← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

من ترتيبها فرأي فيه النقل في المسألة الأولى فاستعمله في بعض ما دخل فيه من الصور، وقد تفطن الرافعي لشيء مما ذكرته في الكلام على عبارة "الوجيز". قوله: ثم الكلام في فروع: أحدها: العبد إذا قتل جماعة أحرارًا أو عبيدًا هل يقتل بجميعهم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن في تخصيصه ببعضهم تضييع حق الآخرين، ولأن العبد لو قتل جماعة خطأ يتضاربون في رقبته فكذلك في القصاص، بخلاف الحر فإن جناياته لا تتداخل إذا كانت خطأ فكذلك في القصاص، وهذا ما أورده ابن كج. وأصحهما عند الإمام والروياني وغيرهما أنه لا يقتل بهم جميعًا ويكون بمنزلة الحر المعسر يقتل بواحد وللباقين الديات في ذمته إلى أن يلقي الله تعالى. انتهى كلامه. هذا الكلام مقتضاه تصحيح الثاني، وقد صرح به في "الروضة" فقال: وأصحهما عند الأكثرين كذا وكذا. وما ذكره غريب فقد ذكر هو في آخر باب العاقلة في الكلام على جناية العبد أن المال المتعلق برقبة العبد لا يتعلق بذمته على الأصح عند الأكثرين، وهو اختلاف عجيب بالنسبة إلى "الروضة"؛ فإن الرافعي لم يتعرض للأكثرين في الموضعين، لا جرم أن الإمام مشى في الموضعين على نمط واحد، ولما حكى -أعني الإمام- الوجه الأخير قال: وزعم هؤلاء أن هذا يخرج على خلاف سيأتي في أن العبد هل له ذمة في الجنايات؟ . قوله: لينصب الإمام من يقيم الحدود ويستوفي القصاص ويرزقه من خمس الخمس، فإن تعذر فالأجرة في القصاص على المقتص منه، وقيل على المستحق، وأما في حدود الله تعالى وقطع السرقة فعلى المحدود أيضًا والسارق، وقيل: في بيت المال.

стр. 3782

ثم قال: وفي كلام الأئمة ترتيب الخلاف في أجرة الجلاد في الحد على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: تجب في بيت المال، فأجرة الجلاد في الحد على بيت المال بطريق الأولى. وإن قلنا: إنها على المقتص منه، ففى الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان: انتهى كلامه. وهو غير منتظم؛ فإن كلامه الأول ليس فيه إثبات قائل بأن أجرة القصاص في بيت المال، وكلامه آخرًا يدل على إثباته أن الخلاف في الحد مرتب عليه، وقد أسقط النووي من "الروضة" هذا الوجه فلم يذكره، وسبب إسقاطه عدم انتظام كلام الرافعي له، ولا شك أن الرافعي ظن أنه قدمه ففرع عليه؛ فتلخص أن كلًا منهما يرد عليه شيء. قوله: وإذا قلنا: بالوجوب في بيت المال والتصوير فيما إذا لم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فيستقرض الإمام على بيت المال إلى أن يجد سعة. قال الروياني: أو يستسخر بأجرة مؤجلة أو يستأجر من يقوم به والاستئجار قريب والاستسخار بعيد، وبتقدير أن يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر بها. انتهى كلامه. وما دل عليه من تضعيف التسخير واستبعاده قد جزم به. في نظير المسألة وهو في غسل الميت ناقلًا له عن جماعة؛ ذكر ذلك في الباب الثاني في كيفية الجهاد فقال: وأطلق مطلقون القول بأنه إذا عين الإمام رجلًا وألزمه غسل الميت ودفنه لم يكن لذلك المقهور أجرة، واستدرك الإمام فقال: هذا إذا لم يكن للميت تركة ولا في بيت المال متسع والتفصيل حسن. هذا كلامه. قوله: ولو استقل المقذوف باستيفاء حد القذف بإذن القاذف وبغير

стр. 3783

إذنه ففي الاعتداد به وجهان. انتهى. والصحيح عدم الاعتداد؛ كذا صححه الرافعي في باب حد القاذف وتابعه عليه في الروضة وصرح بتضعيف مقابله فقال: وفي وجه ضعيف يقع الموقع. هذه عبارة "الروضة". قوله: ولو قال الجاني: إنما أقتص من نفسي لم يمكن في أظهر الوجهين. ثم قال: يمكن السارق إذا قال: أقطع بنفسى، وفيه وجهان يحسن ترتيبهما على الخلاف في أنه هل يمكن من الاقتصاص من نفسه والتمكين هاهنا أولى؛ لأن الغرض التنكيل ويحصل ذلك بفعل السارق أو هو أشد وهناك الغرض التشفي. انتهى كلامه. والصحيح في السارق أنه لا يمكن؛ فقد قال الرافعي في أوائل الباب الثاني من أبواب الوكالة: إنه ظاهر المذهب، وتابعه عليه في "الروضة" ورجح هنا في أصل "الروضة" أنه يمكن فقال: وهل يمكن إذا قال: أقطع بنفسى؟ وجهان؛ أقربهما: نعم. هذا لفظه. وكأنه توهم أن الأولوية تقتضي تصحيح العكس فصرح به غير مستحضر لما سبق منه في الوكالة فوقع في صريح التناقض.

стр. 3784

الفصل الثاني في أن القصاص على الفور قوله في الروضة: ولو التجأ الجاني إلى المسجد الحرام، قال الإمام: أو غيره من المساجد، أخرج منه وقتل، لأن هذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه ضعيف أنه تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلًا لتوفية الحق وإقامة للهيبة. قلت: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى بيت ملك لإنسان أخرج قطعًا، والله أعلم. وما ذكره من نفي الخلاف في الكعبة وإخراجها عن باقي المسجد قد خالفه في "التتمة" فقال: لو التجأ إلى المسجد الحرام أو إلى الكعبة أو إلى مسجد النبي ﷺ أو غيرها من المساجد أخرج واستوفى القصاص، فلو أراد الاستيفاء فيه لم يجز إن لوث المسجد وإلا بأن فرش فيه الأنطاع كره ذلك. هذا كلام "التتمة". قوله: الثالثة: لا يؤخر قصاص الطرف لشدة الحر والبرد ولا لعذر المرض وإن كان محظرًا بخلاف قطع السرقة والجلد في حدود الله تعالى لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة. انتهى كلامه. والتأخير في حدود الله تعالى بالمرض محله إذا كان المرض مرجوًا، فإن لم يرج زواله لم يؤخر له الجلد. كذا صرح به الرافعي في باب حد الزنا، وكلامه هنا ربما يشعر به. قوله: والمرأة الحامل لا تقام عليها حدود الله تعالى قبل الوضع. انتهى.

стр. 3785

وإذا وضعت فلابد من انقضاء النفاس أيضًا. كذا جزم به ابن الرفعة في "الكفاية". قوله: وإذا بادر الولي فقتل الحامل أثم، ووجبت غرة إن انفصل الجنين ميتًا. انتهى. تابعه في "الروضة" على تقييد الوجوب بحالة انفصال الجنين، والصحيح على ما صرح به في باب الغرة أن الانفصال لا يشترط حتى إذا قدت نصفين أو شق جوفها بعد القتل فتحققنا الجنين أوجبنا الغرة. قوله: فلو بادر مستحق القصاص والحالة هذه -أي بعد الوضع وقبل سقي اللبا أو قبل وجود مرضعة ونحو ذلك- فقتلها فمات الطفل ففي تعليق الشيخ أبي حامد أنه قاتل عمدًا فيلزمه القود إلحاقًا بما إذا حبس رجلًا في بيت ومنعه الطعام والشراب وكذا حكاه القاضي ابن كج عن النص وعن الماسرجسي قال: سمعت ابن أبي هريرة يقول: عليه دية الولد. فقلت له: أليس لو غصب طعام رجل في البادية أو كسوته فمات جوعًا أو بردًا لا ضمان عليه؟ ، فما الفرق؟ فتوقف، ثم لما عاد إلى الدرس قال: لا ضمان فيهما جميعًا، وهذا مصير إلى نفي القصاص بطريق الأولى. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن سليمًا الرازي قد نقل في "تعليقه" عن الشيخ أبي حامد وجوب الدية والكفارة وعلله بقوله: لأن الجنين يحيا بحياة الأم ويموت بموتها، فإذا قتل الأم فقد صار قاتلًا له، ولأنه كالرجل يحبس غيره بكرة ولا يطعمه ولا يسقيه حتى يموت. الأمر الثاني: أن ما دلت عليه هذه الحكاية التي نقلها ﵀ عن

стр. 3786

ابن أبي هريرة من استقرار جوابه على عدم الضمان قد نقلها عنه القاضي أبو الطيب في "المجرد"، ثم رأيت في باب القصاص بالسيف من تعليق القاضي المذكور بسنده عكسه ونقله عنه ابن الرفعة في "المطلب" وفي "الكفاية" أيضًا فقال -أعني القاضي-: سمعت أبا علىّ بن أبي هريرة يقول: لا يضمنه لأن أكثر ما فيه أنه حال بينه وبين ما يقوم به فهو بمنزلة ما لو أخذ زاده في البرية فمات من الجوع فإنه لا يضمنه كذلك هاهنا. قال الماسرجسي: ثم سمعته يقول بعد ذلك: إن عليه القصاص فإنه لو حبس رجلا في بيت ومنعه الطعام والشراب فمات وجب عليه القصاص كذلك هاهنا. انتهى كلامه. وقد اقتضى كلام الرافعي الجزم بأن منع الزاد من غير حبس لا يقتضي وجوب الضمان، وجزم الماوردي في باب الأطعمة في الكلام على المضطر بوجوب الدية في الحر. قوله: ولو ادعت المرأة أنها حامل ولم تقم بينة على ظهور [مخائل] (١) الحمل فقال الإصطخري: لا يقبل قولها لأن الأصل عدمه، وقال الأكثرون: يقبل لأن [الحمل] له أمارات خفية تختص الحامل بمعرفتها وتتعذر إقامة البينة عليها فقبلنا قولها فيه كالحيض. انتهى. وما ذكره في آخر كلامه من التعذر في الحيض قد تناقض فيه كلامهما وأوضحته في الشهادات، فراجعه. قوله في المسألة: وذكر في "الوسيط" أنا إذا قلنا بالوجه الأول فلا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالطها زوجها، فإن كان مراده فيما إذا ادعت الحمل فمسلم، وإن كان المراد منع القصاص بمجرد الوطء من غير دعواها الحمل فهو ممنوع لأن الأصل عدمه. انتهى.

стр. 3787

ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن نقله عن الوسيط تفريع ذلك على الوجه الأول سهو، بل صوابه وهو المذكور فيه إنما هو تفريعه على الثاني فهو واضح أيضًا. الأمر الثاني: أن إنكاره منع القصاص لمجرد دعوى الحمل مردود مخالف لما سبق في الفرائض فإنه قد قال: ومهما ظهرت مخائل الحمل فلابد من التوقف، وإن لم تظهر مخائله وادعته المرأة ووصفت علامات خفية ففيه [تردد] للإمام والظاهر الاعتماد على قولها، وطرد التردد فيما إذا لم تدعه ولكنها قريبة عهد بوطء واحتمال الحمل قريب. هذا كلامه. واعلم أن الماوردي قال: لا يقبل قول المرأة إلا باليمين، وادعى ابن الرفعة أنه لا خلاف فيه وهو كلام غير محرر، بل إن قلنا بامتناع القول بمجرد الوطء من غير دعوى الحمل فلا يمين أصلًا، وإن قلنا لابد من دعوى الحمل فادعته فيتجه ألا يتوقف على اليمين، لأن الحق هنا للغير وهو الجنين، ولا شك أن المرأة يجب عليها الإخبار بالحمل، فإن سكتت عنه فمات وجب الضمان على عاقلتها في وجه غريب حكاه ابن داود في "شرح المختصر"، والمتجه أن الزوج لا يمنع من وطء المرأة وإن كان يؤدى إلى منع القصاص على ما سبق. قوله في "الروضة": فرع: إذا قتلت الحامل على خلاف ما أمرناه نظر: إن بادر إليه الولي مستقلًا أثم ووجبت غرة الجنين إن انفصل ميتًا وتكون على عاقلة الولي، وإن انفصل حيًا متألمًا فمات وجبت الدية. وإن أذن له الإمام في قتلها نظر إن كانا عالمين أو جاهلين فالصحيح المنصوص أن الضمان على الإمام لأن البحث عليه وهو الآمر به، وقيل: على الولي لأنه المباشر، وقيل: عليهما بالسوية. انتهى كلامه. وقد ذكر الرافعي طريقة قاطعة نقلها عن الشيخ أبي حامد أن الضمان

стр. 3788

يجب على الإمام عند جهلهما، وأسقط النووي هذه الطريقة من "الروضة". قوله: وإن كان الإمام عالمًا والولى جاهلًا فإن أوجبنا على الإمام إذا علما فهاهنا أولى وإلا فوجهان، وإن كان بالعكس فالمشهور وجوبه على الولى، وقيل: على الإمام. ثم قال -أعني الرافعي- بعد ذكره للأقسام الأربعة ما نصه: ويخرج مما سقناه أربعة أوجه: وجوب الضمان على الإمام مطلقًا، ووجوبه على الولى مطلقًا، والشركة مطلقًا، ووجوبه على الإمام إذا كانا عالمين أو جاهلين وعلى الولى إذا اختص بالجهل. انتهى كلامه. وما ذكره من حكاية وجه بالاشتراك مطلقًا فسهو سلمت منه "الروضة" فإنه لم يتقدم له ذكر في القسم الأخير وهو ما إذا كان الإمام جاهلًا والولى عالمًا بل ذكر أن المشهور أنه على الولى، وقيل على الإمام، ولا يأتي أيضًا في العكس وهو ما إذا كان الإمام وحده عالمًا فإنه قال: إن قلنا: يجب الضمان على الإمام فيما لو كانا عالمين فهاهنا أولى وإلا فوجهان من الخلاف فيمن عليه قرار الضمان في تقديم الطعام. ومقتضى هذا أنا جعلناه على المباشر اختص به أولى أو على المقدم اختص به الإمام فلا شركة؛ فتلخص أن وجه الشركة مطلقًا إنما يأتي مع علمهما وجهلهما. قوله في "الروضة": وحيث ضمنا الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيث ضمنا الإمام فإن كان عالمًا ففي ماله وإن كان جاهلًا فعلى القولين في أن ما يجب بخطأ الإمام في الاجتهاد هل هو على عاقلته أم في بيت المال؟ أظهرهما على العاقلة. وإذا قلنا: الدية والغرة في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: انتهى كلامه.

стр. 3789

وما ذكره في حال علم الإمام صريح في أن الغرة في مال نفسه لا على عاقلته ولا على بيت المال ويدل عليه حكاية القولين في القسم الأخير وهو ما إذا كان جاهلًا أن الغرة والدية هل تجبان في بيت المال أو على عاقلته، وهذا الذي ذكره غلط على العكس مما ذكره الرافعي؛ فإن المجزوم به في الرافعي أنها على عاقلته فإنه قال ما نصه: التفريع حيث أوجبنا الضمان على الولى فالغرة على عاقلته والكفارة في ماله، وحيثما أوجبناه على الإمام فإن كان عالمًا فكذلك وإن كان جاهلًا فعلى القولين. هذه عبارة الرافعي وعلله في أول المسألة بأن الجنين لا يباشر بالجناية ولا يتيقن جناية فإهلاكه خطأ أو شبه عمد، ثم إن النووي قد صرح بالوجوب على عاقلة الجاني مع العلم كما سبق من لفظه فما الذي تخيله في الفرق بينهما؟ وحكى الرافعي في باب ضمان إتلاف الإمام طريقة ضعيفة أنه يأتي مع العلم القولان المذكوران مع الجهل. قوله: ونقل أبو الفرج السرخسي وجهين في أنه هل يعتبر علم الولى مع الإمام والجلاد وقال: أصحهما أنه يعتبر حتى إذا كان عالمًا وهما عالمان بكون الضمان عليهما أثلاثًا. انتهى. والأصح على ما صححه النووي في أصل "الروضة" ما رجحه السرخسي إلا أن إطلاق هذا التصحيح غير مستقيم لأن الأصح فيما إذا كانا عالمين أو جاهلين أن الضمان على الإمام خاصة فكيف يستقيم مع ذلك ما صححه هنا؟ فالصواب تفريع هذه المسألة على القول بالوجوب عليهما إذا كانا عالمين. قوله: هذا كلامنا في ضمان الجنين وأما الأم فلا يجب ضمانها لأنها تلفت في حد أو عقوبة وجب عليها. قال في "التهذيب": هذا إذا ماتت

стр. 3790

من ألم الولادة تجب ديتها، وإن بانت منهما تجب نصف ديتها. انتهى كلامه. وهذا الذى ذكره في "التهذيب" لابد منه، وقد أعاد الرافعي المسألة بعد كتاب الحدود في باب ضمان الولادة ثم نقل هذا الاستثناء عن الشيخ أبي حامد وغيره.

стр. 3791

الفصل الثالث في كيفية المماثلة قوله: الثانية: إذا قتله باللواط وهو مما يقتل غالبًا فالأصح وجوب القصاص ثم قتل بدس خشبة في دبره قريبة من السه ويقتل بها، والأصح قتله بالسيف لأنه قتل بفعل محرم في نفسه فأشبه السحر. ثم قال ما نصه: قال في "التتمة": وموضع الوجهين ما إذا كان موتًا متوقعًا من المقابلة بمثل ما فعل أما إذا لم يتوقع وكان موت المجنى عليه لطفوليته ونحوها فلا معنى للمقابلة. انتهى. وما نقله عن المتولى قد صرح به أيضًا الإمام فقال: وهذا إذا كان يظن أنه يهلك به فإن لم يهلك بذلك التحق بالضربات في حق النحيف والجاني لا يهلك بها. هذا كلامه. وذكر الرافعي بعد هذا بدون الورقة عن الإمام كلامًا عامًا تندرج فيه مسألتنا فقال: قال الإمام: لو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنًا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني في جسمه وقوته لا يهلك بتلك الضربات فالوجه القطع بأنه لا يضرب بتلك الضربات، لأنها لا تقتله، وإنما تراعى المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدا له بالآخرة احتمال آخر. انتهى كلامه. واعلم أن التعليل المذكور في منع الاقتصاص بمثل فعلة القاتل في مسألتنا يحتاج إلى تحقيق وتأمل لأن الجنايات كلها محرمة بدون أسبابها؛ فالقاتل بالسيف أو النار أو الماء أو الحجارة ونحوه يحرم قتله أيضًا به لولا المماثلة لاسيما وقد عهدنا جواز إدخال خشبة ونحوها في المحل المذكور لأجل الاحتقان ونحوه.

стр. 3792

وله: الثالثة: إذا سقاه خمرًا حتى مات قتل بالسيف في الأصح، فأما البول فعن القاضي الحسين وجهان: أحدهما: أنه كالخمر. والثاني: يسقى البول لأنه يباح عند الضرورة بخلاف الخمر. انتهى. والأصح الأول. كذا صححه النووي في أصل "الروضة" لا من "زيادته" فاعلمه. قوله: وفي الضرب بالمنقل يراعى الحجر وعدد الضربات، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو قدر النار أو عدد الضربات فعن القفال أنه يقتل بالسيف، وعن بعضهم يؤخذ باليقين. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل موضع الضربات ولابد من اعتباره أيضًا كما في الاستيفاء بالمحدد، وقد صرح بذلك الماوردي وغيره. نعم إن عدل عنه إلى موضع يكون الموت فيه أسرع جاز. الأمر الثاني: أن الرافعي قد صحح في كتاب الشهادات الوجه الثاني ذكر ذلك في باب الرجوع عن الشهادة في الكلام على من شهد بزنا محصن ثم رجع، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به وصححه أيضًا هنا النووي من زوائده ذاهلًا عن تصحيح الرافعي له هناك، وتصحيحهما لذلك في غاية الإشكال لأنا إذا علمنا قدر الحجر فأراد المقتص العدول عنه إلى ما دونه لم يجز كما دل عليه كلام الرافعي المتقدم، وسببه ما فيه من طول التعذيب، فإذا كان التساوى في المقدار شرطًا في جواز الاستيفاء بالحجر وهو غير حاصل عند الشك في مقداره فلا يكون ضربه بالقدر المحقق محققًا جوازه لجواز أن يكون أكبر؛ إذ لا فرق في المنع بين الأكبر والأصغر، فليس الآخذ باليقين هنا متيقن الجواز، فإن ذلك ليس لمن أخذ دون حقه، فظهر بذلك ضعف هذا الوجه بل بطلانه.

стр. 3793

قوله: الحالة الثانية: أن تكون الجراحة بحيث لا يقتص منها لو وقعت كالجائفة وقطع اليد من نصف الساعد فقولان: أظهرهما عند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والروياني أنه يستوفى بذلك الطريق تحقيقًا للمماثلة. وأظهرهما عند صاحب التهذيب أنه يعدل إلى الشق لأن ما لا قصاص فيه لا ينضبط ولا يوثق فيه بالمماثلة. انتهى ملخصًا. وحاصله رجحان الأول، وكلامه في "الشرح الصغير" أظهر في ذلك فإنه اقتصر على نقل ترجيحه ولم يذكر ترجيح صاحب "التهذيب" لكن كلام "المحرر" يشعر برجحان الثاني فإنه قال: فيه قولان؛ رجح كثيرون: تعين السيف. هذا لفظه. وقد صرح النووي بالترجيح في اختصاره للكتابين فوقع في صريح التناقض فقال في "الروضة": أظهرهما عند الأكثرين أنه يستوفى بما فعل وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه". وقال في "المنهاج": ولو مات بجائفة أو كسر عضد الحز. وفي قول كفعله. هذا لفظه. ومحل القولين ما قاله الماوردي إذا لم يرد العفو. قال: فإن أراد العمل به مع عفوه عن النفس لم يجز في الصورتين لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية، ونقل الرافعي مثل هذا عن البغوي في الجائفة خاصة وأقره عليه حتى قال: إنه لو أخافه ثم عفى عنه عزر على ما فعل ولم يجبر على قتله. قوله: وإذا وجب القصاص في اليمين فاتفقا على قطع اليسار بدلًا عنها لم يكن بدلًا ولا قصاصًا في اليسار بل تجب ديتها وفي سقوط قصاص اليمين وجهان: أحدهما: لا؛ لفساد المعاوضة.

стр. 3794

والثاني: نعم؛ لأن ذلك عفو عن اليمين، قال ابن الصباغ: وهذا أصح. انتهى ملخصًا. والأصح ما رجحه ابن الصباغ فقد قال المتولي: إنه المذهب، والروياني في "البحر" إنه الأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وقال القاضي حسين: إن علم الحكم لم يسقط وإن ظنه سقط. قوله: فلو أن مستحق القصاص في اليمين طالب الجاني بإخراج اليمين فأخرج يساره فقطعها المستحق، وقال الجاني: دهشت فأخرجت اليسار، وقال القاطع أيضًا: دهشت فلم أدر ما صنعت. قال الإمام: لا يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على نقل وجوب القصاص عن الإمام مع أن الإمام لم يتعرض له، والذى قاله الإمام أن الدهش لا يليق بحاله ولابد وأن يكون قطعه صادرًا عن عمد وظن اعتياض أو ظن بأن المخرج يمين. هذا كلامه. ومعناه أن هذا القطع من المفصل المعلوم لا يكون عادة مع الدهش ولا يكون إلا مع العمد، وحينئذ فإما أن يكون ظانًا إجزاء اليسار عن اليمين أو ظانًا أن المخرج هي اليمين، وعلى كل من التقديرين فلا قصاص عند الأصحاب، وفي الأولى احتمال للإمام وفي الثانية وجه ضعيف باتفاقهم؛ فحاصل كلام الإمام أنه لا قصاص، وذكر الغزالي في "البسيط" كما ذكر الإمام. نعم صرح في "الوسيط" بوجوبه، فلعل الرافعي أراده وإنما سبق القلم، وفيما قاله الغزالي نظر، وكلام الإمام أوجه منه. قوله: فرع: ثبت له القصاص في أنملة فقطع من الجانى أنملتين وقال:

стр. 3795

أخطأت وتوهمت أنى أقطع أنملة واحدة صدق بيمينه ووجب أرش الأنملة الزائدة، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان. قال الروياني: والأصح الأول. انتهى. صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الروياني. قوله: وأما إذا وجب قطع اليمين في السرقة فقال الجلاد للسارق: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها فعن النقال وغيره حكاية قول أن الحكم على ما ذكرنا في القصاص، وهذا القول ينسب إلى القديم، ويقال أيضًا أنه مخرج، وظاهر المذهب أنه يكتفى في الحد بما جرى ويسقط قطع اليمين، والفرق أن المقصود من الحد التنكيل والقصاص مبني على المماثلة. ثم قال: واستدرك القاضي الحسين فحمل ما أطلقه الأصحاب على الحالتين الأخيرتين وقال في الحالة الأولى وهي أن يخرج يساره على قصد الإباحة أو البدل وجب ألا يسقط القطع. انتهى. والنقال المذكور هنا بنون بعدها قاف مشددة؛ وهو الحارث بن سريج بالسين المهملة والجيم وقد بينه الرافعي في آخر باب السرقة وسوف أذكر لفظه هناك لغرض يتعلق به، وهذا الشخص قد أوضحت حاله في "الطبقات"، ويجوز أن يكون المذكور هنا إنما هو القفال بقاف ثم فاء، ويكون قد أثبت ما نقله النقال بالنون فإن الروياني في "البحر" في هذا الباب قد نقله عنه إلا أنه بعد نقله عنه صرح بأنه القفال الشاشي فاعلمه. ثم إنه بعد نقله عنه قال: إنه غريب، ومراد الرافعي بالحالتين الأخيرتين أن يقول المخرج ظننتها اليمين أو علمت أنها اليسار وظننت أنها تجزئ.

стр. 3796

الباب الثاني في العفو قوله في "الروضة": وفي موجب العمد في النفس والطرف قولان: أظهرهما عند الأكثرين أنه القود المحض والدية بدل منه. والثاني: أنه القصاص أو الدية. انتهى. خالف في "النكت" التي له على "التنبيه" فصحح الثاني، والفتوى على الأول. قوله: ولو عفى عن القود على نصف الدية قال القاضي حسين: هذه معضلة أسهرت الجلة، قال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية وهو صحيح. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وهو يقتضي أن القاضي لم يجب فيها بشيء وليس كذلك بل الذي نقله الرافعي عن غيره قد أجاب القاضي به وذكره في تعليقته وصرح بأنه لا خلاف فيه ونقله عنه أيضًا في "الكفاية". والجلة: بكسر الجيم وتشديد اللام تقول العرب مشيخة جلة أي: طاعنون في السن، قاله الجوهري. قوله: لو جرى الصلح عن القصاص على أكثر من الدية من جنسها كما لو صالحه على مائتين من الإبل، فإن قلنا الواجب أحد الأمرين لم يصح الصلح لأنه زيادة على الواجب كالصلح من ألف على ألفين، وإن قلنا الواجب القصاص فوجهان أصحهما الصحة إذ لا معنى للتقدير كبدل الخلع. انتهى.

стр. 3797

واعلم أن الرافعي قد قال في آخر الباب: أنه إذا صالح عن القصاص على عبد أو ثوب جاز وإن لم تكن الدية معلومة لهما، فإن تلفت العين قبل القبض أو خرجت مستحقة أو ردها بعيب فلا رجوع إلى القصاص. وهل يرجع بقيمة العين أو بأرش الجناية؟ يبنى على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد، وفيه خلاف ذكرناه في البيع. هذا كلامه. وجزمه بذلك مع الجهل بمقدار الدية يدل على أن المقابل بالعبد والثوب القصاص دون الدية، ويؤيده حكايته للخلاف في أن ذلك المال مضمون ضمان يد أو عقد ولم يلاحظا في ذلك النظر إلى الدية، ومقتضى ذلك أنه لا فرق بين أن تكون قيمته تنقص عن قدر الدية أو تزيد عليها، وإذا ظهر ذلك ظهر أن ما ذكره الرافعي هنا محله إذا كانت الإبل المصالح عليها في الذمة بالصفة الواجبة في جناية العمد فإنه يصح حينئذ أن يقال في تعليل المنع أن في المصالحة على ذلك زيادة على الواجب، أما إذا وقع على إبل بغير تلك الصفة إما معينة أو في الذمة؛ فهي كالمصالحة على العبد والثوب فينبغي الجزم فيها بالصحة على القولين. قال في "المطلب": ويرشد إلى ذلك قول القاضي في كتاب البيع حيث حكى القول بجواز بيع الصلح عن دم العبد أنه مخصوص بما إذا قلنا أن موجب العمد القود عينا أو قلنا الواجب أحد الأمرين وصرح بالمصالحة عن القود دون ما إذا صرح بالمصالحة عن الدية. قوله: الثانية: قطع عضوًا من شخص فقال: عفوت عن هذه الجناية ولم يزد، فإن اندملت فعن نصه في "الأم": أنه عفو عن القود، وعن الأصحاب أنه مفرع على قولنا أن موجب العمد القود.

стр. 3798

فإن قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي بقاء الدية احتمالان للروياني. انتهى. تابعه في "الروضة" على نقل الاحتمالين فقط عن الروياني مع أن صاحب "الحاوي" قد صرح بالمسألة وجزم بأنا إذا فرعنا على هذا القول كان عفوًا عنهما جميعًا. ثم إن الاحتمالين قد سبق الروياني إليهما المحاملي وما نقله الرافعي عن النص والأصحاب ذكره الروياني في "البحر" بعينه فنقله الرافعي منه. قوله: وإن سرى القطع إلى النفس فلا قصاص في النفس على الصحيح وأما المال فقسمان: أحدهما: أرش اليد فينظر إن جرى لفظ الوصية بأن قال: أوصيت له بأرش هذه الجناية، فهي وصية للقاتل، وفي صحتها قولان: أصحهما: الصحة. ثم قال: وإن جرى لفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط فقيل هو كالوصية للاتفاق على أنه يعتبر من الثلث والمذهب أنه يسقط قطعًا لأنه إسقاط ناجز والوصية هو الذى يتعلق بالموت. انتهى كلامه. ثم عبر بعد ذلك في "التفريع" عليه بقوله: فلا يلزمه شيء، وهذا الذى ذكره قد ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن إسقاط الدين عن الوارث مسقط له أيضًا ويرتب عليه عدم اللزوم وإن كان محسوبا من الثلث للمعنى الذى ذكره، وكذلك التمليك الناجز لكنه ذكر في أوائل الوصية في أثناء الكلام على الركن الثاني ما ظاهره المخالفة، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه. قوله أيضًا في المسألة: وإن عفى المجنى عليه عنه وعما يحدث منه فسرت إلى النفس سقط ضمان العضو، وفي الباقي قولان: أصحهما لا يبرأ عنه، وهذا هو الخلاف الذي سبق في الإبراء عما لم يجب

стр. 3799

وجرى بسبب وجوبه. انتهى ملخصًا. واعلم أن ابن الرفعة قد اعترض هنا على الأصحاب فقال: وعلى من صحح العفو عن أرش الأصبع دون القدر الزائد عليه من الدية لكونه إبراء سؤال لا يكاد يندفع ويحتاج في تقريره إلى تجديد العهد بأصلين: أحدهما: أن الإبراء عن المجهول غير صحيح على المذهب. والثاني: أن الجراحات إذا سرت إلى النفس فأفضى الأمر إلى الدية لا نظر إلى أروشها سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة بل الواجب كما قال الإمام دية واحدة عن النفس لا عن الأطراف لا يختلف مذهبنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالإبراء حصل عما قابل الأصبع من الدية وقد بينا بآخر الأمر أن لا مقابل لها، ولو قيل بأن لها مقابلا فليس هو عشرًا من الإبل بل جزءًا من الدية وهو مجهول، وقضية ذلك أن لا تصح فيما ادعوه. فإن قلت: إنما صح عن أرش الأصبع لأني أنزل الإبراء منزلة الاقتصاص وهو لو اقتص في الأصبع لسقط من الدية العشر فكذلك إذا عفى على أرشه. قلت: إنما سقط العشر عند القصاص قيمة لأنه استوفى ما قيمته العشر مع أنه لا يمكن رده فصار كما لو تسلم عشرًا بخلاف الإبراء فإنه يقبل الرد. فإن قلت: قد أشار ابن الصباغ في آخر باب القصاص بالسيف إلى شيء يمكن أخذ. الجواب: منه وهو أنا عند السراية في مثل هذه الحالة لا نسقط أرش الجناية السابقة بالسراية بل نوجب بالسراية تمام الدية. قلت: قد تقدم لنا خلاف فيما إذا قطع يده ثم ارتد ومات في الردة أن القصاص في اليد هل يجب أم لا؟ بناء على خلاف حكاه الأصحاب فيما إذا قطع يده فمات أنه يجوز لولى المقتول عندنا قطع يده فإن مات وإلا جز

стр. 3800

رقبته. وهل يكون قطع اليد مقصودًا في الاستيفاء أم يكون القطع طريقًا في الاستيفاء؟ والثاني هو الذى فرع عليه الأصحاب؛ فينبغي أن تنبني هذه المسألة على هذا الخلاف. فإن قلنا: إن قطع اليد إنما وجب طريقًا في الاستيفاء، فالمقصود النفس فيكون الواجب ديتها فلا ينظر إلى أرش الطرف. وإن قلنا: وجب مقصودًا، فحينئذ يتجه الجواب. ولك أن تجيب عن هذا بأن محل التردد إذا لم يتعلق بأرش اليد حق لغير مستحق النفس، أما إذا تعلق فذلك الحق لا يسقط عند السراية إلى النفس ولا شيء منه ما أمكن استيفاؤه اتفاقًا وإن وجبت دية النفس. دليله ما لو قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات فإن حق السيد لا يسقط. وإن كان كذلك فالجاني هنا قد تعلق له حق بأرش الأصبع وهو براءته منه، فإذا صار القطع قتلًا ووجبت دية النفس وجب ألا يسقط الحق السابق كما في حق السيد. انتهى كلام ابن الرفعة ﵀. قوله: إحداها: إذا جنى عبد على حر جناية توجب المال وعفى المجنى عليه عن أرش الجناية ثم مات بالسراية أو اندمل الجرح ثم عفا في مرض الموت فإن أطلق العفو ولم يضفه إلى السيد ولا إلى العبد أثبتت صحته على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبته فحسب أو بها وبذمته؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يتعلق بالرقبة فحسب، فيصح العفو. وإن قلنا: يتعلق بالذمة أيضًا، ففائدة العفو ترجع إلى العبد؛ فينبني على الوصية للقاتل. انتهى.

стр. 3801

وما ذكره من التخريج في السراية واندمال الجرح على الوصية للقاتل قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو سهو، بل التخريج خاص بالأولى، وأما في اندمال الجرح فلا؛ إذ لا قتيل فيها ولا قاتل. قوله: وإذا استحق على الجاني قصاص النفس وقصاص الطرف نظر إن كان مستحق هذا غير مستحق ذاك فلا شك في أن عفو أحدهما لا يسقط حق الآخر. ومن صوره أن يقطع عبد يدى عبد فيعتق المجنى عليه ثم يسري القطع إلى نفسه فالقصاص في الطرف للسيد وفي النفس لورثته الأحرار، وإن استحقها واحد فلو عفى عن النفس وأراد القصاص في الطرف فله ذلك لأنهما حقان ثبتا له فالعفو عن أحدهما لا يسقط الآخر. وفي "الوسيط" حكاية وجه أنه إذا عفى عن النفس فقد التزم بقاء الأطراف فيسقط قصاص الطرف، ولم ينقل الإمام في هذه الصورة خلافًا، بل إنما حكاه في عكسه. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في أول كلامه من نفى الخلاف حيث عبر بقوله: ولا شك. . . . إلى آخره قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك فقد ذهب القفال إلى سقوط قصاص الطرف بعفو الورثة عن قصاص النفس في التصوير الذى صور الرافعي به بعينه وهو قطع العبد المتقدم ذكره. كذا حكاه إمام الحرمين في آخر "النهاية" عن الشيخ أبى علىّ عنه، ونقله أيضًا ابن الرفعة في "المطلب" هنا عنه وعلله القفال بأن ورثته الأحرار شركاء في الطرف للسيد، فإذا عفوا عن النفس صاروا بالنسبة إلى الطرف كعفو بعض الشركاء فيسقط، ثم رده الشيخ أبو علىّ بأنه ليس من

стр. 3802

باب الشركة بدليل أن مستحق الطرف لا يحتاج في القصاص إلى استئذان مستحق النفس. الأمر الثاني: من الواضحات أن القول في المسألة الثانية بسقوط الطرف عند العفو عن النفس أقرب من القول به في المسألة الأولى فإنه إذا أسقط حق الغير لما يتخيل من الشركة فعند الخلوص له أولى، وقد ظهر لك ذلك أيضا من كلام الرافعي فإنه عبر في الأولى بقوله ولا شك ثم ذكر الثانية وحكى فيها وجهًا عن الغزالي وتوقف فيه. إذا علمت ذلك علمت صحة الوجه الذى ذكره في الوسيط وقائله ومن أين أخذه، وقد توهم النووي أنه لا أصل له فقال في "الروضة" (١): وانفرد الغزالي بحكاية وجه. هذا لفظه، وقد صرح في "البسيط" أيضا بهذا الوجه وعلله بما ذكره في "الوسيط". قوله: ولو رمى الولى إلى الجاني ثم عفا قبل الإصابة ففي نفوذه وجهان نقلهما الإمام: أحدهما: أنه لا ينفذ؛ لخروج الأمر عن اختياره. وأظهرهما -وهو المذكور في "الكتاب"- أنه كقطع اليد؛ فإن لم يصبه السهم فالعفو صحيح وإن أصابه فقتله بان أن العفو باطل، وفى وجوب الدية على العافي وجهان سبق ذكرهما في فصل تغير الحال بين الجرح والموت، والأصح عند صاحب "التهذيب" ويحكى عن القفال أنه تلزمه الدية لأنه محقون الدم عند الإصابة. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن صاحب "التهذيب" هنا قد صرح -أعنى الرافعي- بتصحيحه في الفصل الذى نص على سبق ذكر الوجهين فيه، وبالغ في تصحيحه مبالغة شديدة وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا هناك

стр. 3803

وأطلق تصحيحه أيضًا هنا. الأمر الثاني: أن ما ذكراه هنا من تصحيح الوجوب بعد جزمهما ببطلان العفو غلط واضح فإنه إذا أبطل العفو لا يتصور إيجاب ضمان الجانى لاستحقاق العافى دية. نعم حكى الغزالي في هذا الباب من "البسيط" في آخر الحالة السادسة وجهًا أن عفوه صحيح مع الإصابة ويلزمه ضمانه بناء على أن الاعتبار بحالة الإصابة؛ وحينئذ فيستقيم بناء المذكور هنا عليه، وكلام الإمام يشير إليه أيضًا، وكلام القاضي حسين صريح فيه. قوله: ولو وكله في القصاص ثم عزله فقتله الوكيل جاهلًا بالعزل وجبت الدية في أصح القولين، وتكون على الوكيل، وقيل: على الموكل. فإن قلنا: على الوكيل، فهل هي حالة أم مؤجلة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام. انتهى. والأصح على ما قاله في "الروضة" من "زوائده": أنها حَالّة. قوله: ولو جنت امرأة فتزوجها المجنى عليه على القصاص الثابت عليها، أو قتلت إنسانًا فتزوجها وارثه على القصاص جاز وسقط القصاص، فإن طلقها قبل الدخول فترجع بنصف أرش الجناية أو بنصف مهر المثل؟ فيه قولان: أصحهما -على ما ذكره صاحب التهذيب- هو الأول. انتهى كلامه. ذكر في "المحرر" نحوه أيضًا فقال: إنه الذى رجح من القولين. واعلم أنه إذا أصدقها تعليم سورة فعلمها ثم طلقها قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف أجرة التعليم. كذا جزم به الرافعي في باب التشطير، وقياسه من هنا أن يكون الأصح ما قاله في "التهذيب" وقد صححه النووي في أصل "الروضة".

стр. 3804

قوله نقلًا عن "التتمة": وإنه لو رمى إلى شخص أو جماعة وقصد إصابة واحد منهم -أيّ واحد كان- فأصاب واحدًا ففي وجوب القصاص وجهان؛ لأنه لم يقصد عينه. انتهى كلامه. والصحيح عدم الوجوب. كذا جزم به الرافعي في أول الجنايات في الكلام على تقديم الطعام المسموم، وفي آخرها أيضًا قبيل الكلام على العاقلة، ولفظ كل من الموضعين مذكور في محله، وقد تابعه في "الروضة" عليهما وغفل عنه هاهنا فرجح من "زوائده" الوجوب فقال: قلت: الراجح وجوبه، والله أعلم.

стр. 3805

كتاب الديات وفيه أبواب: الباب الأول: في دية النفس قوله: روي أنه ﷺ قال: "إن أعتى الناس على الله تعالى ثلاثة: رجل قَتَلَ في الحرم، ورجل قَتَلَ غير قاتله ورجل قَتَلَ رجلًا بذحل في الجاهلية" (١).انتهى. العتو: بالتاء المثناة: وهو التجبر والتكبر، يقول: عتا يعتو عتوًا وعتيا بضم العين وكسرها فهو عات، وأما عثيا بالثاء المثلثة يعثو فمعناه أفسد، وكذلك عثي بكسر الثاء يعثي بفتحها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢) وأما تعبيره بقوله: غير قاتله، فهو مجاز جعل قاتل مورثه قاتلًا له، ومنه في حديث جبير: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" (٣).

стр. 3806

وأما الذحل فهو بذال معجمة وحاء مهملة ساكنة وهو الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله أي: بثأره، والجمع ذحول، قاله الجوهري. والحديث المذكور رواه جماعة منهم ابن عدى في "الكامل". ووقع في الباب هنا ألفاظ. منها: السن الشاغبة بشين وغين معجمة بعدهما باء، وهي الزائدة التى خالف نباتها نبات الأسنان. ومنها الفسطاط بيت من شعر، وفستاط بالتاء، وفساط بسين مشددة لغتان فيهما وكسر الفاء لغة فيهن؛ فتحصلنا على ست لغات. وسميت مدينة مصر بالفسطاط لأنها بنيت في الموضع الذى كانت فيه خمية عمرو بن العاص حين فتحها لما كان أميرًا على الجيش. ومنها المهرية والأرحبية نوعان من الإبل تقدم الكلام عليهما في الزكاة. ومنها الإيالة بهمزة [مكسورة] وياء بنقطتين من تحت وهي السياسة وأما الثندوة فبثاء مثلثة تفتح وتضم بعدها نون ساكنة ثم دال مهملة مضمومة وواو مفتوحة إن فتحت الثاء، وإن ضممتها قلبت الواو همز. قوله: إحداهما: إذا قتل في دار الحرب مسلمًا ظنه كافرًا فلا دية في أصح القولين، فإن أوجبنا فثلاثة أوجه: أحدها: أنها دية العمد؛ لأنه قتله متعمدًا، والثاني: دية شبه العمد؛ لأنه وإن تعمد القتل لم يقصد قتل المسلم، والثالث: دية الخطأ المحض؛ لأنه معذور في الفعل. انتهى. لم يرجح شيئًا في "الروضة" أيضًا والصحيح الثاني؛ فقد نص عليه الشافعي في "الأم" فقال بعد حكايته لهذه الصورة وغيرها ما نصه: وكل هذا عمد خطأ يلزمه اسم الخطأ لأنه أخطأ بأنه لم يعمد قتله وهو مسلم وإن كان عمدًا بالقتل.

стр. 3807

واعلم أن الغزالي في "الوجيز" جعل الخلاف ثلاثة أوجه فتبعه عليه الرافعي وقال في "الوسيط": إن الأولين قولان والثالث وجه. قوله: الثانية: إذا رمى إلى مرتد أو حربي فأسلم ثم أصابه السهم ومات فالأصح وجوب الدية وفي كيفيتها الوجوه الثلاثة المذكورة في المسألة الأولى، وهذه الصورة أولى بأن تلحق بالخطأ لأنه لم يكن معصومًا عند الرمى، ويشبه أن يكون هو الأظهر لما ذكرنا أن الإمام رأي القطع به فيما إذا خرج مرتدًا أو حربيًا فأسلم ثم مات، ولكن في كتاب ابن كج أنه إذا أصاب سهمه من أسلم وكان مرتدًا عند الرمى ولم يكن قصد إلى رميه تكون الدية في ماله لا على عاقلته لأنهم يقولون إنك لما أرسلت السهم كان الرمى مهدرًا لا يلزمنا في قتله شيء. انتهى كلامه. وما أشار إليه الرافعي من ترجيح إلحاقه بالخطأ حتى يجب على العاقلة صرح بترجيحه في "الروضة" فقال: إنه الأرجح، وما قالاه مردود بل الصواب أنها في ماله. كذا نص عليه الشافعي في "الأم" فقال ما نصه: إذا ارتد الرجل عن الإسلام فرماه رجل ولم تقع الرمية به حتى أسلم فمات منها فلا قصاص على الرامى وعليه الدية في ماله حالة. كذا أرش الجرح إن لم يمت منها حالا لأنه عمد. هذا لفظه بحروفه. فانظر إلى أمثال هذه النصوص الصريحة الواضحة كيف يغفلون عنها ويتحيلون في ترجيح ضعيف مستند إلى مقالة بعض المتأخرين المعدودين من المصنفين، ثم إن ما استدل به الرافعي من كلام الإمام على الأولوية فليس نظير ما نحن فيه لأن الإهدار هناك اقترن بالسبب الحقيقي وهو الجرح بخلاف مسألتنا، ولهذا لم يضمنه هناك وضمنه هنا. قوله في "الروضة": فرع: الغالب أن الناقة لا تحمل حتى يكون

стр. 3808

لها خمس سنين وهي الثنية، ولو حملت قبل ذلك ففي قبولها في الخلفات قولان: أظهرهما: نعم. انتهى كلامه. وما ذكره من جعل الخلاف قولين هو الصواب، وجعله في "المنهاج" وجهين؛ فإنه عبر بلفظ: الأصح، والرافعي سالم من هذا التناقض فإنه عبر في "المحرر" أيضًا بالأصح فقط، وليس له فيه اصطلاح كما تقدم لك ذكره. قوله: ومن لزمته الدية فإنه لم يملك إبلًا فيلزمه من غالب إبل البلد، فإن تعذر لزمه النقل إلا إذا تعدت المسافة، وأشار بعضهم إلى ضبط البعد بمسافة القصر. ثم قال: وقال الإمام: إن زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع الغرة لم يلزمه [تحصيلها] وإلا لزمه. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" ومقتضاه أن الإمام يعتبر المؤنة خارجة عن القيمة وليس كذلك وقد صرح الغزالي في "البسيط" باعتبارها لما [شرح] كلام إمامه فقال: ومعنى العجز أن يبعد عن القطر بعدًا تزيد قيمته مع مؤنة النقل على ما يشتري به في المحل المطلوب وهو محل العير زيادة تعد عنتًا في نقل الإبل. هذه عبارته. قوله: وإن ملك إبلًا فإن كانت من غالب إبل البلدة أو القبيلة فذاك، وإن كانت من صنف آخر أخذت أيضًا، وقيل: يجب الغالب. وإذا اعتبرنا إبل من عليه فتنوعت فوجهان: أحدهما: يؤخذ من الأكبر، فإن استويا دفع ما شاء. والثاني: يؤخذ بالقسط. قال: والوجهان مبنيان على القولين في الزكاة إذا تنوع النصاب نوعين فصاعدًا. انتهى كلامه. فيه أمران:

стр. 3809

أحدهما: أنه يؤخذ من هذا البناء تصحيح الثاني لأنه المصحح في الزكاة، وقد حذف النووي البناء المذكور من "الروضة"، وحكي وجهين فقط، وهو اختصار عجيب. الأمر الثاني: أَنّا إذا فرعنا على الأخذ من الغالب فاستويا فقد جزم هنا بإعطاء ما شاء، والمذكور في صدقة المواشي تفريعًا عليه أنه يتعين الأغبط وقيل يتخير. قوله: الرابعة: إذا كانت الإبل موجودة وعدل من عليه الدية ومستحقها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليًا وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل. قال صاحب "البيان": هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنيا على أنه يجوز الصلح عن إبل الدية. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله الرافعي هنا من إطلاق الأصحاب وأن صاحب "البيان" قيده واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه من كلام غيره غريب؛ فقد جزم بهذا التخريج قبل هذا الموضع بنحو أربعة أوراق في أوائل المسائل المنثورة التى ختم بها الباب الذى قبل هذا الباب. الأمر الثاني: أنه أيضًا قيد هناك محل الخلاف بتقييد أهمله هاهنا، ولنذكر عبارته ليعلم منه الأمران فنقول: قال: هناك: إذا [جهل] (١) أحد المتبايعين عدد الإبل الواجب أو سنها لم يصح البيع وإن علما ذلك ولم يبق إلا الجهل بأوصافها ففي صحة البيع الوجهان أو القولان في صحة الصلح عن إبل الدية على مال كما سبق في الصلح.

стр. 3810

قوله: فدية المرأة على النصف من دية الرجل لحديث عمرو بن حزم. ثم قال: ويروي ذلك عن عمر وعثمان وعلىّ والعبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس -رضى الله عنهم-. انتهى. واعلم أن تفسير الرافعي العبادلة بهؤلاء قد سبقه إليه الزمخشرى في أوائل "المفصل" (١) في الكلام على علم الغلبة، والمشهور أن العبادلة أربعة آباؤهم صحابيون وهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن العاص. قال النووي بعد ذكره لهؤلاء الأربعة: أن "صحاح الجوهرى" قد وقع فيها إبدال ابن العاص بابن مسعود. قال: وهو غلط نبهت عليه لئلا يغتر به. كذا قال في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢) في ترجمة ابن الزبير: والذى قاله النووي غلط عجيب فإن الجوهري قد ذكر ابن العاص ولم يذكر ابن مسعود. نعم عليه -أعنى الجوهري- انتقاد من وجه آخر وهو أنه أخرج ابن الزبير منهم وجعلهم ثلاثة فقط فقال في آخر الكلام على لفظه عبد ما نصه: والعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص. هذا لفظه: والظاهر أن الوهم سرى إلى النووي من "المفصل" للزمخشرى فإن فيه ما عزاه إلى الجوهري من الإتيان بابن مسعود وإسقاط ابن العاص وزاد على ذلك فأسقط ابن الزبير أيضًا كما سبق لك، ولا شك أنه لم يستحضر كلام الرافعي؛ فإنه لو استحضره لنقل عنه؛ إذ وقوعه في

стр. 3811

ذلك أغرب لكونه من الفقهاء المحدثين، والظاهر أنه قلد ما في المفصل لتداول المعجم له غالبًا. قوله من "زوائده" سبق خلاف في الذمى والمرتد إذا قتلا مرتدًا هل تجب الدية؛ فإن أوجبناها فهي دية مجوسي. ذكره البغوي. انتهى كلامه. واعلم أن الرافعي لما حكى هنا الخلاف في وجوب الدية حكى في مقدارها وجهين من غير تصحيح أحدهما: ما اقتصر النووي على حكايته هنا وهو دية مجوسي، ونسبه أيضًا هناك إلى البغوي كما هو منسوب هنا. والثاني: أن الواجب دية مسلم. فعلم بذلك أن هذا النقل لا عمل عليه، وأن على كلام "الروضة" انتقادًا من وجهين وهما ذكره من زوائده لما ذكره الرافعي، وإيهام العمل بهذا النقل الذى لابد له من مرجح من خارج.

стр. 3812

الباب الثاني في دية ما دون النفس وهو جرح أو إبانة أو إبطال منفعة النوع الأول: الجرح اعلم أنه قد ذكر في هذا الباب ألفاظًا منها الهامة بتخفيف الميم وهي الرأس وجمعها هام بحذف التاء، وتطلق الهامة أيضًا على الرئيس. ومنها الخشاء: اسم للعظمة الناتئة خلاف الأذن -أي المرتفعة-، وهي بخاء معجمة مضمومة بعدها شين معجمة مشدودة ثم همزة ممدودة، وزنه فعلاء بفتح العين على وزن الحبلاء ولكن سكن للإدغام. قاله [الجوهري]. ومنها القمحدوة: بقاف ثم ميم مفتوحتين ثم حاء مهملة ساكنة ثم دال مهملة مضمومة ثم واو مفتوحة ثم هاء؛ هي ما خلف الرأس، وجمعها: قماحد، والميم زائدة. قاله الجوهرى، ونقله عنه في "تهذيب الأسماء واللغات". ومنها الفقحة: بفاء مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم حاء مهملة وهي حلقة الدبر. ومنها: العجان: اسم لما بين الخصيتين، والعجان: هو بكسر العين المهملة بعدها جيم وفي [آخره] نون. ومنها المشقص: بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة ثم قاف بعدها صاد مهملة، هو من النصال ما طال وعرض. وهذا لفظ الجوهري. وخالف ابن الأثير في "النهاية" (١) فقال: المشقص نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المعبلة: أي: بكسر الميم وسكون

стр. 3813

العين المهملة وفتح الباء الموحدة. قوله: ولو أوضحه موضحة واحدة في بعضها مخطئ وفي بعضها متعمد فموضحتان على الصحيح، فلو أوضح موضحتين عمدًا ورفع الحاجز بينهما خطأ وقلنا بالصحيح أنه لو رفعه عمدًا تداخل الأرشان فهل يلزمه أرش ثالث أم أرش واحد؟ وجهان: انتهى. والأرجح منهما على ما ذكره في "زوائد الروضة" وجوب أرش فقط. قوله: أوضح وهشم في موضعين واتصل الهشم بينهما في الباطن فوجهان: أحدهما: أن الحاصل هاشمة واحدة؛ لاتصال الكسر وإن بقي اللحم والجلد حاجزًا بين الموضحتين، والثاني: أنهما هاشمتان، وهذا ما اقتصر على إيراده جماعة منهم صاحب "الشامل"، ووجهوه بأن الهاشمة تتبع الموضحة، وقد وجدت الموضحتان فتتعدد الهشم بتعددها. انتهى. صحح النووي في "أصل الروضة" أنهما هاشمتان وعبر: بالصحيح. قوله: وفي "المهذب" أنه لو أدخل حديدة أو خشبة في دبر إنسان وخرق حاجزًا في الباطن هل عليه أرش جائفة؟ فيه وجهان بناء على الوجهين في أن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن هل يكون كخرق الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضحة واحدة. انتهى كلامه. وهذا البناء الذي ذكره الرافعي يؤخذ منه أن الصحيح من الوجهين وجوب أرش الجائفة لأن الصحيح في مسألة الموضحتين أنه لا أثر له لبناء الظاهر حتى ترجع الموضحتان إلى موضحة، وأسقط النووي من "الروضة" هذا البناء الذى يستفاد منه الترجيح. واعلم أن نسخ الرافعي قد اختلفت في نسبة هذه المسألة؛ ففي بعضها إلى المهذب كما ذكرت، وفي بعضها إلى "التهذيب"؛ فالأول هو الصواب؛

стр. 3814

فإن الشيخ أبا إسحاق ذكره كذلك ولم يذكره البغوي. قوله: شجه متلاحمة وجاء آخر وأوضح في ذلك الموضع بقطع ما بقي من اللحم فعلى كل واحد منهما الحكومة ولننظر فيما مر من تقدير السمك عند الإمكان. انتهى كلامه. وما ذكره من وجوب الحكومة على الثاني قد ناقضه بعد ذلك بنحو كراستين ونصف في الكلام على المنفعة الخامسة وهي منفعة النطق في مسألة ما إذا كان لا يحسن بعض الحروف فجزم بوجوب الموضحة وهو القياس، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه ووقع الموضعان كذلك في "الروضة". قوله: النوع الثاني: القطع المبين للأعضاء اعلم أنه قد ذكر في هذا النوع ألفاظًا فلنذكرها قبل الخوض في الأحكام فمنها: الثاليل بفتح الثاء المثلثة والمد جمع ثؤلول بالضم وهي الدماميل ونحوها. ومنها: الوترة: الحاجز بين المنحرين هو بواو مفتوحة وتاء مثناة من فوق مفتوحة أيضًا. ومنها عمور الأسنان: اسم لما بينهما من اللحم، والمفرد عمر بعين مهملة مفتوحة وميم ساكنة وراء مهملة على وزن فلس وفلوس. ومنها محرب القوس. ومنها اللَّهاة: بفتح اللام اسم للقطعة من اللحم التى في أقصى سقف الفم تنطبق مع ما تحتها، وجمعها لهوات ولهيات، أيضًا بالتاء ولهى بحذف تاء التأنيث والقصر، وقد ورد ممدودًا في بيت مشهور بفتح اللام وكسرها فالفتح من مد المصقور للضرورة وأما المكسور فجمع للمقصور مثل أصاه وأصا بالقصر وإصا بكسر الهمز والمد. كذا نقله الجوهري عن أبي عبيد.

стр. 3815

ومنها الشاغبة، وقد تقدم الكلام عليها غير مرة. ومنها السنخ: بسين مهملة مكسورة ثم نون ساكنة ثم خاء معجمة. كذا صرح به النووي في "تهذيبه"، وجمعه: أسناخ وهو أصل السن المستتر باللحم، وسنخ كل شيء أصله، ومن ذلك قولهم: سنخ في العلم سنوخا إذا رسخ فيه. قاله الجوهري. ومنها الثندوة وقد سبق الكلام عليها في الباب السابق. ومنها في أسماء الأسنان الناجذ بالنون والجيم والذال المعجمة، قال الجوهري هو آخر الأضراس في أقصى الأسنان. قال: ويسمى ضرس الحلم -أي: العقل- لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وأما الحديث: أنه ﵊ ضحك حتى بدت نواجذه (١). فالمراد [بالنواجذ] فيه الضواحك وهي الأسنان لأن ضحكه ﵇ إنما كان تبسمًا. ومنها: الإسكتان: تثنية إسكته بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الكاف، وهما ناحيتا الفرج، وأما الشفرين فطرفا الناحيتين. كذا قاله الأزهري. ومنها الرَكَب: براء مهملة وكاف مفتوحتين وبالباء الموحدة هو منبت العانة. قال الخليل: هو للمرأة خاصة (٢). وقال الفراء: هو للرجل والمرأة، وأنشد: لا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحات ولا الجلباب

стр. 3816

من دون أن تلتقى الأركاب ... ويقعد الأثر له لعاب ومنها: الرباعية: من أسماء الأسنان كما سيأتي، وهو بفتح الراء وتخفيف الباء. ذكره الجوهري: ومنها: عذبة اللسان: بعين مهملة وذال معجمة مفتوحتين بعدهما باء موحدة، اسم لطرفه الرقيق. ومنها المقر: بالقاف والراء المهملة، هو المُر من المطعوم، يقال: مقر الشيء بالكسر يقر مقر بالفتح فيهما فهو مقر بالكسر إذا صار مرا. قاله الجوهري: قوله: فلو ضرب على أذنه فاستحفت -أي: يبست- ففي ما يجب قولان منقولان عن "الأم" أصحهما على ما ذكر في "التهذيب" كمال الدية كما لو ضرب على يده فشلت. انتهى. والأصح ما قاله في "التهذيب"؛ فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "أصل الروضة". قوله في "الروضة": والأخفش هو صغير العين ضعيف البصر، وقيل: هو من يبصر بالليل دون النهار. انتهى كلامه. وهذا الذى ذكره في تفسير الأخفش مخالف لتفسيره له في البيوع في الكلام على الفسخ بالعيوب فإنه قال من "زوائده": والأخفش نوعان: أحدهما: ضعيف البصر خلقة، والثاني: يكون لعلة حدثت وهو الذى يبصر بالليل دون النهار، أو في العتم دون الصحو. هذا لفظه. قوله: وإنما يجب كمال الدية في الأجفان إذا استؤصلت وقد تقطع معظم الجفن فتقلص الثاني ويوهم الاستئصال فليتحقق. انتهى.

стр. 3817

هذا الكلام قد حذفه من "الروضة" وهو لا يعلم منه الحكم في الصورة المذكورة، وإن كان يوهم الجزم بعدم كمال الدية، وقد صرح الرافعي بنظيره في الكلام على الشفة وحكى فيه وجهين: أحدهما: أن الدية توزع، والثاني: يجب كمالها؛ لأن منفعة الباقي قد بطلت فأشبه قطع بعض الأصابع فشل الباقي. قوله: والمارن ثلاث طبقات: الطرفان والوترة الحاجزة بينهما. ثم قيل: تتوزع الدية على الطرفين فقط، ويحكى عن ابن سريج وأبي إسحاق، وفي "التهذيب": إنه الأصح، ونقل الشيخ أبو إسحاق أنه المنصوص؛ وقيل: توزع الدية على الثلاث وبه قال أبو على الطبري والقاضي أبو الطيب والروياني، وإيراد "الكتاب" يقتضى ترجيحه، ويؤيد بأنه إذا قطع. . . . إلى آخره. تابعه عليه في "الروضة"، وأرجح الوجهين على ما قال في "الشرح الصغير" توزيعها على الثلاث، وقال في "المحرر": إنه الأصح وتبعه عليه في "المنهاج". قوله: ومنها: في المارن كل الدية على ما سبق، ولو قطعه مع القصبة فهل تجب حكومة القصبة أو لا يجب [إلا] (١) الدية؟ ذكر الإمام أن فيه وجهين وأن المذهب الظاهر منهما الاندراج. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي حكى فيها وجهين ونقل الرجحان فيها عن الإمام فقط قد نص عليها الشافعي في "الأم" وصرح بوجوب الحكومة على عكس ما نقله من الترجيح واقتصر عليه فقال في باب الزيادة على المارن ما نصه: قال الشافعي: فإذا قطع من العظم المتصل بالمارن شيء مع المارن كانت فيه حكومة مع دية المارن.

стр. 3818

هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته. وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الإمام مشيًا على غالب عادته عند عدم وقوفه على ترجيح غيره، وقد تحرر أن الفتوى على خلاف ما صححه فيها؛ فتفطن له. قوله في المسألة: وهاهنا كلام وهو أنا قدمنا أن قضية الأنف محل الموضحة في الوجه، وكذا محل الهاشمة والمنقلة، وذكرنا وجهين في أن الجراحة الواصلة إلى داخل الأنف هل تكون جائفة؟ ، وإذا كان كذلك فقطع قصبة الأنف وإبانتها أعظم من المنقلة فيجب أن يجب فيه مع أرش المارن أرش المنقلة، وهكذا حكى القاضي ابن كج الجواب فيه عن نصه في "الأم". انتهى كلامه. وهذا النص المنقول عن "الأم" ليس منقولًا على وجهه بل ذكره الشافعي على وجه هو أبلغ مما يريده الرافعي فقال: ولو [أوضح] مع قطع المارن شيئًا من القصبة وجب فيه أرش موضحة، أو هشم كان فيه أرش هاشمة، وكذلك منقلة، ولو بلغ ذلك قطعًا كانت فيه حكومة أكبر من هذا كله لأنه أزيد من المنقلة. هذا كلامه، ونقله عنه في "المطلب". قوله: الأسنان في غالب الفطرة اثنتان وثلاثون منها أربع ثنايا وهي الواقعة في مقدم الفم ثنتان من أعلى وثنتان من أسفل وبينهما أربع من أعلى وأربع من أسفل يقال لها الرباعيات. ثم أربع ضواحك ثم أربع أنياب وأربعة نواجذ واثنا عشر ضرسًا ويقال لها الطواحن. انتهى (١). وما ذكره في النواجذ مع الأضراس يقتضي أن النواجذ ليست آخر الأسنان بل هي في أثنائها، وليس كذلك بل النواجذ آخر الأسنان وهي من

стр. 3819

جملة الأضراس كما سبق إيضاحه في الكلام على لغات الفصل. والذى أوقع الرافعي في هذه العبارة الموهمة هو صاحب "البحر" فإنه عَبّر بعبارة الرافعي بعينها. قوله: ولو كانت إحدى الثنيتين من الأعلى أو الأسفل أقصر من أختها فقلعت القصيرة نقص من ديتها بقدر نقصانها لأن العادة الغالبة أنهما لا يختلفان. انتهى. تابعه في "الروضة" على إطلاق النقص وسبقهما إليه الماوردي لكن شرط في "الأم" كذلك أن يكون النقص متباينًا فقال: فإن كان متقاربًا ففيها كمال الدية. قوله: ولو قلع سن صغير لم يثغر انتظر عودها، فإن مات الصبي قبل أن يتبين الحال ففي وجوب الأرش وجهان وقيل قولان أقواهما -على ما قاله القاضي ابن كج وغيره- عدم الوجوب. انتهى. وترجيحه لكون الخلاف وجهين ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ثم خالف في "المحرر" فجزم بأنه قولان، وتابعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف. وقول الرافعي يثغر هو بياء مثناه من تحت مضمومة ثم مثلثة ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة، ومعناه لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه، فإذا سقطت قيل ثغر يثغر فهو مثغور كضرب يضرب فهو مضروب، فإذا نبتت بعد ذلك قيل اتغر بتشديد التاء المثناة من فوق وأصله ايتغر بالياء بنقطتين من تحت فقلبت الياء تاء ثم أدغمت. قال الجوهري: وإن شئت قلت أيضًا اثغر بالمثلثة المشددة، وكله مأخوذ من الثغر وهو مقدم الأسنان. قوله: والترقوة هو العظم المتصل بين المنكب وثغرة النحر. ولكل

стр. 3820

واحد ترقوتان وما الذى يجب في كسرهما؟ عن نص الشافعي ﵁ في "اختلاف الحديث" وغيره: أن فيه جملًا. وفى "الأم" وغيره: أن فيه حكومة؛ فقيل: قولان: القديم: جمل، والجديد: حكومة، والأكثرون قطعوا بالحكومة. انتهى ملخصًا. وما ذكره على طريقة إثبات الخلاف من أن إيجاب الجمل قول قديم مع تقديمه بأنه منصوص عليه في "اختلاف الحديث" قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وما أدري كيف وقع لهما ذلك فإن الكتاب المذكور من كتب الجديدة. ولو ثبت مع وجود هذا النقل أن الشافعي نص عليه في القديم وصرح به الرافعي أيضا في كلامه لم يستقم أيضا معه أن يقال أنه قديم بل جديد منصوص على وفقه في القديم، وأبلغ من هذا كله أنه منصوص عليه في "المختصر" أيضًا فقال قال الشافعي: وفي الترقوة جمل. هذا لفظه. ثم نقل المزني بعده بأنه قال في موضع آخر أن فيه الحكومة ورجحه المزني. قوله في "أصل الروضة" في الكلام على الأسنان: ولو جنى على يده فذهب بطشها أو على عينه فذهب بصرها فأخذ ديتها لظن زوال البطش أو البصر ثم قويت اليد والعين فصار يبطش [ويبصر] (١) استرددت الدية قطعًا لأن الشلل والعمى المحققين لا يزولان، وكذا الحكم في السمع وسائر المعاني. انتهى كلامه. وما ادعاه من القطع بالرد غريب لم يذكره الرافعي أيضًا. أما عود البطش فقد حكى جماعة فيه وجهين منهم القاضي الحسين وكذلك الماوردي وبناهما على القولين في عود السن، وهذا البناء يقتضي
следующие страницы →