← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ففهم النووي منه خلاف المراد وتصرف في العبارة فوقع في الخلل، وكان يندفع التغليط الصريح، ويمكن التأويل لو حذفت من كلامه لفظة إلى الداخلة على لفظ الآن. وعلى كل حال فالمذكور في "الروضة" غلط قطعًا، لأنه لو كان الحكم في نفسه صحيحًا لكن غلطًا لكونه غير المذكور في كلام القاضي. قوله أيضًا من زوائده: ولو أقر بثياب بدنه لزيد، قال القاضي الحسين في "الفتاوى": يدخل فيه الطيلسان والدواج وكل ما يلبسه، ولا يدخل فيه الخف. والمراد بالدواج: اللحاف. ومقتضى كلام القاضي هذا: أنه يدخل فيه الفروة فإنها مما يلبسه، ولا شك في دخولها. وإنما نبهت عليه لئلا يتشكك في دخولها، وكذلك الحكم لو أوصى بثياب بدنه. انتهى كلامه. وما ذكره من دخول الفروة في اسم الثوب، وأنه لا شك فيه عجيب، وذهول عن المنقول، فقد جزم الرافعي في كتاب الأيمان بأنها لا تدخل وتبعه عليه في "الروضة"، وجزم بدخولها في الملبوس فقال: حلف لا يلبس ثوبًا حنث بلبس السراويل. ثم قال: ولا يحنث بلبس الجلود، ولا بما يتخذ منها ولا بلبس القلنسوة. هذا لفظه. ثم قال: ولو حلف لا يلبس شيئًا حنث بجميع ذلك. والقلنسوة هي القبع والطاقية ونحوهما مما يغطي الرأس، كما تعرفه في الكفارات.

стр. 2627

وقد علم مما قاله هناك أن القلنسوة لا تدخل في مسمى الثياب، وحينئذ فلا تدخل في مسألتنا -أعني في الإقرار- وفيه نظر، فإنها تجري في الكفارات. ورأيت في الأيمان من كتاب ابن كج أنه لو حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها فتغطى بلحاف لم يحنث. والله أعلم.

стр. 2628

الباب الرابع في الإقرار بالنسب قوله: القسم الأول: أن يلحق النسب بنفسه فيشترط فيه أمور، ثم قال: والثالث: أن يصدقه المقر له إذا كان ممن يعتبر تصديقه، فإن استلحق بالغًا فكذبه لم يثبت النسب. ثم قال في آخر المسألة. وقوله -يعني الغزالي-: أو المقر له ليس فيه [إلا] (١) اعتبار عدم التكذيب، وهو معتبر لكنه غير مكتفى به، بل المعتبر تصديقه عند الإمكان صرح به صاحب "الشامل" وغيره. وقضيته أنه لو سكت لم يثبت النسب. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من عدم الاكتفاء بالسكوت، وأنه لابد من التصديق، قد خالفه في الشهادات في الباب الثالث منه في الفصل الثاني المعقود للشهادة بالتسامع، وستقف على لفظه هناك واضحًا إن شاء الله تعالى. الأمر الثاني: أنه لم يثبت مقالة الغزالي خلافًا، بل اعترض عليه اعتراضًا يشعر بعدم الخلاف. ولهذا جزم النووي في "الروضة" بذلك أيضًا، ولم يحك فيه خلافًا، وكأنه توهم أن تعبير الغزالي جرى من غير قصد، وليس كذلك، فقد صرح الغزالي في "الوجيز" أيضًا في الموضع الآتي ذكره في كتاب الشهادات بثبوت النسب مع السكوت، وكذلك الإمام وغيره، ولأجل

стр. 2629

ذلك تبعهم الرافعي غير أنهم ترددوا في صيغة الشهادة. فقيل: يشهد بثبوت النسب، وقيل: بالإقرار كما ستعرفه. قوله: استلحق عبد الغير أو معتقه لم يلتحق إن كان صغيرًا محافظة على حق الولاء للسيد، وإن كان بالغًا وصدقه فوجهان. انتهي. تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والصحيح منهما صحة استلحاقه، كذا صححه الرافعي في باب اللقيط، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض آخر فراجعه. قوله: ومن له جارية ذات ولد إذا قال: هذا ولدى من هذه الجارية يثبت نسبه، وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان: أقربهما إلى القياس وأشبههما بقاعدة الإقرار: أنها لا تصير لاحتمال أنه استولدها بشبهة أو نكاح وملكها بعد ذلك. ولو قال: إنه ولدي منها ولدته في ملكي، فطريقان: أحدهما: القطع بثبوت أمية الولد لتصريحه بالولادة في الملك. وأصحهما: أنه على القولين لاحتمال أنه أحبلها بالنكاح، ثم اشتراها فولدت في ملكه. ولو قال: إنه ولدى استهولدتها به في ملكي أو علقت به في ملكى انقطع الاحتمال، وكانت أم ولد لا محالة، وكذا لو قال: هذا ولدى منها وهي في ملكى منذ عشر سنين، وكان الولد ابن سنة. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد أسقط المسألة الثانية من "الروضة" وهي ما إذا قال: هذا ولدي ولدته في ملكى، وكأنه انتقل نظره حالة الاختصار. كما يقع كثيرًا في حال الكتابة.

стр. 2630

الأمر الثاني: أن ما ادعاه من انقطاع الاحتمال وأنه لا محالة فيه، عبر عنه في "الروضة" بقوله: قطعًا، وفي "الشرح الصغير" بقوله: بلا خلاف، وليس الأمر كذلك من نفي الاحتمال المقتضي لنفي الخلاف فإنها قد تكون مرهونة، وفي استيلادها ثلاثة أقوال مشهورة فلم ينتف الاحتمال. واعلم أن ما رجحه الرافعي بحثًا قد نقله ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عن جمهور الأصحاب، ومع ذلك فإنه يشكل على ما إذا أتت المرأة بولد يلحقة فإن الرافعي وغيره قالوا باستقرار المهر مع إنكار الزوج الوطء تمسكًا بالظاهر وهو العلوق من الوطء، ولم ينظروا إلى احتمال استدخال الماء. قوله: الأولى إذا كانت له أمتان لكل منهما ولد. فقال: أحدهما ولدي، ولم تكن إحداهما متزوجة ولا فراشًا للسيد، ثم عين واحدًا يثبت نسبه وكان حرًا، وهل تصير أمه أم ولد؟ نظر إن قال إستولدتها بالزنا مفصولًا، عن الاستلحاق لم يقبل، وكانت أمية الولد على القولين فيما إذا أطلق الاستلحاق، وإن وصله باللفظ قال في "التهذيب" لا يثبت النسب ولا أمية الولد، ولك أن تقول: ينبغي أن يخرج على قولي تبعيض الإقرار انتهى كلامه. وهذا البحث الذي ذكره في آخر كلامه قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو عجيب وذهول عن كلام البغوي، لأن المسألة مصورة في "التهذيب" ما إذا كان التفسير منفصلًا، لأنه قال في صدر المسألة: إذا كان له أمتان لكل واحدة ولد فقال أحد هذين الولدين ولدى، يؤمر بالتعيين فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وهل تصير أم ولد؟ نظر إن قال بملك اليمين صارت أم ولد له، وإن قال: استولدتها بملك النكاح لم تصر أم ولد، وإن قال

стр. 2631

بوطء شبهة، فهل تصير أم ولد؟ فيه قولان، وإن أطلق فقولان أيضًا، وإن قال استولدتها بالزنا لا يقبل هذا التفسير، وهو كالطلاق. هذا كلامه. وقد ظهر به أن تفسيره بالزنا متأخر، وبتقدير الاتصال، فالتبعيض بالنسبة إلى النسب مسلم، فإن قوله ولدًا أو من زنا متنافيان، وأما أمية الولد فعلى القول بأنها لا تثبت بالإطلاق لا تنافي بينهما. قوله: فلو ادعت الأمة الأخرى أن ولدها هو الولد الذي استلحقه وانها هى التي استولدها فالقول قول السيد مع يمينه، وكذا لو بلغ الولد فادعى. انتهى كلامه. وهو مشكل لأن المسألة مصورة بما إذا لم تكن فراشًا له، والسيد إذا لم يعترف بالوطء لا تسمع عليه دعوى الاستيلاد، ومن طريق الأولى سماع الولد عليه بعد البلوغ قاله ابن الرفعة. قوله: ولو مات السيد قبل التعيين قام ورثته مقامه، فإن قالوا: لا نعلم رجعنا إلى القائف، فلو تعذر أقرعنا بينهما ليعرف الحر منهما ولا يحكم لمن خرجت قرعته بالنسب والميراث. وأما الاستيلاد فإن لم يوجد من السيد ما يقتضيه لا يثبت، وإن وجد فهل تحصل أمية الولد في أم ذلك الولد بخروج القرعة؟ حكى الإمام فيه وجهين وقال: المذهب أنها لا تحصل، لأنها تتبع النسب، فإذا لم نجعله ولدًا لا نجعلها أم ولد. والذي أورده الأكثرون: أنها تحصل، لأن المقصود العتق، والقرعة عاملة فيه. وعلى هذا الخلاف يحمل قوله في الكتاب: وهل يقرع بين الأمتين في الاستيلاد؟ فيه خلاف.

стр. 2632

وقد يتبادر إلى الفهم إخراج القرعة مرة أخرى ولا يعقل ذلك، إذ لا يؤمن خروج القرعة على غير التي خرجت لولدها. انتهى كلامه. وما توهمه ﵀: من أن أحدًا لم يقل بقرعة ثانية غريب، فقد صرح الإمام في "النهاية" بذلك فقال: وأما القائل بالأول -وهو أن الاستيلاد لا يثبت- فإنه يقول: بين الجاريتين عتق كما بين الولدين عتق فنفرد الجاريتين بالقرعة. هذا لفظه. وقد صرح الغزالي بتجديد القرعة في "البسيط" أيضًا، ورأيت في "شرح المهذب" للعراقي الجزم به أيضًا، وفرع عليه فقال: لو خرجت القرعة لغير التي خرجت لولدها عتقت هي، ورق ولدها. قوله: إذا قال من له أمة لها ثلاثة أولاد: أحد هؤلاء ولدي فعين الأصغر فالأكبران رقيقان، وإن عين الأوسط فالأكبر رقيق وأما الأصغر فإن لم نجعل الأمة أم ولد فهو رقيق كالأم. وإن جعلناها، فينظر إن لم يدع الاستبراء بعد الأوسط فقد صارت فراشًا بالأوسط فيلحقه الأصغر ويرثه. ثم قال بعد ذلك: وذكر في "التتمة" وجهًا آخر، فيما إذا لم يدع الاستبراء: أنه لا يثبت نسبه، ويكون حكمه حكم الأم يعتق بموت السيد، لأن الاستبراء حصل بالأوسط، ولم أر لغيره ذكره. انتهى كلامه. وما ذكره في آخره من حكاية ذلك وجهًا ضعيفًا لم يره إلا في "التتمة" غريب، فقد حكاه الماوردي في "الحاوي" وعلله باحتمال أن تكون علقت بالأوسط في ملكه وهي مرهونة ثم بيعت بعد وضعه في الدين فولدت الأصغر من زوج ثم استبرأها مع الأصغر. وحكاه أيضًا البغوي في "التهذيب"، بل لنا وجهان شهيران في أن وضع أم الولد هل يكون استبراء حتى إذا أتت بولد آخر لا

стр. 2633

يلحق السيد لأن وضع الحمل أقوى في الدلالة على الاستبراء؟ من دعواه بعد ذلك أنه استبرأها بالحيض، أم لا يكون استبراء وبالغ الإمام في باب الاستبراء في تضعيف الثاني، وأغرب من ذلك كله أنه قد صحح هذا الوجه الذي ادعى غرابته، وهو عدم اللحوق في آخر باب الاستبراء، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: القسم الثاني: أن يلحق النسب بغيره مثل أن يقول: هذا أخى ابن أبى، أو ابن أمى فيقبل بشروط. انتهى. اعلم أن ما أطلقه الرافعي من اللحوق، وتبعه عليه في "الروضة" مسلم إذا كان الملحق به رجلًا، فإن كانت امرأة فلا، لأن اعترافها هي لا يقبل على الصحيح كما ذكروه في كتاب اللقيط فبالأولى استلحاق ورثتها. كذا جزم به في "المطلب" فقال فيما إذا قلنا: لا يصح، فاستلحاق وارثها وإن كان رجلًا بطريق الأولى، وقد صرح به ابن اللبان. هذا لفظه، وهو واضح. قوله: وإذا أقر بعض الورثة، وأنكر البعض لم يشارك المقر في حصته في ظاهر المذهب. وقيل: يشارك، وهذا في الظاهر. وأما في الباطن فهل على المقر إذا كان صادقًا أن يشركه فيما في يده، فيه وجهان. الصحيح منهما على ما قاله ابن الصباغ: نعم. وهو على هذا يعطيه ثلث ما في يده لأن حق الثالث شائع فيما في يده، ويد صاحبه. وقيل: نصفه لأن الثالث بزعمهما غصبهما بعض حقهما. وعن صاحب "التقريب": أنه إن أخبره المنكر على القسم بأن معهما

стр. 2634

ثالثًا أعطاه النصف، لأنه متعدٍ بتسليم نصف حصة الثالث إليه، فيغرم ما حصل في يد صاحبه كما يغرم الحاصل في يده، ثم قال: وقيل: لا فرق عند التراضي بين العلم والجهل انتهى. فيه أمور: أحدها: أن ما صححه ابن الصباغ صححه أيضًا القاضي أبو الطيب، وقال البندنيجي في "تعليقه": إنه المذهب، والنووي في أصل "الروضة": إنه الأصح. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الوجهين الأخيرين من الوجوه المفرعة على المشاركة. الأمر الثالث: أن هذه العلة التى نقلها عن صاحب "التقريب" لا تطابق الحكم، وذلك لأن الحاصل في يد صاحبه من نصيب الذي أنكره هو ثلث ما أخذ، فإذا غرم مثله في يده لزم أن يغرم المقر ثلثي ما في يده لا نصفه. وقد عبر الإمام بتعبير صحيح مرشدًا إلى المراد، وإن كان في كلامه بعد هذا قلق، فإنه قال ما نصه: فقد كانت في يدهما ثابتة على الجميع ثبوتًا شائعًا، فلما اقتسما فقد رفع المقر يده عن نصف حصة الثالث وسلمه وترك للمنكر على المقر مثل ذلك. وإذا نسب المقر إلى تسليم نصف حصة الثالث إلى المنكر كان متعديًا فيلزم أن يغرم ما حصل في يده من الزيادة. هذه عبارة الإمام. فعلمنا أنه أراد بقوله في آخر الكلام ما حصل في يد صاحبه أى مما كان في يده، وكذلك أيضًا قول الرافعي: لأنه متعدٍ بتسليم ما في يده من نصف حصة الثالث أو نحو هذه العبارة، وذلك نصف سدس. وإن شئت فثلث نصف سهم من ستة أسهم في مثالنا، وهو أيضًا

