← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

أما الأول: وهو استدلاله بقوله لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن لكان القول قول المالك فكذلك إذا اختلفا في صفته، فجوابه: أن المتبايعين لو اختلفا في أصل البيع كان القول قول المنكر بلا نزاع، ولو اختلفا في صفته فإنهما يتحالفان، ولو قلنا بهذا لبطلت مسائل التحالف كلها وتعطلت قاعدته وارتفع، بابه ثم إنا في التحالف قد أعملنا هذه القاعدة بعينها لأن البائع مثلا إذا قال بعتك بعشرة، فقال المشتري بل بخمسة فكل واحد منهما لما كان القول قوله في نفي العقد كان القول قوله في صفته، ولهذا أحلفنا كلا منهما على إثبات ما يقوله، ونفي ما يقوله الآخر، لأنا جعلنا القول قوله ولكن مع يمينه لاحتمال، فلو لم يجعل القول قوله لم نحلفه فلما قبلنا قول كل منهما في التحالف مع يمينه لأجل أن من كان القول قوله في شيء كان القول قوله في صفة ذلك الشيء، ولم يكن لأحدهما مرجع على الآخر فسخنا العقد. وأما الثاني: وهو استدلاله بقوله كما لو قال دفعت هذا المال إليك وديعة فقال: بل رهنا أو هبة فإن المصدق هو المالك فذهول عجيب أيضًا، لأن التحالف إنما يشرع إذا اتفقا على العقد الواحد واختلفا في صفته وقد وجد ذلك في مسألتنا دون هذه المسألة. وأما الثالث: وهو إستدلاله بقوله لأن الخياط معترف بأنه أحدث نقصًا في الثوب ويدعي أنه مأذون، والأصل عدمه فعجيب لأنا لا نسلم أن الأصل عدمه ولهذا حلفنا المالك على عدمه وحلفناه هو على عدم ما يقوله المالك، ثم فسخنا لعدم ترجيح أحدهما على الآخر. وهكذا مسائل التحالف كلها فإن الأصل عدم اشتراط الخيار والأجل والرهن والضمان مع مشروعية التحالف لما ذكرناه. وأما الرابع: وهو استدلاله بقوله لأن الخياط يدعي أنه أتى بالعمل الذي استأجره عليه والمالك ينكره فأشبه ما إذا استأجره لحمل متاع فقال الأجير حملت وأنكر المالك فأعجب مما قبله لأن التحالف إنما شرع عند الاتفاق

стр. 2802

على العقد والاختلاف في صفته، وقد وجد ذلك في مسألتنا، وأما الاستئجار لحمل المتاع فإن النزاع فيه لم يقع في صفة العقد، بل في الإتيان بالمعقود عليه، وأين هذا من ذاك فثبت بما قلناه بطلان جميع أدلة القول بتصديق المالك. وأما تصديق الخياط وأدلته فالرافعي وغيره يسلمون ضعفها، والذي يظهر أن هذه الأدلة جميعها إنما ذكروها للرد على قول ابن أبي ليلى وهو تصديق الخياط عند ذكرهم لقوله، وقول أبي حنيفة فقط، وهكذا سلكه الشافعي نفسه والرد على ابن أبي ليلى بذلك صحيح. وأما جمع قول التحالف معه في الاستدلال بها فمردود لما ذكرناه، فثبت أن الحق هو التحالف، ولا شك أن بعض الأصحاب نظر إلى ما حكاه في "الجامع الكبير" من قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى وأن قول أبي حنيفة أشبه، وذهل عن ما بعده وهو التصريح بضعفها. وعن ما في "الإملاء" وغيره وهو التصريح بالتحالف فذهب إليه، واستدل عليه بهذه الأمور الضعيفة التي حصل فيها الالتباس فقلده فيه من بعده، وكثيرا ما يقع ذلك. قوله: فإن صدقنا الخياط بيمينه، فإذا حلف فلا أرش عليه , وفي الأجرة وجهان: أظهرهما: أنها لا تجب أيضًا لأنه في الأجرة مدعى فيكون القول قول المنكر. وفائدة يمينه دفع الغرم عن نفسه، فإن أوجبناها ففي مقدارها وجهان: أحدهما: المسمى إتمامًا لتصديقه. وأظهرهما: أجرة المثل، لأنا لو صدقناه من كل وجه لم يأمن أن يدعى مالًا كثيرًا كاذبًا، انتهى.

стр. 2803

فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" لم يبين الراجح من الوجهين الأخيرين. الثاني: أن المسألة مفروضة في ما إذا اختلفا مع الاتفاق على الأجرة المسماة في العقد وحينئذ تمتنع الزيادة عليها، فإن انضم إلى الاختلاف في صفة القطع اختلافهما في قدر الأجرة فتلك مسألة أخرى، والتحالف جار فيها بلا شك كما قاله في "الإقليد" وأبدى ابن الرفعة في "المطلب" ذلك أيضًا بأن رب الثوب قد وافقه على استحقاقه بالعقد، واختلافهما إنما حصل في ما يتقرر به. وقد جعلنا القول قول الخياط، وهذا يظهر بصحيح أصل الإستحقاق. نعم إن كان الإذن في ضمن جعالة فالمسمى لا يجب فيها إلا بفراغ العمل، فإذا وقع الخلاف فيه وقع الخلاف في الاستحقاق فلا يثبت المسمى وقد ثبت تسمية الإذن في العمل، فوجب أن يجب له أجرة المثل. واعلم أنه إن كان المسمى أقل من أجرة المثل فهو الواجب بلا نزاع لأنه لا يدعي أكثر منه كذا قالوه، وخرجه ابن أبي الدم على مسألة تقتضي إثبات خلاف، وفرق بينهما في المطلب. قوله: فإن قلنا لا أجرة له بيمينه فله أن يدعي الأجرة على المالك، ويحلفه فإن نكل فهل يجدد اليمين على الخياط أم يكتفي بيمينه السابقة فيه وجهان: أحدهما: يجدد لأن إثبات المال بيمين المدعى من غير نكول بعيد. والثاني: وبه قال القاضي الحسين لا يجدد وكأن يمينه السابقة كانت موقوفه على النكول، انتهى.

стр. 2804

والصحيح هو الأول فقد قال الإمام: ذهب إليه ذاهبون. وقال: إنه قياس الخصومات وهو حسن منقاس ولم ينقل الثاني إلا عن القاضي خاصة، وقد رجح النووي أيضًا ما قلناه. فقال: وينبغي أن يكون أصحهما التجديد وهذه قضية مستأنفة هذه عبارته. ولم يستحضر الأصح الذي نقلناه، ولو استحضره لذكره بلا شك لاشتماله على الترجيح النقلي والقياسي. قوله: في أصل "الروضة" وإن صدقنا المالك بيمينه فعلى الخياط أرش النقصان، وقيل وجهان، فإن أوجبنا فوجهان: أحدهما: ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا. والثاني: ما بين قيمته مقطوعًا قميصًا ومقطوعًا قباء انتهى. والأصح هو الأول، فإن الأصحاب بنوهما على أصلين: أحدهما: إذا اكترى أرضًا ليزرع الحنطة فزرع ما هو أضر كالذرة ففيه قولان: أصحهما: يعرض عن عقد الإجارة، ويلزمه بأجرة المثل. والثاني: يغرم تفاوت ما بين الزرعين. الأصل الثاني: الوكيل في البيع إذا ضمناه ففيه قولان: أصحهما يغرم جميع القيمة. والثاني: يحط عنه ما يتغابن الناس به لأنه كالمأذون فيه. قالوا فعلى الأول من المسألتين يغرم هنا جميع الأرش، وهو التفاوت ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا، حتى لو لم يكن قبل القطع فلا شيء عليه. هذا كلامهم، ومقتضاه تصحيح الأول، وقد صرح بتصحيحه إمام

стр. 2805

الحرمين فقال: إنه الأصح، واختاره ابن عصرون في "المرشد" والعجب أن الرافعي نقل عن الشيخ أبي محمد أنه مبني على هذين الأصلين فحذف ذلك من "الروضة" وأرسل الخلاف من غير تصحيح. واعلم أن مقتضى عبارتهم أن الخياطة لا تدخل في التقويم، فلذلك لم يقولوا بين قيمته، صحيحًا ومخيطًا قباء. قوله: فإن قلنا يغرم التفاوت بين القطعتين فهل يستحق الأجرة للقدر الذي يصلح للقميص من القطع فيه وجهان: الذي أجاب به منهما صاحب "المهذب" هو الاستحقاق، لكونه مأذونًا فيه وضعفه ابن الصباغ لأنه لم يقطعه للقميص، انتهى. والأصح منهما عدم الاستحقاق، فقد نقله صاحب "البيان" عن نص الشافعي وعلله بما سبق وهو كونه لم يقطعه، لكونه قميصًا. وقال في "البحر": إن مقابله ليس بشيء، ولهذا صححه في "الروضة" من زوائده. قوله: وأما كيفية اليمين إذا صدقنا الخياط فقال في "الشامل": أن يحلف بالله ما أديت لي في قطعه قميصًا، ولقد أديت في قطعه قباء. انتهى. قال في "الروضة": وقال الشيخ أبو حامد: يحلف لقد أديت لي في قطعه قباء فقط، وهذا أصح إن لم يثبت للخياط أجرة؛ لأن هذا القدر كاف في نفي الغرم، فإن أثبتناها فقول صاحب "الشامل" هو الصواب. هذا كلامه، وفيه أمور: أحدهما: في البحث عن تعبير النووي بقوله فقط هل هو من جملة اليمين أم لا؟ فإن كانت فيجوز أن يكون الشيخ أبو حامد اكتفى بذلك لأجلها لأنها في قوة قولنا: أديت لي في قطعه قباء لا قميصًا، وحينئذ فيستوي اليمينان، فإن كانت هذه اللفظة من كلام الناقل بمعنى أنه قال هذا

