهر، وهل يرتفع في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه:
ثالثها: إن كان البائع صادقًا فنعم لتعذر وصوله إلى حقه، وإن كان كاذبًا فلا.
ثم قال: وقال الإمام: إن صدر الفسخ من المحق فالوجه تنفيذه باطنًا، وإن صدر من المبطل [فالوجه منعه باطنًا، وإن صدر منهما فلا شك في الانفساخ باطنًا، وليس ذلك موضع الخلاف ويكون ذلك كما لو تقايلا، وإذا صدر من المبطل] (١) ولم ينفذه باطنًا، فطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه، وإن صدر من القاضي فالظاهر الانفساخ باطنًا لينتفع به المحق. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره صريح في أن القياس على الإقالة من كلام الإمام، وكذلك ما بعده أيضًا، وهو خلاف ما في الرافعي، فإنه قد صرح بنقله عن "الوسيط"، وعطف ما بعده عليه، وكذلك هو في "الوسيط".
الثاني: أن ما ذكره الغزالي من القياس على الإقالة، ونقله عنه الرافعي مرتضيًا له، وجزم بصحته النووي ليس بقياس صحيح، فإن كلًا من المتبايعين لو قال بعد صدور البيع: فسخت البيع، لم ينفسخ البيع، ولم يجعله إقالة اتفاقًا، سواء قال ذلك بحضرة صاحبه أو في غيبته.
وإنما تقع الإقالة، ويحصل الفسخ بها إذا صدرت بالإيجاب والقبول
стр. 2290
بشرطهما المعتبر، وهو أن يكون الثاني جوابًا للأول، وأن يقع على الفور وأن لا يفصل بكلام، وقد يتلفظ كل منهما بذلك بدون شيء من هذه الشرائط.
قوله: وإذا انفسخ البيع بالتحالف، أو فسخ فعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وقيمته إن كان تالفًا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن إيجاب القيمة محله إذا كان المبيع متقومًا، فإن كان مثليًا فإنه يأتي فيه ما سبق في البيع الفاسد، والأصح فيه المثل كما سبق.
الأمر الثاني: أنه قد ذكر بعد ذلك أنه لا فرق في التلف بين الحسي والشرعي كالبيع والاعتاق وغيرهما.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض عن القفال في شرحه "للتلخيص": أنهما لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ففيه ثلاثة أوجه، سواء قلنا: الإقالة بيع أو فسخ:
أصحها: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان، وتبطل الإقالة. انتهى.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة هناك فراجعه.
قوله: وفي القيمة المعتبرة وجوه، وقال الإمام أقوال: أصحها: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف. انتهى.
وما رجحه هاهنا من كون الخلاف وجوهًا، قد جزم بخلافه في "المحرر" فقال: والاعتبار بقيمة يوم التلف على أصح الأقوال. هذا لفظه.
стр. 2291
وتبعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: وإن أجره بني على جواز بيع المستأجر، [إن منعناه فهو كما لو رهنه، وإلا فللبائع أخذه، وإن كان أجره للبائع فله أخذه لا محالة. انتهى.
عبر في "الروضة" بقوله: قطعًا وهو بناء منهما على زعمهما أن البيع من البائع لا خلاف في صحته، وليس كذلك كما ستعرفه في الإجارة.
قوله: وإذا أخذ قيمة الآبق للحيلولة ثم عاد فأصح الوجهين: أنه يرده ويسترد القيمة: وأما المرهون فالأصح، القطع بأنه لا يرد، وقيل: على الوجهين، ثم قال: وأما المستأجر] (١) فإن منعنا بيعه فهل هو كالمرهون أم كالإباق؟ فيه احتمالان للإمام. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يدل على أنهما لم يظفرا بالمسألة، وقد صرح بها القاضي الحسين في "تعليقه" وألحقها بالآبق.
وأيضًا فإن الإمام نفسه قد رجح ذلك، فإنه بعد ذكره لهذا التردد قال: الأظهر أنه كالآبق.
قوله: ثم إذا انفسخ العقد ارتفع في الظاهر، وفي الباطن ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان البائع صادقًا ارتفع، وإلا فلا.
ثم قال: واعلم أن جميع ما ذكرناه مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون اختلافهما في قدر الثمن. . . . إلى آخره.
القالب بفتح اللام، ومراده بهذا الكلام، أن جميع ما تقدم من الخلاف يأتي حيث اختلفا في قدر الثمن، هذا ما ظهر لي من مراده، وإن كان مثل هذا الكلام لا يستعمل لإرادة هذا المعنى، لاسيما أن الكلام والمثال إنما هو في هذه الصورة، فلم نستفد منه شيئًا آخر.
стр. 2292
قوله: ولو جرى العقد بين وكيلين ففي تحالفهما وجهان.
وجه المنع: أن فائدة اليمين الإقرار، وإقرار الوكيل لا يقبل. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة ذكرها الرافعي في الباب السادس من أبواب الصداق، واقتضى كلامه أن الأصح هو التحالف، فإنه ذكر فيما إذا اختلف الزوج وولي الصغيرة أو المجنونة، أن الأصح عند الأصحاب: هو التحالف.
ثم قال: وهذا الخلاف يجري في وكيل البائع ووكيل المشتري، وفي وكيل أحدهما مع الآخر، وفي المسألة كلام آخر نذكره في الدعاوي إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من "زياداته" هنا: أنه ينبغي أن يكون الأصح هو التحالف.
قال: وفائدته الفسخ، أو إن نكل أحدهما فيحلف الآخر، ويقضي له إذا قلنا: حلفه مع النكول كالبينة، وما قاله من القضاء للآخر إذا حلف بعد نكول خصمه ليس كذلك فاعلمه، فإن الصحيح المذكور في الدعاوي: أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إذا جعلنا النكول، ورد اليمين كالبينة.
وما قاله هنا هو الوجه المرجوح في بابه حتى نقل -أعني الرافعي- في آخر الشركة اتفاق الأئمة على ضعفه.
قوله من "زوائده": ولو باع شيئا ومات، فظهر أن المبيع كان لابن الميت، فقال المشتري: باعه عليك أبوك في صغرك لحاجة، وصدقه الابن أن الأب باعه في صغره، لكن قال: لم يبعه عليّ بل باعه لنفسه متعديًا.
قال الغزالي في "الفتاوي": فالقول قول المشتري، لأن الأب نائب الشرع، فلا يفهم إلا لحجة. انتهى كلامه.
стр. 2293
هذه المسألة ذكرها الرافعي في أواخر باب الحجر وحكى فيها خلافًا، وصحح ما نقله هنا عن الغزالي، [وسيأتي] (١) في أصل "الروضة" هناك.
باب السلم
قوله: ذكروا في تفسير السلم عبارات متقاربة، منها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطي عاجلًا. . . . إلى آخره.
هذه العبارة قد اختارها النووي في "لغات التنبيه" فقال: إنها أحسن العبارات، ويرد عليها وما بعدها أمران:
أحدهما: ما إذا وقع بلفظ البيع أو بلفظ الشراء، ولم يقع بعده لفظ السلم، فإنه لا ينعقد سلمًا على الأصح، بل بيعًا كما ذكره هو بعد ذلك، وسنذكره واضحًا.
الثاني: أن إعطاءه عاجلًا شرط من شروط الصحة، وليس داخلًا في حقيقة السلم.
لا جرم لم يذكر هذه الزيادة في "المحرر"، بل قال: هو بيع موصوف في الذمة، لكن يرد على هذا التعبير ما إذا عقد بلفظ البيع، فإنه ليس بسلم على الصحيح، بل يكون بيعًا.
قوله: ويجوز أن يجعل رأس المال منفعة دار أو عبد مدة معلومة، ويسلمها بتسليم العين، انتهى كلامه.
هذه المسألة أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة" هاهنا.
قال ابن الرفعة: وإنما قلنا: يحصل التسليم بالعين، لأنه لما تعذر القبض الحقيقي اكتفينا بهذه لأنه الممكن.
قلت: وفيه نظر لأن المعتبر في هذا الباب، إنما هو القبض الحقيقي، ولهذا لا تكفي الحوالة كما قاله الرافعي هاهنا، ولا الإبراء كما قاله في باب
стр. 2294
الإجارة وهكذا الحكم في الربا أيضًا.
ولو كانت المنفعة متعلقة ببدنه، كما لو جعل رأس المال تعليم سورة أو خدمة شهر وسلم نفسه، فإن أخرج نفسه بعد ذلك من التسليم كما هو الغالب لم يكف بخلاف الدار والعبد، لأنهما مال فيمكن الحكم باستدامة اليد الشرعية عليهما، والحر لا يدخل تحت اليد المتصلة، فكيف في حال الانقطاع، وإن لم يخرج نفسه ففيه نظر لما ذكرناه.
والمتجه: الجواز لأن الأجرة تستقر بذلك، وكلام "المنهاج" يقتضي الاكتفاء مطلقًا، فإنه عبر بقوله: ويجوز كونه منفعة، ويقبض بقبض العين. هذه عبارته، والقياس ما ذكرناه.
قوله: ولو قبض رأس المال، ثم رده إلى المسلم عن دين، قال أبو العباس الروياني: لا يصح، لأنه تصرف قبل انبرام ملكه، فإذا تفرقا فعن بعض الأصحاب: أنه يصح السلم لحصول القبض، وإلزام الملك، ويستأنف إقباضه للدين. انتهى.
والصحيح في هذه المسألة: صحة إقباضه عن الدين، وأن العقد يلزم فافهمه، وذلك لأن التصرف قبل انبرام الملك أي في مدة [خيار البائع، وإنما يمتنع إذا كان مع غير البائع لأن صحته تقتضي اسقاط ما ثبت له من] (١) الخيار.
فأما إذا كان معه فالأصح فيه الصحة، ويكون ذلك إجازة منهما.
كذا ذكره الرافعي في الكلام على الخيار، وفي باب الربا.
وحينئذ فيكون إقباضه له عن الدين صحيحًا وإلزامًا للعقد فاعلمه.
وسكوت الرافعي والنووي على ما تقدم يشعر بأن الحكم كذلك، وبأنهما قد ارتضياه، وكأنهما لم يستحضرا ما قدماه.
стр. 2295
قوله: ولو كان له في ذمة الغير دراهم، فقال: أسلمت إليك الدراهم التي في ذمتك على كذا، نظر: إن شرط الأجل فيه فهو باطل لأنه بيع الدين بالدين، وإن كان حالًا ولم يسلم المسلم فيه قبل التفريق فكمثل، وإن أحضره وسلمه فوجهان:
أحدهما: يصح كما لو صالح من تلك الدراهم على دنانير وسلمها في المجلس.
وأظهرهما: المنع، لأن قبض المسلم فيه ليس شرط، وإن كان المسلم حالًا، فلو وجد لكان متبرعًا به، وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات.
ألا ترى أنه لو باع طعاما بطعام إلى أجل، ثم تبرعا بالاحضار لم يجز. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن قبض المسلم فيه ليس بشرط، إن أراده في هذه المسألة فممنوع، لأن من يشترط إحضار أحد العوضين يشترطه في صحة هذا العقد، وإن أراد في غيرها لم يضر.
الأمر الثاني: أنه على تقدير أن لا يكون قبضه شرطًا، لكن لا يقال فيه أنه تبرع، لأنه يجب على المسلم إليه الإعطاء في مجلس [العقد، فكيف يقال: لا يجب وهو حال قادر عليه؟ فإذا كان حالًا فيشترط عند هذا القائل تسليمه في المجلس] (١)، فكيف يكون تبرعًا؟
وأما تنظيره بما إذا باع طعامًا إلى أجل فظاهر الفساد، لأن الإحضار هناك تبرع بلا شك.
وقوله: (متبرعًا به) هو بفتح الراء على البناء للمفعول.
стр. 2296
قوله: وأطلق صاحب "التتمة" وجهين في أن تسليم المسلم فيه في المجلس، وهو حال هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأظهر المنع. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق المنع، إلا أنه إنما يتجه إذا ورد بلفظ السلم أو بلفظ البيع، واعتبرنا المعنى.
فإن قلنا بالصحيح، وهو اعتبار اللفظ فيتجه أن يكفي، لأن المانع حينئذ كونه بيع دين بدين، [فإذا وجد القبض من أحد الجانبين كفى لزوال المانع. ولعل الرافعي إنما عبر] (١) بالمسلم فيه لهذا المعنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو كان رأس المال عبدًا فأعتقه المسلم إليه قبل القبض لم يصح، إن لم يصح اعتاق المشتري قبل القبض، وإلا فوجهان. والفرق أنه لو نفذ لكان قبضًا حكميًا، ولا يكفي ذلك في السلم.
ثم قال ما نصه: فإن صححنا فتفرقا قبل قبضه بطل العقد، وإلا فيصح، وفي نفوذ العتق وجهان. انتهى كلامه.
وهذا التفريع الذي ذكره على تصحيح العتق ظاهر الفساد، فإنه كيف يفرع على نفوذه تفريعًا يكون فيه وجهان في عدم نفوذه.
وأيضًا فإنا إذا نفذناه يحصل القبض به حكمًا كما أشار إليه، فكيف يقول بإبطال العقد عند عدم قبضه؟ وقد عبر الرافعى بقوله: فعلى هذا -أي فعلى القول بالفرق- وهو الإبطال هنا والصحة في المشتري، وهو تفريع لا وقفة فيه ولا في حكاية الخلاف بعد ذلك في نفوذ العتق، وقد حكاه المتولي في "التتمة" كذلك.
وبناء الوجهين على أن الراهن إذا أعتق وقلنا: لا ينفذ اعتاقه، فانفك الرهن هل ينفذ أو لا؟ فاتضح كيفية الخلاف المحكي في ["المهذب"] (٢) لا
стр. 2297
سيما شرحه إذا وقع في كلام الرافعي من كلام "التتمة" لاستمداد كلامه منها.
قوله: ولو أسلم بلفظ الشراء فقال: اشتريت منك ثوبًا أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: [اشتريت منك ما] (١) بعته منك انعقد، لأن كل سلم بيع.
وهل هو سلم اعتبارًا بالمعنى أو بيع اعتبارًا باللفظ؟ فيه وجهان:
الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أن الاعتبار باللفظ.
والصحيح عند ابن الصباغ: اعتبار المعنى. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن ابن الصباغ قد نص عليه الشافعي في "الإملاء" كما نقله [عنه] (٢) الشيخ أبو حامد، ونقله عن العراقيين، وصححه الروياني والجرجاني، وذكر الرافعي في "الأيمان" ما يقتضيه، فقال فيما إذا حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد ما نصه: ويحنث بما يملكه بالتولية والإشراك وبما ملكه بالسلم، لأنها شراء في الحقيقة والإطلاق هذه عبارته.
وذكر مثله أيضًا في الإجارة، فإنه حكى هذا الخلاف في الإجارة الواردة على الذمة.
ونقل عن البغوي: أنه رجح مراعاة المعنى، ثم قال -أعني الرافعي-: إن ما صار إليه البغوي في الإجارة لا يلائم ما صار إليه في السلم.
ثم وافقه الرافعي في "المحرر" على ما رجحه هناك، واقتضى كلامه في الشرحين أن الأكثرين عليه، وحينئذ فيقال للرافعي، قد ثبت بقولك أن كلامك أيضًا هنا لا يلائم كلامك هناك.
стр. 2298
وحينئذ فلابد من ترجيح أحد هذين الموضعين فرجحنا بنص الشافعي، فلتكن الفتوى على مراعاة المعنى.
وأما نظرهم إلى أن البيع مختص بالأعيان فيجري عليه هنا حكم الأعيان ففاسد، لأنه يلزم منه بطلان العقد بالكلية، وليس كذلك، فثبت رجحان كونه سلمًا لمقتضى الترجيح في الإجارة، ونص الشافعي عليه، وكثرة القائلين به وفساد دليل مقابله.
لا جرم أن الرافعي لم يصرح هنا بترجيح لا في "الكبير" ولا في "الصغير"، فإنه عبر بقوله: ورجح أي على البناء للمفعول.
نعم ذكر في "المحرر" أنه أقرب، فصرح النووي بتصحيحه في "الروضة" و"المنهاج" جريًا على عادته.
الأمر الثاني: أن محل انعقاده بيعًا إذا اقتصر على لفظ الشراء أو البيع، فإن ضم إليه لفظ السلم فقال مثلًا: بعتك أردب قمح في ذمتي سلمًا بكذا، أو قال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك سلمًا بكذا، فإنه يكون سلمًا.
كذا جزم به الرافعي في الكلام على تفريق الصفقة في اختلاف الأحكام.
قوله: ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا في ذمتك بعشرة دراهم في ذمتي.
فإن جعلناه سلمًا وجب تعيين الدراهم، وتسليمها في المجلس، وإن جعلناه بيعًا لم يجب. انتهى لفظه بحروفه.
وتابعه عليه النووي في "الروضة"، ومقتضاه أنه لا يجب التعيين ولا التسليم تفريعًا على الوجه المصحح، وهو جعله بيعًا مراعاة للمعنى.
فأما ما قاله في التسليم فمسلم، وأما التعيين فلا بل لابد منه، وإلا لصار بيع الحالي بالحالي أي بيع الدَّين بالدَّين، وقد أجمعوا على منعه للحديث الصحيح.
стр. 2299
وممن صرح به المحاملي، ورأيته أيضًا في "فوائد المهذب" لابن عصرون نقلًا عن الفارقي تلميذ الشيخ أبى إسحاق.
فينبغي أن يحمل قوله: (لم يجب) على المجموع السابق ذكره، لأن المجموع لم يجب، بل إنما يجب [بعضه] (١) غير أن مثل هذا لا يستعمله الفقهاء، ولا يريدونه ولا يفهمه الواقف على كلامهم.
قوله: ولو وقت بفصح النصارى، نص الشافعي ﵁ على أنه لا يجوز.
فأخذ بعض الأصحاب إطلاقه اجتنابًا عن التأقيت بمواقيت الكفار، وعامتهم فصلوا فقالوا: إن اختص بمعرفة وقته الكفار فالجواب ما ذكره، لأنه لا اعتماد على قولهم، وإن عرفه المسلمون أيضًا جاز، وكذلك سائر أعياد أهل الملل، وسواء اعتبرنا معرفتهما أم لا.
فلو عرفا كفى على الصحيح، وقيل: يشترط معرفة عدلين من المسلمين سواهما، لأنهما قد يختلفان فلابد من مرجع. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق المنع إذا عرفه الكفار فقط، وليس على إطلاقه، بل يستثني ما إذا كانوا عددًا كثيرًا في البلاد الكبار بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإنه يكفي لحصول العلم بقولهم، وهذا التنبيه استدركه ابن الصباغ في "الشامل".
والفصح بكسر الفاء وإسكان الصاد وبالحاء المهملتين هو عيد النصارى.
قال الجوهري: وذلك إذا أكلوا اللحم وأفطروا.
قوله: الثالث لو أقتا بنفير الحجيج وقيد بالأول أو بالثاني جاز، وكذا إن أطلقا على الأصح، ويحمل على الأول.
ثم قال، وحكى عن "الحاوي" أن التوقيت بالنفير الأول أو الثاني لأهل مكة جائز، لأنه معروف عندهم ولغيرهم وجهان، وأن في التوقيت بيوم
стр. 2300
القر لأهل مكة وجهين أيضًا، لأنه لا يعرفه إلا خواصهم، وهذا غير فقيه لأنا إن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلا فهي مشهورة في كل ناحية عند الفقهاء وغيرهم. انتهى.
اعترض في "الروضة" على كلام الرافعي فقال بعد قوله: إن القر هو الحادي عشر من ذي الحجة، وهذا الوجه الذي ذكره في "الحاوي" قوي.
ودعوى الإمام الرافعي شهرته عند غير الفقهاء ومن في معناهم لا يقبل، بل ربما لا يعرف القر كثير من المتفقهين والله أعلم.
وهذا الاعتراض الذي ذكره في "الروضة" غلط فاحش، فإن الرافعي يريد أن معرفة الآجال هل يكفي فيها علم المتعاقدين أم لابد من معرفة عدلين؟ فيه خلاف سبق.
فإن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق بين النفر والقر، إن علما بهما صح، وإلا فلا، وإن لم نعتبر علمهما، وقلنا: لابد من عدلين فكذلك أيضًا لأنه لا يتصور خلو مكة ولا غيرها من النواحي عن عدلين من الفقهاء يعرفان القر فلا فرق أيضًا.
قوله: قال الإمام: لو عقدا وقد بقى من صفر لحظة، ونقص الربيعان وجمادى فيحسب الربيعان بالأهلة، ويضم جمادى إلى اللحظة الباقية من صفر، ويكملان بيوم من جمادى الآخرة سوى لحظة.
ثم قال: كنت أود في هذه الصور أن يكتفي بالأشهر الثلاثة، فإنها جرت عربية كوامل، وما تمناه هو الذي نقله أبو سعيد المتولي وغيره، وقطعهما بحلول الأجل بانسلاخ جمادى في الصورة المذكورة، وأن العدد إنما يراعى في ما إذا جرى العقد في غير اليوم الأخير، وهو الصواب. انتهى كلام.
تابعه في "الروضة" على حصره في اليوم الأخير وليس كذلك، بل لو وقع العقد في الليلة الأخيرة كان كاليوم في أنه لا يراعى فيه العدد أيضًا
стр. 2301
للمعنى الذي ذكره.
وأشار الرافعي بقوله في الصورة المذكورة [إلى] (١) نقصان جمادى، فلو كان تامًا لم يتوقف على انسلاخه بل بإكمال ثلاثين، حتى لو كان العقد وقت الزوال من اليوم الأخير من صفر حل الأجل بزوال اليوم [الأخير] (٢) من جمادى إذا جاء كاملًا، كما صرح به صاحب "التتمة".
قوله: ولو قال: محله في الجمعة أو في رمضان فوجهان:
أصحهما: المنع، لأنه جعل اليوم أو الشهر طرفًا فكأنه قال: محله وقت من أوقات يوم كذا، وفرقوا بينه وبين الطلاق بأن الطلاق يجوز تعليقه بالمجاهيل والأغرار، بخلاف السلم، قال ابن الصباغ: نعم، لكن لو كان كذلك لوقع في الجزء الأخير دون الأول، وهذا حسن، والفرق مشكل. انتهى كلامه.
وفرق إسماعيل الحضرمي بأن الطلاق لما قبل التعليق بالمجهول قبله بالعام، وتعلق بأوله والسّلم لا يؤجل بقدوم زيد، فلا يؤجل بعام.
قوله في أصل "الروضة": ولو قال: إلى أول رمضان أو آخره بطل. كذا قاله الأصحاب، لأنه يقع على جميع النصف الأول أو الآخر.
قال الإمام والبغوي: ينبغي أن يصح ويحمل على الجزء الأول. انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا، وما ذكره غريب، فقد قال الشافعي في "البويطي": ويسمى أول الشهر أو كذا وكذا يومًا يمضي من الشهر، [وصرح به أيضًا الشيخ أبو حامد وسوى بين "إلى شهر رمضان" و"إلى غرته" و"إلى هلاله" و"إلى أوله" قال: إنه إذا قال إلى أول يوم من الشهر] (٣)، فالمحل أول جزء من أول اليوم.