стр. 2635

مضاف لما في يد المقر من نصيب المنكر وهو السدس كامل فيصير مجموع ما يعطيه الثالث سهم ونصف، وذلك نصف ما حصل له أى للمقر. قوله: وهل الإمام له حكم الوارث في الاستلحاق أم فيه خلاف؟ والذي أجاب به العراقيون: أن حكمه كحكمه. انتهى. تابعه في "الروضة" على إطلاق النقل عن العراقيين وزاد على ذلك فصححه فقال: إنه الأصح، وبه قطع العراقيون. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن الماوردي من أكابر العراقيين، وقد خالف في هذه المسألة فقال: إن هذا القول غير صحيح، لأن الإمام لا يملك حق في بيت المال. الأمر الثاني: أن هذا الحكم إنما يأتي إذا كان الميت مسلمًا، فإن كان كافرًا لم يكن ذلك فيه، لأن ماله لم ينتقل لبيت المال على سبيل الإرث، بل للمصالح، فلو صح الاستلحاق للإمام، والحالة هذه لكان استلحاقًا ممن ليس بوارث ولا نائب عنه، بل لو وكل في الاستلحاق لم يصح أيضًا، لأنه توكيل في الإقرار والله أعلم. تم الجزء الخامس بحمد الله وعونه بتلوه في أول السادس كتاب العارية

стр. 2636

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي ﵀ الْمُتَوفَّى ٧٧٢ هـ اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ الْجُزْء السَّادِس مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

стр. 2637

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2638

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (٦)

стр. 2639

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٨١ - ٧٤٠ - ٨ الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - ٥٢ شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ _ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢ المملكة المغربية دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هَاتِف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

стр. 2640

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى على سيدنا محمد - اللهم يسر كتاب العارية و أركانها أربعة قوله: والمعتبر فيه -يعني: في المعير- مالكية المنفعة، فيجوز للموصى له بخدمة العبد وسكنى الدار أن يعير. انتهى. وما ذكره من اشتراط الملك في المعير تابعه عليه في "الروضة"، ويرد عليه صورتان: إحداهما: ما لو نذر أضحية أو هديًا، فإنه يجوز له أن يعيره. كما قال الرافعي في باب الأضحية، مع أنه قد خرج عن ملكه بمجرد النذر، ولهذا قالوا: لا يؤخر. الثانية: جواز إعارة الإمام أراضي بيت المال وغيرها من الأعيان، فإنه لا شك في جوازه، وإن لم يحضرني الآن ناقله. بل قد صرح الرافعي بجواز التمليك، وحينئذ فالإعارة أولى، وما أطلقه من كون الموصي له بالمنفعة مالك، وأنه لا يجوز له أن يعير فيه تفصيل وخلاف مذكور في باب الوصية فراجعه. وكلام الرافعي يقتضي أنه لا يجوز للأب إعارة ولده الصغير، وهو الذي أطلقه في "العدة" كما قال في "الروضة" ولكن إذا أعاره في خدمة حقيرة لا تقابل بأجرة، فالظاهر الذي تقتضيه أفعال السلف أنه لا يمنع منه إذا لم يضر بالصبي هذا كلامه، ولم ينقله عن أحد. وقال الروياني في "البحر": يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه.

стр. 2641

قوله: الركن الثاني: المستعير، قال في الكتاب: ولا يعتبر فيه إلا كونه أهلًا للتبرع عليه وكأنه أراد التبرع بعقد، وإلا فالصبي والبهيمة لهما أهلية التبرع، والاختيار إليهما. ولكن لا يوهب منهما فلا يعاد. انتهى. وما قاله الغزالي، وأقره عليه قد جزم به في "الروضة" وهو يقتضي صحة استعارة السفيه فإن الصحيح صحة قبوله الهبة. كما سبق في الحجر. لكن كيف تصح استعارته مع كونها سببًا مضمنًا؟ لا جرم أن صاحب "الذخائر" جزم بعدم صحتها. وذكر الماوردي في كتاب الحجر نحوه. فإنه قال: فيما إذا أعار من سفيه شيئا فأتلفه: إن حكمه كما لو أتلف الوديعة حتى يجئ فيه الخلاف في ضمانها، ولو صحت منه لكان يضمنها قولًا واحدًا، وإن لم يتلفها. قوله: وأما إعارة الجواري للخدمة فتجوز إن كانت الإعارة من محرم، أو امرأة، وإلا فلا تجوز لخوف الفتنة. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على حصر الجواز في المحرم والمرأة لكن لابد من استثناء أمور: أحدها: المالك: ويتصور ذلك في المستأجر وفي الموصى له بالمنفعة. الثاني: ما استثناه في "الطلب" وهو الزوج يستعير زوجته. قال: فإذا أعارها له، فتكون مضمونة عليه ولو في الليل إلى أن يسلمها له لأن يد الضمان تثبت فلا تزول إلا بذلك. الثالث: إذا مرض رجل ولم يجد من يخدمه إلا امرأة فإنها تخدمه للضرورة. فلو أعار والحالة هذه صح.

стр. 2642

قوله: في المسألة: إلا إذا كانت صغيرة لا تشتهى أو قبيحة، ففيها وجهان انتهى. والصحيح منهما عند الرافعي: أنه يحرم، كذا صححه في "الشرح الصغير" وهو مقتضي إطلاق "المحرر" أيضًا، فإنه لم يستثن شيئًا وقال في "الروضة": الأصح الجواز. واعلم أن الخلوة بالصغيرة جائزة، ولهذا لا تنقض الوضوء بخلاف العجوز، فالصواب التفرقة فيجوز في الصغيرة بخلاف الكبيرة. قال في "المطلب": والحق المنع في العجوز والشوهاء. قوله: وتكره استعارة أحد الأبوين للخدمة لأن استخدامهما مكروه. ولفظ الإمام ينفي الحل. انتهى كلامه. وصورة المسألة: أن يقصد بها الاستخدام، فإن أوقع الإعارة على الخدمة، لكن قصد توقيره كانت مستحبة. كما قاله: القاضي أبو الطيب وغيره وهو واضح. واعلم أن الرافعي في كتاب الإجارة، حكى وجهين في صحة استئجار الولد عين والده قال: كالوجهين في إيجار المسلم نفسه من كافر. وهذا الكلام يدل على الخلاف في جواز استخدامه إياه من غير إجارة، فإنه لا مانع من الإيجار سوى احترام الأبوة وهو موجود في الإعارة. وهذا الذي قلناه يقوى ما نقله الرافعي عن الإمام من نفي الحل. وقد أشار في "الروضة" إلى إنكار ذلك فقال ما نصه: الذي قاله الأصحاب أنه يكره كراهة تنزيه. قال الجرجاني: ويكره أيضًا استئجارهما، هذا لفظه. قوله: ولو قال أبحت لك درها ونسلها فوجهان:

стр. 2643

أحدهما: أنه كقوله: ملكتك حتى لا يصح. والثاني: أنه إباحة صحيحة والشاة عارية صحيحة، وهو ما أورده المتولي انتهى. والصحيح: هو الوجه الثاني، فقد اختاره أيضًا القاضي أبو الطيب والماوردي، وصاحب "الشامل"، وصححه في "الروضة" من زياداته. بل إنما صور المذكورون المسألة وكذلك أكثر من تكلم عليها، بما إذا أعار، حتى اقتضى كلام أبي الطيب صحة الإباحة جزمًا، وهذا هو المتجه. وأما تصوير الرافعي إياها بما إذا أباحه، فتابع فيه البغوي. قوله: الركن الرابع: الصيغة، واختلفوا في الواجب من اللفظ. والأصح الأشهر ما قطع به البغوي وغيره أن المعتبر: اللفظ من أحد الطرفين، والنقل من الآخر. وقال الغزالي: يعتبر اللفظ من جهة المعير ولا يعتبر من جهة المستعير، إنما يعتبر منه القبول بالفعل. انتهى. واللفظ "للروضة"، وقد ذكر في الباب الثاني ما يوافق مقالة الغزالي، وسأذكره في موضعه فراجعه. ثم إن الذي ذكره هناك هو قياس الوديعة فإن الرافعي، قد جزم بأنه يشترط فيها اللفظ من جهة المودع، والفعل من الآخر ووافقه عليه في "الروضة" وتتجه التسوية بين البابين. قوله: ويوافقه ما حكى عن الشيخ أبي عاصم أنه إذا انتفع بظرف الهدية المبعوثة إليه، حيث جرت العادة باستعماله، كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها، كان عارية لأنه انتفاع بملك المعير بإذنه. انتهى كلامه. وما قاله أبو عاصم، قد جزم به البغوي أيضًا، ونقله عنه الرافعي في كتاب الهبة، ثم إن محل ذلك أيضًا إنما هو فيما إذا كانت الهدية لا لمقابل،

стр. 2644

فإن كانت عوضًا فالظرف أمانة في يده، كالإجارة الفاسدة. كذا حكاه المتولي عن أبي عاصم المذكور ونقله عنه في "الروضة". ويؤخذ من كلام الرافعي هنا أن الضمان في المسألة التي نقلها يتوقف على الاستعمال فأما قبله [فهو] (١) أمانة، وإن كانت بغير مقابل. وقد صرح به الرافعي في الهبة.

стр. 2645

قال ﵀: أما أحكامها فأربعة قوله: فإذا وجب ضمان العارية فأي قيمة تعتبر؟ فيه ثلاثة أوجه, وسماها الزجاجي أقوالًا وكذلك في "الوسيط". أحدها: أقصا القيم. وثانيها: قيمة يوم القبض. والثالث: وهو الأصح قيمة يوم التلف فإن ضمناه ضمان المغصوب كان ولدها الحادث في يده مضمونًا عليه وإلا فلا. انتهى ملخصا فيه أمور: أحدها: أن كلامه يقتضي أن الراجح كون الخلاف وجوهًا، وقد خالفه في "المحرر" فقال: أصح القولين أن إعارته تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصا القيم، هذا لفظه، وقد عدل في "المنهاج" عن ذلك، وجعله الخلاف وجوها وهو الصواب. واعلم أن إطلاق الرافعي يقتضي أنه لا فرق في التضمين بالقيمة بين المثلى كالخشب والحجر، وبين المتقوم؛ وهو كذلك، فإن المنقول في "الحاوي" و"التهذيب" و"المحرر" وغيرها بناء المثلى على الخلاف في ضمان المتقوم فإن اعتبرنا أقصا القيم أوجبنا القيمة. الأمر الثاني: أنا إذا قلنا أن ولد العارية لا يكون مضمونًا فيكون حكمه، كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره، وغير ذلك من الأمانات الشرعية، هكذا جزم به القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما. ولم يذكر ابن الرفعة في "المطلب" و"الكفاية" غيره. وحكم الثوب المذكور ونحوه أنه إذا تمكن من رده إلى المالك فلم يرده كان ضامنًا له في أصح الوجهين.

стр. 2646

كذا ذكره الرافعي في كتاب الوديعة، وحينئذ فإذا تمكن من رد هذا الولد فلم يرده، كان ضامنا له في الأصح فتفطن له فإن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم إيهامًا ظاهرًا بخلافه. الأمر الثالث: إنما قيد الرافعي ما ذكره بالولد الحادث للاحتراز عما إذا أعاره دابة فتبعها ولدها، فإن الولد لا يكون مضمونًا عليه، كما قاله القاضي الحسين والبغوي في "فتاويهما" ولم يذكر في "زوائد الروضة" غيره. وقال في "الكفاية": إذا قلنا بضمان الولد الحادث قلنا أيضًا بالضمان في الولد التابع؛ ولم ينقل عدم الضمان إلا عن الجيلي، والذي قاله مردود، وقد نبهت عليه في "الهداية في أوهام الكفاية" فراجعه. قوله: فيما إذا استعار من المستأجر: ومؤنة الرد في هذه الإستعارة على المستعير إن رد على المستأجر، وعلى المالك إن رد عليه، كما لو رد عليه المستأجر. انتهى كلامه. وما ذكره من إيجاب المؤنة على المالك، قد خالفه في غير هذا الموضع، وسأذكر ذلك في موضعه من باب الإجارة، إن شاء الله تعالى فراجعه. قوله: ألا ترى أن الأصل يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة. انتهى كلامه. وما ذكره عن عدم الرجوع في الصدقة للأصل قد ناقضه في غير هذا الموضع، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى في باب الهبة مبسوطًا فراجعه. قوله: ولو كان لأحد الرفيقين في السفر دابة وللآخر متاع، فقال صاحب المتاع للآخر: احمل متاعي على دابتك فأجاب، فصاحب المتاع مستعير. ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة فهو مستودع متاعه ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع، ذكره البغوي. انتهى كلامه.

стр. 2647

وفيه كلام سبق ذكره قريبا في أول الركن الرابع. قوله: وإن كان ينتفع به بجهتين فصاعدًا كالأرض تصلح للزراعة والبناء، وكالدابة للركوب والحمل، فهل تصح إعارته مطلقًا أم لابد من بيان جهة الانتفاع؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالثاني فقال: أعرتك لتنتفع به فيما بدا لك، أو كيف شئت فوجهان. انتهى. أما الوجهان الأولان فالصحيح فيهما أنه لابد من البيان. فقد قال -أعني الرافعي- في باب الإجارة من هذا الكتاب، وفي "المحر" هنا: إنه الأظهر. وكلامه في "الشرح الصغير" يشعر برجحانه. واقتصر في "الروضة" على نقل ما في "المحرر" ولم يتفطن إلى الترجيح الواقع في كتاب الإجارة. وأما الوجهان الأخيران فتابعه في "الروضة" على حكايتهما أيضًا من غير ترجيح. والصحيح منهما: الصحة، فإنهما صححا ذلك في نظيره من الإجارة، وحينئذ فتصحيح الإعارة بطريق الأولى. قوله: وللمعير والمستعير الرد متى شاء. واستثنى الأصحاب عن الأصل المذكور صورتين: الأولى: إذا أعار أرضا للدفن للميت فدفن. الثانية: إذا أعار حائطًا لوضع الجذوع فلا يرجع على وجه. انتهى. وما ذكره من الحصر تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك بل تستثنى ثالثة وهي: ما إذا كفن الميت أجنبي فهل الكفن باق على ملك الأجنبي؟ فيه خلاف حكاه الرافعي في كتاب السرقة من غير تصحيح، وصحح النووي من "زوائده" البقاء.

стр. 2648

قال في "الوسيط" في باب الوصية: إنه يكون عارية. وقال في السرقة من العواري اللازمة. وصرح الرافعي في السرقة أيضًا بأنه كالعارية وهو معنى لفظ الغزالي، والتشبيه لا معنى له لأنه حقيقة العارية. ولو أراد [أداء] (١) الصلاة المفروضة، فأعاره ثوبًا ليستر به عورته، أو ليفرشه في مكان نجس ففعل وأحرم وكان الرجوع مؤديا إلى بطلان الصلاة فيتجه منعه منه، ويحتمل الجواز وتكون فائدته طلب الأجرة. ويستثني من رد المستعير صورة أخرى وهي: استعارة الدار لسكنى المعتدة كما ذكره الأصحاب في كتاب العدد. قوله: وإذا أعار أرضًا لدفن ميت فله الرجوع قبل الحفر وبعده، ما لم يوضع الميت، قال في التتمة: وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب. وذكر أن مؤنة الحفر إذا رجع بعد الحفر وقبل الدفن على ولي الميت، ولا يلزمه الطم. انتهى كلامه بحروفه. فيه أمران: أحدهما: أنه ليس فيه ولا في "الروضة" ما يدل على أن المحكي عن "التتمة" حكايه لوجه آخر مرجوح، أو استدراك لما قاله أولئك حتى يكون إطلاقهم محمولا عليه؟ بل كلامه يوهم الاحتمال الثاني؛ وقد بيّن ذلك في "الشرح الصغير" وذكر ما حاصله: أنه وجه فقال: وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع فيه الميت، وقيل ما لم يوار بالتراب. هذا لفظه بحروفه، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر". نعم: كلام الإمام يقتضي موافقة صاحب "التتمة" فإنه قال: وللمعير

стр. 2649

الرجوع قبل اتفاق [الدفن] (١). الأمر الثاني: أن المتولي قد جزم بأن مؤنة الحفر في هذه الحالة على المعير فقال: إذا رجع في العارية بعد الحفر وقبل الدفن غرم لولي الميت مؤنة الحفر، لأنه بإذنه في الحفر أوقعه في التزام ما التزمه، وفوت عليه مقصوده لمصلحة نفسه، هذا لفظ المتولي. وكلام الرافعي يشعر بأن المتولي أجاب بعكسه، فإنه بعد أن نقل عن المتولي ما نقل عبر بقوله: وذكر أن مؤنة الحفر إلى آخر ما قدمناه. لكن يحتمل أن تكون الذال مضمومة على البناء للمفعول، ويكون غير المتولي هو الذاكر له. وقد عبر النووي بعبارة لا تحتمل فأتى بلفظ قال: ثم استدرك عليه، ونسب الرافعي فيه إلى الغلط. قوله: في أصل "الروضة": إعارة الأرض للبناء أو الغراس ضربان. انتهى. استدرك المصنف في "لغات التنبيه" على الشيخ في تعبيره بالغراس فقال: لو عبر بالغرس -أي: بإسقاط الألف- لكان أحسن وأخصر؛ والذي أرشد الشيخ إليه قد وقع فيه ههنا. قوله ولو استعار أرضًا فبنى فيها أو غرس، ثم رجع المالك، فإن كان قد شرط عليه القلع مجانًا عند رجوعه لزمه، ثم قال بعد ذلك: إنه لا فرق فيه بين العارية المطلقة والمؤقتة. انتهى. وتقييد القلع بقوله مجانًا ذكره هو والنووي في كتبهما، والصواب حذفه؛ فإنه يقتضي أنه لا يؤمر بالقلع مجانًا إلا عند التنصيص عليه، وهو

стр. 2650

خلاف ما قاله الشافعي، فإن الشافعي أوجب عليه ذلك بدون هذا الشرط، فقال في "المختصر" و"الأم" ما نصه: ولكن لو قال -أي: المعير- فإذا انقضى الوقت كان عليك أن تنقض بناءك، كان ذلك عليه، لأنه لم يغره إنما غر نفسه هذا لفظه. ولذلك لم يأت به جماعة منهم الشيخ في المهذب. قوله: ولو أراد المستعير القلع مكن منه، ثم إن لم يكن قد شرط عليه القلع فهل يلزمه تسوية الأرض؟ فيه وجهان: أظهرهما نعم. انتهى مخلصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما رجحه هنا قد رجح عكسه في "المحرر"، فقال: أظهر الوجهين: أنه لا يلزمه تسوية الأرض، هذا لفظه؛ وهو غريب لتعبيره بالأظهر في الموضعين. والظاهر أنه في "المحرر" انعكس عليه المراد ولأجل ذلك قال في "الروضة" من زياداته: إن الجمهور على اللزوم، قال: ولا تغتر بما في "المحرر" فإنه ضعيف، ويؤيد ما قاله: أن الإمام ادعى في الإجارة إتفاق الأصحاب عليه. الأمر الثاني: أن إيجاب التسوية يتجه أن يكون محله في الحفر الحاصلة من القلع، أما الحاصلة بسبب البناء أو الغراس في مدة العارية فيتجه عدم وجوبها، لأنها ما حدث فيها لأجل الاستعمال. وإذا لم يوجبوا ضمانًا عند انمحاق الثوب أو استخفافه لهذه العلة، فالحفر أولى. قوله في المسألة: فإن لم يختر المستعير القلع ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعير يخير بين أن يتملكه بالقيمة، وبين أن يقلع ويضمن أرش ما نقص وهذا رأى أكثر العراقيين وغيرهم، ويشبه أن يكون أظهر في

стр. 2651

المذهب. والثاني: أنه يخير بينهما وبين الإبقاء بأجرة. والثالث: له القلع مع الأرش، وليس له التملك، ولا الإبقاء بأجرة، إلا بإذن المستعير لأنها بيع أو إجارة، قاله في "التهذيب". انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن حاصل ما في "التهذيب" هو التخيير بين الثلاث فإنه قال: ولكن يخير المعير بين أحد الأشياء الثلاثة، إن شاء أخذها بالقيمة وإن شاء كلف المستعير قلعها وضمن أرش النقصان، وإن شاء أقرها بالأجرة، فإن أراد القلع لا يحتاج إلى إذن المستعير وإن أراد التملك بالقيمة أو التقرير بالأجرة يحتاج إلى إذنه، لأنه بيع أو إجارة. وربما يريد المستعير نقله، هذا لفظه بحروفه. وحاصله: أنه لا يستقل بالتملك، ولا بالإبقاء بالأجرة بخلاف القلع لأن في التملك إخراج ملكه عنه وفي الإبقاء بالأجرة إلزام ذمته مالًا وهو قد لا يريد ذلك، بل يريد القلع. وهذا الذي قاله صحيح ظاهر، وحينئذ فإذا اختار المعير واحدة من هذين عرضنا الأمر على المستعير، فإن أجاب إليها، وإلا جوزنا للمعير القلع، وإن لم يقلع المستعير. الأمر الثاني: أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع شتى، واختلف فيها كلامه، وتابعه في "الروضة" على ذلك، فلنذكر تلك المواضع. فنقول: قد عرفت المذكور هنا وذكرها أيضًا في كتاب الصلح وأجاب بالتخيير بين الخصال الثلاث، ذكر ذلك في أوائل الفصل الثاني من الباب الثاني عند الكلام على ما إذا أعاره حائطًا لوضع الجذوع وقلنا: بالصحيح

стр. 2652

وهو جواز الرجوع فقال: وما فائدة رجوعه؟ فيه وجهان أظهرهما: أنه يتخير بين أن يبقى بأجرة وبين أن يقلع ويضمن أرش النقض، كما لو أعار أرضًا للبناء. قال في "التهذيب": إلا أن في إعارة الأرض له خصلة أخرى، وهي تملك البناء بالقيمة وليس لمالك الجدار ذلك؛ لأن الأرض أصل فجاز أن يستتبع البناء، والجدار تابع فلا يستتبع. انتهى كلامه. وجزم في الباب الثاني من أبواب الغصب في الطرف الثاني منه بما يقتضيه أيضًا. وصرح به في كتاب الهبة، فيما إذا وهب لابنه أرضًا فبنى فيها الابن أو غرس، ثم رجع الأب فقال: وليس للأب قلع البناء والغراس مجانًا لكنه يتخير بين الإبقاء بأجرة، والتملك بالقيمة، أو القلع، وغرامة النقض كالعارية. انتهى فالمذكور هنا التخيير بين التملك والقلع. وفي الصلح والغصب والهبة التخيير بين الثلاث. وذكرها في "الشرح الصغير" في هذا الباب وفي الصلح "كالكبير" ولم يتعرض لها في كتاب "الهبة". واعلم أن هذا الحكم على شدة اضطرابه يأتي في مسائل صرح بها الرافعي وغيره. منها: الإجارة. فإذا انقضت المدة والبناء والغراس باقيان ولم يكونا شرطًا إبقاءً ولا قلعًا، فهو كالعارية. ومنها: الشفعة. فإذا بني المشتري أو غرس، ثم أخذ الشفيع بعد ذلك، فحكمه حكم المعير فيما تقدم. ومنها: المفلس، فإذا اشترى أرضا وبنى فيها أو غرس، ثم حجر عليه بالإفلاس قبل وفاء ثمنها، فأراد البائع الرجوع فيها وامتنع الغرماء والمفلس

стр. 2653

من القلع، فيكون البائع مخيرًا بين التملك والقلع مع غرامة الأرش. ومنها: الهبة وقد تقدم الكلام فيها. فإن قيل: كيف يتصور ذلك في الشفعة، مع أن المشتري إذا تصرف بالبناء أو الغراس قبل القسمة، فإن الشفيع يقلع ذلك مجانًا، لأنه تصرف بغير إذن شريكه، وإن كان بعد القسمة فلا شفعة؟ . قلنا: قال الأصحاب: يتصور في مسائل: إحداها: أن يوكل في القسمة من شركائه فيقاسم للوكيل من المشتري، ثم يطلع بعد ذلك على الحال. الثانية: أن يدعي المشتري أنه ملكه بهبة أو بثمن كبير، فيقاسمه الشفيع ثم يبني المشتري في ملكه، ثم يطلع الشفيع بعد ذلك فيأخذ. وهذه المسألة الشديدة الاضطراب الواقعة في أبواب قد نص عليها الشافعي في "الأم" فقال: في كتاب اختلاف العراقيين في باب العارية ما نصه: قال الشافعي: فإذا أعار الرجل الرجل بقعة من الأرض يبني فيها بناء فبناه، لم يكن لصاحب البقعة أن يخرجه من بنائه حتى يعطيه قيمته. وذكر أيضًا مسألة الشفعة في الكتاب المذكور. فقال في باب الشفعة ما نصه: قال الشافعي: وإذا اشترى رجل نصيبًا من دار، ثم قاسم فيه وبناه، ثم طلبه الشفيع بالشفعة قيل له: إن شئت أد الثمن الذي اشتراه به، وقيمة البناء اليوم، وإن شئت فدع الشفعة؛ لا يكون له إلا هذا. ونص أيضًا في الكتاب المذكور على مسألة الهبة في باب الصدقة والهبة فقال: فيما إذا وهب نصف دار هبة تقتضي الرجوع، فبنى الموهوب له ثم

стр. 2654

رجع ما نصه: ويقال له: إن أعطيته قيمة البناء أخذت نصف الدار والبناء، كما يكون لك وعليك في الشفعة. فاعلم أن هذه المسائل قد وقع في الكلام عليها في "التنبيه" و"المحرر" و"المنهاج" شيء غريب، وذلك أن هذه الكتب قد وقع فيها في هذا الباب، أن المستعير مخير بين الإبقاء بأجرة والقلع مع ضمان الأرش لا غير. أما في "المحرر" و"المنهاج" فبالتصريح. وأما في "التنبيه" فعلى ما فهمه الشارحون وهذا المذكور في المختصرات، لم يذكره مصنفوها في أصولهم من هذا الباب، فضلًا عن تصحيحه فلم يذكره الشيخ في "المهذب"، وإن ذكره في "التنبيه"، ولا الرافعي في هذا الكتاب وإن ذكره في "المحرر" ولا النووي في "الروضة" وإن ذكره في "المنهاج"، لأنهم حكوا في المسألة ثلاثة أوجه كما تقدم وليس المجزوم به ههنا واحدًا منها. وقد ذكر في "التنبيه" مسألة الشفيع على الصواب، وليست في "المنهاج"، وذكر في "المنهاج" مسألة المفلس على الصواب وليست في "التنبيه"، وتلك اتفاقات غريبة. قوله: والثاني أن أبا حنيفة والمزني جوزا له القلع مجانًا إذا رجع بعد المدة ذهابًا إلي أن فائدة بيان المدة القلع بعد مضيها، وهو اختيار القاضي الروياني. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على نقل اختيار ذلك عن الروياني، وهو غلط مخالف لما في "البحر" و"الحلية". أما "البحر" فقد صرح فيه بتخطئة ما قاله المزني. وأما في "الحلية" فإنه صحح فيها أيضًا خلافه. فقال: فلو كانت العارية مؤقته، فالحكم كما لو كانت مطلقة في أظهر

стр. 2655

القولين. واختيار المزني فيها أن له مطالبته بالقلع عند انقضاء المدة بلا ضمان لفائدة التأقيت وهو الاختيار للمزني، هذا لفظه وكأن إعادة الإختيار المنسوب إلى المزني، مع عدم مراجعة "البحر"، هو الذي أوقع الرافعي في الغلط. وإنما أعاده الروياني، لأنه تقدم منه نقل نظيره عن المزني، فكأنه قال وهو الإختيار المعهود منه الذي سبق ذكره. قوله: ولو امتنع المعير من إختيار شيء مما خيرناه فيه لم يكن له القلع مجانًا ثم قال وما الذي يفعل؟ قال بعضهم: يبيع الحاكم عليها ليفصل الأمر. وقال الأكثرون: يعرض الحاكم عنهما حتى يختارا شيئًا. انتهى كلامه. وتعبيره بقوله حتى يختارا أي بالألف وقع كذلك في أكثر نسخ الرافعي وفي "المحرر" و"المنهاج" والصواب حذفها لأن اختيار المعير وحده كاف. وقد حذفها النووي في "الروضة". قوله: قال المتولي: إذا بني أحد الشريكين أو غرس في الأرض المشتركة بإذن صاحبه، ثم رجع صاحبه لم يكن له القلع بأرش النقص لأنه يتضمن قلع بناء المالك في ملكه وليس له أن يتملك بالقيمة لأن للباني في الأرض مثل حقه لكن ليس له الإبقاء بأجرة. فإن لم يبذلها الثاني، فهل تباع أو يعرض عنها فيها ما سبق. انتهى. اعترض في "الروضة" على كلام المتولي فقال: هكذا قاله المتولي، فإن لم يبذلها الثاني وكان ينبغي أن يقول: فإن لم يرض بها المعير، فإنا إذا جوزنا للمالك اختيار خصلة فاختارها أجبرنا المستعير عليها. وفي هذه الصورة قد جوزنا للمالك اختيار الإجارة، لانحصار الأمر فيها، بخلاف ما إذا كانت الأرض كلها للمعير.

стр. 2656

والذي قاله اعتراض صحيح، غير أنه قال: إن بذل الثاني ليس بشرط على المختار كما تقدم. وحكايته للخلاف مع ترجيح إجابة المعير غلط؛ لأنَّ الخلاف محله فيما إذا أعار جميع الأرض، ولكن الصحيح عدم الإجبار على الأجرة، بل التخيير بين الخصلتين فقط. ومسألتنا هذه وإن كان يجبر على الأجرة إن لم يقلع، لكن لا خلاف فيها. واعلم أن طريقة المتولي التخيير بين شيئين فقط، وهما: التملك بالقيمة، والقلع بغرامة الأرش. وذكر ابن الصلاح في "فتاويه" أن للشريك أن يتملك بالقيمة من البناء بقدر حصته من الأرض ويصير البناء مشتركًا بينهما، كاشتراكهما في الأرض. وقد ذكر في "التتمة" في كتاب الشفعة فرعًا يخالف ما ذكره هنا فقال: إذا كانت أرض بين ثلاثة استأجر أحدهم نصيب أحد شريكيه مدة معلومة ليبني ويغرس، واشترى نصيب الأخر ثم بني في الأرض وغرس، فله ذلك. وشفعة الشريك الذي أجر ولم يبع فائتة فإذا طلب الشفعة لم يكن له أن يقلع البناء والغراس مجانًا لكنه بالخيار إن شاء أقره بأجرة، وإن شاء قلع وغرم النقص وإن شاء تملك عليه بالبدل. كما ذكرنا في من استعار أرضًا ليبني فيها أو يغرس، ثم رجع المالك هذا كلامه. قوله: ولو أعاره للفسيل إلى آخره. هو بفاء مفتوحة، وسين مهملة مكسورة وياء بنقطتين من تحت، هو

стр. 2657

صغار النخل ويقال له الفسيلة، أيضًا قاله الجوهري. قوله: ولو حمل السيل ما لا قيمة له كنواة واحدة أو حبَّة فنبتت فهي لمالك الأرض في وجه، لأنَّ التقويم حاصل في أرضه، ولمالك الأصل في وجه، لأنها محرمة الأخذ. انتهى. والأصح: الثاني كما قاله في "الروضة" قال: وهذا في حبة ونواة لم يعرض عنها مالكها، أما إذا أعرض عنها وألقاها فينبغي القطع بكونها لصاحب الأرض. قوله: إحداها: إذا قال راكب الدابة لمالكها: أعرتني هذه الدابة، وقال المالك: بل أجرتكها فله حالتان: إحداهما: أن تكون الدابة باقية، فإن كان الإختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجرة فقولان: أصحهما: تصديق المالك، ثم استدل عليه فقال: كما لو اختلفا في عين مال فقال المالك بعتكها، وقال من هي في يده: وهبتها، فإن المصدق هو المالك، هذا لفظه. واعلم أن ما ذكره في الاستدلال قد أوضحه في التحالف. فقال ما حاصله: إن الصحيح أنه لا يقدم قول واحد بخصوصه، بل يحلف كل منهما على نفي ما يدعي عليه. وقيل: يصدق مدعي الهبة، وقيل: يتحالفان. إذا علمت ذلك علمت أن ما قاله هنا لا يستقيم، فإن مقتضي الحكم بأن القول قول البائع إجبار المشتري على أخذ السلعة بما ادعاه من اليمين. وأقرب تأويل فيه، أن يقال المراد تصديق المالك في نفي كونه هبة لا في إثبات ما يدعيه لكنه تأويل بعيد، ومع بعده يصح أن يقال أيضًا: إن القول قول الآخر، وهو مدعي الهبة، إذا نظرنا إلى هذا المعنى. قوله: الحالة الثانية أن تكون الدابة هالكة، فإن تلفت عقب الأخذ قبل أن

стр. 2658

يثبت لمثلها أجرة، فالراكب نفر بالقيمة، والمالك ينكرها ويدعي الأجرة، فيخرج على الخلاف الذي تقدم في أن اختلاف الجهة هل يمنع الأخذ؟ إن قلنا: نعم، إلى آخر التفريع الذي ذكره. وما ذكره هنا ﵀ غلط ظاهر، تبعه عليه في "الروضة"؛ لأن المسألة قد صورها بما إذا كان التلف قبل مدة لمثلها أجرة وحينئذ فكيف يستقيم الجواب، بأن يقال: المالك يدعي الأجرة وينكر للقيمة. والراكب بالعكس، ويتخرج على الخلاف في إختلاف الجهة؟ . وكلام الرافعي قد سقط منه شيء يعلم من "التهذيب" للبغوي. فإنه قال: ولو كان هذا الاختلاف بعد تلف العين نظر: إن تلفت حال أخذها قبل مضي مدة لمثلها أجرة فالراكب يقر له بالقيمة [وهو ينكر فتزيد برده، ولو تلفت بعد مضي مدة لها أجرة فالمالك يدعي الكراء وهو يقر بالقيمة] (١) فهذا ينبني على أن اختلاف الجهة إلى آخره. هذا لفظ "التهذيب" فسقط ذلك له إما لانتقال نظره أو لوقوع نسخة سقيمة حصل فيها ذلك. قوله: من "زياداته": قال أصحابنا: الرد الواجب والمبري هو أن يسلم العين إلى المالك أو وكيله في ذلك، فلو رد الدابة إلى الإسطبل أو الثوب ونحوه إلى البيت الذي أخذه منه لم يبرأ من الضمان. انتهى. وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما ذكره الرافعي في الغصب وتابعه هو عليه. فإنَه قال نقلا عن المتولي من غير اعتراض عليه: وإذا رد الدابة إلى إسطبل المالك قال المتولي: بريء أيضًا إذا علم المالك به أو أخبره من يعتمد خبره، ولا يبرأ قبل العلم والإخبار.

стр. 2659

كتاب الغصب وفيه بابان: الباب الأول: في الضمان وفيه ثلاثة أركان: الركن الأول: الموجب قوله: وللأصحاب ﵏ في التعبير عن معنى الغصب عبارات. إحداها: أنه أخذ مال الغير على جهة التعدي. ثانيها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق، هذه أعم من الأولى، لأن من استعمل ثوبا لغيره يظنه لنفسه، فإن الغصب يثبت في حقه مع إنتفاء العدوان وهو الإثم. ثالثها: كل مضمون على ممسكه مغصوب. وهذه أعم من الأوليين، ويدخل فيها المقبوض بالشراء الفاسد، والوديعة إذا تعدى فيها المودع، والرهن إذا تعدى فيه المرتهن. وأشبهها وأشهرها العبارة الأولى، والثابت في الصور المذكورة إنما هو حكم الغصب لا حقيقته. انتهى ملخصا. فيه أمور: أحدها: أن المودع إذا تعدى فقد انفسخت الوديعة، وحرم عليه الاستيلاء عليها وصار ضامنا، فقد ثبت فيها حقيقة الغصب [بخلاف المرتهن فإن الثابت فيه إنما هو حكم الغصب] (١) وهو الضمان، وأما الاستيلاء فثابت له

стр. 2660

لبقاء الرهن. الأمر الثاني: أن تعبيره في العبارة الثانية بقوله: بغير حق؛ إن أراد بالحق ما وجب له كالمستأجر ونحوه فيلزم فسادها. وأن تكون الثالثة أعم منها لدخول الوكيل والمستعير، والمودع وغير ذلك. وإن أراد بالحق الجائز فلزم أن لا تكون أعم من العبارة الأولى بل مساوية لها. وقد ذكر في "المطلب" هذا الاعتراض وأقره، [وأقرب] (١) شيء فيه أن يقال: إن أراد بالحق المسوغ في نفس الأمر وحينئذ فلا اعتراض. الأمر الثالث: أن التعبير بالمال مخرج للاختصاصات كجلد الميتة والسرجين وحق التحجر، ونحو ذلك. وقد ذكر في "الروضة" هذا الاعتراض ثم قال بعده: والاختيار: أنه الإستيلاء على حق الغير بغير حق هذا لفظه. وتعبيره بقوله: بغير حق ذهول، والصواب: عدوانًا، فقد تقدم الفرق بينهما وموافقته عليه، وإنما نقصد الإنتقاد على من عبر بالمال. قوله: والإتلاف أيضًا مضمن، وقد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالتسبب. ثم قال: ومن التسبب الإكراه على إتلاف مال الغير. انتهى. واعلم أن المكرِه يعني الأمر، وإن كان يجب عليه، لكن ينبغي أن يتفطن إلى أن المتلف يطالب أيضًا على الصحيح، كما ذكره في الجنايات في الكلام على الإكراه على القتل. ثم إذا غرم فيرجع به على المكرِه على الصحيح أيضًا. قوله: أما إذا كان جامدًا وشرقت الشمس فأذابته إلى آخره.

стр. 2661

يقال: شرقت الشمس تشرق بالضم شروقا وشرقًا إذا طلعت، كما تقول مثله في غربت وهذا هو المراد هنا، وأشرقت إشراقًا إذا أضاءت. قوله: ولو فتح قفصا عن طائر فطار في الحال فطريقان، أظهرهما: قولان: أصحهما: الوجوب. والثانية: يجب قطعًا، وقيل: إن اضطرب ثم خرج وجبت، وإن خرج من غير إضطراب لم تجب. وإن وقف ثم طار فطريقان أيضًا. أظهرهما: القطع بعدم الضمان. والثانية: على قولين، واختار جماعة الضمان مطلقًا. منهم الروياني. انتهى ملخصًا. اختصره في "الروضة" بقوله: فثلاثة أقوال: أظهرها: إن طار في الحال ضمن، وإلا فلا. والثاني: يضمن مطلقًا. والثالث: لا يضمن مطلقًا، هذا لفظه من غير زيادة عليه، وفيه خلل من ثلاثة أوجه: أحدها: في إسقاط الوجه المفصل بين أن يضطرب أم لا. وثانيها: في إسقاط الطريقين. وثالثها: أن جزمه بحكاية الخلاف فيما إذا وقف ثم طار، عكس ما صححه الرافعي، فإن الصحيح فيه طريقة القطع. واعلم أن ما نقله الرافعي عن اختيار الروياني صحيح، لكنه في "الحلية" فتفطن له. وأما في "البحر" فعكس حتى بالغ فقال: إنه غلط.

стр. 2662

قوله: ولو حبس المالك عن ماشيته حتى تلفت، فلا ضمان لأنه لم يتصرف في المال، كذا قالوه، ولعل صورته فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما قصد حبسه فأفضى إلى إهلاكها؛ لأن المتولي قال: ولو كان له زروع ونخيل، وأراد سوق الماء إليها فمنعه ظالم عن السقي حتى فسدت ففي الضمان الوجهان فيما لو فتح الزق عن جامد فذاب بالشمس وضاع. انتهى كلامه. واعلم أن الأصح في مسألة الزق: أنه يضمن: لكن الأصح ههنا في المنع من السقي وشبهه كالمنع من الرعي: عدم الضمان، والفرق عدم التصرف في المال، قاله في "الروضة". قوله: وبطرد هذه القاعدة ذهب بعضهم إلى أنه إذا غصب هادي القطيع فتبعه القطيع، أو البقرة فتبعها العجل، يضمن القطيع والعجل. انتهى كلامه. لم يذكر في هذه المسألة غير هذه المقالة وقد أعاد المسألة في كتاب السرقة، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح. وتبعه عليه في "الروضة". قال في "المطلب": والراجح هو: الضمان، قال: ويشهد له قول الأصحاب أنه إذا كان في يده دابة وخلفها ولد فأتلف شيئًا ضمنه كما يضمن ما تتلفه أمه، فلو لم يكن في يده لم يضمنه. إذا علمت ذلك فقد صحح النووي في أصل "الروضة" هنا أنه لا يضمن القطيع والعجل، فاعلم ذلك. قال في "المطلب": الذي يظهر فيما إذا غصب أم النحل فتبعها النحل أنه يضمنه وجهًا واحدًا لاطراد العادة بتبعه لها، والنحل هنا: بالنون والحاء المهملة. والهادي: بالدال المهملة هو: الذي يمشي أولها فتتبعه.

стр. 2663

قوله في أصل "الروضة": فرع لو نقل صبيًا حرًا إلى مسبعة فافترسه سبع فلا ضمان هذا هو المذهب والمعروف في كتب الأصحاب، وذكر الغزالي فيه وجهين، وليس بمعروف. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن إنكاره هذين الوجهين غريب لم يذكره الرافعي، فقد حكاهما الإمام في كتاب الجنايات، والغريب أن الرافعي نقلهما عنه هناك في أول الطرف الثاني المعقود لاجتماع العلة، والشرط. فإنه قد ذكر المسألة هناك وبسطها فراجعها. ولما اختصر النووي كلام الرافعي هناك عبر بالأصح. واصطلاحه في هذا اللفظ أنه للخلاف القوي. وأغرب من هذا أن الشيخ قد جزم في "المهذب" بأنه إذا ألقى حرًا مشدودًا في مسبعة فقتله السبع، وجب فيه دية شبه العمد فانظر إلى الكتاب وشهرته والمفروض فيه الحكم، وهو الرجل والواجب وهو دية شبه العمد؛ وكيفية الجواب وهو الجزم لا التردد. الأمر الثاني: أن الوجهين في الصبي محلهما إذا لم يقدر على الحركة والانتقال من الموضع، فإن قدر فلم يفعل، فلا ضمان على الواضع كما لو فتح عرقه فلم يعصبه حتى مات كذا قاله الرافعي هناك. قوله: لكن لو ركب دابة الغير، أو جلس على فراشه، ولم ينقله فأصح الوجهين أنه يكون غاصبًا. ثم قال: ويشبه أن تكون المسألة مصورة فيما إذا قصد الراكب والجالس الاستيلاء، أما إذا لم يقصده ففي "التتمة" أن في كونه غاصبًا وجهين. انتهى كلامه. فيه أمران:

стр. 2664

أحدهما: أن صاحب "التتمة" إنما حكى الوجهين في كونه ضامنًا، ولم يحكهما في كونه غاصبًا. بل لا يصح منه حكايتهما في ذلك، فإنه قد صرح بعد هذا بأن شرط الغصب في المنقولات حصول الاستيلاء، فإن لم يوجد لم يكن غاصبًا، وإن وجد الضمان، فقال: لو كان بين يديه شيء من المنقولات فأخذه إنسان لينظر هل يصلح له ليشتريه أو ليعمل لنفسه مثله، وتلف في تلك الحالة ضمنه. ولو دخل دارًا لينظر هل تصلح له ليشتريها أو يبني لنفسه مثلها فانهدمت في تلك الحالة لا ضمان عليه على الصحيح. قال: وهذه المسألة تعلقت بها الحنفية في أن الغصب هو النقل، وليس الموجب [هو] (١) التفرقة، قالوا: لأنا لا نقول: إن الضمان الثابت في المنقولات ضمان غصب؛ لأن ضمان الغصب ضمان عدوان. وإذا لم يقصد منع المالك لا يوصف بالعدوان ولكن قبض ارتفاق. وما نقله عن المتولي في رفع المنقول من الضمان قد نقله عنه أيضًا الرافعي بعد هذا بقليل وسنذكره، ونذكر أن المشهور خلافه. الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصحح شيئًا فيها إذا لم يقصد الاستيلاء كما تقدم، بل كلامه يشعر بأن الصحيح أنه ليس بغاصب، فإنه قد غاير بين المسألتين في الحكم مع اشتراكهما في الوجهين. وقد اختصر النووي في "الروضة" ذلك على غير وجهه، وصحح أنه غاصب مطلقًا. فقال: أصحهما أنه غاصب سواء قصد الإستيلاء أم لا. قوله: في المسألة قال: يعني صاحب "التتمة"، وهذا إذا كان المالك غائبًا،

стр. 2665

أما إذا كان حاضرًا فأزعجه، وجلس على الفراش ضمن وكذا إن لم يزعجه، وكان بحيث يمنعه من رفعه والتصرف فيه. وقياس ما سيأتي في نظيره في العقار، أن ألا يكون غاصبًا إلا لنصفه. انتهى كلامه. وما ذكره الرافعي بحثًا، وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به القاضي الحسين لكن فيما إذا كان المالك [يزجره فلم ينزجر وهي فرد مما دخل في كلام الرافعي] (١) والباقي مثله أيضًا. قوله: وإن دخل الدار لا على قصد الإستيلاء، ولكن لينظر هل تصلح، أو ليتخذ مثلها لم يكن غاصبًا. قال في "التتمة": لكن لو انهدمت في تلك الحالة، هل يضمنها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو أخذ منقولًا من بين يدي مالكه لينظر هل يصلح له ليشتريه أو مثله فتلف في تلك الحالة يضمنه. وأصحها: لا، بخلاف المنقول، وفرق بينهما بأن اليد على المنقول حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة، وعلى العقار حكمية، فلابد في تحقيقها من قرينة قصد الإستيلاء. وهذا الفرق كأنه راجع إلى الأصح، وإلا فوجهان في المنقول على ما سبق، انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله المتولي من الضمان في رفع المنقول خلاف المعروف. فقد خالفه فيه القاضي الحسين في "تعليقته" فقال: لو رفع كتاب شخص من بين يديه إن قصد الإستيلاء ضمن، وإن قصد أن ينظره ويرده في الحال لم يضمن، وإن خطا به خطوات ضمن.
следующие страницы →