والأصح على ما ذكره في "المحرر": أنه إقرار، وكلام الكتاب ربما يشعر به.
قوله: وإذا قال: اشترِ منى عبدى هذا، فقال: نعم، فهو إقرار منه للقائل كما لو قال: اعتق هذا، فقال: نعم، ويمكن أن يكون فيه خلاف مما سبق في الصلح فيما إذا قال بعنيه. انتهى كلامه.
وما ذكره في الإعتاق ذكر مثله في "الروضة"، ولا شك أن المسألة غير المسألة، فإن كان المراد أن يقول: أعتق عبدي، فلا شك أن الحكم واحد والاختلاف إنما هو بالأمثلة، فكيف يقيس إحداهما على الأخرى؟ .
قوله: ولو قال: لا أقر، ولا أنكر، فهو كسكوته فيجعل منكرًا، ويعرض عليه اليمين. انتهى كلامه.
وما قاله من كونه كالمنكر، ويعرض عليه اليمين قد قاله غيره، وأما كون هذا حكم السكوت، فليس مطابقًا لما قاله في الدعوى، فإنه قد قال في أول الباب المعقود لجواب الدعوى: فإن سكت وأصر على السكوت جعل كالمنكر فيرد اليمين على المدعى.
قوله: ولو ادعى عليه عبدًا في يده، فقال: اشتريته من وكيلك فلان فهو إقرار له، ويحلف المدعي على أنه ما وكل فلانًا بالبيع. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على جعله مقرًا بهذا اللفظ، وهو مشكل، لأنه لا يلزم من اعترافه بالشراء من وكيله اعترافه بأنه وكله في بيعه، فإن الوكيل كما يتصرف للموكل يتصرف لنفسه، فينبغي حمل ذلك على ما إذا ضم إليه لفظًا آخر يقتضي اعترافه بالتوكيل في بيعه كقوله: انتقل إلى عنك بالشراء من وكيلك، ونحو ذلك.
قوله في "الروضة": ولو قال: كان علىّ ألف لفلان، أو كانت هذه
стр. 2592
الدار في السنة الماضية له، فهل هو إقرار في الحال عملًا بالاستصحاب أم لا لأنه غير مقر في الحال؟ فيه وجهان.
قلت: ينبغي أن يكون أصحهما الثاني، وقد أشار إلى تصحيحه الجرجاني. والله أعلم.
ولو قال: هذه داري أسكنت فيها فلانا ثم أخرجته فهو إقرار باليد على الأصح، لأنه اعترف بثبوتها وادعى زوالها. انتهى كلامه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي ذكره هنا قد خالفه في كتاب الدعاوى، فقال في الباب الخامس منه: ولو قال المدعى عليه: كان ملكه أمس، فالأصح وبه قطع ابن الصباغ: أنه يؤاخذ به إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: ولو قال: كان في يدك أمس فهل يؤاخذ بإقراره؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
قلت: الأصح المنع. والله أعلم.
فانظر إلى هذا الاختلاف الغريب، كيف صحح في هذا الباب من أصل الروضة أنه يؤاخذ بالإقرار باليد، ورجح من "زياداته" عدم المؤاخذة بالإقرار بالملك، وفي "الزيادات" أنه لا يؤاخذ بالإقرار باليد، وقد ذكر الرافعي في أوائل الباب ما يخالف ما نقلناه عنه أولًا فقال: ولو قال له: على ألف قضيته لم يقبل، ولو قال: كان له على ألف قضيته قبل على الصحيح فيهما.
الأمر الثاني: أن قوله: إن الجرجاني أشار إلى تصحيحه غريب، فإن الجرجاني قد ذكر ما هو أبلغ من التصريح بالتصحيح، فإنه لما حكى الوجه القائل باللزوم قال: إنه ليس بشيء، هذا في "الشافي".
стр. 2593
وعبر في "التحرير" بقوله: لم يكن إقرارًا، وقيل: يكون.
قوله: ولو قال: اقضِ الألف التي لى عليك، فقال: أعطى غدًا، أو ابعث من يأخذه، أو أمهلني [يومًا أو أمهلنى] (١) حتى أصرف الدراهم أو أفتح الصندوق، أو أقعد حتى تأخذ أو لا أخذ اليوم أو لا تدم المطالبة أو ما أكثر ما تتقاضى، أو: والله لأقضينك، فجميع هذه الصور إقرار عند أبي حنيفة.
وأما أصحابنا فمختلفون في ذلك، والميل إلى موافقته في أكثر الصور أكبر. انتهى.
وما ذكره من اللزوم في أعطى غدًا أو نحوه مما عرى عن الضمير العامل على المال المدعى به [مردود] (٢)، بل يتعين أن يكون التصوير عند انضمام الضمير كقوله: أعطيه ونحوه، فإن اللفظ بدونه يحتمل أن يراد به المذكور وغيره على السواء، ولهذا لو قال: أنا مقر به أو بما يدعيه أو لست منكرًا له كان إقرارًا، ولو لم يأت بالضمير فقال: أنا مقر أو لست منكرًا أو أنا أقر، فليس بإقرار كما ذكره الرافعي قبل هذا بقليل.
وحينئذ فيكون قول الرافعي: أنا نوافقهم في الأكثر للاحتراز عن هذه الصور فاعلمه.
نعم حذف في "المحرر" الثلاثة الأخيرة، وصرح بالترجيح في أكثر الصور وعينها فقال: ولو قال: اقضِ الألف التى لي عليك، فقال: نعم أو أقضي غدًا أو أمهلني يومًا أو حتى أقعد وأفتح الكيس أو أجد، فإقرار في الأشبه. انتهى، وعبر في "المحرر" بالأصح.
стр. 2594
قوله: ولو قال معسر: لفلان على [ألف] (١) إن رزقني الله مالًا فقيل: ليس بإقرار للتعليق، وقيل: إقرار، وذلك بيان لوقت الأداء، والأصح: أنه يستفسر، فإن فسر بالتأجيل صح، وإن فسر بالتعليق لغى. انتهى.
أهمل ﵀ ما إذا تعذر استفساره وقياس المذهب فيه: أنه لا يلزمه شيء، وقد صرح به الهروي في "الإشراف" فقال بعد حكاية ما ذكره الرافعي وجوهًا وتصحيحًا ما نصه: فإن مات قبل البيان فلا يحكم بالوجوب إذا تعذر تحصيل البيان من الورثة، إن الأصل فراغ الذمة، هذه عبارته والذي قاله واضح، وسأذكر إن شاء الله تعالى في أوائل تعليق الطلاق من "زوائد الروضة" مثله، والرافعي ﵀ نقل أكثر مسائل هذا الفصل عنه من الكتاب المذكور، وقلده في أكثرها.
وصرح به في بعض المسائل إلا أنه لم يصرح باسمه -أعني في هذا الموضع-، بل عرفه شيخه فقال بعض أصحاب أبى عاصم العبادى والعجب كيف ترك الرافعي من كلامه بقية هذه المسألة، وهى من المهمات المستفادات.
وإذا علمت جميع ما ذكرناه فاعلم أن النووي قد ذكر في "الروضة" من "زوائده" نقلًا عن "العدة": أن الأصح أنه إقرار، وسكت عليه، والمراد بالعدة في كلامه هنا عدة أبي المكارم ابن أخت الروياني، لا عدة الحسين الطبري لما ستعرفه.
وهذا التصحيح الذي نقله عنها لا يستقيم مع تصحيحه [وجوب المراجعة لما سبق أيضًا، وإنما قلنا: إنه ليس المراد "عدة الحسين"، لأني رأيت فيها أن الصحيح في أصل المسألة لزوم الألف، ولم يذكر
стр. 2595
المراجعة] (١) بالكلية، ونقله أيضًا عنه العمراني في "البيان" وأقره وكذلك [في كتابه المسمى بالزوائد، وهذا التصحيح مقتضاه تصحيح اللزوم عند] (٢) عند تعذر المراجعة.
ولا يبعد أن يكون أبو المكارم الروياني قد صحح في عدته ما صححه هؤلاء من اللزوم، وفرع عليه أنه إذا مات لزمه ذلك، فأخذ النووي هذا الفرع وضمه لما قرره هو فلزم الخلل، غير أني لم أراجع "العدة" المذكورة.
قوله: وإن قال: إن شهد على فلان وفلان أو شاهدان بكذا فهما صادقان، فهو إقرار في أظهر القولين، وإن لم يشهدا.
ولو قال: إن شهدا فصدقهما، فليس بإقرار. انتهي كلامه.
وتقييده في المسألة الأولى بقوله: بكذا لابد منه واحترز به عما لو قال: ما يشهد به شاهدان على فإنهما عدلان صادقان، فإنه لا يكون إقرارًا، بل تزكية وتعديلا، كذا نقله الرافعي في باب التزكية عن الهروي، ولم يخالفه.
قوله من "زوائده": قال في "البيان": ولو قال: لي عليك ألف درهم، فقال لزيد: علىَّ أكثر مما لك، لا شيء عليه لو أخذ منهما. انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب "البيان" وأقره عليه من عدم اللزوم لزيد عجيب مخالف لمدلول اللفظ، والصواب اللزوم لزيد، وتقبل منه دعوى إرادة القليل، كذا ذكره الأصحاب، وعللوه بأن القليل قد يوصف بالكثرة بالإضافة إلى قلة النفع بمال الغير، ونحو ذلك، وقد ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين.
стр. 2596
لواحد منهما لاحتمال أنه قاله على سبيل السخرية. هذه عبارته، إلا أنه لم يصرح بلفظ المال، والتعليل يشعر بإرادته.
ويحتمل أنه أراد بما ذكره الإقرار بالألف، بل الظاهر ذلك، فعبر النووي بما عبر فأوقع في الفساد.
قوله في "الزوائد" أيضًا، وإن كتب لزيد على ألف درهم، ثم قال للشهود: اشهدوا علىّ بما فيه، فليس بإقرار كما لو كتبه عليه غيره فقال: اشهدوا بما كتب.
وقد وافقنا أبو حنيفة على الثانية دون الأولى، ووافق أيضًا على ما لو كتب ذلك على الأرض. انتهى كلامه.
وما ذكره في "زوائده" من كونه ليس بإقرار عندنا في المسألتين، قد ذكره في الباب الثاني من كتاب الطلاق قبيل الطرف الثاني من كتاب الطلاق المعقود للإيلاء، فقال عن "فتاوى الغزالي" ما حاصله: الوقوع ظاهر في المسألتين، فإنه ذكر ذلك في المسألة الثانية، وهي ما لو كتبه غيره.
وحينئذ فيؤخذ منه ذلك في المسألة الأولى بطريق الأولى، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
وأبين أن الفتوى على المذكور هنا فراجعه.
قوله أيضًا في "الزيادات": ولو قال: له على ألف إلا أن يبدو لي، فوجهان حكاهما في "العدة" و"البيان"، ولعل الأصح أنه إقرار. انتهى كلامه.
والصواب أنه لا يلزمه شيء، فقد نقله الهروي في "الإشراف" عن نص الشافعي، وهو قول أبي حنيفة، والشيخ أبي الطيب لم يصحح هذا
стр. 2597
نص الشافعي، وهو قول أبي حنيفة، والشيخ أبى الطيب لم يصحح هذا الاستثناء فجعله بمنزلة قوله: له علىّ عشرة إلا عشرة، لأنه استثناء يرفع الجميع.
والشافعي قاسه على ما إذا قال: إن شاء الله. هذا لفظه، ذكر ذلك في أواخر مسألة، أولها إذا قال: علىّ درهم، وهو قريب من نصف الكتاب.
وإذا تأملت أمثال هذه المواضع الواقعة في هذين الكتابين تعجبت مما وقع فيهما، وعلمت أنه لا تحل المبادرة إلى الإفتاء بجميع ما فيهما إلا إذا صرحا بنقله عن النص، أو عن مقالة الأكثرين.
стр. 2598
الباب الثاني في الإقرار بالمجمل
قوله: لكن الأصح هاهنا المنع يعني منع تفسير الشيء بالخمر الغير المحترمة وغيرها مما لا يقتني، ثم قال: لأنه ليس فيه حق واختصاص، فلا يلزم ردها. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره لم يذكره في "الروضة"، وهو يرشد إلى أن صورة المسألة أن يكون المقر له مسلمًا.
أنها إذا كان ذميًا فيصح التفسير بغير المحترمة، فتفطن لذلك وسببه أنه لو غصبها منه لكان يجب عليه ردها على الصحيح، كما ذكروه في باب الغصب.
قوله: ولو فسره يعني الشيء بالعبادة ورد السلام لم يقبل، لأنه بعيد عن الفهم في معرض الإقرار، إذ لا مطالبة بهما، والإقرار في العادة يكون ما يطلبه المقر له ويدعيه.
قال في "التهذيب": ولو قال له: علىَّ حق، قبل التفسير بهما وظن أن الفرق بينهما عسير، وكيف لا، والحق أخص من الشيء فيبعد أن يقبل [الأخص بما لا يقبل] (١) به تفسير الأعم، وبتقدير أن يكون الأمر كما ذكره فينتقض به التوجيه المذكور. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، وما حاوله الرافعي من التسوية بينهما قد صرح به القاضي حسين في "تعليقه"، فقال كما نقله عنه في "الكفاية": الظاهر أنه لا يقبل تفسير الحق بهما.
ومقتضى كلام الرافعي أنه لم يقف عليه، ومع ذلك فما ذهب إليه
стр. 2599
البغوي هو المتجه، ولا عسر في الفرق، ولا انتقاض في التوجيه، وذلك لأن أهل العرف يطلقون لفظ الحق على هذه الأمور فيقولون: لفلان علىّ حق، ويريدون خدمته له، وسعيه إلى بابه وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس. . . ." (١)، ثم ذكر من جملتها عيادة المرضى، ورد السلام، فصار المعنى المتقدم، وهو أن الإقرار لا يكون إلا بما يطلب معارضًا باستعمال الشرع والعرف في لفظ الحق بخلاف لفظ الشيء، فإنه لم يعارض المعنى فيه شيء لعدم استعماله في رد السلام والعبادة ونحوهما لا شرعًا ولا عرفًا.
قوله: وقال صاحب "التهذيب": ولو [أوصى] (٢) بمجمل فمات فبينه الوارث وزعم الموصى له أنه أكثر، يحلف الوارث على نفي العلم باستحقاق الزيادة، ولا يتعرض لإرادة المورث. انتهى كلامه.
وما نقله عن البغوي تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن البغوي نقله عن غيره فقال ما نصه: قال شيخنا الإمام ﵀: هذا بخلاف ما لو أوصى بشيء معلوم، وبينه الوارث فادعى الموصى له أكثر من ذلك، يحلف الوارث أني لا أعلم أنك مستحق غير هذا، ولا يحلف على إرادة المورث. هذا لفظه.
واعلم أن القاضي الحسين قد ذكر في "تعليقه" ما يشعر به كلام البغوي.
قوله: فرع:
لو مات قبل تفسير الشيء وامتنع الوارث منه فقولان:
أحدهما: أنه يوقف مما ترك أقل ما يتمول.
стр. 2600
وأظهرهما: أنه يوقف الكل، لأن الجميع وإن لم يدخل في التفسير فهو مرتهن بالدين. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، وهو مشكل كما قاله ابن الرفعة في "المطلب"، وذلك لأن تفسير الشيء بالاختصاصات كالسرجين وغيره مقبول.
فلم يتيقن وجوب مال فضلًا عن كونه دينًا مقتضيًا للرهن، فلا يستقيم القول بالوقف في الكل، ولا في البعض.
قال: لا جرم أن الهروي في "الإشراف" حكاهما فيما إذا قال له: علىّ مال.
قوله: الضرب الثاني: قال: فإذا قال له: علىّ مال قبل تفسيره بأقل [متمول] (١)، ولا يقبل بما ليس بمال كالكلب وجلد الميتة.
قال الإمام: والوجه القبول بالثمرة الواحدة حيث يكثر الثمر، لأنه مال، وإن لم يتمول في ذلك الموضع، هكذا ذكره العراقيون.
وقالوا: كل متمول مال، ولا ينعكس، وتلتحق حبة الحنطة بالثمرة. انتهى كلامه.
وما ذكره في الحبة ونحوها أنها لا تعد مالًا، قد خالفه في كتاب البيوع في الركن الثاني في الكلام على اشتراط النفع، وقد سبق ذكر عبارته هناك فراجعها.
قوله: ولو قال له: على مال عظيم قبل أيضًا تفسيره بأقل ما يتمول، وذهب بعض الأصحاب فيما حكاه القاضي حسين وغيره إلى أنه يجب أن يزيد تفسير المال العظيم على تفسير مطلق المال ليكون لوصفه بالعظيم
стр. 2601
فائدة، واكتفي بعضهم بالعظم من حيث الجرم والجثة. انتهى كلامه.
وحاصله حكاية وجهين آخرين، ولم يذكر في "الروضة" منهما غير الأول، وحذف الثاني.
واعلم أن القاضي لم ينقل هذا الوجه عن أحد كما دل عليه كلام الرافعي، بل أبداه احتمالًا لنفسه، ثم أبطله فقال بعد نقله عن النص إنه يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم ما نصه: ولو قيل يلزمه أدنى زيادة على أقل ما يتمول ليتوفر به على العظم فائدة، وأسقط به معظم أسألتهم في المسألة، لم يبعد غير أنه مخالف للنص. هذا كلام القاضي في "تعليقه".
والذي أوقع الرافعي في هذا هو الإمام، فإن عبارته موهمة.
قوله: في الكلام على ما إذا قال: لفلان علىّ أكثر مما في يد فلان، ولو كان في يده عشرة دراهم وقال المقر: لم أعلم وظننت أنها ثلاثة قبل قوله مع يمينه. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" هنا عليه، وهو يوهم أنه لو اعترف بالعلم لم يقبل تفسيره بالثلاثة، وليس كذلك فاعلمه، بل يقبل تفسيره بأقل ما يتمول كما اقتضاه التعليل المذكور في أول المسألة، وصرح به في "الروضة" من "زياداته" هناك.
قوله في "الروضة": ولو قال: كذا وكذا درهمًا بالنصب لزمه درهمان على المذهب، وفي قول درهم، وفي آخر درهم وشيء، وقيل: أحد وعشرون درهمًا إن عرف العربية. انتهى.
وهذا الخلاف الذي ذكره هو حاصل طرق ذكرها الرافعي، وقد أهمل من جملتها [وجها وهو أنه إن أطلق لزمه درهمان، وإن نوى أن الدراهم تعبير لمجموع] (١) ما أقر به لزمه درهم، وهذا الوجه مشهور ذكره أيضًا
стр. 2602
الماوردي وغيره، ونص عليه في "الأم".
قوله: ولو قال: الدراهم التي أقررت بها ناقصة الوزن، وأوزان البلد كذلك فيقبل إن اتصل التفسير بالكلام، فإن انفصل فكذلك في الصحيح. انتهى.
فإن لم يفسر، وتعذرت مراجعته ففي "المهذب" و"تعليق القاضي الحسين" و"الحاوي": يلزمه التمام وهو الدرهم الإسلامي.
قوله: ويجري الخلاف فيما إذا أقر في بلد دراهمهم كبار مثل غزنة. انتهي.
وغزنة بالغين المعجمة والزاي الساكنة بعدها نون هي مدينة نحو الهند.
قوله: ولو قال له: علىّ مائة عدد من الدراهم، اعتبر العدد دون الوزن. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" لكن قد تقدم قبل هذا بأسطر أن العدد أقله اثنان حتى إذا قال: على أقل أعداد الدراهم فيلزمه درهمان.
وإذا كان كذلك فنعود إلى مسألتنا فنقول: إن كان لفظ عدد مجرور بالإضافة، وهو المتبادر إلى الفهم، فالقياس وجوب مائتي درهم، ولكن تكون ناقصة لأنه أوجب على نفسه مائة من العدد، وأقل العدد اثنان، وإن كان منصوبًا فكذلك لأنه تفسير للمائة كما لو قال: مائة يومًا بالتنوين.
فإنه يلزم به كما صرح به ابن الرفعة، وإن منع الجمهور التنوين والنصب وإن كان مرفوعًا فالقياس أن المائة مبهمة، ويلزمه تفسيرها بما لا تنقص قيمته عن درهمين عددًا لا وزنًا.
وقد جزم الرافعي في نظيره بمثله فقال: ولو قال له: علىّ ألف درهم، يرفعهما وينونهما من غير عطف فسر الألف بما لا ينقص قيمته عن درهم.
стр. 2603
وإن كان ساكنًا أوجبنا الأقل، لأنه المتيقن، صرح به أيضًا الرافعي في هذا الباب في مثال آخر.
قوله: إذا قال له: علىّ من درهم إلى عشرة. . . . إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها، وعلى نظيرها في كتاب الضمان.
قوله: ولو قال: علىّ ما بين درهم إلى عشرة.
لزمه ثمانية على المشهور، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة.
ولم يفرقوا بين أن يقول: ما بين واحد إلى عشرة وبين أن يقول: ما بين واحد وعشرة، وربما سووا بينهما.
ويجوز أن يفرق ويقطع بالثمانية في الصورة الأخيرة للاحتراز. انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي هنا غريب، فقد فرق هو في كتاب الضمان في الكلام على العلم، بالمقدار المضمون [يقطع بالثمانية في الصورة الثانية، وخصص الأوجه والصورة الأولى.
وقد] (١) قطع به أيضًا هنا القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وكذلك الروياني في "البحر"، وقال في "الروضة" بعد حكاية هذا عن القاضي: إن القطع فيها بالثمانية هو الصواب، ولم ينقل غيره.
قوله: قال: علىّ درهم في عشرة، فإن أراد بقي مع لزمه أحد عشر درهمًا. انتهى كلامه.
وتجيء في بمعنى مع، مثلوه بقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (٢) أي مع زينته.
стр. 2604
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن لزوم العشرة إذا أراد المعية تابعه عليه النووي، حتي ادعى في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف فيه، وكيف يستقيم مع أنه لو قال له: علىّ درهم مع درهم، لم يلزمه إلا درهم؟ .
فإذا كان مع التصريح بالمعية لا يلزمه سوى الأول فمع بينهما أولى.
نعم إن نوى ما فيه تغليظ عليه بأن قال: أردت مع عشرة له فواضح، ولا كلام فيه، وهذا الاشكال يأتي أيضًا فيما إذا قال له: علىّ درهم في دينار، فإنهم أجابوا فيه بمثل ما أجابوا هاهنا.
الأمر الثاني: بتقدير أن يجب عليه أحد عشر فالحكم بكونها دراهم في المال الذي ذكره الرافعي لا يستقيم أيضًا، بل الواجب عليه ما تقتضيه قاعدة الباب درهم واحد، ويرجع في تفسير العشرة إليه، وقد جزم الرافعي بأنه إذا قال له: عليّ ألف ودرهم أن الألف مبهمة.
قوله: ولو قال له: عندى عبد على رأسه عمامة ونحوه، لم يكن مقرًا إلا بالعبد.
وقال صاحب "التلخيص": يكون أيضًا مقرًا بالعمامة، ثم قال: وذكر الإمام أنه قال ذلك في "التلخيص"، وفي "المفتاح" أجاب بما يوافق الجمهور، وهو وهم، بل جوابه في "المفتاح" كجوابه في "التلخيص". انتهى كلامه.
والذي رأيته في "المفتاح" هو عدم اللزوم كما نقله الإمام فقال: ولو قال له: عندى فرس عليه سرج، فإن السرج للمقر مع يمينه، هذا لفظه.
وهو لفظ "التلخيص" أيضًا، إلا أنه زاد فيه "له" في المسألة الثانية.
قوله: ولو قال: خاتم فيه فص، ففي كونه مقرًا بالفص وجهان:
стр. 2605
أصحهما: على ما ذكره في "التهذيب" أنه ليس بمقر به. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والصحيح ما صححه البغوي، فقد نص عليه في "الأم" في باب الإقرار بالحكم الظاهر، ونقله عنه في "المطلب".
قوله في أصل "الروضة": ولو قال: هذه الجارية له إلا حملها، لم يدخل الحمل قطعًا. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الدخول قطعًا ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي أيضًا، فقد حكي الإمام في "النهاية" وجهًا: أن هذا الاستثناء لا يصح، وأن الحمل يدخل.
قوله: إذا قال: لفلان [على] (١) هذا العبد ألف، فإن قال: أردت [به جنى عليه جناية أرشها ألف قبل وتعلق الألف برقبته.
وإن قال: أردت] (٢) أنه رهن عبده بألف على فوجهان: أظهرهما: القبول، ويطالب بألف. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الرافعي ﵀ في هذه المسألة -أى عند التقييد بقوله: (على) - صحيح، غير أن الغزالي في "الوجيز" لم يذكر هذه المسألة، بل ذكر ما إذا لم يقيد بعلى، فإنه عبر بقوله: وإن فسر بكون العبد مرهونًا فالأظهر أنه يقبل، هذا لفظه.
ولم يذكر غيره، وهذه مسألة أخرى، ولم يتعرض لها الرافعي، وحكمها تفريعًا على القبول: أن الألف لا يلزمه لاحتمال أن يكون قد أعاده لمن رهنه لكى يتعلق الألف بالعبد، وهو واضح.
وقد ذكر الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين ما يوافقه فقال قبيل الفرع
стр. 2606
السادس: ولو قال له: في هذا العبد ألف من غير كلمة علىّ، وفسره بأنه أوصى له بألف من ثمنه، فلم يبلغ ثمنه ألفًا فلا ينبغي أن يجب عليه قيمة الألف بحال.
وذكر المسألة في "الوسيط" كما ذكرها في "الوجيز" تمثيلًا وحكمًا.
نعم صرح في "البسيط" كما صرح به الرافعي في تصوير المسألة وجوابها، فذكر في "الوسيط" و"الوجيز" مسألة، وفي "البسيط" أخرى، والمسألتان سواء في قبول التفسير، وإن اختلفا في التفريع، وكان ينبغي للرافعي أن يتكلم على مسألة الكتاب الذي شرحه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الأصحاب في هذه المسألة لا ينتظم مع ما ذكروه فيما إذا قال: له في ميراث أبى ألف، فإنهم نقلوا عن النص أنه يكون إقرارًا منه على أبيه بدين، وتابعه الأصحاب عليه، ومقتضاه أنه لا يقبل تفسيره بجناية جناها العبد المورث في حياة أبيه، أو يرهن صدر من أبيه بدين على غيره، فالكلامان لا يجتمعان.
قوله: لو شهد شاهد على أنه أقر يوم السبت بألف أو بغصب، ثم شهد آخر بأنه أقر يوم الأحد لفقنا بين الشهادتين، وأثبتنا ذلك بخلاف الإنشاءات كالطلاق.
ومنهم من قال: فيها قولان بالتخريج، ثم قال في آخر المسألة: فلو ادعى ألفًا فشهد أحد الشاهدين على أنه ضمن ألفًا، والثاني على خمسمائة، ففي ثبوت الخمسمائة قولان عن ابن سريج، وهذا قريب من التخريج المذكور في الإنشاءات أو هو هو. انتهى كلامه.
وما ذكره مردود، فإن من ضمن ألفًا يصدق عليه أنه ضمن خمسمائة قطعًا، ويصدق أيضًا إطلاق لفظ ضمن ما دام الدين عليه، فيكون كما لو شهد شاهد بألف، وآخر بخمسمائة، فإن الخمسمائة تثبت.
стр. 2607
قوله: ولو شهد أحدهما أنه أقر بألف من ثمن مبيع، وشهد الثاني على إقراره بألف من قرض، ففي ثبوت الألف وجهان: الظاهر أنه لا يثبت أيضًا، وربما بنوا الوجهين على الوجهين فيما إذا ادعى ألفًا من ثمن مبيع، فقال: المدعى عليه: لك على ألف ولكن عن قرض. انتهى.
وهذه المسألة المبني عليها تعرف باختلاف الجهة، والراجح فيها أنه لا يمتنع الأخذ فتفطن لذلك، فقد قال في آخر العارية، وفي آخر الركن الثالث من الكتاب المتقدم: أنه الأصح، ولأجل المخالفة في التصحيح عبر بقوله: وربما بنو، ولم يذكر في "الروضة" هذا البناء.
قوله: فيما لو ادعى ألفَا فشهد له عدل بألف، وآخر بألفين. . . . إلى آخره.
هذه المسألة تأتى في كلام الرافعي في الشهادات في الكلام على المبادرة فلتحرر معها.
قوله: ولو قال على سبيل الإقرار: وأنت طالق، أولًا لم تطلق، وإن ذكره في مَعْرض الإنشاء طلقت كما لو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد اختلف كلامهما في هذه المسألة اختلافًا عجيبًا، يأتي إيضاحه قريبًا فراجعه.
الأمر الثاني: أنهما قد سكتا عما إذا لم يعرف ذلك بموت أو غيره، وقد ذكره الهروي في "الإشراف" بعد أن ذكر هنا ما ذكره الرافعي حكمًا وتعليلًا، ومنه أخذ فقال: فإن أطلق هذه الكلمة، ولم يفسر لا بإقرار ولا بإنشاء فيمكن أن يقال: إنه يحمل على الإجبار حتى لا يقع لقرينة التشكيك والأصل بقاء النكاح، هذا كلامه من غير زيادة عليه.
стр. 2608
وحاصله رجحان عدم الوقوع، وهو ظاهر منقاس.
والعجب من ترك الرافعي هذه الزيادة.
قوله: ولو أقر الأب بعين مال لابنه فيمكن أن يكون مستند إقراره ما يمنع الرجوع، ويمكن أن يكون مستنده ما لا يمنع الرجوع، وهو الهبة.
وهل له الرجوع؟ عن أقضى القضاة الماوردي، والقاضي أبى الطيب أنهما أفتيا بثبوت الرجوع تنزيلًا للإقرار على أضعف الملكين، وأدنى السببين كما ينزل على أقل المقدارين.
وعن الشيخ أبى الحسن العبادى: أنه لا رجوع، لأن الأصل بقاء الملك للمقر له، ويمكن أن يتوسط فيقال: إن أقر بانتقال الملك منه إلى الآخر، فالأمر كما قال القاضيان.
وإن أقر بالملك المطلق، فالأمر كما قال العبادي. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه، وفيه أمور:
أحدها: أن الأصح جواز الرجوع مطلقًا، كذا [صححه] (١) النووي في "فتاويه"، فإنه نقل جواز الرجوع عن جماعة آخرين، ونقل ما قاله الرافعي من التفصيل، ثم قال: إن الأصح المختار قبول تفسيره بالهبة، ورجوعه مطلقًا، وجزم القاضي الحسين في باب الهبة من "تعليقه" بأن القول قول الولد.
وقال في "فتاويه": إنه الظاهر.
وتابعه عليه أبو عاصم العبادي والد أبى الحسن المتقدم كما قاله النووي في "الفتاوى" المذكورة، قال ابن الرفعة: وهو الذي يترجح في ظني، لأن أضعف السببين عارضه أن لأن الأصل بقاء الملك.
стр. 2609
قال: ومما يؤيد ذلك أن الإقرار للوارث بالعين والدين معمول به على الصحيح.
وقياس تنزيل الإقرار على أضعف السببين تنزيله على الهبة، وهو إذا نزل على الهبة فأضعف الحالين فيها حالة المرض، فكان مقتضى ذلك أن يكون الصحيح رد الإقرار للوارث، وليس كذلك.
الأمر الثاني: أن غير الأب من الأصول كالجدة والأم حكمه حكم الأب فيما ذكرنا وكذلك ذكره النووي أيضًا في "فتاويه" أيضًا وقال ابن الرفعة بعد نقله عنه: وعندي في ذلك نظر، فإن الأب يقدر على النقل من غير واسطة، ولا كذلك الأم والجدة إذا لم تثبت لها الولاية.
فإن كان ما قاله نقلًا وجب اتباعه، وإن كان تخريجًا ففيه ما ذكرناه. هذا كلام ابن الرفعة وهو ضعيف، فإن المسألة ليست خاصة بما إذا أقر لابنه الصغير، بل لو أقر الكبير كان الحكم كذلك كما يدل عليه كلام الرافعي وغيره سلمنا أنه خاص بالصغير، لكن عدم القدرة على النقل لا يدفع علة الرجوع، وهى التنزيل على الهبة.
نعم البحث المذكور أولا قوى، غير أنه وقع له قبيله غلط فاحش.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" لما نقل عن العبادى امتناع الرجوع عبر عنه بأبى عاصم عوضًا عن تعبير الرافعي بأبي الحسن، وكأنه لم يستحضر حالة اختصار "الروضة" أن لهم هذا وهذا.
وقد علمت مما تقدم من كلامه في "الفتاوى" أنه سهو، وأن كلًا منهما من أصحاب الشافعي، وقائل بالمنع.
قوله: ولو أقر بأنه لا دعوى له على فلان ولا طلب بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب، ثم قال: إنما أردت من عمامته، وقميصه لا في داره.
стр. 2610
قال القاضي أبو سعد: هذا موضع تردد، والقياس يقبل لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل. انتهى كلامه.
قال في "الروضة": هذا ضعيف أو فاسد، والصواب أنه لا يقبل في ظاهر الحكم.
قال: لكن المختار أن له تحليف المقر له أنه لا يعلم أنه قصد ذلك.
قال: ولعل هذا مراد القاضي. هذا كلامه.
وقد اشتمل -أعني كلام النووي- على أمرين:
أحدهما: الخلاف في قبول تخصيص العموم.
الثاني: أنه صرف كلام الهروي عن قبوله في الظاهر إلى سماع دعواه، وتحليفه، وذلك لأجل إنكار الخلاف المشار إليه، وكلا الأمرين باطل غريب.
أما الأول فلأن في قبول تخصيص العموم ظاهرًا لقوله: نسائي طوالق أو كل امرأة لى طالق وجهين مشهورين حكاهما الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب الطلاق، حتى أنه حكاهما في "المحرر" أيضًا، وأجرى الخلاف في تقييد الألفاظ الموضوعة للحقائق، كما لو قال: إن أكلت خبزًا أو تمرًا فأنت طالق، ثم فسر ذلك بنوع خاص منهما.
وأما الأمر الثاني: وهو تنزيل كلام الهروي على إرادة التحليف فباطل أيضًا، فإن الهروى قد صرح بخلافه فقال ما نصه: هذا موضع تردد.
والقياس أن المقر لا يلزم بحكم إقراره على العموم بل يؤخذ بالتخصيص ولا ينظر إلى أنه يراد به العموم في العرف، لأن الشافعي ﵀ قال: أصل ما أبنى عليه الإقرار أن ألزم اليقين، وأطرح الشك، ولا استعمل الغلبة.
стр. 2611
فإن قيل: المقر في العرف أراد التبرى عن جميع المطالبات.
قلنا: هذا ليس بشيء، لأن دليل العرب لا يعارض صريح دليل النطق، وهو قد نطق بالتخصيص فوجب أن يصدق في مقالته، هذا موضع الحاجة من كلامه، وهو صريح فيما ذكرناه من وجوه.
ولو راجع النووي أو غيره من المعترضين عند الإشكال أمثال هذه المواضع لم يذكروا ما ذكروه.
وقد وافق ابن الصلاح في "فتاويه" على القبول مع اليمين فيما إذا ادعى أنه نسيه، واستدل عليه بمسألة ذكرها الرافعي قبل هذا، وهى أنه لو قال: لا حق لي في شيء مما في يد فلان، ثم ادعى شيئًا، وقال: لم أعلم كونه في يده يوم الإقرار، فإنه يصدق بيمينه.
وذكر أيضًا في "فتاويه" مسألة أخرى، وهى أنه لو استأجر عينا وسلم الأجرة، وأقر أنه لا حق له على المؤجر، ثم بان فساد الإجارة، فلو طلب الأجرة ولا يدخل ذلك في الإشهاد، لأنه أشهد بناء على ظاهر الحال كما لو قال: هذه العين ملكى اشتريتها منه، ثم بان خلافه والله أعلم.
стр. 2612
الباب الثالث في تعقيب الإقرار بما يرفعه
قوله في "الروضة": ولو قال: لفلان علىَّ ألف من ثمن خمر، فقولان: أصحهما: اللزوم.
ثم قال: أنها إذا قدم الخمر فقال: لفلان من ثمن خمر على ألف، فلا يلزمه شيء قطعًا بكل حال. انتهى كلامه.
وقد ذكر هذه المسألة في باب التيمم من "شرح المهذب" ونقل عن "المعتمد" للشاشي: أنه لا فرق في جريان القولين بين التقديم والتأخير ولم يصرح الرافعي هنا بدعوى القطع، بل قال: لا يلزمه شيء بكل حال.
قوله: وإذا قال: علىّ ألف لا يلزمني أو علىّ ألف، ولا يلزمه الألف لأنه غير منتظم، فلا يبطل به الإقرار. انتهى كلامه.
وتصحيح الإقرار فيما إذا قال: علىّ ألف أو لا قد ذكر في هذا الكتاب قبل هذا الموضع بنحو ورقة ما يخالفه فقال في أوائل الفروع التى ختم بها الباب السابق: ولو قال: علىّ ألف أو على زيد أو على عمرو لم يلزمه شيء، وكذا لو قال على سبيل الإقرار: أنت طالق أو لا، فإن ذكره في معرض الإنشاء طلقت كما لو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك. هذا لفظه.
ولا فرق في إبطال الإقرار بأو بين الإقرار بالمال والإقرار بالطلاق.
ثم ذكر ما يخالف الموضعين معًا في الباب الثاني في أركان الطلاق قبيل الطرف الثاني، فقال واللفظ "للروضة": فرع:
стр. 2613
قال: أنت طالق ثلاثًا أولًا بإسكان الواو لا يقع شيئًا.
قال المتولى: كما لو قال: هل أنت طالق؟ انتهى.
فتحصلنا على ثلاثة مواضع متخالفة، وما ذكره أولًا من إطلاق الوقوع، قد جزم به ابن كج في الطلاق وقاسه على اللزوم في الإقرار، ذكر ذلك في كتابه المعروف، والمسمى "تفريعات ابن كج" عن ابن القطان، وهو كتاب نحو "التنبيه"، ينقل فيه فروعًا عن شيخه ابن القطان، ويستدرك عليه في بعضها.
وقد نقل الرافعي في "شرحه" غالب ما فيه، فتبعه الرافعي على هذه المسألة، ونقلها إلى هذا الباب، وذكر جماعة منهم الماوردي هذه المسألة، وأجابوا فيها بعدم اللزوم.
واعترض عليه في "الروضة" في هذا الموضع غير مطلع على ما اطلعنا عليه فقال: هكذا رأيته في نسخ من كتاب الإمام الرافعي على ألف أولًا، وهو غلط وقد صرح صاحب "التتمة" و"البيان" بأنه لا يلزمه في هذه الصورة شيء كما لو قال: أنت طالق أولًا.
فإنه لم يجزم بالالتزام، وما يبعد أن يكون الذى هنا تصحيفًا من النساخ أو تغييرًا كما في "التهذيب"، فقد قال في "التهذيب": لو قال على ألف لا فهو إقرار، وهذا صحيح، وقربه في "التهذيب" بقوله: ألف لا يلزمني، وهو نظيره.
ومعظم نقل الرافعي من "التهذيب" و"النهاية"، هذا كلام النووي، وهو خطأ لما ذكرناه.
وأما نقل الوقوع عن "التهذيب" فصحيح، وقد سبقه إليه ابن كج. كذا رأيته في كتاب "الغنية" له.
ونقله عنه في "البحر" في الطلاق، وفيه نظر، فإن تأخير الحرف
стр. 2614
الباقي معهود، ولم يذكر المسألة في "الشرح الصغير"، وذكر عوضًا عما لو قال: ألف لا بإسقاط "أو".
ويبقى النظر في المراد بقوله: أو لا فإنه قد يفسره أو لا يفسره، فإن فسره يفسره بأفعل التفضيل، وقد يفسره بأو مع لا النافية. ومدلولهما متغاير.
قوله: ومنها إذا قال: علىَّ ألف إن شاء الله.
فالصحيح أنه لا يلزمه شيء لأنه لم يجزم بالإقرار وقيل على الخلاف فيما إذا قال: عن ثمن خمر.
ثم قال: ولو خرجوا طريقًا آخر جازمًا باللزوم كان قريبًا بناءً على أن تعليق السابق لا ينتظم. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن هذا التعليق لشيء سابق ليس كذلك، لأن أداة الشرط تخلص ما دخلت عليه للاستقبال فتعليقه يمنع أن يكون سابقًا، وإذا لم يكن سابقًا استحال.
قوله: ولو قال: علىَّ ألف إذا جاء رأس الشهر، أو إذا قدم زيد، أطلق جماعة أنه لا شيء عليه، لأن الشرط لا أثر له في إيجاب المال، والواقع لا يعلق بشرط.
وذكر الإمام وغيره أنه على القولين، فكيف كان المذهب أنه لا شيء عليه، وهذا إذا أطلق أو قال: قصدت التعليق، فإن قَصَدَ التأجيل لزمه. انتهى كلامه.
وما ذكره من قدوم زيد ذكر مثله أيضًا من "زوائده" في آخر الباب الأول، وهو غير مستقيم حكمًا وتعليلًا، بل الصواب اللزوم والشرط يؤثر في إيجاب المال بالنذر.
وقد صرح به الرافعي في كتاب النذر في النوع الرابع المعقود للهدايا والضحايا، نقلًا عن "فتاوى القفال" من غير مخالفة فقال في "فتاوى
стр. 2615
القفال": إنه لو قال: إن شفى الله مريضى فلله على أن أتصدق بعشرة على فلان فشفاه الله تعالى لزمه التصدق عليه، فإن لم يقبل لم يلزمه شيء، وهل لفلان مطالبته بالتصدق بعد الشفاء؟ يحتمل أن يقال: نعم كما لو نذر اعتاق عبد معين إن شفي فشفي له المطالبة. هذا كلامه.
فقد عهد أن الشرط يؤثر في إيجاب المال، غير أنه مثل في باب النذر بشفاء المريض، ومثل هنا بقدوم الغائب، وكلاهما يوجب الوفاء بالنذر.
واعلم أنه يحتمل أن يقال في مسألتنا أن الناذر وجب في ذمته مال المنذور له حتى يجب عليه الأخذ أو الإبراء، ويجب عليه فيه الزكاة ونحوه.
ويحتمل أن يقال -وهو المتجه-: أنه لا يجب عليه مال، بل الواجب إنما هو التصدق، والتصدق متوقف على أخذه فصار كما لو نذر الوقف عليه، وفرعنا على اشتراط القبول فإنه لا يثبت له شيء إلا بقبوله، ويلتفت على هذا ما توقف فيه الرافعي وهو المطالبة، لكن المتجه جواز المطالبة ليتوصل بها إلى قبض الحق الذى تعلق به.