стр. 2302
وكذلك الماوردي سوى بين الشهر والأول والغرة، [بل جعل الأول والغرة] (١) أصلين، وألحق الشهر بهما.
وقال في "الشرح الصغير": الأقوى الصحة.
قوله: ولو أسلم في شيء ببلد لا يوجد مثله فيه ويوجد في غيره، قال في "النهاية": إن كان قريبًا منه صح، وإن كان بعيدًا فلا.
قال: ولا تعتبر مسافة القصر هاهنا، وإنما التقريب فيه أن يقال: إن كان يعتاد نقله إليه في معرض المعاملة لا في معرض التحف والمصادرات صح السلم، وإلا فلا.
ويجئ في آخر الفصل ما ينازع في الإعراض عن مسافة القصر. انتهى كلامه.
وقال في آخر الفصل في الكلام على انقطاع المسلم فيه: وإن أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله إن كان في حد القرب وبم يضبط؟ .
أما صاحب "التهذيب" في آخرين فإنهم نقلوا وجهين، أقربهما: أنه يجب نقله فيما دون مسافة القصر.
والثاني: من مسافة العدوى.
وأما الإمام فإنه جرى على الإعراض عن مسافة القصر. إلى آخره.
ويؤخذ من مجموع كلام الرافعي أن الراجح في المسألة الأولى اعتبار مسافة القصر أيضًا، على خلاف ما قاله الإمام.
إذا علمت ذلك فقد جزم في "المحرر" بما قاله الإمام، وتبعه النووي عليه في "المنهاج".
стр. 2303
والتحف بضم التاء وفتح الحاء جمعة تحفة ساكن الحاء ومفتوحها أيضًا وهي الهدايا. قاله الجوهري.
قوله فيما إذا انقطع المسلم فيه: فإن أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ، كزوجة المولى، ووجهه الإمام: بأن هذه الإجازة إنظار، وقد يتوقف الناظر في كونها إنظار أو يميل إلى أنها إسقاط حق كإجازة زوجة العنين.
ويجوز أن يقرر فيه وجهان، لأن الإمام حكى وجهين في أنه لو صرح بإسقاط حق الفسخ هل يسقط؟ وقال: الصحيح أنه لا يسقط. انتهى كلامه.
اعلم أن النووي قد ذكر هنا كلامًا فيه شيء يظهر [بذكر] (١) لفظه فقال: فإن أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ كزوجة المولى إذا رضيت ثم أرادت المطالبة كان لها ذلك.
قلت: هذا هو الصحيح، وذكر صاحب "التتمة" في باب التفليس وجهين في أن هذا الخيار على الفور أم لا، كالوجهين في خيار من ثبت له الرجوع بالإفلاس، والله أعلم. هذا لفظه بحروفه.
ومقتضاه أن هذا الخلاف المحكي عن صاحب "التتمة" هو خلاف في المسألة التي بحث فيها الرافعي، وهو ما إذا أجاز ثم بدا له فتأمله، وليس كذلك، فإنهما مسألتان مستقلتان، ولا يلزم من كونه على التراخي أنه إذا اختار خصلة يجوز له الرجوع عنها كالمفلس.
قوله: ولو وجد المسلم فيه عند قوم يبيعونه بثمن غالٍ فليس بانقطاع، بل يجب تحصيله. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد يحصل فيها اشتباه على كثير من الناس، وغلط في فهمها، وذلك لأن الغلاء يطلق، ويراد به الزيادة على ثمن المثل كما يقول الشخص لوكيله: ارددها فإنها غالية، ويطلق ويراد به ارتفاع الأسعار،
стр. 2304
وأن يبيع بثمن مثله في ذلك الزمان، كما يقال: كان ذلك في زمن الغلاء لا في زمن الرخص.
والمراد هنا إنما هو الثانى، وأما الأول فلا يكلف به، لأن فيه إجحافًا زائدًا، وتكليفًا بما لا نهاية له، فإن صاحب السلعة قد يبالغ في الزيادة وقد جعل الشارع الموجود بأكثر من قيمته كالمعدوم بدليل الرقبة وماء الطهارة، وغير ذلك، ومما يدل على ما قلناه من كون المراد هو الثاني أن الغاصب مع تعديه لا يكلف القسم الأول على الأصح، كما قاله في "الروضة" في بابه، فبالأولى هذا، ولم يصحح الرافعي [في "الشرحين"] (١) هناك شيئًا.
والحاصل أنهما مسألتان، ذكرت إحداهما هنا والأخرى هناك، والبابان محتاجان إلى ذكر كل واحدة من المسألتين.
وقد صح في كتاب الكفارات أنه لا يلزمه شراء الرقبة بالثمن الغالي.
ولعل الفرق بينه وبين السلم تأكد حق الآدمي إلا أن يقال: المراد بالغلاء هناك الزيادة على ثمن المثل غير أن الخلاف في إيجابه بعيد، وجزم في كتاب الأطعمة نقلًا عن "التهذيب": بأن المضطر يجب عليه أن يشتري بالثمن الغالي، وفسره بالزيادة الكبيرة.
قوله في "الروضة": ولو أمكن نقله وجب إن كان قريبًا، وهو ما دون مسافة القصر.
وقيل: هي المسافة التي لو خرج إليها بكرة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا، ثم قال ما نصه: وقال الإمام: لا اعتبار بمسافة القصر؛ فإن أمكن النقل على غيبته، فالأصح: أنه لا ينفسخ قطعًا، وقيل: على القولين. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: على غيبته تحريف، والصواب وهو المذكور في "النهاية"
стр. 2305
والرافعي على عسر بالسين والراء، ثم إن هذا اللفظ .. إلى آخره هو من تتمة كلام الإمام فاعلمه.
قوله: ولو عين موضعًا فخرب وخرج عن صلاحية التسليم فأوجه:
أحدها: يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا، وللمسلم الخيار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح. انتهى.
