وما ذكره من كون الدين يقتضى الحجر على المريض إنما هو في التبرعات لا في مطلق التصرفات، ولهذا يجوز للمريض توفية بعض الديون، وإن أدى إلى حرمان الباقين، وستعرف ذلك مبسوطًا من كلام الرافعي في باب الوصية قبل الكلام على المسائل الحسابية بقليل.
واعلم أن النووي قد اعترض في "الروضة" على ما بحثه الرافعي هنا من أن هذا إنما يظهر إذا كان ابتداء التعلق مع ابتداء الأملاك. . . . إلى آخره.
فقال: الظاهر أن المسألة على إطلاقها، ثم قرره بتقرير عجيب حاصله: أنه فرق بين مسألتين بصورتهما.
قوله: ولو قال الراهن للمرتهن: بع المرهون لى واستوفِ الثمن، ثم أمسكه لنفسك، وقلنا بصحة قبضه لنفسه مما في يده بإذنه بعد قبضه للراهن، فهل يشترط إحداث فعل جديد من كيل أو وزن، كما لو عبرنا بالاستيفاء بدلًا عن الإمساك، فقال: ثم استوفه لنفسك أم لا يشترط ذلك، بل يكفى امساكه لنفسه؟ فيه وجهان: قال الإمام: أظهرهما: أنه لا يصح. انتهى.
والصحيح ما صححه الإمام. كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: الرابعة: لو أطلق وقال: بعه، ولم يقل: لي، ولا لنفسك فوجهان: أصحهما: صحة الإذن والبيع ووقوعه للراهن، كما لو قال لأجنبي: بعه.
والثاني: المنع، وعللوه بمعنيين:
أحدهما: أن البيع مستحق للمرتهن بعد حلول الحق، والكلام مفروض فيه، وإذا كان كذلك [يقيد] (١) الإذن به، وصار كأنه قال: بعه
стр. 2382
لنفسك.
الثاني: أنه يتهم في ترك النظر استعمالًا للوصول إلى الدين.
وعلى التعليلين لو كان الدين مؤجلًا فقال: بعه، صح الإذن لعدم الاستحقاق والتهمة.
فإن قال: مع ذلك واستوف حقك من ثمنه، جاءت التهمة ولو قدر له الثمن لم يصح على التعليل الأول، ويصح على الثاني. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن الحكم بمجيء التهمة فيما إذا أذن في استيفاء حقه من الثمن، كيف يستقيم مع أن غايته أنه وعد لا يجب الوفاء به، كما لو قال لغير المرتهن: خذ هذه العين فبعها واستوفِ دينك من ثمنها، فإن البيع والإذن صحيحان اتفاقًا.
فهذا مثله، بل أولى، لأن التهمة فيه أقوى لاستحقاقه المطالبة في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن الحكم بالصحة على التعليل بالتهمة، فيما إذا قيد الثمن إنما يستقيم إذا منعه من الزيادة أو كان المشتري معينًا.
أما إذا قال مثلًا: بعه بمائة ولم يمنعه من الزيادة، ولم يعين المشتري فوجد راغبًا بأكثر منها فإنه يجب عليه البيع في أصح الوجهين كما رجحه في الوكالة من "الشرح الصغير"، وصححه في "الروضة" هناك من "زياداته" ولم يصحح في "الكبير" شيئًا.
قوله: ولو رهن عبدين عند شخص واحد بدينين، فجني أحدهما على الآخر، فإن اختلف الدينان في الحلول أو التأجيل، فله نقل الوثيقة من المقتول إلى القاتل، وكذا إن اتفقا، ولكن اختلفا في القدر، وكان القتيل
стр. 2383
مرهونًا بأكثرهما. . . . إلى آخره.
ثم قال: وقول الغزالي في "الوسيط": إن اختلاف جنس الدينين كاختلاف القدر، فهو وإن كان متجهًا في المعنى فمخالف لنص الشافعي والأصحاب كلهم، لأنه لا أثر لاختلاف الجنس. انتهى كلامه.
واعلم أن الغزالي قد ذكر في "البسيط" ما يقتضي أنه لم يخالف المعروف فقال: وليس من الأعراض اختلاف الجنس مع الاستواء في مقدار المالية. هذا لفظه.
وكذا قال في "النهاية" أيضًا، فدل على أن مراده في "الوسيط" إنما هو الغالب، وهو اختلاف القيمة عند اختلاف الجنس.
وقد أشار في "الروضة" إلى ذلك من غير أن يقف على كلام "البسيط" فيه، وكلام "الوسيط"، فقال: قلت: المراد باختلاف الجنس أن يكون أحدهما دنانير والآخر دراهم، واستويا في المالية بحيث لو [قوم] (١) أحدهما بالآخر لم يزد ولم ينقص، هذا لفظه.
وهو يقتضي حمل كلام "الوسيط" على ما إذا اتحدت القيمة، وهو خلاف ما ذكرناه من الجمع بين كلامه.
стр. 2384
الباب الرابع: في النزاع بين المتعاقدين
قوله: ولو ادعى على اثنين أنهما رهنا، فزعم كل واحد منهما أنه ما رهن، وأن شريكه رهن وشهد عليه، فوجهان:
أحدهما: لا تقبل شهادة واحد منهما، لأن المدعي يزعم أن كل واحد منهما كاذب.
وقال الأكثرون: تقبل، لأنهما ربما نسيا، وإن تعمدا فالكذبة الواحدة [لا توجب الفسق. انتهى.
وما ادعاه من أن الكذبة الواحدة] (١) لا تقدح، إنما هو عند عدم انضمام غيرها إليها.
وأما هنا فعلى تقدير كذبه عمدمًا يكون جاحدًا لحق وجب عليه، فيفسق لذلك.
قوله في أصل "الروضة": فرع منصوص عليه في "المختصر": ادعى رجلان على رجل فقال كل واحد: رهنتنى عبدك هذا وأقبضتنيه، فكذب أحدهما وصدق الآخر، قضي بالرهن للمصدق، وفي تحليفه للمكذب قولان: أظهرهما: لا. انتهي كلامه.
وما قاله من تصحيح عدم الحلف، قد عداه هنا -أعني في هذا الفصل- إلى مسائل كثيرة وهو سهو أو غلط، فإن الصحيح المذكور في الإقرار والدعاوى أنه يحلف للمكذب لأنه لو أقر له كان يغرم على الأصح فشرعنا تحليفه لاحتمال أن يرجع فيقر أو ينكل فيحلف المدعي، وحينئذ يغرمه.
стр. 2385
وسبب الوهم الواقع في "الروضة": أن الرافعي قال: أصحهما: لا. قاله في "التهذيب".
فأطلق النووي التصحيح على كثير من عادته في ذلك، غير باحث عن المسألة ولا ممعن فيها، فوقع في ذلك.
ولما نقل الرافعي عن صاحب "التهذيب" ما نقل، عقبه بما يرشد إلى أن الصحيح خلافه فقال: وهما مبنيان على أنه لو أقر بمال لزيد، ثم أقربه لعمرو هل يغرم قيمته لعمرو؟ فيه قولان. هذا لفظ الرافعي.
قوله في المسألة: وإن صدقهما جميعًا، نظر إن لم يدعيا السبق، أو ادعاه كل واحد منهما، وقال المدعى عليه: لا أعرف السابق منكما فصدقاه فوجهان:
أحدهما: أنه يقسم الرهن بينهما.
وأصحهما: أنه يحكم ببطلان العقد، كما إذا زوج وليان من شخصين ولم يعرف السابق منهما. انتهى كلامه.
وما ذكره في النكاح [ليس] (١) على إطلاقه، [بل] (٢) إن لم يعرف السابق منهما بالكلية، فالأمر على الصحيح كما قاله من البطلان، وإن عرف ونسي فالصحيح التوقف، وينبغي إتيان هذا التفصيل أيضًا في الرهن.
قوله من "زوائده": ولو قال المدعى عليه: رهنته عند أحدكم ونسيت. حلف على نفى العلم.
