عضوًا كيدٍ ورجلٍ بجراحة مدفقة ومات في الحال حل العضو وباقي البدن، فإن لم تكن الجراحة مدفقة فأدركه [صاحبه] (١) وذبحه أو جرحه جرحًا آخر مدفقا، فالعضو حرام لأنه أُبين من حي وباقي البدن حلال، وإن مات من تلك الجراحة ولم يتمكن من الذبح حَلّ باقي البدن، وفي العضو وجهان:
أحدهما: الحِل لأن الجرح السابق كالذبح للجملة.
وأصحهما: التحريم لأنه أُبين من حيّ. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من تصحيح التحريم ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فصحح الجواز، وعَبّر بلفظ: الأصح أيضًا، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج".
قوله: كما يكتفي بالمشي بلا عدو في السعي إلى الجمعة وإن عرف التحرم بالصلاة بأماراته. انتهى.
ومقتضى ما ذكره أنه لا فرق بين أن تفوت معه الجمعة أم لا، وقد صَرّح به الماوردي في باب الجمعة من كتابه المسمى بـ"الإقناع" وحذف النووي هذه المسألة من "الروضة".
قوله: لو أرسل كلبًا في عنقه قلادة محددة فجرح بها الصيد حَلّ كما لو أرسل سهمًا قاله في "التهذيب".
وقد يُفْرق بأنه قصد بالسهم الصيد ولم يقصده بالقلادة. انتهى.
وهذا الفرق قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا لكن القاضي الحسين قد ذكر المسألة في "تعليقه" وصورها بما إذا علم الكلب أن يضرب بتلك الحديدة، قال: لأنه يصير كناب الصيد وإرسال الكلب. انتهى.
стр. 4062
و"التهذيب" مختصر تعليقة شيخه المذكور فهو مراده، إلا أنه لم يوضحه لكونه مختصرًا.
قوله: الثانية: إذا ظهر كون الكلب معلمًا ثم أكل من لحم الصيد حرم في أصح القولين.
ثم قال: قال الإمام: وكنت أود لو فصل مفصل بين أن يَنْكَفّ زمانًا ثم يأكل، وبين أن يأكل كما أخذ، فإن الزمان إذا تمادى بعد الإنكفاف ولم يتعرضوا له. انتهى.
وهذا الذي ذكره الإمام بحثًا وادعى أنهم لم يتعرضوا له قد ذكره الجرجاني في كتابيه "الشافي" و"التحرير"، فقال واللفظ "للتحرير" ما نصه: وإن أكل الكلب من الصيد غير متصل بالعقر حَلّ وإن أكله متصلًا بالعقر فعلى قولين: أصحهما: يحل. هذا لفظه.
قوله: وذكر الغزالي أن ما يقتله الفهد والنمر حرام لأنهما لا يتعلمان، ثم قال: وهذا خلاف ما نَصّ عليه الشافعي والأصحاب فإنهم جعلوهما مما يصطاد من السباع كالكلب. انتهى كلامه.
وما ذكره في النمر من كونه يصلح للصيد حتى يؤكل ما قتله قد خالفه في أول كتاب البيع في الكلام على اشتراط النفع فجزم بأنه لا يصح بيعه لأنه لا يصلح للصيد، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه فإنه غريب وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: قال الإمام: ولو رمى إلى شاته الربيطة -أي المربوطة- آلة جارحة فأصاب الحلقوم والمرئ وفاقًا وقطعهما ففي حِلّ الشاة مع القدرة على إمرار السكين نظر، ويجوز أن يفرق بين أن يقصد المذبح بما يرميه وبين أن يقصد
стр. 4063
الشاة فيصيب المذبح. انتهى كلامه.
والصحيح في هذه المسألة هو الحل، فقد قال الرافعي بعد ذلك في أوائل الفصل الثاني المعقود للاشتراك في الجرح: إنه الظاهر.
وقال في "الروضة" هنا من "زوائده": إنه الأرجح. ولم يعزه للرافعي ولم يصرح به هناك فأشعر كلامه أن لا ترجيح في المسألة للرافعي.
قوله: ولو قصد بالرمي ظبية فأصاب غيرها فوجهان: أصحهما وبه قال أبو حنيفة: إنها تحل لوجود قصد الصيد.
والثاني: المنع، وبه قال مالك. انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح الحِل، وهذا الذي صححاه خلاف ما نص عليه الشافعي فإنه قال في "البويطي" في باب السُّنة في الصيد ما نصه: وإن نوى صيدًا بعينه في جماعة صيد فقتل [آخر] (١) فلا يأكل، وقد قيل: يأكل. هذا لفظه بحروفه ومن "البويطي" نقلته.
قوله: وإن جرحه جرحًا لم يقتله ثم غاب عنه فوجده ميتًا وليس عليه أثر جراحة أخرى ففي الحِل قولان:
أصحهما عند البغوي: الحل؛ لكن أصحابنا العراقيون وغيرهم إلى ترجيح التحريم أميل. انتهى.
صحح "النووي" أيضًا في "المنهاج" التحريم، وقال في "الروضة" من "زوائده": الحل أصح دليلًا وصححه [أيضًا] (٢) الغزالي في "الإحياء" وثبتت فيه أحاديث صحيحة ولم يثبت في التحريم شيء وعلق الشافعي الحِل على صحة الحديث، والله أعلم.
стр. 4064
وللمسألة نظائر منها: إذا مَشّط المُحْرِم رأسه فانتتف منها شعر وشك هل انتتف بالشط أم كان منتتفًا، والأصح في "الروضة" أنه لا فدية، ولم يحيلوه على هذا السبب.
ومنها: إذا قطع ملفوفًا فادعى الولي أنه قتله، وادعى الضارب أنه كان ميتًا، والأصح فيهما تصديق الولي إحالة على السبب الظاهر.
ومنها: إذا بالت ظبية في ماء، ثم وجده متغيرًا، فإنّ المذهب المنصوص عليه نجاسته إحالة له على السبب الظاهر، وهو يشكل على "الرافعي" في تصحيحه عدم جواز الأكل في مسألتنا، إذ لو أحال على السبب لأباح.
стр. 4065
قال: النظر الثاني في بيان ما يملك به الصيد
قوله: ولو توحل الصيد بمزرعته أو عشش الطائر في ملكه وباض وَفرّخ وصار مقدورًا عليه، لم يملكه في أظهر الوجهين، ثم قال: وعلى هذا فحكى الإمام عن الأصحاب أن صاحب الدار أولى بتملكه وليس لغيره أن يتخطى ملكه ويأخذه، فإن فعل فهل يملكه؟ فيه وجهان قريبان من الوجهين في ما إذا تحجر مواتًا فأحياه غيره، وهذه الصورة أولى بثبوت الملك؛ لأن التحجر للإحياء والتملك وبناء الدار لا يقصد به ذلك. انتهى كلامه.
والصحيح في مسألة التحجر أنه تملك على ما قرره في إحياء الموات، فيكون الأصح هنا أيضًا أن الأخذ له بملكه، بل أولى على ما ذكره هنا، وجزم أيضًا في آخر "الإحياء" في الكلام على المياه المختصة: بأن الأخذ تَمَلّك، لكن فرضه في الماء خاصة وهو نظير ما نحن فيه.
إذا علمت ذلك فقد ذكر هذه المسائل في آخر الوليمة في الكلام على ما إذا وقع في حجره شيء من النثار ولم يكن بسط ثوبه لذلك، ورجح فيها أنه لا يملك، وسَلم في "الإحياء" أنه يملك وفَرّق بينهما، وقد ذكرت هناك لفظه فراجعه فإنه موضع غريب وقع أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه عليه النووي في "الروضة" وزاد على ذلك فصرح بتصحيح الملك في أوائل "الإحياء"، فقال: قلت: الأصح أنه يملكه -يعني الفرخ- قال: وكذا لو توحل طير في ملكه أو وقع الثلج فيه ونحو ذلك. هذا كلامه.
وقد تلخص أن في "الروضة" بخصوصها ثلاثة أجوبة متعارضة، فإنه
стр. 4066
حكم هناك بأن الملك في الطائر وشبهه أولى من التحجر، وفي باب الوليمة بأن المتحجر أولى بالملك منها، وفي باب "الإحياء" جعل الكل سواء، وقد وقعت هذه المواضع في "الشرح الصغير" على ما هي عليه من هذا الاختلاف، إلا أنه لم يتعرض [له] (١) في أوائل "الإحياء" فرأيت في "الزيادات" للعبادي أنه إذا أخذ الماء ملكه قال بخلاف ما إذا صار ملحًا لأنه صار ملحًا بالأرض.
ورأيت في الكتاب المسمى "بالرسائل [في فروق الوسائل] (٢) " لأبي الخير سلامة بن إسماعيل ابن جماعة القدسي قبيل كتاب "الرهن": أنه إذا استأجر سفينة فدخل فيها سمك ففيه وجهان:
أحدهما: أنه للمستأجر، لأنه ملك منافعها ويده عليها فكان أحق به.
والثاني: للمالك، لأن هذه ليست من المنافع التي تقع الإجارة عليها.
قوله: قال الإمام: وهذا الخلاف في ما إذا لم يكن سقى الأرض مما يقصد به توحل الصيود وتعقلها، فإن كان يقصد فهو كنصب الشبكة. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الإمام وأقره قد نقل عنه في آخر إحياء الموات عكسه، وأقره عليه أيضًا وقد ذكرت هناك لفظه فراجعه فإنه غريب، وتبعه في "الروضة" على هذا الاختلاف.
قوله: في أصل "الروضة": ولو أرسله مالكه لم يزل ملكه عنه على الأصح المنصوص كما لو سيب دابته، ولا يجوز ذلك لأنه يشبه سوائب الجاهلية ولأنه قد يختلط بالمباح فيصاد، [وقيل: يزول] (٣)، وقيل: إن
стр. 4067
قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى زال وإلا فلا، وإذا قلنا بالوجه الثالث فأرسله تقربًا إلى الله تعالى فهل يَحِل اصطياده لرجوعه إلى الإباحة أم لا كالعبد المعتق؟ وجهان. انتهى.
وهذا الذي حكاه من كون المنصوص عدم الزوال، سهو فإن "الرافعي" إنما نقله في الزوال [فقال: ] (١) وذكر الروياني في "البحر" أن الشافعي نَصَّ في "المبسوط" على زوال الملك وغَلّطَ من قال غيره إلا أنه شرط في التصوير أن يخليه على قصد إخراجه عن ملكه وإلحاقه بالوحشي. هذا كلام "الرافعي" والأصح من الوجهين: حِل اصطياده لئلا يصير في معنى سوائب الجاهلية. كذا ذكره في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة".
قوله: وإذا ألقى كسرة خبز معرضًا فهل يملكها من أخذها؟ وجهان مرتبان على إرسال الصيد، وأولى بأن لا يملك بل تبقى على ملك الملقي، لأن سبب الملك في الصيد هو اليد وقد أزالها، قال الإمام: هذا الخلاف في زوال الملك، وما فعله إباحة للطاعم في ظاهر المذهب، لأن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة.
هذا لفظ الإمام ويوضحه ما نقل عن "الصالحين" في التقاط السنابل انتهى كلامه.
رجح النووي في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" أنه يملك في الجميع، فقال: الأرجح أنه يملك الكسرة والسنابل ونحوها، ويصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، وهذا ظاهر أحوال السلف.
واعلم أن "الرافعي" قد سبق منه ذكر التقاط السنابل في أثناء الباب
стр. 4068
الثاني في اللقطة وبَيَّنَ ما يحل أخذه منها، وقد سبق ذكره هناك لأمر يتعلق به يتعين الوقوف عليه.
قوله: ولو أعرض عن جلد ميتة فأخذه غيره ودبغه، ففي حصول الملك له وجهان بالترتيب، وهذه الصورة أولى بثبوت الملك لأنه لم يكن ملكًا للأول وإنما كان له نوع اختصاص والاختصاص المجرد يَضعف بالإعراض. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والراجح هو الملك كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة"، ولم يُنَبّه فيها على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام "الرافعي" فتفطن له فإنه غريب.
قوله: ولو اختلط حمام برج بحمام برج آخر، فنقل الإمام وغيره أنه ليس لواحد منهما التصرف في شيء منها ببيع أو هبة لثالث، لأنه لا يتحقق الملك ولو باع أحدهما أو وهب للآخر صح في أقرب الوجهين، ويحتمل الجهالة للضرورة.
ولو باع الحمام المختلط أو باعا بعضه لثالث ولا يعلم واحد منهما عين ماله فإن كانت الأعداد معلومة كمائتين ومائة، والقيمة متساوية، ووزعا الثمن على أعدادها صح البيع باتفاق الأصحاب، فإن جهل العدد لم يصح، لأنه لا يعلم كل واحد حصته من الثمن. فالطريق أن يقول كل واحد: بعتك الحمام الذي لي في هذا البرج بكذا، فيكون الثمن معلومًا، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن الحكم على البعض بأنه كالكل في ذلك، ذكره الرافعي في آخر المسألة استدراكًا على "الوجيز"، والتفسير الذي ذكره لا يأتي في البعض سواء كان معينًا بالجزئية كالنصف مثلًا أو الثلث لزيادة
стр. 4069
الجهل فإن كان مجهولًا بين اثنين فيصير بين ثلاثة أو بإفراد شيء منه كعشرة مثلًا؟ لأن كل واحد لا يدري ماله من تلك العشرة فيكون الجهل باقيًا أيضًا.
الأمر الثاني: أن اشتراط تساوي القيمة لا معنى له مع اشتراط توزيع الثمن على أعدادها فتأمله.
الأمر الثالث: أن ما ذكره في آخر كلامه من كون الطريق أن يقول كل منهما إلى آخره، حاصله أن الصحة متوقفة على قول كل منهما، وليس المراد أن هذا طريقهما إذا أرادا جميعًا البيع، حتى إذا أراد أحدهما ذلك صح، فإنه قد تقدم حكاية وجهين في ما لو فعل ذلك مع الشريك فكيف يستقيم الجزم بالصحة في صدور ذلك مع الأجنبي؟
وإذا تقرر أن المراد صدوره من كل واحد منهما، فإذا ابتدأ به أحدهما كانت صحته موقوفة على الآخر، وهو خلاف القواعد، وفيه كلام سبق فيما إذا كان لرجلين عبدان لكل منهما عبد فباعاهما بثمن واحد.
ومثله إذا كاتب الشريكان عبدهما.
قوله: وإن اختلطت حمامته بحمامات مباحة محصورة لم يجز الاصطياد، قال في "الروضة" من "زوائده": من أهم ما تجب معرفته ضبط العدد المحصور، فإنه يتكرر في أبواب الفقه وقَلّ من بَيّنه.
قال الغزالي في "الإحياء" في كتاب "الحلال والحرام": تحديد هذا غير ممكن وإنما يضبط بالتقريب، قال: فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف ونحوه، فهو عدد غير محصور وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور.
وبن الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه
стр. 4070
الشك استفت فيه القلب. انتهى كلامه.
وما ذكره ﵀ يقتضى أن هذا الضابط لم يره إلا في كلام "الإحياء" وهو غريب فقد سبق ذكره في كلامه، وكلام "الرافعي" في كتاب "النكاح"، في الكلام على الموانع، ونقله عن الغزالي أيضًا، ونقل أيضًا عن الإمام نحوه.
قوله: وللمقصود مقدمة نذكرها وهي إذا جنى رجل على عبد أو بهيمة أو صيد مملوك قيمته عشرة دنانير وجراحة أرشها دينار، ثم جرحه آخر جراحة أرشها دينار أيضًا، فمات بالجرحين ففي ما يلزم الجارح وجوه:
أحدها: يجب على الأول خمسة دنانير وعلى الثاني أربعة ونصف، لأن الجرحين سريا وصارا قتلًا، فلزم كل واحد نصف قيمته يوم جنايته.
والثاني: يلزم كل واحد خمسة.
والثالث: يلزم الأول خمسة ونصف والثاني خمسة، فإن جناية كل واحد نقصت دينارًا ثم سريا، والأرش يسقط إذا صارت الجناية نفسًا فيسقط عن كل واحد نصف الأرش لأن الموجود منه نصف القتل.
والرابع: وذهب إليه ابن خيران، واختاره صاحب "الإفصاح"، وأطبق العراقيون على ترجيحه أنه يجمع بين القيمتين فتكون تسعة عشر فيقسم عليه ما قوما وهو العشرة، فيكون على الأول عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءًا من العشرة وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءًا من العشرة.
وتقال بعبارة أخرى: نصف القيمة يوم الجناية الأولى خمسة، ويوم الجناية الثانية أربعة ونصف، نجمع بينهما ونقسم العشرة على تسعة ونصف، خمسة منها على الأول وأربعة ونصف على الثاني ولو كانت الجناية ثلاثة، وأرش كل جناية دينار والقيمة عشرة كما مَرّ، فعلى الأول. . . . إلى آخره.
стр. 4071
ثم قال ما نصه: وعلى الوجه الثالث يجب على الأول أربعة منها ثلاثة وثلث هي ثلث القيمة يوم جنايته وثلثا دينار ثلث الأرش، وعلى [الثاني ثلاثة وثلثان. ثلاثة منها ثلث القيمة يوم جنايته وثلثا دينار ثلث الأرش، وعلى] (١) الثالث ثلاثة منها ديناران وثلث هي ثلث القيمة يوم جنايته، وثلثان هما ثلثا الأرش، فالمبلغ عشرة وثلثان. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في التفريع على هذا الوجه غلط، تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، والصواب: أن المبلغ اللازم أحد عشر لا عشرة وثلثان، والغلط جاء مما يلزم الثالث، فإنه قال: إنه يلزمه ثلاثة، ثم فَصّل فقال: دينار وثلث هي ثلث القيمة، وثلثان هما ثلث الأرش، وليس كذلك بل الذي يلزمه ثلاثة وثلث لا ثلاثة فقط، فإن القيمة يوم جنايته كانت ثمانية فيجب ثلثها وهو درهمان وثلثان مضافان إلى الثلثين اللذين هما ثلث الأرش وهذا واضح.
قوله: ذكر القاضي ابن كج أنه إذا أرسل كلبه فحبس صيدًا، فلما انتهى إليه أفلت، فهل يملكه من أخذه أم هو ملك للأول بالحبس؟ وجهان. انتهى.
والأصح كما قاله في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة": أنه يملكه.
стр. 4072
كتاب الضحايا والعقيقة
والنظر في أمرين: الأركان والأحكام
النظر الأول في الأركان
قوله: الضحايا: جمع ضحية، كهدية وهدايا وهي التي يُضَحَى بها من النعم، ويقال لها: أضحية أو ضحية، والجمع أضاحي وأضاح وأضحاه أيضًا، والجمع أضحا، بالتنوين كأرطاة وأرطًا، ومنها سمي يوم الأضحى، وذكر أن جميع ذلك مأخوذ من وقت التضحية وهو ضحوة النهار. انتهى كلامه.
وحاصل ما حكاه من اللغات أربع والثانية والثالثة منها بهمزة مضمومة إحداهما بياء مشددة، والأخرى مخففة، وجمع المشددة بالتشديد أيضًا والمخففة بالتخفيف، فالأول على وزن أناسى ونجابى، والثاني على وزن جوار وغواشي، ويستعمل استعمال المنقوص.
قوله: واحتج الأصحاب على عدم وجوبها بأشياء:
منها: ما روي أنه ﵊ قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا" (١) علق التضحية بالإرادة. انتهى.
وهذا لا دلالة فيه؛ لأن الأضحية بتقدير وجوبها قد يريد الشخص فعلها وقد لا يريد وذلك على حسب اجتماع الشرائط وعدم اجتماعها، وهذا كقول الشيخ في "التنبيه": إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن
стр. 4073
من الإقامة.
وقوله: إذا أراد المحرم دخول مكة اغتسل مع أن أداء الخمس ودخول المحرم مكة واجبان لابد منهما.
قوله: وفي "البحر" للروياني أنه لو قال: إن اشتريت شاة فلله علي أن أجعلها أضحية، فهذا نذر مضمون في الذمة، فإذا اشترى شاة فعليه أن يجعلها أضحية. . . . إلى آخره.
واعلم أن صورة المسألة أن يقصد الشكر على حصول الملك، فإن قصد الامتناع فيأتي فيه ما في نذر اللجاج والغضب.
وقد ذكر "الرافعي" في أوائل النذر هذا التفصيل في اعتاق العبد إذا ملكه وهو نظير المسألة.
قوله: ولا يجزئ من الإبل إلا الثني أو الثنية وهو ما استكمل خمس سنين، والمعنى فيه أن الثنايا تتهيأ للحمل والنزوان. فانتهاؤها إلى هذا الحد كالبلوغ في حق الآدمي، وحالها قبل ذلك حال الصغير من الإنسان. انتهى كلامه.
وهو صريح في أن التهيؤ للحمل والنزوان لا يحصل إلا باستكمال الخامسة والطعن في السادسة وقد خالف ذلك في الزكاة في أوائل باب صدقة النعم مخالفة عجيبة، فإنه جزم بأن الاستحقاق الذي هو أبلغ من التهيؤ يحصل قبل ذلك بعامين وهو استكمال الثالثة والطعن في الرابعة، وقد ذكرت لفظه في موضعه فراجعه.
قوله: ثم قضية ما أورده الأصحاب تصريحًا ودلالة ونسبوه إلى نصه في الجديد أن الجَرَب يمنع الإجزاء، يسيرًا كان أو كثيرًا؛ لأنه يفسد اللحم
стр. 4074
والودك.
وفي وجه أن الكثير هو الذي يمنع كما في سائر الأمراض، وهذا ما اختاره الإمام وأورده صاحب الكتاب. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير"، فقال: والظاهر الذي أورده الأصحاب المنع مطلقًا، ثم خالفهما في "المحرر" فقال: والجَرْبَاء الكثيرة الجَرَب كالمريضة. هذا لفظه، فشرط في المنع كونه كثيرًا، وقد استدرك عليه في "المنهاج" فصحح أن القليل مانع أيضًا.
قوله: وروي عن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ ، أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء (١).
وفي الحديث أيضًا النهي عن المصفرة.
اعلم أن "الرافعي" قد فَسّر معاني هذه الأشياء. وأما اللفظ فالمقابلة والمدابرة بباء موحدة مفتوحة، والشرقاء بشين معجمة مفتوحة وراء ساكنة بعدها قاف ممدودة، والخرقاء بالخاء المعجمة.
стр. 4075
قوله: ولو جعل جميع البدنة أو البقرة مكان الشاة فهل يكون الجميع واجبًا حتى لا يجوز كل شيء منه أم الواجب السبع فقط حتى يجوز الأكل من الباقي؟
فيه وجهان كالوجهين في ماسح جميع رأسه في الوضوء [هل يقع جميعه فرضًا؟ أم الفرض ما يقع عليه الاسم؟ انتهى.
قال في الروضة: ] (١) قيل الوجهان في المسح في ما إذا مسح دفعة واحدة، فلو مسح شيئًا فشيئًا فالثاني سنة قطعًا، وقيل: الوجهان في الحالين. ومثلهما إذا طَوّل الركوع والسجود والقيام زيادة على الواجب [وفائدته في زيادة الثواب في الواجب] (٢) والأرجح في الجميع أن الزيادة تقع تطوعًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن "النووي" قد ذكر هذا الخلاف في مواضع من "الروضة" واختلف فيها كلامه اختلافًا عجيبًا وهو من الاختلاف الواقع على ثلاثة أوجه، وتقدم ذكره واضحًا وذكر نظائره، وفائدة الخلاف فيه في باب صفة الصلاة في الكلام على ركن القيام.
الأمر الثاني: أن [الأصح من] (٣) هذين الوجهين المذكورين في مسح الرأس هو الوجه الثاني، وهو أن الخلاف في الحالين، كذا صححه "النووي" في باب صفة الوضوء من "شرح المهذب".
قوله: ويدخل وقت التضحية بدخول وقت صلاة العيد يوم النحر ومضي
стр. 4076
وقت ركعتين وخطبتين بعده. انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لا يشترط ارتفاع الشمس مع هذا المقدار لأن الصحيح عنده عدم اشتراطه في العيد كما جزم به في "المحرر" ولم يخالفه في غيره.
إذا علمت هذا فقد جزم في "المحرر" أيضًا باشتراط هذا الوقت فقال: ويدخل وقت التضحية إذا ارتفعت الشمس يوم النحر قيد رمح، ومضى قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين، هذا لفظه.
وخالفه "النووي" فصحح في كتبه أن وقتها يدخل بالطلوع لكنه أقر صاحب "التنبيه" على اشتراط الارتفاع، وقد تقدم طرف من المسألة في صلاة العيد.
قوله: وعن "الحاوي" وجه أنه كان يعتبر في عهد رسول الله ﷺ صلاته ويعد المعتبر قدر الصلاة. انتهى.
هذا الوجه أسقطه من "الروضة".
قوله: إحداهما: ذكر الإمام أن من فاته التضحية المتطوع بها فلينتظر وقتها من قابل وحينئذ تقع عن حق الوقت. ولا يصفو هذا عن إشكال. انتهى.
واعلم أن مراد الإمام أنه يقع عن الماضي لا عن الحاضر على خلاف ما يوهمه كلام "الرافعي" فإنه قال: فإن قيل: التضحية عندكم سنة مؤقتة والسنة المؤقتة لكم في قضائها قولان، فهلا خرجتم قضاء التضحية على هذا الخلاف.
قلنا: إن أراد تدارك الأضحية فلينتظر وقتها في قابل والسنين التي تفوت مواقيتها لو لم يجز القضاء فيها لتحقق الفوات فيها وانقطع المستدرك، ثم إذا فرض قصد التدارك عند دخول وقت التضحية في السنة القابلة، فهذا
стр. 4077
القصد عندي لا معنى له فإن ما يوقعه من التضحية يكون أداء، ويتصور أن يتقرب الرجل بأضاحي في نوبة واحدة فلا يكاد ينقدح معنى القضاء في ما هذا سبيله، وإذا كان الرجل يعتاد صوم أيام تطوعًا فترك الصوم فلا يتحقق عندي قضاؤه، وكذلك لو أفسده بعد التحرم به فإن الذي يأتي به يكون ابتداء تطوع.
والأيام التي رغب الشارع في التطوع بصومها إذا لم يصمها فلا معنى لتقدير قضائها ولو تحرم بالصوم ثم أفسده، فقد يتخيل إمكان القضاء، ولست أراه أيضًا والعلم عند الله تعالى.
هذا لفظ الإمام وكأن النووي ﵀ لما أشكل عليه هذا الكلام حالة اختصاره راجع "النهاية"، فإنه عَبّر في "الروضة" بقوله: فإن ضحى في السنة الثانية في الوقت وقع عن الوقت لا عن الماضي. هذا لفظه.
قوله: فروع: يجوز إنابة الحائض لحل ذبيحتها، وعن "الحاوي" أن في كراهة ذبحها الأضحية وجهين، وأن ذبح الصبي لها مكروه. انتهى.
والأصح عدم الكراهة في الحائض كذا نقله الروياني في "البحر" عن الأصحاب، قال: إلا أنه خلاف الأولى، وصححه النووي، في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" وجزم في "الروضة" بالكراهة في الصبي، ولم ينقله عن "الحاوي" كما نقله الرافعي، وخالف في "شرح المهذب" فذكر ما حاصله الجزم بعدم الكراهة ذكر ذلك في باب الصيد والذبائح لا في باب الأضحية.
قوله: وهل يجب أن تكون النية مقرونة بالذبح، أم يجوز تقديمها عليه؟
قضية ما ذكر الإمام تخريجه على وجهين ذكرناهما في جواز تقديم النية على تفرقة الزكاة والأظهر الجواز. انتهى.
стр. 4078
واعلم أن شرط ذلك في الزكاة أن تكون النية صدرت بعد تعيين القدر الذي يخرجه، فإن كانت قبله لم يجز كما أوضحناه هناك نقلًا وتعليلًا فتكون الأضحية كذلك فاستحضره.
قوله في "الروضة": ولو قال جعلت هذه الشاة أضحية فهل يكفيه التعيين والقصد عن نية الذبح؟ فيه وجهان: أصحهما عند الأكثرين لا يكفيه؛ لأن التضحية قربة في نفسها فوجبت النية فيها، واختار الإمام والغزالي: الاكتفاء. انتهى.
وهذا الذي صححه من عدم الاكتفاء قد جزم بخلافه في الفصل المعقود لأحكام الأضحية، فقال: العاشرة: لو ذبح أجنبي أضحية معينة ابتدأ في وقت التضحية أو هديًا معينًا بعد بلوغ المنسك فالمشهور أنه يقع الموقع، لأن ذبحها لا يفتقر إلى النية، فإذا فعله غيره أجزأ كإزالة النجاسة. هذا كلامه.
وعبارة الرافعي في "الشرحين" تشعر بالمخالفة أيضًا.
وصحح في "المنهاج" أنه لا يكفي، واختلف كلامه في "شرح المهذب" فصحح في هذا الباب وفي باب العقيقة عدم الاكتفاء، وجزم قبل ذلك في أوائل باب الهدي بأنه يكفي في الهدي والأضحية معًا.
قوله: فرع: لو ضحى عن الغير بغير إذنه لم يقع عنه.
قاله في "التهذيب" واستدرك عليه في "الروضة" فقال: إن كانت الشاة معينة بالنذر وقعت عن المضحي وإلا فلا. كذا قاله صاحب "العدة" وغيره وأطلق الشيخ إبراهيم المروروزي أنها تقع عن المضحي، قال هو وصاحب "العدة": ولو أشرك غيره في ثواب أضحيته وذبح عن نفسه جاز.
стр. 4079
قالا: وعليه يحمل الحديث: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد" (١).
قوله في الكلام على ما إذا قطع من القفا: قال الإمام: ولو كان فيه حياة مستقرة عند ابتداء قطع المريء ولكنه إذا قطع المريء وبعض الحلقوم. انتهى إلى حركة المذبوح لما ناله من قبل سبب قطع القفا فهو حلال، وأقصى ما وقع التعبد به أن يكون فيه حياة مستقرة عند الابتداء بقطع المذبح، ثم قال بعده: الثانية يجب أن يسرع إلى القطع ولا يتأنى بحيث يظهر انتهاء الشاة قبل استتمام قطع المذبح إلى حركة المذبوح، وهذا قد يخالف ما سبق أن المرعي والمعتبر أن يكون في الحيوان حياة مستقرة عند الابتداء بقطع المذبح، ويشبه أن يكون المقصود هاهنا إذا تبين مصيره إلى حركة المذبوح وهناك إذا لم يتحقق الحال. انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال: هذا الذي قاله الإمام الرافعي خلاف ما سبق تصريح الإمام به، بل الجواب: أن هذا مقصر في التأني فلم تحل ذبيحته بخلاف الأول فإنه لا تقصير ولو لم نحلله أدى إلى الحرج. انتهى كلامه.
واعلم أن النووي في "الروضة" لم ينقل الكلام الثاني عن الإمام بل جزم به ثم ذكر هنا أصلًا وزيادة أن هذا الكلام مخالف لما سبق عن الإمام وهو اختصار عجيب وفيه التباس فاحش.
قوله في "الروضة" لو أخذ الذابح في قطع الحلقوم والمرئ وأخذ آخر في نزع حشوته أو نخس خاصرته أو قطع رقبة الشاة من قفاها لم تحل سواء كان قطع الحلقوم والمرئ مذففًا لو انفرد أو تعين على التذفيف، لأن التذفيف لم يتمحص منهما. انتهى ملخصًا.
ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يكون المقارن لقطع الحلقوم والمريء مذففًا أم لا.
стр. 4080
فأما الأول وهو المذفف فواضح، وأما الثاني فتوقف فيه الرافعي ومال إلى أنه يحل، فقال: ولك أن تقول: إن كان المقارن لقطع الحلقوم والمرئ مذففًا فيظهر التحريم لأن إضافة الزهوق إلى أحدهما ليست بأولى من الإضافة إلى الثاني.
فأما إذا لم يكن مذففًا فيجوز أن يقال كما لا أثر له إذا تقدم على قطع الحلقوم والمرئ لا أثر له عند المقارنة. وبتقدير أن يؤثر ويمنع الإضافة إلى قطع الحلقوم والمريء مع كونه مذففًا، فينبغي أن يقال: إذا جرح جارح جراحة غير مذففة مع حز الرقبة من آخر، لا يختص الثاني بالقصاص. هذا كلامه وهو واضح حق لا إشكال فيه.
قوله: وإن لم يكن فيه حياة مستقرة لم يحل، وذكر القاضي ابن كج أن أبا حفص ابن الوكيل، حكى فيه قولًا آخرًا أنها تحل والمذهب الأول.
وهذا الخلاف في الشاة إذا مرضت فصارت إلى أدنى الرمق فذبحت تحل؛ لأنه لم يوجد سبب يحال عليه الهلاك، ويحصل قتلًا.
قال: ولو أكلت الشاة نباتًا مضرًا فصارت إلى أدنى الرمق فذبحت، فقد ذكر -شيخي يعني: القاضي الحسين- فيه وجهين ثم قطع في كرة بنفي الحل؛ لأنا وجدنا سببًا يحال الهلاك عليه فصار كجرح السبع. انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره حكمًا وتعليلًا وتشبيهًا أن الحيوان يحل بالذبح، إذا انتهى إلى عدم الحياة المستقرة بسبب المرض، وتابعه عليه في "الروضة".
والمسألة مذكورة في مواضع حصل فيها اضطراب أوضحته في أوائل الجنايات في الطرف الرابع المعقود لاجتماع مباشرين.
قوله: ومن الأمارات على بقاء الحياة المستقرة الحركة الشديدة بعد قطع
стр. 4081
الحلقوم والمريء، وكذلك انفجار الدم وتدفقه، وذكر الإمام أن منهم من اعتمد على كل واحد منهما وأن الأظهر أن كلًا منهما لا يكفي لأنهما قد يحصلان بعد الانتهاء إلى حركة المذبوح، لكن قد ينضم إلى أحدهما أو كليهما قرائن أو أمارات أخر تفيد الظن [أو التعيين] (١) فيجب النظر والاجتهاد. انتهى.
والأصح على ما قاله في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" الاكتفاء بالحركة الشديدة.
قوله: ومهما كانت في ملكه بدنة أو شاة فقال: جعلت هذه ضحية، أو هذه ضحية أو عليَّ أن أضحي بها، صارت أضحية.
وكذا لو جعلها هديًا، ثم قال: وشرط بعضهم أن يقول مع ذلك: لله تعالى.
قال في "التهذيب": والمذهب الأول. وشبه ذلك بتوجيه العتق تنجيزًا على العبد، قال الإمام: تشبيهه بتعيين الشيء للوقف والحبس أقرب، فإن الأضحية لا تخرج عن المالية وإن تعينت كالعين المحبسة والعبد الذي وجه عليه العتق يخرج عن المالية بالكلية وهذا لا يسلمه الأولون بل صرحوا بزوال الملك عن الهدي. انتهى كلامه.
والذي نقله ﵀ عن الإمام سهو فإن الأضحية وإن خرجت عن ملكه فماليتها باقية لم تزل لأنها خرجت عن ملكه إلى ملك الفقراء، وكذلك في الوقف بخلاف العتيق فإنه خرج عن كونه مالًا، وهذا البحث لم يذكره في "الروضة" وكأن "الرافعي" تحرف عليه المالية بالمالك.
قوله في "أصل الروضة": فلو قال ابتداءً: عليَّ التضحية بهذه البدنة أو الشاة، لزمه التضحية قطعًا. انتهى.
стр. 4082
وما ذكره من دعوى القطع ليس كما قاله؛ ولذلك لم يذكره الرافعي لأن هذا التزام لم يعلق على شيء، وفي صحته قولان مشهوران ثابتان في كتاب النذر.
وأيضًا فلأن بعض الأصحاب يذهب إلى أن النذر لا يصح إلا إذا أضافه لله تعالى وقد حكاه هو في هذا الباب قبل هذا الموضع بقليل.
قوله: من أراد التضحية فدخل عليه عشر ذي الحجة كره أن يحلق شعره وأن يقلم ظفره حتى يضحي.
وقيل: إنما يكرهان بعد العشر، وتعيين ما يضحى به، وفي قول: لا يكره القَلْم، وفي وجه: يحرمان انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": قال الشيخ إبراهيم المروزي في "تعليقه": حكم سائر أجزاء البدن [كالشعر] (١). والله أعلم.
وهذه الزيادة التي ذكرها لم يوضح ما يستفاد منها فإنه قد سبق ذكر القَلْم، والشعر يتناول جميع ما على الجسد ولا شك أن ما يزال من أجزاء البدن قد تكون إزالته واجبة كختان البالغ، وقطع يد السارق والجاني بعد المطالبة ونحوها، وقد تكون مستحبة كختان الصبي، وقد تباح كقطع السن الموجعة وكذلك الفصد والحجامة ونحوها بشروط، فإن الدم من الأجزاء كما صرحوا به في كتاب الطلاق.
فأما الأول فتأخير الواجب لا يجوز، فضلًا عن كونه مستحبًا.
وأما الثاني فالتضحية من مال الصبي ممتنعة.
وأما الثالث فالأمر بمقاساة الآلام وكراهة التأخير فيه بُعد، وقد تقدم أن الأضحية سُنَّة على الكفاية في حق أهل البيت.
стр. 4083
وتقدم أيضًا من "زوائد" النووي عن المروروزي وصاحب "العدة" أنه لو ضحى عن نفسه وأشرك غيره معه في الثواب جاز. وحينئذ فقد يقال: صورته ما إذا كان في البيت صبي أو أشرك الصبي معه. ولقائل أن يمنعه وهو الأوجه ويقول: الأحاديث الواردة بالأمر، وعبارات الأئمة إنما دلت عليه في حق من أراد التضحية وهذا لم يردها.
نعم أقرب ما تصور به الفصد والحجامة وقطع السلغة ونحو ذلك مما يؤتي به بغير ألم عاجل.
قوله: ولو نذر أن يتصدق بمال بعينه زال ملكه عنه، بخلاف ما لو نذر إعتاق عبد بعينه فإنه لا يزول ملكه عنه ما لم يعتقه؛ لأن الملك في الصدقات ينتقل إلى المساكين وفي العبد لا ينتقل إليه بل ينتقل عن الملك بالكلية. انتهى كلامه.
وما ذكره في نذر الصدقة من زوال الملك قد خالفه في أوائل النذر، وسأذكر لفظه فيه هناك إن شاء الله تعالى.
стр. 4084
قال ﵀: النظر الثاني في أحكام الأضحية
قوله: كما لا يصح بيع الأضحية لا يصح إجارتها ويجوز إعارتها لأنها إرفاق، ولو أجرها فركبها المستأجر فتلفت ضمن المؤجر قيمتها والمستأجر الأجرة. ثم هل يكون مصرفها مصرف الضحايا أم الفقراء، فقط؟ وجهان في "البحر" انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تقييد ضمان الأجرة بركوب المستأجر لا يستقيم؛ لأن الأجرة في الإجارة الفاسدة تستقر بما يستقر به المسمى في الإجارة الصحيحة لو كانت ملكًا له فما ليس ملكه بطريق الأولى.
ولا يشترط لاستقرار المسمى في الإجارة الصحيحة نفس الانتفاع بل مضي الزمان عند المستأجر فكذلك هاهنا.
الثاني: أن القياس في هذه المسألة أن يضمن كلًا من المؤجر والمستأجر القيمة والمنفعة وقرارهما على المستأجر إن علم، فإن لم يعلم فالقرار في الأجرة عليه وفي العين على المؤجر في الأصح لتغريره، وسيأتي في آخر الباب الثالث من أبواب الرهن في نظير المسألة ما ذكرناه.
نعم ذكر في الغصب أن المغصوب الموهوب قراره على الموهوب له في الأصح، وعلله بأنه أخذه للتملك فاعلمه.
الأمر الثالث: أن الأصح من الوجهين في الأجرة أنها تصرف مصرف الضحايا كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة".
стр. 4085
الأمر الرابع: أن كلامهما يشعر بأنها لو تلفت في يد المستعير لم يجب ضمانها، وهو كذلك وسببه أن المعير وإن لم يكن مالكًا إلا أن يده ليست يد ضمان وكذلك من أثبتت يده عليه وهذا بعينه قد ذكره الرافعي وغيره في المستعير من المستأجر ومن الموصي له بالمنفعة.
قوله: فإن فرض إتلاف فينظر إن وجد من أجنبي فعليه القيمة يشتري بها مثل الأولى فإن تعذر فدونه، فإن لم يجد بالقيمة ما يصلح للأضحية، ففي "الحاوي": أنه يلزم الناذر أن يكمل من عنده، والصحيح عند الجمهور أنه لا شيء عليه لعدم تقصيره. فعلى هذا فوجهان أصحهما على ما ذكره الروياني أنه يلزمه شراؤه والذبح مع الشريك.
والثاني: يجوز إخراج القيمة لأن في شراء الشقص مشقة، ويحكى هذا عن أبي إسحاق، وقيل: يشتري به لحمًا ويتصدق به، ورتب الماوردي هذه الصور ترتيبًا حسنًا، فقال: إن كان المتلف ثنية ضأن مثلًا ولم يمكن أن يشتري بالقيمة مثلها وأمكن شري جذعة ضأن وثنية معز تعين الأول رعاية للنوع، وإن أمكن ثنية معز ودون جذعة ضأن فيتعين أيضًا الأول، لأن الثاني لا يصلح للتضحية.
وإن أمكن دون الجذعة، وشري سهم في ضحية تعين أيضًا لأن التضحية لا تحصل بواحد منهما، والأول إراقة دم كامل.
وإن أمكن شري سهم وشرى لحم فالأول أيضًا متعين لأن فيه شركة في إراقة دم.
وإن لم يمكن إلا شرى اللحم وتفرقة الدراهم تعين الأول لأنه مقصود الأضحية. انتهى.
стр. 4086
والذي صححه الروياني قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبّر: بالأصح وكذلك النووي في "شرح المهذب" و"الروضة".
ولم ينبه فيها على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له فإنه غريب.
وقد جزم الرافعي في كتاب "الوقف" في الكلام على ما إذا أتلف الموقوف بخلافه، فقال: وهذا الخلاف فيما إذا أتلف الأضحية، ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة لأنه لا يضحي بشقص الشاة. انتهى.
والصواب الإجزاء كما هو المذكور هنا تعميمًا وتصريحًا وصَرّح به أيضًا الإمام وغيره.
قوله: فإن قلنا بالوجه الثاني فقد أطلق مطلقون أنه يتصدق بها وعبارة الإمام: أنه يصرفها مصرف الضحايا، حتى لو أراد أن يتخذ منه خاتمًا يقتنيه ولا يبيعه كان له ذلك، وهذا أوجه، ويشبه أن لا يكون فيه خلاف محقق، بل المراد أن لا يجب شقص ويجوز إخراج الدراهم.
وقد يتساهل في ذكر المصرف في مثل هذا. انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي حكاه عن الإمام من جواز اتخاذ الخاتم تفريع على جواز الأكل من الأضحية الواجبة.
قوله: وإن وجد إتلاف من المضحي فوجهان ذكرهما الإمام:
أحدهما: أن الواجب عليه قيمة يوم الإتلاف كالأجنبي.
وأصحهما: أنه يلزمه أكبر الأمرين من قيمته، وتحصيل مثله. انتهى.
وحاصل ما ذكره هنا وفي كلام آخر بعده متصل به أنه يجب أن يشتري بالقيمة من جنس التالف، ثم إن الرافعي ذكر المسألة أيضًا في أواخر النذر في أثناء كلام أوله: قال: وإذا قال لله عليَّ أن أضحي ببدنة، وذكر فيها
стр. 4087
خلافًا لم يذكره هنا بالكلية، فقال: وفي طريقة الصيدلاني حمل النص على ما إذا عين بعيرًا، وقال: لله على أن أهدي هذا، ثم أتلفه، فعليه أن يأتي بمثله، وذكر الأصحاب وجهين في أنه يتخير بين بدنة مثلها وبين البقر والغنم أو هي على الترتيب. انتهى.
وهذا الخلاف أسقطه من "الروضة" هناك فكأنه توهم أن ذكره سبق منه هاهنا.
قوله في "الروضة": وإذا ذبح أجنبي الأضحية المعينة وجب عليه الأرش على الأصح المنصوص.
ثم قال: وهل هو للمضحي أو للمساكين؟ أو يسلك به مسلك الضحايا؟ فيه أوجه أصحها: الثالث.
فعلى هذا يشتري به شاة فإن لم يتيسر عاد الخلاف السابق أنه يشتري به جزء ضحية أو لحم أو يفرق بنفسه. انتهى.
وقد أهمل من الوجوه الأخيرة وجهًا آخرًا ذكره الرافعي، فقال عقب حكايته كما في "الروضة": وقيل: هو مُخيّر بين أن يصرفه إلى آخره وبين أن ينتفع به ولا يبيعه.
قوله: ولو ذبح أجنبي الأضحية المعينة وأتلف لحمها فقولان:
الجمهور: أنه يضمن قيمتها عند الذبح.
والثاني: يضمن بالأكثر من قيمتها وقيمة اللحم، وروى بعضهم بدل الثاني: أنه يغرم أرش الذبح وقيمة اللحم، ثم قال: ولا اختصاص لهذه الحالات بصورة الضحية، بل يطرد في كل من ذبح شاة إنسان ثم أتلف اللحم. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، واعلم أن الشاة متقومة واللحم مثلي على
стр. 4088
الصحيح، وقد ذكر في باب الغصب أن من غصب متقومًا ثم صار مثليًا ثم تلف يلزمه قيمة المتقوم وإن كانت أكثر قيمة من قيمة المثلى، وإن كانت أقل أو استويا لزمه المثل، وقد ذكرت مسألة الغصب في بابها فراجعها.
قوله: ولو أشار كذاب عبث فقال: جعلت هذه أضحية، أو نذر أن يضحي بها وجب ذبحها لالتزامه ويثاب عليها ولكن لا تجزئ عن الضحايا المشروعة.
وهل يختص ذبحها بيوم النحر وتجري مجرى الضحايا في المصرف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا. لأنها ليست أضحية.
وأصحهما: نعم لأنه أوجبها باسم الأضحية ولا محمل لكلامه إلا هذا. فعلى هذا لو ذبحها قبل يوم النحر تصدق بلحمها ولا يأكل منه شيئًا، وعليه قيمتها يتصدق بها. انتهى.
وحاصله أنه لما عَبّر بالأضحية وتعذر وقوعها أضحية، حملنا التعبير بها على إرادة حكمها وهو تعيين الوقت والمصرف للضرورة، ويكون كالمصرح بها.
إذا علمت هذا فما ذكره من تعيين المصرف مُسَلّم، وأما الوقت حتى يمتنع التقديم فعجيب؛ لأنه لو صرح به فقال: لله تعالى عليَّ أن أتصدق بهذا في يوم كذا، جاز التقديم عليه، كما سبق إيضاحه في باب الاعتكاف فغير الملفوظ به وهو المقدر للضرورة بطريق الأولى.
قوله: فأما إذا تعيبت المعينة ابتداءً أو عما في الذمة بفعله فعليه ذبح صحيحة وفي انفكاك المعينة عن حكم الالتزام الخلاف الذي سبق. انتهى كلامه.
стр. 4089
والأصح من ذلك الخلاف السابق هو الانفكاك وعودها إلى الملك. كذا صرح به قبل هذا بنحو ورقة فقال: إنه الأصح المنسوب إلى النص، وحينئذ فيكون الأصح هنا العود أيضًا على مقتضى ما قاله الرافعي.
إذا علمت هذا فاعلم أن ما قاله في المعينة عمّا في الذمة صحيح، وأما المعينة ابتداءً فقد خرج فيها قبل ذلك بعدم العود، فقال في أول الحكم الثاني في الكلام على التي عينت ابتداءً ما نصه: ولو تعيبت يوم النحر قبل التمكين من الذبح فيذبحها ويتصدق بلحمها وإن تعيبت بعد التمكن يذبحها ويتصدق بلحمها أيضًا، وعليه ذبح بدلها وتقصيره بالتأخير كالتعيب. هذا كلامه.
ثم ذكر بعده أن المعينة عما في الذمة تعود إلى ملكه بالتعيين على الصحيح كما تقدم نقله عنه، والذي يظهر أن الموضع الأول وقع سهوًا وقد تابعه في "الروضة" على هذا الاختلاف.
قوله: ولو ذبح الأضحية المنذورة يوم النحر أو الهدي المنذور بعد بلوغ المنسك ولم يفرق اللحم حتى تغير وفسد فعليه قيمة اللحم ويتصدق بها ولا يلزمه شراء شيء آخر لأنه حصلت إراقة. وكذا لو غصب اللحم غاصب وتلف عنده أو أتلفه متلف يأخذ القيمة ويتصدق بها. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يحتمل أن يكون مفروضًا في المعين ابتداء؛ ويحتمل أن يكون في الذبح عما في الذمة، وعلى كل حال لا يستقيم إخراج القيمة.
أما الأول وهو المعين ابتداء، فلأن اللحم المذكور ملك للفقراء، إذ يملكونه بمجرد النذر، واللحم مثلي على الصحيح كما صححناه في باب الغصب، فجزمهما هنا بإخراج القيمة مخالف لما صححناه هناك.
وأما الثاني فلأن الحق واجب في الذمة ولا يزال كذلك حتى يملكه
стр. 4090
الفقراء وهم لا يملكونه إلا بالقبض، فكيف يحسن الاكتفاء بالقيمة عن اللحم، وهي عندنا لا تجزيء وإنما يحسن الاكتفاء بها، أن لو أتلفه بعد قبضهم إياه، وقد ذكر المسألة على الصواب في آخر كتاب الحج، وصحح وجوب الذبح أو إخراج اللحم، وضعف وجوب القيمة فقال في آخر باب الدماء الواجبة على المحرم: وإذا ذبح المحرم في الحرم فسرق منه لم يجزئه عما في ذمته وعليه إعادة الذبح، أو شراء اللحم والتصدق به، وفيه وجه أنه يكفي التصدق بالقيمة. هذا لفظه بحروفه.
زاد في "الروضة" على هذا بتصريح تضعيف الوجه، فقال: وفيه وجه ضعيف، فتلخص أن ما ذكراه في هذا الفرع مردود، وسيجيء بعد هذا كلام آخر متعلق بما نحن فيه فينبغي استحضاره مع المذكور هنا.
قوله: وإن مضى بعض أيام التشريق ثم ضَلّت فهل هو تقصير حتى يضمن؟ فيه وجهان. انتهى.
والراجح في هذه والمسألة على ما ذكره الرافعي فيها وفي نظائرها أنه يضمن فقد قال في أوائل الحكم الثاني: فلو قال: جعلت هذه البدنة أو الشاة أضحية أو نذر أن يضحي ببدنة أو شاة عينها، فماتت قبل يوم النحر أو سرقت قبل أن يتمكن من الذبح يوم النحر فلا شيء عليه، وكذا الهدي المعين إذا تلف قبل بلوغ المنسك أو بعده وقبل التمكن من الذبح. انتهى.
فاشتراطه في عدم الضمان أن تكون السرقة أو التلف قبل التمكن دليلًا على أنه يضمن إذا حصل بعده، وذكر أيضًا في آخر هذا الحكم ما هو أصرح منه فقال: وإذا تمكن من ذبح الهدي بعد بلوغ المنسك، أو من ذبح الأضحية يوم النحر فلم يذبح حتى تلفت فهو كالإتلاف لتقصيره بتأخير الذبح. انتهى.
وذكر أيضًا في أول النوع الثاني مثله وأبلغ منه فقال: ولو تعيبت يوم
стр. 4091
النحر قبل التمكن من الذبح فيذبحها ويتصدق بلحمها، وإن تعيبت بعد التمكن يذبحها ويتصدق بلحمها أيضًا، وعليه ذبح بدلها وتقصيره بالتأخير كالتعيب. هذا كلامه.
ووافق النووي في "الروضة" على هذه المواضع فجزم بها كما جزم بها الرافعي، ثم ذهل عن ذلك كله فرجح من زوائده عقب الوجهين المذكورين في صدر المسألة عدم الوجوب فقال: قلت: الأرجح أنه ليس بتقصير كمن مات في أثناء وقت الصلاة، والله أعلم.
وصَرّح بتصحيحه أيضًا في "شرح المهذب".
ومن نظائر المسألة ما إذا حلف ليأكلن الرغيف غدًا فتلف من الغد بعد التمكن من أكله والصحيح فيه الحنث.
ومنها: إذا مات في أثناء يوم العيد قبل إخراج الفطرة وقد ذكرت فيها كلامًا ينبغي الوقوف عليه في كتابنا المسمى "بالهداية إلى أوهام الكفاية" ومنها: تلف الصيد بعد الإحرام وقبل التمكن من الإرسال، وقد سبق إيضاحه في الحج.
قوله: فإن عين هديًا أو أضحية عما ثبت في ذمته فَضَلّ ما عينه بقي الأصل في ذمته عند الجمهور، فإن ذبح واحدة عما عليه ثم وجد الضالة فهل يلزمه ذبحها؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما: على ما ذكر في "التهذيب" أنه لا يلزم.
والثاني: يلزم وهو ما أورده ابن الصباغ. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والذي صححه البغوي هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبَّر: بالأصح.
قوله في "أصل الروضة": فلو عين عن الضالة واحدة ثم وجدها قبل
стр. 4092
ذبح البدل فأربعة أوجه:
أحدها: يلزمه ذبحهما معًا.
والثاني: يلزمه ذبح البدل فقط.
والثالث: ذبح الأصل فقط.
والرابع: يتخير بينهما. انتهى.
والأصح من هذا الخلاف هو الثالث، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر، والنووي في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة": إنه الأصح، وفي "الرافعي" إشعار بترجيحه لمن تأمله، ولكن حذفه من "الروضة".
قوله: ولو عَيّن من عليه كفارة عبدًا عما عليه ففي تعيينه خلاف، والذي أجاب به الشيخ أبو حامد: أنه يتعين. انتهى.
والمشهور الذي نص عليه الشافعي هو التعيين ومقابله قول مُخَرّج كذا ذكره الرافعي في باب الإيلاء فقال: المنصوص وقول عامة الأصحاب: أنه يتعين. هذا لفظه.
ثم قال: واختار المزني أنه لا يتعين، وخَرّجه على أصل الشافعي، واستشهد بأن نظيره من الصوم لا يتعين على المنصوص، وبه قال الأكثرون.
ولو نذر أن يصرف زكاته إلى أشخاص معينين فالأكثرون ما نقله القاضي: أنه لا يتعين، فقد صحح في "الروضة" هنا من "زوائده" التعيين في العبد ولم يستحضر ما سبق في الإيلاء.
قوله: فكل هدي وجب ابتداءً من غير التزام كدم التمتع والقران ودماء الجبرانات في الحج لا يجوز الأكل منه.
стр. 4093
فلو أكل منها شيئًا غرمه ولا يجب إراقة الدم ثانيًا، وفيما يغرم ثلاثة أوجه:
أظهرها: ويحكي عن نصه في القديم: أنه يغرم قيمة اللحم، كما لو أكله أو أتلفه غيره.
والثاني: أنه يلزمه مثل ذلك اللحم، لأنه لو أتلف الشاة التي عينها لما عليه أو أتلف الهدي لزمه مثله، فكذلك إذا أتلف بعضه لزمه مثله.
والثالث: عليه أن يشتري شقصًا من حيوان مثله ويشاركه في الذبح لأن ما أكله بطل إراقة الدم فيه، فصار كما إذا ذبح وأكل الجميع يلزمه دم آخر ثم قال بعد ذلك: وحيث لا يجوز الأكل من الأضحية المنذورة، فلو أكل ففي ما يغرم الوجوه الثلاثة. انتهى كلامه.
وقد اشتمل على أنه إذا أكل البعض أجنبي لزمه القيمة وإن أكله هو فكذلك على الصحيح، وإن أكل الجميع لزمه دم آخر وتابعه على ذلك في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هنا من غرامة القيمة للفقراء، قد جزم بعكسه في [الباب] (١) الذي يليه المعقود للأكل من الأضحية المتطوع بها، فإنه قال إذا أكل الجميع ضمن ما يطلق عليه الاسم.
وقيل المقدار المستحب.
وقيل: الكل.
ثم قال ما نصه: ثم ما ضمنه على الخلاف السابق لا يتصدق به ورقًا وهل يلزمه صرفه إلى شقص أضحية أم يكفي صرفه إلى اللحم وتفرقته؟ وجهان. هذا لفظ النووي في "الروضة"، ونقله الرافعي عن الروياني
стр. 4094
وأقره.
وهو اختلاف عجيب، فإن المتطوع بها لم يحب فيها إراقة الدم فإجزاء القيمة فيها أقرب من إجزائها في الواجبة على عكس ما قال.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من إيجاب الدم عند أكل الجميع مخالف لكلام ذكره في آخر الحج، ونقلناه عنه قبيل هذا بقليل فإنه خير هناك بين الدم وبين إخراج اللحم.
إلا أنه فرض المسألة هناك في سرقة اللحم، وفرضه هنا في أكله، ولا أثر لاختلاف هذا التصوير، إلا أن يقال: لَمّا أكله تبينا أن إراقة الدم كان لأجل ذلك فيلزمه إعادته بخلاف السرقة.
قوله: فإن علق التزام الأضحية أو الهدي بشفاء المريض وقدوم الغائب حرم عليه الأكل، فإن أطلق الالتزام فوجوه، ثم قال: وبالمنع قال أبو إسحاق، وذكر المحاملي أنه المذهب والجواز هو اختيار الإمام والقفال.
وفي "العدة": إنه المذهب.
ويشبه أن يتوسط فيرجع في المعين الجواز، وفي المرسل المنع سواء عَيّن عينه ثم ذبح المعين أو ذبح بلا تعيين لأنه عن دين في الذمة كجبرانات الحج. وإلى هذا ذهب صاحب "الحاوي" وعليه ينطبق سياق الشيخ أبي عليّ. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره عن الماوردي في الهدي والأضحية ليس كذلك إنما نقله الماوردي في الأضحية خاصة، وأما الهدي فإنه ذكر فيه الخلاف، وصحح المنع ولم يتعرض للتفصيل.
الثاني: أن ما رجحه في المعينة من جواز الأكل قد ذكر قبل ذلك في أول الحكم الثاني ما يخالفه، فقال: وإن تعيبت -أي المعينة- يوم النحر
стр. 4095
قبل التمكن فيذبحها ويتصدق بلحمها.
وذكر أيضًا بعد هذا بدون ورقة نقلًا عن "التهذيب" من غير إنكار عليه ما يوافقه، وصرح فيه بأنه لا يأكل منها شيئًا، وذكر أيضًا في آخر الباب في الكلام على ولد الأضحية، ما حاصله: أنه يجوز الأكل في المعينة عما في الذمة، فتأمله.
ولهذا قال: ويجوز أن يعلم قول "الوجيز" وولد الأضحية له حكم الأم بالواو لأنه يتناول المعينة ابتداء، والمعينة عما في الذمة، وفي الثانية خلاف كما عرفت. هذا لفظه.
قوله: قال العلماء: كان ادخار الأضحية فوق الثلاث منهيا عنه لأجل الدافة وهم جماعة كانوا دخلوا المدينة قد أقحمتهم السنة في البادية، والمشهور أن النهي أولًا كان نهي تحريم، وعن صاحب "الإفصاح" أنه يحتمل الإرشاد والاستحباب وذكروا تفريعًا على الأول وجهين في أن ذلك التحريم كان عامًا ثم نسخ، أو كان مخصوصًا بتلك الحالة الحادثة فلما أنهيت انتهى التحريم.
ووجهين تفريعًا على الثاني في أنه لو حدث مثل ذلك في زماننا وبلادنا هل يحكم بالتحريم، والظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك كله والصحيح أن النهي كان مخصوصًا بحالة الضيق والصحيح أيضًا: أنه إذا حدث ذلك في زماننا أنه يعود المنع على خلاف ما رجحه الرافعي، فقد نص الشافعي على ذلك كله فقال في "الرسالة" في آخر باب العلل في الحديث ما نصه: فإذا دفت الدافة [ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث. وإن لم تدف دافة] (١)
стр. 4096
فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة.
قال الشافعي: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخ في كل حال. هذا لفظه بحروفه ومن "الرسالة" نقلته.
واعلم أن الدافة: بالدال المهملة والفاء المشددة، هي الطائفة القادمة من البادية لما أصابهم من المجاعة مشتقة من الدفيف وهو السير اللين.
وأما أقحمتهم فمعناه: أهلكتهم، مشتق من القُحمة بضم القاف وإسكان الحاء المهملة وهو الهلاك.
وأما السنة فهو العام المجدب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ (١) أي أهلكناهم بالأعوام المجدبة.
قوله: وقال الغزالي في "الوجيز": ويتأدى كمال الشعار بأن يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويدخر الثلث، ثم قال: ثم التثليث بالكيفية التي أوردها بعيد نقلًا ومعنى.
أما النقل: فإنه لا يكاد يوجد في كتاب متقدم ولا متأخر ولا في "النهاية" ولا في "الوسيط" تصريح بذلك. انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله الغزالي منقول في المذهب ثابت، وإنكار الرافعي عليه هو المنكر المردود فقد صرح القاضي الحسين في "تعليقه" بحكاية ما قاله الغزالي، قولًا للشافعي وزاد على حكايته فنقله عن الجديد وجعل مقابله قولًا قديمًا، وشتان بين الكلامين حيث تكون المقالة هي الجديد ويدعي فيها أنها لم توجد لأحد، وهذا الكتاب أعني "تعليقة" القاضي هي من جملة الأصول الكبار التي فاتت الرافعي فلم يقف عليها، وقد أنكر النووي في "الروضة" أيضًا هذه المقالة تبعًا للرافعي، وكذلك في "شرح المهذب".
стр. 4097
قوله: وإن عينت عما في الذمة فحكم الولد كما ذكرنا في المعينة بالنذر ابتداءً وفي "الشامل" لابن الصباغ وجه آخر: أنه لا يتبعها الولد فتكون ملكًا للمضحي والمهدي لأن ملك الفقراء غير مستقر في هذه، ألا ترى أنها لو غابت عادت إلى ملكه. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وهو يقتضي أن الحمل في الأضحية ليس بعيب لأنه لا يجوز تعيين المعيب عما في الذمة، فلو كان الحمل عيبًا لكان مانعًا للإجزاء سواء كان مقارنًا للتعيين أم طارئًا بل تعليله بقوله: أنها لو غابت عادت إلى ملكه صريح في ذلك أيضًا وما دل عليه كلام الرافعي قد نقل ابن الرفعة التصريح به عن "شرح الوسيط" للعجلى وعن "الإفصاح" للصيمري ونقل عن حكايته وجهًا أنه عيب ثم قال -أعني ابن الرفعة: إن المشهور خلافه.
وقد رأيت ما قاله ابن الرفعة في كلام العجلي فكأنه لم يظفر بكونه عيبًا إلا في هذا الكتاب، ولهذا لم ينقله عن غيره وادعى عدم شهرته.
وذلك في غاية العجب فقد صرح بكونه عيبًا في الأضحية خلائق كثيرة منهم صاحب "التتمة" في كتاب الزكاة في الكلام على الخلاف بين الشافعي وداود في أن الحامل هل تجزئ في الزكاة أم لا؟ ، ونقله هو عنه في ذلك الموضع وأقره ولم يحك خلافه ولم يتعقبه بإنكار ولا تضعيف، وجزم به أيضًا هناك شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد، في "تعليقه" والعمراني في كتاب "البيان" والنووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الأصحاب فقال ما نصه: قال القاضي أبو الطيب: قال الأصحاب: إنما قلنا: لا تجزئ الحامل في الأضحية لأن المقصود من الأضحية اللحم، والحمل يهزلها، ويقل بسببه لحمها فلا تجزئ والمقصود من الزكاة كثرة القيمة.
стр. 4098
هذا لفظه من غير اعتراض عليه.
ورأيته أيضًا في "الذخيرة" للبندنيجي في باب صدقة الغنم في آخر المسألة الثانية منه مجزومًا به وفي "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" في كتاب الأضحية نقلًا عن الأصحاب.
وبالجملة فيها وأئمة المذهب قد جزموا به، وهذه كتبهم شاهدة فمن أحب الوقوف على ذلك فليقف فقد أعلمناه مواضعها، ولعل السبب في قول ابن الرفعة ذلك أن المسألة مذكورة في غير مظنتها، وذكر الرافعي أيضًا ما يؤيده في كتاب البيوع في آخر خيار النقص فقال: وأطلق بعضهم أن الحمل الحادث عيب؛ لأنه في الجارية يؤثر في النشاط والجمال وفي البهيمة ينقص اللحم ويضر بالحمل عليها. هذا لفظه، وهو كالصريح فيه لأن تنقيص اللحم هو ضابط عيوبها، وذكر أيضًا قريبًا منه في كتاب الصداق.
قوله: بعد ذكر ولد الأضحية الواجبة والمتطوع بها: ثم إذا ذبح الولد والأم ففي تفرقة لحمها وجوه:
أحدها: أنه يسلك بلحم كل واحد منهما [مسلك الضحايا يتصدق من كل واحد منهما] (١) بشيء لأنهما أضحيتان، قال الروياني: وهو المذهب.
والثاني: يكفي التصدق من أحدهما لأن الولد بعض منها.
والثالث: أنه لابد من التصدق من لحم الأم لأنها الأصل.
والوجهان الأخيران يشتركان في تجويز [أكل] (٢) جميع الولد وهو الذي صححه صاحب "الكتاب". انتهى ملخصًا.
стр. 4099
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي صححه الغزالي من أكل الجميع هو الصحيح فقد جزم به في "المحرر" فقال: فصل: يجوز الأكل من أضحية التطوع، ثم قال: وولد الأضحية الواجبة سواء كانت معينة في الأصل أو عينت عما في الذمة، له حكم الأم، يذبح معها لكن يجوز أكل جميعه هذا لفظه. وتبعه عليه في "المنهاج".
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" اختصر كلام الرافعي على غير وجهه، فإنه نقل عن الغزالي أنه صحح وجوب التصدق بشيء من لحم الأم فالرافعي إنما نقل عنه جواز أكل الولد كما تقدم وهو يصدق مع كل من الوجهين الأخيرين.
الأمر الثالث: أن القول بوجوب ذبح الولد مع جواز أكل جميعه مدركه أن الولد كالجزء فجاز أكله كما يأكل يد الأم ورجلها وحينئذ فيلزم بالضرورة من جواز أكل جميع الولد [جواز الأكل من الواجب بل الأكل من الواجب أولى] (١)، فإن بعض من جوز الأكل من الواجب منع أكل جميع الولد، وقال: لابد أن يتصدق بشيء منه، لكونه كأضحية مستقلة.
وإذا علمت ذلك علمت أن ما قاله في "المحرر" من منع الأكل من الواجب مع جواز أكل الولد كلام غير منتظم وإن كان قد وقع أيضًا في "المنهاج" وفي "الروضة" فإنه صحح من "زوائده" جواز أكل جميعه.
قوله: فإذا ضَحّى بشاة فوجد في بطنها جنينًا فيمكن أن يطرد فيه هذا الخلاف ويمكن أن يقطع بأنه بعضها. انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يبني هذا على الخلاف المعروف في أن
стр. 4100
الحمل له حكم وقسط من الثمن أم لا؟
فإن قلنا: لا، فهو بعض كبدها وإلا فالظاهر طرد الخلاف ويحتمل القطع بأنه بعض والأصح على الجملة أنه يجوز أكل جميعه هذا كلامه. وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا.
قوله: ويجوز ركوب الهدي والأضحية المنذورين وإركابهما بالعارية والحمل عليهما من غير إجحاف فإن نقصا بذلك ضمن. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن جواز الركوب والإركاب مشروط بالحاجة إليه، كذا نص عليه الشافعي فقال: ويركب الهدي إن اضطر إليه ركوبًا غير قادح ويحمل المضطر عليها، هذا لفظه. حكاه الماوردي فعلى هذا لا يجوز ذلك للقادر على المشي إذا ركب مترفهًا ككثير من الناس.
ولا للقادر على غيرهما بملك أو إجارة وفي الإعارة نظر.
وذكر النووي في باب الهدي من "شرح المهذب" نحو ما ذكره الشافعي، فقال: يشترط أن يحتاج إلى ذلك.
وقال الماوردي: يجوز بلا ضرورة، هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن تقييد الشافعي بغير القادح، والرافعي بغير إجحاف، قد فسره ابن الرفعة في "الكفاية": بأن لا يلحق الحيوان بذلك مشقة، وقد سبق في أوائل الكلام على أحكام الأضحية أمور متعلقة بالمسألة فراجعها.
قوله في "الروضة": السابعة: لو اشترى شاة فجعلها ضحية ثم وجد بها عيبًا قديمًا، لم يجز ردها لزوال الملك عنها كمن اشترى عبدًا فأعتقه، ثم علم به عيبًا لكي يرجع على البائع بالأرش.