قال النووي في "زياداته": الأقيس هو الثالث. انتهى. وما ذكره النووي إن كان حاصله متجهًا فناقص موهم، بل لابد أن يقال فيه مع هذا: إن ذلك الأقرب الصالح له حالان:
أحدهما: أن يكون أبعد من المعين ابتداءًا فيستحق أجرة الزائد، لأن العقد لم يقتضيه، وإنما أوجبناه لغرض المستحق جمعًا بين المصلحتين، كما ذكروا في نظائر لهذا.
الحال الثاني: أن يكون أقرب، فيتجه تخيير المسلم، فيقال له: إن شئت فأسلم لك في المعين ولا كلام، وإن شئت سلم لك في الصالح من غير حط شيء من الأجرة.
قوله: وحمل الإمام إطلاق الأصحاب على جواز السلم في الموزون كيلًا على ما يعد الكيل في مثله ضبطًا، حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلًا لم يصح. انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بأن الأمر كما قاله الإمام، أو على ما أطلقه الأصحاب، والأمر كما أطلقوه من عدم الاشتراط، كذا صرح به الرافعي بعد ذلك، فقال في أثناء الشرط السادس: ويجوز في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلًا ووزنًا.
стр. 2306
وجزم النووي في "تصحيح التنبيه": بالاشتراط، كما قاله الإمام، وكأنه إذ ذاك وقف على الموضع الأول فقط، ولم يستحضر ما قاله الرافعي ثانيًا.
ولم يصرح في "الروضة" بشيء، غير أنه ذكر عقب الموضع الثاني أن كلام الرافعي هنا مخالف لما تقدم نقله عن الإمام، قال: وكأنه اختار ما أطلقه الأصحاب. هذا كلامه.
ولم يذكر غير ذلك، ولم يخالفه أيضًا في اختياره.
قوله: ولا يجوز السلم في الجوز واللوز عددًا، ويجوز وزنًا، وفي الكيل وجهان نقلهما صاحب "البيان"، المذكور منهما فى "الشامل": الجواز، وكذا في الفستق والبندق.
واستدرك الإمام فقال: قشور الجوز واللوز مختلفة [منها غلاظ، ومنها رقاق والغرض يختلف باختلافهما فيمتنع السلم فيهما] (١) بالوزن أيضًا.
وليحمل ما أطلقه الأصحاب على النوع الذي لا تختلف قشوره في الغالب. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن منع الكيل قد نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال: ولا يجوز إلا وزنًا. هذا لفظه بحروفه.
ونص في "مختصر المزني" على الجواز، فتلخص أن الخلاف قولان [لا وجهان] (٢).
الثاني: أن الراجح في هذه المسألة هو الجواز، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أشبه الوجهين.
وصححه النووي في "الروضة" و"المنهاج"، ولم ينبه في "الروضة"
стр. 2307
على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
الأمر الثالث: أن حكم السلم في الجوز واللوز وزنًا، هو كما أطلقه الأصحاب لا كما استدركه الإمام، كذا نبه عليه النووي في "شرح الوسيط" فقال بعد حكايته لمقالة الإمام ما نصه: والمشهور في المذهب هو الذي أطلقه الأصحاب، ونص عليه الشافعي انتهى.
وجزم الرافعي في "المحرر" بالتقييد بما استدركه الإمام، وتبعه عليه النووي في "الروضة" و"المنهاج"، والصواب: التمسك بما قاله في "شرح الوسيط"، لأنه متبع لا مختصر.
قوله: ولا يجوز السلم في البطيخة الواحدة والسفرجلة الواحدة، ولا في عدد منها، لأنه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها، وذلك يورث عزة الوجود. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن منعه في البطيخة الواحدة وفي العدد منه، قد سبقه إليه جماعة، لكن نص الشافعي في "البويطي" على الجواز فقال: ويسمى اللون ويصف صغيره وكبيره ووسطه، ولو وصف وزن كل واحدة من هذا كان أحوط، وإلا لم يضره، وكذلك البيض هذا لفظه بحروفه، ومن "البويطي" نقلته.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد عدى هذا الحكم إلى البيض والباذنجان والرمان.
وحذف النووي من "الروضة" ذكره بالنسبة إلى هذه الأمور فاعلمه.
قوله من "زياداته" معترضًا على الرافعي: كذا قال أصحابنا
стр. 2308
الخراسانيون يشترط في اللبن الجمع بين العدد والوزن، ولم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، فقد نص الشافعي ﵀ في آخر كتاب السلم من "الأم" على أن الوزن فيه مستحب و [لو] (١) تركه فلا بأس، لكن يشترط أن يذكر طوله وعرضه وثخانته وأنه من طين معروف. انتهى.
ومقتضى هذه الزيادة أن يكون الراجح: أنه لا يشترط، وقد نص عليه أيضًا الشافعي في "البويطي" فقال: لا بأس بالسلم في الطوب والحجارة إن ضبط طوله وعرضه، وإلا وزن. هذا لفظه بحروفه.
لكن جزم النووي في "المنهاج" تبعًا للمحرر باشتراطه.
قوله: لكن في منع السلم في الجارية وولدها أو أختها إشكال، على الإطلاق، لأنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العبد كاتبًا والجارية ماشطة جاز.
ولمدعٍ أن يدعى ندرة اجتماع الكتابة والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها، بل قضية ما أطلقوه تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا، وتلك ماشطة، وكما يندر كون أحد الرفيقين ولد الآخر مع اجتماع الصفات المشروطة فيهما، فكذلك يندر كون أحدهما كاتبًا والآخر ماشطًا مع اجتماع تلك الصفات، فلنسوِ بين الصورتين في المنع والتجويز. انتهى كلامه.
وما ذكره من المشابهة ضعيف، فإن الفرق بينهما أن اشتراط الكتابة في العبد، والمشط في الجارية يسهل تحصيله بالاكتساب، وليس فيه إلا زيادة وصف على الأوصاف المطلوبة.