فإن نكل ردت عليهما، فإن حلفا، أو نكلا يفسخ العقد على المذهب الذي قطع به الجماهير في الطرق، ونقله الإمام وغيره عن الأصحاب، وخرج وجه: أنه لا ينفسخ، بل يفسخه الحاكم، وبهذا الوجه قطع صاحب
стр. 2386
"الوسيط"، وهو شاذ ضعيف.
وإن حلف الراهن على نفي العلم، تحالفا على الصحيح كما لو نكل، وفي وجه: أنهيت الخصومة. والله أعلم.
وما نقله النووي ﵀ هنا عن الإمام سهو، فإن الإمام لم يذكر ذلك إلا فيما إذا صدقهما جميعًا في الرهن، وادعى نسيان السابق، وتعبيره بقوله: تحالفا موهم، وليس [المراد التحالف المصطلح عليه، بل] (١) المراد أن كلًا منهما يحلف.
قوله أيضًا في أصل "الروضة": ويجري مثل هذا التفصيل فيما إذا اختلف البائع [والمشتري] (٢)، حيث كان للبائع حق الحبس وصادفنا المبيع في يد المشتري، وادعى البائع أنه أعاره أو أودعه، لكن الأصح هنا: حصول القبض لقوة يده بالملك.
وهذا تفريع على أنه لا يبطل حق الحبس بالإعارة والإيداع، وفيه خلاف سبق. انتهى كلامه.
وما ادعاه من بطلان حق الحبس في المبيع بإعارته صحيح، وقد سبق في البيع كما أشار إليه.
وأما دعواه أن الخلاف قد سبق أيضًا في الإيداع فغلط، لم يتقدم له ذكر لا في البيع، ولا في غيره.
بل المجزوم به هناك: أنه لا يبطل.
وعبارة الرافعي لا يرد عليها شيء، فإنه قال: وهذا تفريع على أن حق الحبس لا يبطل بالإعارة والإيداع عند المشتري، وفيه وجهان. هذا
стр. 2387
لفظه، ولم يعبر بقوله: (سبق).
والخلاف الذي ذكره هنا ثابت، صرح به إمام الحرمين في باب الرهن والحميل، فقال: إن في بطلانه وجهين مرتبين على الوجهين في العارية، فمنهم من يقول: الإيداع أولى بالبطلان، من جهة أنه يبعد أن يحفظ المالك ملكه لغيره.
ومنهم من جعل الإيداع أولى بأن لا يبطل، فإنه ليس فيه تسليط أصلًا، وفي الإعارة تسليط.
قوله: ولو أقر الراهن بالقبض، ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة، وطلب يمين المرتهن، فله تحليفه إن ذكر تأويلًا، وإن لم يذكر، ففي تحليفه خلاف. . . . إلى آخره.
والصحيح: أن له ذلك، كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وقال في "الروضة": إنه أفقه وأصح.
قوله: أحدهما: إقرار الراهن بأن العبد المرهون كان قد أتلف مالًا أو جني على نفس جناية توجب المال، إذا صدقه المجني عليه وادعاه، لا يقبل على المرتهن في أصح القولين.
ثم قال: ويجري القولان فيما لو قال: كنت غصبته أو اشتريته شراءً فاسدًا، أو بعته قبل أن رهنته أو وهبته وأقبضته.
وفيما لو قال: كنت أعتقته، قال الشيخ أبو حامد: ولا حاجة في هذه الصورة إلى تصديق العبد، ودعواه بخلاف سائر الصور. انتهى كلامه.
وليس المراد بهذا الكلام الأخير، أن العبد يشترط تصديقه فيما عدا العتق من الدعاوى المتقدمة، فإن ذلك لا يشترط قطعًا، بل المراد أن صاحب الحق لابد من تصديقه إلا في العتق، لما يتعلق بالحرية من حقوق الله تعالى فافهمه.
стр. 2388
وقد أحسن في "الروضة" حيث بيّن ذلك، فقال: بخلاف المقر له في سائر الصور.
قوله في المسألة: وإذا حلف المرتهن على نفي ذلك، فهل يغرم الراهن للمجني عليه؟
فيه قولان: أصحهما: أنه يغرم. انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على أن الخلاف المذكور في الغرامة قولان.
وخالف في "المنهاج"، فجعله وجهين، ولم يبين في "المحرر" هل ذلك قولان أو وجهان، غير أنه عبر بالأصح، ولا اصطلاح له فيه كما علمته، فقلده فيه النووي، فوقع في هذا الاختلاف، والصواب المذكور.
قوله أيضًا في المسألة: فإن نكل -أى المرتهن- فعلى من يرد اليمين؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: على الراهن لأنه المالك.
وأصحهما: على المجنى عليه. انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح أن الخلاف قولان، وجزم في "المنهاج" بكونه وجهين تقليدًا لتعبير "المحرر" بالأصح أيضًا.
قوله: وإذا رهن جارية موطوءة فأتت بولد يمكن أن يكون منه، فقال الراهن: هذا الولد منى، وكنت وطئتها قبل لزوم الرهن، نظر إن صدقه المرتهن فواضح، وإن كذبه ولا بينة، ففي قبول إقراره لثبوت الاستيلاد قولان كما لو أقر بالعتق. ونظائره. وعلى كل حال فالولد حر ثابت النسب عند الإمكان. انتهى كلامه.
وما قاله الرافعي من حرية الولد على كل حال -أى على القولين- تبعه عليه في "الروضة"، وهو إنما يستقيم إذا قلنا: إن الحمل لا يدخل
стр. 2389
في رهن الحامل.
والصحيح خلافه على ما سبق، أما إذا قلنا: يدخل. وكان الوضع لدون ستة أشهر من حين الرهن، فيكون على الخلاف في أمه، والصحيح أنها مرهونة كما سبق.
قوله في "الروضة": [فصل] (١): عليه دينان أحدهما حال، أو به رهن أو كفيل، أو هو ثمن مبيع محبوس به فسلم إليه ألفًا وقال: أعطيتك عنه.
وقال القابض: بل عن الدين الآخر، فالقول قول الدافع، سواء اختلفا في نيته أو لفظه. انتهى كلامه.
سكت عن تحليف الدافع، وحكمه: أنهما لو اختلفا في اللفظ فيحلف بلا نزاع.
وإن اختلفا في النية فوجهان حكاهما في "الاستقصاء"، والصحيح: التحليف.
وقيل: يقبل بلا يمين.
وجزم الرافعي بالتحليف في المسألتين، ولكن حذفه النووي من "الروضة".
واعلم أنهما لو تنازعا عند الدفع في المؤدى عنه فالاختيار إلى الدافع. كذا صرح به الرافعي في باب الكتابة، وهو يؤخذ من قوة كلام الرافعي هنا، ولكن تستثنى مسألة واحدة وهي المكاتب.
فإن الاختيار إلى سيده لا له، ومع هذا فلو لم يتعرضا للجهة، ثم قال المكاتب: قصدت النجوم.
стр. 2390
وأنكر السيد أو قال: صدقت، ولكن قصدت أنا الدين فوجهان:
أصحهما في "زوائد الروضة": تصديق الكاتب، وهو مشكل، لأنه قد جزم بأن الاختيار هنا إلى السيد.
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو كان بالمرهون عيب، ولم يعلم به المرتهن حتى مات، أو حدث به عيب في يده، لم يكن له فسخ البيع المشروط فيه، كما لو جرى ذلك في يد المشتري، وليس له أن يطالب بالأرش ليكون مرهونًا، صرح به القاضي أبو الطيب [وغيره] (١). انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب البيع في الكلام على شروط الرهن.
стр. 2391
كتاب التفليس
قوله: أما في الشرع، فقد قال الأئمة ﵏: المفلس من عليه ديون لا تفي بماله. انتهى كلامه.
وهذا التفسير تبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم لأمرين:
أحدهما: أن أهل الشرع متى أطلقوا المفلس، فقالوا: هل يصح بيعه أم لا؟ فيه خلاف.
وهل يصح شراؤه؟ أيضًا فيه خلاف، إلى غير ذلك من المسائل، لا يريدون به ما قاله الرافعي قطعًا، فإنه لا خلاف في صحة بيعه وشرائه، بل إنما يريدون المحجور عليه بسبب الديون المذكورة، فالصواب تفسيره بذلك.
وقد فسره به الماوردي والبندنيجي والمحاملي وغيرهم.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقييد الديون، بأن تكون لآدميين فلو كان عليه دين لله تعالى ودين لآدمي والمجموع ناقص عن ماله، ودين الآدمي على حدته لا ينقص، فإنه لا [يحجر] (١) لأجله.
فإن الرافعي قال في الباب الثاني من كتاب الأيمان بعد ذكره الأقوال الثلاثة في اجتماع حقوق الله تعالى [وحقوق الآدمين ما نصه: ولا تجري هذه الأقوال الثلاثة في المحجور عليه الفلس إذا اجتمعت حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين بل تقدم حقوق الآدميين وتؤخر حقوق الله تعالى] (٢) ما دام حيًا. هذا لفظه.
وهي مسألة نفيسة استفدنا منها: تخصيص قولهم هنا أن ماله يقسم
стр. 2392
على نسبة ديونه.
ويلزم من ذلك أن لا يعتبر دخول هذه الديون في الحساب كما ذكرناه، لأنا إذا قدمنا ديون الآدميين وكان مال المفلس وافيًا بها، فكيف يحجر مع إمكان وفائهم؟
قوله: الذي يدل عليه كلام الأصحاب تعريضًا، وتصريحًا. . . . إلى آخره.
قد تقدم الكلام عليه في الكلام على القبض.
قوله في الضابط المتقدم: وأما الثاني وهو أن يكون ماله قاصرًا عن الوفاء بالديون، فيجوز أن يقال: إنه لا حاجة إليه، بل مجرد الدين يكفي لجواز الحجر منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب، والظفر بركاز وغيرها.
فإن كان كذلك فليفسر المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه لينتظم من لا مال له أصلًا، ومن له مال قاصر. انتهى كلامه.
وحاصله أن الرافعي متوقف في هذه المسألة، ولا نقل عنده فيها، ولم يذكر النووي في "الروضة" شيئًا من هذا الكلام، وهو غريب.
قوله: لا يجوز الحجر لدين الغائبين، لأنه لا يستوفي ما لهم في الذمم، إنما يحفظ أعيان أموالهم. انتهى.
اعلم أن قبض الحاكم أموال الغائبين أعيانًا كانت أو ديونًا، قد ذكرها الرافعي في مواضع متفرقة، وبعض المواضع يخالف بعضًا، أو يزيد عليه، فلنذكر تلك المواضع لعموم الحاجة إلى هذه المسألة، فنقول: قد ذكر ما يوافق المذكور هنا في أوائل استيفاء القصاص، فقال: وذكر ابن الصباغ أن الحاكم ليس له أخذ مال الغائب المغصوب.
стр. 2393
وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه، ويشعر بأنه يأخذه له ويحفظه. انتهى.
وقال أيضًا في كتاب الوديعة: إن المودع إذا حمل الوديعة إلى القاضي عند تعذر الإعطاء إلى المالك، يجب عليه الأخذ على الأصح.
ثم قال: ولو حمل الغاصب المغصوب إلى القاضي، ففي وجوب القبول الوجهان، لكن هذا أولى بالمنع ليبقى مضمونًا للمالك. انتهى.
وهذا الكلام مقتضاه الوجوب، لأن قوله: وهذا أولى، لا يقتضي تصحيح العكس، بل يقتضي الأولوية فقط مع الاشتراك في التصحيح.
وقد نبه عليه [ابن الرفعة] (١) في كتاب التيمم.
إذا علمت ذلك كله، فقد قال في أوائل الباب الثاني من أبواب السرقة: ولو أقر بغصب مال غائب لم يحبس، لأن الحاكم لا يطالب بمال الغائبين، هذا كلامه.
وقال في باب اللقطة في التقاط العبد: لو أخذ [القاضي] (٢) المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك، هل يبرأ الغاصب من الضمان؟ فيه وجهان، ظاهر القياس فيهما البراءة، لأن يد القاضي نائبة عن يد المالك.
فإن قلنا: لا يبرأ، فللقاضي أخذها.
وإن قلنا: يبرأ، فإن كان المالك عرضه للضياع والغاصب، بحيث لا يبعد أن يفلس إن تغيب وجهه فكذلك، وإلا فوجهان.
وليس لآحاد الناس أخذ المغصوب، إذا لم يكن في معرض الضياع،
стр. 2394
ولا الغاصب، بحيث تفوت مطالبته ظاهرًا، وإن كان كذلك فوجهان:
أظهرهما: المنع، لأن القاضي نائب عن الغائبين. انتهى.
واعلم أن العين إذا مات صاحبها ووارثه غائب، فإن القاضي يأخذها نظرًا إلى حق الميت، هكذا نبه عليه الرافعي في استيفاء القصاص، وجعل محل الخلاف فيما عدا ذلك، لكنه ذكرها في أثناء الباب الرابع المعقود للشاهد واليمين.
ثم قال: وينبغي أن يجري فيها الخلاف في العين المغصوبة، وهو ذهول عما قرره هناك.
واعلم أيضًا أن الرافعي صحح في الباب [الرابع المعقود للشاهد واليمين] (١): أن القاضي لا يجب عليه قبول دين الغائب.
قال: سواء كان مخلفًا عن ميت أم لا.
وصححه أيضًا في كتاب الوديعة، وهو يوهم جواز قبضه، وليس كذلك، فاعلمه لما سبق في هذا الباب، ولما ذكره في الكتابة عقب الكلام على الإيتاء، فإنه قال: ولو أتى بالنجم قبل المحل والسيد غائب قبضه الحاكم إذا علم أن السيد لا ضرر عليه في أخذه.
قال الصيدلاني: ومثله لو كان للغائب دين على حر، فأتي به الحاكم، فالأصح منع قبضه منه لأنه ليس للمؤدي غرض إلا سقوط الدين والحظ للغائب في أن يبقي المال في ذمة الملى فإنه خير من أن يصير أمانة عند الحاكم. انتهى.
وقد صرح الشافعي في "الأم" أيضًا بمنع ذلك، فقال في أواخر الكتابة في باب ميراث سيد المكاتب ما نصه: فإذا كان الورثة كبارًا فسأل المكاتب أن يدفع الكتابة -يعني النجوم- إلى عدل يقبضه لهم إن لم يكن
стр. 2395
لهم وكيل كان ذلك له.
فإذا دفعه عتق المكاتب، وليس هذا الدين لهم على رجل، ثم غابوا عنه فجاء به إلى الحاكم ليدفعه هذا لا يدفعه إلا إليهم، أو وكيل، فإن لم يكن لهم وكيل تركه الحاكم فلم يأمر بقبضه من صاحبه الذي هو عليه، لأن في الكتابة عتقًا للعبد فلا يحبس بالعتق، وليس في الدين شيء يحبس عنه صاحب الدين. هذا لفظ الشافعي. بحروفه.
وهو يدل على أن الدين إذا كان به رهن يقبضه الحاكم فاعلمه.
وقال الفارقي: محل الخلاف إذا كان المديون ثقة مليًا، فإن لم يكن كذلك وجب على الحاكم قبضه بلا خلاف.
قوله: ولا تحل ديونه بالإفلاس في أصح القولين، وعن الشيخ أبى محمد ترتيب هذين القولين على القولين في أن من عليه الدين المؤجل لو جن، هل يحل الأجل؟ ، وأن الحلول في صورة الجنون أولى، لأن المجنون لا استقلال له كالميت.
ورأى الإمام الترتيب بالعكس أولى، لأن قيم المجنون له أن يبتاع له بثمن مؤجل عند ظهور المصلحة.
فإذا لم يمنع الجنون الأجل ابتداء فلأن لا يقطع الأجل دوامًا كان أولى. انتهى كلامه.