قوله: الثانية: الإقرار بالهبة لا يتضمن الإقرار بالقبض على المشهور.
وفي "الشامل" ذكر خلاف في المسألة إذا كانت العين في يد [الموهوب] (١)، وقال: [أقبضتنى] (٢).
ولو قال: وهبته وخرجت منه إليه، فقد مر أن الظاهر أنه ليس بإقرار بالقبض أيضًا. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" عليه، وهو كالصريح في أنه لا فرق في الصورة الثانية أيضًا بين أن تكون العين في يد الموهوب له أم لا تكون، لأنه صرح
стр. 2616
في الأولى بذلك، ثم ذكر هذه عقبها من غير تفصيل، فدل ذلك على أنه لا فرق، فإن الحمل على عدم استحضار التفصيل لا [يتأتى] (١)، لكن الأمر ليس كذلك، فقد نص الشافعي ﵀ على الفرق ونقله عنه -أعنى ابن الرفعة- في آخر الفصل الأول من كتاب الهبة فقال في أثناء فروع نقلها عنه ما نصه؛ ولو قال: وهبته منه بالقبض، وإن كان في يد الواهب فلا.
قوله: ولو أقر بالإتلاف على إنسان وأشهد عليه ثم قال: كنت عازمًا على الإتلاف فقدمت الإشهاد على الإتلاف، لم يلتفت إليه بحال، بخلاف ما لو شهد على نفسه بدين ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض منه فقدمت الإشهاد على الاستقراض، قُبِل للتحليف؛ لأن هذا معتاد، وذلك غير معتاد. انتهى كلامه.
والمسألة الأولى وهي مسألة الإتلاف قد نص عليها أيضًا في "الشرح الصغير" هكذا، وأشار الإمام وغيره إلى أنه لا خلاف فيها كما يشعر به كلام الرافعي هنا.
وقد وقع في كثير من نُسَخ الكتاب إسقاط جوابها، ووقعت نسخة من تلك النُّسخ للنووي فاختصرها على ما هي عليه، ثم كتب على حاشية "الروضة" بخطه: يحقق من "التتمة" أو غيرها، ثم إن كثيرًا من النساخ اجتهدوا فحذفوا المتوسط، وهو صدر المسألة الثانية -أعني مسألة الدين- وأجابوا عنها بجواب واحد، فقالوا: ولو أقر بإتلاف مال أو بدين.
ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض. . . . إلى آخر المسألة.
ثم إنهم مع إسقاطها أبقوا الفرق، وهو لا يكون إلا بين مسألتين.
ولو راجع النووي ما راجعناه لاستغنى عن هذا كله.
стр. 2617
قوله: ولو قال: غصبت هذه الدار من زيد، بل من عمرو سلمت لزيد.
وأظهر القولين أنه يغرم لعمرو، ثم قيل: القولان فيما إذا انتزعها الحاكم من يده وسلمها إلى زيد.
فأما إذا سلمها بنفسه فيغرم قطعًا.
وقيل: القولان في الحالين. انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح طردهما في الحالين، فقد صححه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والشيخ في "التنبيه" والنووي في "الروضة"، وهو مقتضى إطلاق "المحرر".
ونقل النووي عن الأصحاب أنه لا فرق في المسألة بين أن يوالى الإقرار بينهما أو يفصل، وسواء كان الفصل يسيرًا أم كثيرًا.
قوله: ولو باع عينًا وأقبضها واستوفي الثمن، ثم قال: كنت بعته من فلان أو غصبته لم يقبل قوله على المشتري، وفي غرامة القيمة للمقر له طريقان:
أحدهما: على القولين.
وأصحهما عند البغوي: القطع بالغرم لتفويته عليه بتصرفه وتسليمه. انتهى.
والصحيح ما قاله البغوي، فقد صححه الماوردي والنووي في أصل "الروضة"، ويتجه أن يقال: لا أثر فيما قلناه للإقباض ولا لاستيفاء الثمن، وإن كان التغريم معهما أظهر، لكن نص الشافعي في "الأم" في باب الإقرار بالحكم الظاهر على القولين، وهو يبطل ترجيح القطع.
стр. 2618
قوله: فإن سكت بعد الإقرار، أو تكلم بكلام أجنبي عما هو فيه ثم استثنى لم ينفعه. انتهى.
قال في "الروضة": هكذا قال أصحابنا أن تخلل الكلام الأجنبي يبطل الاستثناء.
وقال صاحبا "العدة" و"البيان": إذا قال: على ألف أستغفر الله إلا مائة صح الاستثناء عندنا خلافًا لأبي حنيفة ودليلنا أنه فصل يسيره فصار كقوله: على ألف يا فلان إلا مائة.
وهذا الذي نقلاه فيه نظر، هذا كلام النووي، وليس فيه تصريح بموافقتهما، ولا مخالفتهما فيما نقلاه في الفصل اليسير، والأمر كما أطلقه الأصحاب، فقد صرح بالمسألة في أول باب الاستثناء في الطلاق وقال: إنه يقدح على الظاهر، ثم قال: وحكى القاضي ابن كج ﵀ وجهًا آخر: أن الكلام اليسير الأجنبي بين المستثنى والمستثنى منه لا يقدح في الاستثناء. هذا لفظه.
قوله: ولو أتى باستثناء بعد استثناء وكان الأول مستغرقًا كقوله: عشرة إلا عشرة إلا أربعة فأوجه:
أحدها: يبطل الاستثناءان، ويلزمه عشرة.
وقيل: يبطل الأول ويلزمه ستة، وقيل: يصحان ويلزمه أربعة، لأن آخر الكلام يخرج الأول عن أن يكون مستغرقا.
قال في "الشامل": وهذا أقيس. انتهى.
والأصح هو الثالث، كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق، وذلك لأنه استثنى من العشرة عشرة إلا أربعة، والعشرة إلا أربعة ستة، فكأنه استثنى أولًا ستة فيلزمه أربعة، وهذا هو الذي أراده الرافعي هنا في تعليل الوجه، ولكن عبارته فيها قلق.
стр. 2619
قوله: ولو كان العددان بحيث لو جمعا حصل الاستغراق كما إذا قال: على عشرة إلا سبعة وثلاثة، فقيل: يبطلان لأن الواو تجمعهما فيصير مستغرقًا.
وقيل: يبطل الثاني خاصة، وهو الأصح كما قاله الشيخ أبو على.
ثم قال: ورأى -يعني الشيخ- أن يفرق بين قوله: عشرة إلا سبعة وثلاثة، وبين قوله: عشرة إلا سبعة إلا ثلاثة، ويقطع في الصورة الثانية بالبطلان لأنهما استثناءان مستقلان. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل التفريق المذكور على الكيفية التى نقلها الرافعي، وهو سهو، والصواب وهو المذكور في "الكفاية": القطع بصحة الأول إذا أعاد (إلا)، وحكاية الخلاف إذا لم يعدها للمعنى الذي ذكره الرافعي.
والصحيح في كتاب الطلاق من "المحرر" وغيره وفي أصل "الروضة" هنا هو ما صححه الشيخ أبو على.
قوله: وإذا قال: على عشرة إلا خمسة أو ستة، قال المتولى: يلزمه أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه فصار كما لو قال: على خمسة أو ستة ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة، لأنه أثبت العشرة.
وأما استثناء الدرهم الزائد فمشكوك فيه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ما نبه عليه في "الروضة" فقال: الصواب قول المتولى، لأن المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد بأول الكلام إلا أنه إبطال ما ثبت، وذكر في "الكفاية" مثله أيضًا فقال: لا وجه إلا ما قاله المتولى.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد جزم في هذا الباب بأنه إذا قال: علىّ
стр. 2620
درهم أو دينار لزمه أحدهما وتعين، وجزم أيضًا بذلك -أعني بالتعين- في باب عدد الطلاق فيما إذا قال على سبيل الاستثناء: أنت طالق واحدة أو اثنين، وقياس ذلك يأتى بعينه في مسألتنا.
قوله: فلو أقر بعض الورثة بدين على الميت وأنكر بعضهم فقولان. القديم: أن على المقر قضاء جميع الدين من حصته من التركة إن وفى به، لأنه إنما يستحق بعد قضاء الدين.
والجديد: أنه لا يلزمه إلا بقسط حصته من التركة، لكنه إن مات المنكر وورثه المقر لزمه الجميع، ثم قال: ويتفرع على القولين فرعان:
أحدهما: لو شهد بعض الورثة بدين على المورث، إن قلنا: لا يلزمه الإقرار إلا حصته قبلت شهادته وإلا فلا لأنه متهم، وسواء كانت الشهادة بعد الإقرار أو قبله. انتهى كلامه.
وما أطلقه الرافعي جازمًا به أيضًا من بناء قبول الشهادة على القولين هو ما ذكره القاضي الحسين فتبعه الإمام وصاحب "التتمة" ثم الرافعي، والمعروف خلافه، فقد ذهب العراقيون جميعهم إلى القبول مطلقًا على القولين معًا.
وذكر ابن الرفعة في كتابيه أنهم قطعوا به، وجزم به الماوردي، وادعى في "البيان" أنه لا خلاف فيه، وقطع به أيضًا الروياني في آخر الإقرار من "البحر"، وكذلك القفال شيخ المراوزة فيما إذا وقعت الشهادة قبل الإقرار.
وأما بعده فخرجها على القولين.
[قوله] (١)، والثاني كيس في يد رجلين فيه ألف درهم، قال: أحدهما لثالث لك نصف ما في الكيس، فيحمل إقراره على النصف الذي
стр. 2621
في يده وهو ربع الجميع؟ فيه وجهان بناء على القولين السابقين، وبناء على الخلاف فيما إذا أقر أحد الشريكين في العبد المشترك بالتسوية بنصفه أنه يحمل على نصفه أم يوزع النصف المقر به على النصفين؟
وهذا الخلاف الثاني مذكور في الكتاب في باب العتق. انتهى كلامه.
واعلم أنه إذا كان شريكًا في شيء بأن يكون له في دين أو عين مثلًا نصفه، فأقر بالنصف أو وهبه أو باعه أو تصرف فيه بغير ذلك، وأطلق، ولم ينص على أنه النصف الذي له، فهل ينحصر فيه -أعني في نصفه- أم يشيع؟ فيه قولان يعبر عنهما بقولي الحصر والإشاعة.
وهذه المسألة وهي مسألة الإقرار فرد من أفراد هذه القاعدة.
وقد اختلف كلام الرافعي والنووي فيها في مواضع شتى من وجوه شتى، فلنذكر تلك المواضع ثم نبين وجه المخالفة فنقول: قال في كتاب الرهن: لو رهن نصف عبد ثم أعتق نصفه، فإن أضاف العتق إلى النصف المرهون ففيه الأقوال.
وإن أضاف إلى النصف الآخر وأطلق، عتق ما ليس بمرهون، ويسري إلى المرهون إن نفذنا أعتقاه، كذا إن لم ننفذه على الأصح، لأنه يسري إلى ملك غيره فملكه أولى، وعلى هذا يفرق بين الموسر والمعسر على الأصح. انتهى.
وهذا التفريع كله والتصحيح موافق لقول الحصر، وأما على قول الإشاعة فيحمل على ربع ليس بمرهون، وربع مرهون.
وحينئذ فيعتق النصف الذي ليس بمرهون بلا محالة الربع بالمباشرة، والربع بالسراية، ويتخرج الربع المرهون الذي باشر عتقه على الأقوال الثلاثة.
стр. 2622
وأما الربع الآخر من النصف المرهون فلا يتخرج عليها كما ذكره.
وقال من "زياداته" في هذا الباب عقب مسألة الإقرار بنصف الكيس: إن أفقه الوجهين حمله على ما يملكه، وهو موافق لما تقدم، ويؤخذ منه ترجيح ذلك في غير الإقرار بطريق الأولى لما ستعرفه من كلامه.
وقال في الباب الثاني من الوصية قبيل الكلام على المسائل الحسابية: إنه إذا أوصى بثلث عبد معين فاستحق ثلثاه أن في المسألة طريقين:
أحدهما: القطع بأن له الثلث.
وأصحهما: أن فيه قولين:
أحدهما: هذا.
والأظهر: أن له الثلث كاملًا.
ثم قال: وقد اشتهر الخلاف في العبد المشترك بين اثنين بالسوية إذا قال أحدهما: بعت نصفه أن البيع ينصرف إلى نصفه أم يشيع؟ ، ولا فرق في ذلك بين البيع والوصية. هذا لفظه.
وهو موافق أيضًا للموضعين المتقدمين.
وقال في آخر الباب الرابع من أبواب الصداق، وإن خالعها على نصف الصداق قبل الدخول، نظر إن قال: على النصف الباقي لك بعد الفراق، وصح وعاد إليه الجميع، وإن أطلق فقولان بناء على أن تصرف أحد الشريكين في النصف المطلق من العين المشتركهّ نصفين هل ينزل على النصف الذي له أم يشيع؟
أحدهما: ينزل على نصيبها، ويكون كما لو قبله بنصفها.
[وأظهرهما: عند الأكثرين: يشيع لإطلاق اللفظ، وكأنه خالع على
стр. 2623
نصف نصيبها] (١) ونصف نفسه، فيبطل في نصف نصيبه، وفي نصف نصيبها القولان. انتهى.
وهذا مخالف لجميع ما تقدم.
وقال في كتاب العتق في الشرط الرابع من شروط السراية: ولو باع نصف عبد يملك نصفه، فإن قال بعتك النصف الذي أملكه من هذا العبد، أو نصيبي منه وهما يعلمانه صح، وإن أطلق وقال: بعت نصفه فهل يحمل على ما يملكه، أو على النصف شائعًا؟ وجهان.
ولو أقر بنصف المشترك ففيه هذان الوجهان وقال أبو حنيفة: يحمل في البيع على ما يملكه لأن الظاهر أنه لا يبيع ما لا يملكه، وفي الإقرار على الإشاعة لأنه إخبار.
واستحسن الإمام هذا التفصيل، وبه أجاب الغزالي، وصحح البغوي الإشاعة فيهما. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الراجح قول أبي حنيفة والله أعلم. انتهى.
وهذا الكلام من الرافعي مخالف [لما قاله في الخلع فإنه هناك جعل الخلاف قولين، وفى هذا الموضع جعله وجهين، وأما النووي فما قاله من التفصيل مخالف] (٢) للمذكور هنا من كونه ينحصر مطلقًا، لأنه قد رجحه في الإقرار، وقد علمت أن غيره بذلك أولى، ومخالف للمذكور في الخلع من كونه يشيع مطلقًا.
والغريب أن الترجيحين المتعارضين فيما إذا أقر به كل منهما إنما أبداه تفقهًا، ومن زياداته أيضا ثم إنه شارك الرافعي أيضًا في أن الخلاف وجهان
стр. 2624
أو قولان، وعبر في "الروضة" عما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي بقوله: واستحسن الإمام والغزالي هذا، وفيه نظر، فإن الجواب بالشيء فيه زيادة بلا شك على استحسانه.
وقال أيضًا في [العتق في] (١) الكلام على السراية: إذا كان بينهما عبد بالسوية فوكل أحدهما الآخر في عتق نصيبه فقال الوكيل للعبد: نصفك حر.
فإن قال: أردت نصيبي، قوم عليه نصيب شريكه.
وإن قال: أردت نصيب شريكي، قوم على الشريك نصيب الوكيل.
وإن أطلق فعلى أيهما يحمل؟ وجهان حكاهما في "الشامل".
قال النووي من "زياداته" لعل الأصح حمله على نصيب الوكيل. انتهى.
وقياس ترجيح الإشاعة أن يحمل على نصف نصيبه، ونصف نصيب شريكه، ثم يسري عليهما، لأنهم إذا حملوه على ذلك مع كونه غير قادر على التصرف في الباقي، وأبطلوه، فحمله عليه مع كونه قادر عليه بطريق الأولى.
وأما على قول الحصر ففيه نظر يحتمل أن يجاب بذلك أيضًا، لأنه مالك للتصرف فيهما، ولا ترجيح، ويحتمل الحمل على نصيب المباشر، وهو الوكيل لأن تصرفه فيه بالأصالة.
وإذا علمت هذه المواضع المذكورة علمت أن الفتوى على التفصيل كمقالة أبي حنيفة لقوة مدركه، أو على الإشاعة مطلقًا وهو الحق، لنقله إياه عن الأكثرين.
стр. 2625
وأما المذكور في هذا الباب من زياداته فلا وجه له لمخالفة المعنى الواضح، والنقل عن الأكثرين، وكذلك المذكور في الرهن والوصية لمخالفة الأكثرين، ومثله ما ذكرته ثانيًا عن العتق.
قوله من زوائده: قال القاضي أيضًا في آخر الغصب -يعني القاضي أبا الطيب-: لو باع دارًا ثم ادعى أنها كانت لغيره باعها بغير إذن، وهي ملكه إلى الآن، وكذبه المشتري، وأراد أن يقيم بينة بذلك، فإن قال: بعتك ملكي أو داري أو نحو ذلك مما يقتضي أنها ملكه، لم تسمع دعواه، وإلا سمعت. انتهى كلامه.
وهذه المسألة على التصوير الذي ذكره غلط، ليست في تعليق القاضي، فإنه لا تصح منه الدعوى بملك الغير.
فإن تكلف متكلف وقال: إن صورة ذلك [فيما إذا وكله ذلك] (١) الغير فلا تصح أيضًا، لأنا لا نسلم امتناع دعواه إذا كان قد قال: بعتك ملكي، ونحو ذلك، لأن فائدة الدعوى لا تعود إليه لكونه نائبًا عن غيره فكما أن إقراره هذا لا يمنع صحة دعوى ذلك بنفسه، فكذلك توكيله.
وبالجملة فالمذكور في "الروضة" غلط منه على القاضي سببه سوء فهمه لذهول أو غيره.
فإن القاضي فرض المسألة فيما إذا انتقلت إلى المدعي الذي كان قد باع فإنه قال في الموضع المذكور، وهو آخر الغصب ما نصه: إذا باع من رجل دارًا ثم ادعى أن الدار لم تكن له حين البيع وإنما كانت لغيره، وقد باعها بغير إذنه، وهي ملك له الآن بميراث أو هبة أو غير ذلك، وكذبه المشتري في ذلك، فأراد أن يقيم البينة على دعواه، نظر إلى آخر ما تقدم. وهذه عبارة القاضي، ومن تعليقه نقلت، وهو كلام صحيح.
стр. 2626
ففهم النووي منه خلاف المراد وتصرف في العبارة فوقع في الخلل، وكان يندفع التغليط الصريح، ويمكن التأويل لو حذفت من كلامه لفظة إلى الداخلة على لفظ الآن.
وعلى كل حال فالمذكور في "الروضة" غلط قطعًا، لأنه لو كان الحكم في نفسه صحيحًا لكن غلطًا لكونه غير المذكور في كلام القاضي.
قوله أيضًا من زوائده: ولو أقر بثياب بدنه لزيد، قال القاضي الحسين في "الفتاوى": يدخل فيه الطيلسان والدواج وكل ما يلبسه، ولا يدخل فيه الخف.
والمراد بالدواج: اللحاف.
ومقتضى كلام القاضي هذا: أنه يدخل فيه الفروة فإنها مما يلبسه، ولا شك في دخولها.
وإنما نبهت عليه لئلا يتشكك في دخولها، وكذلك الحكم لو أوصى بثياب بدنه. انتهى كلامه.
وما ذكره من دخول الفروة في اسم الثوب، وأنه لا شك فيه عجيب، وذهول عن المنقول، فقد جزم الرافعي في كتاب الأيمان بأنها لا تدخل وتبعه عليه في "الروضة"، وجزم بدخولها في الملبوس فقال: حلف لا يلبس ثوبًا حنث بلبس السراويل.
ثم قال: ولا يحنث بلبس الجلود، ولا بما يتخذ منها ولا بلبس القلنسوة. هذا لفظه.
ثم قال: ولو حلف لا يلبس شيئًا حنث بجميع ذلك.
والقلنسوة هي القبع والطاقية ونحوهما مما يغطي الرأس، كما تعرفه في الكفارات.
стр. 2627
وقد علم مما قاله هناك أن القلنسوة لا تدخل في مسمى الثياب، وحينئذ فلا تدخل في مسألتنا -أعني في الإقرار- وفيه نظر، فإنها تجري في الكفارات.
ورأيت في الأيمان من كتاب ابن كج أنه لو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها فتغطى بلحاف لم يحنث. والله أعلم.
стр. 2628
الباب الرابع في الإقرار بالنسب
قوله: القسم الأول: أن يلحق النسب بنفسه فيشترط فيه أمور، ثم قال: والثالث: أن يصدقه المقر له إذا كان ممن يعتبر تصديقه، فإن استلحق بالغًا فكذبه لم يثبت النسب.
ثم قال في آخر المسألة. وقوله -يعني الغزالي-: أو المقر له ليس فيه [إلا] (١) اعتبار عدم التكذيب، وهو معتبر لكنه غير مكتفى به، بل المعتبر تصديقه عند الإمكان صرح به صاحب "الشامل" وغيره.
وقضيته أنه لو سكت لم يثبت النسب. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من عدم الاكتفاء بالسكوت، وأنه لابد من التصديق، قد خالفه في الشهادات في الباب الثالث منه في الفصل الثاني المعقود للشهادة بالتسامع، وستقف على لفظه هناك واضحًا إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه لم يثبت مقالة الغزالي خلافًا، بل اعترض عليه اعتراضًا يشعر بعدم الخلاف.
ولهذا جزم النووي في "الروضة" بذلك أيضًا، ولم يحك فيه خلافًا، وكأنه توهم أن تعبير الغزالي جرى من غير قصد، وليس كذلك، فقد صرح الغزالي في "الوجيز" أيضًا في الموضع الآتي ذكره في كتاب الشهادات بثبوت النسب مع السكوت، وكذلك الإمام وغيره، ولأجل
стр. 2629
ذلك تبعهم الرافعي غير أنهم ترددوا في صيغة الشهادة.
فقيل: يشهد بثبوت النسب، وقيل: بالإقرار كما ستعرفه.
قوله: استلحق عبد الغير أو معتقه لم يلتحق إن كان صغيرًا محافظة على حق الولاء للسيد، وإن كان بالغًا وصدقه فوجهان. انتهي.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والصحيح منهما صحة استلحاقه، كذا صححه الرافعي في باب اللقيط، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض آخر فراجعه.
قوله: ومن له جارية ذات ولد إذا قال: هذا ولدى من هذه الجارية يثبت نسبه، وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان: أقربهما إلى القياس وأشبههما بقاعدة الإقرار: أنها لا تصير لاحتمال أنه استولدها بشبهة أو نكاح وملكها بعد ذلك.
ولو قال: إنه ولدي منها ولدته في ملكي، فطريقان:
أحدهما: القطع بثبوت أمية الولد لتصريحه بالولادة في الملك.
وأصحهما: أنه على القولين لاحتمال أنه أحبلها بالنكاح، ثم اشتراها فولدت في ملكه.
ولو قال: إنه ولدى استهولدتها به في ملكي أو علقت به في ملكى انقطع الاحتمال، وكانت أم ولد لا محالة، وكذا لو قال: هذا ولدى منها وهي في ملكى منذ عشر سنين، وكان الولد ابن سنة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد أسقط المسألة الثانية من "الروضة" وهي ما إذا قال: هذا ولدي ولدته في ملكى، وكأنه انتقل نظره حالة الاختصار. كما يقع كثيرًا في حال الكتابة.
стр. 2630
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من انقطاع الاحتمال وأنه لا محالة فيه، عبر عنه في "الروضة" بقوله: قطعًا، وفي "الشرح الصغير" بقوله: بلا خلاف، وليس الأمر كذلك من نفي الاحتمال المقتضي لنفي الخلاف فإنها قد تكون مرهونة، وفي استيلادها ثلاثة أقوال مشهورة فلم ينتف الاحتمال.
واعلم أن ما رجحه الرافعي بحثًا قد نقله ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عن جمهور الأصحاب، ومع ذلك فإنه يشكل على ما إذا أتت المرأة بولد يلحقة فإن الرافعي وغيره قالوا باستقرار المهر مع إنكار الزوج الوطء تمسكًا بالظاهر وهو العلوق من الوطء، ولم ينظروا إلى احتمال استدخال الماء.
قوله: الأولى إذا كانت له أمتان لكل منهما ولد.
فقال: أحدهما ولدي، ولم تكن إحداهما متزوجة ولا فراشًا للسيد، ثم عين واحدًا يثبت نسبه وكان حرًا، وهل تصير أمه أم ولد؟ نظر إن قال إستولدتها بالزنا مفصولًا، عن الاستلحاق لم يقبل، وكانت أمية الولد على القولين فيما إذا أطلق الاستلحاق، وإن وصله باللفظ قال في "التهذيب" لا يثبت النسب ولا أمية الولد، ولك أن تقول: ينبغي أن يخرج على قولي تبعيض الإقرار انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره في آخر كلامه قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو عجيب وذهول عن كلام البغوي، لأن المسألة مصورة في "التهذيب" ما إذا كان التفسير منفصلًا، لأنه قال في صدر المسألة: إذا كان له أمتان لكل واحدة ولد فقال أحد هذين الولدين ولدى، يؤمر بالتعيين فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وهل تصير أم ولد؟ نظر إن قال بملك اليمين صارت أم ولد له، وإن قال: استولدتها بملك النكاح لم تصر أم ولد، وإن قال