وإذا أسلم في عبد وجارية بهذه الصفة فلا تعلق لأحدهما بالآخر، ولا هو وصف فيه.
стр. 2309
أما البنوة والأخوة فوصف غير مكتسب فيعز اجتماعه مع باقي الأوصاف، وكونها ذات ولد وصف فيها.
قوله نقلًا عن الصيمري: ولو شرط كونه زانيًا أو قاذفًا أو سارقًا جاز، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو عوادة لا يصح.
وفرق الصيمري بينهما بأنها صناعة محظورة، وتلك أمور تحدث كالقمار، وهذا فرق لا يقبله ذهنك. انتهى.
فأما اشتراط الزنا والسرقة ونحوهما، فقد خالف الصيمري فيه غيره فقال: لا يصح اشتراطه.
وقد نقل الوجهين معًا الماوردي في "الحاوي"، وأما المنع في المغنية فقال الماوردي أيضًا: إن كان الغناء مباحًا فيجوز، وإن كان محرمًا -أي بأن كان بالعود ونحوه- فوجهان: أصحهما: المنع.
واعلم أنه قد وقع في "الروضة" التعبير بالقوادة بالقاف، كذا رأيته بخطه كما هو مذكور في النسخ أيضًا، ولكنك إذا تأملت الفرق المذكور علمت أن الصواب بالعين كما وقع في الرافعي، وأن المتجه على هذا القول إلحاق القوادة -أعني بالقاف- بالسارقة ونحوها.
ولم يذكر في "الروضة" الفرق المذكور، واقتصر على الحكم موهمًا تسلميه.
قوله: وعن ابن عمر ﵄ أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة (١). انتهى.
[والربذة قد سبق الكلام عليها في التيمم] (٢).
قوله: ولو اختلف نتاج بني فلان فكان فيها أرحبية ومهرية ومجيدية.
стр. 2310
إلى آخره.
هذه الألفاظ سبق الكلام عليها في الزكاة.
قوله: وأما قول "الوجيز" غير مؤدن، فإن الشافعي ﵁ ذكر في "المختصر": أنه يقوله في السلم في البعير غير مؤدن، نقى من العيوب، سبط الخلق، مجفر الجنبين.
والمؤدن ناقص الخلقة.
والسبط: المديد القامة الوافر الأعضاء.
والمجفر الجنبين: عظيمهما وواسعهما، واتفق الأصحاب على أن ذكر هذه الأمور ليس بشرط. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المودن بفتح الدال المهملة وبالنون هو الناقص الخلق السيء العدا.
والسبط قد فسره في "الكتاب" وهو بسين مفتوحة وباء موحدة تسكن وتكسر.
والمجفر بميم مضمومة وجيم ساكنة وفاء مفتوحة.
الثاني: أن دعواه الاتفاق على عدم الاشتراط ليس على إطلاقه، فقد شرط الماوردي في الإبل والخيل ذكر القد فيقول مربوع أو مشرف.
قوله: ولو ذكر معه الشيات، كالأغر والمحجل واللطيم كان أولى. انتهى.
الشيات جمع شية وهي كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، قال تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] أي ليست متلونة.
واللطيم من الخيل الذي سالت غرته في أحد شقي وجهه، يقال منه: لطم الفرس على البناء لما لم يسم فاعله، قاله الجوهري.
стр. 2311
قوله: ومنها الطيور: فيجوز السلم فيها، وقال في "المهذب": لا يجوز. انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "الروضة"، وقريبًا منه في "الشرح الصغير" وفيه إشعار بأن غير الشيخ لم يقله ولاسيما من المتقدمين على الشيخ وهو غريب.
فقد نص الشافعي في (البويطي) على المنع فقال ما نصه ولا يجوز السلم في الطير لأنها لا تنضبط بسن ولا ذرع. هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت.
نعم: نص الشافعي في غيره على الصحة، ونقله الروياني وغيره.
قوله: وفي كتب أصحابنا العراقيين اعتبار أمر شائع -أي في اللحم- وهو بيان السمن والهزال. انتهى.
وهذا الشرط نقله أيضًا عنهم في "الشرح الصغير" و"الروضة" وليس فيه تصريح بموافقتهم ولا مخالفتهم، وقد أهمله الرافعي في "المحرر" وكذلك النووي في "المنهاج"، وفيه إشعار بعدم اعتباره، ولابد منه فقد نص الشافعي عليه في "البويطي".
قوله: ولا يلزم قبول الرأس والرجل من الطير والذنب من السمكة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذه العبارة] (١) وفيها إشعار بأن رأس السمكة يجب قبولها، وليس كذلك فاعلمه، فقد نص الشافعي في "البويطي" على أنه لا يجب، فقال ما نصه: ولا بأس بالسلم في الحيتان، ويسمى أجناسها وصغارها وكبارها وأجلها ووزنها، وحيث يقبض لا يوزن ذنبها ولا رأسها. هذا لفظه.
وجزم ابن الرفعة بذلك، ولم يتعرض لكلام الرافعي ولا لهذا النص، ثم حكى فيما إذا كان الحوت صغيرًا وجهًا أنه يجب قبول الرأس والذنب،
стр. 2312
لأن العادة أكلهما معه.
ثم [قال: والمذهب الأول، وأيضًا فقد نص الشافعي في "الأم" كما] (١) قاله في "المطلب" على أنه: إذا كان على الذنب لحم وجب قبوله.
قوله في أصل "الروضة": في السلم في الدبس والعسل المصفى بالنار والسكر والفانيد واللبا وجهان استبعد الإمام المنع فيها كلها.
قلت: وممن اختار الصحة في هذه الأشياء: الغزالي وصاحب "التتمة" والله أعلم. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح في الجميع هو المنع على ما يقتضيه كلام الرافعي.
الثاني: أن في السكر والفانيد طريقة قاطعة بالجواز حكاها الرافعي، ولم يذكرها في "الروضة"، ولنذكر عبارة الرافعي ليعرف منه الموضعان فقال: والسمن والدبس والسكر والفانيد كالخبز، ففي سلمها الوجهان. وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السلم في السكر والفانيد. هذا لفظه. ثم قال: وفي اللبا والعسل المصفى بالنار الوجهان.
وهذا الكلام مقتضاه المنع في جميع هذه الأشياء لأنه الصحيح في الخبز.
ويؤيده أن [الأصح] (٢) في باب الربا إلحاق ما دخلته النار للتمييز عما دخلته، للطبخ حتى لا يجوز بيع بعضه ببعض، فأطلق النووي ذكر الوجهين فقط، ثم حذف هذه الطريقة المنقولة عن الإمام، وحكى عنه شيئًا آخر.
الثالث: [أن النووي] (٣) صحح في "تصحيح التنبيه" جواز الجميع، لكنه لم يصرح فيه بالعسل والسمن غير أنه يؤخذ منه، فإنه لما عدد هذه
стр. 2313
الأشياء جعل ضابطها أن تكون النار لطيفة، ولا شك أن نار العسل المشار إليه وهو عسل النحل ألطف من نار السكر.
ولم يصرح في غير هذا الكتاب بتصحيح، فإنه لم يتعرض لذلك في "المنهاج"، وأما في "الروضة" فكما تقدم.
الرابع: أن ما نقله عن صاحب "التتمة" من تجويز السلم في الخمسة المتقدم غلط، إنما اختار الجواز في اللبا قبل أن يخلطه باللبن وتطبخ، أما بعد طبخه، فلا.
قوله: وتردد صاحب "التقريب" في السلم في الماء ورد لاختلاف تأثير النار فيما يتصعد ويقطر. انتهى.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا أيضًا، والراجح هو الجواز، فقد قال الروياني: إنه أصح عندي وعند عامة الأصحاب.
قوله: والأكارع كالرؤوس. انتهى.
أهمل شرطًا آخر في الأكارع لم يذكره، ونبه عليه النووي في "الروضة"، وهو بيان أنها من الأيدي والأرجل.
قوله: وفي كتاب القاضي ابن كج اعتبار شرط آخر -أي لتجويز السلم في الرؤوس على قول-، وهو أن يكون المشافر والمناخر منحاة عنها، وهذا لا اعتماد عليه. انتهى كلامه.
وما قاله ابن كج قد وافقه عليه الماوردي في المشافر.
قوله: وهل يحتاج في السمن إلى التعرض للحديث والعتيق، قال الشيخ أبو حامد: لا بل العتيق معيب لا يصح السلم فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: العتيق المتغير هو المعيب لأكل عتيق، فيجب البيان. انتهى كلامه.
стр. 2314
وفيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن القاضي أبي الطيب، قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، لكن نقل عنه في "الشامل" أنه إن اختلفت القيمة وجب البيان، وإلا فلا فقال ما نصه: قال القاضي: ونقول حديث أو عتيق إن كان يختلف.
الأمر الثاني: أن النووي لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والراجح عند الرافعي: وجوب البيان، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وما نقله عن الشيخ أبي حامد من الحكم والتعليل قد نص عليه الشافعي.
والغريب أن الشيخ أبا حامد قد نقله عنه، فاقتصار الرافعي عليه في غاية العجب.
وقد نقله عنه في "الشامل" فقال: وقال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: إطلاقه يقتضي الحديث، فإن العتيق معيب، وإنما يصلح للخراج. انتهى كلامه، فتلخص من ذلك أنه مذهبنا.
قوله: وليس في الزبد إلا الوزن. انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه لا يصح السلم فيه كيلًا، بل وزنا، لكن نص الشافعي في "الأم" على أنه يصح السلم فيه كيلًا ووزنًا.
قوله: ولا يجوز السلم في القز وفيه الدود حيًا ولا ميتًا، لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وذكر قبل ذلك في أوائل البيع في الكلام على شروط البيع من "زياداته": جواز بيع القز وفيه الدود وزنًا، على [خلاف] (١) ما جزم به هاهنا من فساد التقدير بالوزن، وذكرت لفظه هناك.
стр. 2315
وثبت أن الصواب هو المذكور هنا، وهو المنع فراجعه.
قوله: الخامسة: إذا أسلم في الثياب بين الجنس ثم قال: ويبين الغلظ والرقة والنعومة والخشونة .. إلى آخره.
ذكر في "الشرح الصغير" و"المحرر": الصفاقة والرقة مع الغلظ والرقة، ولابد من ذلك، فإن الغلظ والرقة راجعان إلى كيفية [الغزل، وقد صرح الرافعي بذلك أيضًا قبل هذا بقليل، والصفاقة والرقة راجعان إلى كيفية] (١) النسج.
فالصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، مأخوذ من الصفق، وهو ضرب آلة النسج.
والرقة: تباعدها.
والحاصل: أن هذين الوصفين لابد من التعرض لهما في العقد، وأن التعبير عنهما بهذه الألفاظ صحيح إلا الرقة، فإن استعماله فيما ذكر ومغاير للرقة مخالف لما قاله الجوهري، فإنه قد صرح بأن الدقيق والرقيق خلاف الغليظ على أن الشيخ أبا حامد قد سبق إلى ذكر هذه الألفاظ، وعبر بعبارة هي أحسن من عبارة الرافعي فقال: الدقة أو الغلظ والصفاقة أو الرقة، ولم يتعرض في "الروضة" للفظتين الأخيرتين تبعًا لما قاله الرافعي.
قوله: وعن الصيمري أنه يجوز السلم في القميص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا وضيقًا وسعة. انتهى كلامه.
وما نقله عن الصيمري من الجواز وأقره، ولم يذكر في هذا الباب، بعده ولا قبله ما يخالفه، قد ذكر في آخر الباب الثاني من أبواب الخلع عكسه، فإنه صرح بعدم جواز السلم فيها، ولم يحك فيها خلافًا، وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.