وحاصله أنه لم يصحح في مسألة الجنون شيئًا أصلًا، وقد صحح النووي في أصل "الروضة" الحلول، وجعل مقابله ضعيفًا فقال: ولو جن وعليه دين مؤجل حل على المشهور. هذا لفظه، ومن خطه نقلت.
وهو بعيد في المعنى، مخالف لكلام الرافعي، إلا أن خطه الذي نقلت منه وقع فيه كشط قبيل التعبير بالمشهور.
стр. 2396
قوله: وإذا اشترى أعيانًا بثمن مؤجل، ثم حجر عليه دخلت الأعيان في البيع.
ثم قال: وعلى هذا فإن لم يتفق بيعها وقسمتها حتى حل الأجل ففي جواز الفسخ الآن وجهان. انتهي كلامه.
والصحيح منهما هو جواز الفسخ، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" في أوائل الكلام على الرجوع وعبر بالأصح، ولم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا غير أنه نقل من "زياداته" أن الصحيح في "الوجيز" الجواز. وهذا التصحيح الذي نقله عن "الوجيز" هو مذكور فيه في الكلام على الرجوع على ما نقله [عنه الرافعي هناك فافهمه، فإنه قد يعترض على النووي بعدم وجدانه] (١) في موضعه.
ولم يذكر المسألة في "المحرر".
ومن نظائر المسألة: ما إذا باع بثمن مؤجل وحل الأجل قبل التسليم، ففي الشرح و"الروضة" قبيل الكلام على التولية الجزم بأنه لا حبس.
وجزم به الرافعي هنا أيضًا.
ومن نظائرها أيضًا ما إذا وقع ذلك في الصداق، فهل للمرأة أن تمنع من تسليم نفسها؟ فيه اضطراب في الترجيح، ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله في أصل "الروضة": وإذا حجر عليه في صورة المساواة، فهل لمن وجد عين ماله الرجوع؟ فيه وجهان. انتهى.
والأصح منهما أن له ذلك، كذا صححه الرافعي في "الشرح الكبير" وعبر بالأصح، هذا هو الموجود في النسخ الصحيحة، ويوجد في بعضها بلا تصحيح، ولعلها التى وقعت للنووي.
стр. 2397
قال ﵀: للحجر أربعة أحكام:
الحكم الأول: منع التصرف
قوله: فلو تصرف في عين من أعيان أمواله، ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يصح التصرف في شيء منها.
والثاني: أنه موقوف.
ثم قال: واختلفوا في محل القولين، فمن قاصرين لهما على ما إذا اقتصر الحاكم على الحجر، ولم يجعل ماله لغرمائه حيث وجدوه، فإن فعل ذلك، لم ينفذ تصرفه قولًا واحدًا.
واحتجوا بأن الشافعي ﵁ قال: إذا جعل ماله لغرمائه فلا زكاة عليه؛ ومن طاردين لهما في الحالتين، وهو الأشهر.
قال هو: لا، وتجب الزكاة عليه في أظهر القولين ما دام ملكه باقيًا، والنص محمول على ما إذا باعه منهم. انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من تصحيح وجوب الزكاة في هذه الحالة وأنه هو الأشهر على ما اقتضاه كلامه أيضًا، قد ناقضه مناقضة عجيبة في الكلام على شروط الزكاة، وسبق هناك ذكر لفظه فراجعه.
قوله: فإن نفذنا تصرفات المحجور عليه، واحتجنا إلى النقض لقضاء الدين نقضنا الأضعف فالأضعف، ثم قال: والأضعف الرهن والهبة ثم البيع ثم الكتابة ثم العتق. انتهى كلامه.
لم يبين حكم الرهن مع الهبة ولا حكم الوقف، وقد بينه في "الروضة"، فقال في الرهن مع الهبة: إن الرهن أضعف، لأنه لا تملك به العين.
стр. 2398
وقال في العتق: إن صاحب "الشامل" جعله أضعف من الكتابة، وأن صاحب "البيان" قال: ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، ثم قال -أعنى النووي-: إنه أصح.
قوله: وإن أقر بدين، فإن أسنده إلى ما قبل الحجر، لزم في حق الغرماء في أصح القولين.
وإن أسنده إلى ما بعد الحجر فإن قال: عند معاملة لم يقبل في حقهم.
وإن قال: عن إتلاف أو جناية، قبل في أصح الطريقين.
ثم قال: وإن أقر بدين ولم يسنده، فقياس المذهب التنزيل على الأقل، وجعله كما لو أسند لزومه إلى ما بعد الحجر. انتهى كلامه.
ومعناه أن قياس المذهب هو تنزيل الإقرار على أقل المراتب وهو ما بعد الحجر، لأنه المحقق لا على أعلاها، وهو ما قبله.
فعلى هذا إذا أضافه لمعاملة لم يقبل، وإن أضافه لجناية قبل في الأصح.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد انعكس عليه هذا الكلام، فجعل مكان (قبل الحجر)، كذا رأيته بخطه كما هو في النسخ أيضًا.
ويلزم منه أن يقبل مطلقًا سواء أضافه لمعاملة أم [لا] (١)، وهو عكس الحكم.
الثاني: وقد نبه عليه في "الروضة" فقال: هذا ظاهر إن تعذرت مراجعة المقر، فإن أمكنت فينبغي أن يراجع لأنه يقبل إقراره، وهذا الذي قاله صحيح لاشك فيه.
стр. 2399
الثالث: أن الرافعي قد ذكر في كتاب الإقرار أن العبد إذا أقر بدين [من إتلاف وكذبه السيد لا يقبل وإن أقر بدين من معاملة وكان مأذونًا له في التجارة قبل، ثم قال: إن المأذون له إذا أقر بدين] (١)، ولم يبين جهته، بل أطلق أنه لا ينزل على دين المعاملة في أظهر الوجهين لاحتمال أن يكون عن إتلاف.
وهذه المسألة ونحوها هي المقتضية لقول الرافعي: أن قياس المذهب هو التنزيل على الأقل، لأن أقل المراتب هنا هو الإتلاف، لكن قياس المذهب أيضًا إجراء الوجهين.
قوله: فرع:
لو ادعي مدعي على المفلس مالًا لزمه قبل الحجر، وأنكر المفلس ولم يحلف، فحلف المدعي إن قلنا النكول ورد اليمين كالبينة، فيزاحم الحالف الغرماء، وإن قلنا، كالإقرار فعلى القولين. انتهى كلامه.
وما قاله من المزاحمة تفريعًا على جعله كالبينة، تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك فاعلمه، فإن الصحيح المذكور في الدعاوى أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إذا جعلناه كالبينة، بل يكون قاصرًا عليهما.
وما قاله هنا هو الوجه المرجوح في موضعه، حتى قال الرافعي في آخر الشركة: إن الأئمة اتفقوا على ضعفه.
قوله في أصل "الروضة": ولو اشترى شيئًا في الذمة ففي ثبوت الخيار للبائع أوجه: أصحها: التفصيل بين العلم والجهل.
ثم قال: فإن لم نثبته فهل يزاحم الغرماء بالثمن؟ فيه وجهان:
стр. 2400
أصحهما: [لا] (١)، لأنه حادث برضى مستحقه. انتهى.
وإذا قلنا بالمزاحمة فإنا نزاحمهم في المنع خاصة، كذا صرح به الإمام والغزالي في "البسيط"، وكلام الرافعي تبعًا "للوسيط" و"الوجيز" يوهم أنه يزاحم على هذا الوجه في جميع أموال المفلس، ولم يتعرض في "الروضة" لذلك كما تراه.
قوله: وفيه مسألتان:
إحداهما: لو اشترى قبل الحجر شيئًا فوجده بعد الحجر معيبًا فله رده، إذا كانت الغبطة في الرد.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يشعر بعدم وجوب الرد، فإنه عبر بقوله: (فله رده)، لكن سيأتي بعد هذه المسألة نص للشافعي في مسألة تدل على وجوب الرد هنا، كما ستعرفه، وأيضًا فإنه بعد هذا في الكلام على اشتراط الخيار حكى أن في الفسخ والإجارة ثلاثة طرق: أصحها: الجواز مطلقًا.
ثم قال: والطريق الثاني: أن تجويز كل منهما تنفيذ بشرط الغبطة كما في الرد بالعيب. هذا لفظه.
فاقتضى أن الرد بالعيب لا تجوز فيه الإجارة، ولا الفسخ إلا على وفق الغبطة.
لكن صرح القاضي حسين بعدم وجوب الرد، فيحتمل أن يقال بتسليمه وامتناع الإجازة غير أن النص لا يساعده.
الأمر الثاني: أن تقييد الجواز بما إذا كان فيه غبطة، يقتضي أنه لا يجوز إذا لم يكن غبطة أصلًا لا في الرد ولا في الإمساك، لكن
стр. 2401
المنقول في نظير المسألة أنه يجوز، وذلك لأن الفسخ والإجازة بالخيار فيهما ثلاثة طرق، وقد سبق ذكر طريقين منها، والثالث: أنا لا ننفذ على خلاف الغبطة إخراج شيء عن الملك، ولا يكلف رد شيء إلى الملك.
فإن أجاز المشتري على خلاف الغبطة جاز، إن قلنا: الملك في المبيع له.
وإن قلنا: للبائع، فلا.
وإن فسخ على خلاف الغبطة فلا يجوز إن جعلنا الملك له، وإن جعلناه للبائع جاز، وقس على هذا إجازة البائع وفسخه.
إذا علمت ذلك فقد قال الإمام بعد حكاية ذلك ما نصه: والذي دل عليه كلام المشايخ في هذه الطريقة، أنه ينفذ الفسخ والإجازة إذا استوى وجه الغبطة، ولم يترجح وجه على وجه. هذا لفظه فيتجه جريان مثل ذلك في الرد بالعيب، إلا أن يفرق بين ملك المشتري على ما فيه العيب تام ثابت، فيتعلق حق الغرماء به.
وحينئذ فلا يجوز للمفلس قطع حقهم إلا عند ظهور الغبطة، بخلاف الملك في زمن الخيار.
قوله: فإن كانت الغبطة في إبقائه، بأن كان معيبًا أكثر قيمة من الثمن، لم يكن له الرد لما فيه من تفويت المال لغير عرض، ولهذا نص الشافعي ﵁ على أنه إذا اشترى في صحته شيئًا ثم مرض ووجده معيبًا فأمسكه؛ والغبطة في رده كان المقدار الذي ينقصه العيب معتبرًا من الثلث، وكذا ولى الطفل إذا وجد ما اشتراه للطفل معيبًا، لا يرده إذا كانت الغبطة في إبقائه. انتهى كلامه.
وهذا النص مشهور في كتب المذهب نقله الإمام وغيره، لكن الاستشهاد به على امتناع الرد حيث كانت الغبطة في الإبقاء سهو، فإنه
стр. 2402
إنما يدل على عكسه وهو الامتناع حيث كانت الغبطة في الرد، وكأنه -والله أعلم- أراد أن يستدل به على القسم الأول فاستدل على الثاني سهوًا.
وهذا هو النص الذي تقدم أنه يدل على وجوب الرد، ووجه دلالته عليه إن تركه لما حسب على المريض من الثلث لزم أن يمنع المفلس منه، لأنه تفويت، وهذه القاعدة صرح بها جماعة منهم الغزالي في "بسيطه".
واعلم أن الرافعي قد ذكر في الوصية مسألة قريبة من مسألة النص في المعنى، ومخالفة لها في الحكم فقال: لو اشترى شيئا محاباة ثم مرض ثم علم عيبه فلم يرد مع إمكانه لا تحسب محاباة من الثلث.
قوله: وفرق بينه وبين مسألة المريض بأن حجر المريض أقوى.
ألا ترى أن إمضاء الورثة تصرف المريض قبل الموت لا يفيد شيئًا، وإمضاء الغرماء وإذنهم في ما يفعله المفلس يقيده الصحة والاعتبار. انتهي كلامه.
وما ادعاه من صحة تصرفه عند إذن الغرماء وعند إمضائهم ما يفعله ليس كذلك كما ذكره في موضعه وهو في الكلام على ما إذا لم يبق له مال فقال: ولو باع من أجنبي بإذن الغرماء لم يصح أيضًا، وقال الإمام: يحتمل أن يصح. هذا لفظه.
قوله: من مات وعليه دين فادعى وارثه دينًا على رجل، وأقام شاهدًا ولم يحلف، لم يرد اليمين على الغرماء في الجديد. انتهى.
قال الفوراني: محل هذين القولين إذا لم يكن في التركة وفاء من غير هذا الدين، فإن كان لم يحلف قطعًا.
قوله: وفرع ابن كج على قول أن غرماء المفلس يحلفون فرعين:
стр. 2403
أحدهما: أنه لو حلف بعضهم استحق الحالفون بالقسط.
والثاني: لو حلفوا ثم أبرئوا من ديونهم فهل يكون المحلوف عليه لهم، ويبطل الإبراء؟ أم يكون للمفلس أم يبقى على المدعى عليه ولا يستوفى أصلًا؟ فيه ثلاثة أوجه. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد انعكس عليه الوجه الثالث فعبر بقوله: أم يسقط عن المدعى عليه؟ .
الأمر الثاني: أن الراجح على ما أشار إليه النووي هو الوجه الثاني فقال: ينبغي أن يكون الأصح كونه للمفلس.
قال: ويجيء مثله في غرماء الميت، قال: وأما الفرع الأول فقاله آخرون، منهم صاحب "الحاوي".
قوله: من عليه الدين إن أراد أن يسافر، نظر إن كان حالًا فلصاحبه منعه حتى يقضي حقه، وإن كان مؤجلًا. . . . إلى آخره.
هذا الكلام تبعه عليه في "الروضة"، وهو يوهم أن صاحب الدين الحال إذا لم يؤخذ منه منع ولا إذن، وذلك بألا يعلمه أو أعلمه فسكت يجوز للمديون السفر، وليس كذلك، فقد قال في أوائل السير: فمن عليه دين حال لمسلم أو ذمي، ليس له أن يخرج في سفر جهاد أو غيره إلا بإذنه، وله أن يمنعه من السفر، هذا كلامه.
стр. 2404
قال ﵀:
الحكم الثاني: في بيع ماله وقسمته
قوله في أصل "الروضة": أما الذي له مال وعليه دين، فيجب أداؤه إذا طلب. انتهى.
هذه العبارة لم يصرح بها الرافعي، وهى تقتضي أن الدين لا يجب أداؤه قبل طلبه.
والمسألة فيها وجهان، نقلهما الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة" في الكلام على قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم" (١)، وجزم شيخه الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" بعدم الوجوب، ذكر ذلك في آخر الفصل المعقود لتنويع العبادات البدنية، وهو نحو نصف الكتاب.
قال: فإن ظهرت قرائن خالية تشعر بالطلب، ففي وجوبه احتمال، وتردد، وجزم به أيضًا -أعنى بعدم الوجوب- الإمام أبو المظفر السمعاني في كتاب "القواطع في أصول الفقه"، ذكر ذلك في فصل معقود لبيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي، وهذا هو المفهوم من كلام الأكثرين أيضًا.
إذا علمت ذلك، فقد ذكر -أعني النووي- في أواخر كتاب الحجر كلامًا حاصله الوجوب، وذكر معه صورة لا يجب فيها ذلك، وستعرف لفظه هناك فراجعه.
وأطال ابن الرفعة الكلام فيها، فقال في كتاب الرهن من "الكفاية": قال صاحب "البحر" في كتاب الغصب: يحتمل أن يقال: إن كان
стр. 2405
وجوبه يرضي المالك فهو على التراخي، ويتعين أداؤه بالمطالبة أو الخوف منه على ماله أن يفوت.
وإن كان وجوبه بغير رضى المالك فالقضاء على الفور، لأن صاحبه لم يرض بوجوبه في ذمته، وهذا لأنه إن كان برضى المالك فصاحب الدين مندوب إلى ألا يطالب بالدين، ولو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوبًا إلى المطالبة ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخر القضاء.
ويحتمل أن يقال: إن كان الوجوب بغير رضاه، نظر إن كان صاحب الحق لا يعلم به فيكون على الفور، وإن كان عالمًا به فإن وجب بتعدٍ منه كان على الفور، وإن كان بغير تعدٍ كان على التراخي.
وقال الإمام في كتاب الوكالة: إنه لا يتعين أداؤه إلا بالمطالبة.
وقال في كتاب القاضي إلى القاضي، بعد قوله: إن الأداء لا يلزم إلا مع طلبه، وقد يقول [الفقيه] (١): من عليه دين حال يلزم أداؤه، وإن لم يطالبه صاحبه. انتهى ما نقله ابن الرفعة.
وقال الماوردي في آواخر الوصية: إذا كان على المحجور دين فيجب على الولى قضاؤه إن ثبت وطالب به صاحبه.
فإن أمسك عن المطالبة نظر، فإن كان مال المحجور ناضًا ألزمهم الولى قبض ديونهم، أو الإبراء منها خوفًا من أن يتلف المال.
وإن كان أرضًا أو عقارًا تركهم على خيارهم في المطالبة إذا شاؤوا. انتهى.
وقد سكت عما إذا كان ماله من المنقولات، ويتجه إلحاقه بالناض.
стр. 2406
ثم إن ما قاله -أعني الماوردي- إنما يأتي إذا كان صاحب الدين رشيدًا، فإن كان أيضًا محجورًا عليه حرم التأخير، لأن [إثم ولى] (١) المستحق بالتأخير لا يكون عذرًا لمن يجب عليه الوفاء سواء كان هو المديون أو وليه.
واعلم أن الأصحاب قد قالوا في كتاب الجنائز: أنه تجب المبادرة إلى وفاء دين الميت تبرئة لذمته، وخوفًا من تلف ماله.
ويتجه تخصيص ذلك بما إذا كان الميت مكلفًا، فإن لم يكن كان على مالكه.
ولقائل أن يقول: يعدى ذلك إلى المكلف أيضًا.
وإذا علمت جميع ما تقدم فيتلخص منه أن الدين على أقسام:
أحدها: أن يكون محجورًا على مثله.
الثاني: عكسه.
الثالث: لرشيد على محجور.
الرابع: بالعكس.
وإذا كان على مكلف فقد يكون حيًا، وقد يكون ميتًا كما تقدم. وأيضًا فقد يكون المستحق عالمًا به، وقد لا يكون، والذي لا يعلم به مستحقه يكون الإعلام فيه كالأداء في الجواز وأيضًا فالواجب قد يكون رضي صاحبه بتأخيره بمثابة الأداء أيضًا.
وينشأ مما ذكرناه أقسام كثيرة لا يخفى حكمها مما سبق.
قوله: وغير المفلس من المديونين إذا امتنع من قضاء الدين وبيع المال فيه يبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الغرماء، وعند أبى حنيفة لا يبيعه بل يحبه. انتهى كلامه.
стр. 2407
وهو يوهم تعين البيع عندنا، والذي قاله الأصحاب كما نقله النووي، أنه مخير بين هذا وبين إكراهه على البيع وتعزيره عليه بالحبس وغيره.
قوله "من زياداته": وفي "فتاوى" صاحب "الشامل": أن المحبوس يمنع من الاستمتاع بالزوجة.
قال: وفي "فتاوى الغزالي" أن الرأي فيه إلى القاضي. انتهى ملخصًا.
وهذه المسألة قد أعادها في الباب الثاني في "جامع آداب القضاء" في آخر الطرف الأول منه، وجزم بالمنع، وهو مخالف لكل من هذين النقلين المذكورين هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ثم خالف الحاكم وسلم المبيع قبل قبض الثمن ضمن، وكيف يضمن؟ سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه.
والموضع الذي وعد بذكره هو الوكالة، وقد وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي.
قوله: وتقدم بيع المرهون والجاني ليتعجل حق مستحقهما. انتهى.
ويلحق أيضًا بهما في التقديم المال الذي تعلق به عامل القراض، ويقدم بالربح المشروط.
قوله: وذكر صاحب "التقريب": أنه لا يكلف الغرماء عند القسمة، أو أنه ينبه على أنه لا غريم سواهم، وقال الإمام: يكلفون إن كلفنا الورثة, ويفارق إن تفرق فإن الورثة على كل حال أضبط من الغرماء. انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": الأصح قول صاحب "التقريب"، وهو ظاهر
стр. 2408
كلام الجمهور.
قال: ويفرق أيضًا بأن الغريم الموجود تيقنا استحقاقه لما يخصه، وشككنا في مزاحم، ثم لو قدر مزاحم لم يخرج هذا عن كونه يستحق هذا القدر في الذمة، وليست مزاحمة الغرم متجهة، فإنه لو أبرأ أو عوض سلمنا الجميع إلى الآخر، والوارث يخالفه في جميع ذلك.
قوله: هذا كله إذا كان الغريم الذي ظهر قديمًا، فإن كان حادثًا بعد الحجر، فلا يشارك الأولين في المال القديم. انتهى كلامه.
وما قاله من عدم المشاركة بسبب الدين الحادث ليس على إطلاقه، فقد تقدم أنه لو كان بجناية شارك.
وذكر بعد ذلك: أنه لو تقدم سببه لشارك أيضًا، كما إذا انهدمت الدار التى أجرها وقبض أجرتها وتلفت.
قوله: وإن ظهر مال قديم وحدث مال باحتطاب وغيره، فالقديم للقدماء خاصة، والحادث للكل. انتهى كلامه.
وما ادعاه أن الحادث للجميع، تبعه عليه في "الروضة"، ولا يخلو إما أن يكون حدوثه قبل فك الحجر أو بعده، فإن حدث قبله اختص به أصحاب الديون المتقدمة على حدوثه، لأن [الرافعي] (١) قد ذكر أنه لو اشترى سلعة تعدى إليها الحجر ولا يضارب البائع بثمنها على الصحيح.
فإذا لم يضارب هذا، فأولى ألا يضارب غيره ممن لم يأخذ الغرماء في مقابلته شيئًا.
وإن حدث بعد فك الحجر، فلا يتعلق به حق أحد من الغرماء لا من
стр. 2409
الأولين ولا من غيرهم، بل يتصرف فيه المديون كيف شاء.
وقد ذكر ابن الرفعة الشطر الأول من هذا الاعتراض، وسكت عن الثاني.
ونقل عن الشافعي: أنه فرض المسألة بعد فك الحجر، وكذلك الماوردي والروياني.
واستشعر الروياني هذا الاعتراض، وصور المسألة بما إذا أعاد القاضي الحجر.
فإن قيل: كيف يتأتى الفرق بين المال القديم والحادث لأن القاضي إذا فك فلا فرق أيضًا؟ .
قلنا: قد صرح الماوردي بأنه إذا ظهر له مال، يكون الحجر باقيًا فيما ظهر، واقتضى كلامه اختصاص الحجر به.
قوله: ولو نصب الحاكم أمينًا حتى باعه، ففي كونه طريقًا في الضمان إذا خرج مستحقًا وجهان كما ذكرنا في نظيره من الرهن. انتهى.
والأصح هناك كما قاله الرافعي: أنه لا يضمن، لأنه ثابت الحكم، والحاكم لا يضمن.
وذكر في "الروضة" هنا: أن صاحب "التهذيب" صحح عدم الضمان واقتصر عليه.
قوله: ينفق الحاكم على المفلس إلى فراغه من بيع ماله وقسمته، وكذا ينفق على من عليه مؤنته من الزوجات والأقارب، لأنه موسر ما لم يزل ملكه. انتهى.
تابعه على هذا الاطلاق في "الروضة"، وينبغي استثناء من تزوج بها في حال الحجر، فإنها لا تستحق شيئًا من ذلك المال.
стр. 2410
وقد صرح -أعني الرافعي- بذلك في كتاب النكاح، وكذلك الجرجاني في "المعاياة" هنا، وفرق بينها وبين تجدد الولد، بأن الزوجة تجددت باختياره بخلاف الولد.
فإن قيل: إن الرافعي قد قال في باب الحجر: إن السفيه إذا أقر بنسب، فإنه يثبت وينفق على الولد المستلحق من بيت المال، فهل يستثني أيضًا ذلك من هذا الباب؟ قلنا: لا، بل الأمر علي ما أطلقوه، ويستحق المذكور النفقة، فإن إقرار السفيه بالمال وبما يقتضيه لا يقبل بخلاف إقرار المفلس، فإنه مقبول على الصحيح فغايته هاهنا أن يكون قد أقر بدين، وإقراره به مقبول، ويجب أداؤه فبطريق الأولى وجوب الإنفاق لأنه وقع بطريق البيع، ويغتفر في الأمور التابعة ما لا يغتفر بطريق الأصالة، لثبوت النسب بشهادة النسوة بالولادة.
قوله: وأما قدر نفقة الزوجات، فقال الإمام: لا شك أن نفقته نفقة المعسرين.
وقال الروياني: نفقة الموسرين، وهذا قياس الباب إذ لو كان ينفق نفقة المعسر لما أنفق على القريب. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ذكر الشافعي في "المختصر" ما يوافق كلام الإمام فقال: أنفق عليه وعلى أهله كل يوم أقل ما يكفيهم من نفقة، وكسوة، هذا كلامه.
ونقله عنه في "الروضة" وقال: إنه يرجح كلام الإمام.
الثاني: أن استدلال الرافعي بما قاله استدلال عجيب، لأن اليسار المشروط في نفقة الزوجة غير اليسار المشروط في نفقة القريب، كما ذكره
стр. 2411
هو وغيره في موضعه، فلا يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني.
قوله: الرابعة: يترك له قوت يوم القسمة. انتهى.
والمراد اليوم بليلته، كذا صرح به البغوي في "التهذيب"، ونقله عنه النووي في تعليقه على "المهذب" وارتضاه.
قوله: وذكر الغزالى أنه يترك له سكني ذلك اليوم أيضًا، فاستمر على قياس النفقة، لكن لم يتعرض له غيره. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وما نقله عن الغزالي ولم يذكر معه ما يقتضي موافقة ولا مخالفة، قد جزم به في أوائل العتق في الكلام على السراية.
قوله من "زياداته": قال في "البيان": وتسلم النفقة إليه -أى إلى المفلس- يومًا بيوم. انتهى.
ذكر مثله أيضًا صاحب "التتمة".
قوله: وليس على المفلس أن يكتسب. . . . إلى آخره.
هذا إذا لم يلزمه الدين بسبب هو عاص به، فإن كان كذلك وجب عليه الاكتساب لوفائه، كذا ذكره ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الفزاري من أصحابنا، وهو واضح، لأن التوبة مما فعله واجبة، وهي متوقفه في حقوق الآدميين على الرد.
قوله: وهل تؤجر عليه أم ولده وضيعته الموقوفة عليه؟ فيه وجهان، مال الإمام إلى المنع؛ لكن في تعاليق العراقيين: أن الإيجار أظهر. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الإيجار أصح، وصححه في "المحرر".
стр. 2412
وما نقله عن "المحرر" ليس مطابقًا له، فإنه عبر بقوله: فيه وجهان، رجح منهما الإجارة. هذا لفظه.
[بصيغة البناء للمفعول، ومدلوله أن بعضهم رجحه هذا الترجيح دون الترجيح المذكور في "الروضة"] (١).
стр. 2413
قال ﵀:
الحكم الثالث: حبسه
قوله: روي أنه ﷺ قال: ليّ الواجد يحل، عقوبته وعرضه. انتهى.
اللي بفتح اللام وبالياء المشددة هو المطل.
والواجد بالجيم هو القادر.
ويحل بضم الياء.
ومعناه أن المطل من القادر يبيح العرض كقوله: يا ظالم يا مماطل.
وكذلك العقوبة وهي الحبس وغيره من التعزيرات.
واعلم أن الذي وقعت الإجارة على عينه لا يحبس في الديون، بل يقدم حق المستأجر كما تقدم حق المرتهن، لاسيما والعمل مستحق في الإجارة بعينه، والحبس ليس مستحقًا في نفسه، وإنما هو وسيلة إلى الحق، كذا قاله الغزالي في "فتاويه".
وقياسه ألا يحضر أيضًا مجلس القاضي إذا طلب.
وحكى شريح الروياني في إذن القضاء وجهين في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا صبورًا على الحبس.
قوله: وإن ادعى المديون أنه معسر لا شيء له، أو قسم مال المحجور على الغرماء ونفي بعض الديون فزعم، أنه لا يملك شيئًا آخر، وكان الدين قد لزم لا في معاملة، قال فثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يقبل قوله.
والثاني: يحتاج إلى التنبيه، لأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئًا قل
стр. 2414
أو كثر. . . . إلى آخره.
وهذا التعليل المذكور للمسألتين لا يستقيم بالنسبة إلى المسألة الثانية، لأنه قد وجد له مال وقسم وقبضه الظاهر الذي قاله قد علمنا به.
وهذا الاعتراض حكى، وقد نبه عليه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله في شهود الإعسار: ويعتبر مع ذلك كونهم من أهل الخبرة الباطنة، ثم إن عرف القاضي أنهم بهذه الصفة فذاك، وإلا فله اعتماد قولهم أنا بهذه الصفة، ذكره في "النهاية". انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن الإمام قد صرح بنقل ذلك عن الأئمة، فقال: إن علم أن المشهور من أهل الخبرة الباطنة في الإعسار ونظائره .. إلى آخر ما قاله الرافعي.
ثم قال في آخره: وإن أطلق الشهادة على الإعسار، ولم يتبين القاضي من جهة بحثه ولا من جهة ذكر الشاهد أنه من أهل الخبرة، فيتوقف لا محالة. هكذا ذكر الأئمة. هذا لفظ الإمام.
الأمر الثاني: أن كلام "النهاية" مستفاد منه جريان هذا التفصيل بعينه في شهود التزكية.
ولما تكلم الرافعي على المسألة في كتاب القضاء في فصل القضاء على الغائب، لم يذكر هذا التفصيل المذكور هنا، بل نقل عن "الوسيط" أن للقاضي يجب أن يعرف ذلك، ولم يزد عليه.
ثم قال: وإذا علم من عدالته أنه لا يزكى إلا بعد الخبرة فيعتمده، هذا كلامه هناك.
وينبغي جريان هذا التفصيل الأخير في المفلس.
стр. 2415
قوله: وأما الصيغة فهى أن يقولوا: هو معسر لا يملك إلا قوت يومه، وثوب بدنه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ينبغي أن يضيف إلى هذا ما يصرفه لسكنى اليوم، فإنه يستثنى أيضًا كما نقلناه قبل هذا الموضع بنحو ورقة عن الرافعي.
الأمر الثاني: أنه إذا كان مالكًا لما لا يتأتى مصرفه إلى الدين كالمغصوب والغائب، فإن وجوده كعدمه، ولهذا جوزوا له أخذ الزكاة.
وحينئذ فيسمع منه إقامة البينة على الإعسار، فلا تتأتى إقامتها بالصيغة المذكورة هنا لأنه مالك، بل يتعين التعبير بالقدرة والوصول ونحوهما، فالغالب أن الشخص لا يعيش طول عمره من غير ظلامة تتعلق به، فينبغي التعبير بما قلناه.
قوله: وحيث قبلنا قوله بيمينه فيقبل في الحال، كما لو أقام البينة تسمع في الحال.
قال الإمام: ويحتمل أن يقال: يتأني القاضي ويبحث عن باطن حاله، ولا يقنع بقوله بخلاف ما إذا أقام البينة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل ذلك احتمالًا له فقط، وهو يوهم أن الراجح عنده خلافه، أو أنه لم يرجح شيئًا، وليس كذلك، فقد قال الإمام: لست أرى قبول ذلك ويظهر عندي تأني القاضي في إطلاقه مع البحث الممكن من أحواله.
[قوله: وفي حبس الوالد بدين الولد وجهان، أصحهما عند الغزالي: بحبس] (١) وأصحهما في "التهذيب" وغيره: لا يحبس، ولا فرق بين
стр. 2416
دين النفقة وغيرهما. انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يشعر برجحان عدم الحبس، والأمر كذلك فاعلمه، فقد صححه الرافعي في كتاب الشهادات [وعبر بالأصح، وتابعه على تصحيحه في "الروضة"، وحكى هناك] (١) وجهًا ثالثًا أنه يحبس في دين النفقة دون غيرها.
واختار صاحب "الحاوي الصغير" أنه يحبس.
стр. 2417
قال ﵀:
الحكم الرابع: الرجوع إلى عين المبيع
قوله: ولو صرح الحديث، ذهب الإصطخري إلى أنه لو حكم بالمنع من الفسخ حاكم نقض حكمه. انتهى.
وهذا الذي قاله الإصطخري قد صحح في "الروضة" خلافه، فقال: الأصح أنه لا ينقض حكم من حكم بمنع الفسخ لاختلاف فيه. هذا كلامه.
والعلة التي قالها باطلة، فإن الذي يمنع النقض إنما هو كون المسألة اجتهادية.
وأما الاختلاف فيها فلا، قالا: لكن يؤدي إلى ألا ينقض حكم في مسألة مختلف فيها، بل إن كان الخلاف معارضًا للنص أو القياس الجلي فلا أثر له وينقض حكم من حكم به، وإلا فلا كما أوضحوه في بابه.
واعلم أن هذه المسألة ذكرها في "التهذيب"، ونقل عن الاصطخري ما نقله هاهنا، ثم قال: ويحتمل ألا ينقض.
قال النووي في الكلام عليه في "تعليقه": صحح ابن عصرون هذا الاحتمال، وحكى صاحب "البيان" و"التهذيب" فيه وجهين، قال: وكأنهما نظرا إلى هذا الاحتمال، فإن صح ما قاله ظهرت المناقشة على إثبات الخلاف، فضلًا عن تصحيحه وتعبيره بالأصح.
قوله: ولو كان قد ضمن بالثمن ضامن، فإن ضمن بإذن المشتري فله الرجوع على المشتري، لأنه ليس بمتبرع والوصول من يده كالوصول من يد المشتري.
стр. 2418
وإن ضمن بغير إذنه فوجهان: في أحدهما: يرجع كما لو تبرع متبرع بالثمن، وفي الثاني: لا، لأن الحق قد تقرر في ذمته وتوجهت المطالبة عليه بخلاف المتبرع.
ولو أعير من المشتري ما يرهنه بالثمن، فرهنه فعلى هذا الخلاف. انتهى كلامه.
وما ذكره في العارية من تخريجه على الضمان بغير الإذن، كيف يستقيم مع انتفاء الإذن هناك، ووجوده هنا، بل الصواب إلحاق هذه بالضمان بالإذن، وأن يكون الرهن ابتداءً كالضمان بغير الإذن.
وقد ذكر صاحب "التتمة" ذلك على الصواب فقال: الرابعة: إذا أفلس المشتري وبالثمن ضامن هل للبائع الفسخ والرجوع في عين ماله؟ نظر، فإن كان الضامن قد ضمن بإذن المشتري فليس له الفسخ، لأن الضامن ليس بمتبرع، ووصوله إلى الثمن من جهته كوصوله إليه من جهة المشتري.
وإن كان قد ضمن بغير إذنه فوجهان:
أحدهما: له الرجوع، لأن الضامن متبرع، ولا يلزمه قبول التبرع.
والثاني: لا يجوز له [الرجوع، لأن الحق قد ثبت في ذمته، ولهذا يجوز له مطالبته بخلاف المتبرع، فإنه لا يجوز له] (١) مطالبته.
وهذا الحكم فيما لو كان قد رهن بعض الناس ماله بالثمن، ثم أفلس المشتري. هذا لفظه.
وهو كلام صحيح، ولا شك أن الرافعي لما نقل عنه تحرف عليه آخر الكلام.
ويؤيده مع كثرة نقل الرافعي عنه أنه نقل عنه في المسألة التي قبل هذه، ثم نقل هذه بالترجيح كما في "التتمة"، وبالتعليل الذي ذكره بعينه.
стр. 2419
واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر المسألة ذكر أحد سببيها خاصة، وهو الضمان بغير الإذن ونسي ذكر الآخر.
قوله: ولو انقطع حبس الثمن، فإن جوزنا الاعتياض عنه انتفى التعذر، وإن منعنا كان كانقطاع المسلم فيه.
وحينئذ فيثبت له الفسخ. انتهى.
وذكره أيضًا كذلك في "الشرح الصغير" وتابعه في "الروضة"، وصرح بامتناع الفسخ إذا جوزنا الاعتياض كما هو مدلول كلام الرافعي، ومنع الفسخ مشكل لا يوافق القواعد، فإن المعقود عليه إذا فات خيار الفسخ لفوات المفقود منه.
وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع، وذكر أيضًا أن إتلاف الثمن المعين كإتلاف المبيع حتى يقتضي التخيير.
وإذا ثبت جواز الفسخ فيه لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه، فبطريق الأولى عند فوات الجنس.
ومنقول الأصحاب في هذه المسألة لا يوافق المذكور في الرافعي، فقد قال القاضي الحسين في أواخر باب الربا من "تعليقه" قبل باب اللحم باللحم بنحو ورقة: لا يجوز الاستبدال عنه، ولا يفسد العقد، وإن قلنا: إنه لا يجوز الاستبدال عنه، ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ العقد.
والثاني: يثبت له حق الفسخ. هذا لفظه.
ففرع على عدم الاستبدال عدم الفساد، وهو صحيح لا عدم الفسخ.
وقال الإمام في أوائل الكتابة: ولهذا ذهب معظم الأصحاب إلى
стр. 2420
انقطاع حبس الملتزم هنا لا يوجب انفساخ العقد، وفي انقطاع المسلم فيه قولان، وذهب المحققون إلى التسوية. هذا لفظه.
وحاصله أنه هل يجيء القولان أو يقطع بأحدهما وهو عدم الانفساخ، والقائل هناك بهذا القول يجوز الفسخ.
وذكر في "التتمة" في الباب السابع من أبواب البيع في أواخر الفصل الثالث منه نحوه فقال: والثمن مما يستقر في الذمة من غير قبض، بدليل أنه جنس الثمن إذا انقطع عند أيدي الناس لا ينفسغ العقد. هذا كلامه.
واعلم أن الإمام قال في أوائل الفلس: فإن ألحقنا الثمن بالمسلم فيه مع منع الاستبدال عنه، فلو انقطع جنس الثمن كان كما لو انقطع المسلم فيه. هذا لفظه.
ولم يتعرض للتفريع على جواز الاستبدال، وذكر مثله الغزالي في "البسيط"، ثم إنه في "الوسيط" ذكره ظانًا أن التقسيم يقتضي عدم الفسخ، وصرح به مع عدم الانفساخ كما ذكره إمامه في الكتابة، وذكره غير إمامه أيضًا، فتابعه عليه الرافعي.
وذكر ابن الرفعة في "المطلب" في الكلام على قول الغزالي في البيع: وإن غلب في العروض حبس، وأخذ ما ذكره الإمام ناقلًا له عنه، واقتصر عليه، وذكر هنا ما ذكره الغزالي، ونقله عنه فقط، واستشكله وأشار إلي أنه من تفرداته.
قوله: فإذا أجر أرضًا أو دابة، وأفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة، ومضي المدة فللمؤجر فسخ الإجارة. . . . إلي آخره.
اعلم أن الإجارات المعتادة الآن، وهي التي تستحق فيها أجرة كل شهر عند انقضائه، لا فسخ فيها، لأن الفسخ من شرطه أن يكون العوض