قال ﵀:
الحكم الثاني: العهدة
قوله: وإن اعترف البائع بوكالته فهل يطالب الوكيل أم الموكل أم من شاء منهما؟ فيه أوجه.
أظهرها الثالث. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هاهنا قد صحح في الكلام على خلع الأجنبي عكسه، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله في المسألة: التفريع إن قلنا بالأول فهل للوكيل مطالبة الموكل قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، لأن بعضهم قال: يثبت الثمن للبائع على الوكيل وللوكيل مثله على الموكل بناء على أن الوكيل يثبت له الملك، ثم ينتقل إلى الموكل.
فعلى هذا للوكيل مطالبته بما ثبت له، وإن لم يؤد ما عليه.
وقال آخرون: ينزل الوكيل منزلة المحال عليه الذي لا دين عليه، فعلى هذا ففي رجوعه قبل الغرم وجهان كالمحال عليه. والأصح المنع. انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من تصحيح عدم الرجوع قبل الغرم بناء على التنزيل الثاني لا يستقيم، وذلك لأنه قد تقدم في كتاب الحوالة أن هذه الحوالة لا تبرئ المحيل على الصحيح، بل حقيقتها حقيقة الضمان.
وقيل: إنها تبرئه، وتقدم أنه يرجع قبل الغرم إن قلنا بالبراءة، وإن قلنا بالأول فلا.
والوجه الأول من هذا التنزيل لا يوافق الوجه الذي ساقه لتقريره، بل
стр. 2557
إنما يوافقه الوجه الثاني القائل بالبراءة، لأن الوجه الذى ساقه لأجله قائل [بأن المطالب الوكيل وحده، فلا يستقيم جعل الوجه الأول مأخذًا] (١) له، بل المقصود من ذكره توجيهه بالوجه الثاني القائل بالبراءة.
وحينئذ فيطالب الموكل [فثبت، أنها إذا قلنا بمطالبة الوكيل وحده كان له مطالبة الموكل] (٢) قبل الغرم على الصحيح لأجل المأخذين اللذين ذكرهما هو بخلاف ما صححه.
قوله: ولك أن تقول، لا خلاف أن للوكيل أن يرجع على الموكل في الجملة، وإنما الكلام في أنه متى يرجع، وبأي شيء يرجع؟ . . . . إلى آخر ما قال.
تابعه في "الروضة" أيضًا على دعوى عدم الخلاف، وهو غريب ففي "الوسيط" وجه أنه لا رجوع للوكيل بما أعطاه من الثمن أصلًا، وكأن الوكيل اشترى للموكل [بمال] (٣) نفسه، كما يحكى عن ابن سريج أنه جوزه.
قوله: ولو قال: اشترِ في الذمة واصرف هذه الألف إلى الثمن فتلف في يد الوكيل بعد الشراء لم ينفسخ العقد، ولكن هل ينقلب إلى الوكيل فيلزمه الثمن، أو يبقى للموكل وعليه مثل الدراهم، أو يقال للموكل: كذا أردته فادفع مثل تلك الدراهم، وإلا فيقع عن الوكيل، وعليه الثمن؟ ، فيه ثلاثة أوجه. انتهى ملخصًا.
لم يذكر المسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر"، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا من هذه الأوجه، لكن الأصح في نظيره من القراض أن العقد ينقلب إلى العامل، ويلزمه ألف كما ستعرفه إن شاء الله تعالى واضحًا.
стр. 2558
والأصح في نظيره من العبد المأذون، وتقدم أن المذكور في القراض أرجح، فيلحق به.
قوله: ولو أرسل رسولًا يستقرض له فاستقرض فهو كوكيل المشتري في مطالبته ما في مطالبة وكيل المشتري بالثمن، والظاهر أنه يطالب به، ثم إذا غرم رجع على [الوكيل] (١). انتهى كلامه.
وما ذكره من أن وكيل المستقرض كوكيل المشتري في المطالبة، قد صحح خلافه في الزكاة في الكلام على التعجيل، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
ونقل الإمام في الزكاة الخلاف في إلحاقه بوكيل الشراء، وفرق بأن الوكيل في الشراء يقول: اشتريت، وهذه الكلمة ملزمة، والوكيل بالاستقراض لم يصدر منه ما يقتضي الضمان.
وهذا الفرق من الإمام يدل على أن الوكيل بالاستقراض لا يقول: اقترضت، بل أقرضت موكلي، وفيه نظر.
وقال ابن الرفعة في "الكفاية": لا يطالب إذا صرح بالسفارة، فإن لم يصرح ففيه خلاف.
стр. 2559
الحكم الثالث: الجواز من الجانبين
قوله: ففي انعزاله قبل بلوغ الخبر إليه قولان:
أحدهما: لا، كما أن حكم النسخ لا يلزم المكلف قبل بلوغ الخبر.
وأصحهما: الانعزال.
ثم أجاب عن النسخ فقال: وأما النسخ فلا فرق بينه وبين ما نحن فيه، لأن حكم النسخ إما إيجاب إمتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عند الاعتداد به.
فالإيجاب لا يثبت قبل العلم لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة، لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال، والنوع الثاني ثابت هنا أيضًا قبل العلم حتى يلزمه القضاء. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن النسخ بمعنى إخراج الأول عن الاعتداد ثابت قبل العلم حتي يجب القضاء قول ضعيف للأصوليين وجمهورهم على أنه لا يثبت حكمه إلا بعد العلم أو التمكن منه، كما لا يثبت قبل نزوله من السماء كفرض خمسين صلاة، أو بعد نزوله وقبل أن يبلغه جبريل إلى النبي ﷺ .
وقد ذكرت ذلك في "شرح منهاج الأصوليين"، والدليل على ما قلناه أن أهل قباء لما أتاهم الخبر بنسخ القبلة في الصلاة استداروا، ولو كان كما يقوله الرافعي من ثبوت الحكم لكانت صلاتهم باطلة، ويلزم القضاء، وقد استدل -أعني الرافعي- في باب استقبال القبلة بقصة أهل قباء على أنه ينحرف في الصلاة عند تغير الإجتهاد إذا قلنا: لا يجب
стр. 2560
القضاء.
قوله في المسألة: وإذا قلنا: ينعزل، فينبغي للموكل أن يشهد على العزل، لأن قوله بعد تصرف الوكيل: كنت عزلته، لا يقبل. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم القبول تابعه عليه في "الروضة" وليس على إطلاقه، بل صورته ما إذا أنكر الوكيل العزل.
أما إذا وافقه ولكن قال: كان بعد التصرف، فإنه يكون كدعوى الزوج بعدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف، كذا قاله الرافعي بعد هذا الباب الثالث المعقود للاختلاف.
قوله: وفي الأعمى وجهان:
أظهرهما وبه قال في "الكتاب": إنه كالمجنون في اقتضاء [الانعزال] (١).
والثاني: وهو الأظهر عند الإمام وبه قال في "الوسيط": إنه لا يقتضي العزل.
واحتج له بأن المغمي عليه لا يلتحق بمن يولى عليه، والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل أو الموكل بمن يولى عليه. انتهى كلامه.
وهذا الاحتجاج للإمام، ولم يذكره الغزالي في "الوسيط" فتفطن له، فإن كلامه موهم، حتى وقع ابن الرفعة في الغلط بسببه.
قوله: لو وكل السيد عبده ببيع أو تصرف آخر، ثم أعتقه أو باعه أو كاتبه ففي انعزاله وجهان.
وفصل بعضهم فقال: إن كان بلفظ الوكالة لم ينعزل، وإن كان بلفظ الأمر انعزل. انتهى ملخصًا.
زاد في "الروضة" على تصحيح الماوردي والجرجاني أنه ينعزل
стр. 2561
مطلقًا، ولم يذكر تصحيحًا غيره.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الراجح عند الرافعي منها هو الثالث، كذا ذكره في "الشرح الصغير" فقال: إنه أقرب الوجوه، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصحح النووي في "تصحيح التنبيه" انعزاله مطلقًا، وكأنه استند لما قاله في "الروضة".
نعم صحح الرافعي في مداينة العبد: أن العبد المأذون ينعزل بالبيع والعتق، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما نقله في "الروضة" عن الماوردي من الانعزال في العتق والبيع ليس كذلك، بل إنما صححه في البيع، وعلله بأن منافعه مستحقة لغيره، ولم يصحح في العتق شيئًا، بل نسب الانعزال إلى ابن سريج.
قوله: ولو وكل عبدًا لغيره بإذن المالك فباعه مالكه، ففي ارتفاع الوكالة وجهان أيضًا، فإن أبقيناها في هذه الصورة والتي قبلها فيلزمه استئذان المشتري، فإن لم يستأذن نفذ تصرفه لدوام الإذن، وإن ترك واجبًا.