стр. 2806

فقط فيجيء ما يقوله النووي، فالجواب أنها من كلام الناقل، فإن الشيخ أبا حامد لم يتعرض لذلك، وممن نقله عنه كما ذكرناه صاحب "البيان" والظاهر أن "النووي" إنما نقله عنه على عادته في كثرة النقل عنه، ونقله أيضًا كذلك ابن الرفعة وغيره. الأمر الثاني: أن المسألة مشهورة في المذهب فقد قال: بوجوب الجمع جماعات منهم البندنيجي والقاضي الحسين، والقاضي أبو الطيب، وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم، والثاني صححه الماوردي والروياني. الأمر الثالث: أن التصحيح الذي قاله النووي وجعله الصواب لا وجه له، بل الذي يقول إنه يكفي الحلف على أنه أمره بقطعه قباء يقول بذلك سواء قلنا يستحق الأجرة أم لا كما قاله في "المطلب" لأنا إن قلنا يستحقها فهو يدعيها بالإذن في القباء وقد أثبته بيمينه، وإن قلنا لا يستحقها فالاقتصار واضح. ومدرك القائل بأنه لابد أن يحلف أيضًا على أنه ما أمره بقطعه قميصًا لأنه ادعى ذلك فيحتاج أن ينفيه، ولكن للأخر أن يجيب بأن الحلف على الإذن في القباء يتضمن نفي ذلك فالذي زعم النووي أنه الصواب لا وجه له ويبقى حينئذ النظر في المقالتين، ولا شك أن الأكثرين على الجمع، والراجح من جهة المعنى هو الثاني على أنه لا وجه له بالكلية، فإن قول الخياط ما أديت لي في قطعه قميصًا لا أثر له في نفي الأرش ولا استحقاق أجرة، فإنه إنما دل على نفي الإذن خاصة، والذي دل على الأمرين هو قوله لقد أذنت لي في قطعه قباء فإنه نفى الأرش لعدم التعدي، وأثبت الأجرة لوجود الإذن. ويدل لما قلناه أنا إذا صدقنا المالك فيكيفه الحلف على النفي، كما نقله الرافعي عن ابن الصباغ وأقره وجزم به في "النهاية" و"البسيط" والنفي في

стр. 2807

جانب المالك نظير الإثبات في جانب الخياط. قوله: وإن فرعنا على قول التحالف قال ابن كج: كان المالك هنا كالبائع. انتهى. تابعه في "الروضة" على أن المالك كالبائع ويظهر أنه سهو، بل الخياط كالبائع لأنه بائع المنفعة ويدل عليه ما قالوه في البيع في تمييز البائع عن المشتري من دخول الياء ووجود النقد وأيضًا استعمال المؤجر لنعت إذا صححنا العقد بها.

стр. 2808

الباب الثالث: في "الطوارئ الموجبة للفسخ " قوله: وإن فات أي فوات العين المستأجرة في خلال المدة انفسخ العقد في الباقي، وفي الماض، يجيء الطريقان في ما إذا اشترى عيدين وقبض أحدهما فتلف الثاني قبل القبض. ثم قال: فإن قلنا: لا ينفسخ فهل له خيار الفسخ؟ فيه وجهان: أصحهما: عند الإمام وصاحب "التهذيب": لا، لأن منافعه قد صارت مستوفاة. والثاني: وبه أجاب ابن الصباغ وآخرون، نعم، لأن جميع المعقود عليه لم يسلم له، انتهى كلامه. لم يصرح بتصحيح في "الروضة" أيضًا، والصحيح أنه ليس له ذلك، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح. قوله: والنص في انهدام الدار الانفساخ وفي انقطاع ماء الأرض ثبوت الفسخ فقيل بتقرير النصين والأظهر طريقة التخريج، لكن الأظهر من القولين في كل مسألة ما نص عليه، انتهى ملخصًا. كيف يستقيم تصحيح التخريج على تصحيحه تصحيح التقرير، فإن مقتضى التخريج المساواة لا الفرق، فالجمع بينهما متناف. قوله: ولو غصب العين المستأجرة وانقضت المدة فينبني على أن إتلاف المبيع هل هو فسخ أم لا؟ ثم قال: والذي نص عليه الشافعي وأجاب به الأصحاب انفساخ الإجارة، انتهى. تابعه النووي في "الروضة" على ذلك وفيه أمران: أحدهما: أن النووي قد خالف في "تحرير التنبيه" فجزم بأنه كإتلافه،

стр. 2809

وادعى أنه الصواب وأنه وقع كذلك في نسخة المصنف، وهذا يقتضي تصحيح عدم الإنفساخ على خلاف ما قاله الشافعي والأصحاب وهو تناقض فاحش. وقد فرق القاضي حسين بفرق ذكره الرافعي أيضًا بعد هذا في نظير المسألة، وهو أن المعقود عليه في باب البيع هو المال وهو واجب على الجاني فيتعدى العقد من العين إلى بدلها بخلاف الإجارة، فإن المعقود عليها هي المنفعة، وهي غير واجبة على متلفها، إنما الواجب المال فلهذا لم يتعد العقد من المنفعة إلى بدلها وليست المسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، والمذكور فيهما إنما هو غصب العين من غير مضى مدة، والحكم فيه أنه مخير. الأمر الثاني: أن الشافعي والأصحاب إذا كانوا قائلين بالانفساخ فمن أين للرافعي والنووي البناء المذكور؟ وكيف يجزمان بشيء قد خالفهما فيه الشافعي وأصحابه؟ والظاهر أنه سقط من المسألة شيء، وأصله جمهور الأصحاب، أو نحو هذا. قوله: الثانية للمكري مخاصمة من غصب العين المكراه أو سرقها لحق الملك، وهل للمكتري مخاصمتهم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأنه يستحق المنفعة فيطالبه ليستوفي المنفعة. وأظهرهما: ويحكى عن نص الشافعي ﵁ لا لأنه ليس بمالك، ولا نائب عن المالك فأشبه المودع والمستعير والوجهان جاريان في أن المرتهن هل يخاصم؛ لأن له حقا في المرهون؟ انتهى. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدهما: أن ما جزم به في المودع عنده من أنه لا يخاصم قد جزم به أيضًا في الباب الثالث من أبواب الرهن وفي كتاب السرقة أيضًا، لكنه

стр. 2810

خالف المواضع الثلاث فجزم في كتاب الحج في باب محظورات الإحرام في الكلام على الحلق بأن له المخاصمة وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه. الأمر الثاني: أن ما ذكره ههنا من حكاية الخلاف في المرتهن وجهين قد خالفه في الرهن أيضًا، في الموضع المتقدم ذكره وهو الباب الثالث، وقد سبق إيضاحه. الأمر الثالث: أن محل الخلاف في مخاصمة المرتهن إنما هو عند امتناع الراهن من المخاصمة، كما ذكره أيضًا في الرهن، وكلامه هنا يقتضي خلافه. الأمر الرابع: أن الرافعي قد جزم في آخر الدعاوى بأن للمرتهن أن يخاصم ولم يفصل، وهو عجيب، وقد سبق إيضاحه في الرهن. قوله: ولو تلف الثوب المعين للخياطة ففي انفساخ العقد خلاف سبق إيضاحه في الباب الثاني أصحهما عند العراقيين والشيخ أبي علي ينفسخ وإن حكمنا بأن الإجارة لا تنفسخ فلم يأت به لعجز أو مع القدرة حتى مضت مدة توفية إمكان العمل، ففي استقرار الأجرة وجهان نقلهما الإمام، انتهى. لم يصحح شيئا في "الشرح الصغير" أيضًا، ولا أصح عدم الاستقرار، كذا صححه النووي في زياداته. قوله: وموت الصبي المعين للتعليم كتلف الثوب المعين للخياطة، وكذا الصبي المعين للإرضاع، انتهى. لكن إذا قلنا الإجارة لا تنفسخ في المعين للإرضاع فلم يأت بصبي آخر لعجزه، فلا يكون كالثوب في إجراء الوجهين المتقدمين فاعلمه. فقد صرح به الرافعي في كتاب الخلع في الركن الخامس منه نقلا عن البغوي وغيره.

стр. 2811

وصرح به النووي من "زياداته" ردًا على الرافعي حيث حاول التسوية بينهما في إجراء الوجهين، وكأن الفرق أن القدرة على تحصيل الثوب أكثر من القدرة على تحصيل الرضيع. قوله: ولو أوصى بمنفعة داره لزيد مدة عمر زيد [فقبل] (١) الوصية وأخرها مدة ثم مات في أثنائها انفسخت الإجارة، لأنها حقه بموته، انتهى كلامه. وهذه المسألة قد عبر عنها في "الروضة" بقوله ولو أوصى بداره لزيد إلى آخر المسألة، ولم يجعل مورد الوصية هو المنفعة، بل بالعين إذا علمت ذلك فالذي ذكره كل منهما مردود أما الرافعي فإنه قد جزم في كتاب الوصية بأن هذه الوصية أي الوصية بالمنافع المقيدة بعمر الموصى له إباحة المنافع لا تمليك، حتى لا تصح الإجارة. وفي الإعارة وجهان ذكر ذلك في الباب الثاني في القسم الثاني منه وهو المعقود للأحكام المعنوية، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه. وأما التصوير الذي ذكره النووي فلأنه وصية على صورة العمري، وحكمه حكم العمري في حال الحياة حتى يتأبد ويورث عنه، ولا يعود إلى ورثة المعمر. وسأذكره في كتاب الهبة واضحا إن شاء الله تعالى فراجعه. قوله: ولو هرب الجمال فأذن الحاكم للمستأجر أن ينفق عليها ويرجع فاختلفا في المقدار صدق المستأجر، وقيل الجمال. انتهى ملخصًا. قال الأصحاب إنما يقبل قول المستأجر إذا ادعى نفقة مثله في العادة، وقد استدركه عليه في "الروضة".

стр. 2812

قوله: ولو لم تكن المدة مقدرة، كما لو استأجر دابة للركوب إلى بلد، ثم لم يسلمها حتى مضت مدة يمكن فيها المضي إليه لم تنفسخ الإجارة في أظهر الوجهين. وعلى هذا ففي "الوسيط" أن للمكترى الخيار لتأخر حقه: ورواية الأصحاب تخالف ما رواه فإنهم قالوا: لا خيار للمكترى كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع مدة ثم سلمه. انتهى كلامه. ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذا القياس يقتضي شيئين: [أحدهما: ثبوت الخيار للمشتري قبل تسليم البائع وليس كذلك] (١) على ما قرره الرافعي في باب "التفليس". الثاني: أنه لم يصور مسألة الإجارة هنا بما إذا امتنع ثم سلم كما صوره في المقاس عليه، وقياسه عليه يقتضي ثبوت الخيار للمستأجر قبل التسليم واعلم أن اقتضاه كلام الرافعي من انفراد الغزالي بالخيار ليس كذلك، فقد سبقه إليه الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه في "الكفاية" وهو المتجه أيضًا. والفرق بينه وبين امتناع البائع من التسليم ظاهر فإن الإجارة لا تراد للدوام ولا في كل وقت وزمان بل عند الحاجة إليها، فإذا تعذر عليه السير مثلا في الوقت الذي استأجر فيه فقد فات المطلوب فأثبتنا الخيار والملك يراد غالبا للدوام. قوله: ولو كانت الإجارة فاسدة استقرت فيها أجرة المثل بما يستقر به المسمى [في الإجارة الصحيحة سواء انتفع أم لا وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى] (٢) أم أكثر. انتهى كلامه. وذكر قبل ذلك أن الأجرة في الإجارة الصحيحة تستقر إذا سلم العين

стр. 2813

ومضت المدة أو عرضها عليه، ومضى زمن بعد العرض يمكن فيه الاستيفاء سواء كانت الإجارة على العين أو على الذمة، وهذا الكلام بإطلاقه يشعر بأن الأجرة تستقر في الإجارة الفاسدة إذا حصل الغرض ومضى زمن يمكن الاستيفاء فيه، وهو باطل لأنه لم يلتزم الأجرة لعقد ولا وضع يده على مال الغير. وقد ذكر في "المهذب" نحو ما ذكره الرافعي، فاستدرك عليه صاحب "البيان" بنحو ما ذكرته. فقال: والذي يقتضيه المذهب أنه لا شيء لأن الأجرة إنما تستقر بعقد صحيح، ويتمكن فيه من استيفاء المنفعة، أو بأن تتلف المنفعة تحت يده ولم يوجد ههنا أحدهما هذا كلامه. رأيت ذلك في كتاب "تذكرة العالم وإرشاد المتعلم" لأبي حفص عمر ولد الإمام أبي العباس ابن سريج. فقال: إذا وقعت الإجارة على فساد فعلى المستأجر إن كان سكن أو استخدم أجر مثل ذلك هذه عبارته، فقيد ذلك بما إذا انتفع. قوله: في أصل "الروضة": فرع: أجر الحر نفسه مدة لعمل معلوم، وسلم نفسه فلم يستعمله المستأجر حتى مضت المدة، أو مدة يمكن فيها ذلك العمل استقرت الأجرة على الأصح ويجري الخلاف في ما إذا ألزم ذمة الحر عملا فسلم نفسه، انتهى. وتعبيره بقوله مدة لعمل معلوم قد شاهدته كذلك في "الروضة" التي هي بخط النووي كما وقع في سائر النسخ، وهو لا يستقيم مع التقسيم الآتي عقبه وهو استقرار الأجرة تارة بمضي المدة وتارة بالعمل، فإن اجتماعهما في عقد واحد مفسد له. وهذا الخلل وقع من إسقاط لفظة واحدة من كلام الرافعي، وهي "أو"

стр. 2814

الدالة على التقسيم فإنه أعني الرافعي عبر بقوله مدة أو لعمل معلوم فأسقطها النووي ظنا منه أنها زائدة لكون الإجارة لابد فيها من بيان نوع العمل وذهل عما سيأتي فلزم الخلل، وليس هذا هو المراد بل المراد بالعمل المضبوط ما كان مقدرًا بالعمل خاصة كخياطة الثوب وبناء الحائط، ولكن سكت الرافعي عن بيان نوع العمل لأنه قد تقدم من كلامه أنه لابد منه، وليس هذا موضعه فتفطن له. قوله: المسألة الثانية أكرى عينا مدة ثم إن المؤجر إستوفى منفعة المدة. حكي المتولي فيه طريقين: أحدهما أنه كما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض. والثاني: القطع بالانفساخ فرقا بأن الواجب هناك بالإتلاف إنما هو القيمة، وأنها قابلة للبيع فجاز أن يتعدى حكم البيع إليها، وأما ههنا فالذي يقدر وجوبه هو الأجرة، وأنها لا تقبل الإجارة فلا يتعدى حكم الإجارة إليها، انتهى. ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم أن إتلاف البائع ليس فيه طريقة قاطعة بالإنفساخ، وليس كذلك فقد تقدم في كتاب البيع أن فيه طريقين: أصحهما: أن فيه قولين أظهرهما إنفساخ العقد. والثانية: القطع بالإنفساخ. وكلام "التتمة" صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يذكر في البيع إلا قولين، ولم يحك الطريقة القاطعة فلذلك حسن منه هنا حكاية الطريقين. نعم الفرق الذي ذكره صاحب "التتمة"، قد ذكره القاضي حسين في "تعليقه" أيضًا، ونستفيد منه أن بعض من قال هناك: إنه لا ينفسخ قائل هنا بالانفساخ، وحينئذ فيقال في المسألة طريقان: أحدهما: القطع بالانفساخ.

стр. 2815

والثانية: أنها كإتلاف المبيع حتى يجيء فيها الطريقان إلا أن حاصلها لا يخرج عن طريقين. قوله: الإجارة قد تكون من الموقوف عليه، وقد تكون من المتولي، فإذا أجر البطن الأول، من الموقوف عليهم، ثم مات في أثناء المدة بطلت الإجارة في الأصح، لأن المنافع بعد موته لغيره، ولا ولاية له عليه، فإن أبقينا الإجارة فحصة المدة الباقية من الأجرة تكون للبطن الثاني فإن أتلفها الأول فهي دين في تركته. ثم قال: وإذا أجر المتولي فموته لا يؤثر لأنه ناظر للكل وقيل يبطل. فيه أمور: أحدها: في تصوير القسم الأول، فإن لقائل أن يقول الموقوف عليه إن كان ناظرا أيضًا فهو القسم الثاني، وإن لم يكن ناظرًا لم يصح إيجاره بالكلية، فالجواب أن ذلك يتصور بما إذا لم يجعل الواقف النظر لأحد، وقلنا النظر فيه للموقوف عليه، فكل بطن ينظر لنفسه خاصة ولا ولاية له على غيره، فلذلك بطلت الإجارة للمعنى المذكور. ويتصور على المذهب أيضًا بما إذا شرط الواقف النظر لذلك أي للموقوف عليه بحيث أن كل مستحق ينظر في حصته. وقد أوضح ابن الصلاح ذلك في "فتاويه"، فإنه أجاب بما قلناه. ثم قال: ولتعلم أن إجارة هذا ليس من قبيل إجارة النظار، فإن المراد بالناظر في هذا أن يكون غير الموقوف عليه، وحيث يؤجر الموقوف عليه فلا يؤجر إلا إذا شرط له النظر، لكن نظره لا يلحقه بالناظر الأجنبي، فإن نظره لا يتعدى إلى غيره من أهل الوقف، بخلاف الناظر غير المستحق هذا كلامه وصرح به أيضًا صاحب "الشامل". فقال: وإذا أجر الناظر في الوقف بالوصية إليه أو الحاكم أو أمين الحكم

стр. 2816

مدة فمات البطن الأول لم تنفسخ الإجارة لأن الذي عقدها له النظر على جميع البطون، وإن كان الذي أجرها البطن الأول من أهل الموقف، إذا قلنا يجوز لهم أو كان الواقف جعل لكل بطن أن يؤجر نصيبه، فيجوز ذلك وجهًا واحدًا فإذا مات البطن الأول قبل انقضاء مدة الإجارة فهل تبطل في ما بقي من المدة؟ وجهان: وجه الانفساخ أنه أجر ما لا يستحق منفعته، هذا كلام صاحب "الشامل"، ذكره في آخر كتاب العطايا ويبق النظر في مسألة، وهو أنه لو جعل النظر للأرشد فانتقل بعض الوقف للبطن الثاني والأرشد من الطبقة الأولى، فأجر الأرشد ثم مات فالمتجه عدم الانفساخ لأن ولايته باقية عليهم، وإن لم يكن أجنبي. الأمر الثاني: إذا أجر الناظر الوقف سنين وأخذ الأجرة، فلا يجوز أن يعطي جميع الأجرة للبطن الأول، وإنما يعطي بقدر ما مضى من الزمان. فإن دفع أكثر منه فمات الآخذ ضمن الناظر تلك الزيادة للبطن الثاني، هكذا رأيته في "فتاوى القفال" فتفطن له، فإنه أمر مهم وقياسه القول به أيضًا في ما إذا صدرت الإجارة من الوقوف عليه حتى يجوز له التصرف في قدر ما مضى خاصة. الثالث: أن الضمير في قوله في آخر كلامه فموته عائد إلى البطن الأول لا إلى الناظر. قوله: ولو أجر الولي الصبي مدة يبلغ فيها بالسن لم يصح في ما زاد على البلوغ ولو أجره مدة لا يبلغ فيها بالسن فاتفق الإحتلام في أثنائها فوجهان: أظهرها: على ما ذكره الشيخ أبو إسحاق والروياني في "الحلية" أن الإجارة تبقى.

стр. 2817

وأصحهما: عند الإمام والمتولي أنها لا تبقى، انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في المسألة الأولى يؤخذ منه أنه لو غاب الصبي عن وليه مدة يبلغ فيها بالسن ولم يعلم هل بلغ رشيدًا أم لا؟ لم يكن لوليه التصرف في ماله، ولا إخراج زكاته استصحابًا لحكم الصغير، بل المتصرف في ذلك، إنما هو الحاكم. نعم، ذكر الجرجاني في "الشافي" أنا إذا قلنا أن إختيار الولي للصغير يكون بعد البلوغ فهل المخاطب بذلك هو الولي أو الحاكم؟ فيه وجهان، والذي حكاه لابد من جريانه هنا. الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا، وصحح في "المحرر" الوجه الأول وهو البقاء وعبر بالأظهر. ونقل النووي في "الروضة" عن "المحرر" أنه صحح الثاني وهو البطلان. والذي قاله غلط، فإن المذكور فيه ما قدمته وقد ذكره أيضًا على الصواب في "مختصره" له. قوله: وإذا أجر عبده ثم أعتقه ففي رجوعه على السيد بأجرة المثل للمدة الواقعة بعد العتق وجهان في رواية بعضهم وقولان في رواية آخرين. أصحهما: وهو الجديد في رواية من جعلهما قولين بأنه لا يرجع، انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد صحح أن الخلاف وجهان كذا ذكره في "الشرح الصغير". فقال: فيه وجهان، وقيل: قولان هذا لفظه، ولم يبين ذلك في "المحرر"، بل حكى خلافًا مطلقًا وصحح النووي في "الروضة" من الأصل

стр. 2818

أن الخلاف قولان، وبه جزم في "المنهاج" أيضًا فاعلمه. الأمر الثاني: أن ما ذكره من جعل القول بالرجوع قديما تقليدًا لمن حكاه، قد تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن الشافعي نص عليه في "الأم" في كتاب الصلح المذكور بعد أبواب اللعان. فقال في الكلام على ما إذا صالح على خدمة عبد سنة ما نصه: ولو كانت المسألة بحالها فأعتقه السيد كان العتق جائزًا، أو كانت الخدمة عليه إلى منتهى السنة يرجع بها على السيد لأن الإجارة بيع من البيوع لا ينقض ما دام المستأجر مسلمًا هذا كلامه. وقد ذكرت لك غير مرة أن الرافعي ﵀ كان قليل الإطلاع على نصوص الشافعي. قوله: ولو ظهر بالعبد عيب بعد العتق وفسخ المستأجر الإجارة، فالمنافع للعتيق إن قلنا يرجع بمنافعه على السيد، وإلا فهل هي له أو للسيد؟ فيه وجهان. انتهى. هذان الوجهان بناهما في "التتمة" على أن الفسخ يرفع العقد من حينه وأصله، فإن قلنا بالأول فهي للسيد، [وإلا فللعتيق، وهو بناء ظاهر وحينئذ فيكون الأصح أنها للسيد] (١). وقد نقل الرافعي بعد هذا عنه هذا البناء، وأقره في نظير المسألة، وهو ما إذا أجره، ثم باعه وكذلك ذكره القاضي الحسين وغيره. إذا علمت ذلك فقد صحح النووي من "زوائده" أنها للعتيق، ولم ينقله عن أحد وهو مخالف للمنقول والمعقول فيكون مردودا. وقد حكى المتولي أيضًا هذا الخلاف في ما إذا أوصى بمنفعة العبد لزيد وبرقيته لآخر، فرد زيد الوصية، وفيه نظر والمتجه هنا رجوعها للورثة.

стр. 2819

ومن نظائر المسألة ما إذا أجر داره ثم وقفها أو وهبها، ثم فسخت الإجارة، ولم أقف الآن فيها علي نقل. قوله: ولو أجر أم ولده ومات في المدة عتقن وفي بطلان الإجارة الغلاف المذكور في ما إذا أجر البطن الأول الواقف ومات، انتهى. وحاصله تصحيح بطلان إجارتها، لأنه الأصح في إيجار البطن الأول كما سبق. إذا علمت ذلك فقد جزم في أوائل كتاب الوقف بعدم البطلان وستعرف لفظه هناك، وتبعه في "الروضة" على الموضعين. قوله: وكتابة العبد المكري جائزة عند ابن القطان، وغير جائزة عن ابن كج، انتهى. والصحيح المنع فقد رأيته منصوصًا عليه للشافعي في "البويطي" و"الأم" وهو المجزوم به في هذا الكتاب وفي "الروضة" في كتاب الكتابة ولم يستحضر النووي هنا ما هو مذكور هناك فقال من "زياداته": البطلان أقوى، وقد حكى الرافعي في كتابة العبد الموصي بمنفعته وجهين، وصحح المنع أيضًا. وتبعه عليه في "الروضة" ذكر ذلك في باب الوصية. قوله: في أصل "الروضة": إذا باع العين المستأجرة فله حالان: الأول: البيع للمستأجر وهو صحيح قطعًا. انتهى. ليس كما قال من دعوى القطع ولذلك لم يذكره الرافعي أيضًا، فقد عبر الغزالي في "الوسيط" بقوله: والظاهر الصحة، وهذا يشعر إشعارًا ظاهرًا بجريان الخلاف، وصرح به محمد بن يحيى تلميذ الغزالي في كتابه المسمى "المحيط في شرح الوسيط"، ورأيته أيضًا مصرحًا به في "شرح المفتاح" لأبي الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي. فقال: فرع: قد ذكرنا أنه إذا باع الشيء المؤاجر هل يصح بيعه أم لا؟

стр. 2820

على قولين فإذا ثبت هذا، فإن باعه من المستأجر فهل يصح ذلك أم لا؟ على القولين. هذا لفظه. وعلل وجه الانفساخ بأن الملك قد صار له، وهذا التصنيف في نحو حجم "الوجيز" وأكبر منه بيسير، ومنه نسخة موقوفة بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة. وأبو الخير المذكور قد نقل عنه ابن أبي الدم الحموي في "شرح الوسيط" في كتاب العدد وفي غيره، وقال: إنه رجل مجهول وليس كما قال، بل هو معروف، توفي سنة ثمانين وأربع مائة، نقله المفشراني عن الحافظ المنذري ذكره الكنجي في "تاريخ بيت المقدس" في ترجمة الفقيه سلطان المقدسي، رأيته أيضًا مذكور في خطبة كتاب "البيان" الذي ألفه الفقيه سلطان المذكور في التقاء الختانين فقال: كان عديم النظير في زمنه لما كان مخصوصًا به من حضور القلب وصفاء الذهن وجودة الحفظ هذا لفظه. قوله: في "الروضة": ويتخرج على الخلاف في أن الإجارة والملك هل يجتمعان؟ مسائل: إحداها: أوصى لزيد برقبة دار، ولعمرو بمنفعتها، وأجرها لعمرو، ففي صحة الإجارة الوجهان. انتهى. وتعبيره بقوله لعمرو رأيته بخطه كما هو أيضًا في النسخ، وصوابه لزيد، كما ذكره الرافعي. قوله: وإذا باعها من غير المستأجر فقولان أصحهما الصحة إلى أخره. يستثنى من جريان الخلاف مسائل منها إذا هرب الجمال وترك الجمال المستأجرة، فإنه يباع منها بقدر الحاجة لينفق عليها من ثمنه. قال الرافعي: ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجر لأنه محل ضرورة. ومنها إذا كان البيع في ضمن عتق، كما لو قال اعتق عبدك عني على

стр. 2821

كراء فأعتقه عنه وهو مستأجر فإنه يصح قطعا لقوة العتق، كذا نقله الرافعي في أواخر العتق من "فتاوى القفال" وارتضاه. قوله في المسألة: قال -يعني صاحب "التتمة": ولو تقايلا الإجارة، فإن قلنا: الإقالة بيع فمنفعة بقية المدة للبائع، وإن قلنا: فسخ، فكذلك على الصحيح لأنها ترفع العقد من حينها بلا محالة. انتهى كلامه. وما نقله عن صاحب "التتمة" من نفي الخلاف في الإقالة، وأقره عليه، ذكره كذلك في "التتمة" وعبر بقوله: بلا خلاف، وعبر عنه في "الروضة" بقوله: قطعًا، وليس كما قال من نفي الخلاف، بل فيها خلاف مشهور ذكره الرافعي في أوائل حكم المبيع قبل القبض.

стр. 2822

قال ﵀: وكما افتتحنا كتاب الإجارة بمقدمات فإنا نختمه بمؤخرات قوله: الأولى لو قال: ألزمت ذمتك نسج ثوب صفته كذا على أن تنسجه بنفسك، لم يصح لأن في هذا التعيين غررا، لأنه ربما يموت ولهذا لم يجز تعيين ما يؤدي منه المسلم فيه. انتهى. وما جزم به ههنا من عدم الصحة قد سبق منه في كتاب الحج، في الكلام على الاستئجار له ما يقتضي أن المشهور خلافه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه. قوله: وفي إجارته من المؤجر -أي قبل قبضه- وجهان، كما في البيع من البائع. انتهى كلامه. والمفهوم منه رجحان البطلان؛ لأنه الراجح في البيع، وسيأتي أيضًا التصريح به، ووافقه النووي هناك عليه، لكن خالفه هنا فذكر من "زياداته" أن الأصح صحته. قوله: ولو أجر الدار المشحونة، وكان تفريغها يستدعي مدة ففيها جوابان: أحدهما: أنه إن أمكن التفريغ في مدة ليس لمثلها أجرة صح العقد وإلا فلا. والثاني: أنه إن كان يذهب في التفريغ جميع مدة الإجارة لم يصح، وإن كان يبقى منها شيء صح ولزم قسطه، وخَرَّجُوا على الجوابين ما إذا استأجر دارًا ببلد آخر، فإنه لا يتأتى التسليم إلا بقطع المسافة بين البلدين، وما إذا باع جمرا وزنا وكان ينماع بعضه إلى أن يوزن. انتهى ملخصًا. قال في "الروضة": الصحيح من الجوابين هو الأول.

стр. 2823

قال: والأصح عندي فيما إذا استأجر دارًا ببلد آخر الصحة، وفي الجمد المنع لإمكان بيعه جزافًا. انتهى. وههنا أمران: أحدهما: أن الرافعي قد ذكر المسألة الأولى في الباب الأول، وصحح الجواز، وقد تقدم لفظه هناك، وذكر النووي في "المسائل المنثورة" نحوه، فقال: قال الشافعي والأصحاب لا تصح إيجارة الأرض المشغولة بالبناء للزراعة لعلتين: أحدهما: أنها مستورة. والثانية: أنه لا يمكن تسليمها في الحال، وذكر أيضًا في "فتاويه" قريبًا من ذلك، فقال: إذا استأجر أرضًا بنى المؤجر في بعضها. فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن كان يمكن نقل الجدران في زمان قريب ليس لمثله أجرة صح استئجار العرصة وموضع الجدران إذا كان رآها قبل العقد، وإن لم يمكن نقلها في زمن قريب وأمكن ابتياع الجدران أو بيع مغارسها، فقد أمكن الانتفاع بها عقب الإجارة فتصح، وإن لم يكن ذلك ففيه قولان: تفريق الصفقة. الأمر الثاني: أن الماوردي قد قال في "الحاوي": إن اليوم الواحد هو أول مدة يصح استئجار الدار فيها للسكنى وقال: وما دون ذلك تافه لم يجر به عرف فلم يصح به عقد، وقد استفدنا مما قاله ضابط المدة التي لمثلها أجرة. قوله في الاستئجار للخدمة: وعن أبي سهل الصعلوكي أن علف الدابة وحلب الحلوبة وخدمة الزوجة لا تلزمه إلا بالتنصيص عليه ويجوز أن يرجع فيه إلى العادة، وقال النهروي: تدخل. انتهى. قد اختلفت النسخ، ففي بعضها أبو سهل كما هو ههنا، وفي بعضها نسبته إلى سهل، وهو ولد المذكور، وكلاهما صاحب وجه.

стр. 2824

قوله: وذكر بعض من شرح "المفتاح" أنه ليس له إخراجه من البلدة إلا إن شرط عليه مسافة معلومة من كل جانب، وأن عليه المكث عنده إلى صلاة العشاء. انتهى كلامه. زاد النووي فقال: المختار في هذا كله الرجوع إلي عادة الخادم في ذلك البلد، وذلك الوقت. انتهى. والعجب من الرافعي والنووي كيف نقلا هذه المسألة عن هذا الشارح المجهول حتى خالف النووي لأجل ذلك، واختار الرجوع إلى العرف مع أن المسألة قد نص عليها الشافعي ﵀ في "الأم" في كتاب الصلح، وهذا الباب بعد أبواب اللعان، فقال في الكلام على ما إذا صالح على خدمة عبد ما نصه: قال -يعني الشافعي: ولصاحب الخدمة أن يخدمه غيره ويؤاجره غيره في مثل عمله، وليس له أن يخرجه من المصر إلا بإذن سيده. هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته: وصرح أيضًا القاضي الحسين بذلك فقال: إلا أن يشترط له مسافة معلومة من كل جانب من فرسخ إلى خمسة عشر، وصرح أيضًا بأنه عليه الإقامة إلى صلاة العشاء. قوله: في المؤخرة الثانية نقلا عن الزيادات للعبادي: وأنه إذا إستأجر جملًا ليحمل وقرا إلى داره، وهي ضيقة الباب، هل عليه إدخاله الباب؟ فيه قولان للعرف. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي الجزم بصحة الاستئجار، وأن القولين في الإدخال وعدمه، وليس كذلك، بل الثاني فساد العقد إن لم يحصل شرط الدخول، فإن العبادي قد عبر بقوله: فيه قولان: أحدهما: يجب للعرف. والثاني: أنه يفسد إلا أن يشترط هذا والجمال يدخله، ولا يكلف أن يرفعه إلى السطح. هذا لفظه كذا نقلته من نسخة هي بخط الفخر بن عساكر

стр. 2825

ومقابلته ووجه الإفساد يعارض العرف واللفظ، وتقييد المسألة بالباب الضيق لا فائدة له عند قائل: التعليل فتأمله، وما اقتضاه كلام الرافعي هنا قد تبعه عليه ابن الرفعة على وجه هو أشد في الغلط وأصرح، وقد نبهت عليه في "الهداية إلى أوهام الكفاية" فراجعه. واعلم أن الوقر. بكسر الواو هو الحمل، يقال: جاء فلان يحمل وقره، قاله الجوهري. قوله: ولو أراد المستأجر أن يستبدل عن المنفعة شيئًا آخر يقبضه لم يجز إن كانت الإجارة في الذمة، وإن كانت إجارة عين، قال صاحب "التهذيب": هو كما لو أجر العين المستأجرة من المؤجر وفيه وجهان، الأصح جواز إن جرى ذلك بعد القبض. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به من منع الاستبدال عن المنفعة في إجارة الذمة، وإن كان بعد القبض قد جزم بخلافه في الباب الذي قبله في النوع الثالث المعقود لإجارة الدواب في أثناء كلامه -أوله: قال: ولو تلفت الدابة، فقال فيه ما نصه: وإن أراد المكتري أن يعتاض عن حقه في إجارة الذمة إن كان قبل أن يتسلم دابة، لم يجز لأنه اعتياض عن المسلم فيه، وإن كان بعد التسليم جاز؛ لأن الاعتياض والحالة هذه واقع عن حق في عين هكذا ذكره الأئمة. انتهى لفظه، وهو اختلاف غريب ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر". الأمر الثاني: أن اشتراط قبض العين في جواز إجارة العين للمستأجر من المؤجر قد تابعه عليه النووي أيضًا لكنه قد تقدم من كلامه -أعني النووي- قبل ذلك بنحو ورقتين أن الأصح جوازه، وتقدم التنبيه عليه. قوله: ولو دفع ثوبًا إلى قصار ليقصره بأجرة، ثم استرجعه فقال: لم

стр. 2826

أقصره بعد فلا أرده، فقال صاحب الثوب: لا أريد أن تقصره واردده إلى، فلم يرد وتلف الثوب عنده لزمه ضمانه، وإن قصره ورده فلا أجرة له، وعلى هذا قياس الغزل عند النساج ونظائره. انتهى كلامه. هذه المسألة التي ذكرها ﵀ صورتها أن لا يقع عقد صحيح، فأما إذا وقع فلا ضمان إن تلف، ويستحق الأجرة إن قصره. قوله: وأن الأكار لو تعمد ترك السقي إلى آخره. الأكار: بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة هو العامل في المساقاة، يجمع على أكرة بفتح الهمزة والكاف على وزن البررة، وهو على خلاف القياس. قوله في المؤخرة الثالثة: عن "المنثور" المزني أنه لو استأجره لخياطة ثوب، فخاط بعضه واحترق الثوب استحق الأجرة لما عمل وأنه لو استأجره لحمل جب إلى مكان معلوم فزلقت رجله في الطريق وانكسر الجب لا يستحق شيئًا من الأجرة، وفرق بينهما بأن الخياطة تظهر على الثوب فوقع العمل مسلمًا بظهور أثره، والحمل لا يظهر أثره على الجب. انتهى كلامه. وما ذكره من استحقاق الأجرة للمقدار الذي عمله، محله إذا كان العمل في ملك المستأجر أو بحضرته؛ لأنه إذا كان كذلك كان مسلمًا له، فيكون كتلف المبيع بعد القبض بخلاف ما إذا لم يكن في ملكه ولا بحضرته فإن لم يقع مسلمًا له فيكون كالمبيع قبل القبض، وقد ذكره الرافعي كذلك قبل هذا، ثم إنه لا يختص بالخياطة، بل كل ما يلحق بالأعيان كالقصارة فحكمه كذلك، فأما سياسة الدواب ونحوها من الآثار كحمل الشيء فلا يستقر. قوله: ولو أجر أرضًا إجارة صحيحة ثم غرقت بسيل أو بماء نبع فيها، نظر إن لم يتوقع انحساره في مدة الإجارة، فهو كما لو انهدمت الدار. انتهى.

стр. 2827

وما ذكره من كونه تعيبًا تابعه عليه في "الروضة" وتقدم خلافه في باب حكم المبيع قبل القبض فراجعه. قوله: تعطل الرحى لانقطاع الماء والحمام لخلل في الأبنية، أو لنقص الماء في بئر ونحوه كانهدام الدار، وكذا لو استأجر قناة فانقطع ماؤها، فلو نقص ثبت الخيار. انتهى. تابعه في "الروضة" على أن تعطيل الحمام والقناة لانقطاع الماء بمثابة انهدام الدار والأصح في الانهدام الفسخ لا ثبوت الخيار، إذا علمت ذلك، فقد ذكر الرافعي عند الكلام على الانهدام، أن الأصح انقطاع ماء الأرض التي استأجرها للزراعة لا يوجب الفسخ، بل الخيار، وفرقوا بأن اسم الأرض باق بخلاف الدار، وبأن سوق الماء ممكن، وهذان الفرقان جاريان بعينهما هاهنا، وحينئذ فنظير ما قالوه هناك التخيير، فإن هذا مثال آخر للمسألة لا مسألة أخرى، ووقع الموضعان في "الروضة" أيضًا كذلك. قوله: فرع: بيع الحديقة التي ساقى عليها في المدة يشبه العين المستأجرة، ولم أر له ذكرًا، نعم في فتاوى صاحب "التهذيب" أن المالك إن باعها قبل خروج الثمرة لم يصح، لأن للعامل حقًا في ثمارها، فكأنه استثنى بعض الثمرة وإن كان بعد خروج الثمرة يصح البيع في الأشجار ونصيب المالك من الثمار، ولا حاجة إلى شرط القطع، لأنها بيعة مع الأصول وتكون للعامل مع المشتري، كما كان مع البائع وإن باع نصيبه من الثمرة وحدها لم يصح للحاجة إلى شرط القطع وتعذره في الشائع. انتهى كلامه. زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذا الذي قاله البغوي حسن. انتهى. فأما ما قاله الرافعي من كونه لم يره، وتابعه عليه أيضًا في "الروضة" فقد صرح بها البويطي في "مختصره" في كتاب المساقاة وجزم بجواز بيع الأشجار مطلقًا.

стр. 2828

فقال ما نصه: وإذا أفلس رب الحائط بيع الحائط وكان المساقي على معاملته والمشتري بالخيار إن لم يعلم بالمساقاة، فإن قيل: وكيف يجوز لرجل أن يشتري الأصل وللساقي فيه حق إلى أجل؟ قيل لسنة رسول الله ﷺ أجاز بيع النخل وبه ثمرة قد أبرت. انتهى لفظه بحروفه. وهذه المسألة من كلام البويطي كما هو مصرح به في "مختصره" وأما ما قاله البغوي واستحسنه النووي فمردود، فإن الرافعي قد جزم في الباب الثاني من أبواب "الوصية" بأن بيع الشاة الموصى بسلخها صحيح، وادعى أنه لا خلاف فيه وهو نظير ما نحن فيه، فإن المعنى الذي استندوا إليه موجود بعينه في الوصية ومع ذلك لم يلتفتوا إليه. قوله من "زيادته" نقلا عن "فتاوى الغزالى": الخامسة إذا جعل غلة في المسجد وأغلقه لزمه أجرته؛ لأنه كما يضمن المسجد بالإتلاف يضمن منفعته، ثم قال -أعني النووي- وتقييده بما إذا أغلقه لا حاجة له، بل لو لم يغلقه ينبغي أن تجب الأجرة للعلة المذكورة. انتهى كلامه. وما ذكره ﵀ من أن التقييد بالغلق لا حاجة له، ومن رجحان الوجوب بحثًا عند عدم الغلق غريب وذهول عجيب، فإن الغزالي إنما قيده بذلك لأجل إيجاب أجرة الجميع حتى إذا لم يغلقه لا تلزمه إلا أجرة الموضع المشغول، وقد صرح به الغزالي في "فتاويه" هكذا، فقال: الجواب: تلزمه أجرة الجميع مهما طرح فيه العلة وأغلقه كما لو طرح في بيت من جملة دار، وفي الدهليز وأغلق الباب يلزمه أجرة الجميع. هذا لفظ الغزالي بحروفه، والعجب أن النووي في هذه الزيادة قد أوجب أجرته بكماله. فقال: لزمه أجرته -أي المسجد ولم يقل: أجرة البقعة المشغولة فصار التقييد بالإغلاق ضروريا حتى لو لم يذكره الغزالي لكان يجب إيراده عليه، أو أعجب من ذلك أن النووي قد ذكر أيضًا المسألة من "زوائده" في آخر

стр. 2829

باب الغصب، بهذا التفصيل ناقلًا لها عن الفتاوى المذكورة هناك فراجعه. واعلم أن كلام الغزالي في هذه المسألة يحتاج إلى البحث عنه من وجوه قد تعرض لجميعها صاحب "التتمة" فقال في الباب الأول من كتاب الغصب في الفصل الرابع منه: الرابع إذا انتفع بمسجد، إما بأن اتخذه مسكنًا أو مخزنًا يحفظ فيه متاعه ضمن أجرة المثل، وتكون لمصالح المسلمين، كما لو أتلف مالًا من بيت المال فأما إن أغلق باب المسجد ومنع الناس من الصلاة فيه لا يضمن؛ لأن المسجد لا تثبت عليه اليد ويخالف ما لو حبس حرًا، لأن منفعة الحر تستحق بالإجارة، ومنفعة المسجد لا تستحق بالإجارة، وعلى هذا فلو انتفع بشارع من شوارع المسلمين فسكنه أو حفظ فيه متاعه، ومنع الناس من الممر فيه ضمن المنافع، فأما إذا نصب على الشارع بابا وأغلقه ولم ينتفع بالبقعة، لا يضمن لأن الشارع حق لجميع المسلمين كالمسجد سواء ويخالف الأرض الموقوفة على مصالح المسلمين إذا استولى عليها ظالم يضمن أجرة مثلها؛ لأنها لم تتعين لنوع منفعة، بل يجوز الانتفاع بها كما يجوز الانتفاع بالأراضي المملوكة، وأما الشارع فقد تعين وجه الانتفاع به كالمسجد سواء، وعلى هذا الأرض الموقوفة على دفن الموتى فيها وأراضي عرفات إن استولى عليها ظالم وانتفع بها ضَمِن، وإن لم ينتفع لم يضمن كالمسجد. هذا كلام صاحب "التتمة"، وقد ظهر لك منه أشياء منها مستحق الأجرة، ومنها أنه لا فرق في الوجوب بين أن يغلقه أو لا، ومنها أنه وإن ضمن هذه المنفعة بالتفويت لا يضمنها بالفوات، ويؤيده أن المسجد حر كما قالوه في الوقف وحبس الحر لا يقتضي أجرة. واعلم أن القاضي الحسين في كتاب إحياء الموات قبيل باب إقطاع المعادن، قد حكى وجهين في وجوب الأجرة على من أشغل المسجد بوضع الأمتعة، وعلل عدم الوجوب بأنه لا يجوز إجارته، فلا قيمة لتلك البقعة، وقد تقدم عن "التتمة" نحوه.

стр. 2830

قوله أيضًا من "زياداته": السادسة استأجر بهيمة إلى بلد لحمل متاع ثم أراد في أثناء الطريق بيعه، والرجوع وطلب رد بعض الأجرة، فليس له شيء، لأن الإجارة عقد لازم، بل إن باعه فله حمل مثله إلى المقصد المسمى. انتهى كلامه. وقد تقدم في الباب الأول في الكلام علي العجز الشرعي، أنه ذكر ما يخالف هذا فراجعه.

стр. 2831

كتاب الجعالة قوله: بل لو قال غير المالك: من رد عبد فلان فله كذا استحقة الراد عليه لأنه التزمه. انتهى كلامه. وما ذكره من الاستحقاق استشكله ابن الرفعة؛ لأنه لا يجوز لأحد وضع اليد على الآبق بهذا القول فكيف تستحق الأجرة؟ وقد يجاب بأن صورة ذلك عند إذن المالك لمن شاء في الرد، وحينئذ فيخص إطلاق الرافعي وغيره. قوله: ولو كان العامل معينًا فلا يشترط قبوله أيضًا على المشهور، ويكفي الإتيان بالعمل، وقال الإمام: لا يمتنع أن يكون كما لو قيل في اشتراط القبول. انتهى كلامه. وما نقله عن الإمام هنا واقتصر عليه تبعه عليه في "الروضة" أيضًا والخلاف [فيه] (١) ثابت للأصحاب، نقله عنهم الإمام في باب المسابقة فاعلمه، ونقله أيضًا الرافعي عنه هناك فقال بعد حكاية وجهين في إشتراط القبول في المسابقة إذا جعلناها جعالة ما نصه وذكر الإمام أن الأصحاب أجروا هذا الخلاف في الجعالة المتعلقة بمعين وهي أن يقول لمعين: إن رددت عبدي فلك كذا. هذا لفظ الرافعي، وعبارة "الروضة" في هذا الباب: وإن كان معينًا لم يشترط قبوله، كذا قاله الأصحاب ثم ذكر المنقول وعبارته هنا مع ما في المسابقة في غاية التباين. قوله من "زوائده": فمن ذلك أنه لو قال: من أخبرني بكذا فله كذا [فأخبر به إنسان] (٢) فلا شيء له لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل صرح به البغوي وغيره. انتهى. وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في آخر الباب فقال: إن أخبرتني بخروج

стр. 2832

زيد من البلد فلك كذا، فأخبره، ففي "فتاوى" القفال أنه إن كان له غرض في خروجه استحق وإلا فلا، وهذا يقتضي كونه صادقًا، وينبغي أن ينظر هل يناله تعب أم لا. انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره الرافعي هناك بحثًا قد صرح بنقله في "الروضة" هنا وعلم [منه] (١) أيضًا أن ما أفهمه كلام النووي من الاستحقاق عند التعب قد صرحوا به وأن شرطه الصدق. قوله: ويشترط عند التعيين أهلية العمل في العامل. انتهى. كأنه يشير بذلك إلى اشتراط البلوغ والتمييز عند التعيين، حتى إذا لم يعين فرده صبي ونحوه استحق المسمى، وقد صرح به صاحب "التعجيز" في شرحه له، ورأيته في تعليق قديم في الفقه [وكأنه] (٢) بخط المصنف، وهو متأخر عن إبن الصباغ فإنه ينقل عنه، وشرط في "الوسيط" الأهلية مطلقًا، ولم يقيده [بحال] (٣) التعيين، وصرح به الماوردي في كتاب السير من "الحاوي". قوله: يجب أن يكون الجعل المشروط معلومًا، إلى آخره. اعلم أنه قد ذكر في كتاب الحج أنه لو قال لغيره حج عني بنفقتك جاز فعلى ما قاله تستثنى هذه المسألة، لكن قد سبق أن الصواب خلافه فراجعه. قوله: ولو قال: من رد عبدي فله سلبه أو ثيابه، قال في "التتمة". إن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم فللراد المشروط وإلا فله أجرة المثل. انتهى كلامه. وما نقله عن المتولي في ما إذا لم تكن معلومة ولكن وصفها، قد أقره عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف الصحيح فاعلمه، فقد تقرر في البيع والإجارة وغيرهما أن الشيء المعلوم لا يقوم وصفه مقام رؤيته على الصحيح

стр. 2833

والمسألة هنا قد صورها بعين وهي سلبه وثيابه لا بشيء وارد على الذمة، وحينئذ فيستحق هنا أجرة المثل. قوله: ولو قال: فله نصفه أو ربعه، فالجواب في "التتمة" الصحة، وفي "أمالي" السرخسي المنع وهو قريب من استئجار المرضعة بجزء من الرقيق المرضع بعد الفطام. انتهى كلامه. وهذه الصورة ليست كاستئجار المرضعة بالجزء فإن الأجرة إذا كانت معينة ملكت بالعقد وإذا جعلت جزءا من الرضيع بعد الفطام لزم إما عدم الملك في الحال، أو حصوله مؤجلا والأول خلاف وضع العقد لما قلناه، وأما الثاني فكذلك أيضًا لأن الأعيان المعينة لا تقبل التأجيل، وهنا الملك إنما يحصل بعد تمام العمل. قال ابن الرفعة بعد ذكره لهذا الإشكال: ولا وجه إلا لصحة هذا العقد إن كان موضع العبد معروفًا والعبد مرنًا وإلا فيظهر أنه موضع الخلاف، ويكون مأخذه أن الاعتبار في هذا العقد بحاله أو بحالة الرد، كما ذكرنا في ما إذا تغير النقد. قوله: فلكل واحد من المالك والعامل فسخه قبل تمام العمل، ثم إن اتفق الفسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل، وإن كان بعده فإن فسخ العامل لم يستحق شيئًا لما عمله لأنه امتنع باختياره، وإن فسخ المالك فوجهان: أحدهما: لا شيء له أيضًا وأصحهما: أنه يستحق أجرة المثل لما عمل. وذكر الإمام فيما إذا فسخ المالك بعد الشروع في العمل والعامل معين أنه لا يبعد تخريجه علي [الخلاف] (١) في عزل الوكيل في غيبته، وهذا بعيد عن كلام الأصحاب، ورد المتولي هذ التشبيه إلى شيء آخر وهو أن ما يعمله العامل بعد الفسخ لا يستحق عنه شيئًا إن كان عالمًا بالفسخ، فإن لم يعلمه

стр. 2834

بنى على ذلك الخلاف. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي في أواخر باب المسابقة قال: إذا فرعنا على أنها جعالة فينفذ فسخها من المفضول في أصح الوجهين، ثم قال: وأجرى هذا الخلاف في فسخ الجاعل بعدما أتى العامل ببعض العمل، وكانت حصة عمله من المسمى تزيد على أجرة المثل. هذه عبارته، وحاصلها حكاية خلاف في بعض ما اقتضى كلامه الجزم به ههنا. الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون العامل إذا فسخ بعد الشروع في العمل لا شيء له ليس على إطلاقه، بل يستثنى منه ما إذا زاد الجاعل في العمل ولم يرض العامل بها ففسخ لأجل ذلك فإنه يستحق أجرة المثل، كذا ذكره الرافعي في أواخر [كتاب] (١) السبق والرمي لأن الجاعل هو الذي تسبب في ذلك. قلت: وقياسه كذلك أيضًا إذا [أنقص] (٢) في الجعل. الأمر الثالث: في بيان المغايرة بين المقالتين اللتين أشار إليهما الرافعي، وذلك أن الإمام جعل الخلاف في الفسخ حتى يستحق المسمى على قولنا لا ينفسخ، وأما المتولي فإن الخلاف الذي حكاه إنما هو في استحقاق أجرة المثل، [فإنه صرح بأن الفسخ جائز بلا خلاف، وجزم باستحقاق أجرة المثل] (٣) لما عمله قبل الفسخ. الأمر الرابع: أن ما قاله الإمام في المعين بحثًا من كونه لا ينفسخ على وجه، وادعى الرافعي بعده عن كلامهم، قد جزم به الماوردي في "الحاوي". الأمر الخامس: أن الإمام لم يخص هذه الاحتمالات بما بعد الشروع كما

стр. 2835

نقله عنه الرافعي، بل عمم فإنه تكلم أولًا على الصورتين، ثم قال بعد تقديمه لهما ما نصه: ولو جرى فسخ الجاعل من حيث لم يشعر العامل .. إلى آخر ما ذكر. الأمر السادس: أن النووي قد حذف هذه الطريقة التي ذهب إليها الإمام، وكأنه أشكل عليه الفرق بين المقالتين، وقد التبس الأمر على ابن الرفعة في "الكفاية" فاعلمه، وراجع كتابنا المسمى "بالهداية". قوله: وتجوز الزيادة والنقصان قبل تمام العمل، فإن وقع قبل الشروع ولم يعلم العامل بالثاني، فقال في "الوسيط": احتمل أن يقال: يرجع إلى أجرة المثل، [وإن وقع في أثنائه فالظاهر تأثيره في الرجوع إلى أجرة المثل] (١) لأن [النداء] (٢) الأخير فسخ للأول والفسخ في أثناء المدة يقتضي أجرة المثل. انتهى كلامه. وما ذكره الرافعي من أن الثاني فسخ للأول يقتضي عدم الموافقة على ما نقله عن "الوسيط"؛ لأن الرافعي قد ذكر قبل هذا أنه إذا عمل غير عالم بالفسخ لا يستحق شيئًا على الصحيح والنداء الثاني لم يسمعه فتفطن له، ويقتضي أيضًا أن أجرة المثل الواجبة للفسخ بعد الشروع هي على ما مضى خاصة، ولا يستحق للمستقبل شيئًا، وكأن الرافعي إنما تركه لتقدم ما يدل عليه. قوله: ولو رده فمات في الطريق أو هرب أو غصب فلا شيء للعامل. قال في "الروضة": ومنه لو خاط نصف الثوب فاحترق أو بنى بعض الحائط فانهدم قاله أصحابنا. انتهى. وما نقله ههنا من عدم الاستحقاق في الاحتراق والانهدام قد ذكر بعده

стр. 2836

متصلًا به ما يخالفه فقال: لو قال: إن علمت هذا الصبي القرآن فلك كذا، فمات في أثناء التعليم استحق أجرة ما عمله لوقوعه مسلمًا بالتعليم بخلاف رد الآبق. انتهى. والموت هنا نظير الاحتراق والانهدام، وقد صرحوا في الإجارة بأنه إذا خاط بعض الثوب مثلًا ثم احترق، وكان العمل بحضرة المالك أو في ملكه استحق الأجرة لما عمل، وعللوه بوقوع العمل مسلمًا له، وحينئذ فيأتي ذلك بعينه هنا. قوله: فرع: لو قال: من رد عبدي إلى شهر فله كذا، فعن القاضي أبي الطيب أنه لا يجوز لأن تقدير المدة يحصل بمقصود العقد فإنه ربما لا يظفر به في تلك المدة فيضيع [سعيه] (١). انتهى كلامه. وهذه المسألة ذكر ابن الرفعة أن القاضي أبا الطيب ذكرها في "المجرد"، وتبعه عليها المتولي، وأن القاضي صورها بما إذا [قيد] (٢) بالمكان أيضًا، فقال: من رد عبدي من البصرة في الشهر، ولا يلزم من المنع عند التقييد بأمرين المقتضى لشدة التضييق أن يمتنع عند وجود أحدهما. قوله: فرع [آخر] (٣): إذا قال بع عبدي هذا، أو اعمل كذا ولك عشرة دراهم، ففي بعض التصانيف أنه إن كان العمل مضبوطًا مقدرًا فهو إجارة، وإن احتاج إلى ترددات غير مضبوطة فهو جعالة. انتهى كلامه. واقتصاره على نقل هذا عن بعض التصانيف الغير معروفة، تبعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بعدم وقوفه على ذلك في شيء من الكتب المشهورة، وهو غريب جدًا، فإن المسألة قد ذكرها الإمام في "النهاية"، وحكم فيها بهذا الحكم بعينه، ذكر ذلك في آخر باب الإجارة.

стр. 2837

قوله أيضًا: فرع آخر لم أجده مسطورًا: يد العامل على ما تحصل في يده إلى أن يرده يد أمانة ولو رفع يده عن الدابة وخلاها في مضيعة فهو تقصير مضمن، ونفقة العبد والدابة مدة الرد يجوز أن تكون كما ذكرنا في مستأجر الجمال إذا هرب الجمال وخلاها عنده, ويجوز أن يقال ذلك للضرورة وهنا أثبت للعامل يده مختارًا فليتكلف المؤنة، ويؤيد هذا بالعادة. انتهى كلامه. وقد صرح الماوردي بنفقة المردود، وقال: إن الراد يكون متطوعًا بها، وذكر أيضًا [القاضي] (١) الروياني نحوه فقال: إذا لم يكن رده إلا ببيع بعضه والإنفاق عليه لم يكن له بيعه، والذي قاله مانع لإلحاقه بما إذا هرب الجمال، لأن بيع جزء منها جائز عند تعذر النفقة إلا بذلك، وقد صرح أيضًا بالمسألة القاضي ابن كج في كتابه "التجريد"، فقال: إذا أنفق عليه الراد فهو متبرع عنه عندنا، هكذا نقله عنه في "الروضة"، ثم قال: وهو ظاهر جار على القواعد، وعجب قول الرافعي أنه لم يره مع أنه كثير النقل عن هذا الكتاب. قال: وقول الرافعي وخلا في مضيعة لا حاجة إليه، بل حيث خلاها ضمن. قوله من "زوائده": ذكر القاضي الحسين وغيره, وهو لا خلاف فيه، أنه لو كان رجلان في بادية ونحوها فمرض أحدهما لزم الآخر المقام معه، إلا أن يخاف على نفسه, فله تركه، وإذا أقام فلا أجرة له، انتهى كلامه. وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في الأجرة، ليس كذلك، فقد ذكر في أخر باب الأطعمة في الكلام على المضطر خلافًا في ما هو أقل من هذا زمنًا وأقل عملًا وهو التخليص من ماء أو نار، أو نحوهما وسوف أذكر لفظه في موضعه -إن شاء الله تعالى- فراجعه.

стр. 2838

كتاب: إحياء الموات وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: في "رفات الأرض " قوله: وعن سمرة أنه ﷺ قال: "عادى الأرض لله ورسوله، ثم لكم مني" (١)، انتهى. العادي: بالعين المهملة والياء المشددة نسبة إلى عاد، والمراد الآبار الجاهلية مطلقًا، والحديث رواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس، ومرفوعًا من رواية طاووس فيكون مرسلًا. قوله: فأما الموتان بضم الميم وسكون الواو فهو الموت الذريع، انتهى. الذريع بالذال المعجمة هو السريع، يقال: قتلوهم أذرع قتل أي أسرعه. قوله: في الحديث: "وما أكله العوافي منها فهو له صدقة" (٢). اعلم أن العافية والعافي بالعين المهملة والفاء، هو طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طير، وجمعه العوافي، وقد تقع العافية على الجماعة. قوله: فلو أحياها الذمى لم يملك سواء كان بغير إذن الإمام أم لم يكن، فلو كان له فيها عين مال نقلها، فإن بقي بعد النقل أثر عمارة، قال ابن كج: إن أحياه رجل بإذن الإمام ملكه، وإن لم يأذن فوجهان، انتهى. قال في "الروضة" لعل أصحهما الملك لأنه لا أثر لفعل الذمي. قوله: فإن استولينا على موات للكفار يذبون عنه ففيه وجوه: أصحها: أنه

стр. 2839

يفيد اختصاصًا كاختصاص المتحجر، وعلى هذا فالغانمون أحق بإحياء أربعة أخماسه، وأهل الخمس أحق بإحياء خمسه فإن أعرض الغانمون عن إحيائه، فأهل الخمس أحق به، فلو أعرض بعض الغانمين فالباقون أحق، وإن تركه الغانمون وأهل الخمس جميعًا ملكه من أحياه من المسلمين، انتهى. اعلم أن من جملة أهل الخمس اليتامى ولا يصح إعراضهم، ومنهم أيضا المساكين وأبناء السبيل، وفي تصور إعراضهم إشكال قال في "الروضة": وينبغي أن يكون المراد في اليتامى أن أولياءهم لم يروا لهم حظًا في الإحياء، قال: وكذلك في الباقين يقدر نحوه أيضًا. قوله: من مجتمع النادي، ومباح الإبل ومطرح الرماد والسماد وفناء الدار إلى آخره. النادي بالنون هو المكان الذي يجتمعون فيه للحديث، وكذلك الندى بكسر الدال وتشديد الياء، والندوة بفتح النون وضمها، والمتندي بتاء ثم نون ثم دال مشددة مفتوحات، والمنتدى بنون ساكنة بعدها تاء، ثم دال مفتوحتان، ومنه سميت الدار التي بناها قصى بمكة للمشاورة دار الندوة. إذا علمت ذلك علمت أن قول الرافعي من مجتمع النادي يعني أهل النادي، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي أهل ناديه والمباح بضم الميم كما قاله الصنعانى في "مجمع البحرين"، ولم يتعرض له الجوهري والسماد: بفتح السين المهملة هو السرجين مع الرماد كما قاله الجوهري ومنها الفناء بكسر الفاء وبالنون وفناء الدار: هو حواليها من الخلاء المتصل بجدرانها. قوله: الرابعة البئر المحفورة في الموات حريمها الموضع الذي يقف فيه النازح إلى آخره، ثم قال: وأما القناة فآبارها لا يستقي منها حتى يعتبر به الحريم، فحريمها القدر الذي لو حفر فيه لنقص ماؤها، أو خيف منه انهيار وفي الكتاب

стр. 2840

وجه لم يذكره في "الوسيط" أن حريمها حريم البئر التي يستقى منها ولا يمنع من الحفر بعد ما جاوزه، وإن نقص؛ وهذا ما أورده أبو حامد ومن تابعه، انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن الغزالي لم يذكر مسألة القناة في "الوسيط" بالكلية. الأمر الثاني: أن حكاية وجه بالحاق بئر القناة ببئر الاستقاء عجيب، فإن الحريم هو المحتاج إليه، وقد تقدم من كلام الرافعي أن بئر القناة لا يستقي منها، فكيف يكون من حريمها مواضع الوقوف للاستقاء، وأيضا فالإستقاء قد يكون بالنزح بالدلو، وقد يكون بالدولاب والهائم، ولم يبين المراد منهما على هذا الوجه. قوله: لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا" (١)، والبدئ: هي التي أحدثت في الإسلام، انتهى كلامه. والبدئ: بباء مفتوحة وبالهمز في أخره على وزن فلس، ويقال: بالمد على وزن الرغيف. والعادية: الجاهلية نسبة إلى عاد. قوله: وهل تملك أراضي عرفة بالإحياء كسائر البقاع أم لا لتعلق حق الوقوف بها؟ فيه وجهان: إن قلنا: تملك، ففي بقاء حق الوقوف في ما ملك وجهان إن قلنا: يبقى، فذلك مع اتساع الباقي أم يشترط ضيقه عن الحجيج؟ فيه وجهان؛ هذا تلخيص ما حكاه الإمام وأشار صاحب "الكتاب" ههنا وفي "الوسيط" إلى ثلاثة أوجه في المسألة، ثالثها: الفرق بين أن يضيق الموقف فيمتنع
следующие страницы →