من غير ترجيح.
إذا علمت ذلك فقد ذكر هذه المسائل الثلاث في كتاب العتق من "المحرر" وصحح في الكل أنه يحسب من الثلث وعبر بالأصح، ولم يذكر المسألة في هذا الباب، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: وأما إذا نجز عتق الحامل في الحياة واستثنى حملها ففي "التهذيب" وغيره أن الحمل يعتق أيضًا، وأن الاستثناء لا يصح ولم يذكروا فيه خلافًا. انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وعبر بقوله: لم يصح استثناؤه بلا خلاف، وليس الأمر كذلك فقد ذكر في "الكفاية" عن القاضي الحسين فيه خلافًا مبنيًا على أن عتق الحمل هل هو بطريق السراية أو بطريق التبعية؟ ، فإن قلنا بطريق التبعية صح استثناؤه، قال: لأن الشيء قد يتبع ظاهرًا، فإذا صرح بخلافه انقطع عنه كالثمرة التي لم تؤثر ببيع الأصل في البيع عند الإطلاق، وإذا صرح باستثنائه لم يتبع فيها.
قوله في أصل "الروضة": ولو كانت لشخص وحملها لآخر فأعتقها مالكها لم يعتق الحمل قطعًا لأن اختلاف الملك يمنع الاستتباع. انتهى.
وما ادعاه من كونه لا يعتق قطعًا ليس كذلك فقد نقل القاضي الحسين في التعليق عن بعض أصحابنا أنه يعتق وجب على معتق الأم قيمته وقت الخروج من البطن ونقله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: الخامس أوصى بثلث عبد معين أو دار فاستحق ثلثاه ففيه طريقان إلى آخره.
اعلم أن الصحيح في هذه المسألة خلاف ما ذكره هنا وقد سبق بيان ذلك واضحا في آخر الباب الثالث من أبواب الإقرار.
стр. 3012
قوله: ولو أوصى بثلث صبرة فتلف ثلثاها فله ثلث الباقي بلا خلاف لأن الوصية تناولت التالف كما تناولت الباقي. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الخلاف تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب جدًا، فقد جزم في "التتمة" بأنه يستحق الجميع، كذا ذكره في الفصل الرابع من الباب الثالث فقال: الخامس لو أوصي بثلث صبرة من الطعام فتلف ثلثاها فيسلم الباقي إلى الموصى له بخلاف الدار إذا خرج ثلثها مستحقًا هذا لفظه، ثم فرق بأن المستحق غير قابل للعقد، وأما فحملها قابله له فصح فيها العقد والوصية إذا صحت وأمكن الوفاء بها لا يجوز إبطالها وأغرب من ذلك أن الماوردي في "الحاوي" قد نقله عن نص الشافعي في "الأم" ومثل له بأمثلة منها الأرض والدراهم والدنانير ثم إن الماوردي بعد ذلك رجح خلاف النص فقال والذي أراه أنه لا يستحق إلا ثلث الباقي، ذكر ذلك في فصل أوله فإذا تقرر أن له جميع الثلث وذكر أيضًا في "البحر" ما ذكره الماوردي من النص والمخالفة.
قوله: وما أوصى به للمساكين هل يجوز نقله إلى مساكين غير بلد المال فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين كما نقل الزكاة تنزيلًا للفظ المطلق على ما ورد به الشرع.
والثاني: ترتيب الوصية على الزكاة إن جوزنا نقل الزكاة ففي الوصية أولى، وإن منعنا ففي الوصية وجهان، والفرق أن الزكاة مطمح نظر الفقراء من حيث أنها موظفة دائرة والطريق الثاني هو المذكور في الكتاب لكن الأكثرون أوردوا الأول. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ظاهر هذا الكلام ترجيح منع النقل لأنه المصحح في
стр. 3013
الزكاة، لكن صحح الرافعي في قسم الصدقات جواز نقل الوصية والكفارات، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد ذكر في قسم الصدقات طريقين آخرين: أحدهما: تخريجه على الزكاة، والثاني: جوازه، وكلام الرافعي يوهم خلافه، وستعرف ذلك أيضًا في موضعه.
وقول الرافعي مطمح هو سكون الطاء وبالحاء المهملتين قاله الجوهري طمح بصره إلى الشيء أي ارتفع وبفتح الميم معناه ارتفع وأطمح بصره أي رفعه وكل شيء مرتفع فهو طامح، وهذا المعنى هو معنى قول الفقهاء أن أعين الفقراء تمتد إلى الزكاة.
قوله: وإذا قلنا لا يجوز النقل فلو لم يكن في تلك البلدة فقير فتنقل كالزكاة أم تبطل الوصية، فيه وجهان في بعض الشروح، ولو عين فقراء بلد ولم يكن فيهم فقير بطلت الوصية كما لو أوصى لولد فلان ولا ولد له، انتهي كلامه.
والأصح من الوجهين كما قال في "الروضة" من زوائده هو جواز النقل، وما ذكره في آخر كلامه من بطلان الوصية عند التعبير فقد وافقه عليه في "الروضة"، وذكر من زياداته قبيل باب الهدي في نظيره من النذر أنه يصير إلى وجودهم، وقد ذكرته هناك فراجعه.
стр. 3014
قال ﵀: القسم الثالث: في "المسائل الحسابية "
قوله: ولو قال وصيت له بنصيب ابني فوجهان: أصحهما عند العراقيين والبغوي البطلان.
وأصحهما عند الإمام والروياني وغيرهما وبه أجاب الأستاذ أبو منصور صحتها، ويجري الوجهان في ما لو قال بعت عبدي منك بما باع به فلان قريبه وهما يعلمان قدره. انتهى ملخصًا.
لم يصرح أيضًا بتصحيح هنا والأصح هو الصحة فقد صححه الرافعي في كتاب البيع في آخر الكلام على بيع المرابحة وعبر بالأصح وتبعه عليه النووي، وصححه أيضًا في "الشرح الصغير" هنا وعبر بالأظهر، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: ولو قال أعطوه زهاء ألف درهم فالوصية بما فوق النصف. انتهى.
وزهاء بضم الزاي المعجمة وتخفيف الهاء وبعدها همزة ممدودة معناه قدر، قال الجوهري: زهاء مائة أي قدر مائة، هذا لفظه، وحينئذ فالقول بإعطاء ما دون الألف مشكل، وقد استشكله النووي أيضًا.
قوله قبيل الباب الثالث المعقود لمسائل العين والدين: ومنها الجنايات فإذا جنى عبد على حر خطأ وعفى المجني عليه ومات لم يكن العفو وصية لقاتل، لأن فائدته تعود إلى السيد، فإن أجاز الورثة فذاك وإلا نفذ في الثلث، وانفك ثلث العبد عن تعلق أرش الجناية، وأشار الإمام إلى وجه بأنه لا ينفك كالمرهون، ثم قال: هذا إذا لم يترك العافي سوى ما يستحقه من الدية، فإن ترك مالًا نظر، إن كانت القيمة أقل من الدية وكان ما تركه ضعف القيمة صح العفو في جميع العبد، وإن كان ما تركه دون ضعف القيمة ضمت
стр. 3015
التركة إلي قيمة العبد وصح العفو في ثلث الجملة من العبد وإن كانت القيمة أكبر من الدية جمع بين التركة والدية، وصح العفو في ثلث الجملة من الدية. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه إذا كان المتروك ضعف القيمة فإنه يصح العفو في جميع العبد بلا شك سواء كانت القيمة أقل من الدية أم لا فإدخال قدر القيمة في أصل التقسيم فاسد، بل صوابه أن يقول نظر إن كان المتروك ضعف القيمة فأكثر صح العفو في جميع العبد، وإن كان دون الضعف فإما أن تكون القيمة أقل فيضم ما تركه إلى قيمة العبد، وإما أن يكون أكثر فتجمع إلى آخره.
الأمر الثاني: أن تعبيره في آخر الكلام بقوله من الدية وقع أيضًا في "الروضة" وصوابه أن يقول من العبد كما ذكر في القسم الذي قبله، وقد صرح بذلك في "النهاية" مثاله قيمة العبد ثلاثون ألفًا والتركة خمسة آلاف، والأرش عشرة آلاف فمجموع التركة خمسة عشر ألفًا فيصح العفو في ثلثه وذلك نصف الدية، وهو نصف العبد من نصف الدية، واعلم أن تقسيم الرافعي أيضًا غير حاصر بل يبقى قسم ثالث وهو أن تكون القيمة قدر الدية إلا أنه أهمله لأن الحكم لا يختلف بضمه إلى القيمة أو الدية لاستوائهما فإن ذلك إنما ذكر لبيان أنه هل يضم إلى هذا أو ذاك، وإنما يحتاج إلى هذا البيان عن اختلاف القدر.
قوله: في ما إذا أعتق عبدًا لا يملك غيره فرع: مات العبد المعتق قبل موت السيد فهل يموت حرًا أو رقيقًا أم ثلثه حرًا وثلثاه رقيقًا فيه ثلاثة أوجه، وهو كالخلاف الذي أسلفناه في موت العبد الموهوب قبل موت الواهب المريض، قال الأستاذ أبو منصور: والمشهور في المذهب هو الوجه الأول
стр. 3016
والثاني من تخريج ابن سريج. انتهى كلامه.
ومسألة الهبة التي أشار إليها ذكرها قبل هذا بنحو كراس فقال: مسألة وهب المريض عبدًا قيمته مائة فمات في يد المتهب ثم مات الواهب ولا مال له، فعن ابن سريج وجهان:
أحدهما: تصحيح الهبة في جميع العبد لأنه لم يبق شيء يورث عنه فتجعل هبته كهبة الصحيح.
وأصحهما: أنها باطلة لأنها في معنى ولا تثبت الوصية في جزء ما لم يثبت الأرش في جزءين، فإن قلنا بالبطلان ففي وجوب الضمان على المنتهب وجهان، وجه الوجوب أنه قبض لنفسه وكانت يده كيد المستعير، والأشبه المنع، وليس كالمستعير فإنه قبض. انتهى كلامه.
وما نقله عن الأستاذ وأقره من كون المشهور هو الأول، وكذلك ترجيحه عدم الضمان علي الميت قد خالفهما معا في كتاب العتق في أول الخصيصة الثالثة وستقف عليه هناك.
قوله: المسألة الثانية أعتق المريض جارية قيمتها مائة ونكحها علي مهر مسمى فينظر إن تملك مالا أخر وكانت الجارية قدر الثلث بأن خلف شيئًا سواها فإن لم يدخل بها فلا مهر لأنها لو إستحقت المهر للحق دين التركة، وإن دخل بها قال الشيخ أبو علي: تخير إن عفت عن مهرها عتقت وصح النكاح وإن لم تعف فلها ذلك لأنه أتلف منفعة بضعها وحينئذ يتبين أن جميعها لم يعتق وأن النكاح فاسد ولها مهر ما عتق منها. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ما نقله عن الشيخ أبي علي وهو الصحيح إذا فرعنا على أن العبرة إنما هو بالمال الموجود عند الموت، فإن قلنا: الاعتبار بوقت الوصية، فلا يتجه فساد النكاح لأن استحقاق المهر ونقصان الثلث به طاريء على العتق.
стр. 3017
قوله: قبل أواخر الباب بأوراق قلائل: ولو اكتسب العبد المعتق الذي قيمته تسعون مثل قيمته وقيل نصفها، وعلى السيد مثل قيمة العبد دينا عتق منه شيء وتبعه من الكسب شيء، ونصف يبقَى عند الورثة عبْدَان ونصف عبد، إلاَّ شيئين ونصف شيء، يسقط منه عبدٌ للدَّيْن؛ ويبقَى عبد ونصف إلاَّ شيئين ونصف شيء، يعدلُ ضعْفَ ما عتق، وهو شيئان، فبعد الجَبْر: عبدٌ ونصف يعدِلُ أربعة أشياء ونصف شيء. فنبسطها أنصافاً، ونقلِبُ الاسمُ فالعبْدُ تسعة، والشيء ثلاثةٌ، يعتق من العبد ثلاثةُ أتساعه، وتبعه من الكَسْب ثلاثة أتساعه، يُقْضَي الدين من الباقي؛ يبقَى عند الورثة ضعْفُ ما عَتَقَ (*).
تابعه عليه في "الروضة" وصوابه أن يقول: ويتبعه من الكسب أربعة أتساع ونصف.
стр. 3018
الباب الثالث: في "الرجوع عن الوصية "
قوله: وإزالة الملك من الموصى به رجوع قال لأن الوصية تمليك عند الموت فإذا لم يبق في ملكه ما تنفذ الوصية فيه. انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم بكونه رجوعا صحيح فإن ذلك يدل على الإعراض عن الوصية، وأما العلة التي ذكرها فاسدة لأن من لا يملك شيئًا أصلًا تصح وصيته اعتمادًا على ما سيملكه، وأيضًا فإنه إذا أوصى بعين لا يملكها ففي صحته خلاف، والراجح على ما قاله النووي الصحة حتى إذا أتلفها ثم مات نفذت الوصية فإذا كان عدم الملك ليس مانعًا في الابتداء ففي الدوام أولى فلا يصح جعله مقتضيا للإبطال.
قوله: ولو أوصى بعين لزيد ثم أوصى بها لعمرو فالصحيح المنصوص أنه رجوع لاحتمال إرادة الشريك بينهما كما لو قال: أوصيت به لكما، ثم قال: ولو أوصى به لأحدهما، ثم أوصى بنصفه للآخر، فإن قبلا فثلثاه للأول وثلثه للثاني، وإن رد الأول فنصفه للثاني وإن رد الثاني فكله للأول. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة، أيضًا على قوله: فثلثاه للأول وثلثه للثاني، وهو غلط، بل الصواب أن للأول ثلث أرباعه وللثاني الربع، فإن النصف للأول وشركة مع الثاني في النصف الآخر فيكون بينهما نصفين عملًا بالقاعدة التي تقدمت.
قوله: وأما مسألة التمييز فعن ابن سريج في الشرى ثلاثة أوجه. . . . إلى آخره.
هذه المسألة يأتي الكلام عليها في الأيمان.
قوله: ولم يذكروا خلافًا في ما إذا طبخ اللحم أو سواه أنه رجوع مع
стр. 3019
صحة القول بأنه لحم مطبوخ. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على دعوى عدم الخلاف وليس كما قال، بل فيه وجه أنه لا يكون رجوعا صرح به الروياني في "البحر" ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: وإن أوصى بصاع من صبرة ثم خلطها بأجود فهو رجوع لأن الزيادة الحاصلة لم تتناولها الوصية، وقد ذكرنا في البناء المستحدث في الدار وجها أنه يدخل في الوصية لزنه صار من الدار وذلك الوجه ما هذا أقرب منه في البناء، وإن لم يذكروه. انتهى كلامه.
وهذا الوجه الذي أشار إلى تخريجه وادعى أنهم لم يذكروه قد صرح بنقله ابن يونس شارح "التنبيه" وحذف النووي من "الروضة" ما ادعاه الرافعي من عدم ذكره فسلم من الاعتراض.
стр. 3020
الباب الرابع: في "الوصاية "
قوله: والوصاية مستحبة في رد المظالم وقضاء الديون وتنفيذ الوصايا وأمور الأطفال. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من التقييد بالأطفال قد تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فقد صرح القاضي أبو الطيب وغيره بصحتها على المجنون وصرح مجلي في "الذخائر" بصحتها على السفيه الذي بلغ سفيها قياسًا على الصبي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من الاستحباب في رد المظالم وقضاء الديون قد استدركه في "الروضة" عليه فيه فقال: هذا إذا كان قادرًا عليها في الحال فإن كان عاجزًا عنها وجب عليه أن يوصي بهما، وفي ما قال نظر.
الأمر الثالث: أن الوصية بما عليه قد سبقت في أول كتاب الوصية، وفَصَّل بين أن يعلم به الغير أم لا، ووافقه عليه في "الروضة".
وذلك التفصيل مخالف لكل من هذين الجوابين، وقد تقدم الكلام عليه هناك فراجعه.
قوله: ولا تجوز وصاية مسلم إلى ذمي ويجوز عكسه، وتجوز وصاية الذمي إلى الذمي على الأصح بشرط العدالة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: إذا كان المسلم وصيًا على ذمي وفوض إليه الموصي أن يوصي أيضًا عليه فالمتجه جواز إسناد الوصية عليه إلى ذمي مثله.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا أنه يشترط في الوصي أن لا يكون عدوًا للموصى عليه، وحينئذ فيشترط في الوصي الذمي أن يكون من
стр. 3021
صلة الوصي عليه حتى لا تصح وصاية النصراني على اليهودي أو المجوسي لما بينهما من العداوة.
وقد توقف الرافعي في كتاب النكاح في أن من ذكرناه هل يلي النكاح أم لا؟ فيحتمل جريان ذلك التوقف هنا، إلا أن الحق عدم الولاية عند الاختيار لما ذكرناه، وقد أوضحناه هناك.
قوله: وكل ما اعتبر من الشروط ففي وقت اعتباره ثلاثة أوجه:
أصحها: تعتبر حالة الموت.
والثاني: عند الوصاية والموت جميعًا.
والثالث: يعتبر في الحالتين وفي ما بينهما. انتهى ملخصًا.
ومقتضى هذه الأوجه كلها أنه لا يكفي وجودها عند القول بالاتفاق وإن كان هو الوقت الذي ينصرف فيه وسببه أن ولايته قد دخلت بالموت فإنه وقت تسلط على القبول.
قوله: وأيضًا فإن الوصاية قريبة من التأمير ومن المشهور أن النبي ﷺ أمر زيدًا وقال: إن أصيب زيد فجعفر وإن أصيب فعبد الله ابن رواحة (١). انتهى.
وما قاله في الأمراء المذكورين من الترتيب المذكور قد ذكر في الباب الأول من كتاب الوكالة ما يخالفه وسبق ذكر ما قاله فيه هناك، والمذكور هنا هو الصواب.
قوله: وإذا نصب وصيًا لذلك أي لقضاء الديون وتنفيذ الوصايا لم يتمكن من إلزام الورثة تسليم التركة لتباع في الدين، بل لهم الإمساك وقضاء الدين من مالهم، ثم قال: هذا إذا أطلق الوصاية بقضاء الدين فإن قال: ادفع هذا العبد إليه عوضًا عن دينه فينبغي أن لا يكون للورثة إمساكه
стр. 3022
لأن في أعيان الأموال أغراضًا. انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي يجب فيها الرافعي واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقل فيها وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، قد صرح بنقلها الروياني في "البحر"، وصحح منهما ما قاله الرافعي من امتناع الإمساك.
قوله في المسألة: ولو قال: بعه واقض دينه من ثمنه، فيجوز أن لا يكون لهم الإمساك أيضًا لأنه قد لا يكون أطيب وأبعد عن الشبهات. انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي أيضًا بحثًا وتابعه عليه في "الروضة" قد صرح به البندنيجي في "تعليقه"، وجزم بالمنع على وفق ما بحثه -أعني: الرافعي- وذكر الروياني أيضًا المسألة في "البحر" وحكى فيها وجهين.
قوله: ولو اقتصر على قوله: أوصيت إليك في أمور أطفالي، وأقمتك مقامي في أمورهم، فثلاثة أوجه، المذهب منها على ما قاله في "التتمة" صحة الوصية وجواز التصرف. انتهى ملخصًا.
وما صححه صاحب "التتمة" هو الصحيح كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو أوصى إلى اثنين وتنازعا في الحفظ وكان مما يقسم، قسم بينهما، ثم إذا قسم وتنازعا في تعيين النصف المحفوظ فهل يقرع بينهما، أو يعين القاضي واحدًا منهما؟ فيه وجهان. انتهى.
والأصح القرعة، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.
قوله: وللوصي عزل نفسه متى شاء. انتهى.
قال في "الروضة": إلا إذا غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض أو غيره فلا يجوز له ذلك ويتعين عليه النظر فيه. انتهى.
وعلى هذا لو لم يكن قد قبل فهل يلزمه القبول؟
стр. 3023
فيه نظر يحتمل أن يجب لقدرته على دفع الظالم بذلك ويحتمل خلافه.
قوله: وإن ادعى الوصي دفع المال إليه بعد البلوغ لا يقبل بغير بينه على الصحيح وقيم الحاكم كالوصي. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهما ساكتان عن دعوى الأب والجد، وقد صرح ابن الرفعة بأنهما كالوصي في ذلك وهو مقتضى ما ذكره الشيخ في باب الحجر من "التنبيه" فإنه قال: وإن ادعى الولي أنه أنفق عليه ماله أو تلف فالقول قوله، وإن ادعى أنه دفعه إليه لم يقبل إلا ببينة. انتهى.
فتعبيره بالولي الشامل للأب والجد دليل عليه.
قوله: ولا يلزم الوصي الإشهاد في بيع مال اليتيم في الأصح. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الوجوب ومحله إذا كان المبيع حالا، فإن كان مؤجلًا وجب الإشهاد فإن تركه ففي بطلان البيع وجهان كذا ذكره من "زوائده" في آخر الباب الأول من أبواب الرهن.
قوله: ولو أوصى إلى الله تعالى وإلى زيد فقياس ما سبق في ما إذا أوصى لله تعالى ولزيد -أي: في المال- فجيء وجهين:
أحدهما: أن الوصاية إلى زيد.
والثاني: إلى زيد والحاكم. انتهى كلامه.
والمذكور هنا وهو قبيل الكلام على الأحكام المعنوية حاصله تصحيح الاشتراك هاهنا والتخريج المذكور غير مستقيم لأن الوصية بالمال لله وصية صحيحة ومصرفها وجوه البر والقربان فإذا أشرك بين ذلك وبين جهة أخرى صح القول بالتصنيف، وأما الوصاية بالأطفال إلى الله فليست لها جهة صحيحة فتعين إرادة التفويض إلى الله -تعالى والتبرك به.
стр. 3024
نعم ذكر الرافعي في أخر الركن الثاني من أركان الطلاق نقلا عن البوشنجي أنه لو قال لرجل: أمر زوجتي بيد الله وبيدك، سئل فإن قال: أردت أنه لا يستقل بالطلاق، قبل قوله ولم يكن له أن يطلق، وإن قال: أردت أن الأمور كلها بيد الله والذي كتبه الله لي أي جعله لي قد جعلته لزيد، قبل واستقل ذلك الرجل، هذا كلامه، وحينئذ فينبغي وجوب استفساره قبل الموت، فإن تعذر ففيه نظر، وكذلك لم يذكر في الوصية والقياس حمله على التصحيح.
стр. 3025
كتاب الوديعة
قوله: ولو كان يعجز عن حفظ الوديعة حرم عليه قبولها. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق التحريم وقيده في "الكفاية" بما إذا لم يعلم المالك بحاله فإن علم فلا تحريم، والذي قاله ظاهر.
قوله: ولو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أودعتك هذا، فقطع الروياني في "الحلية" بالجواز، والقياس تخريجه على الخلاف في تعليق الوكالة. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن "حلية" الروياني قد جزم بمثله في "البحر" أيضًا، وما ذكره الرافعي من تخريجه علي تعليق الوكالة وتبعه عليه في "الروضة" فيه التباس؛ لأن التصرف في الوكالة المعلقة صحيح على الصحيح ويسقط المسمى عليه الصحيح وتجب أجرة المثل، وإن قلنا بفسادها والوديعة لا عوض فيها وحفظها هو نظير التصرف هناك لأنه المقصود في الموضعين والتصرف صحيح فكذلك الحفظ، فتفطن له.
قوله: إذا أودعه في قرية فنقل الوديعة إلى قرية أخرى نظر إن كان بينهما مسافة يسمى الضرب فيها سفرًا ضمن بالسفر بها وبعضهم لا يقيد، ويقول: إن كان بينهما مسافة ضمن، كأنه يجعل مطلق المسافة مصححا اسم السفر، وظاهر الكتاب يوافق هذا، إلا أنه أراد الأول على ما قيده في "الوسيط" وهو الظاهر، وحكى الشيخ أبو حاتم القزويني وغيره وجهان: أنها إذا كانت المسافة دون القصر وكانت آمنة والقرية المنقول إليها أحرز لم يضمن، وهذا يصير إلى أن المسافر بالوديعة يضمن بشرط طول السفر وهو بعيد، ثم قال: وإن كانت المسافة بحيث لا تصحح اسم السفر فإن كان فيها خوف ضمن وإلا فلا على أظهر الوجهين. انتهى.
стр. 3026
واعلم أن الغزالي عَبَّر في "الوسيط" بقوله: وبينهما مسافة تسمى سفرًا، وفي "الوجيز" بقوله: إن كان بينهما مسافة ضمن بالسفر، وتعليله بالسفر يبين أنه أراد موافقته لما في "الوسيط" أيضًا، وهو واضح وقد بين في "البسيط" أن المسمى بالسفر عند الإطلاق إنما هو الطويل، فقال: فإن كان بينهما مسافة القصر، فيطلق عليها اسم السفر فيضمن به؛ وإن كان دونه لم يضمن؛ هذا لفظه في "البسيط" وذكر في "النهاية" قريبًا منه فإنه قال: فإن كانت مسافة القصر فنقلها مسافر. . إلى آخره.
إذا علمت ذلك علمت أن ما فهمه الرافعي من أن مراد الغزالي بالسفر ما دون مسافة القصر ليس كذلك وظهر لك أيضًا الاعتراض عليه في مغايرته بين كلام "الوسيط" و"الوجيز".
قوله: الثالث: في أسباب الضمان، ترك الإيصاء بالمرض، فإذا مرض المودع عنده مرضًا مخوفًا أو حبس ليقتل لزمه أن يوصي بها فإن سكت عنها ضمن لأنه عرضها للفوات إذ الوارث يعتمد ظاهرًا اليد ثم قال: والتقصير إنما يتحقق بترك الوصاية إلى الموت فلا يحصل التقصير إلا إذا مات لكن تبينا عند الموت أنه كان مقصرًا من أول المرض وضمناه أو يكون التلف الحاصل بعد الموت ملحقًا بالتردي في بئر حفرها متعديا. انتهى.
وهذا البحث الذي أثاره الرافعي في معنى ضمانها يجب منهم إلا أن ما ذكره في معنى الضمان وتأويله بما ذكره ليس كذلك، بل مجرد المرض يصير ضامنا إذا لم يوص حتى لو تلفت في مرضه أو بعد صحته وجب ضمانها هذا مدلول ما ذكروه تصريحًا وتلويحًا، وهو ظاهر منقاس كسائر أسباب التقصير، ولم يذكر في "الروضة" هذا الكلام بالكلية.
قوله: في "الروضة": والمراد بالوصية الإعلام والأمر بالرد مع بقائها في يده. انتهى كلامه.
стр. 3027
وهو موهم أو ظاهر في عدم وجوب الإشهاد عند إيصاء الوارث أو غيره، وليس كذلك، بل لابد منه كما صرح به الغزالي وغيره وجزم به في "الكفاية"، والغريب أن الرافعي أيضًا قد نقله عنه، ولكن حذفه من "الروضة".
قوله: فرع: قال الإمام: إذا لم يوص المريض بالوديعة فادعى صاحبها أنه قصر، وقالت الورثة: لعلها تلفت قبل أن ينسب التقصير، فالظاهر براءة الذمة. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام في هذا التصوير غلط تبعه عليه في "الروضة"، فإن الإمام ذكر صورتين الأولى إذا أثبت الإيداع فادعت التلف، وقالت: لعله إنما لم يوص بها لأجل أنها تلفت عن حكم الأمانة، ففيه تردد وعدم الضمان أولى.
ثم قال ما نصه: وإن قالوا غرمنا الإيداع ولكن لم ندر كيف كان الأمر ونحن نجوز أن تكون الوديعة تلفت على حكم الأمانة فلم يوص لأجل ذلك، فإن ضمناهم في المسألة السابقة وهي ما إذا جزموا بدعوى التلف فهاهنا أولى، وإن لم يضمنهم هناك فهاهنا وجهان.
أحدهما: يجب، لأنهم لم يدعوا مسقطا، وهذا هو الأصح.
والثاني: لا، لأن الأصل في الوديعة هي الأمانة. انتهى.
وحاصله أن الصحيح عند الإمام في الصورة المذكورة في الرافعي و"الروضة" على خلاف ما نقلاه فيها عنه، وسببه أنه قد اشتبهت عليها المسألة الثانية بالأولى، فلله الحمد على الإلهام لذلك.
قوله: وإذا خلط الوديعة بمال نفسه وفقد التمييز ضمن وإن خلطها بمال آخر للمالك ضمن أيضًا على الأصح، لأنه جناية ولو أودعه دراهم فأنفق منها درهمًا ثم رد مثله إلى موضعه لا يبرأ من ضمانه ولا يملكه المالك إلا
стр. 3028
بالدفع إليه، ثم إن كان المردود غير متميز عن الباقي صار الجميع مضمونًا لخلط الوديعة بمال نفسه فإن تميز فالباقي غير مضمون. . إلى آخره.
اعلم أن الرافعي قد ذكر في الغصب في الكلام على خلط الحنطة والزيت ونحوهما بمثلهما أن الذي لا يتميز إهلاك حتى ينتقل ذلك المال إليه ويلزمه مثله أو قيمته حتى اقتضى كلامه هناك ما هو أبلغ من هذا وهو أنه إذا تعدى بخلط مالين كل منهما لغيره فإنه يملكها ويترتب في ذمته الغرم، وكلامه في هذا الباب مخالف لذلك كله، وكذا كلامه في آخر القراض.
قوله: فإن أودعه الخاتم ولم يقل شيئًا فجعله في غير الخنصر لم يضمن، وإن جعله في الخنصر ففيه احتمالان عن القاضي حسين وغيره:
أحدهما: يضمن لأنه استعمال.
والثاني: أنه إن قصد الحفظ لم يضمن وإن قصد الاستعمال ضمن، وفي "الرقم": أنه إن جعل فصه في ظهر الكف ضمن لدلالته على قصد الاستعمال، وإلا لم يضمن، لكن من آداب التختم أن يجعل الفص إلى بطن الكف وأنه يقدح في هذا الاستدلال، وغير الخنصر في حق المرأة بمثابة الخنصر. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه من استحباب جعل الفص لباطن الكف قد أسقطه من "الروضة"، وقد رجح من "زوائده" الضمان مطلقًا إلا إذا قصد الحفظ، وسوف أتكلم أيضًا على شيء من هذه المسألة في كتاب الأيمان.
الأمر الثاني: أنه سكت عن حكم الخنثى إذا لبس في غير الخنصر فيحتمل أن يلتحق بالرجل لأن الأصل عدم الضمان، ويحتمل مراعاة الأغلظ هنا وهو التحاقه بالمرأة، كما غلظنا في إيجاب الزكاة فألحقناه
стр. 3029
بالرجل.
قوله: ولو سرق الوديعة من أجيرها أو من أجيره ضمن ولو تلفت بسبب آخر لم يضمن.
ذكره أبو الفرج الزاز، ثم قال: وزاد العبادي على هذا فقال: لو أن رجلًا من عرض الناس سأل المودع هل عندك لفلان وديعة وأخبره بها ضمنها لأن كتمانها من حفظها. انتهى.
عُرض: بضم العين وسكون الراء المهملتين وبالضاد المعجمة، قال الجوهري: تقول: رأيته في عُرض الناس أي في ما بينهم، وفلان من عُرض الناس، أي: من العامة. انتهى. والمذكور هنا مأخوذ من المعنى الثاني.
قوله: ولأنهم قالوا: انتفع بوديعة ثم ادعى غلطًا وقال: ظننته ملكي، يصدق مع أنه احتمال قريب فدل على أن الغلط لا يدفع الضمان. انتهى.
وما استدل به على كون الغلط غير رافع للضمان قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو عجيب، فإنه يدل على أن الغلط رافع للضمان لأنهم إنما تصديقه فدل على أنه لا ضمان عليه خاله التصديق، نعم صرح القفال في "فتاويه" بما يوهم الرافعي أنه مقتضي كلامهم فقال ما نصه: لو لبس ثوب الوديعة على ظن أن ذلك ثوبه، ثم بان أن ذلك كان وديعة فإن يصير مضمونًا في يده كما لو تعمد هذا لفظه، وعجب من الرافعي في ذهوله عن ذلك.
قوله: ولو أنكر وديعة ادعيت عليه صُدِّق، فلو أقام المدعي بينة بالإيداع أو اعترف بها المدعى عليه فطولب بها فادعى ردها أو تلفها، نظر فإن كان قد أنكر أصل الإيداع لم تقبل دعواه الرد لتناقض كلامه وظهور جنايته، ثم قال ما نصه: وإن كانت صيغة جحوده لا يلزمني تسليم شيء إليك أو ما لك عندي وديعة أو شيء، صدق في دعوى الرد والتلف لأنها لا تناقض كلامه
стр. 3030
الأول. انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة" هنا وهو يقتضي أن المودع عنده يكفيه في جواب الدعوى أن يقول: لا يلزمني تسليم شيء إليك، وليس كذلك فإن المودع عنده لا يلزمه تسليم العين وإنما عليه التخلية بينهما وبين المودع وقد نبه النووي على هذا الاعتراض في آخر كتاب الدعوى قُبيل باب دعوى النسب وإلحاق القائف، فإن الرافعي نقل عن العبادي أنه لا يكفي ولم ينقل ما يخالفه، ثم قال: وهذا يخالف ما تقدم في الوديعة فإما إنه خالف أو تأول ما أطلقوه فصوب النووي الثاني وهو التأويل.
قوله: ولو أخر بعذر من هذه الأعذار أي كالحمام والمطر والأكل فتلفت الوديعة في تلك الحالة فقال في "التتمة": لا يضمن، وهو قضية إيراد "التهذيب" ولفظ الغزالي في "الوسيط" يشعر بتفصيل وهو: أنه إن كان الأخير لتعذر الوصول إلى وديعة فلا ضمان، وإن كان لعسر يلحقه أو غرض يفوته ضمن انتهى.
قال في "الروضة": الراجح أنه لا يضمن مطلقًا، قال: وبه صرح الكثيرون.
قوله: ولو قال له: ردها على فلان وكيلي، فطلب الوكيل فلم يرد فهو كما لو طلب المالك فلم يرد لكن له التأخير ليشهد المدفوع إليه على القبض، وإن لم يطلب الوكيل فإن لم يتمكن من الرد لم تصر مضمونة وإلا فوجهان، لأنه لما أمره بالدفع إلى وكيل عزله فيصير ما في يده كالأمانة الشرعية مثل الثوب تطيره الريح إلى داره، وفيها وجهان:
أحدهما: تمتد إلى المطالبة.
وأصحهما: تنتهي بالتمكن من الرد.
قال ابن كج: ويجري الوجهان في من وجد ضالة وهو يعرف مالكها.
стр. 3031
انتهى كلامه.
وقد تلخص منه أنها بعد الأمر تصير مضمونة بالتمكن من الرد، وإن لم يطالبه الوكيل حتى يلزمه أيضًا مؤنة الرد، لكن قد تقدم من كلامه أن المالك نفسه لو طلب الوديعة لم يجب حملها إليه، بل الواجب تمكينه منها خاصة فبطريق الأولى ما يجيء فيه ولو فصلوا في مسألتنا بين أن يعرف الوكيل بذلك فيجب على المودع التمكين خاصة كما سبق أم لا فيجب عليه إعلامه لكان قريبًا أو يفصل بين أن يجيب المودع عنده إلى ما سأله المودع بأن قال: نعم، ونحوه فيضمن وبين أن لا يجيب، بل يسكت فلا ضمان كما لو قال: احفظ متاعي، فقام وتركه.
قوله: وقول الغزالي: جاز بشرط سلامة العاقبة. . لفظ يكثر استعماله له في مثل هذا المقام وليس المراد اشتراط السلامة في نفس الجواز إذا لم يسلم الوديعة تبين عدم الجواز، وكيف والسلامة أو عدمها تتبين أخيرًا ونحن نجوز له التأخير في الحال، ولكن المراد أنا نجوز له التأخير ويشترط عليه التزام حظر الضمان. انتهى.
وما ذكره بحثًا قوي لكن تأويل كلامهم عليه حمل للفظ على ما لا يحتمله، ومخالف لما صرحوا به، فقد عَلّل الغزالي الحكم بعصيان مَنْ مات قبل الحج بهذا المعنى فقال: لأنه جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، وتبعه هو والنووي عليه في باب مواقيت الصلاة في الكلام على ما إذا مات في أثناء الوقت، وقد أوضحته هناك فراجعه.
قوله: ولو طالبه الوارث بالوديعة فقال: تلفت في يدي قبل تمكني من الرد، فهل المصدق الوارث كدعوي الرد أم المودع لأن الأصل البراءة؟ فيه وجهان. انتهى.
والراجح عدم الضمان، فقد رجحه الرافعي بعد هذا لكن في مسألة ما
стр. 3032
إذا مات المودع عنده وادعى وارثه ذلك ولا فرق بين تلك وبين مسألتنا.
ورجحه في مسألتنا أيضًا النووي من "زياداته" فقال: ينبغي بأن يكون هو الأصح.
قوله: في يده مال فجاء رجلان فادعى كل واحد أنه أودعه إياه فأقر به لأحدهما بعينه ففي تحليفه للأخر الخلاف في ما إذا أقر بشيء لزيد، ثم أقر به لعمرو هل يغرم لعمرو؟
وإن قلنا: لا، فلا يحلف.
وإن قلنا: نعم، عرضت اليمين عليه، فإن حلف سقطت دعوى الآخر وإن نكل حلف الآخر وحينئذ فهل يوقف المال بينهما إلى أن يصطلحوا أم يقسم بينهما كما لو أقر لهما أم يغرم المدعى عليه القيمة؟ فيه ثلاثة أوجه، قال ابن الصباغ: المذهب هو الثالث. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" والأصح هو الوجه الأخير كذا صححه في باب الاقرار وزاد على ذلك فصحح طريقة القطع به، ولم يستوف الخلاف المذكور هنا، وإنما حكى وجها آخر أن العين تنزع من الأول وتسلم للثاني ولا يغرم الأول شيئًا.
قوله: عن بعضهم لو أودعه قبالة وقال: لا تدفعها إلى زيد حتى يعطيك دينارًا، فدفعها إليه قبل أن يعطيه فعليه قيمة القبالة مكتوبة الكاغد وأجرة الوراق. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه لابد من اعتبار أجرة الشهود سواء كتبوا رسم شهادتهم أم لا وقد أهمله.
الأمر الثاني: أن اعتبار قيمة الكاغد مكتوبا مع أجرة الوراق عجيب لا وجه له، بل الصواب قيمته أبيض فتأمله.
стр. 3033
وذكر ابن الصلاح عبارة سالمة عن هذين الاعتراضين فقال ما حاصله: إن الواجب عليه ما يغرم الشخص على تحصيلها في العادة.
وقد بسطت هذه المسألة في باب الغصب في كتابنا المسمى "طراز المحافل" فتطلب منه.
стр. 3034
كتاب قسم الفيء والغنيمة
وفيه بابان:
الباب الأول: في الفيء
قوله: المال المأخوذ من الكفار ينقسم إلى ما يحصل بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، وإلى حاصل بذلك، ويسمى الأول: فيئًا، والثاني: غنيمة. انتهى.
والتقييد بالمال ذكره أيضًا في "المحرر" وغيره وتابعه عليه النووي ويرد على هذا التعبير ما ليس بمال كالكلاب والحمر المحترمة وما ينتفع به من النجاسات فسيأتي في أثناء الباب أنه غنيمة يجري عليه أحكامها.
وقد تقدم هذا الاعتراض مبسوطًا في باب الغصب فراجعه.
قوله: وينصب لكل قبيلة أو عدد يراه عريضًا. . . . إلى آخره.
لم يبين هل نصبه واجب أو مستحب، وقد نبه في "الروضة" عليه.
قوله: ويعطي كل واحد من المرتزقة قدر حاجته وحاجة عبده ولا يعطي إلا لعبد واحد وكان هذا في عبيد الخدمة، فأما الذين تتعلق بهم مصلحة الجهاد فينبغي أن يعطى لهم كم كانوا. انتهى كلامه.
وما ذكره بحثا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وقد صرح به الإمام في "النهاية" وحكى فيه وجهين فقال: ذهب بعضهم إلى وجوب القيام بمؤنتهم وهو الصحيح، ومنهم من قال: ليس له أن يتخذ عبيدًا للقيام به، ولكن للإمام إن رأى اقتراح ذلك ابتداء على المرتزق فعل ما استقر رأيه عليه وفي المسألة احتمال، هذا كلامه، وعبارة "الروضة" توهم الاتفاق على استثنائه
стр. 3035
فإنه عبر بقوله: كذا هو منقول، ثم قال: وإنما يقتصر في عبيد الخدمة على واحد.
قوله: وكان في قريش حِلْفَان قبل المبعث، والحلف: العهد والبيعة، أحدهما: أنه وقع تنازع بين بني عبد مناف وبني عبد الدار في ما كان إلى قصى من الحجابة والسقاية والرفادة واللواء، فتبع عبد مناف وعبد الدار ولدان لقصي وكان لهما أخ ثالث وهو عبد العزي.
وأما الحجابة فالمراد بها حجابة الكعبة وهي ولاية فتحها وغلقها وخدمتها ويعبد عن ذلك بالسدانة أيضًا -وهو بكسر السين المهملة- وأما السقاية: فهو القيام بتهيئة الماء من زمزم وطرح الزبيب فيه لسقي الحاج.
وأما الرفادة: بكسر الراء: فهو مال كانت قريش في الجاهلية تجمعه في ما بينهم على قدر طاقة كل منهم فيشترون به الطعام والزبيب لإطعام الحاج وسقيهم مأخوذ من الرفد وهو الإعانة.
قوله: ومتى استوى اثنان في القرب قُدِّمَ أسنهما، فإن استويا في السِّن فأقدمهما إسلامًا وهجرة، وقد أطلقوا هنا تقديم النسب على السن بخلاف المرجح في إقام الصلاة فلتتأمل في الفرق. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الفرق بين هذا وبين الصلاة أن دعاء الاثنين أقرب إلى الإجابة، فقدم كذلك الثاني أنه قد تقدم هناك أن العبرة في السن إنما هو بالذي مضى في الإسلام، حتى يقدم الشباب الذي ولد في الإسلام على الشيخ الذي أسلم عن قرب، والكلام المذكور عينا يقتضي خلافه، ولأجل هذا فإن النووي حكى في "الروضة" من "زياداته" عن الماوردي عكسه فقال: قد عكس أقضى القضاة الماوردي هذا فقال في "الأحكام السلطانية": التقديم بالسابقة في الإسلام، فإن تقاربا فيه قدم بالدين، فإن تقاربا فيه قدم بالسن،
стр. 3036
فإن تقاربا فيه قدم بالشجاعة، فإن تقاربا فيه فولى الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة أو برأيه واجتهاده، وهذا الذي قاله هو المختار، هذا كلام "الروضة".
قوله: الثاني: أَنَّا قدمنا في صفة الأئمة في الصلاة عن إمام الحرمين أن الظاهر رعاية كل سبب يعتبر في الكفاءة في النكاح، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- أن نسب العجم مرعي في الكفاءة على خلاف فيه فليكن كذلك. انتهى.
وما ذكره الرافعي ﵀ قد أشار إليه الماوردي فقال: إن كانوا عجمًا لا يجتمعون على نسب جميعهم بالأجناس كالترك والهند وبالبلدان، ثم إن كانت لهم سابقة في الإسلام يرتبوا عليها، وإلا فبالقرب من ولي الأمر، فإن تساووا فبالسبق إلى طاعته.
قوله: وإنما يثبت في الديوان الرجال المكلفين المستعدين للغزو. انتهى.
ترك من الشروط الإسلام وقد نَبَّه عليه في "الروضة"، ونقل عن الماوردي أمورًا أخرى حسنة فقال: وذكر الماوردي في "الأحكام السلطانية" شرطًا آخر وهو أن يكون فيه إقدام علي القتال ومعرفته به، فإن اختل ذلك لم يجز إثباته لعجزه عما هو مرصد له.
قال: ولا يجوز إثبات الأقطع ويجوز إثبات الأعرج إن كان فارسًا، وإن كان راجلًا فلا، ويجوز إثبات الأخرس والأصم.
قال: فإذا كتبه في الديوان، فإن كان مشهور الاسم لم يحسن تحليته وإن كان مغمورًا وصف وحلى فيذكر سنه وقده ولونه وحلى وجهه بحيث يتميز من غيره، والله أعلم.
المغمور بالغين المعجمة والراء المهملة: من ليس بمشهور؛ قاله ابن الأثير في "النهاية".
стр. 3037
وقال الجوهري: يقال: غمره القوم، إذا علوه في الشرف، ثم قال: والغمرة: الزحمة من الناس، يقول: دخلت في غمار الناس -بفتح الغين وضمها- أي زحمهم.
قوله: وإذا مات واحد من المرتزقة ففي زوجته وأولاده قولان، ويقال: وجهان: أظهرهما على ما ذكره في الكتاب أنهم يرزقون. انتهى.
والذي صححه الغزالي هو الصحيح فهو صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر"، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة".
قوله: وإن ولى الذمة جناية نوع خاص من الفيء، فإن لم يستغن فيها عن الاستثناء به لم يجز، وإن استغنى فإن كانت جناية من أهل الذمة جاز، وإن كان من المسلمين فوجهان. انتهى.
والأصح من الوجهين هو المنع، كذا صححه في "الروضة" من "زياداته".
стр. 3038
الباب الثاني: في قسمة الغنائم
قوله: وإن كان الذي يرضخ له فارسًا فهل يجوز أن يبلغ به سهم راجل؟ فيه وجهان، بناء على أنه هل يجوز أن يبلغ سهم الحر إلى حد العبيد؟ انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا البناء وعبر بقوله: فوجهان بناء على كذا، ومقتضاه تصحيح بلوغ سهم الراجل، لأن الصحيح أنه يجوز أن يبلغ بتعزير الحر إلى حد العبد، لكن في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي الصغير" الجزم بأنه لا يبلغ بالرضخ سهم راجل من غير تفصيل بين الفارس وغيره.
قوله: لما روى أن النبي ﷺ أعطي سلب مرحب يوم خيبر من قتله (١).
وعن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلا علمه بينة فله سلبه"، فقمت فاقتصصت عليه القصة فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فقال رسول الله ﷺ : "فأعطه إياه"، فأعطانيه فاتبعت به محرمًا في بني سلمة، فإنه لأول مال ثالثته في الإسلام (٢). انتهى.
مرحب: بحاء مهملة مفتوحة ثم باء موحدة، وهو مفعل من الرحب بمعنى: السعة.
وحبل العاتق: هو العصب الذي فيه.
والحبل: بحاء مهملة مفتوحة ثم باء موحدة ساكنة.
стр. 3039
والعاتق: موضع الرداء من المنكب يذكر ويؤنث.
والمخرف: بميم مفتوحة وخاء معجمة ساكنة ثم راء مهملة بعدها. فاء: هو البستان من النخل، مأخوذ من الخرف بفتح الخاء وهو القطع لأن الرطب والتمر يقطعان منه.
والمخرفة: بزيادة تاء اسم للبستان أيضًا كما قاله الجوهري.
والمخرف: بكسر الميم هو: ما تجنى فيه الثمار، ومنه الخريف الفصل المعروف لكون الثمار تقطع فيه. وقوله: سلمة هو: بكسر اللام، والتأثل بتاء مثناه من فوق بعدها همزة وثاء مثلثة هو: إيجاد أصل مال.
قوله: لم يعط ابن مسعود ﵁ سلب أبي جهل لأنه كان قد أثخنه فتيان من الأنصار، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء. انتهى.
أثخنه: بالثاء المثلثة والخاء المعجمة، أي: أضعفه بالجراحة.
وأما معوذ: فبعين مفتوحة وواو مشدودة مكسورة.
وعفراء: بعين مفتوحة مهملة تأنيث الأعفر وهو الأبيض الذي ببياضه حمرة.
قوله: في "الروضة" والمذهب أن العبد والمرأة والصبي يستحقون السلب، ولا يستحقه الذمي على المذهب. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الرافعي حكى في المرأة والصبي طريقين أيضًا، وليس كذلك بل لم يحك فيهما إلا طريقة واحدة وهي طريقة الخلاف فقال: وجهان، ويقال: قولان، ثم إن الرافعي لم يصرح بتصحيح في هذه المسائل كلها، بل نقلها من غيره، فأما الذمي فنقل اختيار المنع فيه عن الغزالي، وأما الصبي والمرأة فنقل اختيار الاستحقاق فيهما عن الروياني، وأما العبد فنقله عن العبادي وكلامه أيضًا يقتضي أن المشهور مساواة الذمي والعبد والمرأة والصبي على خلاف ما في "الروضة" وصرح به في "الشرح الصغير"
стр. 3040
فقال: وفي الذمي طريقان:
أظهرهما: طرد الخلاف،
والثاني: القطع بالمنع ولم يتعرض في "المحرر" لهذه المسائل.
قوله: وأما السلب فهو ما عليه من ثياب البدن مع الخف والرانين وكذا الهميان وما فيه من دراهم النفقة في أصح القولين والجنيبة التي تقاد بين يديه قيل ليست من السلب قطعًا، والأظهر طرد لخلاف.
قال: وذكر أبو الفرج الزاز أَنَّا إذا جعلنا الجنيبة من السلب لم يستحق إلا واحدة فعلى هذا فينبغي النظر في ما إذا كان نقود جنبين فصاعدا في أن السلب أنهما أيرجع فيه إلى تعيين الإمام أم يقرع. انتهى كلامه.
وما نقله عن الزاز وهو السرخسي واقتصر عليه غريب فقد جزم أيضًا الإمام بالاقتصار على الواحدة، وذكر هذين الاحتمالين اللذين أراهما الرافعي بحثا وأشعر كلامه بعدم الوقوف عليها ولم يرجح منها شيئًا، ثم رجح أعني الإمام أولهما وهو تعيين الإمام، إلا أنه أبدى معهما احتمالًا ثالثًا وهو تخيير القاتل فقال: لو كان معه فرسان فالخلاف في واحد منهما وحينئذ فقد يحظر للفقيه فيه القرعة، ويجوز أن يقال: هذا راجع إلى الوالي، فينظر إلى الحال، والشخص والعناء أي: النفع، وهذا أوجه من القرعة، وقد يحظر للفقيه تخيير القاتل، فإن مبنى استحقاقه السلب على الاختصاص لما أبلاه من البلاء وأبداه من العناء. انتهى موضع الحاجة من كلامه.
ولم يطلع النووي أيضًا في هذه المسألة إلا على ما اطلع عليه الرافعي خاصة فقال ما نصه: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها لأن كل واحدة جنيبة قتيله فهذا هو المختار.
بل الصواب بخلاف ما أبداه الرافعي والله أعلم.
стр. 3041
والذي اختاره النووي اتفاقًا من غير إطلاعه علي تقدم غيره إليه واضح متعين لأن الزيادة إن لم تكن نافعة له فلا ينبغي أن تكون ضارة له وإنما عرف الرافعي بأنها التي تقاد بين يديه تميزًا لها عن الحقيبة بالحاء والقاف وهي وعاء القماش، فإنه ذكرها بعد ذلك فميزها بالصفة المعروفة عند العرب وهي قودها أمام صاحبها، ومن ذلك قول العرب جاء الأمير تقاد الجنائب بين يديه بخلاف الترك وغيرهم من الأعاجم، وقد ظن صاحب "الحاوي الصغير" أن هذه الصفة للاحتراز عن الجنيبة التي تقاد خلفه كما هو المعهود الآن فقيده بذلك فقال وجنيبة أمامه وهو غير مستقيم، وتعليل المسألة وهو الاستعانة بها.
واعلم أن الرانين بالراء المهملة وبالنون فهو خف يلبس للساق خاصة ليس له قدم، وقد تقدم إيضاحه في زكاة النقدين فراجعه.
والهميان: وعاء الدراهم بكسر الهاء وهو فارسي معرب قاله الجوهري.
قوله: ولا تكره قسمة الغنائم في دار الحرب.
هذه العبارة ناقصة كما قاله في "الروضة".
قال: فالصواب أن تستحب قسمتها في دار الحرب كما قاله أصحابنا، بل قد ذكر صاحب "المهذب" وغيره أنه يكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر، هذا كلامه.
ونص الشافعي في "الأم" على ما يوافق هذا فقال: والسنة أن يقسم الإمام معجلًا فلا يؤخر قسمته إذا أمكنته في الموضع الذي غنم فيه. انتهى.
وذكر البغوي في "التهذيب" والماوردي في "الحاوي" أنه يجب التعجيل ولا يجوز التأخير وكلام الرافعي يمكن دعوى ذلك فيه لحمل الشبه في كلامه على الطريقة.
قوله: كذا ذكره البغوي وقياسه أن يقال في من حضر قبل انقضاء
стр. 3042
القتال: لا حق له، في "المحرر": قبل حضوره، وكذا نقله أبو الفرج الزاز عن بعض الأصحاب وإن كنا أطلقناه في الصورة السابقة. انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي نقله أبو الفرج متعين، وكلام من أطلقه مجهول عليه.
قوله: ومن هرب ثم ادعى أنه كان متحرفًا أو متحيزًا قال الغزالي: يصدق بيمينه.
وقال البغوي: إن لم يعد قبل انقضاء القتال لم يصدق. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.
قال في "الروضة": وما قاله البغوي أرجح.
قوله: ولو سرق فرسه أو عار إلى أخره.
عار بالعين والراء المهملتين معناه تقرب.
قوله: ولو حضر القتال ثم مات في أثنائه أو مرض مرضًا لا يرجى زواله كالزمانة والعمى والفالج ففي بطلان حقه قولان أو وجهان صحح صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا يبطل، وكلام الغزالي مشعر برجحان البطلان، وهو الذي أورده ابن كج، ثم الأكثرون أطلقوا القول في رجاء الزوال قبل إنجلاء القتال. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح بقاء حقه كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وكلام "الشرح الصغير" مشعر به أيضًا.
الثاني: أن ما نقله عن بعض أصحاب الإمام هو مصرح به في "النهاية" فإنه قال: وأما ما ذكره الأصحاب من أن المريض إذا كان يرجى زواله فما المراد بهذا إلا ليعلم المسترشد أن المراد برجاء الزوال توقع الزوال في أثناء
стр. 3043
القتال، وتقدير الكلام توقع كأنه لم يكن، وما أراد الأصحاب توقع الزوال بعد انقضاء القتال حتى لو كان لا يتوقع زواله إلا بعد أيام فهو في حال المرض المزمن هذا لفظ الإمام.
قال: فإن تعددت الإجارة عدة معينة كما إذا استأجر لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة شهرًا فخرج به وشهد الوقعة فنقل جماعة منهم المصنف وصاحب "التهذيب" أنه إن لم يقاتل لم يستحق السهم، وإن قاتل فثلاثة أقوال، وأطلق المسعودي وآخرون الأقوال من غير فصل بين أن يقاتل أو لا يقاتل، وكذلك أطلقها الشافعي ﵁ في "المختصر" أظهرها أن له السهم بشهود الوقعة. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" وفي "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أنه ليس فية تصريح على القول الأصح وهو الاستحقاق بأنه هل يشترط فيه القتال أم لا؟ بل ربما يفهم منه عدم الاشتراط، وقد جزم باشتراطه في "المحرر" فقال: وأظهر القولين أن الأجر لسياسة الدواب وحفظة الأمتعة وتجار العسكر والمحترفين يستحقون السهم إذا قاتلوا، هذا لفظه وتبعه عليه في "المنهاج".
الأمر الثاني: أنه لابد في هذه المسألة من شرط أخر وهو أن تكون الإجارة على المعين، فأما إذا كانت واردة على الذمة فإن العمل يكون دينًا في ذمته يصح أن يقيم فيه غيره مقامه، وكلام الرافعي والنووي يوهم خلافه.
قوله: ولا يدخل إلا فرسًا شديدًا، ولا يدخل خطمها وهو الكسير ولا تحما وهو الهرم ولا ضرعًا وهو الصغير الضعيف ولا أعجف رازكًا، والأعجف: المهزول، والرازح: هو بَيِّن الهزال، ومن حصل شيء منها لم يسهم له، وفي قول يسهم إن لم ينه عنه. انتهى.
стр. 3044
الخطم: بخاء مهملة مفتوحة وطاء مهملة أيضًا مكسورة، وهو الذي يهذم لطول عمره يقول: منه خطمت الدابة بالكد والقحم بفتح القاف وإسكان الحاء المهملة.
والضرع: بفتح الضاد المعجمة وفتح الراء أيضًا.
والرازح، بالراء المهملة وبعد الألف زاي معجمة مكسورة ثم حاء مهملة إذا علمت ذلك فقد نقل في باب المسابقة عن الدارمي بيان سن ما يسهم له، فقال: والذي يجوز المسابقة عليه من الخيل قيل: ما يسهم له، وهو الجذع أو الثني، قيل: وإن كان صغيرًا، هذا لفظه، وظاهره، المخالفة للمذكور هنا.
قوله: ولو حضر إثنان بفرس مشترك بينهما فهل يعطى كل منهما سهم فرس لأن معه فرسًا قد يركبه؟ أم يعطيان سهم فرس واحد مناصفة؟ أم لا يعطيان للفرس شيئًا لأنه لم يحضر واحد منهما بفرس تام؟ فيه أوجه. انتهى.
قال في "الروضة": لعل الأصح المناصفة.
قوله: ولو ركب اثنان فرسًا وشهدا الواقعة فهل لها ستة أسهم لأنهما فارسان أم سهمان لأنهما راجلان لتعذر الكر والفر أربعة أسهم سهمان لهما وسهمان للفرس، فيه ثلاثة أوجه. انتهى.
قال في "الروضة": اختار ابن كج في "التجريد" وجها رابعًا حسنًا أنه إن كان فيه قوة الكر والفر مع ركوبهما فأربعة أسهم وإلا فسهمان.
стр. 3045
كتاب قسم الصدقات
وفيه بابان:
الباب الأول: في بيان أصناف الصدقات
قوله: والدار التي يسكنها والثوب الذي يلبسه متجملا به لا يسلب اسم الفقر ثم قال: ولم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إليه إلى خدمته، وهو في سائر الأصول يلحق بالمسكن. انتهى كلامه.
والعجب منه حيث قال ما قال مع أن المسألة مذكورة في "النهاية" على وفق البحث الذي ذكره وهو إلحاقها بالمسكن لكنه اغتفرها في المسكين دون الفقير فإنه نص على أن المسكن والخادم لا يمنعان السكنة، قال: وأما الفقير فلا يحتملها هذه عبارته، واغتفار الرافعي لهما في الفقر يلزم منه الاغتفار في المسألتين بطريق الأولى، وقد ذكر المسألة أيضًا ابن كج في "التجريد" على ما نقله عنه في "الروضة" وألحقها بالمسكن.
قوله: والمكفي بنفقة قريبه لا يعطي من الزكاة على أصح الوجهين على ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره، ثم قال: والوجهان في مسألة القريب في ما إذا أعطاه غير من ينفق عليه سهم الفقراء والمساكين وأما المنفق فلا يعطيه من سهم الفقراء أو المساكين لا محالة وله أن يعطيه من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغراة إذا كان بهذه الصفات. انتهى كلامه.
وما ذكره من إيجاب نفقة المكاتب على فرسه تابعه عليه في "الروضة"، ولم يستحضرا معا في كتاب النفقات ما سبق فيهما في هذا الباب، فإن الرافعي حكى فيها هناك احتمالين عن "الحاوي" وزاد النووي على ذلك فصحح عدم الوجوب وعلله بأنه رقيق، وسوف أذكر لفظه في موضعه -إن شاء الله تعالى- فراجعه.
стр. 3046
قوله: الثاني المسكين وهو الذي يملك من المال ما يقع به موقعًا من حاجته وكفايته لكنه لا يكفيه كما إذا احتاج إلى عشرة وهو يملك تسعة أو ثمانية. انتهى.
لم يبين هل المراد عدم الكفاية في ذلك اليوم أم في تلك السنة أم في العمر الغالب، وقد استنبط من كلامهم ما يبين المراد السنة، فإن الرافعي ذكر في كتاب الأيمان أن المسكين ينتقل إلى التكفير بالصوم وذكر في كتاب الظهار أن الانتقال إلى الصوم هل شرطه العجز عن السنة أم عن العمر الغالب؟ فيه احتمالان.
قال النووي: الصواب منهما: اعتبار السنة فثبت من مجموع كلام الرافعي والنووي أن المراد بعدم الكفاية إنما هو في السنة فافهم ذلك، فإنه عزيز مهم فعلى هذا من عجز عن كفاية السنة فهو مسكين، وحينئذ فهل يعطي له كفاية سنة أم كفاية العمر؟
الغالب فيه الخلاف المشهور، ومن معه كفاية سنة لا يعطي شيئًا لأنه ليس بفقير ولا مسكين حالة الإعطاء، فإن كنا نعطيه كفاية العمر الغالب لو نقص ما معه عن السنة.
قوله: واحتج الأصحاب بما روى أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة إلا لثلاثة فذكر رجلًا أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادًا من عيش" (١) انتهى.
السداد: هنا بكسر السين على الأفصح ويجوز فتحها وهو ما يسد به الحلة.
стр. 3047
وأما سداد القارورة وسداد الثغر فبالكسر لا غير والسداد بمعنى الاستقامة فمفتوح، وكذلك السدد أيضًا بغير ألف، قاله الجوهري.
قوله: وفي أجرة الكيال والوزان وعاد الغنم وجهان، أصحهما: أنها على المالك. انتهى.
ومحل هذا الخلاف كما قال في "الروضة" إنما هو في الذي يميز نصيب الفقراء من نصيب المالك قال: فأما الذي يميز بين الأصناف فأجرته من سهم العاملين بلا خلاف.
قوله: الضرب الثاني: مؤلفة المسلمين، وهم أصناف: صنف دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيتألفون ليثبتوا، وأخرون لهم شرف في قومهم ينبغي تألفهم رغبة نظرائهم في الإسلام ففي هذين الصنفين قولان: أحدهما يعطيان تأسيًا برسول الله ﷺ فإنه أعطى بالمعنى الأول عيينة وابن حصين والأقرع بن حابس وأبا سفيان ابن حرب وصفوان بن أمية وبالمعني الثاني عدي بن حاتم والذبركان بن بدر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الذين أعطاهم النبي ﷺ من هؤلاء لم يكن إعطاءهم من الزكاة بل من الغنيمة لأن ذلك كان في وقعة حنين من أموال هوازن كما هو معروف في كتب الحديث والسير.
والثاني: ما ادعاه من كون صفوان أعطى وهو مُسْلم قد ذكره القاضي الحسين ثم صاحب "المهذب" فقلدهما فيه الرافعي، والذي ذكره مسلم في "صحيحه" (١) أن النبي ﷺ أعطاه وهو مشرك وإنما أعطاه مائة، وكذا نص عليه الشافعي في "المختصر" وذكره النووي في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: في دعواه أن عديًا أعطاه النبي ﷺ وهذا قد ذكره صاحب
стр. 3048
"التتمة" فقلده فيه الرافعي، والذي نص عليه الشافعي في "المختصر" أيضًا أن المعطي له هو أبو بكر وكذلك ذكره الشافعي في "الأم" أيضًا في باب جماع تفريق السهمان، وهو بعد باب علم القاسم فقال: وقد روى أن عدي بن حاتم أتى أبا بكر بنحو ثلاث مائة بعير صدقة فأعطاه منها ثلاثين بعيرًا فجاهد معه بنحو من ألف رجل (١).
ولعل أبا بكر أعطاه من سهم المؤلفة قلوبهم، فإن كان هذا ثابتًا فإني أعرفه من وجه يثبته أهل الحديث وهو من حديث ينتسب إلى بعض أهل العلم بالردة. انتهى لفظه.
وقد بحث الرافعي في أن من يرجى إسلام نظرائه هل يتقيد بالشرف أم لا؟ فنقل عن الغزالي عدم التقييد ثم قال: وسائر الأصحاب نقلوا القولين في الأشراف الذين لهم نظراء في الكفر وقيدوا فيجوز أن يقال: أراد ما أرادوه، ويجوز أن يقال: لا فرق، هذا لفظه، ولم يذكر في "الروضة" هذا البحث وقيده بالشرف.
قوله: وإذا عجز المكاتب فإن كان في يده استرد، وإن كان تالفًا لزمه غرمه على الأصح، وهل يتعلق بذمته أم برقبته؟ وجهان. انتهى.
والأصح تعليقه بالذمة فقد قال في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.
قوله: والأحوط الصرف إلى السيد بإذن المكاتب. انتهى.
ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق فيه بين أن يوفي بالنجوم أم لا، وقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" ما يقوى ذلك أيضًا، فقال: هذا هو الذي أطلقه جماهير الأصحاب، وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد من أصحابنا إن كان هذا الحاصل آخر النجوم يحصل العتق بالدفع للسيد بإذن المكاتب
стр. 3049
أفضل، وإن حصل دون ما عليه لم يستحب دفعه إلى السيد، لأنه إذا دفعه إلى المكاتب أتجر فيه ونَمَّاه فهو أقرب إلى العتق، هذا كلامه، والصواب ما قاله الشيخ نصر من تخصيص الدعوى، فقد جزم الرافعي بعد هذا في الكلام على الغارم بمثله، وتبعه عليه في "الروضة" فقال: ويجوز الدفع إليه بإذن المديون وهو أولى إلا إذا لم يكن وافيًا وأراد المديون أن يتجر فيه، هذا كلامه.
قوله: ولا يجوز بغير إذنه يعني الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب لأن الاستحقاق له ولكن يسقط عن المكاتب بقدر المصروف، لأن من أدى دين غيره بغير إذنه برأت ذمته. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل حكمًا وتعليلًا؛ فإن ما يخص المكاتب إنما يتعين له بقبض صحيح، وذلك إنما يكون بقبض المستحق أو نائبه والسيد لا يستحقه وإنما له شيء في ذمة المكاتب وأما التعليل فإنه وإن كان مسلمًا لكونه صورة دال أن يعطي من مال المديون ويبلغه صاحب الدين مع مراعاة أقوال التقاضي، ونظير مسألتنا أن يكون على زيد دين له وله عند شخص دين أو عين فيعطيه ذلك الشخص للمديون، فإن الدين يكون باقيًا والعين مضمونة على معطيها وأخذها ما دامت باقية فإن تلفت العين جاء ما قلناه من أقوال التقاضي.
قوله: فرع أخر نقل بعض أصحاب الإمام أن للمكاتب أن ينفق ما أخذ ويؤدي النجوم من كسبه، ويجب أن يكون الغارم كالمكاتب، زاد في "الروضة" على هذا فقال: قطع صاحب "الشامل" بأن المكاتب يمنع من إنفاق ما أخذ ونقله صاحب البيان عنه، ولم يذكر غيره، وهذا أقيس من قول الإمام. انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام ﵀ قد نص هو على المسألة في "النهاية" فقال
стр. 3050
ما نصه: والخيرة إليه في توفية النجم إن شاء وفاة مما اكتسبه واستنفق ما قبضه من الصدقة، وإن شاء سلم ما قبضه من الصدقة هذا لفظه، والمفهوم منه أنه يجوز إعطاء النجوم من كسبه ثم بعد ذلك ينفق ما أخذه، وبه يعلم المراد من هذا الذي نقله الرافعي عن بعض أصحابه، وكلام السائل إنما هو في الاتفاق ابتداء فإنه نقل عن الشافعي أن الدفع إلى سيده أحب ثم قال: وإنما يدفعه إلى سيده بإذنه لئلا يسلمه إليه فيتفقه فإن سلمة إليه فأراد أن ينفقه منعه من ذلك هذا لفظه، وهو صريح في ما قلناه، وإذا علمت ذلك علمت أمورًا:
أحدها: أنهما مسألتان نص كل منهما على مسألة ولا اختلاف في الإمام وغيره كما توهمه في "الروضة".
الثاني: استغراب ما في الرافعي حيث تكون المسألة في "النهاية" وينقلها عن بعض أصحابه.
الثالث: أن الرافعي لم يصرح بأن الناقل نقل ذلك عن الإمام فكيف يقول في "الروضة"؟ وهذا أقيس من قول الإمام.
قوله: في الغارم أما إذا استقرض في معصية كثمن الخمر والإسراف في الانفاق فلا يعطي من سهم الغارمين على المشهور، فيه وجه غريب، وهذا إذا كان مصرًا علي المعصية، فإن تاب فوجهان إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من تحريم الإسراف في النفقة تابعه عليه في "الروضة" والصحيح خلافه وقد تقد ذلك في باب الحجر، فراجعه.
الأمر الثاني: لم يصرح هنا بتصحيح في إعطاء الثابت وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما: أنه يعطي.
وهو الذي صححه النووي في كتبه، وذكر عكسه في "المحرر" فقال ما