← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بينهما أن الكراهة الشرعية يتعلق فيها الثواب بالترك بخلاف كراهة الإرشاد فإن فائدتها دنيوية وهي مثل كراهة النبي ﷺ لصهيب أكل التمر وهو أرمد (١). أحدهما: أنه كراهة إرشادية من جهة الطب، وهذا هو طريقة صاحب الكتاب، وأفصح عنه في التدريس وهو ظاهر كلام الشافعي والأظهر. والوجه الثاني: أنها كراهة شرعية، وهي طريقة صاحب "الحاوي" و"المهذب" وغيرهما هذا كلامه ﵀. ونقل عنه النووي في "شرح المهذب" أنه قال: الأظهر الثاني، وهو غلط سببه إسقاط حرف من كلام ابن الصلاح، وهو الواو. واعلم أن النووي قد صحح في الشرح المذكور الثاني فقال: إنه المشهور، وخالف في "شرح التنبيه" المسمى بالتحفة فقال: ومن خطه نقلته: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية هذه عبارته وحذف النووي من "الروضة" قول الرافعي شرعًا وكأنه ظن أنه لا فائدة له. قوله من "زوائده": الراجح من حيث الدليل أن المشمس لا يكره مطلقًا، وهو مذهب أكثر العلماء. وليس للكراهة دليل يعتمد. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن هذا الذي رجحه هنا قد صححه في "شرح الوسيط" المسمى بـ"التنقيح" فقال: إنه الصحيح المختار.

стр. 352

وقال في "شرح المهذب": إنه الصواب. لكنه جزم في "المنهاج" بكراهته. الأمر الثاني: أن ما أشار إليه من عدم ثبوت دليل للكراهة قد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: حديث عائشة الذي استدلوا به ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعًا، وأما ما رواه الشافعي في "الأم" بإسناده عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس وقال: إنه يورث البرص (١)، فضعيف أيضًا باتفاق المحدثين، فإنه من رواية إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه وجرحوه إلا الشافعي، فإنه وثقه ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، هذه عبارته. وذكر نحوه في "الفتاوى" وغيره فقال: إن الحديث والأثر ضعيفان جدًا. وما ذكره في الحديث صحيح، وأما الأثر فلا، وما ذكره من الاتفاق على تضعيف إبراهيم المذكور ليس كذلك. فقد وثقه غير الشافعي جماعة منهم: ابن جريج وابن عدي صاحب "الكامل"، بل لو لم يوثقه إلا الشافعي لكان حجة علينا، ولا يضر الشافعي ومن تبعه تضعيف غيره إياه، وبالجملة فقد رواه الدارقطني بإسناد آخر صحيح، كما قاله المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وحينئذ فتندفع هذه المقالات وتثبت الكراهة، كما قال بها إمامنا وبطل ما ادعاه في "الروضة" وغيرها، من عدم ثبوت دليل. الأمر الثالث: قال في "شرح المهذب": ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود

стр. 353

فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التى كانت تردها الناقة (١). وفي رواية "البخاري" (٢) أن النبي ﷺ : لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من مائها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم النبي ﷺ أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء، فيكون استعمال هذه الآبار المذكورة في طهارة وغيرها مكروهًا أو حرامًا، إلا لضرورة، لأن هذه سنة صحيحة لا معارض لها، ولا يحكم بنجاستها، لأن الحديث لم يتعرض للنجاسة، انتهى كلامه. وعبر في "التحقيق" بقوله: يمنع من استعماله، وفي "الفتاوى" بقوله: منهي عنه. وحينئذ فكان ذكره في "الروضة" لهذه المسألة أولى من المشمس. وقد ذكر من زياداته كراهة شديد السخونة والبرودة. وأهمل الرافعي في "الشرح الكبير" هذه الثلاث وذكر في "الشرح الصغير" المسألتين الأخيرتين. قوله من زياداته: وتزول كراهة المشمس بتبريده على أصح الأوجه، وفي الثالث يراجع الأطباء. انتهى. هذه المسألة ذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" وقال: أظهر الوجهين بقاء الكراهة، على خلاف ما صححه النووي، ووجهه أن العلة هي انفصال شيء من أجزاء الإناء إلى الماء وتلك الأجزاء هي التي تورث

стр. 354

البرص، وهي باقية. ووجه ما صححه النووي أن تأثيرها لذلك قد يكون شرطه حرارة الماء، لكونها تفتح المسام. ولم يصحح شيئًا في "شرح المهذب"، وهو يورث ضعفًا في ما صححه في "الروضة" فإن النووي قد تبع فيه ما لم يتبع في غيره، فلو ظفر فيه لغيره لنقله. قوله في المتغير بالطاهرات: ويكفي في سلب الطهورية تغير واحد من الأوصاف الثلاث، وفي قول لابد من اجتماعها. ثم قال: وحكي الموفق ابن طاهر أن صاحب "جمع الجوامع"، حكي قولًا عن رواية الربيع أن التغير في اللون وحده، وفي الطعم والرائحة معًا يمنع الطهورية وفي أحدهما لا يمنع. انتهى كلامه بحروفه. وهذا القول الثالث، قد تابعه على حكايته هكذا في "الروضة" وهو مشكل حصل في حكايته تحريف، فإن التغير بالطعم عند الأصحاب أفحش من التغير باللون أو التغير بالرائحة قطعًا. ولهذا قالوا إذا بقي بعد غسل النجاسة طعمها ضر بخلاف اللون أو الرائحة. والصواب في حكايته: ما حكاه الرافعي في "الشرح الصغير"، فإنه لما حكى هذه الأقوال الثلاث، عبر عن الثالث بقوله: وقيل الرائحة وحدها لا تؤثر وتغير غيرها يؤثر؛ هذا لفظه، وهو صحيح مناسب وهو يدل على ما قلناه من التحريف. قوله: والتغير بالتراب المطروح فيه قصدًا فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: أنه ليس بطهور لأنه تغير بمخالطة مستغني عنه.

стр. 355

والثاني: وهو الأظهر أنه على طهوريته، لأن التراب يوافق الماء في الطهورية، ونص الأصحاب على أن هذا الخلاف لا يجري فى الجص والنورة، وغيرهما واستبعدوا خلاف من خالف فيه. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد صحح أيضًا في "الشرح الصغير" أن الخلاف في التراب وجهان، وجزم في "المحرر" بأن الخلاف قولان، ووقع هذا الإختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج" مع اختلاف آخر بينهما، وذلك أن النووي عبر في "المنهاج" بالأظهر، وقال في "الروضة": وأما المتغير بالتراب المطروح قصدًا فطهور على الصحيح، وقيل على المشهور. وقد اصطلح في "المنهاج" و"الروضة" على أن الأظهر والأصح من الخلاف القوي، والصحيح والمشهور: من الخلاف الضعيف، فيكون الخلاف ضعيفًا على ما قال في "الروضة" وقويًا على ما قال في "المنهاج". الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد ذكر في غير التراب نحو ما ذكره الرافعي فقال: وفي الجَصّ والنورة وغيرهما من أجزاء الأرض وجه شاذ أنها لا تضر. هذا لفظه. مع أن الشافعي قد نص على ما جعله وجهًا ضعيفًا. كذا نقله البغوي في "التهذيب" عن رواية "حرملة". الأمر الثالث: أن محل هذا الخلاف في النورة ونحوها إذا لم تطبخ فإن طبخت ففي "الكفاية" وغيرها أنه يسلب الطهورية بلا خلاف. الأمر الرابع: أن ذكر القصد بعد التعبير بالمطروح لم يتحرر المراد بما احترز به عنه، إلا أن يقال: احترز به، عما إذا قصد طرح التراب إلى جانب الماء فسقط فيه وعما يطرحه الصبي والمجنون، وفيهما نظر والمتجه

стр. 356

أن ذلك يضر وبه جزم في "الإقليد" فالصواب حذف هذا القيد، وقد حذفه في "المحرر" و"المنهاج". قوله: والمتغير بالملح المطروح فيه أوجه: أصحها: يسلب الجبلي منه دون المائي. والثاني: يسلبان. والثالث: لا يسلبان. انتهى. وتقييد هذه الأوجه في الملح بكونه مطروحًا ذكره الغزالي فتبعه الرافعي هنا وفي "الشرح الصغير" أيضًا، وهو يقتضي أنه إذا وقع من غير طرح، لا يضر مطلقًا كما في نظيره من التراب، وحذف النووي هذا القيد من "الروضة" ولم يذكره أيضًا في "شرح المهذب" ولا في "التحقيق"، وحذفه أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" واعترض الشارحون عليه، والمتجه: عدم اعتباره، بخلاف التراب لأن حمل التراب بإثارة الريح كثير فيعفى عنه بخلاف الملح. قوله: الثاني الأوراق إذا تناثرت في الماء وتروح بها، فإن لم يعرض لها عفونة، واختلاط فهذا ماء متغير بشيء مجاور فيبقى على طهوريته في أظهر القولين كما سبق. انتهى. وهذا التخريج الذي ذكره، قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو خطأ حصل من غفلة؛ فإن المتغير بمجاورة ما لا يستغنى عنه الماء باق على طهوريته، كما جزم به الرافعي، وقد تعجب أيضًا منه ابن الرفعة في "المطلب". قوله: قال: وإن تعفنت واختلطت به ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها لا تسلب الطهورية لعسر الإحتراز.

стр. 357

والثاني: تسلب كسائر الغيرات. والثالث: لا يسلب الخريفي لغلبة التناثر فيه، ولأنها قد امتصت الأشجار رطوبتها ثم قال: فلو طرحت قصدًا فطريقان: أحدهما: القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه. والثاني: طرد الخلاف. انتهى كلامه. والصحيح طريقة القطع، فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير"، وبه أجاب في "الحاوي الصغير"، وصححه أيضًا النووي في كتبه ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له. وقال في "الكفاية": إنه المشهور قال: سواء طرحه صحيحًا أو مدقوقًا وفي "الشرح الصغير" في أصل المسألة وجه رابع مفصل، بين أن يكون الشجر على شاطيء الماء أو بعيدًا. قوله: الثالث: إذا اختلط بالماء مائع يوافق الماء في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، والماء المستعمل ففيه وجهان: أحدهما: إن كان الخليط أقل من الماء فهو طهور وإن كان أكثر أو مثله قولان، وأظهرهما: إن كان الخليط قدرًا لو خالف الماء في طعم أو لون أو رائحة لتغير الماء، فهو مسلوب الطهورية وإن كان لا يؤثر مع المخالفة فلا. ثم قال في آخر المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز": وقوله في أول هذا الفرع: إذا صب مائع على ماء قليل ينبغي أن يعرف أن الصب لا أثر له. ثم قال: وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد، بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء، ولو حذف لفظ القليل لم يضر. هذا لفظه.

стр. 358

وما ذكره من كونه لا فرق بين القليل والكثير غلط، بل الصواب اختصاصه بالقليل، كما صور الغزالي، وذلك لأن المستعمل من جملة ما ذكره وقد صحح الرافعي في أوائل هذا الباب أن المستعمل إذا جمع قلتين يعود طهورًا. وصحح أيضًا في الباب الذي بعد هذا أنه إذا صب على الماء النجس ماء مستعملًا حتى بلغ قلتين يعود طهورًا أيضًا. وإذا عرفت ما قاله في هذين الفرعين ظهر لك فساد ما ادعاه من عدم التقييد، فإنه يلزم من كونه يقدر مخالفًا عند اتصاله بالماء الكثير، أن يكون كالخل وغيره من المائعات، وحينئذ فلا فائدة في بلوغه قلتين، وكيف يتخيل متخيل أن المستعمل إذا خلط بماء كثير طهور يسلبه الطهورية، وإذا خلط بمثله، أو بماء نجس حتى بلغ قلتين يجعله طهورًا؟ ووقع هذا الكلام العجيب أيضًا في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، ولو فرعوا حكم هذه المسألة وهو جعله كالمائع على القول بأنه إذا خلط بماء مستعمل أو نجس لا يعود طهورًا لكان يستقيم، ووراء ما ذكره الرافعي وجوه غريبه: أحدهما: ما اختاره القفال في "فتاويه" أن المضر من ذلك هو الكثير، وتعرف الكثرة بالعادة. الثاني: إن كان هو الثلث فصاعدًا فهو كثير مضر، وإن كان دونه فلا، وهذا الذي نقله في "الفتاوي" المذكورة عن أبي يعقوب الأبيوردي. والثالث: إن بلغ الخليط ثلاثة أضعاف الماء منع؛ وإلا فلا؛ حكاه المصعني بالصاد والعين المهملتين في "نهاية المستفيد في احترازات المهذب". والرابع: إن بلغ سبعة أضعافه فيمنع، وإلا فلا، حكاه هو وما قبله المحب الطبري شيخ الحجاز في شرحه "للتنبيه"، وفي "التهذيب"

стр. 359

وغيره طريقة قاطعة باختصاص الخلاف بالماء المستعمل أما غيره فيعتبر فيه تقدير المخالفة جزمًا لأن المتوضئ لا يمكنه الاحتراز عن أن يقع في الإناء شيء مما ينفصل عن أعضائه. قوله: في المسألة: وحيث قلنا ببقاء الطهورية فله استعمال الجميع لاستهلاكه، وقيل: لابد أن يبقى قدر الخليط كما لو حلف لا يأكل ثمرة فاختطلت بثمر. وأطبقوا على ضعف هذا الوجه، وقيل إن كان الماء وحده يكفي لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكر من الإطباق على التغليط لقائل هذا الوجه، ليس كذلك فقد صححه الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي أبو الطيب الطبري، وقد نقله عنهما في "شرح المهذب"، ونقل الماوردي أن طائفة وافقته. الأمر الثاني: أن محل الخلاف في التقنية إنما هو نقصان الوضوء الواحد، فلو كان معه ماء كاف لوضوءين إلا عضوًا، فكمله بمائع صحت صلاته بالوضوءين، والفرق بينه وبين ما إذا نقص عن الوضوء الواحد أنه تيقن استعمال مائع في طهارة معينة، وهنا تيقنه في إحدي طهارتين لا بعينها. كذا ذكره الشيخ أبو محمد في كتابه "الفروق" ونقله عنه في "شرح المهذب" وارتضاه. قوله: في أصل "الروضة": فإن جوزنا استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك، إلا أن تزيد قيمة المائع على ثمن ماء الطهارة. انتهى.

стр. 360

فيه أمور: أحدها: أن تقييد لزوم التكميل بما إذا كان يكفيه ليس بصحيح فإن الناقص عن الكفاية يجب استعماله. الثاني: أن هذا الشرط المذكور وهو [أن لا تزيد القيمة ليس من كلام الرافعي فاعلمه. الثالث: أن زيادة المائع] (١) إنما ينبغي اعتبارها بالنسبة إلى المعجوز عنه من ماء الطهارة، لا بالنسبة إلى ماء الطهارة جميعه، فإن ما عدا المعجوز عنه قد سقط الأمر بطلبه لتحصيله إياه. وكلامه هنا يقتضي الثاني، وذكر مثله في "شرح المهذب" بعبارة هي أصرح من هذه وفي المسألة إشكال نذكره إن شاء الله تعالى في باب الإجتهاد، في الكلام على اشتباه الماء بماء الورد. قوله من "زوائده" ولو تطهر بالماء الذي ينعقد منه الملح قبل أن يجمد، جاز على المذهب. انتهى. محل هذا الخلاف كما نبه عليه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية"، ما إذا كان ينعقد بنفسه، فإن كان إنعقاده بسبب سبوخة في الأرض بعيد ما يصل إليها من الأمطار والأنهار، جاز قطعًا. ويقال: جَمَد الماء -بالفتح- يجمُد -بالضم- وجمودًا إذا تَيبس. قوله أيضا من "زياداته"، ولو أغلى الماء فارتفع من غليانه بخار تولد منه رشح فوجهان: المختار منهما عند صاحب "البحر" أنه طهور. انتهى كلامه. والأصح: أنه ليس بطهور على خلاف ما قاله صاحب "البحر"،

стр. 361

فإنه قد نقل فيه، أعني في "البحر" أن ظاهر لفظ الشافعي يقتضيه، وأيضًا فإن الرافعي في "شرحه الصغير" قد نقل عن الروياني ما تقدم، من كونه طهورًا ثم قال بعد نقله إياه: ونازعه عامة الأصحاب فقالوا: يسمى بخارًا ورشحًا ولا يسمي ماء على الإطلاق هذه عبارته. وقد صحح النووي في "التحقيق" و"الفتاوى" و"شرح المهذب" ما قاله الروياني ذهولًا عما نقله الرافعي في "الشرح الصغير" من كونه شاذًا مخالفًا للمعروف في المذهب، وسبب ذلك أن النووي لم يأخذ من "الشرح الصغير" شيئًا، إما لعدم وقوعه له، أو لتوهمه أن كل ما فيه فهو في "الكبير"، ولم يقف على ترجيح لغيره فوقع فيما وقع، فاعلم ذلك واجتنبه.

стр. 362

الباب الثاني في المياه النجسة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في النجاسات قوله: أما نجاسة الخمر فلوجهين: أحدهما: أنها محرمة التناول لا لاحترام وضرر ظاهر، والناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم بنجاستها، تأكيدًا للزجر. الثاني: أن الله تعالي سماها رجسًا. والرجس والنجس عبارتان عن معبر واحد. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أنه أشار بالدليل الأول إلى حد النجاسة، ذكره في "التتمة"، وهذبه النووي. فقال: كل عين حرم تناولها في حال الإختيار مع سهولة التمييز لا لحرمتها ولا لإستقذارها ولا إضرارها في بدن أو عقل واحترزوا بالإختيار عن الضرورة، فإنها تبيح أكل النجاسات والتداوي بها بالشروط المعروفة في بابها. واحترز بسهولة التمييز عن أكل الدود الميت في الفاكهة والجبن ونحوهما. وبالحرمة -أي: التعظيم والإكرام: عن ميتة الآدمى. وبالاستقذار: عن المني والمخاط وبالضرر عن الأحجار والنباتات المضرة للبدن أو العقل. إذا علمت ذلك فقد صرح الرافعي بالقيدين الأولين من قيود المحرم،

стр. 363

وهما عدم الاحترام والضرر، وأما الثالث فأشار إليه بقوله والناس مشغوفون بها. الأمر الثالث: أن ما ذكره ثانيًا في الدليل على النجاسة استدلال عجيب، فإنهما وإن كانا بمعني واحد في اللغة، إلا أنهما ليسا موضوعين بإزاء المعني الذي هو بصدده بل للتعبد، فإن العرب لم تعرف المعني الشرعي. واستدل بعضهم عليه بالإجماع، وليس كذلك، فإن ربيعة شيخ مالك ذهب إلي طهارتها، كما حكاه في "شرح المهذب" عنه، ورأيت في "التقاسيم" للمرعشي حكايته أيضًا عن المازني من أصحابنا. قوله: بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلمًا بالواو لأن الشيخ أبا علي حكي خلافًا في نجاسة المثلث المسكر الذي يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتحريم. انتهى كلامه. وهذا الوجه أسقطه النووي فلم يذكره في "الروضة". قوله: والخنزير نجس لأنه أسوأ حالًا من الكلب، فهو أولى بأن يكون نجسًا منه. وأشار بقوله: لأنه أسوأ حالًا إلى كونه لا يقتني أو لا ينتفع به. وهذا الاستدلال ينتقض بالحشرات. قوله: والميتات كلها نجسة لأنها محرمة. وتحريم ما ليس بمحترم وليس فيه ضرر كالسم، يدل على نجاسته. انتهى. وينبغي أن يقول ولا استقذار وإلا يرد المخاط ونحوه، كما سبق إيضاحه.

стр. 364

قوله: واستثنى الغزالي منه السمك والجراد [لقوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد] (١) والكبد والطحال" (٢) وكذا الآدمي على الصحيح. ويرد على هذا الحصر الجنين الذي يوجد ميتًا عند ذبح الأم، وكذلك الصيد إذا مات بالضغطة على أحد القولين. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أنه لم يستوف ما يرد عليه من هذه الأنواع، فإن الصيد والبعير الناد إذا ماتا بالسهم، يحلان بلا خلاف، لأنه وجد فيهما الفعل المقتضي لحلهما شرعًا وإن لم توجد الزكاة المعروفة، والذي ينبغي أنه لا يورد شيء من هذه المذكورات، فإن الميتة عرفًا وشرعًا ما لم يوجد فيه فعل مقتض للإباحة، وهنا قد وجد ذلك، وقد أجاب بذلك في "شرح المهذب". الثاني: أن "النووي" في أصل "الروضة" لم يذكر الصيد إذا مات بالضغطة، وذكر عوضه الصيد إذا لم تدرك ذكاته. فورد عليه شيئان أيضًا، كونه قد ذكر ما لم يذكره الرافعي، وحذف ما ذكره وهو غريب، لا أدري ما الحامل له عليه. والضغطة بضاد وغين معجمتين. هي الضمة الشديدة ونحوها. يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا، إذا زحمه إلى حائط ونحوه، ومنه ضغطة القبر.

стр. 365

والحديث الذي ذكره الرافعي رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف، لأجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإن كان الحاكم قد قال في المستدرك في حديث هو في سنده: هذا حديث صحيح الإسناد. نعم: رواه البيهقي موقوفًا على عمر، وقال: إنه حديث صحيح حكمه حكم المرفوع. قوله: الثالث: الحيوانات التي لا نفس لها سائلة، هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟ اختلف فيه قول الشافعي، والأصح: لا، لقوله ﷺ : "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء" (١) وإنه يقدم الداء، وجه الاستدلال أنه قد يقضي المقل إلى الموتي سيما، إذا كان الطعام حارًا، فلو نجسه لما أمر به. انتهى. أطلق هذا الحكم، ومحله إذا لم يتغير الماء به، فإن تغير فوجهان: والصحيح أنه ينجس. فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه المرجح من الوجهين. وقال النووي في "شرح المهذب" و"التحقيق" و"الروضة" [إنه الأصح. وسأذكر عبارة "الروضة"] (٢) عقب هذه المسألة لأمر نتكلم معه فيه. والحديث المذكور صحيح، روي أصله البخاري من رواية أبي هريرة، وفيه فليغمسه، ثم لينزعه. نعم: تقديم الداء رواه أبو داود (٣) ولفظه: "فإنه يتقي بجناحه الذي

стр. 366

فيه الداء فليغمسه كله". والمقل: بالميم والقاف، هو الغمس كما ورد مصرحًا به في الرواية الأخري وحكي في "الوسيط" عن "التقريب"، قولًا فارقًا بين ما تعم به البلوي كالذباب والبعوض فلا ينجس، وما لا تعم كالعقارب والخنافس فينجس. وهذا القول قد رأيته في "التقريب"، كما حكاه عنه، واختاره أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" وهو متعين لا محيد عنه، لأن محل النص فيه معنيان مناسبان عدم الدم، وعموم البلوي. فكيف يقاس عليه ما وجد فيه أحدهما. بل المتجه اختصاصه بالذباب، لأن غمسه لتقديم الداء، وهو مفقود في غيره. قوله من "زياداته": ولو كثرت الميتة التي لا نفس لها سائلة، فغيرت الماء أو المائع. وقلنا: لا تنجسه من غير تغير فوجهان مشهوران: الأصح: تنجسه لأنه متغير بالنجاسة. والثاني: لا تنجسه، ويكون الماء طاهرًا غير مطهر، كالمتغير. بالزعفران. وقال إمام الحرمين: وهو كالمتغير بورق الشجر. انتهى كلام "الروضة". وهذا النقل عن الإمام غلط، فإنه -أعني النووي- فرع هذا الخلاف على القول بنجاستها، كما قاله أيضًا غيره. ولهذا علل ما صححه بقوله: لأنه متغير بالنجاسة.

стр. 367

وإمام الحرمين إنما فرع ما قاله على القول بالطهارة. فقال: فإن قيل: إذا حكمتم بأن هذه الميتات ليست بنجسة، وذكرتم أن كثيرها وإن غير، فالماء طاهر، فهل يجوز التوضيء به؟ قلنا: أقرب معتبر فيه أن يجعل الماء بها كتغيره بأوراق الأشجار (١) [فإنها بمثابتها على هذا المسلك هذه عبارته والتخريج الذي قاله ظاهر. قوله: وأما ما نسوه في الماء وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، لكن لو طرح فيه من خارج عاد الخلاف. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه النووي في "الروضة" وليس كذلك ففي "الإستذكار" للدارمي ثلاثة أوجه حكاها فيما إذا لم يتغير الماء. أحدها: هذا. والثاني: أنه ينجسه. والثالث: إن كثر ذلك الناشيء فينجسه وإلا فلا. الأمر الثاني: أن حكمه يعود القولين حتى يكون الأصح الطهارة محله في حيوان نشأ من الماء أو المائع كما فرضه هو، ولا يلزم من إعتقاد هذا لكونه اعتقاد ما لم ينشأ فيه، بل الحكم أن طرحه يضر كما جزم به الرافعي في "الشرح" وأجاب به أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" والحاصل أنهما مسألتان الناشيء في الماء، وغير الناشيء، اقتصر في "الكبير" على الناشيء، وفي "الصغير" على غيره فتفطن لذلك فإنه مهم وهذا التقدير أولى من جعلهما مسألة واحدة، وإلزامه وكيف يصار

стр. 368

لذلك مع اختلاف التصوير المناسب للتفرقة وكيف يقال بأن إلقاء ما ليس نشؤه منه لا يضر، وقد فرقوا في أوراق الأشجار وغيرها بين أن تلقي قصدًا أم لا، مع أنها طاهرة، فالنجس أولى لغلظ حكمه وقد اختصره في "الروضة" بلفظ أوضح من لفظ الرافعي فقال: فلو أخرج منه وطرح في غيره أو رد إليه عاد القولان انتهى. والقسمان اللذان شرح بهما كلام الرافعي قد صرح بهما كذلك جماعة منهم القاضي حسين في "التعليق" والجرجاني في "التحرير". واعلم أن النووي في شرح "الوسيط" المسمي بـ "التنقيح" لما ذكر القولين في أصل المسألة وصحح أنه لا ينجس، قال: وسواء في جريان القول ما مات فيه أو في غيره ثم نقل إليه، وهذا يقتضي أن الأجنبي إذا ألقي فيه بعد موته لا يضر على الصحيح وهو غلط سببه عدم تأمل الفرق السابق، والصواب أيضًا في الناشيء في الماء إذا ألقي في غيره أنه يضر جزمًا لا يتجه غير ذلك ويظهر ترجيح ذلك أيضًا فيما إذا أعيد إليه، وإن كان ما قالوه فيه محتملًا فاعتمد ما ذكرته. قوله: في أصل "الروضة" فإن قلنا: إن هذه الميتة لا تنجس المائع فهي نجاسة في نفسها خلافًا للقفال، وفي جواز أكلها إذا كانت متولدة من الطعام كدود الخل والتفاح أوجه. الأصح: يحل أكله مع ما تولد منه ولا يحل منفردًا. والثاني: يحل مطلقًا. والثالث: يحرم مطلقًا، والأوجه جارية سواء قلنا بطهارة هذا الحيوان أو بنجاسته. انتهى كلامه. وقد اشتمل على حكاية وحيه أنه يجوز أكله منفردًا على القول بنجاسته وهو غلط لم يذكره الرافعي ولا غيره وإنما أغلطه سوء فهم منه لكلام

стр. 369

الرافعي، فإن الرافعي بعد ذكر الخلاف في الطهارة والأكل قال ما نصه: وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الأكل مبنى على الخلاف فى الطهارة والنجاسة، إن قلنا بالنجاسة: حرم وإلا: فيحل. وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق بل الخلاف منتظم مع حكمنا بالطهارة، فوجه التحريم: الإستقذار ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز وعند الانفراد لا ينقدح شيء. هذا لفظه. وهو صريح في أن تجويز الأكل منفردًا إنما على القول بالطهارة، ومعني قول الرافعي لا ينقدح فيه شيء أي لا ينقدح أن يقال فيه بالحل، وكأنه توهم أن المراد لا ينقدح له توجيه، وكيف يفهم ذلك مع التقسيم السابق. قوله: وأيضًا فلأنه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان مع أنه نجس في أصح القولين. انتهى كلامه. وهذه المسألة قد أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة". وهي مسألة مهمة. قوله: والمشيمة وجزء الآدمي المُبَان طاهران على المذهب الصحيح. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن المسألتين متقاربتان في المعني لأن المشيمة أيضًا جزء من الأدمي وقد صرح بنجاسة المشيمة ابن القاص في "التلخيص" وأبو عبد الله المعروف بالختن في شرحه، وعلله بكونه جزءًا مبانًا منها وكذلك الشيخ أبو علي السنجي في شرح الكتاب المذكور، ووافقه عليه أيضًا القفال عند شرحه لهذا الموضع، وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد" وذكر ابن سريج في كتاب "التذكرة" ما حاصله ذلك أيضًا فإنه قال وجميع ما

стр. 370

خرج من القبل والدبر نجس إلا الولد والمني، وصرح به أيضًا أبو الطيب والبندنيجي في تعليقهما، وادعي أبو الطيب الاتفاق عليه، والبغوي في "التهذيب" وابن الصباغ في "الشامل"، والإمام في "النهاية" والروياني في "البحر" كلاهما في باب الصلاة بالنجاسة وهو المذكور في ترتيب الأقسام للمرعشي وفي "البيان" نقلًا عن ابن الصباغ وفي "البسيط" نقلًا عن الشيخ أبي علي من غير مخالفة منهما، وقطع الشيخ أبو حامد في "تعليقه" بنجاسة الجزء المبان من الآدمي، وكذلك المحاملي في "المقنع" في باب صفة الصلاة، والقاضي أبو الطيب في تعليقه، وصححه الماوردي في كتاب الجنائز، ونقله في "البيان" عن عامة الأصحاب، وعلله بأن الحرمة إنما هي بجملة الأبعاض، ولم ينقل مقابله إلا عن الصيرفي خاصة، ونقله القاضي حسين وابن الصباغ والروياني في "البحر" عن نصه في "الأم". وقال في "الكفاية": أوضح الطريقين القطع به. والثانية: على وجهين ثم إن ابن الرفعة عداه أيضًا إلى شعر الأدمي فقال: الأصح فيه النجاسة. نعم: صحح في "النهاية" أن جزء الأدمي طاهر فتبعه الرافعي ثم النووي. الأمر الثاني: أن ما ذكرناه من كون الأكثرين على النجاسة محله فيما أبين منه في حال حياته، فأما المنفصل بعد موته فحكمه حكم ميتته بلا شك، وتصوير الأصحاب وتعليلهم يرشدان إلى ما ذكرته، ولهذا قال في "البحر" في أبواب الصلاة: والفرق عند الشافعي بين العضو المبان في حياته، وبين الجملة: أن العضو لا حرمة له بدليل أنه لا يجب غسله وتكفينه ودفنه بخلاف الجملة.

стр. 371

قوله في "الروضة": ويستثنى شعر الآدمي والعضو المبان فيه، ومن السمك والجراد ومشيمة الآدمي فهذه كلها طاهرة على المذهب. انتهى. وتعبيره بالمذهب يقتضي أن الجميع فيها طريقان، وليس كذلك فإن السمك والجراد ليس فيه إلا وجهان، والذي أوهم النووي في ذلك أن الرافعي عبر بالمذهب الصحيح وليس فيه اصطلاح فتبعه عليه. قوله: المنفصل عن باطن الحيوان قسمان: أحدهما: ليس له استحالة واجتماع في الباطن، وإنما يرشح رشحًا كاللعاب والدمع والعرق فله حكم المترشح منه إن كان طاهرًا فطاهر، وإن كان نجسًا فهو نجس، سئل رسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباع كلها" (١) حكم بطهارة السؤر وذلك يدل على طهارة اللعاب، وركب رسول الله ﷺ فرسًا معرورًا لأبي فرفضه ولم يحترز من العرق. انتهى. أما الحديث الأول فضعيف، فإن الشافعي قد رواه عن إبراهيم بن محمد وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر والإبراهيمان ضعيفان جدًا عند أهل الحديث، والعمدة عندنا إنما هو حديث الهرة الآتي وأما الحديث الثاني وهو ركوبه معرورًا فحديث صحيح رواه مسلم (٢). وقوله في الحديث: "معرورًا" هو حال من الراكب، وهو رسول الله ﷺ لا صفة لقوله: "فرسًا" فاعلمه.

стр. 372

قال الجوهري: تقول: اعروريت الفرس: ركبته عريًا -أي: بلا سرج- وهو افعوعل. انتهى. فعلى هذا يكون اسم الفاعل منه معروريًا والسؤر في الكلام الرافعي مهموز والمراد به بقية الماء. قوله: والثاني: ما له استحالة واجتماع في الباطن كالدم والبول والعذرة فهي نجسة من غير المأكول بالإجماع وأما في المأكول فبالقياس عليه. انتهى ملخصًا. ودعواه الإجماع ليس كذلك فقد ذهب النخعي كما حكاه العمراني في "البيان" والشاشي في "الحلية" إلى أن البول طاهر من المأكول وغيره. قوله: وهل يحكم بنجاستها من رسول الله ﷺ ؟ فيه وجهان، قال أبو جعفر الترمذي: لا، لأن أبا طيبة الحجام شرب دمه ولم ينكر عليه وروي أن أم أيمن شربت بوله، ولم ينكر عليها. انتهى. وما نقله عن أبي جعفر الترمذي في هذه المذكورات ليس كذلك، بل إنما خالف في بعضها، فقد قال الماوردي في "الحاوي": وكان أبو جعفر الترمذي من أصحابنا يزعم أن شعر النبي ﷺ وحده طاهر، وأن شعر غيره من الناس نجس، لأن النبي ﷺ حين حلق شعره بمنى قسمه بين أصحابه، ولو كان نجسًا لمنعهم منه، قيل له: قد حجمه أبو طيبة وشرب دمه بحضرته، أفنقول أن دمه طاهر؟ فركب الباب وقال: أقول بطهارتها، قيل له: فقد روي أن امرأة شربت بوله. فقال لها: "إذا لا ينجعك بطنك" (١). أفتقول بطهارة بوله؟ قال: لا، لأن البول متقلب من الطعام والشراب، وليس كذلك الدم والشعر لأنهما من أصل الخلقة. انتهى كلام

стр. 373

الماوردي ذكره في باب الآنية في أثناء مسألة أولها: قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب. وقد تلخص من ذلك أنا لا نقول بطهارة البول والغائط والقيء على خلاف ما ذكره الرافعي. نعم: الخلاف ثابت عن غير أبي جعفر الترمذي، حكاه القفال في "شرح التلخيص" في الكلام على الخصائص، ثم تلقاه منه جماعة، وحديث أبي طيبة ضعيف كما قاله في "شرح المهذب"، وأما شرب المرأة البول فرواه الدارقطني، وقال: إنه حديث صحيح (١). وأبو طيبة بطاء مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت ساكتة بعدها باء موحدة، وأم أيمن اسمها: بركة، وكانت حاضنة النبي ﷺ فكفلت به طفلًا. واعلم أن الفوراني في كتاب "العمد" قد أشار هنا إلى خلاف صرح به غيره، وهو أن العسل هل يخرج من فم النحلة أم من دبرها؟ ، وحينئذ فلابد من استثنائه وحكي خلافًا في كتاب الزكاة في نجاسة العنبر؛ منهم من قال: إنه نجس؛ لأنه يخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها. ومنهم من قال: إنه طاهر؛ لأنه ينبت في البحر ويلفظه وأما الزباد بزاي معجمة بعدها باء موحدة، ثم ألف وهو الطيب المعبر عنه بالزبدة، فقال في "شرح المهذب" هنا: سمعت جماعة من الثقات من أهل الحرة بهذا يقولون إنه عرق سنور بري. فعلى هذا يكون طاهرًا بلا خلاف، وقال الماوردي والروياني في آخر باب بيع الغرر: إنه لبن سنور في البحر. قالا: فإذا قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه ففي هذا وجهان:

стр. 374

أحدهما: أنه أيضًا نجس كغيره. والثاني: طاهر كالمسك، والمعروف أن جميع حيوانات البحر طاهرة يجوز أكلها فيكون الزباد على هذا التقدير طاهرًا. قوله: والقيء. كذا ذكره النووي في "أصل الروضة" ولم يصرح به الرافعي هنا. نعم ذكره في "المحرر" وكذلك في "الشرح الصغير" وحكي فيه وجهًا أنه إن تغير كان نجسًا وإلا فلا. واعلم أن النووي قد ذكر من "زوائده" هنا أن البهيمة إذا أكلت حبًا ثم ألقته صحيحًا، فإن كانت صلابته باقية وهو الذي بحيث لو زرع لنبت كان طاهر العين متنجسًا فيغسل ويؤكل، وإلا كان نجسًا، وقياسه في القيء كذلك فتفطن له، حتي لو ابتلع ماء ثم ألقاه غير متغير وفرعنا على أنه نجس كما صححه الرافعي وغيره طهر بالمكاثرة. نعم: الرطوبة الخارجة من المعدة نجسة، ونحن لا ندري هل خرج منها شيء مع الماء أم لا؟ وبتقديره فلا يعلم أن الخارج مقدار تغير لو فرضناه مخالفًا. قوله: وفي خرء السمك والجراد وبولهما وجهان: أظهرهما: النجاسة كغيرهما. والثاني: لا؛ لجواز ابتلاع السمكة حية وميتة. انتهى. الخُرء بخاء معجمة مضمومة هو الرَّوَث فاعلمه لئلا يتصحف بالجزء بالجيم فإنه فيه خلاف كما سبق. قوله في "أصل الروضة": وفي دم السمك والجراد وجهان أصحهما النجاسة. انتهى.

стр. 375

وما ذكره من أن الجراد له دم غلط، فقد صرح الأصحاب بأنه لا دم له، ولهذا لم يذكره الرافعي فاعلمه. قوله: أما الأدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نشؤه على الشيء النجس. انتهى. تابعه في "الروضة" على إطلاقه ويستثني منه لبن الميتة فإنه نجس، كذا هو في الرضاع من "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما وفي البيوع من "الإستقصاء". لكن في أخر بيع الغرر من "البحر" أنه طاهر يجوز شربه وبيعه. واختلفوا في لبن الرجل والصغيرة فذهب ابن الصباغ إلى نجاسته من الرجل، وصاحب "البيان" وابن يونس شارح "التنبيه" إلى نجاسته من الصغيرة وتعليل الرافعي يرشد إليهما، ورأيت في "شرائط الأحكام" لابن عبدان وفي "التلقين". لابن سُراقة وغيرهما من كبار متقدمي الأصحاب ما يدل على الطهارة فإن عبارة الأول: إلا مني الأدميين ولبنهم، وعبارة الثاني: إلا لبن بني آدم. قوله: والأنفحة طاهرة على أصح الوجهين بشرطين: أحدهما: أن يؤخذ من السخلة المذبوحة. والثاني: أن لا يطعم غير اللبن فإن ماتت أو أطعمت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف. انتهى ملخصًا. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أنه لا حاجة إلى الشرط الثاني أصلًا فإن اسم الأنفحة لا يطلق في اللغة إذا أكل الحيوان غير اللبن، قال الجوهري: والإنفحة: بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل، أي: بالحاء، أو الجدي ما

стр. 376

لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش عند أبي زيد، وكذلك المنفحة. هذا كلام الجوهري. الأمر الثاني: أن دعوي نفي الخلاف فيما إذا أكل غير اللبن لا تستقيم فقد تقدم أن روث المأكول فيه خلاف وهذا من جملة الأرواث، ويدل عليه كلام الجوهري السابق وكلام غيره أيضًا. قوله: فأما مني الأدمي فطاهر لقول عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه" (١)، وفي رواية "وهو في الصلاة" (٢)، والإستدلال بها أوضح، وحكي بعضهم عن صاحب "التلخيص" قولين في مني المرأة، وحكي آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان وهو أقوي النقلين عنه. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن هذه الطرق لما اختصرها في "الروضة" عبر بقوله: وأما المني فطاهر وقيل فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة. هذا لفظه. فأسقط الطريقة الثالثة التي هي أشهر مما قبلها، وهي القائلة بأن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل القولان، وزاد طريقة أخري وهي حكاية قولين في الجميع، وحاصله: أنه سها فأبدل طريقة بطريقة، ووقع هذا الوهم المذكور في "شرح المهذب" أيضًا، فإن عادته أن يأخذ مما نصه في "الروضة" وينقله إلى الشرح المذكور. الأمر الثاني: أن كلام ابن القاص في "التلخيص" موافق لما رجح الرافعي ثبوته عنه، فإنه قال ما نصه: وكل ما خرج من السبيلين فهو

стр. 377

نجس إلا مني الرجل، ثم قال: وفي القديم إنه نجس، قاله بعض أصحابنا. هذا لفظه ومنه نقلت؛ فاقتضي الجزم بأن مني المرأة نجس وأن القولين في مني الرجل، ورأيت في كتاب "المفتاح" له أيضًا ما هو أصرح من كلامه في "التلخيص"، فقال: وفي المني قولان: أحدهما: نجس. والآخر: طاهر ومني المرأة نجس. هذه عبارته. الأمر الثالث: أن مني الخصي يلحق بمني المرأة عند من قال بنجاسته كذا حكاه في "الاستقصاء" عن "الخصال" للخفاف ثم رأيته في "الخصال" قبيل البيان عن حال الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها فقال: وكل مني نجس إلا مني الرجل الفحل دون الخادم، هذه عبارته، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الشيخان، وأما رواية "وهو في الصلاة" فرواها ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. قوله في "أصل الروضة": وأما الزرع النابت على السرجين فقال الأصحاب ليس هو نجس العين، لكن ينجس بملاقاة النجاسة، فإذا غسل طهر، وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة. انتهى. هذه المسألة ذكره الرافعي في باب الأواني قبل الكلام على إناء الذهب والفضة فاعلمه. قوله: قلت: القيح نجس وكذا ماء القروح إن كان متغيرًا. . . . إلى آخره. هاتان المسألتان ذكرهما الرافعي في شروط الصلاة. قوله من "زياداته": وليست رطوبة فرج المرأة والعلقة بنجستين في الأصح ولا المضغة على الصحيح، والمِرَّة نجسة وكذا جرة البعير. انتهى.

стр. 378

فيه أمور: أحدها: أن رطوبة الفرج والعلقة والمضغة، قد ذكرها الرافعي في الكلام على المني فحكي أن في العلقة والمضغة وجهين، وقال: أصحهما الطهارة. وأما الرطوبة فلم يصرح فيها بتصحيح ولا بكون الخلاف فيها وجهين أو قولين؟ لكن مقتضي كلامه تصحيح الطهارة فحذف النووي المسائل الثلاث، ثم ذكرها من "زوائده" هنا، وقد ذكرها الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وصحح طهارة الجميع، وصرح في "الشرح الصغير" بأن الخلاف في الكل وجهان، ولم يبينه في "المحرر". نعم يشترط في العلقة والمضغة على قاعدة الرافعي أن يكونا من الآدمي فإن مني غيره نجس عنده والعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني، ويدل عليه تردده في "المحرر" و"المنهاج" في نجاستهما مع جزمه فيهما بطهارة المني، وأما على طريقة النووي ففيه نظر، ويقتضي تعليله أنه كذلك أيضًا. الأمر الثاني: أن رطوبة الفرج طاهرة مطلقًا سواء كان الفرج من امرأة أو بهيمة كما قال في كتبه حتي في "تصحيح التنبيه" و"دقائق المنهاج". الأمر الثالث: أن الشيخ قد قال في "المهذب" أن المنصوص نجاسة رطوبة الفرج، وقال الماوردي في باب ما يوجب الغسل: إن الشافعي قد نص في بعض كتبه على طهارتها، ثم حكي التنجيس عن ابن سريج فتلخص أن الخلاف فيها قولان لا وجهان. الأمر الرابع: "أن النووي قد نقل في شرح المهذب" أن المذهب القطع بطهارة المضغة، وقيل: على وجهين، وهو مناقض لجزمه هنا بطريقة الوجهين، وأبلغ منه أنه سوى في "المنهاج" بين العلقة والمضغة في التعبير

стр. 379

بالأصح فجعل الخلاف فيها قويًا، والصواب خلاف ما في "شرح المهذب" لأن المضغة إما كميتة الآدمي وفيها قولان في الجديد شهيران أو كجزءه المنفصل، وفيه طريقان، حاكية للخلاف، وقاطعة بالنجاسة، فكيف يكون الصحيح فيها القطع بالطهارة؟ . الأمر الخامس: إذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في "شرح المهذب" عن "فتاوى صاحب الشامل" ولم يخالفه: أن المولود لا يجب غسله إجماعًا. ذكره ذلك في موضعين من باب إزالة النجاسة وقال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور إن فيه وجهين حكاهما الماوردي والروياني، وقد حكاهما أيضا الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في "فتاويه" ورأيت في "الكافي" للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه على الأصح فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعًا [على الخلاف] (١)، وأن يكون مفرعًا على القول بعدم وجوب الغسل لكونه نجسًا معفوًا عنه. الأمر السادس: في بيان هذه الأمور: فأما رطوبة الفرج فليس المراد بها البلل الخارج مع الولد أو غيره فإنه نجس كما جزم به الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "شرح المهذب"، وقال الإمام: لا شك فيه، بل هي كماء أبيض متردد بين المذي والعرق كما قاله في "شرح المهذب". والعلقة: دم غليظ يستحيل المني إليه. والمضغة: لحمة سميت بذلك لأنها صغيرة بقدر ما يمضغ. وأما المرة: فبكسر الميم وهي إحدى الطبائع الأربع، كما قال الجوهرى، ونجاستها ظاهرة، وذكر في "شرح المهذب" عن "الفروق"

стр. 380

للشيخ أبي محمد كلامًا يوهم أن وعاء المرة أيضًا نجس وهو باطل، ومراد الشيخ ذكر أشياء هي مقر لما يستحيل من النجاسات ولهذا عدّ معها المعدة والمثانة. نعم: إن انفصلت جاء فيها الخلاف في جزء الآدمي. وأما الجرة فهو بكسر الجيم كما قاله الجوهري قال: وهو ما يخرجه البعير ليجتر به، ونجاسته واضحة؛ لأنه كالقيء. قوله: أيضًا من "زياداته": وأما الماء الذي يسيل من فم النائم فقال المتولى: إن كان متغيرًا فنجس وإلا فطاهر، وقال: غيره: إن كان من اللهوات فطاهر أو من المعدة فنجس. ويعرف كونه من اللهوات بأن ينقطع إذا طال نومه وإذا شك فالأصل عدم النجاسة انتهى كلامه. وهو عجيب يوهم اختلافًا في المسألة، ولا شك أنه توهم ذلك فإنه في "التحقيق" جعله وجهين، وليس كذلك بل هو مقالة واحدة، فإن الخارج من المعدة يكون متغيرًا بخلاف الخارج من غيرها هكذا ذكره الأصحاب حتى الرافعي في "الشرح الصغير" فإنه ذكر أنه إنما يكون نجسًا إذا خرج من المعدة. ثم قال: ويعرف كونه من المعدة بصفرته ونتنه إلا أن بعضهم قسمه باعتبار المحل، وبعضهم باعتبار الصفات والآثار، وبعضهم جمع كالرافعي. وكلامه في "شرح المهذب" أقل إيهامًا، وصرح فيه بأن القائل الآخر هو الشيخ أبو محمد في "التبصرة"، ومن جملة كلامه هذا: أن الخارج من المعدة نجس بالإجماع.

стр. 381

قوله في المسألة: وإذا حكم بنجاسته وعمت بلوى شخص به لكثرته منه فالظاهر أنه يلحق بدم البراغيث وسلس البول ونظائره. انتهى لفظه. ذكر مثله في "شرح المهذب" وهو غير مستقيم لأن حكم دم البراغيث أنه يعفى عنه في الثوب والبدن ولا يجب غسله، وحكم سلس البول أنه يجب غسله والتطهير منه بحسب الإمكان، وإنما يعفى عن الخارج منه بعد الطهارة [فإلحاق] (١) الماء السائل بأحدهما لا يصح معه إلحاقه بالآخر، ويلزم من ذلك عدم العلم بما قاله. وقال في "التحقيق": قياس المذهب العفو. وهذه عبارة جيدة مبينة للحكم فليؤخذ بها. قوله في "الزيادات" أيضًا: قال المتولى: والوسخ المنفصل من الآدمى فى حمام وغيره له حكم ميتته، وكذلك وسخ غيره. وفيما قاله نظر ينبغي أن يكون طاهرًا قطعًا كالعرق. انتهى. وضعف النووي في "شرح المهذب" كلام "التتمة" فقال: وهو ضعيف، لم أره لغيره. والذي قاله النووي مردود، فإن الوسخ قد يكون عن تجمد عرق أو انفصال غبار ونحوه، وقد يكون قِطَعًا يسيرة تتفتت من الجلد عند خشونته كما ينبثق كثيرًا في الرجلين وخصوصًا عند تقشف البدن. فلا يسلم أن المتولى أراد القسم الأول، بل الظاهر أنه يريد الثاني، والتخريج الذي قاله فيه صحيح. وأما قوله في "شرح التهذيب": إنه لم يره لغيره. فغريب، فإن صاحب "البحر" قد جزم به أيضًا، وهو كثير النقل عنه.

стр. 382

الفصل الثاني في الماء الراكد قوله: ذهب أبو عبد الله الزبيري إلى أن القلتين ثلاثة مائة مَنٍ. ثم قال: والمذهب أن القلتين مائتان وخمسون منًا وهو خمسمائة رطل. انتهي كلامه. واعلم أن هذا النقل عن الزبيري قد وقع للقفال، فتابعه عليه جماعة ممن جاء بعده، فرأيته في "تعليق القاضي الحسين"، وكذلك في "شرح التلخيص" له فقال: ومن أصحابنا من قال: وهو أبو عبد الله الزبيري ذكره في كتابه الملقب بـ"الكافي" أن القلتين ثلثمائة منًا. هذه عبارته. ونقله عنه أيضًا الفوراني في "الإبانة"، وفي "العمد". وكذلك أبو الحسين الطبري في ["العدة"] (١)، والإمام، ثم الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" و"عقود المختصر" فتابعهم الرافعي ثم المصنف في "الروضة". وقد راجعت كلام الزبيري في كتابه "الكافي" فرأيت فيه الجزم بأن القلتين خمسمائة رطل على وفق المذهب، ذكر ذلك في موضعين من كتابه في أوله وبعد التيمم. قوله: والأصح أن هذا التقدير تقريب، فلا يضر نقصان القدر الذي لا يظهر نقصانه تفاوت في التغير بالقدر المغير من الأشياء المُغيِّرة. انتهي. فيه أمران: أحدهما: أنه قد اعترض عليه في "الروضة" فقال من "زياداته":

стр. 383

الأشهر تفريعًا على التقريب أنه يعفي عن نقص رطلين، وقيل: ثلاثة ونحوها، وقيل: مائة رطل. انتهي كلامه. وما ذكره هاهنا تفريعًا على التقريب قد خالفه في "التحقيق" فصحح ما قاله الرافعي فقال: وهو تقريب في الأصح، فلا يضر نقصان ما لا يظهر تفاوت بنقصه. وقيل: يعفي عن رطلين، وقيل: ثلاثة، ويقال: مائة. هذا لفظه. وكلامه في "شرح المهذب" يقتضي أن الراجح ما ذكره في "الروضة". الأمر الثاني: أن هذا الذي جزم به الرافعي هو بحث أبداه الإمام فقال: إذا قلنا بالتقريب فالأقرب أنه لا [يضر] (١) نقصان قدر لو طرح على [باقيه] (٢) شيء من الزعفران مثلًا [لو] (٣) قدر طرحه على الكامل لم يظهر تفاوت في التغير. فإن كان قدرًا يظهر التفاوت بسببه ضر. هذا كلامه. فجزم به الرافعي، وعبر عنه بعبارة قلقة، وتبعه عليه في "الروضة"، وقد [تحرر] (٤) أن الصواب خلافه. قوله من "زوائده": وإذا وقعت في الماء القليل نجاسة وشك هل هو قلتان أم لا؟ فالذي جزم به صاحب "الحاوي" وآخرون أنه نجس لتحقق النجاسة،

стр. 384

ولإمام الحرمين فيه احتمالان. والمختار، بل الصواب الجزم بطهارته لأن الأصل طهارته وشككنا في نجاسة منجسه، ولا يلزم من النجاسة التنجيس. انتهي كلامه. ومراده "بالقليل" هو القليل عرفًا لا المصطلح عليه. إذا علمت ذلك فما ذكره هو وغيره من إطلاق المسألة ليس بجيد، بل الصواب، أن يقال: إن جُمع شيئًا فشيئًا، وشك في وصوله قلتين، فالأصل القلة. وإن كان كثيرًا وأخذ منه شيء، ثم شك فالأصل بقاء الكثرة. وإن ورد شخص على ماء يحتمل القلة والكثرة فهذا موضع التردد. قوله: أما القليل فيتنجس بملاقاة النجاسة تغير بها أم لا، لما روي أنه ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (١) ويروى "نجسًا" (٢). انتهى. استثنى النووي ﵀ في أصل "الروضة" ما لا نفس له سائلة، وما لا يدركه الطرف والهرة إذا تنجس فيها ثم غابت على ما في الثلاثة من الخلاف المعروف. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن استثناء الهرة يدل على أن الضم باقٍ على الحكم بتنجيسه، وإلا لم يصح استثناؤه.

стр. 385

وحينئذ فيكون الأصحاب قد أخذوا بالأصل في الموضعين، أي: في بقاء طهارة الماء، وبقاء نجاسة الفم، وليس في "الشرح" و"الروضة" ما يخالف هذا فاعتمده فإنه أمر مهم مُنقاس قد غفل عنه من غفل. الأمر الثاني: أنه يستثنى مع ذكره أمور: منها: غسالة النجاسة بالشروط المعروفة. ومنها: اليسير من الشعر الذي حكمنا بتنجيسه فلا ينجس الماء القليل كما صرح به النووي من "زياداته" في باب الأواني ونقله عن الأصحاب. قال: ولا يختص الاستثناء بشعر الآدمي في الأصح. ثم قال: إن اليسير يعرف بالعرف. وقال الإمام: لعله الذي يغلب إنباته. وقال في "المهذب": يعفي عن الشعرة والشعرتين [وفي "تحرير الجرجاني": يعفي عن الشعرتين] (١) والثلاث. ومنها: القليل من دخان النجاسة إذا حكمنا بتنجيسه فإنه يعفي عنه كما جزم به الرافعي في آخر صلاة الخوف، لكنه لم ينص على الماء بخصوصه وإنما أطلق العفو، ومقتضاه أنه لا فرق وهو ظاهر أيضًا، ووراء ذلك وجهان آخران مشهوران حكاهما في "الكفاية": أحدهما: العفو قليلًا كان أو كثيرًا. والشافي: التنجيس مطلقًا. وفيه كلام آخر يأتي في صلاة الخوف. ومنها: الحيوان إذا كان على منفذه نجاسة ثم وقع في الماء لا ينجسه

стр. 386

على أصح الوجهين كما ذكره الرافعي أيضًا في باب شروط الصلاة للمشقة في صونه، ولهذا لو كان مستجمرًا نجسه كما جزم به الرافعي: وادعي في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه، لكنه حكي في "التحقيق" وجهًا بخلافه. ومنها: الصبي إذا أكل شيئًا نجسًا ثم غاب واحتمل طهارة فمه، فإنه كالهرة في عدم التنجيس كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وهي مهمة نفيسة ولهذا قال الغزالي: إن هذا الخلاف لا يجري في حيوان لا يعم اختلاطه بالناس، وخالفه المتولي فحكاه فيما إذا أكل السبع جيفة ثم غاب. واعلم أن الحديث السابق وهو حديث القلتين رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الطحاوي وابن منده وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وزاد أنه على شرط الشيخين. وأما رواية: نفي التنجيس. فرواها أبو داود وابن حبان ولفظها: "فإنه لا ينجس"، وإسنادها صحيح كما قاله البيهقي، وجيد كما قاله يحيى بن معين. وفي رواية: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء". رواه الشافعي في "الأم" والمختصر والبيهقي في "السنن الكبير". قوله: وإذا تغير بعض الماء فظاهر المذهب نجاسة جميعه، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير وهو ظاهر لفظ الكتاب. انتهى. اعلم أن الرافعي قد جزم بعد هذا في الكلام على الجارى بموافقة الوجه الثاني، وسأذكر لفظه هناك، وصححه هنا في "الروضة" من "زوائده"، وإن كان لفظه يوهم أنه وجه آخر، فتفطن له. وقال في "الشرح الصغير": إنه الأقوى.

стр. 387

فعلى هذا يكون المتغير كنجاسة جامدة، فإن كان الباقي دون القلتين فنجس، وإلا فطاهر. قوله: ثم لو طال مكث الماء وزال تغيره بنفسه عاد طهورًا. . . إلى آخره. ينبغي أن يعلم أنه لابد في هذه الحالة أيضًا من تقدير الواقع مخالفًا للماء. وحينئذ فإن غيره ضر، وإلا فلا لأنه لا يزيد على ما إذا لم يغيره حالة الوقوع. قوله في أصل "الروضة": فإن لم توجد رائحة النجاسة لطرح المسك فيه، أو طعمها لطرح الخل، أو لونها للزعفران؛ لم يطهر بالاتفاق. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه في المسك من الاتفاق لم يذكره الرافعي وليس كذلك أيضًا فقد حكاه فيه الخوارزمي في "الكافي" وجهين وقياس الباقي كذلك. الأمر الثاني: أنه أشار بالمسك ونحوه إلى كون ذلك ممازجًا للماء فإن لم يكن ممازجًا كما لو ألقى فيه عودًا فزالت الرائحة فإنه يطهر كذا رأيت هذا الضابط بتمثيله في "فتاوي القفال" فتفطن له. قوله: وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورًا؟ فيه قولان] (١).

стр. 388

أحدهما: نعم لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض سترها، فإذا لم يصادف تغيرًا أشعر ذلك بالزوال. وأصحهما: لا يعود طهورًا؛ لأنه وإن لم تغلب هذه الأوصاف إلا إنه يكدر الماء، والكدورة من أسباب الستر فلا يدري معها أن التغير زائل أو مغلوب انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد وافق في "الروضة" وفي أكثر كتبه على أنه لا يطهر، ثم خالف في "النكت" التي على "التنبيه" فصحح أنه يطهر وهذا التصحيح لا يلتفت إليه فاعلمه. الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي في أخر كلامه يشعر بأن محل الخلاف إنما هو في حال كدورة الماء حتى إذا صفا ولم يبق فيه تغير فإنه يعود طهورًا بلا خلاف، والأمر كذلك فقد صرح به القفال في "فتاويه" والمتولي في "التتمة" والنووي في "شرح المهذب"، وحذف أعني النووي التعليل المذكور من "الروضة"، وأرسل الخلاف. قوله: وذكر بعضهم أن هذا الخلاف مفروض في تغير الرائحة وأما لو تغير اللون لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المتعمدة ساكنة عن هذا التفصيل انتهى كلامه. فأما البعض الذي أشار إليه ولم يصرح باسمه فهو العجلي شارح "الوسيط"، وسبب عدم التصريح به: معاصرته له؛ على أنه قد صرح أيضًا بالنقل عنه في الطلاق في المسألة السريجية وعظمه في أثناء النقل عنه. وأما دعواه أن الأصول ساكتة عنه فعجيب، فقد صرح المحاملي

стр. 389

في "المجموع" بجريان الخلاف في الأوصاف الثلاثة، وصرح الروياني في "البحر" بالخلاف في اللون وسكت عما عداه إلا أن مقتضاه التعميم. وصرح القاضي الحسين والفوراني والمتولي بالخلاف فيه وفي الطعم، واقتضى كلامهم: عدم القول به في الرائحة على عكس ما قاله العجلي. وقد استدرك في "الروضة" هنا على الرافعي فقال: بل صرح المحاملي والفوراني بجريان الخلاف في التغير بالأوصاف الثلاثة وأضاف إليهما في "شرح المهذب" المتولي أيضًا، وقد ظهر لك أن ما نقله عن الفوراني والمتولي ليس الأمر فيه كذلك، وقد نقله في "المطلب" عنهما على الصواب. قوله: وأما ما لا يدركه الطرف كنقطة الخمر والبول التي لا تبصر والذبابة التي تقع على النجاسة تم تطير عنه، لفظه في المختصر يشعر بأنه لا يؤثر، ونقل عن "الأم" عكسه واختلف الأصحاب فيها على سبعة طرق إحداها: قولان في الماء والثوب. والثانية: تؤثر فيهما قطعًا. والثالثة: لا قطعًا. والرابعة: تؤثر في الماء، وفي الثوب قولان. والخامسة: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان. والسادسة: يؤثر في الماء دون الثوب. والسابعة: عكسه. وظاهر المذهب عند المعظم هو التنجس.

стр. 390

ويتحصل من هذه الطرق أربعة أقوال. أحدها: أنها تنجسهما كغيرها من النجاسات. والثاني: لا لتعذر الاحتراز. والثالث: تنجس الثوب دون الماء؛ لأن الماء له قوة تدفع النجاسة. والرابع: عكسه لأن صون الماء بالتغطية ممكن بخلاف الثوب؛ ولأن وقوع ذلك غالبًا إنما هو بطيران الذباب، وفي طيرانها ما يجففها فيؤثر في الماء بخلاف الثوب حتى لو كان الثوب رطبًا كان كالماء عند صاحب هذه المقالة. انتهى كلام الرافعي ملخصًا. فيه أمران. أحدهما: أنه لم يصح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا من الطرق، وإنما صححا أصل الحكم، والصحيح طريقة القولين فقد صححها الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "التحقيق" "وشرح المهذب". الأمر الثاني: لم يصرح الرافعي ولا النووي في "الروضة" بغير الماء المطلق كاللبن ونحوه، والماء المتغير بالطاهرات، ولا شك أنه يستفاد من كلام الرافعي السابق اختلاف في أن العلة في عدم تنجيسه للماء المطلق هل هي المشقة أو ما فيه من القوة الدافعة للنجاسة؟ فعلى الأول يتناول الماء وغيره، وعلى الثاني يختص بالماء. وقد صرح في "المنهاج" بأن ذلك كله لا ينجس فقال: ويستثني ميتة لا دم لها سائل فلا تنجس مائعًا على المشهور، وكذا في قول نجس لا يدركه طرف. قلت: ذا القول أظهر والله أعلم.
следующие страницы →