قال الإمام: وفيه احتمال: انتهى ملخصًا.
عبر في "الروضة" في أول هذه المسألة بقوله: وعبد غيره كعبده، وهو يشمل زوال ملكه عنه بالاعتاق وغيره.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الأصح في عبد غيره عدم الانعزال، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، وقال في "زيادات الروضة": إنه المذهب الذي جزم به الأكثرون.
قال: وطرد صاحب "التهذيب" فيه وجهين في عبد نفسه، فتابعه
стр. 2562
الرافعي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في "الروضة" من تقليد الرافعي البغوي في ما تفرد به من طرد الوجهين غريب، فإن الوجهين ثابتان قديمًا عند ابن سريج فمن بعده.
وممن حكاهما عن ابن سريج صاحب "البحر".
الأمر الثالث: أن محل الخلاف في هذه الصورة هو فيما إذا أمره السيد ليتوكل لغيره.
فأما إذا قال: إن شئت فوكل لفلان، وإن شئت فلا، ثم أعتقه أو باعه فلا ينعزل قطعًا كالأجنبي، كذا قاله ابن سريج، ونقله عنه الروياني في "البحر"، وجزم به أيضًا الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما، وكذلك صاحب "البيان"، ونقله في "الروضة" عنه خاصة، وأقره.
واقتصاره عليه مع شهرة هذه الكتب غريب، ونقل الشيخ أبو محمد عن ابن سريج في عبد نفسه مثله أيضًا.
الأمر الرابع: أن الرافعي قد ذكر في معاملة العبيد أنه لا يصح توكيل العبد في البيع والشراء بغير إذن سيده على الأصح لما فيه من تعلق العهدة، وأشار في أوائل هذا الباب إلى ذلك أيضًا.
وتبعه النووي عليه قال: بخلاف قبول النكاح.
وحينئذ فكيف يصح التصرف بغير استئذان السيد فيما إذا وكل عبده ثم باعه أو عبد غيره وباعه مالكه، وقلنا ببقاء الوكالة.
فأما إذا تنزلنا وقلنا ببقاء الوكالة فيزول المانع من جهة صاحب السلعة، وهو الموكل، فما الذي أزال مانع السيد، وهو تعلق العهدة.
واعلم أن انتقال الملك إلى الورثة بموت السيد يشبه انتقاله بالبيع،
стр. 2563
وكذلك الهبة أيضًا، وما نقلناه عن الرافعي في باب معاملة العبيد يقتضي أن نفس التوكيل -وهو الإيجاب- لا يصح، ويحتمل أن يقال: بصحته ويكون التصرف موقوفًا على إذن المالك.
قوله: ولو أنكر الوكيل الوكالة فهل يكون عزلًا؟ روى في "الوسيط" فيه أوجه: أصحها ثالثها: إن كان لنسيان أو غرض في الإخفاء لم ينعزل وإلا انعزل، ولم أعثر على المسألة في "النهاية"، لكنه أورد قريبًا من هذه الأوجه في إنكار الموكل أيضًا. انتهى ملخصًا.
وعبر في "الروضة" عما حكاه عن الإمام بقوله: ولو أنكر الموكل التوكيل ففي انعزاله الأوجه، ومقتضاه أن الصحيح فيه أيضًا التفصيل.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر في الباب الثاني من كتاب التدبير كلامًا يخالفه من وجهين، وتبعه عليه في "الروضة"، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لأمور أخرى يتعين الوقوف عليها فراجعها.
ونقل في "المطلب" هنا عن الجوري بضم الجيم: أن إنكار الوكيل لا يكون عزلًا لنفسه.
الأمر الثاني: أن الإمام لم يحك في إنكار الموكل إلا وجهين: أصحهما: أنه لا يكون عزلًا.
وأشهرهما: أنه يكون عزلًا.
ثم أبدى الثالثة احتمالًا، وهذا هو السر في تعبير الرافعي بقوله: قريبًا من هذه الأوجه.
قوله: فأما إذا شرط فيها جعلًا معلومًا وعقد بصيغة الوكالة فيمكن تخريجه -يعني الجواز من الجانبين- على أن الاعتبار بصيغ العقود أم بمعانيها. انتهى كلامه.
стр. 2564
وما ذكره الرافعي بحثًا قد نقله صاحب "البحر"، فإنه حكى وجهين، والحالة هذه في أنها هل هي جائزة أو لازمة؟ .
قوله: ونختم الباب بصور نوردها على الاختصار.
لو وكل رجلًا بالبيع فباع، ورد عليه المبيع أو أمره بشرط الخيار فشرط ففسخ البيع لم يكن له بيعه ثانيًا خلافًا لأبي حنيفة. انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة"، واعلم أن ما ذكره في الرد بالعيب مسلم على كلام يأتي فيه أيضًا.
وأما ما ذكره في البيع بشرط الخيار فليس على إطلاقه، بل إن كان الخيار لا ينقل الملك عن البائع جاز البيع ثانيًا، وإن نقل امتنع كما جزم به هاهنا، وقيل: لا يمتنع، وإن نقل الملك.
هكذا ذكره الرافعي قبيل الكلام على حكم المبيع قبل القبض، فعلى هذا إن كان شرط الخيار في مسألتنا للمشتري لم يجز البيع على الصحيح، وإن شرط للبائع أو لهما جاز لما علم في البيع أن الخيار إن كان لأحدهما فالملك له، وإن كان لهما فموقوف.
فإن فسخ تبينا أنه للبائع وإلا فللمشتري فتفطن لذلك فإنه مهم.
وقد يقع الرد بالعيب أيضًا في زمن الخيار فيكون فيه هذا التفصيل، وإن وقع بعده امتنع.
وحكى الرافعي هنا فيه وجهين أيضًا.
قوله: ولو أمره بالبيع أو الشراء فهل له شرط الخيار لنفسه أو للموكل؟ فيه وجهان. انتهى.
والأصح الجواز، كذا صححه الرافعي في البيع في الكلام على الخيار، وصححه في "الروضة" من زوائده.
стр. 2565
قوله في "الروضة": إذا وكله ببيع عبد أو شرائه فلا يجوز العقد على بعضه لضرر التبعيض، ولو فرضت فيه غبطة، وفيه وجه شاذ. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يستثنى ما إذا باع ذلك البعض بقيمة الجميع، فإنه يصح بلا خلاف، كذا ذكره النووي في "تصحيحه" وابن الرفعة في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه صحة العقد في البعض [إما بشرط] (١) الغبطة وهو المتبادر من كلامه، وإما مطلقًا وليس كذلك، بل حاصل كلام الرافعي حكاية خلاف في صورة أخرى، فإنه قال: ولو أمره بشراء عبد وبيع عبد لم يكن له أن يعقد على بعضه لضرر التبعيض ولو كان فيه غبطة كما إذا أمره بشراء عبد بألف فاشترى نصفه بأربع مائة ثم نصفه الآخر أيضًا بأربع مائة فكذلك، ولا ينقلب الكل إليه بعد انصراف العقد عنه، وفيه وجه ضعيف، هذه عبارته.
وحاصله حكاية الخلاف في الانصراف وهو المذكور في "الكفاية" لابن الرفعة والاعتراض الأول وارد أيضًا على الرافعي.
قوله: ولو قال: ادفع هذا الذهب إلى صائغ، فقال: دفعته فطالبه الموكل ببيانه، قال القفال: يلزمه البيان فلو امتنع صار متعديًا حتى لو بينه بعد ذلك، وكان قد تلف في يد الصائغ لزمه الضمان.
قال القفال: والأصحاب يقولون: لا يلزمه البيان. انتهى.
قال في "الروضة": هذا المنقول عن الأصحاب ضعيف أو خطأ.
قلت: يقرب من هذه المسألة ما إذا كانت عنده شهادة سمعها اتفاقًا أو تحملها قصدًا أو لم يعلم بها صاحب الحق، فيستحب له اعلامه بها كما
стр. 2566
جزم به ابن الرفعة في "الكفاية" في الكلام على المبادرة بالشهادة.
وليس في الشرحين و"الروضة" تصريح بشيء، بل سياق مثله فيهن يسعر بالوجوب، فإن ثبت ذلك فالوجوب هنا بطريق الأولى.
قوله: قال لرجل: بع عبدك لفلان بألف، وأنا أدفعه إليك فباعه له، قال ابن سريج: يستحق البائع الألف على الأمر دون المشتري، فإذا غرم الآمر رجع على المشتري. انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي هنا عن ابن سريج واقتصر عليه فالصحيح خلافه، كذا صرح به الرافعي في كتاب البيع في الكلام على البيوع المنهى عنها.
واعلم أن ما قاله ابن سريج مخالف لما قاله الأصحاب من ثلاثة أوجه:
أحدها: لزوم الألف للآمر، لأنه إن وعد فالوعد لا يجب الوفاء به، وإن ضمن لم يصح لأنه ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه.
والثاني: عدم مطالبة المشتري، لأن الوعد لو وجب والضمان لو صح لم يكن مسقطًا لمطالبة الديون لأن الثمن على المشتري، ولم يؤخذ من الملتزم ما يقتضي عدم وجوبه عليه، ولهذا أجاب بالرجوع.
والثالث: حكمه بالرجوع بدون إذن المشتري سواء قلنا بالوعد أو بالضمان، وسكوت الرافعي هنا على نقله غريب.
ونقل الماوردي عن ابن سريج مسألة أخرى قريبة من هذه فقال: لو قال لرجل: بع عبدك هذا على زيد بألف درهم وهي علىَّ دونه، فله حالان:
أحدهما: أن يكون هذا الآمر هو المتولى للعقد فيصح، ويكون مشتريًا لغيره بثمن في ذمته فيعتبر حال زيد المشتري له، فإن كان مولًا عليه أو أذن فيه كان الشراء للعاقد.
стр. 2567
الحال الثاني: أن يكون زيد هو العاقد فوجهان:
أحدهما: يصح ويكون العقد لزيد بلا ثمن، والثمن على الضامن الآمر. قاله ابن سريج.
والثاني -وهو الصحيح-: أن البيع باطل، لأن عقد البيع ما أوجب بتمليك المبيع عوضًا عن المالك، وهذا مفقود هنا فبطل.
فعلى هذا لو قال: بع عبدك بألف درهم على زيد وخمسمائة علىّ، ففعل فعن ابن سريج: العقد صحيح، وعلى المشتري ألف درهم، وعلى الآمر خمسمائة.
وعلى الصحيح العقد باطل، هذا كلام الماوردي، ومسألة ابن سريج فيه صورتها أن يكون الثمن على غير المشتري وهى غير صورة الكتاب، ولم يستحضر في الروضة هنا ما ذكره الرافعي في البيع.
واعترض على ما نقله عن ابن سريج فقال: الصواب أنه لا يلزم الأمر شيء لأنه ضمان ما لم يجب، ولا جرى سبب وجوبه.
واستشكل الرجوع بأن من قضى دين غيره بغير إذنه لا يرجع قطعًا، وما قاله جميعه يدل على ما قلناه من أن الثمن في صورة الكتاب على المشتري غير أن البائع لا يطالب.
ثم نقل -أعني النووي- كلام الماوردي متوهمًا أنها المسألة حتى قال في آخرها: إن ما نقله الرافعي عن ابن سريج من الرجوع مخالف لما نقله الماوردي عنه، وهذا الذي قاله ليس كذلك فاعلمه.
وقال في الباب الرابع من أبواب الخلع: قال لرجل: بع عبدك لفلان بكذا وعلىّ ألف، فباعه لم يستحق على القائل شيء، وقال الداركي: يحتمل أن يستحق كالتماس الطلاق والعتق، ولو قال: [بعه] (١) عبدك بألف في مالى لم يستحق على القائل شيئًا، هذا كلامه.
стр. 2568
قوله: وإذا قال: اشترِ لي عبد فلان بثوبك هذا، أو بدراهمك ففعل حصل الملك للآمر، ورجع عليه الأمور بالقيمة أو المثل، وفي وجه لا يرجع إلا أن يشترط الرجوع. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن شراء الوكيل للموكل يصح تارة بالنية وتارة بالتصريح، ولا يكفي في هذه المسألة أن يقتصر على النية، حتى لو اقتصر عليها وقع العقد للوكيل دون الموكل، كذا جزم به الرافعي في كتاب البيع في أول الكلام على الشرط الثالث من شروط البيع، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا الموضع بنحو صفحة ما يشكل على ما ذكره في هذه المسألة فقال: قال لرجل: أسلم في كذا وأدِّ رأس المال من مالك ثم ارجع علىّ.
قال ابن سريج: يصح ويكون رأس المال قرضًا على الآمر.
وقيل: لا يصح، لأن القراض لا يتم إلا بالإقباض، ولم يؤخذ من المستقرض قرض. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الأصح عند الشيخ أبى حامد وصاحب "العدة" أنه لا يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا الذي قاله أبو العباس سهو منه، قال: وقد نص الشافعي ظنى في كتاب الصرف أن ذلك لا يجوز والله أعلم. هذا كلامه.
وقد سبق في الكلام على شروط المبيع طرف صالح من هذه المسألة فراجعها.
стр. 2569
قوله: ولو وكله عمرو في استيفاء دينه من زيد فقال زيد: خذ هذه العشرة قضاءًا لدين فلان [فهذا محتمل لكونه وكيله في إعطاء عمرو ولكونه أعطاه بوكالة. انتهى] (١).
قال في "الروضة": المختار أنه عند الإطلاق إقباض بوكالة عمرو.
قوله من "زياداته": قال في "الحاوي": لو شهد لزيد شاهدان عند الحاكم أن عمرًا وكله، فإن وقع في نفس زيد صدقهما جاز له العمل بالوكالة، ولو رد الحاكم شهادتهما لم يمنعه ذلك من العمل بها، لأن قبولها عند زيد خبر، وعند الحاكم شهادة.
وإن لم يصدقهما لم يجز له العمل بها، ولا يغني قبول الحاكم شهادتهما عن تصديقه. انتهى.
واعلم أنه ينبغي تصوير هذه المسألة بما إذا كان زيد المشهود له هو الذى ادعى وأقام الشهادة لا غيره، ففي الرافعي في باب القضاء على الغائب: أن المدعى لو تعلق بشخص وقال: أنت وكيل فلان الغائب، ولم يعلم الوكيل فقال لا أعلم، فهل للمدعي إقامة البينة على وكالته؟ وجهان:
أصحهما: لا، لأن الوكالة حق له فكيف يقام بينة بها قبل دعواه؟ .
قوله: قال: اشترِ لي عبد فلان بثوبك هذا أو بدراهمك، ففعل حصل الملك للآمر، ورجع عليه الأمور بالقيمة أو المثل، وفي وجه ضعيف: لا يرجع إلا إذا شرط عليه الرجوع. انتهى.
هذه المسألة فيها تفصيل ذكره الرافعي في الشرط الثالث من شروط البيع.
قوله أيضًا من "زياداته": الرابعة: وكله أن يتزوج امرأة، ففي اشتراط
стр. 2570
تعينها وجهان في "البيان" وغيره، والأصح أو الصحيح الاشتراط والله أعلم.
وما قاله ﵀ من تصحيح البطلان، قد رجح خلافه في كتاب النكاح في الطرف الخامس من باب بيان الأولياء وأحكامهم.
والغريب أنه أيضًا من "زياداته" كما ستعرفه.
стр. 2571
الباب الثالث في الاختلاف
قوله: ولو وكله في شراء جارية فاشتراها الوكيل بعشرين وزعم أن الموكل أذن فيه، وقال الموكل: ما أذنت إلا في الشراء بعشرة، نظر إن وقع الشراء بالعين، ولم يذكره في العقد، وقال بعده: إنِي اشتريت له وصدقه البائع فالعقد باطل. انتهى.
تابعه في "الروضة" على البطلان إذا صدقه أن الشراء وقع للغير مع أنه لابد من شرط أخر. ذكره في "المحرر" و"المنهاج" وهو الاعتراف بأن المال الذي اشتراه به لغيره، لأنه لو قال لغيره: اشترِ لي كذا بدراهمك فاشتراه له، ولم يصرح باسم الوكيل، بل نواه فإنه يقع لنفسه كما ذكره الرافعي في كتاب البيع في الكلام علي بيع الفضولي.
فإذا كان كذلك فلا يلزم من اتفاقهما على أن الشراء للغير أن يبطل العقد، بل لابد مع ذلك من الاتفاق على كون المال لغيره.
قوله: وإن كذبه البائع وقال: إنما اشتريته لنفسك والمال لك، حلف على نفي العلم بالوكالة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه كيف يستقيم الحلف على نفي العلم، مع أن الحلف يكون على نفي الجواز، وهو لم يجب بنفي العلم بل أجاب بالبت.
الثاني: كيف يصح الاقتصار في التحقيق على نفي العلم بالوكالة مع أنه لو أنكر الوكالة، ولكن اعترف بأن المال لغيره كان كافيًا في إبطال البيع، فينبغي أن يحلف على نفي العلم بهما جميعًا كما يجب بهما
стр. 2572
جميعًا، بل يكفي التحليف على المال لما ذكرناه فتأمله.
قوله: وإن كان الشراء في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل بل نواه كانت الجارية للوكيل والشراء له ظاهر، وإن سماه فإن صدقه البائع بطل الشراء لاتفاقهما على أنه للغير، وإن كذبه وقال: أنت مبطل في تسميته، فهل يكون كما لو اقتصر على النية أم يبطل الشراء؟ وجهان: أصحهما: صحته ووقوعه للوكيل. انتهى.
وما ذكره هاهنا من بطلان الشراء لأجل اتفاقهما على أنه للغير، وقد سبق منه في أواخر الباب الذي قبله ما يخالف فإنه قال: وأما الشراء المخالف لأمر الموكل فإن وقع بعين مال الموكل فباطل، وإن وقع في الذمة نظر إن لم يسم الموكل وقع عن الوكيل، وكذا إن سماه على أصح الوجهين، وبلغوا التسمية لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه ولم يكن صرفه إليه صار كأنه لم يسميه.
والثاني: العقد باطل. هذا ملخص ما ذكره قبله.
قوله: فإن قبلنا قول الموكل بيمينه، فإن كان الوكيل صادقًا فالجارية للموكل، وللوكيل عليه الثمن، فهو كمن له على رجل دين فظفر بغير جنس حقه من ماله فيبيعه.
ثم قال ما نصه: وهل يباشر البيع بنفسه أم يرفع الأمر إلى القاضي حتي يبيعه؟ فيه وجهان:
الأصح هاهنا: أن له بيعها بنفسه، لأن القاضي لا يجيبه إلى البيع لأن المظفور بماله في سائر الصور يدعي المال لنفسه، وتسلط غيره عليه قد يستبعد، وهاهنا الموكل لا يدعي المال لنفسه. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك النووي في "الروضة" ومقتضاه أن الظافر بغير جنس حقه في باقي الصور لا يستقل ببيعه على
стр. 2573
الصحيح، لكن في التحالف: أنه يستقل على الأصح.
قوله في "الروضة": فرع: دعوى الوكيل تلف المال مقبولة بيمينه قطعًا، وكذا دعواه الرد إن كان بلا جعل، وإن كان يجعل على الأصح، وقد ذكرناه في كتاب الرهن. انتهى كلامه.
وما تلخص منه في الوكيل بالجعل من عدم الخلاف عند التلف هو ما يقتضيه كلام الرافعي أيضًا، وليس كذلك.
فقد حكى عن أبي علي الطبري أن فيه الخلاف في الرد.
وحكاه أيضًا الماوردي في كتاب الإجارة، لكن في نفس الموكل فيه كالعين التي يبيعها دون مقابله كالثمن.
وإن اختلفا في قبض الثمن فقال الوكيل: قبضته وتلف في يدي أو دفعته إليك وأنكر الموكل، فالأظهر أنهما إن اختلفا قبل تسليم المبيع فالقول قول الموكل، وإن كان بعده فالقول قول الوكيل.
ثم قال: وإذا صدقنا الوكيل فحلف ففي براءة ذمة المشتري وجهان: أصحهما عند الإمام: نعم لقبولنا قوله.
[قوله] (١): وأصحهما عند البغوي: لا، لأن الأصل عدم الأداء وإنما قبلنا من الوكيل في حقه لائتمانه. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وما صححه الإمام قد سبقه إلى تصحيحه القاضي حسين.
قوله في المسألة: فإن قلنا بالبراءة فوجد به عيبًا رده على من شاء منهما وغرمه الثمن، ولا يرجع أحدهما على الآخر.
ثم قال: ولو خرج المبيع مستحقًا، قال في "التهذيب": يرجع المشتري
стр. 2574
بالثمن على الوكيل لأنه دفعه إليه، ولا رجوع له على [الموكل لما مر انتهى.
وأشار الرافعى بقوله ولا رجوع له -أى للوكيل-] (١)، وهو صحيح.
وأما ما نقله عن صاحب "التهذيب" وأقره عليه من اختصاص رجوع المشتري بالثمن في هذه الحالة على الوكيل، فقد قاله أيضًا القاضي حسين والمتولي، وجزم به في "الروضة" وليس الأمر كذلك فاعلمه.
فقد سبق في الكلام على العهدة أن للمشتري مطالبة الوكيل والموكل بالثمن عند خروج المبيع مستحقًا في أصح الأوجه والمذكور هنا هو أحد تلك الأوجه.
قوله: وإذا ادعى قيم اليتيم أو الوصي دفع المال إليه بعد البلوغ لم يقبل إلا ببينة على الصحيح. انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الأب والجد يقبل قولهما، وليس كذلك، فقد جزم ابن الرفعة في "الكفاية" بأن حكمهما كذلك وكلام الشيخ في "التنبيه" كالصريح فيه.
قوله: ومن لا يقبل قوله في الرد كالغاصب إن كان عليه بينة بالأخذ فله أن يمتنع من الدفع إلا بالإشهاد، وإلا فوجهان:
أصحهما عند البغوي: له الامتناع.
والثاني: المنع لأنه يمكنه أن يقول: ليس عندي شيء ويحلف عليه، وهذا ما أورده العراقيون. انتهى.
عبر في "الروضة" بقوله: وبه قطع العراقيون، وليس التعبير بصحيح، فإن الماوردي من العراقيين، وقد جزم بالامتناع.
стр. 2575
وحكى القاضي أبو الطيب وجهين، وكذلك ابن الصباغ، واختار -أي ابن الصباغ- التفصيل بين أن يؤدي إلى تأخير التسليم أم لا.
قوله: إذا كان عليه دين لزيد فقال رجل: أنا وارثه فصدقه وجب الدفع إليه على المنصوص. انتهى.
صورة المسألة أن يقول: هو وارثه لا وارث له غيره.
كذا صرح به في "الكفاية"، وهو يؤخذ من كلامهم في الدعاوى [قوله: وإن قال أنا وكيله بالقبض منك فأقبضنيه وصدقه في دعوى] (١) الوكالة، فله دفعه، فإن دفع فحضر زيد وأنكر الوكالة فالقول قوله ويطالب الدافع، وهل له مطالبة القابض نظر إن تلف المدفوع عنده فلا.
وكذا إن كان باقيًا على الأصح، لأن الآخذ فضولي بزعمه.
وقال أبو إسحاق والشيخ أبو حامد: له مطالبته لأنه في معنى وكيل بالدفع.
ثم قال: فإن لم يصدقه [فلا يكلف الدفع إليه، فإن دفع ثم حضر زيد وحلف على نفى الوكالة غرم الدافع وكان له أن يرجع على القابض دينًا كان أو عينًا لأنه لم يصرح بصدقه] (٢). انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من جواز الدفع عند التكذيب مسلم في الدين، لأن الذي يعطيه ملكه.
وأما في العين فلا، لأنه تصرف في ملك الغير، وأما ما نقله عن الشيخ أبي حامد من جواز المطالبة، فقد نقل عنه الماوردي عكسه.
قوله: وكل يقبض دين أو استرداد وديعة فقال المديون والمودع: دفعت، وصدقه الموكل، وأنكر الوكيل هل يغرم الدافع بترك الإشهاد؟ وجهان كما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الإشهاد. انتهى.
والأصح منهما على ما قاله في "الروضة" أنه لا يغرم.
стр. 2576
كتاب الإقرار
وفيه أربعة أبواب:
الباب الأول في أركانه
وهي أربعة:
قوله: والإقرار إخبار عن حق سابق. انتهى.
واعلم أنه لابد من تقييد هذا الحق بكونه على المخبر، لأنه إن كان له على غيره فدعوى، وإن كان لغيره على غيره فشهادة.
قوله: وقول الغزالي: ينفذ إقراره بكل ما يقدر على إنشائه يحتاج إلى استثناء صورة. . . . إلى آخره.
لم يتكلم على عكس هذه القاعدة، وهو أن من لا يقدر على الإنشاء لا يقدر على الإقرار، وتستثني منها مسائل:
إحداها: إقرار المرأة بالنكاح.
والثانية: إقرار المجهول بالحرية، فإنه مقبول منه، مع أنه لا يقدر على إنشائه. وهاتان المسألتان استثناهما الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "القواعد الكبرى" واقتصر عليهما.
الثالثة: إقرار المفلس ببيع عين من الأعيان التي في يده.
الرابعة: إقرار الأعمى بالبيع أيضًا.
الخامسة: إقرار المريض لوارثه بأنه كان قد وهب وأقبضه.
السادسة: الإقرار [بالنسب] (١).
قوله: ولو ادعى أنه بلغ بالاحتلام، أو ادعت الجارية البلوغ بالحيض
стр. 2577
في وقت إمكانه صدقا، وإن فرض ذلك في خصومة لم يحلفا، لأنه لا يعرف ذلك إلا من [جهتهما فأشبه ما إذا علق العتق بمشيئة الغير، فقال: شئت يصدق من] (١) غير يمين. انتهى كلامه.
وما ذكره في التعليق بالمشيئة تابعه عليه في "الروضة"، لكن سيأتيك في تعليق الطلاق أن التعليق على الغير لا يشترط فيه الفور ولا الرضى بالقلب، بل المعتبر التلفظ ولو كان كارهًا.
وحينئذ فلا يستقيم ما ذكره من كونه لا يعلم إلا من جهتها، وإنما يستقيم على من يعتبر الرضى بالقلب.
قوله: وفي "التهذيب" وغيره: أنه إذا جاء واحد من الغزاة يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه احتلم حلف وأخذ السهم، فإن لم يحلف فوجهان. انتهى.
والصحيح أنه لا يعطى، كذا صححه الرافعي في كتاب الدعاوى.
وما قاله الرافعي في هذه المسألة من التحليف مشكل مخالف لما سبق قبله.
فإن ذكر أن الصبي إذا وقعت له مخاصمة وادعى فيها البلوغ بالاحتلام لا يحلف لأنهما إن صدق فلا يحلف وإن كذب فكيف يحلف، وذكر المسألة أيضًا في أول هذا الباب من "المحرر" وصحح عدم التحليف، وتبعه عليه في "المنهاج".
قوله: ولو أطلق المأذون الإقرار بالدين، ولم يبين جهته فينزل على دين المعاملة، أو لا ينزل على ذلك لاحتمال أنه أراد دين الإتلاف، أي حتى لا يقبل في حق السيد. فيه وجهان: أظهرهما: الثاني. انتهى كلامه.
стр. 2578
تابعه في "الروضة" على إطلاق ذلك، لكن هذا صحيح إذا تعذرت مراجعة المأذون، فإن أمكنت المراجعة روجع لأن إقراره مقبول.
وقد ذكر النووي هذا الاستدراك في نظير هذه المسألة، تقدم ذكره في أوائل الفلس.
قوله: وإذا أقر العبد بدين إتلاف أو غيره، وصدقه سيده فبيع وبقي من الدين شيء فهل يبيع إذا أعتق؟ فيه قولان مذكوران في الجنايات. انتهى.
والصحيح أنه لا يبيع به، قال في "الروضة" من "زياداته": إنه الجديد.
واعلم أن هذين القولين مستنبطان لا منصوصان على خلاف ما يوهمه هنا كلام الرافعي والنووي، كذا ذكره الرافعي في كتاب الديات.
قوله من "زياداته": قال البغوي: كل ما قبل إقرار العبد فيه كالعقوبات فالدعوى فيه تكون على العبد، وما لا يقبل كالمال المتعلق برقبته إذا صدقه السيد فالدعوى على السيد، فإن ادعى في هذا على العبد إن كان له بينة سمعت، وإلا فلا.
فإن قلنا: اليمين المردودة كالبينة سمعت رجاء نكوله، وإن قلنا: كالإقرار فلا. انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن البغوي من جواز الدعوى على العبد إذا كانت له بينة، وأقره عليه خلاف الراجح فاعلمه.
وكذلك أيضًا إذا لم تكن له بينة، وجعلنا اليمين المردودة كالبينة، فإن الصحيح على القول بأنها كالبينة أنها لا تتعدى إلى ثالث، بل تختص بالمتداعين، وقد ذكر المسألة على الصواب في المسألة الخامسة من الباب الثاني في جواز الدعوى، وذكر الأمرين اللذين ذكرتهما مع زيادات أخرى فراجعها.
стр. 2579
قوله: ويصح إقرار المريض لوارثه في أصح القولين.
ثم قال: فإن قلنا: لا يقبل، فالاعتبار بكونه وارثًا بحال الموت أو بحال الإقرار، قيل: فيه وجهان وقيل: قولان: أشهرهما الأول. انتهى.
والصحيح أن الخلاف وجهان، كذا صححه المصنف في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة"، ووقع في بعض نسخ الرافعي ترجيحه، فإنه أسقط لفظه قبل.
قوله: ولو أقر في مرضه أنه كان وهب لوارثه وأقبضه في الصحة، أشار الإمام إلي طريقين:
أحدهما: القطع بالمنع لأنه عاجز عن إنشائه.
والثاني: على القولين في الإقرار للوارث، ورجح الغزالي المنع، واختار القاضي حسين القبول. انتهى.
قال في "الروضة": القبول أرجح والله أعلم.
واختار صاحب "الحاوي الصغير" المنع.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الخلاف في هذه المسألة مفرع على أن الإقرار للوارث لا يقبل.
فإن قلنا: يقبل وهو الصحيح، فيصح هنا جزمًا، كذا ذكره الرافعي في آخر الباب الثاني من أبواب الطلاق، وكلامه هنا لا ينافيه، بل يشعر به عند التأمل، فتفطن له.
قوله: ولو أقر المريض بعين ماله لإنسان، ثم أقر بدين آخر مستغرق أو غير مستغرق سلمت العين للأول، ولا شيء للثاني، ولو عكس فوجهان:
أصحهما: أن الحكم كما في الصورة الأولى، لأن الإقرار بالدين لا يتضمن حجرًا في العين.
стр. 2580
ألا ترى أنه ينفذ تصرفاته فيه.
والثاني: يتزاحمان. انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه يشعر بنفوذ التبرعات من المريض الذي عليه ديون مستغرقة، وليس كذلك، فقد صرح بعدم النفوذ في كتاب الوصية قبيل الكلام على المسائل الحسابية.
وحينئذ فيحمل ما قاله هنا من عدم الحجر ونفوذ التصرفات على ما لا تبرع فيه.
نعم لو قضى في مرضه ديون بعض الغرماء لم يزاحمه غيره إن وفى المال بجميع الديون، وكذا إن لم يف على الصحيح المعروف، قاله الرافعي في الوصية.
قوله: وقول "الوجيز": ولو قال: نسئت الحمار على ألف لزمه لمالكه المراد ما إذا صرح بأنه لمالكه، وإلا لم يلزم أن يكون لمالك الدابة في الحال، ولكن نسأل ونحكم بموجب بيانه. انتهى.
وتوجيه ما قاله أنه يحتمل أن يكون الغرم لغير مالكها بأن يكون أتلف شيئًا على إنسان وهي في يد المقر كما قاله الإمام، وأن يكون لمن كان مالكًا، فلذلك استفسر.
قوله: الثانية: إذا قال: لحمل فلانة على ألف فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يسنده إلى جهة صحيحة بأن يقول:
ورثه من أبيه، أو أوصى به فلان له فيعتبر إقراره.
ثم إن انفصل ميتًا فلا حق له.
وإن انفصل حيًا، فإن انفصل لما دون ستة أشهر من يوم الإقرار استحقت، وإن انفصل لأكثر من أربع سنين فلا لتيقن عدمه يومئذ، فإن
стр. 2581
أشهر أو لأكثر ولدون أربع سنين، فإن كانت مستفرشة لم يستحق، وإلا فقولان: أظهرهما: الاستحقاق. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما دل عليه كلامه من اعتبار المدة من حين الإقرار قد تابعه عليه في "الروضة"، وكيف يستقيم القول به؟ ، بل الصواب اعتبارها من حين سبب الاستحقاق، لأن وجوده عند الإقرار مع عدمه عند تسبب الاستحقاق لا يفيد.
الأمر الثاني: أن هذا الترجيح الذي ذكرته، قد صرح به الرافعي في الشرحين "الكبير" و"الصغير" وعبر بالأظهر كما عبرت به، وحذفه النووي من "الروضة" حالة اختصاره، ثم ذكره من "زياداته" وهو غريب.
قوله في المسألة: وإن أطلق صح أيضًا في أصح القولين ويحمل على الجهة الممكنة.
ثم قال: فإن أسنده إلى جهة فاسدة بأن يقول: أقرضته، فإن لم يصح الإقرار بالمطلق فهو أولى، وإن صححناه فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين في تعقيب الإقرار بما يدفعه.
وأظهرهما: الصحة، لأنه عقبه بما هو غير معقود، ولا منتظم فأشبه ما إذا قال له: على ألف لا يلزمني. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله أن الأصح القطع باللزوم، ثم ذكر ما يخالفه في "المحرر" فقال: وإن أسنده إلى جهة لا تفرض في حقه فهو لغو. هذا لفظه، وهو تباين فاحش.
وقد استدرك في "الروضة" على ما قاله هنا، وصحح عدم اللزوم
стр. 2582
كما في "المحرر" و"المنهاج".
قوله: وإذا أقر بمال فكذبه المقر له ترك في يده، وقيل: ينزعه الحاكم.
وقيل: يجبر المقر له على القبول، وهو بعيد.
ثم قال: قال الشيخ أبو محمد: موضع الخلاف ما إذا قال المقر: هذا المال لفلان فكذبه.
فأما إذا قال للقاضي: إن في يدي مالًا لست أعرف مالكه فالوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه، وأبعد بعضهم فلم يجوز انتزاعه هنا أيضًا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي نقله عن الشيخ أبى محمد فيما إذا أقر به لغير معروف، وأقره عليه، وتابعه النووي فيه، ليس هو الصحيح فافهمه.
فقد ذكر في أربعة مواضع من هذا الكتاب ما يخالفه:
أحدها: في هذا الباب في آخر الكلام على هذا الركن فقال: إذا قال: لو أخذ من بني آدم ولا طالب له فيبقى في يده.
الثاني: في باب دعوى الدم والقسامة فقال: إنه مال ضائع، وفي مثله خلاف مشهور، هذا لفظه.
والمال الضائع له إمساكه في يده، وله إعطاؤه للحاكم كما ذكر في الزكاة في الكلام على الركاز وفي غيره أيضًا.
الثالث: في أول كتاب الدعاوى، فإنه حكى في ذلك وجهين ثم صحح أن الحاكم لا ينزعها.
الرابع: في الكتابة في الكلام على ما إذا أتى المكاتب بالنجوم فادعى السيد أنه مغصوب، وعبر في هذا الموضع وفيما قبله بالأصح.
стр. 2583
الأمر الثاني: أن هذه الأوجه تجرى في الدين كما تجرى في العين، وقد صرح به الرافعي في مواضع، منها: كتاب الشفعة في الكلام على ما إذا ادعى الشفيع الشراء وأنكر الذي بيده الشقص، وسوف أذكر المسألة هناك إن شاء الله تعالى، لكنه فيها يحتاج إلى التنبيه فراجعه.
وصرح به أيضًا الرافعي بعد هذا بقليل قبيل الركن الثالث، ووقع في "الكفاية" و"المطلب" أن الخلاف محله في العين.
قال في "المطلب": وأجراه ابن يونس شارح "التنبيه" في الدين أيضًا، ولم أره لغيره.
وما قاله ابن الرفعة غريب، وقد نبهت عليه في كتاب "الهداية إلى أوهام الكفاية".
قوله: ولو رجع المقر عن الإنكار وصدق المقر فقد حكى إمام الحرمين الجزم بقوله: وتسليم المقر إليه، ولكن الأظهر وهو الذي أورده المتولي وغيره: تفريعه على الخلاف السابق إن قلنا: يترك في يد المقر، فهذا حكم منا بإبطال ذلك الإقرار، فلا يصرف إلى المقر له إلا بإقرار جديد، وإن قلنا: ينزعه القاضي ويحفظه فكذلك لا يسلم إليه، ولو أراد إقامة البينة على أنه ملكه لم يسمع، وإنما يسلم إليه إذا فرعنا على الوجه البعيد. انتهى كلامه.
وما قاله لا يستقيم إلا على ذلك البعيد وهو القائل بأن المقر له يجبر على القبول لا يحتاج إلى رجوع، وليس التفريع عليه، فإذا لم يعطه إليه إلا على هذا الوجه البعيد لم يستفد من التفريع زيادة.
وذكره لهذا الكلام تطويل بلا فائدة، فكان ينبغي أن يقول: ولكن الأظهر أن حكمه كما لو رجع.
قوله: واستثنى صاحب "التلخيص" ثلاث ديون، ومنع الإقرار بها:
стр. 2584
أحدها: الصداق في ذمة الزوج لا تقر المرأة به.
والثاني: بدل الخلع في ذمة المرأة لا يقر الزوج به.
والثالث: أرش الجناية على الحر لا يقر به المجني عليه، لأنه لا يكون لغيرهم.
وحمل الأئمة ما ذكره على ما إذا أقربها عقب ثبوتها، بحيث لا يحتمل جريان ناقل، لكن سائر الديون أيضًا كذلك، فلا ينتظم الاستثناء، بل الأعيان كذلك حتى لو أعتق عبده، ثم أقر [أنه للسيد أو غيره] (١) بدين أو [عين] (٢) لم يصح. انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الحمل الذي ذكره وعزاه إلى الأئمة واقتضى كلامه الاتفاق عليه ليس كذلك، فقد نقل أبو حاتم القزويني في كتاب "الحيل" له ما حاصله: أن المشهور أنه لا فرق في عدم الصحة، عبر بقوله: لم يصح ذلك على المعول من المذهب، فلو أن هذا المقر قال: هذا لفلان بحق الحوالة الصحيحة لزمه الإقرار. هذا لفظه.
فلم ينظر إلى مضي الزمن وعدمه، بل إلى وجود هذا اللفظ وعدم وجوده، فجعل إيصاله موجبًا بالاتفاق وإن لم يمض زمن، وعدمه محلًا للخلاف فتأمله.
الأمر الثاني: أن دعواه اطراده في سائر الديون ليس كذلك.
فأمر إذا باعه مثلًا سلعة ثم أقر له بثمنها، فيجوز أن يكون وكيلًا عنه في البيع، فيكون الإقرار صحيحًا، وهكذا في القرض والإجارة والصلح، ومثل هذا لا يأتي في مسائل صاحب "التلخيص".
الأمر الثالث: أن الحصر في الثلاث غير مستقيم، فإن المتعة والحكومة
стр. 2585
والمهر الواجب عن وطء الشبهة وأجرة بدن الحر كذلك.
قوله: ولو أقر بحرية جارية قبل نكاحها منه -أى ممن يدعي رقها- لم يحل له وطئها. انتهى.
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، بل ينبغي كما قاله في "الروضة" أن يقال: إن أقر أن زيدًا أعتقها، ولم يكن لها عصبة صح تزويجه، لأنه إما مالك، وإما ولى حرة.
والذي قاله متجه، لكن ينبغي أن يضم إليه أن النكاح وقع بإذنها، وإلا فلا يأتي ما قاله لأنه غير صحيح على تقدير أن يكون وليًا.
قال الماوردي: ولا فرق هنا في نكاح المقر بين أن يكون ممن يحل له نكاح الأمة أم لا، وكانه نظر إلى إقراره بالحرية، وهو مشكل لأنا لم نصدقه فيما يتعلق بالسيد، ولهذا أوجبوا عليه المهر.
وحينئذ فيكون أولاده أرقاء، ويلزم منه أن يمتنع النكاح إلا عند وجود الشرائط، ثم إن القول بصحة النكاح من أصله مشكل، فإن البيع إنما صححناه لما يترتب عليه من الحرية.
ولهذا جعلناه افتداء من جهته، وأما النكاح فإن مقصوده وهو استباحة الوطء لا يترتب عليه، وهذا شرط في صحة النكاح، ثم إنه إذا امتنع تسليمها وامتنعت الخلوة بها لزم امتناع تسليم المهر.
قوله: ولو قال له قبلي ألف، قال في "التهذيب": هو دين، ويشبه أن يكون صالحًا للدين والعين جميعًا. انتهى.
وهذه المسألة ليست في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير"، والذي ذكره فيها على سبيل التفقه واختاره قد سبقه إليه الماوردي في "الحاوي"، وتبعه عليه أيضًا النووي وهو خلاف مذهب الشافعي، فإنه قد نص في "الأم" على ما إذا قال له: على ألف درهم، ثم فسرها بوديعة وأجاب
стр. 2586
فيها بما قاله الأصحاب من كونه لا يقبل إلا إذا كان متصلًا، ثم قال ما نصه: وكذلك لو قال له: قبلي ألف درهم فوصل الكلام أو قطعه كان القول فيها مثل المسألة الأولى إذا وصل أو قطع. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
ذكره في باب الإقرار والمواهب، ووقوع مثل هذا الموضع في هذا الكتاب ينشأ عنه فساد كبير في الحكم والإفتاء حيث تكون المسألة منصوصة لإمام المذهب، ثم يقتصر الرافعي على نقلها عن متأخر معدود في المصنفين لا يتوقف المتوقف في مخالفته، ولا يهاب الإقدام على رد مقالته بما ظهر له.
فحينئذ يخالف المذكور بما يظهر له لعدم وقوعه على غيره، ثم يقلده فيه من يأتي بعده فيحكم به، ويفتي كما وقع في هذه المسألة وأمثالها، ولبادروا إلى الجواب بما قاله الرافعي، وزعموا أنه مذهب الشافعي كما وقع هنا لصاحب "الحاوي الصغير" فإنه أجاب به، فنسأل الله الكريم الهداية إلى الصواب.
قوله من "زياداته": وقولنا: إقرار بالعين معناه أنه يحمل عند الإطلاق على أن ذلك عين مودوعة له عنده. قاله البغوي.
قال: حتى لو ادعى بعد الإقرار أنها كانت وديعة وتلفت، أو رددتها قبل قوله بيمينه، بخلاف ما إذا قلنا: إنه دين فإنه لو فسر بالوديعة لم يقبل، وإذا ادعى التلف لم ينفعه، بل يلزمه الضمان. انتهى كلامه.
وما ذكره عن البغوي وأقره عليه من أنه لا يقبل منه فيما صرفناه إلى الدين تفسيره بالوديعة، ودعوى تلفه أو رده قد ذكر بعده في الباب الثالث المعقود لتعقيب الإقرار بما يرفعه ما حاصله رجحان مخالفة هذا فقال: لو قال له: على ألف ثم ادعى بعد الإقرار أنها وديعة وأنها تلفت، فالذي
стр. 2587
نقله الإمام عن الأصحاب: أنه لا يقبل، وهو مشكل دليلًا ونقلًا.
أما الدليل: فكذا. وأما النقل: فمقتضي كلام غيره تصديقه.
وقد صرح به صاحب "الشامل" في موضعين من الباب. انتهى ملخصًا.
وصرح بتصحيحه في "المحرر" و"المنهاج".
نعم إن قال: في ذمتي له كذا لم يقبل تفسيره بالعين على الصحيح.
قوله: إذا قال: لي عليك ألف فقال في جوابه: أو خذ أو استوف، أو اتزن بهمزة الاستفهام لم يكن إقرارًا، لأنه ليس بالتزام، ولأنه يذكر للاستهزاء، وقيل: الأخير إقرار.
ولو قال: زنه أو خذه فليس بإقرار.
وقال الزبيدي في "الكافي": إنه إقرار، ولو قال: شده في هميانك أو اجعله في كيسك واختم عليه فهو كقوله: زنه. انتهى.
وهذا الذي نقله عن "الكافي" مردود، فقد راجعت كلامه في كتاب الإقرار، وهو بعد نصف الكتاب بقليل فرأيته لم يذكر ذلك إلا مع المضارع بهمزة الاستفهام.
ولم يذكر ما ذكره الرافعي من ألفاظ الأمر بالكلية، والمضارع المذكور أولى بالوجوب من الأوامر، بدليل الوجه الذي حكيناه عن الرافعي.
وحينئذ فلا يلزم من الوجوب مع المضارع وجوبه في الأوامر، بل رأيته قد خالف ذلك بالنسبة إلى المضارع أيضًا في كتابه المسمي "بالمسكت" في باب الإقرار وهو قريب من أواخر الكتاب، فإنه نقل عن العراقيين من أصحابنا هذه التفرقة في المضارع، ثم قال: وهما في القياس عندي واحد لأنه يقال: اتزن من فلان أو اتزن ممن لك عليه، وهكذا إذا قال:
стр. 2588
اتزنها. فهو محتمل لما وصفناه.
نعم إذا قال: اتزنها منى فهذا عندى إقرار. انتهى كلامه.
فتلخص أن الصور ثلاثة، وقد تكلم على جميعها، لكن مع المضارع خاصة، وأما مع الأمر فليس له فيها كلام في الكتابين، لا في "الكافي" ولا في الذي لم يقف عليه وهو "المسكت".
قوله في أصل "الروضة": ولو قال: أنا مقر به فهو إقرار. انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا كلامًا آخر يدل على اشتراط المخاطبة أى بأن يقول: أنا مقر لك به، فإنه قال: ولو قال: أنا مقر ولم يقل به، أو قال: لست منكرًا أو أنا أقر لم يكن إقرار الجواز أن يريد الإقرار ببطلان دعواه، أو بأن الله تعالى واحد، وهذا يدل على أن الحكم بأن قوله: أنا مقر به إقرار فيما إذا خاطبه فقال: أنا مقر لك به، وإلا فيجوز أن يريد به الإقرار به لغيره. هذا كلامه.
وهو ظاهر متجه، وإسقاط النووي له غريب.
قوله: ولو قال: أنا أقر لك به، فوجهان نسب الإمام إلى الأكثرين: أنه إقرار، وفي "التنبيه" كلام فإن العراقيين والقاضيان الحسين والروياني وغيرهم أجابوا بخلافه لاحتمال الوعد.
ولا يحكي الثاني إلا نادرًا، لكنه مؤيد بأنهم اتفقوا على أنه لو قال: لا أنكر ما يدعيه كان إقرار عين محمول على الوعد.
ورأيت بعض أصحاب العبادي أجاب بأن العموم إلى النفي أسرع منه إلى الإثبات، ولهذا عمت النكرة المنفية دون المثبتة. انتهى.
عبر في أصل "الروضة" بقوله: لأن العراقيين والقاضيين حسينًا والروياني قطعوا بأنه ليس كذلك، فإن القاضي أبا الطيب من كبارهم،
стр. 2589
وقد قال بأنه يكون إقرارًا، كذا رأيته في الكتاب الذي نقل عنه، ومصنفه ببعض أصحاب العبادى وهو "الإشراف" للهروي نقلًا عنه، ورأيت فيه الفرقال في ذكره الرافعي، وهو يقتضي أن الوعد في المضارع العاري عن لا أقرب من المقترن بها، وهو بالعكس لأن النحاة مع تسليمهم أن المضارع المثبت يحتمل الحال والاستقبال، اختلفوا في المنفي بلا.
فذهب جمهورهم إلى اختصاصه بالاستقبال، وقال: الأقلون هو باق على الاحتمال، وصححه ابن مالك.
وللمسألة إلتفات أيضًا إلى أن المشترك هل يحمل على جميع معانيه عند الإطلاق أم لا؟ فإن حملناه -وهو مذهب الشافعي- اتجه القول بأنه إقرار مع المثبت والنفي، لأن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال.
قوله: ولو قال: أبرأني عنه فإقرار، وقيل: لا لقوله تعالى في حق موسى ﵊: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (١) وتبرأته عن عيب الأدرة لا تقتضي إثباته هنا. انتهى.
واعلم أن الأدرة بهمزة مضمومة ودال مهملة ساكنة وراء مهملة هي نفخة في الخصية كما سبق إيضاحه في باب الأحداث، وكان موسى ﵇ يستتر عند غسله فكانت بنو إسرائيل يقولون: إنه آدر، فجاء ليغتسل يومًا فوضع ثوبه على حجر فمشي الحجر بثوبه إلى أن أتى إلى مكان فيه ملأ من بني إسرائيل -أى أشرافهم- فتبعه موسى ﵇ وجعل يضربه ويقول: ثوبي حجر -أي: دع ثوبي يا حجر- فرأه بنو إسرائيل، وليس به عِلّة" (٢) رواه مسلم في "صحيحه" بعبارات مختلفة.
قوله: اللفظ وإن كان صريحًا في التصديق فقد تنضم إليه قرائن
стр. 2590
تصرفه عن موضعه إلى الاستهزاء والتكذيب، ومن جملتها الأداء والإيراد وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار، فيشبه أن يحمل قول الأصحاب. إن صدقت وما في معناها إقرار على غير هذه الحالة.
فأما إذا اجتمعت القرائن فلا يجعل إقرارًا، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة كما لو قال: لي عليك ألف، فقال في الجواب على سبيل الاستهزاء لك علىّ ألف، فإن المتولى حكى فيه وجهين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبير الرافعي بقوله: وألا يراد هو بالدال في آخره، وكذا نقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" و"المطلب" ومن خطه نقلت، ومراده بذلك كيفية أداء الكلمة وإيرادها من الضحك معها، وغير ذلك.
ووقع في "الروضة" بغير دال ظنًا أن المراد الابراء من الدين، وهذا لا معنى له هاهنا.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين عن "التتمة" من غير ترجيح، ولكن لما حكى المتولى الوجهين قال عقبها ما نصه: وأصل المسألة إذا أقر بشيء ثم وصله بما يرفعه. هذه عبارته.
والأصح في المسألة التى فرع هذه عليها هو اللزوم والعجب من إهمال الرافعي لهذه المسألة التى تعلم منها الترجيح، ثم إن هذا الحكم لا يختص بهذا المثال الذي ذكره صاحب "التتمة" بلا شك، لاسيما والتعليل يرشد إليه، والسياق يدل عليه، فتوقف الرافعي غريب.
قوله: وإن قال: أليس لى عليك ألف؟ فقال: نعم، ففي كونه إقرار وجهان. . . . إلى آخره.
стр. 2591
والأصح على ما ذكره في "المحرر": أنه إقرار، وكلام الكتاب ربما يشعر به.
قوله: وإذا قال: اشترِ منى عبدى هذا، فقال: نعم، فهو إقرار منه للقائل كما لو قال: اعتق هذا، فقال: نعم، ويمكن أن يكون فيه خلاف مما سبق في الصلح فيما إذا قال بعنيه. انتهى كلامه.
وما ذكره في الإعتاق ذكر مثله في "الروضة"، ولا شك أن المسألة غير المسألة، فإن كان المراد أن يقول: أعتق عبدي، فلا شك أن الحكم واحد والاختلاف إنما هو بالأمثلة، فكيف يقيس إحداهما على الأخرى؟ .
قوله: ولو قال: لا أقر، ولا أنكر، فهو كسكوته فيجعل منكرًا، ويعرض عليه اليمين. انتهى كلامه.
وما قاله من كونه كالمنكر، ويعرض عليه اليمين قد قاله غيره، وأما كون هذا حكم السكوت، فليس مطابقًا لما قاله في الدعوى، فإنه قد قال في أول الباب المعقود لجواب الدعوى: فإن سكت وأصر على السكوت جعل كالمنكر فيرد اليمين على المدعى.
قوله: ولو ادعى عليه عبدًا في يده، فقال: اشتريته من وكيلك فلان فهو إقرار له، ويحلف المدعي على أنه ما وكل فلانًا بالبيع. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على جعله مقرًا بهذا اللفظ، وهو مشكل، لأنه لا يلزم من اعترافه بالشراء من وكيله اعترافه بأنه وكله في بيعه، فإن الوكيل كما يتصرف للموكل يتصرف لنفسه، فينبغي حمل ذلك على ما إذا ضم إليه لفظًا آخر يقتضي اعترافه بالتوكيل في بيعه كقوله: انتقل إلى عنك بالشراء من وكيلك، ونحو ذلك.
قوله في "الروضة": ولو قال: كان علىّ ألف لفلان، أو كانت هذه
стр. 2592
الدار في السنة الماضية له، فهل هو إقرار في الحال عملًا بالاستصحاب أم لا لأنه غير مقر في الحال؟ فيه وجهان.
قلت: ينبغي أن يكون أصحهما الثاني، وقد أشار إلى تصحيحه الجرجاني. والله أعلم.
ولو قال: هذه داري أسكنت فيها فلانا ثم أخرجته فهو إقرار باليد على الأصح، لأنه اعترف بثبوتها وادعى زوالها. انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي ذكره هنا قد خالفه في كتاب الدعاوى، فقال في الباب الخامس منه: ولو قال المدعى عليه: كان ملكه أمس، فالأصح وبه قطع ابن الصباغ: أنه يؤاخذ به إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: ولو قال: كان في يدك أمس فهل يؤاخذ بإقراره؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
قلت: الأصح المنع. والله أعلم.
فانظر إلى هذا الاختلاف الغريب، كيف صحح في هذا الباب من أصل الروضة أنه يؤاخذ بالإقرار باليد، ورجح من "زياداته" عدم المؤاخذة بالإقرار بالملك، وفي "الزيادات" أنه لا يؤاخذ بالإقرار باليد، وقد ذكر الرافعي في أوائل الباب ما يخالف ما نقلناه عنه أولًا فقال: ولو قال له: على ألف قضيته لم يقبل، ولو قال: كان له على ألف قضيته قبل على الصحيح فيهما.
الأمر الثاني: أن قوله: إن الجرجاني أشار إلى تصحيحه غريب، فإن الجرجاني قد ذكر ما هو أبلغ من التصريح بالتصحيح، فإنه لما حكى الوجه القائل باللزوم قال: إنه ليس بشيء، هذا في "الشافي".
стр. 2593
وعبر في "التحرير" بقوله: لم يكن إقرارًا، وقيل: يكون.
قوله: ولو قال: اقضِ الألف التي لى عليك، فقال: أعطى غدًا، أو ابعث من يأخذه، أو أمهلني [يومًا أو أمهلنى] (١) حتى أصرف الدراهم أو أفتح الصندوق، أو أقعد حتى تأخذ أو لا أخذ اليوم أو لا تدم المطالبة أو ما أكثر ما تتقاضى، أو: والله لأقضينك، فجميع هذه الصور إقرار عند أبي حنيفة.
وأما أصحابنا فمختلفون في ذلك، والميل إلى موافقته في أكثر الصور أكبر. انتهى.
وما ذكره من اللزوم في أعطى غدًا أو نحوه مما عرى عن الضمير العامل على المال المدعى به [مردود] (٢)، بل يتعين أن يكون التصوير عند انضمام الضمير كقوله: أعطيه ونحوه، فإن اللفظ بدونه يحتمل أن يراد به المذكور وغيره على السواء، ولهذا لو قال: أنا مقر به أو بما يدعيه أو لست منكرًا له كان إقرارًا، ولو لم يأت بالضمير فقال: أنا مقر أو لست منكرًا أو أنا أقر، فليس بإقرار كما ذكره الرافعي قبل هذا بقليل.
وحينئذ فيكون قول الرافعي: أنا نوافقهم في الأكثر للاحتراز عن هذه الصور فاعلمه.
نعم حذف في "المحرر" الثلاثة الأخيرة، وصرح بالترجيح في أكثر الصور وعينها فقال: ولو قال: اقضِ الألف التى لي عليك، فقال: نعم أو أقضي غدًا أو أمهلني يومًا أو حتى أقعد وأفتح الكيس أو أجد، فإقرار في الأشبه. انتهى، وعبر في "المحرر" بالأصح.
стр. 2594
قوله: ولو قال معسر: لفلان على [ألف] (١) إن رزقني الله مالًا فقيل: ليس بإقرار للتعليق، وقيل: إقرار، وذلك بيان لوقت الأداء، والأصح: أنه يستفسر، فإن فسر بالتأجيل صح، وإن فسر بالتعليق لغى. انتهى.
أهمل ﵀ ما إذا تعذر استفساره وقياس المذهب فيه: أنه لا يلزمه شيء، وقد صرح به الهروي في "الإشراف" فقال بعد حكاية ما ذكره الرافعي وجوهًا وتصحيحًا ما نصه: فإن مات قبل البيان فلا يحكم بالوجوب إذا تعذر تحصيل البيان من الورثة، إن الأصل فراغ الذمة، هذه عبارته والذي قاله واضح، وسأذكر إن شاء الله تعالى في أوائل تعليق الطلاق من "زوائد الروضة" مثله، والرافعي ﵀ نقل أكثر مسائل هذا الفصل عنه من الكتاب المذكور، وقلده في أكثرها.
وصرح به في بعض المسائل إلا أنه لم يصرح باسمه -أعني في هذا الموضع-، بل عرفه شيخه فقال بعض أصحاب أبى عاصم العبادى والعجب كيف ترك الرافعي من كلامه بقية هذه المسألة، وهى من المهمات المستفادات.
وإذا علمت جميع ما ذكرناه فاعلم أن النووي قد ذكر في "الروضة" من "زوائده" نقلًا عن "العدة": أن الأصح أنه إقرار، وسكت عليه، والمراد بالعدة في كلامه هنا عدة أبي المكارم ابن أخت الروياني، لا عدة الحسين الطبري لما ستعرفه.
وهذا التصحيح الذي نقله عنها لا يستقيم مع تصحيحه [وجوب المراجعة لما سبق أيضًا، وإنما قلنا: إنه ليس المراد "عدة الحسين"، لأني رأيت فيها أن الصحيح في أصل المسألة لزوم الألف، ولم يذكر
стр. 2595
المراجعة] (١) بالكلية، ونقله أيضًا عنه العمراني في "البيان" وأقره وكذلك [في كتابه المسمى بالزوائد، وهذا التصحيح مقتضاه تصحيح اللزوم عند] (٢) عند تعذر المراجعة.
ولا يبعد أن يكون أبو المكارم الروياني قد صحح في عدته ما صححه هؤلاء من اللزوم، وفرع عليه أنه إذا مات لزمه ذلك، فأخذ النووي هذا الفرع وضمه لما قرره هو فلزم الخلل، غير أني لم أراجع "العدة" المذكورة.
قوله: وإن قال: إن شهد على فلان وفلان أو شاهدان بكذا فهما صادقان، فهو إقرار في أظهر القولين، وإن لم يشهدا.
ولو قال: إن شهدا فصدقهما، فليس بإقرار. انتهي كلامه.
وتقييده في المسألة الأولى بقوله: بكذا لابد منه واحترز به عما لو قال: ما يشهد به شاهدان على فإنهما عدلان صادقان، فإنه لا يكون إقرارًا، بل تزكية وتعديلا، كذا نقله الرافعي في باب التزكية عن الهروي، ولم يخالفه.
قوله من "زوائده": قال في "البيان": ولو قال: لي عليك ألف درهم، فقال لزيد: علىَّ أكثر مما لك، لا شيء عليه لو أخذ منهما. انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب "البيان" وأقره عليه من عدم اللزوم لزيد عجيب مخالف لمدلول اللفظ، والصواب اللزوم لزيد، وتقبل منه دعوى إرادة القليل، كذا ذكره الأصحاب، وعللوه بأن القليل قد يوصف بالكثرة بالإضافة إلى قلة النفع بمال الغير، ونحو ذلك، وقد ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين.