قوله: الثاني المسكين وهو الذي يملك من المال ما يقع به موقعًا من حاجته وكفايته لكنه لا يكفيه كما إذا احتاج إلى عشرة وهو يملك تسعة أو ثمانية. انتهى.
لم يبين هل المراد عدم الكفاية في ذلك اليوم أم في تلك السنة أم في العمر الغالب، وقد استنبط من كلامهم ما يبين المراد السنة، فإن الرافعي ذكر في كتاب الأيمان أن المسكين ينتقل إلى التكفير بالصوم وذكر في كتاب الظهار أن الانتقال إلى الصوم هل شرطه العجز عن السنة أم عن العمر الغالب؟ فيه احتمالان.
قال النووي: الصواب منهما: اعتبار السنة فثبت من مجموع كلام الرافعي والنووي أن المراد بعدم الكفاية إنما هو في السنة فافهم ذلك، فإنه عزيز مهم فعلى هذا من عجز عن كفاية السنة فهو مسكين، وحينئذ فهل يعطي له كفاية سنة أم كفاية العمر؟
الغالب فيه الخلاف المشهور، ومن معه كفاية سنة لا يعطي شيئًا لأنه ليس بفقير ولا مسكين حالة الإعطاء، فإن كنا نعطيه كفاية العمر الغالب لو نقص ما معه عن السنة.
قوله: واحتج الأصحاب بما روى أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة إلا لثلاثة فذكر رجلًا أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادًا من عيش" (١) انتهى.
السداد: هنا بكسر السين على الأفصح ويجوز فتحها وهو ما يسد به الحلة.
стр. 3047
وأما سداد القارورة وسداد الثغر فبالكسر لا غير والسداد بمعنى الاستقامة فمفتوح، وكذلك السدد أيضًا بغير ألف، قاله الجوهري.
قوله: وفي أجرة الكيال والوزان وعاد الغنم وجهان، أصحهما: أنها على المالك. انتهى.
ومحل هذا الخلاف كما قال في "الروضة" إنما هو في الذي يميز نصيب الفقراء من نصيب المالك قال: فأما الذي يميز بين الأصناف فأجرته من سهم العاملين بلا خلاف.
قوله: الضرب الثاني: مؤلفة المسلمين، وهم أصناف: صنف دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيتألفون ليثبتوا، وأخرون لهم شرف في قومهم ينبغي تألفهم رغبة نظرائهم في الإسلام ففي هذين الصنفين قولان: أحدهما يعطيان تأسيًا برسول الله ﷺ فإنه أعطى بالمعنى الأول عيينة وابن حصين والأقرع بن حابس وأبا سفيان ابن حرب وصفوان بن أمية وبالمعني الثاني عدي بن حاتم والذبركان بن بدر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الذين أعطاهم النبي ﷺ من هؤلاء لم يكن إعطاءهم من الزكاة بل من الغنيمة لأن ذلك كان في وقعة حنين من أموال هوازن كما هو معروف في كتب الحديث والسير.
والثاني: ما ادعاه من كون صفوان أعطى وهو مُسْلم قد ذكره القاضي الحسين ثم صاحب "المهذب" فقلدهما فيه الرافعي، والذي ذكره مسلم في "صحيحه" (١) أن النبي ﷺ أعطاه وهو مشرك وإنما أعطاه مائة، وكذا نص عليه الشافعي في "المختصر" وذكره النووي في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: في دعواه أن عديًا أعطاه النبي ﷺ وهذا قد ذكره صاحب
стр. 3048
"التتمة" فقلده فيه الرافعي، والذي نص عليه الشافعي في "المختصر" أيضًا أن المعطي له هو أبو بكر وكذلك ذكره الشافعي في "الأم" أيضًا في باب جماع تفريق السهمان، وهو بعد باب علم القاسم فقال: وقد روى أن عدي بن حاتم أتى أبا بكر بنحو ثلاث مائة بعير صدقة فأعطاه منها ثلاثين بعيرًا فجاهد معه بنحو من ألف رجل (١).
ولعل أبا بكر أعطاه من سهم المؤلفة قلوبهم، فإن كان هذا ثابتًا فإني أعرفه من وجه يثبته أهل الحديث وهو من حديث ينتسب إلى بعض أهل العلم بالردة. انتهى لفظه.
وقد بحث الرافعي في أن من يرجى إسلام نظرائه هل يتقيد بالشرف أم لا؟ فنقل عن الغزالي عدم التقييد ثم قال: وسائر الأصحاب نقلوا القولين في الأشراف الذين لهم نظراء في الكفر وقيدوا فيجوز أن يقال: أراد ما أرادوه، ويجوز أن يقال: لا فرق، هذا لفظه، ولم يذكر في "الروضة" هذا البحث وقيده بالشرف.
قوله: وإذا عجز المكاتب فإن كان في يده استرد، وإن كان تالفًا لزمه غرمه على الأصح، وهل يتعلق بذمته أم برقبته؟ وجهان. انتهى.
والأصح تعليقه بالذمة فقد قال في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.
قوله: والأحوط الصرف إلى السيد بإذن المكاتب. انتهى.
ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق فيه بين أن يوفي بالنجوم أم لا، وقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" ما يقوى ذلك أيضًا، فقال: هذا هو الذي أطلقه جماهير الأصحاب، وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد من أصحابنا إن كان هذا الحاصل آخر النجوم يحصل العتق بالدفع للسيد بإذن المكاتب
стр. 3049
أفضل، وإن حصل دون ما عليه لم يستحب دفعه إلى السيد، لأنه إذا دفعه إلى المكاتب أتجر فيه ونَمَّاه فهو أقرب إلى العتق، هذا كلامه، والصواب ما قاله الشيخ نصر من تخصيص الدعوى، فقد جزم الرافعي بعد هذا في الكلام على الغارم بمثله، وتبعه عليه في "الروضة" فقال: ويجوز الدفع إليه بإذن المديون وهو أولى إلا إذا لم يكن وافيًا وأراد المديون أن يتجر فيه، هذا كلامه.
قوله: ولا يجوز بغير إذنه يعني الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب لأن الاستحقاق له ولكن يسقط عن المكاتب بقدر المصروف، لأن من أدى دين غيره بغير إذنه برأت ذمته. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل حكمًا وتعليلًا؛ فإن ما يخص المكاتب إنما يتعين له بقبض صحيح، وذلك إنما يكون بقبض المستحق أو نائبه والسيد لا يستحقه وإنما له شيء في ذمة المكاتب وأما التعليل فإنه وإن كان مسلمًا لكونه صورة دال أن يعطي من مال المديون ويبلغه صاحب الدين مع مراعاة أقوال التقاضي، ونظير مسألتنا أن يكون على زيد دين له وله عند شخص دين أو عين فيعطيه ذلك الشخص للمديون، فإن الدين يكون باقيًا والعين مضمونة على معطيها وأخذها ما دامت باقية فإن تلفت العين جاء ما قلناه من أقوال التقاضي.
قوله: فرع أخر نقل بعض أصحاب الإمام أن للمكاتب أن ينفق ما أخذ ويؤدي النجوم من كسبه، ويجب أن يكون الغارم كالمكاتب، زاد في "الروضة" على هذا فقال: قطع صاحب "الشامل" بأن المكاتب يمنع من إنفاق ما أخذ ونقله صاحب البيان عنه، ولم يذكر غيره، وهذا أقيس من قول الإمام. انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام ﵀ قد نص هو على المسألة في "النهاية" فقال
стр. 3050
ما نصه: والخيرة إليه في توفية النجم إن شاء وفاة مما اكتسبه واستنفق ما قبضه من الصدقة، وإن شاء سلم ما قبضه من الصدقة هذا لفظه، والمفهوم منه أنه يجوز إعطاء النجوم من كسبه ثم بعد ذلك ينفق ما أخذه، وبه يعلم المراد من هذا الذي نقله الرافعي عن بعض أصحابه، وكلام السائل إنما هو في الاتفاق ابتداء فإنه نقل عن الشافعي أن الدفع إلى سيده أحب ثم قال: وإنما يدفعه إلى سيده بإذنه لئلا يسلمه إليه فيتفقه فإن سلمة إليه فأراد أن ينفقه منعه من ذلك هذا لفظه، وهو صريح في ما قلناه، وإذا علمت ذلك علمت أمورًا:
أحدها: أنهما مسألتان نص كل منهما على مسألة ولا اختلاف في الإمام وغيره كما توهمه في "الروضة".
الثاني: استغراب ما في الرافعي حيث تكون المسألة في "النهاية" وينقلها عن بعض أصحابه.
الثالث: أن الرافعي لم يصرح بأن الناقل نقل ذلك عن الإمام فكيف يقول في "الروضة"؟ وهذا أقيس من قول الإمام.
قوله: في الغارم أما إذا استقرض في معصية كثمن الخمر والإسراف في الانفاق فلا يعطي من سهم الغارمين على المشهور، فيه وجه غريب، وهذا إذا كان مصرًا علي المعصية، فإن تاب فوجهان إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من تحريم الإسراف في النفقة تابعه عليه في "الروضة" والصحيح خلافه وقد تقد ذلك في باب الحجر، فراجعه.
الأمر الثاني: لم يصرح هنا بتصحيح في إعطاء الثابت وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما: أنه يعطي.
وهو الذي صححه النووي في كتبه، وذكر عكسه في "المحرر" فقال ما
стр. 3051
نصه: والغارمون إن استدانوا لغرض أنفسهم يعطون من الزكاة بشرط أن لا تكون الاستدانة لمعصية. انتهى.
وهذا هو مقتضى كلام الشافعي في "الأم" فإنه شرط في إعطائه أن لا يكون غرمه في معصية، ولم يفصل بين أن يتوب أم لا، ذكر ذلك في باب جماع بيان أهل الصدقات.
قوله: فإن كان الدين على الغارم مؤجلًا ففي إعطائه وجهان إلى آخره.
لم يصرح هنا بتصحيح، وقد صحح في "المحرر" أنه يعطي وعبر بالأظهر، وهو مقتضى كلام "الشرح الصغير" أيضًا فإنه قال: فإن كان مؤجلًا فعلى الوجهين المذكورين في قبل المحل هذا لفظه، والأصح من ذنيك الوجهين أنه يعطي مخالف النووي فصحح من "زياداته" في "المنهاج" و"الروضة" أنه لا يعطي، ولا يستقيم هذا التصحيح عكسه في النجوم.
قوله: من "زياداته" ولو كان عليه دين فقال: جعلته عن زكاتي، لا يجزيه على الأصح حتى يقضيه ثم يرده إليه إن شاء، وعلى الثاني يجزيه كما لو كان وديعة حكاه في "البيان". انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في أواخر الباب الأول من كتاب الهبة، وقد ذكرت لفظه هناك لغرض آخر فاعلمه وراجعه.
قوله: والغريب المجتاز بالبلد يعطي من سهم السبيل، وقيل: على الخلاف في نقل الصدقة، وبالمنع أجاب المسعودي. انتهى.
وهذا النقل عن المسعودي ذكره في "البيان" فقلده فيه الرافعي، وهو غلط، إنما صَوَّابه الفوراني، وقد سبق وجه الغلط في فصل الأسماء فراجعه.
قوله: ولو استعمل هاشمي أو مطلبي فهل يحل له سهم العاملين فيه وجهان أحدهما نعم لأنه أجره عمله، وهذا أصح عند أبي الحسن العبادي،
стр. 3052
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": لا؛ كما لو كان غارما أو غازيًا. انتهي كلامه.
لم يصرح في "الشرح الصغير" أيضًا بتصحيح والتصحيح المنع فإنه مقتضى كلامه في "المحرر"، وصححه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة"، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي، وهو غريب فتفطن له.
стр. 3053
الباب الثاني: في كيفية الصرف إلى الأصناف
قوله: ولو قال: لا كسب لي، وكان قويًا جلدًا، وقال: لا مال لي، واتهمه الإمام ففي تحليفه وجهان، قال في "التهذيب": إنه لا يحلف. انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، والأصح ما قاله في "التهذيب"، فقد صححه أيضًا الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه"، ولكنه اقتصر على المسألة الأولى، وصححه النووي في "شرح المهذب" وأصل "الروضة".
قوله: والفقير الذي لا يحسن الكسب بالحرفة ولا بالتجارة، قال العراقيون وطائفة سواهم: تعطي كفاية العمر الغالب، ولا يتقدر بالشهر ولا بالنسبة، وروى آخرون منهم صاحب "التهذيب"، والمصنف تقديره بكناية السنة. انتهى كلامه.
وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وليس فيه تصريح بتصحيح، وقد جزم في "المحرر" باعتبار السنة، وخالفه النووي فصحح في كتبه اعتبار العمر الغالب، قال: وقد نص عليه الشافعي، ونقله الشيخ نصر عن جمهور أصحابنا.
قوله: في "الروضة" فرع للإمام الخيار إن شاء دفع الفرس والسلاح إلى الغازي تمليكًا وإن شاء استأجر له مركوبًا وإن شاء اشتري خيلًا من هذا السهم ووقفها في سبيل الله فيعيرهم إياها عند الحاجة. انتهى.
وما ذكره في أخر كلامه من الإعارة يقتضي تضمينه بتقدير التلف، وهو عجيب فإن انتفاع الموقوف بما وقف عليه ليس عارية، بل لكونه بعض المستحقين ولهذا المعنى لا يتصور القول بتضمينه، وأيضًا فالغازي المذكور يجوز أن يملك هذه الأشياء فكيف يضمنها على تقدير الوقف عليه، وأيضًا فالمعير لابد أن يكون مالكًا للمنفعة، وهذا منتف هنا وبالجملة، والرافعي
стр. 3054
سالم من ذلك فإنه عبر بقوله: فيعطيهم عند الحاجة، هذا لفظه، فعدل عنه في "الروضة" إلى العارية سهوًا.
قوله: ولا يسمى للعامل أكثر من أجرة المثل فإن فعل فتفسد التسمية من أصلها أو يكون قدر أجرة المثل من الزكاة وما زاد في خالص مال الإمام، فيه وجهان في "أمالي" أبي الفرج. انتهى.
والأصح هو الأول كذا صححه في "زيادات الروضة".
قوله: من "زياداته": قال الشيخ نصر: إذا قلنا: لا يعطي إلا بسبب واحد، فأخذ بالفقر كان لغريمه أن يطالبه بدينه فيأخذ ما حصل، وكذا إن أخذه بكونه غارمًا، فإذا بقي بعد أخذه منه فقيرًا فلابد من إعطائه من سهم الفقراء لأنه الأن محتاج. انتهى كلامه.
واعلم أنه قد سبق أن الأرجح منع المكاتب من إنفاق ما أخذه، وسبق أن الغارم كالمكاتب، وحينئذ فإن كنا نقول: إن الأخذ بصفتين لا يجوز، وقلنا: بأنه يتعين صرف المأخوذ لما أخذه، لزم امتناع الأخذ ثانيًا في مسألتنا.
قوله: فإن قسم المالك بنفسه، أو لم يكن هناك عامل سقط سهم العامل وقسم على الأصناف السبعة، وروى الحناطي عن النص سقوط سهم المؤلفة أيضًا، ثم قال: ويجوز أن يعلم بالواو لأنه أعني: الحناطي حكى عن الأصطخري أنه يجوز الصرف إلى ثلاثة من الفقراء. انتهى.
وهذا الوجه المنقول عن الإصطخري قد حذفه من "الروضة".
قوله: وإن قسم المالك فينظر إن أمكن الاستيعاب بأن كان المستحقون في البلد محصورين بقي لهم المال، فقد أطلق في "التتمة" وجوب الاستيعاب، وقيد الوجوب في "التهذيب" بما إذا لم يجوز نقل الصدقة فلا يستحب فإن لم يمكن فلا وجوب ولا استحباب، لكن لا ينقص عن ثلاثة من كل صنف. انتهى كلامه.
стр. 3055
وهو يدل على وجوب الاستيعاب عن الإمكان وذلك بأن ينحصر وعلى أنه لا يختلف الحال في المحصورين بين أن يقل عددهم أو يكثر حتى يجب استيعاب المحصورين إذا أرادوا على ثلاثة.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد الكلام على صدقة التطوع في المسائل المنثورة أن الاستيعاب لا يجب إذا زادوا على ثلاثة، فقال: ومتى يستحق أهل السهمان الزكاة؟ قال الشافعي ﵁: يستحقون يوم القسمة إلا العامل فإنه يستحق بالعمل وذكر في موضع آخر أنهم يستحقون يوم الوجوب.
قال الأصحاب: ليس في المسألة اختلاف قول، لكن النص الثاني محمول على ما إذا لم يكن في البلد إلا ثلاثة أو أقل، ومعنا نقل الصدقة فيستحقون يوم الوجوب حتى لو مات واحد دفع نصيبه إلى ورثته وإن غاب أو أسر فحقه بحاله وإن قدم غريب لم يشاركهم، والنص الأول محمول على ما إذا لم يكونوا محصورين في ثلاثة أو كانوا محصورين وجوزنا نقل الصدقة فيستحقون بالقسمة حتى لا حق لمن مات أو غاب أو أسر بعد الوجوب، وقيل: القسمة، وإن قدم غريب شاركهم. انتهى كلامه.
وهو صريح في أنه لا يجب الاستيعاب إذا زادوا على ثلاثة والأول دال على خلافه، ولهذا قيده بقوله: بقي لهم المال، والثلاثة يجب الصرف لهم سواء، وفي المال بقدر حاجتهم أم لم يوف.
وذكر في الباب الثاني من كتاب الوصية في الطرف الثاني منه نحو ذلك أيضًا فقال: والوصية لأصناف الزكاة في أنه لا يجب الاستيعاب ويقتصر على ثلاثة، والأولى استيعاب الموجودين عند الإمكان كما في الزكاة، هذه عبارته، وتبعه في "الروضة" علي هذه المواضع.
وقد يقول القائل: يجمع بين ذلك بأن يحمل الكلام الأول على ما إذا
стр. 3056
لم يوف ويتلخص من كلا النقلين أنهم إن كانوا ثلاثة فأقل تعين الصرف إليهم وفا بهم المال أم لا، وإن كان أكثر من ثلاثة فإن عسر ضبطهم كان الملك للجهة، ويجوز الاقتصار في الصرف على ثلاثة أقسام، وهؤلاء إنما يملكون يوم القسمة، وإن سهل ضبطهم فإن وفى المال بحاجتهم كانوا كالثلاثة وإن لم يوف كانوا كما لو عسر ضبطهم لكن يستحب التعميم، وكلام القاضي أبو الطيب يدل على ما قلناه فإن قال: أن الشافعي ﵁ قال: يستحقون يوم القيمة، وأراد ما إذا لم تكن الأصناف معينة بأن كان في البلد أكثر من ثلاثة والزكاة لا تتسع للكل فَلِرَبّ المال أن يخص بها ثلاثة من كل صنف.
واعلم أن هذا الجمع وإن صح لزم منه أمران:
أحدهما: أنه لا يتعين حمل النص الثاني المذكور في الموضع الثاني على الثلاثة فقط والرافعي قد ادعاه كما سبق.
الثاني: فساد قول النووي في "التصحيح"، والأصح: أنه يجب استيعاب آحاد الصنف إذا كانوا محصورين.
قوله: نقلًا عن "التهذيب": وليس كما أوصى لفقراء بلد معينة وهم محصورون حيث يجب تعميمهم والتسوية بينهم وهاهنا أي في الزكاة إذا كانوا محصورين يجب التعميم ولا يجب التسوية لأن الحق في الوصية لهم على التعيين حتى لو لم يكن هناك فقير تبطل الوصية، وهذا إذا قسم المالك فإن قسم المال قال في "التتمة": لا يجوز تفضيل بعضهم عند تساوي الحاجات. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن "التهذيب" وأقره من أن التسوية لا تجب عند حصرهم لم يصرح به في "الروضة" وهي مسألة مهمة.
стр. 3057
قال في "الروضة": وما ذكره في "التتمة" من التفصيل وإن كان قويًا فهو خلاف مقتضى إطلاق الجمهور استحباب التسوية.
الثاني: أن ما نقله عنه أيضًا أي عن "التهذيب" من بطلان الوصية إذا لم يجود أحد من الفقراء، قد حذفه من "الروضة" أيضًا هنا استغناء عنه يذكره له في كتاب الوصية قُبَيْل المسائل الحسابية فإنه جزم به تبعا للرافعي هناك لكنه ذكر من "زياداته" في أخر كتاب الحج قُبَيْل باب الهدي ما يخالفه، وقد سبق ذكر لفظه هناك، فراجعه.
الثالث: في معرفة ضابط المحصور وغيره وقد أشبعت الكلام في المسألة السابقة.
قوله فيها: ولو لم يوجد من الصنف إلا دون الثلاثة فهل يصرف باقي السهم إلى الذي وجده أم ينقل إلى بلد أخر؟ قال المتولي: هو كما لو لم يوجد الصنف. انتهى.
مقتضاه أن يكون الأصح عند المتولي هو الرد، والأمر كما وضحه أعني المتولي فقد نقله الشيخ نصر وصاحب "العدة" عن نص الشافعي، ونقله عنهما النووي وقال: إنه الأصح.
قوله: وإذا لم نجوز نقل الصدقة فعدم بعض الأصناف فوجهان:
أحدهما: تنفذ إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد.
وأصحهما: الرد على الباقين.
ثم قال: وإن نقص نصيب بعضهم عن الكفاية وزاد نصيب بعضهم فيصرف ما زاد إلى من نقص نصيبه، أو ينقل إلى ذلك الصنف بأقرب التلاد فيه مثل هذا الخلاف. انتهى.
ومقتضاه أن الأصح في الصورة الثانية الرد على الباقين أيضًا.
إذا علمت ذلك فقد تابعه عليه النووي في "الروضة" وعبر بقوله: ففيه
стр. 3058
هذا الخلاف، وكذا ذكر أيضًا في "شرح المهذب" إلا أنه لم يصرح بتصحيح في المسألة الأولى، وصحح عكسه في "تصحيح التنبيه" فقال: الأصح أنه ينقل إلى ذلك الصنف، ولا ذِكْر للمسألة في "المحرر" ولا في "مختصره".
قوله: وفي جواز نقل الوصية طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في الزكاة، وهذا ما حكاه يعني الغزالي هاهنا.
والثاني: ترتيب الوصية على الزكاة والوصية أولى بالجواز، وهذا ما ذكره هناك وألحق بالوصية الكفارات والنذور، والظاهر فيهما جميعًا جواز النقل. انتهى.
وما صححه من جواز النقل في الوصية قد تقدم في بابها من كلامه ما يقتضي المنع وكلام الغزالي في "الوجيز" هاهنا مشتمل على طريقين فإنه بعد حكاية الخلاف في الزكاة، قال ما نصه: وقيل: يطرد هذا الخلاف في الكفارات والنذور والوصايا والأظهر فيها جواز النقل، هذا لفظه.
فحصل من مجموع كلامه ثلاث طرق، والرافعي لم ينقل سوى طريقين.
قوله: واعلم أن الخلاف في جواز النقل ظاهر في ما إذا فرق رب المال زكاته أما إذا فرق الإمام فربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف فيه، وربما دَلّ على جواز النقل له، والتفرقة كيف شاء وهذا أشبه. انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" فقال: قال صاحب "المهذب" والأصحاب: يجب على الساعي نقل الصدقة إلى الإمام إذا لم يأذن له في تفريقها وهذا نقل. انتهى كلامه.
قوله: وزكاة النقدين والمواشي وأموال التجارة تؤدى إلى فقراء البلد الذي تم فيه حولها، فإن كان المال عند تمام الحول في بادية صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه، زاد في "الروضة" على هذا فقال: ولو كان تاجرًا مسافرًا
стр. 3059
صرفها حسب حال الحول. انتهى.
واعلم أن هذا الكلام أصلًا وزيادة يقتضي لعمومه أن لا فرق بين أن يكون المال مستقرًا أو سائرًا، لكن تقدم أنه إذا كان سائرًا فإنه لا يخرج زكاة حتى يصل إليه، كذا نقله في كتاب الزكاة عن صاحب "العدة" وأقره، ذكر في شروط الزكاة في الشرط السادس المعقود لتمام الملك وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: وأما زكاة الفطر إذا كان ماله ببلد وهو تاجر فبأيهما يعتبر؟ وجهان: أصحهما: بلد المال. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الصحيح اعتبار بلد المال ليس كذلك، بل الصحيح المشهور في "شرح المهذب" وغيره أن الاعتبار ببلد البدن.
قوله: فإن عرف الإمام من رجل أنه لا يؤدي زكاة أمواله الباطنة بنفسه فهل له أن يقول: إما أن تدفعها. . . . إلى آخره.
هذه المسألة نقله في "الروضة" إلي باب أداء الزكاة فتبعته على ذلك، وفيها أمور مهمة يتعين معرفتها فراجعها.
قوله: ويشترط في الساعي: كونه مسلمًا مكلفا عدلًا حرًا فقيهًا بأبواب الزكاة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" ولكن يشترط مع ذلك أن يكون ذكرًا صرح به أبو الفتوح في تصنيفه في "أحكام الخناثى" وهو متجه فإنه ولاية.
قوله؛ فإن عَيَّنَ الإمام شيئًا يأخذه لم يعتبر الفقه، قال الماوردي: وكذا لا يعتبر الإسلام والحرية. انتهي.
توقف في "الروضة" في عدم اشتراط الإسلام فقال: فيه نظر، وصرح في "شرح المهذب" برده فقال: المختار: اشتراطه.
стр. 3060
قوله: وفي "الأحكام السلطانية" أنه إذا كان الإمام عادلًا والأخذ جائرًا في القسم وجب كتمانها عنه، فإن أخذها طوعا أو كرها لم يجز، وعلى أرباب الأموال إخراجها بأنفسهم، وهذا خلاف ما في "التهذيب" أنه إذا دفع إلى الإمام الجائر سقط عنه الفرض، وإن لم يوصله المستحقين إلا أن يفرق بين الدافع إلى الإمام وإلى العامل. انتهى.
اعلم أن في الإمام بخصوصه خلاف مشهور صرح الرافعي في أوائل الكلام على أداء الزكاة بنقله عن رواية الحناطي، وكلامه هنا يقتضي عدم استحضاره، ولهذا تردد في أثنائه وأما إعزاء الجواز والسقوط إلى "التهذيب" فقط فلا معنى له فقد صححه هو وغيره هناك حتى أنه حكى الخلاف في أن الأفضل الإعطاء له أم لا؟ وقد استدرك في "الروضة" هنا عليه فقال: لا فرق بين الإمام والساعي، والأصح فيهما الإجزاء.
قوله: ووسم نعم [الصدقة] (١). والفيء مسنون، روى عن أنس قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة (٢) وفائدته: تمييزها عن غيرها وأن يردها من وجدها إذا ضلت وأن يعرفها المتصدق فلا يعود إليها، فإنه يكره أن يتصدق بشيء ثم يشتريه، كذا قاله الشافعي. انتهى ملخصًا.
وما ذكره في أخر كلامه من كراهة شراء ما يتصدق به، قد تابعه عليه في "الروضة" ثم ذكر بعد ذلك بنحو ورقتين في أثناء الكلام على صدقة التطوع من "زوائده" ما يخالف إطلاق هذا فراجعه.
قوله: ويكره الوسم علي الوجه. انتهى.
стр. 3061
الصواب أنه حرام فقد ثبت في "صحيح مسلم" (١)، لعن فاعله، ونص عليه الشافعي في "الأم" فقال: والخبر عندنا يقتضي التحريم وجزم به البغوي، وقال النووي في "المنهاج" أنه الأصح، وفي "الروضة": إنه الأقوى، وفي "شرح المهذب"، إنه المختار، وفي "شرح مسلم": إنه الأظهر.
قوله: فيكتب على نعم الجزية: جزية أو صغار، وعلى نعم الصدقة: صدقة أو زكاة أو لله، نص عليه الشافعي ﵁ واستبعده بعض من شرح "الكتاب"، لأن الدواب تتمعك في النجاسات، وتضرب أفخاذها بأذنابها وهي نجسة فلينزه اسم الله تعالى عنها، ورأيت هذا الاستبعاد لبعض المتقدمين ممن شرح "المختصر" ويجوز أن يجاب عنه بأن إثبات اسم الله تعالى هاهنا لغرض التمييز والإعلام لا على قصد الذكر والتبرك، ويختلف التعظيم والاحترام بحسب اختلاف المقصود ألا ترى أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن ولو أتى ببعض الفاتحة لا على قصد القراءة لم يحرم. انتهى ملخصًا.
وشارح "المختصر" المذكور الذي اتهمه ولم يصرح باسمه هو الداوودي المعروف بالصيدلاني واسمه: أبو بكر محمد بن داود بن محمد، وقد رأيت الإشكال المذكور في الشرح المشار إليه، وهو إشكال ظاهر، والجواب الذي ذكره الرافعي عنه جواب ضعيف، فإن الكتب وإن كان لقصد التمييز فلا يخرج به عن كونه معظمًا لكونه اسمًا من أسماء الله تعالى، وأما استدلاله بقراءة بعض الفاتحة فأضعف، فإنه إنما للجنب ذلك لكونه إذا لم يقصد القراءة لا يكون قرآنا، وحينئذ فلا يحرم وأما هنا فإنه، وإن قصد الإعلام فلا يخرج بذلك عن كونه اسمًا لله تعالى واسمه معظم، بل الإعلام بذلك
стр. 3062
يستدعي إرادة التسمية حقيقة.
قوله: من "زياداته": ولو دفع سهم المؤلفة أو الغازي إليه فبان المدفوع إليه امرأة فهو كما لو بان عبدًا. انتهى.
وقد سبق في العبد أنه لا يجزيء على الصحيح، فاقتضى ذلك أن المرأة لا تستحق شيئًا من سهم المؤلفة كالعبد، وليس كما قاله، بل الراجح الإعطاء، وقد ذكره قبل ذلك على الصواب فقال في الكلام على صنف الفقراء ما نصه: وللزوج أن يعطي زوجته من سهم المكاتب والغارم قطعًا ومن سهم المؤلفة على الأصح، وبه قطع في "التتمة" وقال الشيخ أبو حامد، لا تكون المرأة من المؤلفة وهو ضعيف. انتهى.
وذكر أيضًا مثل هذه العبارة في "شرح المهذب" في الموضع المذكور وصححه أيضًا في الكلام على المؤلفة، وهذا الفرع المذكور في "الروضة" ذكره في "شرح المهذب" في أخر الباب نقلًا عن القاضي أبي الفتوح فقط، ثم قال: ونقله عنه صاحب "البيان" فنقله من الشرح المذكور من غير إعزائه غير مستحضر ما سبق له، ولهذا ذكره في "الروضة" في أخر الباب كما ذكره في الشرح المشار إليه.
قال ﵀: الكلام على صدقة التطوع.
قوله: أيضًا من "زوائده": اختلاف رب المال والساعي على ضربين.
أحدهما: أن لا تكون دعوى رب المال لا تخالف الظاهر لدعواه أن النتاج بعد الحول.
والثاني: أن تخالفه كقوله: كنت بعته في أثناء الحول ثم اشتريته، وفي الضربين إذا اتهمه الساعي حلفه واليمين في الضرب الأول مستحبة بلا خلاف، وفي الضرب الثاني مستحبة على الأصح، وقيل: واجبة. انتهى ملخصًا.
стр. 3063
وما ادعاه من عدم الخلاف في الأول ليس كذلك فقد حكى القاضي الحسين والفوراني في الصورتين ثلاثة أوجه: ثالثها: التفصيل، ونقلها عنه ابن الرفعة في باب قسم الصدقات من "الكفاية".
قوله: وأما ذوو القربى فالمشهور أنها لا تحرم عليهم صدقة التطوع، ثم قال: وفي "التتمة" حكاية قول أخر أنه تحرم الصدقة عليهم. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من حكاية التحريم قولًا قد خالفه في "الشرح الصغير" فجعله وجهًا فقال: المشهور أنها لا تحرم على ذوي القربة صدقة التطوع وفيه وجه. انتهى فحكاهما أيضًا وجهين الإمام هنا والغزالي في أوائل النكاح.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على جزمه بطريقة القولين ثم إنه حكى في "شرح المهذب" طريقين وصحح طريقة القطع فقال: فيه طريقان:
أصحهما: وبه قطع المصنف والأكثرون: يحل.
والثاني: حكاه البغوي وآخرون من الخراسانيين فيه قولان: أصحهما: يحل والثاني: يحرم.
قوله: وإلى الأقارب والجيران أفضل وكذا الصدقة المفروضة والكفارات صرفها إليهم أفضل إذا كانوا بصفة استحقاقها فالأولى أن يبدأ بذي الرحم كالأخوة والأخوات. . . . إلى آخره. انتهى.
تابعه في "الروضة" وهو يقتضي أن الأب والأم لا يدخلان في استحباب تقديمهما على الأجانب في صدقة التطوع من وجهين.
أحدهما: أنهما لا يدخلان في لفظ الأقارب على الصحيح كما هو مذكور في كتاب الوصية.
стр. 3064
والثاني: إسقاطهما في حال التفضيل وذكر المعدم وليس الاستدلال على ما يدل عليه هذا الكلام فقد قال في "شرح المهذب": قال أصحابنا: ولا فرق في استحباب صدقة التطوع، وتقديمه على الأجنبي بين أن يكون القريب ممن تلزمه نفقته أم لا، هذا كلامه، حتى قال بعده: قال البغوي: دفعهما إلى قريب تلزمه نفقته أفضل من دفعها إلى الأجنبي. انتهى.
وفي "الكافي" للخوارزمي من الجزم بما نقله في "شرح المهذب" عن البغوي.
قوله: واستحباب التصدق في شهر رمضان آكد. انتهى.
يكون أيضًا آكد من غيره في مواضع نبه عليها في زيادات "الروضة" فينبغي معرفتها وهي الكسوف والمرض والغزو والحج والأمور المهمة، وفي مكة والمدينة والأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد.
قوله: وما فضل عن حاجته وحاجة عياله هل يتصدق بجميعه، حكى أبو سعد المتولي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يكره ذلك، بل يستحب.
والثاني: لا يستحب ثم قال: وأصحها وهو المذكور في "الكتاب" أنه إن كان المتصدق قويًا بحيث يجد من نفسه قوة الصبر على الإضافة فيستحب له التصدق بالجميع وإلا لم يستحب بل يستبقي لنفسه ما يتحلل به. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن المتولي من حكاية وجه الاستحباب مطلقًا ليس مطابقًا لما في "التتمة" فإنه إنما عبر بعدم الكراهة ولا يلزم منها كونه مستحقًا فإنه قال: هل يستحب للرجل أن يتصدق بجملة ماله أم يكره له ذلك؟ اختلفوا في ذلك، فقيل: لا يستحب، هذا لفظه، ثم استدل على عدم
стр. 3065
الاستحباب، ثم قال: وقيل: إن ذلك لا يكره، والصحيح: أن ذلك يختلف بأحوال الناس، فإن كان الرجل أقوى الاعتقاد بحيث لا يتغير عليه حاله إذا لم يكن في يده، قال فالأولى له أن يتصدق بجميع ماله، وإن كان الرجل ممن لا يصير علي الفقر فالأولى أن يتصدق بما فضل عنه ويستبقي لنفسه قدر ما يحتاج إليه. انتهى كلامه.
الأمر الثاني: أن تعبيره في الوجه الثالث بقوله: ويستبقي لنفسه ما يتعلل به، لا يطابق تعبير "التتمة" بقدر "الكفاية" فبينهما فرق ظاهر، وحذف في "الروضة" بيان ما يبقيه فلم يذكر ما في الرافعي ولا ما في "التتمة" فقال فيه أي: في الاستحباب، أوجه [. .] (١) وإلا فلا.
قوله: ومن له عيال تلزمه نفقتهم أو عليه دين يحتاج إلى قضائه فلا يستحب التصدق، وربما [قال] (٢) يكره. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذه العبارة موافقة لعبارة الماوردي والغزالي والمتولي وآخرين، وقال القاضي أبو الطيب وأصحاب الشامل و"المهذب" و"التهذبب" و"البيان" والدارمي والروياني في "الحلية" وآخرون لا يجوز أن يتصدق بما يحتاج إليه لنفقته ونفقة عياله. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: إن الإشارة بقوله: هذه العبارة. . . . إلى آخره، لا جائز أن تكون إلى أقرب مذكور وهو الكراهة، وإن كان هو المتبادر إلى الفهم، فإنه قد نقل في "شرح المهذب" عن الماوردي والغزالي وغيرهما عدم الكراهة ولا جائز أن يعود إلى ما ذكره أولًا فقط لأنه قد نقل في الشرح المذكور عن المتولي، بل أشار بذلك إلى حاصل ما تقدم وهو الجواز فتفطن له.
стр. 3066
ويدل عليه حكاية الخلاف الذي بعده غير أنه أساء التعبير بقوله: هذه العبارة، وقد علمت بما نقلناه من "شرح المهذب" التصريح بما توقف الرافعي وهو الخلاف في الكراهة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الدين إنما يأتي إذا لم يطالب به صاحبه، فإن طالب فإنه لا سبيل إلى القول بالجواز لوجوب أدائه علي الفور بل في وجوب الفور عند عدم المطالبة أيضًا كلام ينبغي الوقوف عليه، سبق ذكره في كتاب الفلس.
وقد ذكر الرافعي في "الشرح الصغير" نحو ما ذكر في "الكبير" وكذلك في "المحرر" إلا أن النووي قد اختصره في "المنهاج" بقوله: ومَنْ له عليه دين أو له من يلزمه نفقته يستحب له أن لا يتصدق.
والرافعي عبر بقوله: لا يستحب له أن يتصدق، كما عبر في "الكبير" وبينهما تفاوت ظاهر.
قوله: أيضًا من "زياداته": وهذا -أي: التحريم- أصح في نفقة عياله والأول أصح في نفقة نفسه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله في النفقة مُسَلَّم في نفقة عياله، وأما نفقة نفسه فذكر مثله أيضًا في "المنهاج" من "زياداته" لكنه خالفهما في "شرح المهذب" وصحح المنع، وعَبَّر بالأصح أيضًا، فإنه حكى فيها وفي نفقة عياله ثلاثة أوجه ثم قال: أصحهما لا يجوز.
والثاني: أنه مكروه.
والثالث: أنه خلاف الأولى.
الأمر الثاني: إذا قلنا بالمنع في نفقة العيال كما صححه النووي فهل
стр. 3067
يكون [. .] (١) لا يجوز لأنها غير واجبة، ذكر ذلك في حديث الأنصاري المشهور الذي أطعمه قوت صبيانه، وحمل هذا الحديث على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين وإنما طلبوه على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة وجزم في "شرح المهذب" في هذا الباب يعكس ذلك فقال: أن الضيافة لا يشترط في جوازها الفضل عن نفقته ولا نفقة عياله أما كدها وكثرة الحث عليها.
قال: وليست الضيافة صدقة واستدل عليها بالحديث المذكور.
قوله: من "زياداته": أيضًا وأما الدّين فالمختار أنه إن غلب على ظنه حصول وفاته من جهة أخرى فلا بأس بالتصدق وإلا فلا تحل. انتهى.
ذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا وكذلك في "المنهاج" وأبدل "المختار" بقوله: "الأصح" إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أنه في "شرح مسلم" قد ذكر ما حاصله الجزم بالجواز لمن عليه دين ولم يفصل كما فصل هنا.
الثاني: أن غلبة الظن بحصول الوفاء لابد أن يستند إلى سبب ظاهر كذا صرح الغزالي في "الإحياء" وهو واضح فإنه والحالة هذه يكون كالمستدين ابتداء، وقد قال في "الروضة" من "زوائده" في الشهادات، وتباح الاستدانة لحاجة في غير معصية ولا سوف إذا كان مرجوًا الوفاء من جهة أو سبب ظاهر، هذا لفظه، وهي مسألة مهمة، وحيث منعناه من التصدق في جميع ما سبق فتصدق فهل يملكه المتصدق عليه قال ابن الرفعة ينبغي تخريجه علي الخلاف في هبة المال.
قال ﵀: ونردف الباب بمسائل من قسم الصدقات متفرقة.
قوله: وينبغي أن ابتداء في القسمة بالعاملين لأن استحقاقهم أقوى
стр. 3068
لكونهم يأخذون معاوضة. انتهى.
وهذا التقديم مستحب وقد نبه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: ولو دفع المال بنفسه ثم بان المدفوع إليه كافرًا أو عبدًا أو من ذوي القربى لم يسقط الفرض وفيه وجه ضعيف وإن بان قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -يسقط لأن الغني لا يتحقق فيعذر كما لو دفع الإمام.
وأصحهما: المنع. انتهى كلامه.
وتفريقه بين هذه المسائل في حكاية القولين والوجهين يقتضي أن القولين خاصان بالغنى وأن ما عداه ليس فيه قولان، بل وجهان، وليس كذلك فقد حكى الشافعي القولين في الجميع فقال في "الأم" في باب علم قاسم الصدقة وهو بعد باب من طلب من أهل السهمان ما نصه وإن كان للقسم رب المال دون الوالي فعلم أن بعض من أعطاه ليس من أمل السهمان على مسكنه وغرم أو ابن سبيل فإذا هم مماليك أو ليس على الذي أعطاهم لها رجع عليهم واحد منهم فقسمه على أهله فإن ماتوا أو أفلسوا ففيها قولان:
أحدها: أن عليه ضمانه وأداءه إلى أهله.
ثم قال: والقول الثاني: أنه لا ضمان على صاحب الصدقة إذا قسمها على الإجتهاد. هذا كلام الشافعي.
قوله: وفي "البحر" للقاضي الروياني: أنه لو دفع الزكاة إلى مسكين وواعده أن يردها إليه بالبيع أو الهبة ليصرفها المزكي في كسوة المسكين ومصالحه ففي كونه قبضًا صحيحًا إحتمالان لأن التحلية لم تحصل على التمام، وأنه لو دفع الزكاة إلى مسكين، وهو غير عارف بالمدفوع بأن كان مشدودًا في حرفه أو كاغد لا يعرف جنسه وقدره وتلف في يد المسكين ففي سقوط الزكاة إحتمالان لأن معرفة القابض لا يشترط فكذلك معرفة الدافع.
стр. 3069
انتهى كلامه.
لم يذكر في "الروضة" المسألة الأولى ولكنه جزم في قريب منها بعدم صحة القبض وأما المسألة الثانية فنقلها إلى قبيل صدقة التطوع، وقال: أن الأرجح فيها سقوط الفرض -أعني: الرافعي- تبعًا لصاحب "البحر" بقوله وتلف في يد المسكين لا معنى له، بل هو نبيذ مضر موهم لأن الحكم الذي ذكره وهو التردد في الإجراء لا فرق فيه بين تلف المدفوع وبقائه فتأمله.
قوله: من زوائده ومن تصدق بشيء كره له أن يتملكه من جهة من دفعه إليه بمعاوضة أو هبة ولا بأس بملكه منه بالإرث ولا يتملكه من غيره. انتهى.
وشرط الكراهة أن يعرفه المسكين خوفًا من المحاباة فإن لم يعرفه ولا يكره، ولكن الأولى أن لا يتملكه وكذلك إذا انتقل عنه إلى غيره عنه لله تعالى هكذا ذكره محمد بن داود الداوودي المعروف بالصيدلاني في "شرح المختصر" وفي المسألة كلام آخر يتعين الوقوف عليه سبق ذكره في الكلام على وسم نعم الزكاة فراجعه.
آخر الجزء السادس من تجزئة المصنف ﵀، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3070
المُهِمَّات
فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف
الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة
جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي ﵀ الْمُتَوفَّى ٧٧٢ هـ
اعتَنى بِهِ
أَبُو الْفضل الدّمياطِي
أَحَمَدْ بنْ عَلي
عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء السَّابع
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٨١ - ٧٤٠ - ٨
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي
الدَّار الْبَيْضَاء - ٥٢ شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس
هَاتِف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ _ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هَاتِف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
стр. 3074
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد
كتاب النكاح
الباب الأول في خصائص رسول الله ﷺ في النكاح وغيره
قوله في أصل "الروضة": ومن الواجبات على النبي ﷺ الأضحية والوتر والتهجد والسواك والمشاورة على الصحيح في الخمسة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يقتضي أن الرافعي حكى خلافًا في وجوب الخمسة عليه وهو في ما عدا التهجد [صحيح، وأما التهجد] (١) فلا، بل المجزوم به في الرافعي وجوبه، ثم حكى وجهًا أنه نسخ في حقه كما في حق الأمة.
قال: وهو ما أورده الشيخ أبو حامد.
واعلم أن الشيخ أبا حامد قد نقل عن نص الشافعي موافقة هذا الوجه، ونقله في "الروضة" عنه، وقال: إنه الأصح.
قال: وفي "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ ما يدل عليه، وذكر من "زوائده" في كتاب السير أن الله تعالى فرض من قيام الليل أولًا ما ذكره في أول سورة المزمل ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بالخمس.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن الوتر غير التهجد، وقد وقع فيه اختلاف صريح في عبارة "الروضة" يعرف بمراجعة ما قدمته في صلاة التطوع فليراجع من هناك.
стр. 3075
قوله: أما في النكاح فقد أوجب الله تعالى على رسوله تخيير نسائه بين اختياره وبين مفارقته واختيار زينة الدنيا، والمعنى فيه أنه ﷺ آثر لنفسه الفقر والصبر عليه فأمر بتخييرهن كيلا يكون مكرهًا لهن على الصبر والفقر. انتهى كلامه.
ذكر مثله بعد هذا في الكلام على [الكفاءة] (١)، وما ذكره من أنه ﷺ اختار الفقر لنفسه، كيف يصح مع ما ثبت في الصحيحين من رواية عائشة أنه ﵊ كان يتعوذ من الفقر (٢)، وقد ذكر هو هذا الحديث قبل هذا الموضع بأوراق في الكلام على قسم الصدقات، فقال: إنه ﵇ كان يستعيذ من الفقر، وقال: "اللهم أحينى مسكينًا" (٣)، وما ذكره من الدعاء بالمسكنة قد رواه الترمذي وابن ماجة بإسناد ضعيف ولفظهما: "اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا"، قال البيهقي: وقد روي أيضًا في حديث أنس أنه استعاذ من الفقر والمسكنة معًا.
قوله: وهل حرم على رسول الله ﷺ طلاقهن بعدما اخترنه؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الإمام: أنه لا يحرم. انتهى.
وهذا الذي رجحه الإمام هو الصحيح، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين والنووي في أصل "الروضة": إنه الأصح.
стр. 3076
قوله: وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في أنه هل كان يجوز للنبي ﷺ أن يجعل الاختيار إليهن قبل المشاورة معهن؟ انتهى.
وهذه المسألة أسقطها النووي من "الروضة".
قوله: ومن المحرمات الصدقة على أظهر الوجهين على ما سبق في كتاب قسم الصدقات. انتهى.
وحكاية الخلاف في هذه المسألة وجهين تبع فيه جماعة منهم الإمام هنا والطبري صاحب "العدة" والعجلي في "شرح الوسيط" والجرجاني في "الشافي"، لكن الذي سبق من كلام الرافعي في قسم الصدقات أن الخلاف قولان، وهو الصواب المذكور في بعض نسخ الرافعي هنا وفي "الروضة" أيضًا، فقد قال الماوردي في كتاب الوقف: إنهما منصوصان في "الأم".
قوله: وعد من المحرمات الخط والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول: إنه ﷺ كان يحسنهما، وقد اختلفوا فيه، والأصح أنه كان لا يحسنهما. انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره ضعيف كما نبه عليه في "الروضة"، فإنه لا يمتنع أن يحرم على الشخص ما لا يحسنه حتى يحرم عليه التوصل إليه.
قوله: وكان يحرم عليه ﷺ إذا لبس لأمته أن [ينزعها حتى] (١) يلقى العدو ويقاتل (٢)، وقيل: كان مكروهًا. انتهى.
стр. 3077
اللأمة بهمزة ساكنة هي الدرع، يجمع على لائم كثمرة وثمر وعلى لؤم كرطب، وهذا الثاني على غير القياس كما قاله الجوهري، فإنه جمع لُؤمة بضم اللام.
قوله: وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في أنه هل كان يجوز للنبي ﷺ أن يصلي على من كان عليه دين؟ وطريقتين في أنه هل كان يجوز أن يصلي مع وجود الضامن؟ . انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" لم يذكر المسألة الثانية -أعني مسألة الضامن- طريقين كما ذكرهما الرافعي، بل عبر بالوجهين أيضًا.
الثاني: أن الصحيح فيها -أعني في المسألة الثانية- هو الجواز، فقد قال في "الروضة" من "زياداته": إن الصواب الجزم به قال: ثم نسخ التحريم فكان النبي ﷺ بعد ذلك يصلي على من عليه دين ولا ضامن له يوفيه من عنده (١).
قوله: ولا يحل له الكتابية في أصح الوجهين، ثم قال: ويجرى الوجهان في التسرى بالأمة الكتابية. انتهى كلامه.
وهو وإن كان يقتضي عدم الجواز في التسرى بالأمة لكنه قد أعادها بعدها بقليل.
وقال: إن أظهر الوجهين فيها الجواز فاعلم ذلك، ولم يذكر هذه الزيادة في "الشرح الصغير" فصار ظاهره مخالفًا لما في "الكبير".
قوله: ومن المباح له ﷺ اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها، ويقال لذلك المختار: الصفى والصفية والجمع الصفايا،
стр. 3078
ومن صفاياه ﷺ صفية بنت حيي اصطفاها وأعتقها وتزوجها، وذو الفقار. انتهى كلامه.
والذي ذكره من أن صفية بنت حيي من صفاياه قبل القسمة ليس كذلك، فقد روى مسلم في "صحيحه" (١) عن أنس أنها وقعت في سهم دحية الكلبى واشتراها منه النبي ﷺ بسبعة أرؤس.
وفي "صحيح البخاري" (٢) أن النبي ﷺ أخذها بعد أن وقعت في سهم دحية الكلبي.
وأما ذو الفقار بفاء تفتح وتكسر وبعدها قاف، وبالراء المهملة فهو سيف كان للنبي ﷺ ، والفقار هي العظام التي في سلسلة الظهر، ومفرده يقال فيه: فقارة بالفتح والمفتوح جمعه، وفقرة بالكسر والمكسور جمعه.
قال ابن الأثير في "النهاية": هي خرزات الظهر، قال: وفي حديث زيد بن ثابت: ما بين عجب الذنب إلى فقارة القفا ثنتان وثلاثون فقارة في كل فقارة أحد وثلاثون دينارًا، وقد تعرض لأخبار هذا السيف جماعة منهم الطبري في "تاريخه الكبير" والكلبي في "جمهرة النسب"، وجمع ابن خلكان خلاصة ذلك في تاريخه في الكلام على ترجمة مرثد بن يزيد بن زائدة، فقال: لما كانت وقعة بدر [وكان ممن حضرها منبه ونبيه أبناء الحجاج القرشي السهمي، وكانا] (٣) إذ ذاك سيدى بني سهم، وكان العاص ابن نبيه قد حضرها مع أبيه فقتل هو وأبوه وعمه كفارًا، وكان هذا السيف له -أي للعاص- فقال الكلبي: إن عليًا ﵁ قتله وأخذ سيفه، وقال غيره إنه ﷺ أخذه من جملة ما أخذ، ثم أعطاه لعلى فانتقل في أولاده إلى أن وصل إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن
стр. 3079
على، ثم إن محمدًا المذكور خرج على الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي فأرسل إليه جيشًا فانهزم أصحاب محمد وقتل هو في تلك الفتنة، فلما أحس محمد بالموت دفع ذا الفقار إلى رجل من التجار كان معه، وكان له عليه أربعمائة دينار، وقال له خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحدًا من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك فكان السيف عند ذلك الشخص إلى أن ولى جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ اليمن والمدينة فوصل إليه الخبر فدعا الرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة دينار فلم يزل عنده إلى زمان المهدى بن المنصور فاتصل به خبره فأخذه فبقي في أيدى خلفاء بني العباس.
قال الأصمعي: رأيت الرشيد بطوس متقلدًا سيفًا، فقال: يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار قلت: بلى جعلنى الله فداك، فقال: استل سيفي هذا فاستللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة.
قوله: ومن خصائصه أنه لا يورث ماله، لكن هل هو باق على ملكه ينفق منه على أهله كما في حياته أو هو صدقة؟ فيه وجهان: صحح الإمام الأول، وقطع أبو العباس الروياني بالثاني لقوله ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (١)، ثم حكى أبو العباس المذكور وجهين في ما إذا قلنا: إنه صدقة، هل تكون وقفًا على ورثته؟ ووجهين إذا جعلناه وقفًا، هل هو الواقف بقوله في الحديث السابق: "ما تركناه فهو صدقة". انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح أنه صدقة فقد قال في "الشرح الصغير": إنه المشهور، وقال في "الروضة" من "زياداته": الصواب الجزم بذلك،
стр. 3080
وبأنه لا يختص به الورثة، بل يكون صدقة على المسلمين.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا في الباب الأول من كتاب قسم [الفيء] (١) والغنيمة أن خمس الفيء كان لرسول الله ﷺ ينفق منه على نفسه وأهله، وفي مصالحه، ولم يكن النبي ﷺ يملكه ولا ينتقل منه إلى غيره إرثًا.
هذا كلامه، فقد حكم في ذلك الباب بأن جهة الإنفاق غير مملوكة، وحكم هنا بأنها مملوكة فتفطن له، واجمع بينهما بأن لتلك الجهة مادتين مملوكة وغير مملوكة، والخلاف في إحداهما على أن العمراني قد ذكر في آخر إحياء الموات من "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن بعضهم قال: إنه ﵊ ما كان يملك شيئًا ولا يتأتى منه الملك، وإنما أبيح له ما يأكله وما يحتاج إليه، قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [مِنْ أَهْلِ الْقُرَى] (٢) فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣)، وأيضًا فقد أعتق صفية (٤) واستولد مارية، والحديث الذي ذكره الرافعي صحيح.
قوله: وكذلك حكى -يعني أبا العباس الروياني- وجهين في انتقاض وضوءه باللمس. انتهى.
والراجح الانتقاض فقد قال في "الروضة": المذهب الجزم به.
قوله: وفي ما حكى صاحب "التلخيص" أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبًا ولم يسلمه القفال، قال: ولا أخاله صحيحًا. انتهى.
وقد أنكر ذلك أيضًا إمام الحرمين فقال: إنه شيء لا ندري من أين قاله وإلى أي أصل أسنده.
стр. 3081
والذي قالوه غريب فإن مستند صاحب "التلخيص" ما رواه الترمذي عن عطية عن أبى سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" (١).
قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
نعم عطية ضعيف عند جمهور المحدثين.
قال الترمذي: قال ضرار بن صرد: معناه لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك.
وقد ضعف في "الروضة" هذا التأويل وسببه أنه يدل على تحريم العبور مع أنه جائز بنص القرآن.
قوله: وحكى صاحب ["التلخيص"] (٢) أنه يجوز له القتل بعد الأمان وخطؤوه فيه. انتهى.
وهذا الذي نقله الرافعي هنا لم يتعرض له في "الروضة" بالكلية.
قوله: وكان له ﷺ أن يزيد على تسع نسوة في أصح الوجهين، ثم قال: وفي انحصار طلاقه في الثلاث وجهان كالوجهين في انحصار الزوجات في التسع، ورأى صاحب "التتمة" الانحصار. انتهى.
стр. 3082
ذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا، وصحح في أصل "الروضة" الانحصار وهو غريب، فإن كلام الرافعي إن لم يشعر برجحان عدم الانحصار فلا أقل من عدم الشعور برجحان عكسه لمعارضة الأول له.
قوله: وفي انعقاد نكاحه بلفظ الهبة وجهان أظهرهما: الانعقاد، ولكن هل يشترط لفظ النكاح من جهة النبي ﷺ ؟ فيه وجهان أرجحهما عند الشيخ أبى حامد: أنه يشترط. انتهى.
والأصح ما رجحه أبو حامد، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: في أصل "الروضة" وأكثر هذه المسائل مخرج على أصل اختلف فيه الأصحاب، وهو أن النكاح في حقه ﷺ هل هو كالتسرى في حقنا؟ إن قلنا: لا، لم ينحصر عدد المنكوحات والطلاق وانعقد بالهبة ومعناها وبلا ولى [وشهود] (١)، وفي الإحرام ولم يجب القسم وإلا انعكس الحكم. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله إن قلنا لا سهو وصوابه إن قلنا نعم، وهو المذكور أيضًا في الرافعي.
قوله: وكان يحل له نكاح المعتدة في أحد الوجهين.
قال في "الروضة" من زياداته: الصواب القطع بامتناعه وغلطوا قائل هذا الوجه.
قوله: وهل كان يلزمه نفقة زوجاته؟ فيه وجهان بناء على الخلاف في المهر. انتهى.
وهذا البناء يشعر بترجيح عدم الوجوب، فإنه الراجح في المهر لكن في "الروضة" من زياداته أن الصحيح الوجوب.
стр. 3083
قوله: وأعتق ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها، فقيل. أعتقها وشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره، [وقيل: جعل نفس العتق صداقًا، وجاز ذلك بخلاف غيره] (١). انتهى.
ذكر في "الروضة" تفسيرًا ثالثًا وصححه وهو: أن معناه أنه أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا في ما بعده.
قوله: ومنها: أن زوجاته اللاتي توفى عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفي التي فارقها في حياته كالتي وجد بكشحها بياضًا فردها وكالمستعيذة منه ثلاثة أوجه:
أحدها ويحكى عن نصه في "أحكام القرآن": أنها حرام.
والثاني: لا.
والثالث -وصححه الشيخ أبو حامد-: أنها إن كانت مدخولًا بها حرمت وإلا فلا. انتهى ملخصًا.
وهذا الثالث صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر وقال في "الروضة" من "زياداته": الأول أرجح، ولم يذكر ترجيحًا غيره.
والكشح بكاف مفتوحة وشين معجمة ساكنة وحاء مهملة هو الجنب.
وقال الجوهري: ما بين الخصر وأقصر الأضلاع.
قوله: ويشفع في أهل الكبائر.
أعلم أن هذه العبارة ناقصة أو باطلة كما قاله في "الروضة" فإن لرسول الله ﷺ خمس شفاعات:
أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يهرعون
стр. 3084
إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة (١).
والثانية: في جماعات يدخلون الجنة بغير حساب.
والثالثة: في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها.
والرابعة: في أناس دخلوا النار فيخرجون منها.
والخامسة: في رفع درجات أناس في الجنة، والشفاعة المختصة به ﷺ هي الأولى والثانية، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة. هذا كلام "الروضة".
قوله: وبعث النبي ﷺ إلى الناس كافة.
اعلم أن التعبير بالناس وقع في القرآن والحديث والنبي ﷺ بعث إلى الإنس والجن والتعبير بالناس يشملهما.
قال الجوهري: والناس قد تكون من الإنس ومن الجن، وأصله أناس فخفف. هذا كلامه.
قوله: وهو سيد ولد آدم.
اعلم أن التعبير بولد آدم وقع أيضًا في الحديث فعبر به الرافعي ﵁، لكن مذهب أهل السنة أنه أفضل المخلوقات على الإطلاق سواء فيه الإنس والجن والملائكة.
قوله من "زياداته" في التكنى بأبي القاسم: وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي أنه لا يجوز لأحد أن يتكنى به مطلقًا سواء كان اسمه محمد أم لا.
стр. 3085
ثم قال: الثاني مذهب مالك: أنه يجوز التكنى بأبي القاسم لمن اسمه محمد ولغيره.
والثالث: لمن اسمه محمد دون غيره [هذا لفظه] (١).
والعبارة التي ذكرها في المذهب الثالث سهو فإن حاصلها أنه يجوز لمن اسمه محمد ولا يجوز لغيره وهذا لم يقل به أحد، والصواب أن يقول والثالث لمن ليس اسمه محمدًا دون غيره أي يجوز لمن لم يسم بمحمد دون من سمى به.
واعلم أن هذا المذهب الثالث هو الصواب الراجح دليلًا فقد قال ﷺ : "من تسمى باسمى فلا يتكنى بكنيتي ومن تكنى بكنيتى فلا يتسمى باسمى" (٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر وقال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي في "شعب الإيمان": إسناده صحيح، وكذا صححه ابن حبان، وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة، وصححه الترمذي من هذا الوجه.
قوله أيضًا من "زياداته": ومنها: أنه لا يجوز الجنون على الأنبياء بخلاف الإغماء. انتهى.
والجواز في الإغماء مشروط بكونه في لحظة أو لحظتين كذا في حفظي قديمًا عن "تعليقه" القاضي الحسين عن الداركي من غير مخالفة.