دين النفقة وغيرهما. انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يشعر برجحان عدم الحبس، والأمر كذلك فاعلمه، فقد صححه الرافعي في كتاب الشهادات [وعبر بالأصح، وتابعه على تصحيحه في "الروضة"، وحكى هناك] (١) وجهًا ثالثًا أنه يحبس في دين النفقة دون غيرها.
واختار صاحب "الحاوي الصغير" أنه يحبس.
стр. 2417
قال ﵀:
الحكم الرابع: الرجوع إلى عين المبيع
قوله: ولو صرح الحديث، ذهب الإصطخري إلى أنه لو حكم بالمنع من الفسخ حاكم نقض حكمه. انتهى.
وهذا الذي قاله الإصطخري قد صحح في "الروضة" خلافه، فقال: الأصح أنه لا ينقض حكم من حكم بمنع الفسخ لاختلاف فيه. هذا كلامه.
والعلة التي قالها باطلة، فإن الذي يمنع النقض إنما هو كون المسألة اجتهادية.
وأما الاختلاف فيها فلا، قالا: لكن يؤدي إلى ألا ينقض حكم في مسألة مختلف فيها، بل إن كان الخلاف معارضًا للنص أو القياس الجلي فلا أثر له وينقض حكم من حكم به، وإلا فلا كما أوضحوه في بابه.
واعلم أن هذه المسألة ذكرها في "التهذيب"، ونقل عن الاصطخري ما نقله هاهنا، ثم قال: ويحتمل ألا ينقض.
قال النووي في الكلام عليه في "تعليقه": صحح ابن عصرون هذا الاحتمال، وحكى صاحب "البيان" و"التهذيب" فيه وجهين، قال: وكأنهما نظرا إلى هذا الاحتمال، فإن صح ما قاله ظهرت المناقشة على إثبات الخلاف، فضلًا عن تصحيحه وتعبيره بالأصح.
قوله: ولو كان قد ضمن بالثمن ضامن، فإن ضمن بإذن المشتري فله الرجوع على المشتري، لأنه ليس بمتبرع والوصول من يده كالوصول من يد المشتري.
стр. 2418
وإن ضمن بغير إذنه فوجهان: في أحدهما: يرجع كما لو تبرع متبرع بالثمن، وفي الثاني: لا، لأن الحق قد تقرر في ذمته وتوجهت المطالبة عليه بخلاف المتبرع.
ولو أعير من المشتري ما يرهنه بالثمن، فرهنه فعلى هذا الخلاف. انتهى كلامه.
وما ذكره في العارية من تخريجه على الضمان بغير الإذن، كيف يستقيم مع انتفاء الإذن هناك، ووجوده هنا، بل الصواب إلحاق هذه بالضمان بالإذن، وأن يكون الرهن ابتداءً كالضمان بغير الإذن.
وقد ذكر صاحب "التتمة" ذلك على الصواب فقال: الرابعة: إذا أفلس المشتري وبالثمن ضامن هل للبائع الفسخ والرجوع في عين ماله؟ نظر، فإن كان الضامن قد ضمن بإذن المشتري فليس له الفسخ، لأن الضامن ليس بمتبرع، ووصوله إلى الثمن من جهته كوصوله إليه من جهة المشتري.
وإن كان قد ضمن بغير إذنه فوجهان:
أحدهما: له الرجوع، لأن الضامن متبرع، ولا يلزمه قبول التبرع.
والثاني: لا يجوز له [الرجوع، لأن الحق قد ثبت في ذمته، ولهذا يجوز له مطالبته بخلاف المتبرع، فإنه لا يجوز له] (١) مطالبته.
وهذا الحكم فيما لو كان قد رهن بعض الناس ماله بالثمن، ثم أفلس المشتري. هذا لفظه.
وهو كلام صحيح، ولا شك أن الرافعي لما نقل عنه تحرف عليه آخر الكلام.
ويؤيده مع كثرة نقل الرافعي عنه أنه نقل عنه في المسألة التي قبل هذه، ثم نقل هذه بالترجيح كما في "التتمة"، وبالتعليل الذي ذكره بعينه.
стр. 2419
واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر المسألة ذكر أحد سببيها خاصة، وهو الضمان بغير الإذن ونسي ذكر الآخر.
قوله: ولو انقطع حبس الثمن، فإن جوزنا الاعتياض عنه انتفى التعذر، وإن منعنا كان كانقطاع المسلم فيه.
وحينئذ فيثبت له الفسخ. انتهى.
وذكره أيضًا كذلك في "الشرح الصغير" وتابعه في "الروضة"، وصرح بامتناع الفسخ إذا جوزنا الاعتياض كما هو مدلول كلام الرافعي، ومنع الفسخ مشكل لا يوافق القواعد، فإن المعقود عليه إذا فات خيار الفسخ لفوات المفقود منه.
وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع، وذكر أيضًا أن إتلاف الثمن المعين كإتلاف المبيع حتى يقتضي التخيير.
وإذا ثبت جواز الفسخ فيه لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه، فبطريق الأولى عند فوات الجنس.
ومنقول الأصحاب في هذه المسألة لا يوافق المذكور في الرافعي، فقد قال القاضي الحسين في أواخر باب الربا من "تعليقه" قبل باب اللحم باللحم بنحو ورقة: لا يجوز الاستبدال عنه، ولا يفسد العقد، وإن قلنا: إنه لا يجوز الاستبدال عنه، ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ العقد.
والثاني: يثبت له حق الفسخ. هذا لفظه.
ففرع على عدم الاستبدال عدم الفساد، وهو صحيح لا عدم الفسخ.
وقال الإمام في أوائل الكتابة: ولهذا ذهب معظم الأصحاب إلى
стр. 2420
انقطاع حبس الملتزم هنا لا يوجب انفساخ العقد، وفي انقطاع المسلم فيه قولان، وذهب المحققون إلى التسوية. هذا لفظه.
وحاصله أنه هل يجيء القولان أو يقطع بأحدهما وهو عدم الانفساخ، والقائل هناك بهذا القول يجوز الفسخ.
وذكر في "التتمة" في الباب السابع من أبواب البيع في أواخر الفصل الثالث منه نحوه فقال: والثمن مما يستقر في الذمة من غير قبض، بدليل أنه جنس الثمن إذا انقطع عند أيدي الناس لا ينفسغ العقد. هذا كلامه.
واعلم أن الإمام قال في أوائل الفلس: فإن ألحقنا الثمن بالمسلم فيه مع منع الاستبدال عنه، فلو انقطع جنس الثمن كان كما لو انقطع المسلم فيه. هذا لفظه.
ولم يتعرض للتفريع على جواز الاستبدال، وذكر مثله الغزالي في "البسيط"، ثم إنه في "الوسيط" ذكره ظانًا أن التقسيم يقتضي عدم الفسخ، وصرح به مع عدم الانفساخ كما ذكره إمامه في الكتابة، وذكره غير إمامه أيضًا، فتابعه عليه الرافعي.
وذكر ابن الرفعة في "المطلب" في الكلام على قول الغزالي في البيع: وإن غلب في العروض حبس، وأخذ ما ذكره الإمام ناقلًا له عنه، واقتصر عليه، وذكر هنا ما ذكره الغزالي، ونقله عنه فقط، واستشكله وأشار إلي أنه من تفرداته.
قوله: فإذا أجر أرضًا أو دابة، وأفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة، ومضي المدة فللمؤجر فسخ الإجارة. . . . إلي آخره.
اعلم أن الإجارات المعتادة الآن، وهي التي تستحق فيها أجرة كل شهر عند انقضائه، لا فسخ فيها، لأن الفسخ من شرطه أن يكون العوض
стр. 2421
حالًا والمعوض باقيًا، فلا يتأتى الفسخ قبل الشهر، لعدم المطالبة بالأجرة، ولا بعده، لأن منفعته قد فاتت، فهى كالمبيع يتلف، وهكذا العمل في كل شهر.
وحينئذ فلا يتصور فيها الفسخ، وإنما يتصور إذا كانت الأجرة كلها حالة فاعلمه، وتفطن له.
وقد نبه عليه مع وضوحه ابن الصلاح في "فتاويه".
قوله: باع مالًا واستوفى ثمنه وامتنع من تسليم المبيع أو هرب، فهل للمشتري الفسخ كما لو أنفق المبيع أم لا لأنه لا نقص في نفس المبيع؟ فيه وجهان.
منقولان في "التتمة". انتهى.
لم يصح في "الروضة" شيئًا منهما، والأصح، امتناع الفسخ، كذا صححه الرافعي والمصنف في نظير المسألة، وهو امتناع المشتري وهربه.
قوله: ولو استولدها ثم حجر عليه بالفلس، لم يكن للبائع الرجوع. انتهى ملخصًا.
وامتناع الفسخ هو الصواب المذكور في أكثر كتب النووي.
وادعي في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف، فإنه عبر بالصواب، ووقع في "فتاوى النووي" أنه يرجع، وهو غلط فاعلمه.
قوله: وإن أجره فلا رجوع إن لم نجوز بيع المستأجر، وإن جوزناه فإن شاء أخذه مسلوب المنفعة لحق المستأجر، وإلا ضارب بالثمن. انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من التخريج على البيع، قياسه أن يأتي أيضًا في رجوع الواهب، لكنه لم يرتضه، فقال ما حاصله: إن المذهب الذي قطع به
стр. 2422
الأكثرون هو الجواز.
وقال الإمام: إن جوزنا بيع المستأجر رجع، وإلا فوجهان.
قوله: ولو حجر عليه بعد ما زال ملكه، ثم عاد، نظر: إن عاد بلا عوض كالهبة والإرث ففي الرجوع وجهان.
ثم قال: وهذا الخلاف كما ذكرنا في مثله من الرد بالعيب. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام تصحيح جواز الرجوع، لأنه الصحيح في الرد بالعيب على ما اقتضاه كلامه في هذا الكتاب، وصرح به في "المحرر"، ولا جزم، وصرح به هنا في "الشرح الصغير" -أعني بجواز الرجوع- وعبر بالأظهر.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما اختصر هذا الكلام حكى وجهين، ولم يزد عليهما، ثم ذكر من "زياداته" أن الصحيح عدم الرجوع على العكس هنا، صرح به في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامه هنا.
قوله من "زوائده": قلت: لو كن المبيع شقصًا مشفوعًا ولم يعلم الشفيع حتى حجر على المشتري، وأفلس بالثمن، فأوجه:
أحدها: يأخذه الشفيع، ويؤخذ منه الثمن، فيخص به البائع جمعًا بين الحقين.
والثاني: يأخذه البائع.
وأصحها عند الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وآخرين: يأخذه الشفيع، ويكون الثمن بين الغرماء، والله أعلم.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب الشفعة في الكلام على الركن الثالث، وصرح بتصحيح الوجه الثالث، وزاد وجهًا رابعًا: وهو أن
стр. 2423
البائع إن كان قد سلم الشقص قبل فلس المشتري لم يكن أولي بالثمن لرضاه بذمته، وإن لم يسلمه فهو أولى بالثمن، ثم إن مقتضى ما ذكره هناك: أنه لا فرق بين أن يعلم الشفيع قبل الحجر أو بعده.
نعم إن علم وأخذ قبل الحجر فلا رجوع للبائع جزمًا، وسوف أذكر صور هذه المسألة إن شاء الله تعالي في كتاب الشفعة للتنبيه على غلط وقع في الرافعي و"الروضة".
قوله في أصل "الروضة": وإن كان التغييب بجناية المشتري فطريقان:
أصحهما عند الإمام: أنه كالأجنبي، لأن جناية المشتري قبض واستيفاء، وكأنه صرف جزءًا من المبيع إلى غرضه.
والثاني وبه قطع صاحب "التهذيب" وغيره: أنه كجناية البائع على المبيع قبل القبض، ففي قول كالأجنبي، وعلى الأظهر كالآفة السماوية.
قلت: المذهب أنه كالآفة، وبه قطع جماعات، والله أعلم. انتهى كلامه.
وما نقله في الأصل عن "التهذيب" من إلحاقه بجناية البائع حتي يجيء فيه القولان غلط، بل صاحب "التهذيب" من الجماعات الذين نقل عنهم من "زياداته" القطع بإلحاقه بالآفة، فإنه قال: ولو جنى عليه المشتري، فهو كما لو حصل النقصان بآفة سماوية، فالبائع إن شاء أخذ المبيع ولا شيء عليه، وإن شاء ترك وضارب الغرماء بالثمن. هذا لفظه.
وقد ذكره الرافعي في الشرحين على الصواب، وإنما فهمه على غير وجهه، فإنه لما ذكر القول الثاني من الطريقة الثانية عبر بقوله: وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، مشيرًا به إلى القول، فظن النووي أنه أشار إلى الطريقة فصرح به فغلط.
قوله: أما إذا باع عبدين متساويي القيمة بمائة، وقبض خمسين فتلف
стр. 2424
أحدهما في يد المشتري، ثم أفلس فالجديد أنه يرجع، وعلى هذا فإن لم يرجع، نص أنه يرجع في جميع العبد الباقي بما بقي من الثمن.
وله فيما إذا أصدقها أربعين شاة وحال عليها الحول فأخرجت شاة، ثم طلقها قبل الدخول، قولان:
أحدهما: يرجع بعشرين شاة، وهو قياس نصه هاهنا.
والثاني: أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة الشاة المخرجة.
واختلفوا هاهنا، وعلى هذا فأظهرهما: المنصوص، والطريق الثاني: القطع بالمنصوص. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح طريقة القولين، فقد جزم بها الرافعي في "المحرر"، وتبعه عليه النووي في "المنهاج"، ولا يؤخذ من كلام "الشرح الصغير" أيضًا تصحيح واحدة من الطريقين.
الأمر الثاني: أن النووي صحح في أصل "الروضة" طريقة القطع، فقال ما نصه: هذا هو المذهب والمنصوص، وقيل: فيه قول مخرج. هذا لفظه.
فانظر كيف ضعف إثباته فقال: وقيل فيه قولان، ولم يقل: وفيه قول. وهذا واضح، وقد صرح به في أول الإشارات التي جمعها على "الروضة"، "كالدقائق" على "المنهاج" فقال: وقولي: وقيل: تخريجه على القديم، إشارة إلي طريقين: أصحهما: القطع بالثانية إثبات قولين، وقد ذكرت لفظه هناك.
وإذا علمت ما قاله في "الروضة"، ظهر لك عليه استدراكان:
أحدهما: مخالفته لما في "المنهاج".
стр. 2425
والثاني: إدخال تصحيح في كلام الرافعي لما يذكره.
قوله: فرعان: أحدهما: إذا غلى الزيت حتى ذهب بعضه، ثم أفلس فوجهان:
أحدهما: أنه كما لو تعيب المبيع، وكان الزائل صفة النقل.
وأصحهما: أنه بمثابة تلف المبيع.
وينبغي أن يطرد الوجه الأول في إغلاء الغاصب الزيت المغصوب، وليس له ذكر هناك، ولم يتعرض له المعظم هاهنا. انتهى كلامه.
وما ذكره ﵀ من أن الوجه لم يذكروه هناك غريب، فقد ذكره جماعة، وممن ذكره الغزالي في "الوسيط" ناقلًا له عن ابن سريج، وكذلك ذكره هو -أعني الرافعي- ونقله عن صاحب "التلخيص"، وكأن الرافعي ﵀ اغتر بكلام المشروح وهو "الوجيز"، فإنه حكى الوجهين هنا، وجزم هناك.
واعلم أن في هذه المسألة ومسألة العصير كلامًا آخر يتعين الوقوف عليه أذكره إن شاء الله تعالى في باب الغصب فراجعه.
قوله ولصاحب "التلخيص" في المسألة كلام غلطوه فيه. انتهى.
والذي قاله في "التلخيص" أنه نقصان عين أو صفة فيرجع في الذاهب، ويضارب بأرش نقصان الباقي، ثم خطأه الإمام في تغريمه أرش نقصان الباقي، قال: لأن الغليان كالتلف.
والذي قاله الإمام غير ظاهر، بل الغليان كإتلاف المشتري، وفيه خلاف مشهور، حتى اختار الإمام أنه كتعييب الأجنبي، وحينئذ فلا يقال في هذا: إنه غلط، بل هو الحق.
ونقل الغزالي في "الوسيط" و"البسيط" كلام "التلخيص" على
стр. 2426
غير وجهه، ثم نقل في "البسيط" عن الإمام تخطئته فيه، فاعلم ذلك واجتنبه.
قوله: إحداها: المتصلة من كل وجه كالسمن وتعلم الحرفة، فلا عبرة بها، وللبائع الرجوع من غير أن يلتزم للزيادة شيئًا. انتهى كلامه.
وما ذكره في الحرفة من أن البائع يفوز بها ليس كذلك، بل أصح القولين أن المشتري يكون شريكا بنسبة الزيادة، كذا ذكره الرافعي بعد ذلك في الكلام على القصارة، فقال: وإذا اشتري حنطة يطحنها، أو ثوبًا يقصره وزادت القيمة فأصح القولين أنها تجري مجرى الأعيان، ويصير المفلس شريكًا.
ثم قال: وعن أبي إسحاق، أن تعلم العبد القرآن والحرفة والكتابة والشعر المباح ورياضة الدابة لا يلحق بها، ولا يجري مجرى الأعيان قطعًا لأنه ليس بيد المعلم والرائض إلا التعليم، وقد يجتهد فيه ولا يحصل الغرض، فكان كالسمن ونحوه، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة وابن القطان أيضًا.
والأصح، أنها من صور القولين، لأنها أعمال يجوز الاستئجار عليها، وضبط صور القولين أن يصنع بالمبيع ما يجوز الاستئجار عليه، وظهر به أثر فيه دائمًا، وإنما اعتبرنا ظهور الأثر، لأن حفظ الدابة وسياستها على عمل يجوز الاستئجار عليه، ولا تثبت به الشركة، لأنه لا يظهر بسببه أثر على الدابة. هذا كلام الرافعى.
والعمدة على الموضع الثاني، لأنه موضع الإمعان في المسألة، وذكر مقالة الناس فيها، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"، والموضع الأول في "المحرر" و"المنهاج" و"الشرح الصغير" فاعلمه واجتنبه.
стр. 2427
قوله في الكلام على ما إذا ولدت الجارية عند المفلس: وهاهنا مباحثة وهي أنهم لم يذكروا هنا احتمال التفريق، وإنما احتالوا في دفعه فيجوز أن يقال به، كما قيل به في الرد بالعيب، ويجوز أن يفرق بأن مال المفلس مبيع كله. انتهي ملخصًا.
وليس الأمر كما قال الرافعي من عدم ذكره هنا، بل قد ذكره جماعة، والغريب أن صاحب "التتمة" منهم، وقد علمت استمداد الرافعي منها.
وذكره أيضًا الماوردي في "الحاوي"، والشاشي في "الحلية"، وجزم به الإمام في كتاب السير، فقال: جوزوا الرجوع في الأم للضرورة، فتعليله بالضرورة صريح في جواز التفريق.
نعم أكثر من نقل هذا الوجه ضعفه، وفرق بما ذكره الرافعي، وقال في "الروضة": الفرق هو الصواب الذي قطع به الجمهور، ثم نقل بعض ما [نقلناه] (١).
قوله: ولو كان المبيع بذرًا فذرعه، أو بيضة ففرخت ففيه وجهان: الأصح عند أصحابنا العراقيين، وصاحب "التهذيب": الوجه الثاني، وسترى في كتاب الغصب ما يؤيده، واختار صاحب "الكتاب" والقاضيان أبو الطيب وابن كج: أنه لا رجوع. انتهى.
والضابط المذكور في المسألة السابقة يقتضي أن البائع لا يفوز بالزيادة فاعلمه.
قوله: وإن كانت حاملًا عند الشراء، حائلًا عند الرجوع، أو بالعكس ففي تعدي الرجوع إلى الولد قولان. . . . إلى آخره.
هذا سبق الكلام عليه في الرد [بالعيب] (٢) والرهن فراجعه.
стр. 2428
قوله: ذنابة البطن في انفصال الجنين. . . . إلى آخره.
هذه اللفظة قد ذكرها أيضًا في أوائل النفقات، في الكلام على نفقة الزوجات في أواخر كتاب القضاء قبيل الكلام على القضاء على الغائب، وهى بضم الذال المعجمة وكسرها، وبعدها نون ثم باء موحدة بينهما ألفًا ومعهما هاء طرف الشيء ومنتهاه.
ولو عبر بقوله: تذنبت لكان أظهر، وجعله في "الروضة" فرعًا.
قوله: ولو رجع في الأرض المبيعة وهى مزروعة، ترك زرع المشتري إلى الحصاد. . . . إلى آخره.
ثم قال: وعن صاحب "التقريب": أن ابن سريج خرج قولًا: أن للبائع طلب أجرة المثل لمدة بقاء الزرع، كما لو بنى المشتري أو غرس كان للبائع الإبقاء بالأجرة على ما سيأتي. انتهى.
وما ذكره في استحقاق الأجرة في البناء والغراس، قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب، فإن الرافعي لم يوجبها، بل ولا أثبت إيجابها قولًا ولا وجهًا، فإن الإمام حكى قولًا بإيجابها، فأنكر الرافعي عليه ذلك، وتبعه عليه في "الروضة"، وسأذكر ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
قوله: واعلم أن استتار الثمرة بالأكمة وظهورها بالتأبير قريبان من استتار الجنين وظهوره بالانفصال، وفيها الأحوال الأربعة المذكورة في الجنين:
أولها: أن يشتري نخيلًا وعليها ثمرة مؤبرة، وكانت عند الرجوع غير مؤبرة أيضًا [فهى للبائع] (١).
وثانيها: أن يشتريها ولا ثمرة عليها، ثم كانت لها ثمار عند الرجوع،
стр. 2429
فعلى الخلاف في الحمل.
ثالثها: إذا كانت ثمرتها عند الشراء غير مؤبرة وعند الرجوع مؤبرة، فقيل: على القولين في الحمل، وقيل: يرجع قطعًا.
رابعها: أن تكون فارغة عند الشراء فأطلعت عند المشتري، ثم جاء وقت الرجوع وهي غير مؤبرة فقولان.
إذا علمت هذه الصور فقد قال بعد ذلك: الثانية: إذا ثبت الرجوع في الثمار، إما بالتصريح ببيعها مع الأشجار وهي مؤبرة، أو على أحد القولين في الحالة الثالثة والرابعة ثم تلفت الثمار بجائحة أو بأكل المشتري, ثم فلس فللبائع يأخذ الأشجار بحصتها من الثمن، ويضارب مع الغرماء بحصة الثمار، وسبيل التوزيع، أن تقوم الأشجار وعليها الثمار، فيقال مثلًا: قيمتها مائة، وتقوم وحدها فيقال: قيمتها تسعون، فيضارب بعشر الثمن. انتهى كلامه.
وما ذكره من [أن] القولين فيما إذا كانت الثمرة معدومة عند البيع، موجودة بعد ذلك من تخريجه على الحالة الرابعة في الحمل, قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط لأن الكلام فيما إذا تفلت الثمار قبل الفلس، ونظيرها من الحمل أن تكون خلية عند البيع والرجوع حاملًا بينهما، ولا خلاف في أن الولد يفوز به المشتري وهكذا الثمرة، فلا يصح ما قالاه من مجيء القولين في غرم قيمتها بناء على القولين في أخذها عند وجودها فالصواب أن يقول: على أحد القولين في الأولي والثالثة، أما الثالثة فواضح، وأما في الأولي وهي ما إذا كانت حاملًا عند البيع والرجوع، فهو وإن كان يرجع فيها جزمًا، لكن إنما يقابله قسط من الثمن إذا قلنا: له حكم.
قوله: قال الأصحاب: إذا اختار البائع الرجوع في الأرض بعد أن بني
стр. 2430
أو غرس، نظر إن اتفق الغرماء والمفلس على القلع كان لهم ذلك -رضى البائع أم لا-، فإن حدث في الأرض نقص بالقلع وجب أرش النقص في ماله يقدم به على الغرماء على ما قاله في "المهذب" و"التهذيب"، وذكر الشيخ أبو حامد أنه يضارب مع الغرماء. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل المضاربة عن الشيخ أبي حامد، والمذكور في "تعليقه" إنما هو التقديم على الغرماء.
قال ابن الرفعة: وكذلك نقله راوياه البندنيجي والمحاملي، وكذلك الماوردي.
نعم لو قلع المشتري قبل الرجوع، ففي وجوب الأرش وجهان نقلهما الماوردي.
فإن قيل: فهل يمكن حمل كلام الرافعي عليه؟ قلنا: لا يمكن إذا قلنا بالوجوب في صورة الماوردي، فيضارب به البائع بلا نزاع على قاعدة التعييب بفعل المشتري.
وقد صرح به الماوردي أيضًا، وقد علمت مما تقدم أن الرافعي حكى الخلاف في أنه أيضارب أو يقدم بالأرش؟ .
لا جرم أن ما ذكره أبو حامد إنما هو في القلع قبل الرجوع.
قوله: وإن أراد الرجوع في الأرض وحدها وإبقاء البناء والغراس للمفلس لم يجب إليه في أصح القولين لما فيه من الضرر، وعلى هذا فالبائع يترك الرجوع ويضارب مع الغرماء أو يعود إلي بدل قيمتهما أو قلعهما وغرامة أرش النقص؟ . انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (يعود) يدل أنه لا يضر عوده إليه بعد أن نازعه، بل يمكن من ذلك، وقد نبه عليه النووي على حاشية "الروضة" بخطه قلت: قوله: (يعود) إشارة إلي أنه لو امتنع من ذلك، ثم عاد إليه
стр. 2431
يمكن، هذا لفظه، ومن خطه نقلت، ولم يصرح ابن الرفعة في "الكفاية" فيها بشيء، وتعرض لها في "المطلب"، ولم ينقل فيها شيئًا، وقال من عنده: يشبه أن يبني على الخلاف في أن حق الرجوع على الفور أم لا.
قوله: وأما الإمام فإن محصول ما نقله في المسألة -أي من أصلها- أربعة أقوال:
أحدها: أنه فاقد عين ما له ولا رجوع.
والثاني: أن الأرض والبناء يباعان معًا كالثوب المصبوغ.
والثالث: يرجع في الأرض، ويتخير بين ثلاث خصال في البناء والغراس.
والرابع: إن كانت قيمة البناء أكثر فالبائع فاقد عين ماله، وإن كانت قيمة الأرض أكثر فواحدة، ثم قال: وأنت إذا تأملت هذا الكلام بعد وقوفك على المذهب المعتمد وتصفحت عن كتب علمائنا، ورأيت ما بينهما من المخالفة الصريحة قضيت العجب منه، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال، ثم حفظت لسانك استعمالًا للآداب. انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على إنكار ذلك أيضًا، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" ساكتًا عليه، وليس الإنكار صحيحًا، بل الأقوال ثابتة، وقد تفطن -أعني ابن الرفعة- في "شرح الوسيط" إلى الصواب فقال: أما القول الثالث والرابع فلا إشكال فيهما، وقد حكاهما [ابن الرفعة] (١) قال: وأما الأول فقد نقله القاضي حسين في "تعليقه"، فإنه نقل قولًا في منع رجوع الواهب بعد الغرس أو البناء.
стр. 2432
فقال -أي القاضي-: إنه مثل قول في الفلس إذا غرس وبنى، لا يرجع بائع الأرض فيها، فثبت القول بمنع الرجوع على الإطلاق، ثم إن ابن الرفعة أيده وقواه بأن المشتري بنى في ملكه الذي لا خيار فيه، بخلاف الموهوب له، والمستعير ومشتري الشقص، قال أيضًا في "الكفاية": ثم سلك ابن الرفعة أيضًا في "المطلب" مسلكًا آخر في الجواب عن الإمام فقال: إذا امتنع المفلس والغرماء من القلع والبائع من بذل القيمة وأرش النقصان جاءت الأقوال وكلام الرافعي مشتمل عليها فتأمله، وحينئذ فلا اعتراض على الإمام إلا من جهة الإطلاق، فإذا حملنا كلامه على هذا اندفع ذلك عنه.
قوله: وهل للقصار والطحان الحبس لاستيفاء الأجرة؟ إن قلنا: إنها عين فنعم، وبه قال الأكثرون. . . . إلى آخره.
نبه في "الروضة" على فائدة حسنة فقال: نص الشافعي في "الأم"، والشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهم: على أنه ليس للأجير حبسه، ولا لصاحب الثوب أخذه، بل يوضع عند عدل حتى يوفيه الأجرة، أو يباع لها.
قال: وهذا الذى قالوه ليس مخالفًا لما سبق، فإن جعله عند العدل حبس. انتهى.
قوله: اشتري ثوبًا واستأجر قصارًا فقصره ولم يوفه أجرته حتى أفلس.
فإن قلنا. القصارة أثر، فليس للأجير إلا المضاربة بالأجرة.
وإن قلنا: عين، فله أحوال.
فلو كانت قيمة الثوب عشرة والأجرة خمسة والثوب عند القصارة يساوي أحد عشر، فإن فسخ الأجير الإجارة فعشرة للبائع ودرهم [للمفلس ويضارب الأجير بالخمسة، وحكى في "الوسيط" فيها أنه ليس] (١) للأجير
стр. 2433
إلا القصارة الناقصة أو المضاربة، كما هو قياس الأعيان، ولم أرَ هذا النقل لغيره فالمعتمد ما سبق. انتهى كلامه.
وما حكاه هنا عن "الوسيط" واستغربه وجعل المعتمد على خلافه تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد سبق منه قبل هذا بقليل تصحيحه في نظير المسألة، وحكايته عن الأكثرين فقال: ولو اشترى صبغًا وصبغ به ثوبًا، فللبائع الرجوع إن زادت قيمته مصبوغًا على ما كانت قبل الصبغ، وإلا فهو فاقد.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: وإذا شارك ونقصت حصته عن ثمن الصبغ، فوجهان:
أصحهما: وهو قول [الأصحاب] (١) على ما حكاه صاحب "البيان": اْنه إن شاء قنع به، ولا شيء له غيره، وإن شاء ضارب بالجميع.
والثاني: له أخذه والمضاربة، وبهذا قطع في "المهذب" و"الشامل" وغيرهما، هذا كلامه في "الروضة".
قوله: ولو كانت قيمة الثوب عشرة واستأجر على قصارته بدرهم، وصارت قيمته مقصورًا خمسة عشر درهم فبيع بثلاثين، قال الشيخان أبو محمد والصيدلاني وغيرهما تفريعًا على العين: أنه يتضاعف حق كل منهم، كما قاله ابن الحداد في الصبغ.
قال الإمام: ينبغي أن يكون للبائع عشرون وللمفلس سبعة وللقصار درهم، كما كان ولا تزيد حصته، لأن القصارة غير مستحقة للقصار، وإنما هى مرهونة بحقه، وهذا استدراك حسن. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على لزوم هذا الاستدراك وهو غريب، فقد تقدم في أوائل الفرع أَنَّا إذا فرعنا على أن القصارة عين، وزادت قيمة الثوب أن لكل واحد من البائع والأجير الرجوع إلى عين ماله، فجعلاه مستحقًا له، فكيف يجئ هذا الاستدراك.
стр. 2434
قوله في "الروضة": فرع:
لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء صاحب الثوب، أجبر على الأصح كالبائع إذا قدمه الغرماء بالثمن، وكأن هذا القائل يعطي القصارة حكم العين من كل وجه. انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من لزوم الإجابة عند تقديم الغرماء بثمنه غريب، وجعله هذا الحكم أصلًا لمسألة صحح فيها أنه يجبر أغرب، فقد تقدم في الكلام على الرجوع ترجيح جواز الفسخ عند تقديم الغرماء بالثمن، وعبر بالصحيح، واصطلاحه في التعبير به أن يكون مقابله ضعيفًا، وهو تباين فاحش.
والرافعي قد ذكر مسألة القصارة على الصواب، ولكن اشتبه كلامه على النووي فأداه ذلك إلى الوقوع في هذا الاختلاف الفاحش، وذلك أن الرافعي قدر أن القصارة مملوكة للمفلس، مرهونة لحق الأجير.
ثم قال ما نصه: ذكر القاضي ابن كج أن أبا الحسين -يعني ابن القطان- خرج وجهين في أنه لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء صاحب الثوب، هل يجبر عليه؟ وأن الأصح الإجبار.
وهذا الأصح ينطبق على قول أن القصارة مرهونة بحقه، إذ ليس للمرتهن التمسك بعين المرهون إذا أدى حقه.
ووجه الثاني: القياس على [البائع] (١) إذا قدمه الغرماء بالثمن هذا كلام الرافعي. فقوله: ووجه الثاني -يعني عدم الإجبار- فإنه ذكر أولًا تصحيح الإجبار، وعلله، ثم ذكر الثاني وهو مقابله، وكأن النووي والله أعلم أراد أن يقول: والثاني: لا كالبائع إذا قدمه الغرماء بالثمن فنسي، فذكر التعليل دون الوجه فصار تعليلًا للأصح، فلزم الخلل المذكور.
стр. 2435
كتاب الحجر
قوله: والنوع الأول -أى الحجر المشروع لمصلحة الغير- خمسة أضرب: حجر المفلس لحق الغرماء، والراهن لحق المرتهن، والمريض لحق الورثة، والمرتد للمسلمين والعبد لحق السيد سواء كان مكاتبًا أم لا. انتهى.
تابعه النووي على حصرها في هذه الخمسة، ويرد عليهما أمور أخري:
أحدها: الحجر على السيد في العبد الذي كاتبه لأجل حق العبد.
الثاني: الحجر عليه في العبد الجاني لحق المجني عليه.
الثالث: الحجر على الورثة في التركة لحق الميت وحق الغرماء.
فإن قيل: التركة مرهونة على الصحيح، فدخلت فيما تقدم.
قلنا: لو عبر الرافعي بقوله: والحجر على المرهون، وما في معناه لكانت التركة داخلة، لكنه عبر بقوله: والحجر على الراهن، فلا يدخل فيه الوارث، لأنه لم يرهن.
وهذه الثلاثة قد استثناها ابن الرفعة في "الكفاية".
الرابع: الحجر الغريب السابق ذكره في البيع، وهو الحجر على المشتري في السلعة، وجميع ماله إلى أن يحضر الثمن وكذلك المستأجر.
الخامس: الحجر على الأب إذا وجب على الابن اعفافه فملكه جارية حتي لا يعتقها، كما صرح به القاضي حسين والمتولي وغيرهما، وهذان القسمان ذكرهما ابن الرفعة في "المطلب".
السادس: الحجر على المؤجر فيما استأجر على العمل فيه، كما ذكره في البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض في أثناء كلام أوله: قال:
стр. 2436
وبيع الميراث، فقال ما نصه: ومنها إذا استأجر صباغًا ليصبغ ثوبًا، وسلمه إليه، فليس للمالك بيعه ما لم يصبغه، لأن له أن يحبسه إلى أن يعمل ما يستحق فيه العوض.
وإذا صبغه فله بيعه قبل الاسترداد إن وفي الأجرة.
وإلا فلا، لأنه يستحق حبسه إلى استيفائها. هذا كلامه.
ثم عدد أيضًا أمثلة أخرى ملحقة بذلك، والإلحاق واضح من التعليل.
وقد ذكر في "التتمة" ما ذكره الرافعي، ثم ذكر شيئًا آخر ينبغي معرفته، فقال في الباب السابع من أبواب البيع: الثالث عشر: إذا استأجر إنسانًا شهرًا ليرعى أغنامه أو ليحفظ مالًا له معينًا، ثم أراد أن يتصرف في ذلك المال فالبيع صحيح، لأن حق الأجير لم يتعلق بذلك المال، فإن المستأجر لو أراد أن يستعمله في مثل ذلك العمل لكان جائزًا للبائع الحجر على الممتنع من إعطاء الدين، وماله زائدًا إذا التمسه الغرماء، كما صححه الرافعي في باب الفلس.
الثامن: إذا فسخ المشتري بعيب، كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن، ويحجر على البائع في بيعه، والحالة هذه، كذا ذكره الرافعي في الكلام على حكم المبيع قبل القبض نقلًا عن "التتمة".
التاسع: الحجر على الغانم لمال من استرق، وعليه دين، مثاله: ما إذا كان على حربي دين فاسترق وله مال، ثم غنم الذي أسره أو غيره ذلك المال، فإنه يحجر عليه فيه مراعاة لأرباب الديون كالحجر على الوارث في التركة، لأن الرق كالموت، وتوفى منه ديون العبد، وإن زال ملكه عنه، كذا ذكره الرافعي في "السير".
العاشر: ذكره الجرجاني في "الشافي" وهو الحجر على المشتري في
стр. 2437
المبيع قبل القبض.
الحادي عشر: ذكره المحاملي، وهو الحجر على العبد المأذون لحق الغرماء.
الثاني عشر: نفقة الأمة المزوجة ملك للسيد، وليس له أن يتصرف فيها ببيع أو غيره حتي يعطي بدلها للأمة، لأن حقها متعلق بعينها، كذا ذكره الرافعي وغيره.
الثالث عشر: إذا أعتق الشريك نصيبه، وقلنا: لا يشتري إلا بدفع القيمة، فتصرف المالك بالبيع وغيره، ففي صحته وجوه: أصحها عند الجمهور كما قال الرافعي، أن لا يصح، لأن صحته تؤدي إلى إبطال ما ثبت للمعتق من الولاء.
وثانيها: نعم.
وثالثها: يصح العتق دون غيره.
الرابع عشر: إذا قال الشريكان للعبد المشترك: إذا متنا فأنت حر، فلا يعتق العبد ما لم يموتا جميعًا.
إما على الترتيب أو معًا، لأنهما علقا عتقه بموتهما.
ثم فصل الرافعي في ذلك في أوائل التدبير، فقال: وإن ماتا معًا ففي "الكافي" للروياني وجه: أن الحاصل عتق تدبير لاتصاله بالموت.
والظاهر: أنه عتق لحصول الصفة كتعلق العتق بموته وموت غيره، والتدبير إن تعلق العتق بموت نفسه.
وإن ماتا على الترتيب فعن أبى إسحاق: أنه لا تدبير أيضًا.
والظاهر أنه إذا مات أحدهما يصير نصيب الثاني مدبرًا لتعلق العتق بموته؛ وكأنه قال: إذا مات شريكي فنصيبي منك مدبر، ونصيب الميت
стр. 2438
لا يكون مدبرًا، وهو بين الموتين للورثة، فلهم التصرف فيه بما لا يزيل الملك كالاستخدام والإجارة، وليس لهم بيعه، لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك الآخر.
وقيل: لهم بيعه، لأن أحد شرطي العتق لم يوجد.
الخامس عشر: الدار التي استحقت للمعتدة بالحمل أو بالأقراء أن تعتد فيها، لا يجوز بيعها لأن حق المرأة يتعلق بها، والمدة غير معلومة بخلاف عدة الوفاة.
السادس عشر: إذا اشتري دابة فأنعلها، ثم اطلع على عيب فيها، وكان قلع النعل يؤدي إلى التعييب فردها للمشتري، وترك النعل للبائع فإنه يجبر على قبوله، وليس للمشتري طيلب قيمة النعل، ثم ترك النعل هل هو تملك من المشتري فيكون للبائع لو أسقط، أم إعراض فيكون للمشتري؟ وجهان، أشبههما: كما قاله الرافعي هو الثاني.
وإذا علمت ذلك فيمتنع بيعه على المشتري لما تقدم في دار المعتدة.
السابع عشر: إذا أعار أرضًا للدفن، فإنه لا يرجع فيها قبل أن يبلي الميت لما فيه من هتك حرمته بالنبش، ولو أراد بيع تلك البقعة لم يجز لجهالة مدة البقاء.
الثامن عشر: إذا فعل الغاصب بالمغصوب ما يقتضي انتقاله إليه، كما لو خالطه، بما لا يتميز، ونحو ذلك مما ذكروه في الغصب كالتعييب الساري للهلاك، فإنه يجب عليه البدل، ولا يمكن أن يوجبه عليه مع بقاء المغصوب في ملك المغصوب منه، لئلا يجتمع في ملكة البدل والمبدل فتعين انتقاله إليه، ولا يمكن أن يجوز للغاصب التصرف فيه، لأن المغصوب منه لم يرض بذمته فتعين الحجر عليه.
التاسع عشر: إذا أوصى بعين تخرج من الثلث، وباقي ماله غائب
стр. 2439
فيحجر على الموصى له في الثلثين لاحتمال التلف.
والأصح أن لا ينفذ تصرفه في الثلث أيضًا، وإن تيقنا أنه له كما أن الوارث لم يمكن من التصرف في الثلثين.
العشرون: الحجر على من اشترى عبدًا بشرط الإعتاق، فإنه لا يصح بيعه، ولو كان بشرط الإعتاق على الأصح كما قاله الرافعي، لأن العتق مستحق عليه.
الحادي والعشرون: الحجر على السيد في بيع أم الولد.
الثاني والعشرون: إذا أقام شاهدين على ملك [سلعة] (١)، ولم يعدلا، فإن الحاكم يحيل بينهما وبين المدعى عليه على الصحيح، فإذا أحال امتنع عليه بيعها وهبتها وغير ذلك مما بينوه في الباب الثاني من كتاب الشهادات، وفيما قبل الحيلولة وجهان.
الثالث والعشرون: إذا اشتري عبدًا بثوب مثلًا، وشرطا الخيار لمالك العبد، فالملك فيه له، ويكون الملك في الثوب باقيًا على من بذله، لئلا يجتمع الثمن والمثمن في ملك رجل واحد، وحينئذ لا يجوز لمالكه التصرف فيه [قبل فسخ مالك العبد لئلا يؤدي إلي إبطال ما ثبت فيه من الخيار] (٢).
الرابع والعشرون: إذا رهن جارية، ثم وطئها فحبلت منه وهو معسر، فإن الاستيلاد لا ينفذ على الصحيح، فلو حل الحق وهي حامل لم يجز بيعها على الأصح، لأنها حامل بحر، وإذا ولدت لا تباع حتى تسقي الولد اللبن ويجد مرضعة، خوفًا من أن يسافر بها المشتري فيهلك الولد،
стр. 2440
كذا قاله الرافعي.
ولو قيل بالبيع وإلزام الإقامة كما في الحرة وأمة الغير، لكان متجهًا.
الخامس والعشرون: إذا أعطى الغاصب القيمة للحيلولة، ثم [ظفر بالمغصوب] (١)، فله حبسه إلي استرداد القيمة، كذا نقله الرافعي في باب الغصب عن نص الشافعي، ثم مال إلى خلافه، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه بطريق الأولى.
السادس والعشرون: بدل العين الموصي بمنفعتها إذا تلفت حكمه حكمها.
السابع والعشرون: أعطى لعبده قوته، ثم أراد عند الأكل إبداله، قال الروياني: ليس له ذلك.
وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل.
الثامن والعشرون: إذا نذر إعتاق عبد نفسه، فإنه لا يخرج عن ملكه إلا بالاعتاق، ومع ذلك لا يجوز له التصرف فيه بخلاف ما إذا نذر الصدقة بدرهم بعينه، فإنه يزول ملكه عنه إلي الفقراء.
ولو أوصى بإعتاقه أو بوقفه كان كالنذر.
التاسع والعشرون: إذا دخل عليه وقت الصلاة وعنده ما يتطهر به، فلا يصح بيعه ولا هبته على الصحيح لحق الله تعالى، وهكذا قياس السترة ونحوها، كالذي يعتمد عليه العاجز عن القيام، والمصحف الذي يقرأ منه غير الحافظ.
الثلاثون: إذا وجبت الكفارة على الفور، وكان في ملكه ما يجب عليه التكفير به، فقياس ما سبق امتناع تصرفه فيه، ولا يحضرني الآن
стр. 2441
نقله.
ومن عليه دين لا يرجو وفاءه، أو وجبت عليه كفارة لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل ففي صحة ذلك نظر.
قوله: ويدخل وقت إمكان الاحتلام باستكمال تسع سنين، وقيل: بمضي ستة أشهر من العاشرة، وقيل: باستكمالها، وهذه الوجوه كالوجوه في أقل سن الحيض، لكن العاشرة هاهنا بمثابة التاسعة هناك، لأن في النساء حدة في الطبيعة.
ولا فرق في إفادة خروج المني البلوغ بين الرجال والنساء. انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الدعوى بأن محل الأوجه في العاشرة، وليس ذلك على إطلاقه، بل محله في الصبي، أما الصبية فوقت احتلامها كوقت حيضها كما صرح به المتولي، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" وتعليل الرافعي يرشد إليه، وعلى هذا فيأتي فيه ثلاثة أوجه، أول التاسعة، ووسطها، وآخرها.
وكلام "الدقائق" للنووي غير مستقيم، فإنه قال: قولهما -يعني "المحرر" و"المنهاج"- وقت إمكان المني استكمال تسع سنين يتناول مني الذكر والأنثى، وهذا هو المذهب، وقيل: منيها كحيضها. هذه عبارته.
قوله: وفيه وجه آخر أن خروج المني لا يوجب بلوغ النسوة، لأنه نادر وعلى هذا قال الإمام: الذي يتجه عندي أن لا يلزمها الغسل، لأنه لو لزم لكان حكيمًا بأن الخارج مني، والجمع بين الحكم بأنه مني، وبين الحكم بأنه لا يحصل البلوغ به متناقض.
ولك أن تقول: إن كان التناقض مأخوذًا من تعذر التكليف بالغسل مع
стр. 2442
القول بعدم البلوغ، فنحن لا نعني بلزوم الغسل سوى ما نعنيه بلزوم الوضوء على الصبي إذا أحدث، فبالمعنى الذي أطلقنا ذلك، ولا يكلف مطلق هذا، وإن كان غير ذلك فلابد من بيانه. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعليل هذا الوجه بالندور يدل على أن المراد إنما هو الخروج بالاحتلام، فاعلمه فإن خروج المنى بالجماع كثير لا نادر.
الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الإمام مقتصرًا عليه، ثم قال: وفيه نظر.
لكن الإمام مع قوله ما قال: صرح بأن ظاهر كلام الأصحاب: أنه يجب عليها الغسل منه، فاعلم ذلك.
واقتصار الرافعي على ما قاله يوهم أن ذلك هو الموجود في النقل.
الأمر الثالث: أن الاعتراض الذي اعترض به الرافعي على الإمام اعتراض ضعيف جدًا، فإن التناقض ليس مأخوذا من التكلف، بل من غيره.
وقد أوضح الإمام ذلك إيضاحًا بينًا لا يحتاج إلى إعادته، وحاصله أنه مأخوذ من اللازم للتكليف بالغسل، وهو كونه منيًا.
قوله: وفي شعر الإبط وجهان، قال القاضي الحسين والإمام وآخرون: هو كالعانة.
وصحح صاحب "التتمة": أنه لا أثر له، ونبات اللحية والشارب فيه هذان الوجهان؛ لكن فرق صاحب "التهذيب" فألحق الإبط بالعانة [دون اللحية والشارب. انتهى.
وحاصله أنه ليس فيه تصريح] (١) بتصحيح، وكذلك حكى في "الروضة" وجهين فقط.
стр. 2443
والأصح في هذه الصور كلها أنها لا تلحق بالعانة. كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: في شعر الإبط وجهان: أظهرهما: أنه لا عبرة به، لأنه لو جاز الاعتماد عليه لما كشفوا عن المؤتزر في قصة بني قريظة. هذا لفظه.
وإن كان الأصح عدم العبرة بالإبط، فعدم العبرة باللحية والشارب أولى لما تقدم من كلام "التهذيب".
قوله: فرع: الخنثي المشكل إذا خرج من ذكره المنى، ومن فرجه الحيض حكمنا ببلوغه على الأصح، لأنه ذكر أمني أو أنثى حاضت.
والثاني: لا لتعارض الخارجين وإسقاط كل منهما حكم الآخر، وإن وجد أحد الأمرين فجواب عامة الأصحاب: أنه لا يحكم ببلوغه لجواز أن يظهر من الآخر ما يعارضه.
والحق وهو ما قاله الإمام: أنه ينبغي الحكم بذكورته وأنوثته، ثم إن ظهر خلافه غيرنا الحكم. انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: قال صاحب "التتمة": إذا أنزل الخنثى من ذكره أو خرج الدم من فرجه مرة لم يحكم ببلوغه، وإن تكرر حكم به. وهذا الذي قاله حسن وإن كان غريبًا، والله أعلم. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد صحح في باب الغسل أنه لا فرق في أحكام المنى بين أن يخرج من الفرج المعتاد، أو من غيره كالصلب ونحوه، فلا منافاة بين الحيض وخروج المنى من الذكر.
الأمر الثاني: أن الاستدلال بالحيض على الأنوثة وبالمنى عليها أو على الذكورة شرطه التكرار، والرافعي والإمام استندا في تصويب الأخذ بأحد الأمرين إلى القياس على الأخذ بالذكورة والأنوثة، فعلم أن صورة ذلك في التكرار أيضًا.
стр. 2444
وإذا علمت جميع ذلك تعجبت لقول النووي إنه غريب، فإن هذا هو المجزوم به، ولا شك أنه توهم عدم اشتراط التكرار هناك لكونهم هنا أهملوه.
الأمر الثالث: لا شك أن هذا التوقف إنما هو قبل استكمال خمس عشرة سنة، فإذا استكملها حكم ببلوغه بالسن، وإذا استحضرت ذلك فاعلم أن الشافعي قد نص على المسألة على خلاف ما رجحه الرافعي، وقد سبق إيضاحه في باب الحدث فراجعه، وقد سبق الكلام على كونه حيضًا في باب الأحداث.
قوله: ومن التبذير الإنفاق في المحرمات، وأما الصرف إلى الأطعمة النفيسة التى لا تليق بحاله فقال الإمام والغزالي: تبذير، وقال الأكثرون: ليس بتبذير. انتهى ملخصًا.
وما قاله من كون الإسراف في النفقة ليس بتبذير، يلزم منه أن لا يكون محرمًا، لأنه قد قرر [أن] (١) كل صرف في شيء محرم تبذير بخلاف العكس.
إذا علمت ذلك، فقد ذكر بعد هذا في قسم الصدقات ما يخالفه، فقال في الكلام على الغارم: وإذا كان غرمه في معصية كالخمر والإسراف في النفقة لم يعط قبل التوبة انتهى.
وقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"الشرح الصغير"، واقتصر في "المحرر" على المذكور في هذا الباب.
والسبب في وقوع هذا الاختلاف: أن الغزالي مثل بذلك في قسم الصدقات تبعًا للقاضي حسين، فتبعه الرافعي على المثال غير مستحضر ما قرره في موضعه.
стр. 2445
قوله: واعلم أن كلام المصنِّف هنا وفي "الوسيط" مصرح بأن عود التبذير أو الفسق لا أثر له، وإنّما المؤثر عودهما جميعًا، وليس كذلك، بل الأصحاب مطبقون على أن عود التبذير كافٍ في الحجر كما سبق. انتهى.
واعلم أن أصل الغزالي من "الوسيط" قد وجد على الصواب، فإنّه ضرب على الأوّل وأصلحه بالمقالة المشهورة.
كذا نبه عليه ابن الصلاح وتبعه النووي في "الروضة".
قوله: وقول "الوجيز": ثم يلي أمره القاضي أم وليه في [الصغر] (١)؟ وجهان، وموضع الوجهين ما إذا قلنا: إن الحجر يعود بنفسه، أنها إذا قلنا: إن القاضي هو الذي يعيده فهو الذي يلى أمره بلا خلاف. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، ففي "الإشراف" للهروى: أن القاضي إذا حجر عليه ففي الولاية والحالة هذه وجهان:
أحدهما: أنها للقاضي.
والثاني: للأب أو الجد.
وحكاهما أيضًا في "الكفاية" عنه، وسلم النووي في "الروضة" من هذا الاعتراض فإنّه لم يصرح بنفي الخلاف.
قوله: ولو اشترى -أي المحجور عليه- وقبض أو استقرض، فتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان. . . . إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله من عدم الضمان، محله إذا قبضه البائع وهو رشيد.
стр. 2446
فأمّا إذا قبضه السفيه بغير إذن البائع، أو أقبضه إياه البائع وهو صبي أو محجور عليه بسفه، فيضمنه بالقبض قطعًا، كذا قاله الأصحاب.
ونبه الرافعي على المسألة الثانية في البيع، وقيد ذلك بما إذا لم يكن القبض بإذن الولي، وذكر في "الروضة" هنا المسألتين من "زياداته"، ولم يعز الثّانية إلى كلام الرافعي ولم يقيدها.
الأمر الثاني: أنه يشترط في عدم الضمان مع ما تقدم أن لا يطالبه البائع به، فإن طالبه فامتنع ضمن، كذا رأيته في "شرح المختصر" للداوودي، وهو المشهور بالصيدلاني، وهو ظاهر.
قوله: أنها إذا أذن له الولى وعين له تصرفًا، وقدر له العوض ففيه وجهان:
أظهرهما عند الغزالي: أنه يصح.
وأصحهما عند البغوي: المنع.
وعلى الوجهين يخرج ما إذا وكله غيره في شيء من هذه التصرفات، وما إذا اتهب أو قبل الوصية لنفسه. انتهى.
وهذه المسائل قد ذكرها في "الشرح الصغير" كما ذكرها في "الكبير" وفيها أمور:
أحدها: أن الأصح من هذين الوجهين المذكورين في أصل المسألة هو البطلان، كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وعبر بالأظهر عند الأكثرين.
الأمر الثّاني: أن جريان الوجهين في التوكيل، قد تابعه النووي عليه هنا، وصرح -أعني النووي- في كتاب الضمان بما حاصله أن جريانهما فاسد، وذلك لأن الوكيل يطالب بالثمن بلا خلاف إذا لم يعترف البائع بوكالته، وكذا إن اعترف بها في الأصح.
وعلى هذا -أى القول بالمطالبة- يكون الوكيل كالضامن، والموكل
стр. 2447
كالمضمون عنه، ويجيء فيه الكلام في اعتبار شرط الرجوع، هكذا قاله الرافعي في كتاب الوكالة.
وإذا تقرر أنه كالقياس، فاعلم أن الرافعي خرج إذن الولي للسفيه فيه -أي في الضمان- على الإذن له في البيع، فرد عليه النووي وقال: إن التخريج فاسد.
قال: لأن البيع إنما صح على وجه، لأنه لا يأذن إِلَّا فيما فيه ربح أو مصلحة، والضمان غرر كله فلا مصلحة. هذا كلام النووي.
فإذا تقرر أن الإذن في التوكيل كالإذن في الضمان، وأن الإذن في الضمان فاسد كما قاله النووي، لزم أن يكون الإذن في التوكيل أيضًا فاسدًا عنده، فموافقته هنا على صحته سهو فتفطن له.
الأمر الثالث: أن الأصح من الخلاف في اتهابه هو الصحة كما ذكره في "الروضة"، ونقله في "النهاية" عن الأكثرين.
نعم إذا فرعنا على أن الهِبَة تقتضي الثّواب، هل يستثني ذلك هنا أم يخرج على ذلك الخلاف حتّى يبطل إن أوجبنا الثّواب، أم يفصل بين العالم بسفهه والجاهل؟ فيه نظر.
الرّابع: أنه إذا وكله غيره في قبول النكاح، فإنه يصح على الصّحيح كما ذكره الرافعي في كتاب الوكالة، بخلاف التوكيل في الإيجاب، فإن الصحيح امتناعه، وكلامه هنا يقتضي امتناعهما معًا.
قوله: ولو أقر السفيه بإتلاف أو جناية توجب المال، فقولان: أصحهما: أنه لا يقبل. انتهى.
وما ذكره هنا من أن الخلاف قولان، قد ذكر خلافه في كتاب دعوى الدم والقسامة فجزم بأنه وجهان.
стр. 2448
وتبعه في "الروضة" على الموضعين، ووقع هنا في "الشرح الصغير" و"المحرر" و"المنهاج" أنه قولان كما في "الكبير".
قوله: ولو أقر بنسبه ثبت وينفق على الولد المستلحق من بيت المال. زاد في "الروضة" فقال: كذا قاله الأصحاب في كلّ طرقهم يقبل إقراره بالنسب، وينفق عليه من بيت المال قطعًا، وشذ الروياني فقال في "الحلية": يقبل إقراره بالنسب في أصح الوجهين، وينفق عليه من ماله، وهذا شاذ نبهت عليه لئلا يغتر به. انتهى كلامه.
وما ذكره النووي مستدركًا به على "الحلية" من اتفاق الأصحاب في كلّ الطرق على ثبوت الإقرار، وعلى الإنفاق من بيت المال عجيب، فقد صرح بالخلاف في قبوله جماعة، منهم: القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ في "الشامل" كلاهما في أثناء باب الإقرار في الكلام على مسألة أولها قال الشافعي: ولو أقر لوارث فلم يمت، وصرح بنقل الخلاف فيهما معًا أيضًا في "البحر" في آخر باب الحجر، وبالغ فيه فإنّه حكى في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: لا يقبل بالكلية.
ثم قال ما نصه: والثاني: يثبت نسبه وينفق عليه من ماله، لأن الإقرار يثبت النفقة تبعًا لا مقصودًا، وهو الأشهر. هذا لفظه بحروفه.
ثم حكى الثالث المعروف: أنه يثبت وينفق عليه من بيت المال، فقد صرح بنقله وزاد عليه فقال: إنّه الأشهر.
وإذا تأملت ذلك قضيت العجب مما قاله النووي، فلذلك حكيت ما حكيت حتى لا تغتر بكلامه هو في هذه المسألة، حيث قال في حق الروياني: إنّه نبه على كلامه حتّى لا تغتر به، ولو طالع المبسوطات خصوصًا إذا كان المبسوط لمن يحاول الاعتراض عليه لا نكف عن كثير مما تقدم عليه من التغليط والإنكار للأمور المشهورة، كما أوضحناه في كتابنا هذا.
стр. 2449
قوله: ولو نذر التصدق بعين مالٍ لم ينعقد، وفي الذمة ينعقد. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وكلامهما في النذر يقتضي أنه لا يصح منه نذر القرب المالية مطلقًا، وستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله من "زياداته": وفيه وجه حكاه صاحب "الحاوي" والقاضي حسين والمتولي: أنه يلزمه التكفير بالمال. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن القاضي من الحاكين له وجهًا أيضًا، وليس كذلك، بل هو جازم به كما ذكره في "تعليقه"، وقاسه على المبعض.
[قوله: ] (١) ولا يبيع عقاره إِلا لحاجة كالنفقة والكسوة، ثم قال: أو بغبطة مثل أن يكون يقبل الخراج أو يرغب فيه شريك، أو جار بأكثر ثمن مثله، وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن. انتهى.
وما ذكره من وجدان مثله هو من باب المثال، وليس هو على سبيل الاشتراط، ولهذا لم يشترط في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير" ولا في "التنبيه"، وأقره عليه في تصحيحه، ولم يعتبر أيضًا أكثر الأصحاب، وأوهم ابن الرفعة أن كلام الإمام مصرح به، وليس كذلك.
وقوله أيضًا: وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن ليس للتقييد أيضًا، بل لو وجد خيرًا منه بذلك الثمن كان كذلك، صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبغوي والخوارزمي وغيرهم.
فإن وجد مثله بمثله فالمتجه المنع [لأنه عيب فتلخص أن المعتبر هو -الحظ والمصلحة] (٢)، ويبقي النظر فيما إذا لم [يبحث عن وجدان عقار] (٣) بالصفة المذكورة، فيحتمل أن يقال: إن كان الغالب وجدانه في
стр. 2450
الحال أو بعده بقليل لو بحث فيجوز وإلا فيمتنع.
قوله: وإذا باع الأب أو الجد عقارًا [للطفل] (١)، ورفع إلى القاضي سجل على بيعه، ولم يكلفه إثبات الحاجة أو الغبطة بالبينة، لأنه غير متهم، وفي بيع الوصي والأمين لا يسجل إِلَّا إذا قامت البينة على الحاجة أو الغبطهّ. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: وفي احتياج الحاكم إلى ثبوت عدالة الأب والجد [ليسجل] (٢) لهما أو ليحكم بالصحة وجهان حكاهما في "البيان"، والله أعلم.
وما ذكره هنا من حكاية وجهين من غير ترجيح، قد ذكرهما قبل ذلك من "زوائده" أيضًا بزيادة الترجيح للاكتفاء بالعدالة الظاهرة، وستكون لنا عودة إلى هذه المسألة في باب الحضانة إن شاء الله تعالى فراجعه.
ثم إن مقتضى التعليل السابق في الأب: استثناء الأم من الأوصياء، وما كان من هذا القبيل، فتفطن لذلك.
قوله: وإذا باع ماله نسيئة زاد على ثمنه نقدًا، وأشهد عليه وارتهن به رهنا وافيًا، فإن لم يفعل ضمن. انتهى.
وللمسألة شروط أخرى ذكرها في "الروضة" من "زياداته" في كتاب الرهن فقال: قال صاحب "الحاوي" وشيخه الصيمري وصاحب "البيان" وآخرون من العراقيين: إنا إذا جوزنا البيع نسيئة، فشرطه كون المشتري ثقة موسرًا، ويكون الأجل قصيرًا.
قال: واختلفوا في حد الأجل الذي لا يجوز الزيادة عليه، فقيل:
стр. 2451
سنة، وقال الجمهور: لا يتقدر بها، بل يعتبر عرف الناس. انتهى.
قوله: ولا يهب أمواله لا بشرط الثواب ولا دونه، إذ لا يقصد بالهبة العوض. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق المنع، لكن إذا شرط ثوابًا معلومًا كان بيعًا على الأصح، تجرى عليه أحكام البيع كلها نظرًا للمعنى، كذا ذكره في كتاب الهبة.
وحينئذ فينبغي أن يجوز ذلك حيث يجوز البيع، ويؤيده تصريح الإمام بذلك في المكان، فإنه لما منعه من الهِبَة لكونها تبرعًا، استثنى هذه المسألة، ونقله عنه الرافعي [هناك وأقره، وجزم به في "الروضة"، ولم يخصه بالإمام كما خصه الرافعي] (١) واقتضى ذلك كله وجوب استثنائها.
قوله في أصل "الروضة": وإن كان الولي فقيرًا وانقطع نسبه عن الكسب، فله أخذ قدر النفقة وفي "التعليق" له أخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة المثل. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الأخذ لا يحتاج إلى إذن الحاكم، جزم به ابن الصلاح في "فتاويه".
الثاني: أنه إنما عبر بالتعليق وأطلق، لأن نسخ الرافعي مختلفة، ففي بعضها أنه تعليق الشيخ أبي حامد، وفي بعضها أنه الشيخ أبى محمد، وحكى في "الروضة" من "زياداته": أن هذا المنقول عن التعليق، نص عليه الشافعيّ، وأنه المعروف في كتب أكثر العراقيين.
الأمر الثالث: أن تعبيره بالولى تبع فيه الرافعي، وليس بجيد، والصواب التعبير بالوصي، كما عبر صاحب "التنبيه": لأن الولى
стр. 2452
يدخل فيه الأب والجد، ولا خلاف أنهما عند الحاجة يأخذان قدر الكفاية، وسواء كانا صحيحين أم لا.
قال ابن الرفعة: لأنه وإن كان صحيحًا قادرًا على التكسب، لكنه قد تعذر عليه الكسب بسبب حفظ المال.
قوله في المسألة: وهل عليه ضمان ما أخذ كالمضطر، أم لا كالإمام إذا أخذ الرزق من بيت المال؟ فيه قولان. انتهى.
والراجح منهما أنه لا يضمن، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أشبه الوجهين، والنووي في "الروضة"، إنه الأظهر، ولم يذكر المسألة في "المحرر".
قوله: يجب على الولى أن ينفق عليه ويكسوه بالمعروف، ويخرج من ماله الزكوات وأروش الجنايات، وإن لم يطلب، ونفقة القريب بعد الطلب. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من توقف نفقة القريب على الطلب، لا يستقيم إذا كان المنفق عليه مجنونًا أو طفلًا أو زمنًا يعجز عن الإرسال ونحو ذلك كالمعتوه والمبرم ومختلط العقل لهرم.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يقتضي وجوب أداء الدين قبل طلبه لتصريحه بوجوب الإخراج، وفيه كلام يتعين الوقوف عليه سبق إيضاحه في كتاب الفلس فراجعه.
الأمر الثالث: أن كلامه يوهم أن الضمان يجب بإتلاف الصبي مميزًا كان أو غير مميز، وفيه اضطراب، سوف أذكره إن شاء الله تعالي في أوائل الجنايات فراجعه.
стр. 2453
قوله: ومنها: ليس لغير القاضي إقراض مال الصبي، إِلَّا عند [الضرورة بهدٍ] (١) أو حريق، وإذا أراد سفرًا، ويجوز للقاضي الإقراض، وإن لم يعرض شيء من ذلك لكثرة أشغاله، وسوى أبو عبد الله الحناطي بين القاضي وغيره. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد حكى في آخر باب القضاء على الغائب عن صاحب "التلخيص": أنه يجوز أيضًا للأب.
وظن النووي هناك أنه تقدّم هنا فأسقطه، فلزم خلو"الروضة" عنه.
الثاني: أن كلامه ليس فيه بيان أن الحناطي سوى بينهما في الجواز والمنع، والظاهر أنه أراد المنع، ويدل عليه أن الرافعي في آخر القضاء على الغائب، وهو قبيل القسمة حكى عن صاحب "التلخيص": أن الأب يجوز له ذلك كالقاضي، ثم قال: وهذا وجه آخر، أى غير ما تقدّم في الحجر.
فلو كان المنع لكان قد سبق، وإن كان أعم، وقد بينه بذلك في أصل "الروضة" فقال: وفي وجه: القاضي كغيره، هذا لفظه.
فعلم أن مراد الرافعي التسوية في المنع، وصرح بذلك أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
الأمر الثالث: أن ما نقله عن الحناطي فيه نظر، فقد ذكر الحناطي المسألة في "فتاويه"، وجزم بالتفصيل، وفرق بكثرة اشتغال القاضي.
الأمر الرابع: أن ما قاله الرافعي من جواز القرض للقاضي خاصة سبقه إليه البغوي، لكن نقل صاحب "الشامل" في كتاب الفلس: أن الشافعيّ نصّ على أنه لا يجوز لولى الصبي إقراض ماله، ولم يفصل بين القاضي
стр. 2454
وغيره، فإنه لما تكلم على بيع أموال المفلس، وما يفعل في أثمانها قال ما نصه: مسألة: قال -يعني الشافعي-: وإن وجد الإمام [ثقة يسلفه] (١) المال حالًا لم يجعله أمانة، ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: أليس قد قال الشافعيّ: إن ولى الصبي يودع ماله ولا يقرضه؟ ، فالفرق عندي أن مال الصبي معيد لمصلحة تظهر له من شراء عقار أو تجارة، وقرضه يتعذر معه المبادرة إلي ذلك، ومال المفلس وجد للغرماء خاصة فافترقا، هذا لفظه.
وذكر الرافعي في باب القراض، أن شرط المقرض أن يكون أهلًا للتبرع، وهو صريح في منع القاضي منه.
وقال الهروي في "الإشراف" ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية": إن المذهب أنه لا يجوز أيضًا للقاضي ذلك.
وأطلق المنع أيضًا الشيخ أبو حامد والقاضي حسين والمحاملي والفوراني والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ في تجارة الموصي، والإمام والغزالي والجرجاني والمتولي والروياني وصاحب "العدة" وصاحب "البيان".
قوله من "زياداته": يستحب للحاكم إذا حجر على السفيه أن يشهد على حجره، وحكي في "الحاوي" و"المستظهري" عن أبى على بن أبي هريرة وجهًا: أنه يجب الإشهاد. انتهى كلامه.
واعلم أن قائل هذا الوجه، وهو ابن أبي هريرة يقول: إن الإشهاد شرط في صحة الحجر، كذا صرح به الماوردي، وعلله بأن المقصود من الحجر إظهار منعه من التصرف في ماله ليتحفظ الناس من معاملته، وهذا المعني لا يصح إِلَّا بالإشهاد، وعبارة "المستظهري" أيضًا تشعر به.
فإنه عبر بقوله: وهل يفتقر الحجر إلى الإشهاد؟ فيه وجهان، وكلام النووي في حكاية هذا الوجه غير وافٍ، بل هو موهم خلاف المراد.
قوله أيضًا من "زياداته": وإذا كان للصبي أو السفيه كسب أجبره
стр. 2455
الولى على الاكتساب ليرتفق به في النفقة وغيرها، حكاه في "البيان". انتهى كلامه.
وما نقله عن "البيان" في الصبي والسفيه ليس كذلك، بل إنما ذكره في الصبي خاصّة نقلًا عن أبي إسحاق، ولا يلزم من إجباره للصغير، لكونه يستقل بإجارته أن يجبر السفيه، فإن السفيه لو أجر نفسه بغير إذن وليه ففي صحته خلاف، حكاه ابن الرفعة في "الكفاية" عن القاضي وجهين، وعن "الإشراف" للهروى قولين.
وقال الماوردي: إن كان فيما هو مقصود من عمله، مثل أن يكون صائغًا وعمله مقصود في كسبه [لم يجز، ويولى الولى العبد عليه، وإن كان غير مقصود الحج أو وكالة وليس عمله مقصودًا في كسبه] (١) لاستغنائه صح لأن له أن يتطوع بهذا العمل. هذا كلام الماوردي.
ومع ذلك لا يلزم من شيء من هذه النقول أن يجب عليه التكسب، ولا إجباره عليه، وكذلك توقف ابن الرفعة في "المطلب" في وجوب العمل عليه.