وللعم ثلثاها والعبد ملكهما والمالك لا [يستحق] على ملكه شيئًا فيقابل ما يرثه كل واحد بما يملكه؛ فالأخ يملك ثلاثة أرباع العبد فتتعلق به ثلاثة أرباع الغرة وله ثلثا الغرة يذهب الثلثان بالثلثين يبقى نصف سدس الغرة متعلقا بحصته من العبد والزوجة تملك ربع العبد فيتعلق به الغرة ولها ثلث الغرة يذهب ربع بربع يبقى لها نصف سدس الغرة متعلقا بنصيب الأخ وهو ثلاثة أرباع العبد فيفديه بأن يدفع نصف سدس الغرة إلى الزوجة. والفرع لابن الحداد أيضًا، وقد يورد جوابه بغير هذا الإيراد ولا يكاد يختلف المقصود. انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام أورد جواب ابن الحداد بهذا الطريق الذى ذكره الرافعي وأورده الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" بطريق آخر يخالفه في المعنى لكنه لم ينبه على المخالفة إلا في "البسيط" ولم يقف الرافعي هنا على "البسيط" بل وقف على "الوسيط" فظن أن ما قاله ليس مخالفًا في المعنى فقال -أعني الرافعي- في آخر كلامه وقد يورد جوابه إلى آخره، والذى في البسيط أنه حكى هذه الطريقة.
ثم قال: هكذا أورده الإمام، وفيه نظر عندي بل الكشف فيه أن يقول فوات الثلث المستحق للأم يضاف إلى جميع الرقبة فيخص ربعها ربع ثلث الغرة فيبقي لها ربع الغرة متعلقا بنصيب الأخ ويعود إلى جانب الأم ويقول ثلثا الغرة فوته العبد فيوزع على الجميع فيخص نصيبه ثلاثة أرباع الثلثين فيبقى له سدس الغرة متعلقًا بنصيب المرأة.
فإن قيل: فإذا كان لها عليه الربع له عليها السدس فيصير السدس قصاصًا بمثله ويبقي للمرأة نصف سدس على الأخ، وهو الجواب كما سبق -أي: على طريقة الإمام-.
قلنا: نعم هو كذلك ولكن في التقاضي نظر لعدم تعلق الواجب
стр. 3852
بدينهما وإنما تعلقه بالرقبة المملوكة لهما ولا تعد في تقدير التقاضي لكن تبقي فائدة وهي أن الأصح أن الواجب في العبد أقل الأمرين وربما لا تفي حصة الأم من العبد بالأرش الذي للأخ وتفي حصة الأخ وهو ثلاثة أرباع أرشها، فإذا سلمت نصيبها للبيع تعطل ما زاد من نصيبه ولم يتعطل شيء من نصيبها؛ فعلى هذا الوجه ينبغي أن تعلل المسألة.
هذا كلامه.
وهذه الطريقة التى ذكرها الغزالي وهي أن ينسب الساقط من نصيب كل منهما إلى النصيب لا إلى جملة الغرة متجه؛ فإن العبد كما يقال: إنه جنى على الجنين.
يقال: إنه جنى على كل جزء من أجزائه فلا يقال ربع العبد جنى على ربعه ولا نصفه على نصفه وإذا أضيف تلف النقص إلى جملة العبد اقتضى أن يكون الساقط من النصيب مضافًا إليه لا إلى الكل.
ووجه اختلاف الطريقين أما في المثال المذكور فنقول على الإيراد الأول يسلم للأخ نصف العبد وقيمته عشرة، وعلى الإيراد الثاني يبقي له سدس الغرة متعلقًا بنصيب المرأة، فهو وإن كان يستحق عشرة التى هي سدس الغرة لكن إنما يجب على المرأة أن تسلم ما تعلق به وهو ربع العبد وقيمته خمسة، فإذا بيع بها لم يصل إليه غيرها وضاعت عليها الخمسة الثانية؛ فعلى الأول يستقر له ما يساوى عشرة وعلى الثاني يستقر له خمسة فقط.
نعم: إن قلنا الفداء بالأرش لا بالأقل ظهر الاستواء.
واعلم أن التقاضي خاص بالنقدين على المعروف فلا يجئ البحث السابق إلا على وجه ضعيف.
قوله: ومنها قال ابن الصباغ: إذا جنى حر أمه عتيقة وأبوه رقيق على امرأة حامل ثم أعتق أبوه فانجر ولاؤه من معتق الأم إلى معتق
стр. 3853
الأب، ثم أجهضت الحامل؛ فعلى قياس قول ابن الصباغ يتحمل بدل الجنين مولى الأم اعتبارًا بحال الجناية، وعلى قياس قول غيره يتحمل مولى الأب اعتبارًا بحال الإجهاض. انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن تعبير الرافعي أولًا بقوله: فعلى قياس قول ابن الصباغ، سهو وصوابه -وهو المذكور في "الشامل"- إنما هو ابن الحداد، وقد أصلحه في "الروضة" بذلك.
الأمر الثاني: أن ما ذكره ابن الصباغ هنا من الجزم بالوجوب وحكاية الوجهين فيمن يجب عليه وأن قياس ابن الحداد وجوبه على موالى الأم وأقره عليه [وتابعه] عليه في "الروضة" وهو غلط مخالف لكلام الأصحاب في هذه المسألة بخصوصها ومخالف لكلام ابن الحداد بخصوصه أيضًا فيها؛ فإن ابن الحداد قد جزم بأن هذا الحر الذى عليه الولاء لا يجب عليه شيء، وتابعه عليه الأصحاب، وقد أوضح الرافعي المسألة في أوائل العاقلة في الكلام على الولاء فقال: والمتولد من عتيقة ورقيق إن قتل إنسانًا فالدية على مولى الأم، ولو جرح إنسانًا فأعتق أبوه ثم مات المجنى عليه فقدر أرش الجناية على موالى الأم والباقي يجب على الجاني لأنه لا يمكن إيجابه على معتق الأم لأنه خرج بإعتاق الأب عن استحقاق الولاء فلا يلزمه ما يجب بعد ذلك ولا يمكن إيجابه على معتق الأب لأنه وجب بسراية جناية وجدت قبل انجرار الولاية إليه فلا يلزمه تحمله ولا يمكن إيجابه على بيت المال لأنه لم يحل عن المعتق، وأيضًا فالضرب على العاقلة على خلاف القياس فتسقط بالشبهة كالقصاص.
هذا ما أجاب به ابن الحداد وساعده الأصحاب والإمام وصاحب الكتاب احتمال في الضرب على بيت المال لأنه إذا تعذر الضرب على المعتق كان كمن لا معتق له. هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".
стр. 3854
وهو كما قلنا دليل على بطلان ما ذكره هنا، وإنه إنما حصل من غفلة وذهول عما قاله هناك.
والحاصل أن ابن الصباغ اعتبر وقت الجناية في المسألة الأولى وهي ما إذا أعتق أحد الشريكين لأنه كان على ملكه إذا ذاك فاعتباره يقتضي عدم الوجوب فقدم على المقتضى لأن الأصل العدم ولم يعتبر في المسألة الثانية وهي التي فيها انجرار الولاء واحدًا من الأمرين لأنه يقتضي أيضًا عدم الوجوب على العاقلة الذى هو الأصل.
قوله في صفة الغرة: هي رقيق سليم من عيب يثبت رد المبيع، له سن مخصوص.
ثم قال: ولا يجبر على قبول خصى وخنثى وكافر. انتهى.
وما ذكره في الكافر قد تبعه عليه في "الروضة" وهو غريب جدًا؛ فإنه لم ينقل في البيع عن أحد أن الكفر عيب على الإطلاق، بل قيل: إنه ليس بعيب مطلقًا، والصحيح: أنه إن كان في بلد تقل فيه الرغبة كان عيبًا، وكذلك إن كانت الرغبة لا تقل ولكن كانت أمة وكفرها مانع من وطئها كالتمجس والتوثن، ولا اعلم أحدًا ذكر هنا ما ذكره الرافعي.
قوله؛ ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة إلا أن الروياني قال: ينبغي أن تجب عن عشر قيمتها بنصف عشر الدية المغلظة، وهذا أحسن. انتهى كلامه.
وما ادعاه من أنه لم يتكلم فيها إلا الروياني تبعه عليه في "الروضة" وهو غريب؛ فقد تكلم جماعة في المسألة منهم القاضي أبو الطيب في "تعليقته" فقال ما نصه: عندنا أن الغرة تكون مقدرة بخمس من الإبل فينظر في حال الجناية فإن كانت خطأ فهي مخمسة في حق العاقلة، وإن كانت شبه عمد فتكون مثلثة حقة ونصف وجذعة ونصف وخلفتان. هذا لفظه.
стр. 3855
وذكر مثله البندنيجي أيضًا وقال إنه مفرع على الجديد، أما إذا قلنا قيمة الإبل عند الإعواز مقدرة فيعتبر هنا أن تكون قيمة الغرة في الخطأ خمسين دينارًا أو ستمائة درهم، ويزاد التغليظ قدر الثلث، وجزم أيضًا الماوردي بالتغليظ وحكى وجهين في كيفيته فقال: إذا ثبت تقدير الغرة بنصف عشر الدية فقال البصريون: تقوم بالإبل لأنها الأصل في الدية؛ فإن كانت الجناية خطأ قدرت بخمس من الإبل مخمسة: بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون وحقة وجذعة، وإن كانت شبه عمد قدرت بخمس مثله كما سبق، ثم إنا نقوم الإبل بعد ذلك بالدراهم لأنها القيمة، فإن بلغت قيمتها في الغليظ ألف درهم مثلًا وفي التخفيف سبعمائة أخذنا منه غرة قيمتها كذلك، وقال جمهور البغداديين: نقدرها بالدراهم دون الإبل لأن الإبل ليست مأخوذة ولا من جنس ما تقوم به، ولو قومت بالإبل لاحتيج إلى تقويم الإبل أيضًا فوجب التقويم ابتداء بالدراهم. هذا كلامه.
وذكر القاضي الحسين في باب الديات من "تعليقته" كلامًا ظاهره حكاية وجهين وأن الصحيح عدم التغليظ.
قوله: أما بدل الجنين الرقيق فلسيده. انتهى.
هذه العبارة أحسن من قول "المنهاج" لسيدها؛ فإنه يخرج منه ما إذا أوصى بأحدهما دون الآخر فإنه يصح كما سبق في الوصية ويستحق بدل الجنين في هذه الحالة مالكه لا مالك الأم وقد سبقت الإشارة هنا إلى ذلك.
قوله: وإن اتفقا على سقوط الجنين بالجناية فقال الجاني: سقط ميتًا فالواجب الغرة، وقال الوارث بل حيًا ثم مات فالواجب الدية فعلى الوارث البينة لما [يدعيه] من استهلاك وغيره وتقبل فيه شهادة النساء لأن الاستهلاك حينئذ لا يطلع عليه غالبًا إلا النساء.
وعن رواية الربيع قول أنه يشترط رجلان. انتهى كلامه.
стр. 3856
وهذا الذى حكاه عن رواية الربيع صحيح فقد رأيته في "الأم" في كتاب ديات الخطأ في باب جنين المرأة لكن شرط فيه شرطًا يتعين الوقوف عليه فإنه قال بعد حكايته لهذا القول ما نصه: هذا إذا أمكنهم أن يخرجوه حيًا بعد ما يولد، فأما إذا لم يمكنهم أن يخرجوه لسرعة موته قبلت عليه شهادة أربع نسوة فيشهدن على موته بعد الجناية. هذا لفظه.
стр. 3857
باب: كفارة القتل
قوله: الثالثة: القتل المباح لا يوجب الكفارة؛ وذلك كقتل مستحق القصاص الجاني، وكقتل الصائل والباغي. انتهى.
وهذا الكلام يوهم أن قتل الباغي للعادل يوجب الكفارة وكذلك كلامه بعد هذا أيضًا في شرط القتيل فإنه قال: الشرط فيه أن يكون معصومًا بإيمان أو أمان، مع أن أشبه الوجهين كما قاله في قتال البغاة أنها لا تجب فتفطن له.
قوله: وإذا وجبت الكفارة على الصبي والمجنون أعتق الولي من مالهما كما يخرج الزكاة.
ثم قال: ولو أعتق الولي من مال نفسه عنهما أو أطعم قال في "التهذيب": يجوز ذلك إن كان الولي أبا أو جدا وكأنه ملكهما ثم مات عنها في الإعتاق والإطعام، وإن كان وصيًا أو قيمًا لم يجز حتى يقبل القاضي التمليك ثم يعتق عنهما القيم أو يطعم. انتهى كلامه.
وهذا الذى جزم به هنا من جواز إعتاق الولي من ماله ومن مال الطفل قد خالفه في الباب الثاني من أبواب الصداق في السبب الخامس المعقود لتفريط الولي في المهر، وقد ذكرت لفظه هناك مع بيان ما فيه من الخلل مبسوطًا فراجعه، وقال في كفارة الظهار نقلًا عن القفال من غير مخالفه له: ولو قال الولي اعتق عبدك عن ابني فأعتقه صح لأنه يتضمن ولاء إلى مضرة. انتهى.
وجواز هذه الصورة يدل على جوازه في الكفارة بطريق الأولى.
قوله: ولا تجب الكفارة بقتل الحربي فإنا مأمورون بقتله، ولا بقتل المرتد فإنه مهدر مراق الدم وبمثله أجابوا في قاطع الطريق والزاني المحصن، ولم يوردوا فيه خلافًا لكن قد سبق ذكر خلاف في القصاص ولا يبعد مجيئه في الكفارة. انتهى كلامه.
стр. 3858
واعلم أن الرافعي قد ذكر في باب قطع الطريق أن قتله فيه معنى القصاص ومعنى الحدود.
وما الذي يُراعي منهما؟ فيه خلاف والأصح كما قاله في "المحرر" و"المنهاج": رعاية معنى القصاص.
قال الرافعي: وللخلاف فوائد.
منها: لو قتله قاتل بغير إذن الإمام فإن راعينا معنى القصاص فعليه الدية لورثته ولا قصاص لأن قتله متحتم، ويجئ فيه وجه آخر، وإن لم يراعه: فليس عليه إلا التعزير هذا كلامه. وحاصله تصحيح وجوب الدية ويلزم منه أن يكونوا قد سلكوا به مسلك المعصومين وحينئذ فيلزم القول بوجوب الكفارة على خلاف ما جزم به هاهنا، وبتقدير تسليم كل من الجوابين بكون التزام إيجاب الدية بدون الكفارة موضعًا لا نظير له.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في باب استيفاء القصاص في فصل الحامل أن الجلاد إذا جرى على يده قتل غير مستحق لا تلزمه الكفارة إذا كان جاهلًا بظلم الإمام.
تنبيه: ذكر الرافعي هنا البيات، وهو بباء موحدة مفتوحة بعدها ياء بنقطتين من تحت هو الإيقاع بالعدو ليلًا؛ يقول منه بيّت العدو بالتشديد، قال تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (١).
стр. 3859
كتاب دعوى الدم
قوله: الشرط الثالث أن يكون المدعي مكلفًا ملتزمًا، فلا تسمع دعوي صبي ولا مجنون وحربي. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم سماعها من الحربي قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو ذهول عجيب عن قواعد مذكورة في كتاب السير وغيره فقد نصوا هناك على أن الحربي إذا دخل إلينا بأمان وأودع عندنا مالًا ثم عاد للاستيطان فإن الأمان فيه لا ينتقض على الصحيح، حتى لو كان من جملة ماله عبد كافر فقتله كافر طالبه الحربي بالقصاص أو الدية، وكذا لو أسلم العبد ولم يتفق بيعه فقتله مسلم.
وذكروا أيضًا هناك أنه إذا اقترض حربي من حربي شيئًا أو اشتراه منه ثم أسلم المديون أو دخل إلينا بأمان فالصحيح المنصوص أن دين الحربي باق بحاله، وقيل يسقط لأنه يبعد تمكين الحربي من مطالبة مسلم أو ذمي حتى لو قدرنا أن الذى اقترضه أو اشتراه كان عبدًا ثم قتل بعد رجوعه إلى مالكه بسبب من الأسباب إما برجوع المقرض أو بفسخ المشتري بالعيب ونحو ذلك طالب بدمه.
وذكروا أيضًا أنه إذا كان في دار الحرب مسلم فاقترض منهم شيئًا أو اشترى منهم عينًا ليبعث إليهم ثمنها أو أعطوه شيئًا ليبيعه في دار الإسلام ويبعث ثمنه فيجب عليه إرساله إليهم، فلو قتل العبد المذكور طالب بدمه كما سبق، ولو كان بعد إسلام المقتول وقتل المسلم إياه كما سبق.
قوله: وإقرار المحجور عليه بإتلاف هل يقبل ويوآخذ به؟ فيه وجهان مذكوران في كتاب الحجر. انتهى.
стр. 3860
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين فإنهما هكذا مذكوران في الحجر، والذى سبق منهما هناك إنما هو قولان لا وجهان، وهو الصواب.
قوله: وإن كانت الدعوي على عبد فإن ادعي العمد ففي القصاص القولان في ثبوته بالقسامة فإن منعناه -وهو الأظهر- أو ادعي خطأ أو شبه عمد تعلقت القيمة برقبته، وذكر الروياني أن المحاملي حكي في "المقنع" قولا أن العاقلة تحمل عن العبد جناية الخطأ، وحمله على غلط الكاتب. انتهى.
وهذا القول قد رأيته في "المقنع" كما نقله عنه الروياني وزاد على حكايته فقال إنه أصح القولين ذكر ذلك في أثناء باب العاقلة، وقد حذفه النووي من "الروضة" اعتمادًا على قول الروياني إنه غلط من الكاتب، والظاهر أنه كذلك فإنه لم يذكره في كتبه المبسوطة.
قوله: وللوث طرق منها أن يوجد قتيل في قبيلة أو حصن أو قرية صغيرة وبين القتيل وبين أهلها عداوة ظاهرة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة". وفيه أمران:
أحدهما: أن وجود بعض القتيل كاف سواء كان الموجود كثيرًا أم قليلًا إذا تحقق موته. كذا ذكره الرافعي في أثناء الباب.
الأمر الثاني: أن ذلك الموضع لو كان لا يدخله غير أهله لا يشترط فيه وجود العداوة. صرح به العمراني في "الزوائد"، وذكر ابن عصرون في "الانتصار" و"المرشد" وجهًا أن عداوة الأكثر كافية، ووجهًا ثالثا أنه -تكفي عداوة واحد نظرًا إلى المعنى.
قوله: ثم قيل: يشرط أن لا يساكنهم غيرهم، وقيل: يشترط أن لا يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية بقارعة طريق ويطرقها التجار
стр. 3861
والمجتازون وغيرهم فلا لوث، والأول أوجه. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على ترجيح الأول ثم خالفه في "شرح مسلم" فجعل مقابله هو مذهب الشافعي فقال في كتاب القسامة: السابعة: أن يوجد القتيل في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة. قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخالطهم غيرهم. هذا لفظه.
وهو الصواب الذى عليه الفتوي؛ فقد رأيته منصوصًا للشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب بل جميعهم إلا الشاذ فقد جزم به أبو الفضل منصور التميمي في كتابه المسمي بـ"المسافر" ونقله فيه عن نص الشافعي، وقال به أيضًا أبو العباس ابن سريج كما نقله عنه الدارمي في "الاستذكار"، وجزم به أبو حفص معمر ولد الإمام أبي العباس المذكور -أعني: ابن سريج- في كتابه المسمي "تذكرة العالم"، وابن سراقة في "التلقين"، وأبو الحسن بن خيران في "اللطيف"، وأبو الحسن الزجاجي في "تهذيبه"، والشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"، والقاضي الحسين والبندنيجي، وأبو الطيب في تعاليقهم، والصيمري في "شرح الكفاية"، والماوردي في "الإقناع"، والدارمي في "الاستذكار"، وسليم في "المجرد" و"الكافي"، والفوراني في "العمد" و"الإبانة"، والشيخ في "المهذب" و"التنبيه"، والمتولي في "التتمة"، وأبو الفرج السرخسي المعروف بالزاز في كتابه المسمى بـ"الأمالي"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة"، وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد"، والشاشي في "الحلية" و"المعتمد" و"الترغيب"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر"، ونصر المقدسي في "المقصود" وفي "الكافي"، والجرجاني في "الشافي"
стр. 3862
و"التحرير"، وابن عصرون في "المرشد" و"الانتصار"، وابن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح"، وصاحب "الذخائر" في تصنيفه في أدب القضاء المسمى "عمدة الأحكام" ونقله في "المطلب" أيضًا عن نص الشافعي.
نعم ذهب ابن الحداد إلى اعتبار السكني وأخذ به أبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" وابن الصباغ وصاحب "البيان" و"الذخائر" فيها خاصة فإنه خالف في أدب القضاء كما سبق فتبعهم الرافعي ثم النووي غير مطلعين على مجموع ما سبق.
الأمر الثاني: أن ذلك الغير الذى [تسقط] القسامة باختلاطه يشترط فيه أن لا تعلم صداقته للمقتول أو كونه من أهله، فإن كان كذلك لم تمتنع القسامة قاله ابن عصرون في كتبه الثلاث: "الانتصار" و"المرشد" و"التنبيه" وتدل عليه قصة جبير فإن المقتول فيها كان معه إخوته ومع ذلك شرعت القسامة.
قوله: ثم إن شهد العدل الواحد بعد دعوي المدعي فاللوث حاصل، وإن تقدم قول العدل على الدعوي فينبغي أن يكتفى به لحصول اللوث ولا يجعل السبيل فيه سبيل الشهادات المخصوصة بمجلس الحكم المسبوقة بالدعوي، وفي لفظ الكتاب إشعار به. انتهى كلامه.
وحاصله أنه لم يطلع في المسألة على نقل لأحد فأبدي ما أبداه تفقهًا، وقد صرح الإمام بالمسألة فنقل عن بعض الأصحاب أن سبيلها سبيل سائر الشهادات، ثم رأي هو لنفسه ما ذكره الرافعي، ثم قال في آخر ذلك ما نصه: وينتظم من مجموع ما ذكرناه مسلك أحببته واخترته ومسلك آخر للأصحاب. هذه عبارته.
وذكر أيضًا في الباب مثله فقال: أقول إن العدل الواحد الذي تقبل
стр. 3863
شهادته إذا أخبر بوقوع القتل على صيغة الإخبار ثبت اللوث؛ فإنا لا نشترط في ثبوته مراتب الخصومات. هذه عبارته.
وحكى أبو بكر بن داود الداودي [والمعروف بالصيدلاني [وجهين] في الاكتفاء بصيغة الخبر فتلخص] (١) أن المسألة مختلف فيها اختلافًا قديمًا.
واعلم أن النووي قد جزم في "الروضة" بما أبداه الرافعي بحثا فتفطن له.
قوله: ولو شهد جماعة تقبل روايتهم كعبيد ونسوة فإن جاءوا متفرقين فلوث وإن جاءوا دفعة فوجهان: أشهرهما المنع لاحتمال أنهم تواطئوا أو لقنوا، وأقواهما: أنه لوث. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في أصل "الروضة" قد أطلق التصحيح بأنه لوث ولم يذكر ما ذكره الرافعي من كونه بحثا وأن الجمهور على خلافه وهو عجيب لاسيما وقد نقل ابن الرفعة في "المطلب" عن الشافعي أيضًا [أنه ليس بلوث فتعين أن تكون الفتوي عليه.
الأمر الثاني] (٢): أنه يشترط مع مجيئهم متفرقين أن لا يمضي زمان يمكن فيه الاتفاق على ما صدر منهم وهو أن يتفرقوا ثم يخبروا فقد حكى صاحب "البيان" فيه وجهين، وأن أكثر الأصحاب على اشتراط ذلك، وهو ظاهر.
قوله: وفي "التهذيب" أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجميع، وفي "الوجيز": أن القياس أن قول واحد منهم لوث. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" والحكم ما ذكره البغوي من الاكتفاء بالاثنين؛
стр. 3864
فقد جزم به الماوردي ومثل بالنسوة ونقله عنه الروياني في "البحر" وارتضاه وجزم به أيضًا الخوارزمي في "الكافي" ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وأما ما نقله عن "الوجيز" واقتضي كلامه عدم الوقوف على نقله فقد صرح به في "الذخائر" فقال: فإن شهد به امرأة واحدة أو عبد واحد تقبل روايته، فقد اختلف فيه أصحابنا، فمنهم من قال: تقبل، وهو اختيار إمام الحرمين. هذا كلامه، وحكاهما أيضًا ابن يحيي في "المحيط".
стр. 3865
قال ﵀: الكلام في مسقطات اللوث
قوله: لكن لو قال الولي: القاتل أحدهم ولست أعرفه، لم يتمكن من القسامة وله أن يحلفهم، فإن حلفوا إلا واحدًا منهم فنكوله يشعر بأنه القاتل. انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من التحليف وتبعه عليه في "الروضة" خلاف الصحيح؛ فقد تقدم في أول الباب أنه لو قال الولي: قتله أحد هذين أو واحد من هؤلاء العشرة وطلب من القاضي أن يسألهم ويحلف كل واحد منهم فإنه لا يجيبه في أصح الوجهين للإبهام كمن ادعي دينًا على أحد رجلين.
والسبب فيما وقع فيه الرافعي هنا أن الغزالي في "الوجيز" ذكره هاهنا كذلك وهو ممن يصحح سماع الدعوي على غير المعين وهو وجه ضعيف فقلده الرافعي فيما ذكره هاهنا ذاهلًا عما تقدم فوقع فيما وقع.
قوله: ولو قال المدعي عليه بالقتل كنت غائبًا يوم القتل وأقام بينة بغيبته وأقام المدعي بينة بحضوره ففي "الوسيط" أنهما يتساقطان، وقال في "التهذيب": بينة الغيبة مقدمة لأن معها زيادة علم، وهذا عند الاتفاق على أنه كان حاضرًا من قبل. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح ما قاله البغوي فقد نقله الإمام عن أصحابنا مطلقًا وعبر بقوله فقد قال الأصحاب. إلا أنه ضعف مقالتهم ثم اختار ما حاصله أنهما يتعارضان حتى يسقطا على الجديد، وذكر مثله الغزالي في "البسيط"، واختصر في "الوسيط" فجزم بالتساقط وهو الذى وقف عليه الرافعي لا غير.
стр. 3866
الأمر الثاني: أنه قيد محل الخلاف بقوله في آخر كلامه إن هذا عند الاتفاق على الحضور قبل ذلك، ولم يبين الحكم عند عدم الاتفاق عليه، والمتجه فيه التعارض جزمًا لانتفاء التعليل بزيادة العلم.
قوله: ويعتبر في بينة الغيبة أن يقولوا إنه كان غائبًا إلى موضع كذا، أما إذا اقتصروا على أنه لم يكن هاهنا فهذا نفي محض لا تسمع الشهادة به. انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره وإن كان شهادة على نفي إلا أنه نفي محصور، وقد اختلف كلامه وكلام "الروضة" في قبول الشهادة بمثله، وسوف أذكره مبسوطًا في آخر أبواب الدعاوي في الباب المعقود لمسائل منثورة فراجعه.
والخلاف يجرى أيضًا في دعوي بعض الورثة غيبة القاتل إذا قلنا: أن التكذيب يبطل اللوث. قاله الماوردي وسكت الرافعي عما لو اقتصر الشهود على قولهم كان غائبًا، وكلام الغزالي يوهم أنه لا يكفي أيضًا، والمتجه الاكتفاء بذلك نظرًا إلى اللفظ وبه جزم أبو عبد الله الطبري في "العدة".
قوله: ولو شهد عدل أو عدلان أن زيدًا قتل أحد هذين القتيلين فليس بلوث لأن ذلك لا يوقع في القلب صدق ولي أحدهما. انتهى.
وهذا التعليل يؤخذ منه أن صورة المسألة فيما إذا لم يكن ولى القتيلين واحدًا، فإن كان كذلك كان لوثًا، وقد صرح به ابن يونس شارح "التنبيه" قال في "المطلب" ويقوي ما قاله إذا قلنا بالصحيح إن الواجب بالقسامة إنما هو الدية خاصة وكانت ديتهما متساوية.
قلت: ويؤيده أيضًا كلام ذكره الرافعي بعد هذا في الباب المعقود للشهادة على الدم فقال: وهل يجب في الأرش إذا أطلق الشهود أنه أوضح موضحة وعجزوا عن تعيينها؟ وجهان: أصحهما: نعم، لأن الأرش لا يختلف باختلاف محلها وقدرها، ويدل عليه ما نص عليه في "الأم"
стр. 3867
أنهما لو شهدا أنه قطع يد فلان ولم يعينا والمشهود له مقطوع اليدين لا يجب القصاص وتجب الدية.
ولو كان مقطوع يد واحدة والصورة هذه فهل تنزل شهادتهم على ما شاهدها مقطوعة أم يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف.
هذا كلام الرافعي.
قال في "الروضة": الصواب هنا الجزم بالتنزيل على المقطوعة.
قوله: فلو لم يوجد بالمقتول أثر أصلًا قال الصيدلاني وصاحب "التتمة": لا قسامة لاحتمال أنه مات فجأة، وهو المتوجه، وقال الروياني: إنها تثبت، وسياق كلام الإمام يشعر به. انتهى ملخصًا.
والمذهب المنصوص وقول الجمهور: ثبوت القسامة على خلاف المذكور هنا؛ فقد صرح بأنه لا يشترط الأثر بالكلية الدارمي في "الاستذكار"، والماوردي في "الحاوي"، وابن سراقة في "التلقين"، وابن القطان، وابن كج -على ما سنوضحه- والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وابن الصباغ في "الشامل"، والغزالي في "البسيط" و"الوسيط"، والشاشي في "المعتمد"، والروياني في "البحر"، والجرجاني في "الشافي"، والبندنيجي في "المعتمد"، والقاضي مجلي في "الذخائر"، وهو مقتضي كلام المحاملي في "المقنع"، والصيمري في "شرح الكفاية"، وسليم الرازي في "المجرد"، وأبو عبد الله الطبري في "العدة"، ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وتعبير "الوسيط" يدل على أنه مذهبنا لا غير؛ فإنه قال: لا يشترط عندنا خلافًا لأبي حنيفة، ونقله أبو الطيب والماوردي والروياني عن نص الشافعي، وكذلك ابن كج وابن القطان فإنهما نقلا في فروعهما عن الشافعي: أن الرجل إذا دخل دار أعدائه وجرح وسقط ومات فينظر إن كان قد أقبل وأدبر فلا لوث، لأنهم لو قتلوه لصرح
стр. 3868
به أو أشار إليه، وإن لم يقبل ولم يدبر فلوث لأن الظاهر أنه مات من جنايتهم بأن سقوه سمًا أو عصروا أنثييه وما أشبهه، وبهذا النص تندفع الآراء، وقد اغتر النووي بهذا الترجيح الضعيف الذى ذكره الرافعي على خلاف نص الشافعي والجمهور فصرح في "الروضة" بتصحيحه على عادته؛ فتفطن له واحذره.
وإذا تأملت كلام الرافعي علمت أنه لم يمعن النظر في هذه المسألة.
قوله: وكيفية القسامة أن يحلف المدعي خمسين يمينًا. ثم قال: فإن كان الوارث جماعة فقولان: أحدهما: أن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا، وأصحهما: أن الأيمان توزع عليهم على قدر مواريثهم لأنه ﷺ قال: "يحلفون خمسين يمينًا"، فلم يوجب على الجماعة إلا الخمسين. انتهى كلامه.
وأشار بذلك إلى الحديث الذى قدمه الرافعي قبيل ذلك وهو حديث جبير المعروف المتعلق بحويصة ومحيصة، والاستدلال به سهو لأن الوارث إنما هو أخو القتيل وهو أخو عبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة عماه، والحالف إنما هو الوارث، وإنما عبر النبي ﷺ بقوله يحلفون؛ لأن الحلف وإن صدر من واحد لكن بعد اتفاق مع العمين في العادة فإنهما قد حصرا معهما خائضين في القصة فعبر عن اتفاقهم على الحلف بالحلف مجازًا وهو مجاز سائغ حسن، والغريب أن الإمام قد نبه على ما ذكرناه فكيف غفل عنه الرافعي.
قوله: ولو غاب بعض الورثة فالحاضر بالخيار بين أن يصبر حتى يحضر الغائب ويحلف كل واحد قدر حصته وبين أن يحلف في الحال خمسين ويأخذ قدر حقه، فلو كان الورثة ثلاث بنين أحدهم حاضر فأراد أن يحلف حلف خمسين يمينا وأخذ ثلث الدية، فإذا قدم ثان حلف
стр. 3869
نصف الخمسين وأخذ الثلث، فإذا قدم الثالث حلف ثلث الخمسين ويكمل المنكسر وذلك سبعة عشر يمينا ويأخذ ثلث الدية، ولو قال الحاضر: لا أحلف إلا بقدر حصتي، لا يبطل حقه من القسامة حتى إذا قدم الغائب حلف معه بخلاف ما إذا قال الشفيع الحاضر لا آخذ إلا قدر حصتي فإنه يبطل حقه لأن الشفعة إذا أمكن أخذها فالتأخير تقصير مفوت واليمين في القسامة لا يبطل بالتأخير. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من أنه يجوز لبعضهم أن يحلف ويأخذ حصته يتجه إذا قلنا: إن تكذيب بعض الورثة لا يمنع القسامة وهو رأي البغوي.
فإن قلنا: يمنع -وهو الصحيح عند الرافعي والنووي- فيتعين انتظارهم لأن توافق الورثة شرط ولا نقول إن الأصل هو التوافق حتى نستند إليه، والبغوي ذكر هذا الفرع هنا على طريقته المتقدمة فوافقه عليه الرافعي ذهولًا عن مخالفته له أولًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه من بطلان الشفعة ليس كذلك أيضًا فقد مر هناك أن الصحيح أن الحاضر له أن يؤخر الأخذ إلى قدوم الغائب.
قوله في أصل "الروضة" وهنا صور أخرى في الخناثي تعلم من الضابط والمثال المذكور. حذفها اختصارًا ولعدم الفائدة فيها وتعذر وقوعها. انتهى.
اعلم أن هذا من زوائد النووي وأشار بذلك في حذفه من كلام الرافعي لهذه المعاني وما توهمه ﵀ من العلم بتلك الصور من الأمثلة السابقة غلط عجيب سببه عدم النظر فيها فتوهم أنها مجرد أمثله مع أن كثيرًا منها مسائل مقصودة وفيها خلاف الأصحاب ومباحث للرافعي ولغيره
стр. 3870
فلنذكرها فنقول: قال الرافعي: ولابن الحداد صور من هذه القاعدة.
منها: جد وولدان أحدهما مشكل. فالحكم فيها كالحكم فيما إذا خلاف ابنًا وولدًا خنثي.
والطريق فيهما أن يقال: إن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من اثنين، وإن كان أنثى فمن ثلاثة يضرب أحدهما في الآخر فتبلغ ستة فمنها تصح المسألة فيجعل المشكل أنثي في تحليف الجد حتى يحلف ثلثي الأيمان، وذكرًا في ميراثه حتى لا يأخذ إلا نصف الدية، ويجعل ذكرًا في تحليف نفسه حتى يحلف نصف الأيمان وأنثى في الميراث حتى لا يأخذ سوى الثلث.
ومنها: بنت وجد وولد أب مشكل، فإن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من أربعة، سهم للبنت، وسهمان للجد والأخ، وإن كان أنثى فهي من ستة: ثلاثة للبنت والباقي بين الجد والأخ بالأثلاث.
والمسألتان متوافقان بالنصف فيضرب أحد العددين في نصف الآخر يحصل اثني عشر فتحلف البنت نصف الأيمان بكل حال؛ لأن نصيبها لا يختلف بذكورة المشكل وأنوثته وتأخذ نصف الدية، ويحلف الجد ثلث الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ولا يأخذ إلا ربع الدية لاحتمال ذكورته، ويحلف المشكل ربع الأيمان لاحتمال ذكورته ولا يأخذ إلا السدس لاحتمال الأنوثة.
ومنها: جد وأخت من الأبوين ومشكل من الأب، وإن كان المشكل ذكرًا فالمسألة من خمسة وتصح من عشرة، لأن الأخ من الأب يرد على الأخت من الأبوين تمام النصف وهو سهم ونصف فتضرب الخمسة في مخرج النصف تصير عشرة، وإن كان أنثى فالمسألة من أربعة وتصح من اثنين لأن الأخت من الأب ترد ما معها إلى الأخت من الأبوين فيصير المال بينها وبين الجد نصفين فيحلف الجد نصف الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ولا
стр. 3871
يأخذ إلا خمسي الدية لاحتمال ذكورته، وتحلف الأخت من الأبوين نصف الأيمان وتأخذ نصف الدية لأن نصيبها لا يتغير بذكورة المشكل أو أنوثته، ويحلف المشكل عشر الأيمان ويوقف عشر الدية بينه وبين الجد فإن بان ذكرًا رد إليه وإن بان أنثي دفع إلى الجد.
وعن بعض الأصحاب: أنه لا يحلف المشكل لجواز أن يتبين أنثي فلا يكون له شيء من الميراث ولكن يوقف فإن بان أنثي فقد حلف الجد والأخت المستحقان تمام الأيمان، وإن كان ذكرًا حلف. عشر الأيمان ودفع العشر إليه.
وقال الشيخ أبو علي: والصحيح عند الجمهور ما قاله ابن الحداد؛ لأنا وإن حلفنا الجد والأخت تمام الأيمان فلا يتيقن أنهما مستحقان للجميع [فكيف] يأخذ من الجاني الدية بتمامها ولم يأخذ تمام الأيمان ممن يتيقن أنه يستحق تمام الدية بل يحلف المشكل عشر الأيمان وحينئذ فقد تمت الأيمان ممن يتيقن له الاستحقاق.
واعلم أن صاحب ذلك الوجه إن كان يقول: لا يجوز أن يحلف المشكل، لاحتمال أنه لا يرث شيئا فحقه أن يقول فيما إذا حلف ولدا خنثي وأخًا لا يحلف الأخ لمثل هذا الاحتمال، وإن كان يقول لا يكلف أن يحلف ويأخذ تسعة أعشار الدية ويوقف العشر باقيًا على من عليه ما تقدم هناك، ولو كان بدل الأخت من الأبوين أخ من الأبوين فيحلف الجد خمسي الأيمان لاحتمال أنوثة المشكل ويأخذ ثلث الدية لاحتمال ذكورته، ويحلف الأخ ثلثي الأيمان ويأخذ ثلاثة أخماس الدية بالعكس، وتصح من خمسة عشر.
ومنها جد وأخت من الأبوين ومشكل من الأبوين أيضًا فالمسألة على تقدير الذكورة من خمسة وبتقدير الأنوثة من أربعة فيضرب أحد العددين في
стр. 3872
الآخر يبلغ عشرين منها تصح فيحلف الجد نصف الأيمان لاحتمال أنوثة الخنثي ولا يأخذ إلا خمسي الدية لاحتمال ذكورته، وتحلف الأخت ربع [الأيمان] ولا تأخذ إلا خمس الدية، ويحلف المشكل الخمسين من الأيمان لاحتمال الذكورة ولا يأخذ إلا ربع الدية لاحتمال الأنوثة فمبلغ الأيمان ثمانية وخمسون والمأخوذ سبعة عشر من عشرين من الدية وتوقف ثلاثة أسهم؛ فإن بان الخنثي ذكرًا فهي له ليتم له الخمسان وإن بان أنثي فسهمان من الثلاثة للجد ليتم له النصف وسهم للأخت ليتم لها الربع.
قال القاضي أبو الطيب: لو أراد الجد والخنثي أن يصطلحا في السهمين من الثلاثة الموقوفة بينهما على أن يتبين حال الخنثي جاز، أو يصطلحا على التساوي أو التفاضل ولكن بشرط أن يجعل السهم الثالث للأخت فلا يوقف لأن الوقف إنما يكون بحق الجميع فلا يجوز أن يمكنا من التصرف في السهمين ويبقي الثالث على الوقف، وتوقف ابن الصباغ فيما ذكره وقال: السهمان اللذان اصطلحا عليهما لا حق للأخت فيهما فلا يلزم إسقاط حق الخنثي من السهم الذي يحتمل أن يكون له ويحتمل أن يكون للأخت.
هذا كلام الرافعي. ثم ذكر بعده مثالين آخرين ليس فيهما زيادة علم فلم أذكرها.
قوله: ولو كان مع المدعي شاهد واحد وارد أن يحلف معه فإن قلنا بتعدد اليمين مع الشاهد فلابد من خمسين يمينا، وإن قلنا لا تتعدد بل تتحد قال في "الوجيز": إن شهد على اللوث حلف معه خمسين، وإن شهد على القتل حلف يمينا واحدة. ولك أن تقول: هذا يشعر بالاكتفاء في اللوث بالشاهد الواحد، وما ينبغي للقاضي أن يكتفي به، فإن قول الواحد لا يصلح مثبتًا وما لم يثبت اللوث عند القاضي لا يمكنه البداءة بتحليف المدعي وكأن المراد إثبات الشاهد بما يقيد اللوث وهو الإخبار
стр. 3873
عن القتل بدون صيغة الشهادة، لكن لفظ "الوسيط" بعيد عن هذا التأويل. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله الرافعي عن "الوجيز" خاصة وتوقف فيه قد أطلق نقله في "الروضة" فلم يضفه إلى "الوجيز"، ثم إنه أيضًا لم يذكر فيه توقفًا فقال: فإن قلنا تتحد اليمين، فإن جاء بصيغة الإخبار أو شهد على اللوث حلف معه خمسين وإن جاء بلفظ الشهادة وحافظ على شرطها حلف معه يمينا واحدة.
هذا لفظه، وهو اختصار عجيب.
الأمر الثاني: أن تعبير النووي أيضًا بقوله: وإن جاء بلفظ الشهادة وحافظ. . . . إلى آخره تعبير ناقص مؤذن باشتباه الأمر عليه فإنه لم يذكر المشهود به وهو القتل فأوهم أن المراد اللوث.
قوله: حتى لو مات من عليه دين ولا تركة له فقضاه الورثة من مالهم لزم المستحق قبوله، بخلاف ما لو تبرع به أجنبي، قال الإمام: وغالب ظني أني رأيت فيه خلافًا. انتهى.
وهذا الكلام لا يعلم منه أن الخلاف راجع إلى المسألة الأولي أو الثانية، وقد بينه في "النهاية" وصرح بأنه في الوارث خاصة، وكذا ذكره الغزالي في "البسيط" فقال: المذهب وجوب القبول.
قوله: قال الإمام: ولو أوصي لإنسان بمال ومات فجاء من يدعي استحقاقه هل يحلف الوارث لتنفيذ الوصية؟ فيه احتمالان. انتهى.
تابعه في "الروضة" على ذلك وفيه أمران:
أحدهما: أن محل هذين الاحتمالين فيما إذا كانت العين في يد الورثة، فإن كانت في يد الموصي له فهو الحالف جزمًا. كذا صرح به
стр. 3874
في "المطلب".
الأمر الثاني أن الإمام قد رجح منهما الحلف فقال: إنه متجه حسن فقيه، وقال في الآخر: يجوز أن يقال كذا وكذا، ولم يزد عليه، وقد ذكر الماوردي والروياني أيضًا المسألة وجزما بأن الوارث يحلف، وقد ذكر في أوائل باب الشاهد واليمين فرعًا آخر قد يشتبه بهذا وهو غيره كما سيأتي إيضاحه.
قوله: نقلا عن الإمام: فالأيمان لا تجب قط. انتهى.
وما ذكره الإمام قد جزم به في "الروضة" وفيه تفصيل متعين استدركه عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنبه عليه إن شاء الله تعالى في الدعاوي.
قوله: ولو شهد شاهدان أنه قطع يد فلان ولم يعينا اليد فوجدناه مقطوع يد واحدة فهل تنزل شهادتهما على ما شاهدناها مقطوعة أم يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف. انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" فقال: الصواب التنزيل وما ذكره واقتضي كلامهما عدم الوقوف على نقله قد ذكره الماوردي وجزم بالتنزيل، وهو مقتضي كلام الغزالي أيضًا، وقد سبق ذكر المسألة قبل ذلك لغرض آخر.
قوله: وتعليم السحر وتعلمه حرام عند الأكثرين، وقيل: لا كما لا يحرم تعلم [مقالة] (١) الكفرة وهو ما أورده في "الوسيط". انتهى.
والنقل في "الوسيط" في هذا الباب هو ما ذكره الرافعي ولكنه قد جزم في كتاب الإجارة من "الوسيط" أيضًا بالتحريم كما قاله الجمهور.
قوله في "الروضة": قد ملفوفًا وادعي أنه كان ميتًا، فالمصدق
стр. 3875
الولي في أظهر القولين.
ثم قال: فإن صدقناه -يعني الولي- فحلف فله الدية، وفي القصاص وجهان؛ قال الشيخ أبو حامد: لا؛ للشبهة، وقال الماسرجسي والقاضي أبو الطيب وغيرهما: يجب القصاص لأنه مقتضي تصديقه. انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على الوجوب لكنه قد ذكر قبل ذلك في باب اختلاف الجاني ومستحق الدم من زوائده ما يخالفه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
стр. 3876
كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات
وهي سبع:
الجناية الأولى: البغي
قوله: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله (١).
وما روي أنه ﷺ قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (٢).
وأنه قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا" (٣) وأنه قال: "من خرج عن الطاعة فميتته جاهلية" (٤).
محمولة على من خالف بلا عذر. انتهى.
أما المَنْشَط: فهو بميم مفتوحة بعدها نون ساكنة ثم شين معجمة مفتوحة.
قال ابن الأثير (٥): هو مفعل من النشاط؛ وهو الأمر الذى ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله.
وأما المكره: فهو على وزن مفعل أيضًا.
وأما قيد شبر بكسر القاف فمعناه: قدر شبر.
стр. 3877
وأما ربقة: فهو براء مهملة مكسورة ثم باء موحدة ساكنة بعدها قاف؛ وهي العروة التي في الحبل؛ وذلك أن صغار الغنم إذا أرادوا ربطها أخذوا حبلًا فجعلوا فيه عري ثم أدخلوا رأس كل واحدة في عروة، وتسمى كل واحدة من تلك العري ربقة، ويسمى الحبل نفسه ربقًا أي: بغير تاء التأنيث.
وأما الميتة بكسر الميم وهي هيئة الموت وحالته.
قوله: [ويشترط] أن يكون الإمام شجاعًا ليحمي البيضة، ذا رأي؛ فالرأي قبل شجاعة الشجعان.
ثم قال: فلا يصلح الناس فوضي. انتهى.
قال ابن الأثير (١): بيضة الإسلام: مستقر دعوته وموضع سلطانه ومكان اجتماعه، ويقال لها: الحوزة، أيضًا يقال فلان مانع لحوزته أي: لما في حيزه، والحوزة فعلة منه.
وأشار بقوله: فالرأي قبل شجاعة الشجعان إلى قول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
وأشار بقوله: فلا يصلح الناس فوضي إلى قول [الأفوه] الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبني إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
وفوضى: بفاء مفتوحة وواو ساكنة وضاد معجمة بعدها ألف.
قال الجوهري: تقول: قوم فوضي، إذا كانوا متساويين لا رئيس لهم، ثم أنشد بيت الأفوه السابق ذكره.
قوله: وفي عدد الذين تنعقد الإمامة ببيعتهم وجوه:
أحدها: أربعون.
стр. 3878
والثاني: أربعة.
والثالث: ثلاثة؛ لأنها مطلق الجمع.
والرابع: اثنان؛ لأن أقل الجمع اثنان.
والخامس: واحد.
والسادس -وهو الأصح- أن المعتبر بيعة أهل الحل والعقد ولو كان واحدًا. انتهى.
وما ذكره في تعليله هذا الوجه من أن أقل الجمع اثنان ذكره كذلك القاضي الحسين في "تعليقته" ثم البغوي في "تهذيبه" فقلده فيه الرافعي وهو خلاف المشهور من مذهب الشافعي ومخالف لما جزم به أيضًا في مواضع منها الوقف على الفقراء غير المحصورين أو الوصية لهم وقسم الصدقات.
قوله: وهل يشترط في البيعة حضور شاهدين؟ فيه وجهان حكاهما في "البيان".
قال في "الروضة" من زوائده: الأصح أنه لا يشترط إن كان العاقدون جميعًا، وإن كان واحدًا اشترط ذلك، والمراد بالواحد أي: المطاع كما سبق.
وقوله: ويشترط في انعقاد الإمامة أن يجيب الذى يبايعوه، فإن امتنع لم تنعقد إمامته ولم يجبر عليها. انتهى.
ومحل ما ذكره فيما إذا كان هناك غيره، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد أجبر، وقد ذكر الرافعي في نظير هذه الصورة من القضاء خلافًا، وحكى عن الأكثرين أنه يجوز ثم استشكله، وسوف أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وادعى في "الروضة" هنا من زوائده أنه يجبر بلا خلاف، والقياس
стр. 3879
تخريجه على الخلاف في القضاء إلا أن يفرق بأن أمر الإمامة أهم.
قوله: وتنعقد الإمامة أيضًا باستخلاف الإمام من قبل وعهده إليه كما عهد أبو بكر إلى عمر ﵄، وانعقد الإجماع على جوازه. انتهى.
وما نقله من الإجماع مردود؛ فإن فيه وجهين حكاهما الهروي في "الإشراف" فقال: ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز إلا أن الناس؛ لأن أبا بكر استرضي الناس فرضوا وسكتوا، ولأن معاوية لما استخلف ولده قيل له: قد جعلت الخلافة إمارة كسروية يرد الأب على الابن. هذا كلام الهروي.
وحكى الماوردي والروياني كلاهما في كتاب الوصاية عن بعضهم: أنه لا يصح إلا بالرضا، ورضاهم أن يعلموا به فلا ينكروا، كما وقع في استخلاف أبي بكر لعمر، وحكاه أيضًا الماوردي في "الأحكام السلطانية"، والإمام في "العتابي" وهو قريب من الأول.
قوله: قال صاحب "التهذيب": والاستخلاف أن يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعد موته، ولو أوصى له بالإمامة من بعده ففيه وجهان لأنه بالموت يخرج عن الولاية فلا يصح منه توليه للغير.
ولك أن تقول أولا هذا التوجيه مشكل بكل وصاية، ثم ما ذكره من جعله خليفة في حياته إما أن يريد به استنابته فلا يكون هذا عهدًا إليه بالإمامة، أو يريد به جعله إمامًا في الحال فهذا إما خلع النفس أو فيه اجتماع إمامين في وقت واحد، أو يريد به أن يقول جعلته خليفة أو إمامًا بعد موتي، فهذا هو معني لفظ الوصية ولا فرق بينهما. انتهى كلامه.
ولم يذكر ﵀ في كيفية الاستخلاف غير هذه المقالة التي للبغوي،
стр. 3880
وقد ظهر لك من كلامه -أي: كلام الرافعي- أنه لا فرق بين الوصية وبين أن يقول جعلته خليفة أو إمامًا بعد موتي، وقد اختصره في "الروضة" على غير وجهه، فإن مقالة البغوي المذكورة أولا لم يحكها بالكلية بل حكي شيئًا آخر، وذكر أيضًا ما يقتضي أن الرافعي يغاير بين الوصية بها وبين العقد بها له بعد موته فقال: والاستخلاف أن يعقد له في حياته الخلافة بعده، فإن أوصي له بالإمامة فوجهان حكاهما البغوي.
هذا لفظه من غير زيادة عليه. واعلم أن ما ذكره البغوي قد أخذه من "تعليقه" شيخه القاضي الحسين؛ فإنه قال: وإذا استخلف الإمام واحدًا في مرضه خلفه بعد وفاته فيما كان يتولاه؛ لأنه لما خلفه في العجز الأوهى فلأن يخلفه في حال العجز الأقوي أولي.
وإذا أوصي إلى واحد بالإمامة بعده فوجهان: أحدهما: يجوز كما إذا استخلف في حياته. والثاني: لا لأنه بالموت خرج عن أن يكون صالحًا للإمامة، ولم ينعقد الاستخلاف قبله. هذا كلامه.
وقد علمنا به مراد البغوي وإن كان كلام "الروضة" غير مطابق له بالكلية؛ فتفطن لذلك كله.
وليس فيه ما يدل على أن الخليفة ينوب عن المستخلف في حال الحياة حتى يخرج ثبوت ولايته بعد الموت على انعزال ثواب الإمام بموته، بل معناه أنه صار في حياته خليفة بعد موته، والمحذور من اجتماع خليفتين ما يترتب على ذلك من اختلاف الكلمة، وليس ذلك في مسألتنا لأن أحدهما فرع عن الآخر وتصرفه موقوف على موته، وإنما جوزنا ذلك لاتفاق الصحابة عليه ومسيس الحاجة إليه جمعًا للكلمة ومنعًا للطالبين.
قوله: نقلًا عن الماوردي من غير اعتراض عليه: وإنه إذا خلع الخليفة نفسه كان كما لو مات فتنتقل الخلافة إلى ولي العهد، ويجوز أن
стр. 3881
يفرق بين أن يقول: الخلافة بعد موتي لفلان أو بعد خلافتي. انتهى كلامه.
زاد النووي فقال: قلت: توقف إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" في انعزال الإمام بعزل نفسه، والله أعلم.
والذي ذكره النووي أصلًا وزيادة يقتضي أن ما ذكره الماوردي هو المعروف وأنه لم يظفر بما يخالفه إلا هذا التوقف المذكور عن الإمام، وهو غريب؛ فقد ذكر المسألة بعد هذا بنحو ورقة من "الروضة" فقال: ولو خلع الإمام نفسه نظر إن خلع لعجزه عن القيام بأمور المسلمين لهرم أو مرض أو نحوهما انعزل، ثم إن ولي غيره قبل عزل نفسه انعقدت ولايته وإالا فيبايع الناس غيره.
وإن عزل نفسه بلا عذر ففيه أوجه: أصحها: لا ينعزل، وبه قطع صاحب "البيان" وغيره.
والثاني: ينعزل لأن إلزامه الاستمرار قد يضره في آخرته ودنياه.
والثالث: وبه قطع البغوي-: إن لم يظهر عذرًا بعزل نفسه ولم يول غيره أو ولي من هو دونه لم ينعزل، وإن ولي مثله أو أفضل ففي الانعزال وجهان.
هذا لفظ "الروضة". ولم يطلق الرافعي التصحيح وإنما حكى ما صححه النووي عن صاحب "البيان" وغيره.
قوله أيضًا نقلًا عنه: وإنه إذا عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب فقال الخليفة بعد موتي فلان وبعد موته فلان جاز وانتقلت الولاية إليهم على ما رتب كما رتب رسول الله ﷺ أمراء جيش مؤتة. انتهى.
وترتيب الأمراء المذكورين اختلف فيه كلام الرافعي فذكر في الباب الرابع من أبواب الوصية خلاف ما ذكره في الباب الأول من أبواب الوكالة، وقد سبق ذكر لفظ البابين في موضعهما وبينا وجه الصواب فيه.
стр. 3882
ومؤتة: بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم تاء بنقطتين من فوق: موضع بالشام قريب من الكرك وفيه مشهد عظيم في موضع الوقعة. فيه قبور الأمراء المذكورين ﵃.
قوله: ولو سبق أحدهما وتعين واشتبه وقف الأمر حتى يظهر، فإن طالت المدة ولم يمكن الانتظار فقد ذكر الماوردي أنه تبطل البيعتان وتستأنف بيعة لأحدهما، وفي جواز العدول إلى غيرهما خلاف. انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة": المنع.
قوله: وهل للإمام عزل ولي العهد؟
قال المتولي: نعم، والماوردي: لا، لأنه ليس ثابتًا له بل المسلمين. انتهى.
والأصح هو الثاني. كذا صححه للإمام في "العتابي" والنووي في "زوائده".
قوله: ثم إن صرحوا بسب الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا، وإن عرّضوا ففي تعزيرهم وجهان. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح عدم التعزير.
كذا جزم به المحاملي في "المقنع" والبغوي في "التهذيب" والشيخ أبو إسحاق في "التنبيه"، وصححه الجرجاني في "التحرير"، وكلام "الروضة" يشعر به؛ فإنه قال: الأصح أنهم لا يعزرون قاله الجرجاني وقطع به في "التنبيه".
ويقتضي أنه لم يقف على ترجيح لغير هذين، ولا شك أن الأكثرين ساكتون عن الترجيح.
ممن سكت عنه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والماوردي في "الحاوي"
стр. 3883
وسليم الرازي في "المجرد" والإمام في "النهاية" والشاشي في "الحلية" والجرجاني في "الشافي" والروياني في "البحر" والعمراني في "البيان"، واستدل الإمام على التعزير بأن التعريض حرام، وشذ أبو نصر البندنيجي فجزم في كتابه العمد بالتعزير، وصححه ابن عضرون في "الانتصار".
قوله: ولو بعث إليهم واليًا فقتلوه فعليهم القصاص.
وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطريق لأنه شهر السلاح؟ أم لا. لأنه لم يقصد إخافة الطريق؟ وجهان. انتهى.
والأصح في "زوائد الروضة": إنه لا يتجه.
قوله: وإن كان لهم قاض قال المعتبرون من الأصحاب: ينظر إن كان يستحل دماء أهل العدل لم ينفذ حكمه لأنه ليس بعدل ومن شرط القضاء العدالة، ومنهم من يطلق نفوذ قضائهم رعاية لمصلحة الرعايا، وصرح مصرحون أن من ولاه صاحب الشوكة نفذ قضاؤه وإن كان جاهلًا أو فاسقًا كقضاء أهل البغي، وإن لم يكن قاضيهم يستحل الدماء والأموال نفذ حكمه.
ثم قال: وعندنا ليس البغي بفسق على ما قدمناه، ومن الأصحاب من قسم البغي إلى ما هو فسق وإلي ما ليس بفسق، ويرد قضاء الباغي الذي بغيه فسق. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره أولًا صريح في أن الباغي الفاسق ببغيه لا ينفذ قضاؤه، وهو مخالف لكلامه في كتاب القضاء فإنه حكى هذا وجهًا وأبداه في صورة المستغرب ومثل بأهل الهروان وهم ممن يستحل الدماء والأموال، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن ما ذكره آخرًا يقتضي تصحيح انتفاء الفسق بالكلية عن البغي
стр. 3884
وجزم في كتاب القضاء بانقسامه إلى فسق وغيره، ولكن حكي الخلاف في صحة قضائه وسنذكره أيضًا.
وقد ذكر في كتاب الشهادات وكذلك النووي ما حاصله أنه لا فرق بين من يستحل الأموال والدماء في تنفيذ قضائه أم لا ونقله عن نص الشافعي فإنه نص على قبول شهادته وإن اتصف هذا الوصف، وذلك كله على خلاف المذكور هنا وهو الصواب أيضًا لموافقة النص.
قوله: وإن كتب قاضيهم بسماع البينة دون الحكم المبرم فهل يحكم قاضينا به؟ ، فيه قولان: أحدهما: لا لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم، وأصحهما: نعم. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وخالف في "المحرر" فحكاه وجهين فقال: ويحكم بكتاب سماع البينة في أصح الوجهين.
هذا لفظه. وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: ولو أتلف البغاة أو من لهم شوكة شيئًا في حال القتال فلا ضمان عليهم في أصح القولين ترغيبًا في تسكين الفتنة.
ولو ارتدت طائفة لهم شوكة وأتلفوا مالًا أو نفسًا في القتال ثم تابوا وأسلموا ففي ضمانهم القولان: أشهرهما -عن بعضهم- لا ضمان، وخالفه البغوي. انتهى.
وما ذكره في المرتدين قد ذكر نحوه في كتاب الردة، ولم يصرح في البابين بتصحيح، والصحيح وجوب الضمان كما أوضحته هناك فراجعه.
قوله: ولا يقتل أسيرهم، فلو قتله عادل ففي وجوب القصاص عليه وجهان لشبهة خلاف أبي حنيفة. انتهى.
стр. 3885
والأصح أنه لا قصاص؛ فقد نقله في "البحر" عن نص الشافعي في "البويطي" وصرح بتصحيحه النووي من "زوائده" غير مطلع على هذا النص، ونقل أيضًا في "البحر" قبل ذلك بأوراق أن الشافعي نص فيه على أنه لا قصاص أيضًا على قاتل المدبر ولا على المذفف على الجريح لشبهة أبي حنيفة؛ فإنه جوز ذلك فيهما أيضًا، ولم يتعرض الرافعي لذلك إلا أن المسائل الثلاث متقاربة في المعنى.
قوله في أصل "الروضة": ولو انقضت الحرب وجمعوهم باقية لم يطلق الأسير إلا أن يبايع، وإن بذل الطاعة أو تفرقت جموعهم أطلق.
ثم قال: هذا في أسير هو أهل للقتال، فأما إذا أسُر نساؤهم وأطفالهم فيحبسون إلى انقضاء القتال ثم يطلقون هذا هو الأصح. انتهى.
وما ذكره في النساء والصبيان قد جزم في "المنهاج" بعكسه فقال: ولا يطلق وإن كان صبيًا أو امرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم. هذا لفظه.
والرافعي سالم من هذا الاختلاف؛ فإنه جزم في "المحرر" بمثل ما جزم به في هذا الكتاب -أعني: الشرح- فقال: ولا يطلق الأسير قبل انقضاء الحرب ولا بعد الانقضاء إذا كانت جموعهم باقية إلا أن يرجع إلى الطاعة باختياره، وإذا وقع نساؤهم وصبيانهم في الأسر حبسوا إلى انقضاء القتال ثم يخلون.
هذا لفظه فاختصره في "المنهاج" على غير ما هو عليه؛ فتحرر أن الصواب هو المذكور في غير "المنهاج".
قوله: حتى إنه -يعني: عليا- ﵁ قتل بنفسه ليلة الهرير ألفًا وخمسمائة. انتهى.
стр. 3886
والهرير: بهاء مفتوحة ثم راء مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها راء مهملة هي والتي قبلها؛ وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وكان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك، وقيل: هي ليلة صفين بين على ﵁ ومعاوية.
وصفين: بصاد مهملة مكسورة بعدها فاء مشددة ثم ياء ثم نون؛ وهي اسم لمكان الوقعة.
وقد ذكر هنا ألفاظا أخرى.
منها: ابن ملجم قاتل على ﵁، اسمه عبد الرحمن، وملجم: بضم الميم وفتح الجيم، هو من بني مراد وكان من الخوارج.
ومنها: الاصطلام: ومدلوة الاستئصال وهو افتعال من الصلم وهو استئصال الأذنين؛ يقال: صلمت أذنه أصلمتها صلما على وزن ضربت أضرب ضربا إذا استأصلها فهو أصلم.
قوله في أصل "الروضة": السادسة: لو استعان البغاة علينا بأهل الحرب وعقدوا لهم ذمة ليقاتلوا معهم لم ينفذ أمانهم علينا فلنا أن نقتلهم مدبرين.
ثم قال: فلو قالوا: ظننا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو ظننا أنهم المحقون، أو ظننا أنهم استعانوا بنا في قتال الكفار، فوجهان: أصحهما أنا نبلغهم المأمن. انتهى.
وهذا الذي ذكره فيما إذا قالوا ظنناهم محقين له شرط آخر وهو أن يقولوا: ظننا أيضًا أن لنا إعانة المحق؛ كذا صرح به الرافعي في الشرحين "الكبير" والصغير ولكن أهمله من "الروضة" ولم يتعرض له أيضًا في "المحرر".
стр. 3887
الجناية الثانية: الردة
قال: الجناية الثانية: الردة.
قوله: وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالمًا وقادرًا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الانفصال والاتصال، أو استحل محرمًا بالإجماع أو حرم حلالًا بالإجماع، أو نفي وجوب شيء مجمع على وجوبه أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كفر. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المجسمة ملتزمون بالألوان والاتصال والانفصال مع أننا لا نكفرهم على المشهور كما دل عليه كلام الرافعي في الشهادات ووافقه عليه في "الروضة" لكن جزم النووي في باب صفة الأئمة من "شرح المهذب" بتكفيرهم؛ ذكر ذلك قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة.
الأمر الثاني: أن جحد المجمع عليه ليس بكفر على الإطلاق بل فيه تفصيل سبق في باب تارك الصلاة.
قوله: وفي كتب أصحاب أبي حنيفة اعتناء تام بتفصيل الأقوال والأفعال المقتضية للكفر وأكثرها مما يقتضي إطلاق أصحابنا الموافقة عليه.
فمنها: إذا قال: لو أعطاني الله تعالى الجنة ما دخلتها. كفر.
وكذا إذا قرأ القرآن على ضرب الدّف أو القضيب.
أو قيل له: تَعلمِ الغيب؟ فقال: نعم.
стр. 3888
واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح العقعق فرجع.
ولو حضر جماعة وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبهًا بالمذكرين -أي: الوعاظ- فسألوه المسائل وهم يضحكون منه ثم يضربونه بالمخراق، أو تشبه بالمعلمين فأخذ خشبة وجلس القوم حوله كالصبيان وضحكوا أو استهزءوا كفر.
وكذا لو قال النصرانية خير من المجوسية، أو عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله. فقال آخر: لا تقل [للسلطان] هذا، أو يسقي فاسق ولده الخمر فينثر أقرباؤه الدراهم والسكر.
وكذا إذا تمني ما لم يحل في زمن كتحريم الظلم والزنا أو شد الزنار على وسطه، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه والصحيح أنه يكفر.
ولو شد على وسطه [حبلا فسأل عنه فقال هذا زنار فالأكثرون على أنه يكفر. أو شد على وسطه] (١) زنارًا ودخل دار الحرب للتجارة كفر. انتهى.
والحق ما قاله في "الروضة" أن الصواب في جميع هذه المسائل أنه لا يكفر بشيء منها إذا لم تكن له نية.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في أوائل الجنايات في الطرف الرابع ما حاصله أن لبس زي الكفار لا يكون ردة، ونقل عن صاحب التهذيب أن تعظيم آلهتهم كذلك أيضًا وأقره ولم يبين النوع الذى حصل به التعظيم بل أطلق اللفظ وقد سبق هناك ذكره مع ما ذكره هنا مما ظاهره المعارضة.
واعلم أن هذه المسائل إنما جمعت بعضها إلى بعض وإن كان في خلالها مسائل أخرى فيها كلام لاشتراكها في ظهور عدم التكفير وتصويب النووي
стр. 3889
لذلك في جميعها كما ذكره على خلاف ما أشعر به إيراد الرافعي حيث ارتضاه ولم يرده، وقد ذكر الرافعي مسائل بالفارسية فحذفها النووي.
واعلم أن المخراق بميم مسكورة ثم خاء معجمة وبالراء المهملة وبالقاف هو المنديل يلف ويضرب به. قاله الجوهري.
قوله في الروضة: ولو قال: لو كان فلان نبيًا آمنت به كفر. انتهى.
كذا شاهدته بخط المصنف آمنت بدون ما النافية قبلها، وهو كذلك في بعض نسخ الرافعي، وفي بعضها: ما آمنت بإثبات ما وهو الصواب.
قوله: ولو قيل له: قَلّم أظفارك فإنه سنة رسول الله ﷺ ، فقال: لا أفعله وإن كان سنة. كفر.
قال في "الروضة": المختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء.
قوله: واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدًا أو مع ثوب نجس أو إلى غير القبلة؛ قال في الروضة: مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكفر إن لم يستحله. انتهى.
وهذا الذي يقتضيه كلامه من الكفر إذا استحل الصلاة مع الثوب النجس ممنوع فإنه ليس مجمعًا على المنع منه، بل قد ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز وأن إزالتها سنة. منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وهي إحدى الروايات عن مالك ﵀، وقد ذكر النووي في كتاب الصلاة من "شرح المهذب" ذلك.
قوله: ولو قيل له: يا يهودي يا مجوسي فقال: لبيك؛ كفر، ولو أسلم كافر فأعطاه الناس أموالا فقال مسلم: ليتني كنت كافرًا، فأسلم حتى أعطي، قال بعض المشايخ: يكفر.
قال في "الروضة": في الحكم بالكفر في المسألتين نظر.
стр. 3890
قال: وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في قصة أسامة ﵁ حين قتل من نطق بالشهادة فقال له النبي ﷺ "كيف صنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ" (١). ويمكن الفرق بينهما، والله أعلم.
الطرف الثاني: فيمن تصح ردته.
قوله: ولا تصح ردة صبي ولا مجنون ومن ارتد ثم جن لا يقتل في جنونه، وكذا من أقر بالزنا ثم جن لا يقام عليه الحد لأنه قد يرجع عن الإقرار، بخلاف ما لو أقر بقصاص أو حد قذف ثم جن فإنه يستوفي في جنونه لأنه لا يسقط برجوعه، وبخلاف ما لو قامت بينة بزناه ثم جن.
قال البغوي: هذا كله على سبيل الاحتياط، فلو قتل في حال الجنون أو أقيم عليه الحد فمات لم يجب بشيء. انتهى.
وما نقله عن البغوي وسكت عليه قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" (٢) وظاهره الاستحباب، وهو غير مستقيم بالنسبة إلى المرتد؛ فإنه تصحيح وجوب الاستتابة ينفيه.
قوله: وتصح ردة السكران على المذهب كما سبق في طلاقه، فإن صححناها فارتد في سكره أو أقر بالردة وجب القتل، لكن لا يقتل حتى يفيق فيعرض عليه الإسلام. وفي صحة الإستتابة في السكر وجهان حكاهما البغوي: أحدهما: نعم؛ لكن يستحب أن تؤخر إلى الإفاقة.
والثاني: المنع، وهو المذكور في "الشامل" لأن الشبهة لا تزول في ذلك الحال، ولو عاد إلى الإسلام في السكر صح إسلامه وارتفع حكم الردة. انتهى كلامه.
فيه أمران: