مع مسلم فوجهان: أصحهما عند الإمام لا يجوز لما فيه من الغرر، وإنما جوزنا في الكافر لأنه أعرف بقلاعهم وطرقهم غالبًا.
والثاني: يجوز، وبه قال العراقيون للحاجة ولأنه أنصح وقد يكون أعرف.
قال الإمام: والوجهان مفرعان على تجويز استئجار المسلم للجهاد وإلا فلا.
انتهى. والصحيح أن استئجاره لا يجوز وحينئذ فإن كان الأمر على ما قاله الإمام لزم تصحيح المنع، وإن كان الأمر على ما أطلقه العراقيون لزم رجحان الجواز، فالحاصل أنه لا يؤخذ من كلام الرافعي هنا تصحيح، وقد سبقت المسألة قبيل النكاح في أول الباب المعقود للغنائم وجزم بما حاصله: الجواز، فتأمله وتفطن له فإنه جزم بجواز النفل بفتح النون والفاء وقال: إنه زيادة، فقال: على سهم الغنيمة، ثم مثل له أعني: المنفل بأمور منها ما ذكره هاهنا، وقد علم أن السهم لا يكون إلا للمسلم فلزم من إطلاقه وتعبيره بالسهم جوازه مع المسلم فراجعه يظهر لك ما قلناه.
قوله في المسألة: وإذا دلنا عليها ولكن فتحناها بطريق أخر لا بدلالته ففي استحقاقه الجارية وجهان نقلهما القاضي ابن كج ورجح منهما المنع. انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما صححه ابن كج.
قوله: ولو ماتت الجارية بعد الظفر بها وقبل التسليم وجب بدلها. وهل تجب قيمتها أو أجرة المثل؟ فيه قولان بناء على أن الجعل المعين في يد المجعول له مضمون ضمان عقد أم ضمان يد، فيه قولان كالصداق؛ فإن قلنا: ضمان عقد، أوجبنا أجرة المثل.
стр. 4027
وإن قلنا: ضمان يد، أوجبنا قيمتها. هكذا قاله الإمام.
ثم قال بعد ذلك: والذي يوجد لعامة الأصحاب في المسألة إيجاب قيمة الجارية.
انتهى ملخصًا. ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف في "المحرر" فلم يذكر ما قاله الجمهور وجزم بمقالة الإمام فقال:
وبدلها أجرة المثل إن جعلنا الجعل مضمونا ضمان العقد وقيمتها إن جعلناه مضمونًا ضمان اليد، وفيه قولان كما في الصداق. انتهى.
وكأنه حال تصنيف "المحرر" لم يستوعب ما في هذه المسألة من الشرح بل نظر أوائلها دون آخرها، وقد تبعه النووي على هذا الاختلاف، وقد نص الشافعي ﵀ في "الأم" على المسألة فقال في أواخر "كتاب سير الواقدي" في باب: العلج يدل على القلعة ما نصه: وإن كانت الجارية قد أسلمت قبل أن يظفر بها فلا سبيل إليها ويعطى قيمتها وإن ماتت عوض منها بالقيمة ولا يبين إذا أسلمت هذا لفظه.
قوله: فرع: قال القاضي ابن كج: ولو كان الإمام نازلًا تحت قلعة وهو لا يعرفها فقال: من دلني على قلعة كذا فله منها جارية, فقال علج: هي هذه التي أنت عليها، فالمذهب أنه يستحق تلك الجارية إذا فتحت كما لو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا، فوجده إنسان في البلد فجاء به. انتهى كلامه.
وما نقله عن ابن كج من الاستحقاق وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" لكن الراجح على مقتضى ما ذكروه في باب: الجعالة، عدم الاستحقاق فإنهم شرطوا التعب ولا تعب هنا، وقياسه على رد العبد من
стр. 4028
البلد واضح البطلان لما ذكرناه من الكلفة.
قوله: ولو دخل حربي دارنا بأمان أو رسالة ثم نقض العهد والتحق بدار الحرب لم ينتقض الأمان في المال الذي خلفه عندنا في ظاهر المذهب.
ثم قال: فإن مات أو قتل ففيه قولان: أحدهما: وقد نص عليه في "المختصر" وفي "سير الواقدى" واختاره أبو إسحاق أنه يكون فيئًا.
وأصحهما على ما ذكر في "التهذيب" ونص عليه في كتاب المكاتب: أنه ينتقل إلى وارثه. انتهى. والأصح ما رجحه في "التهذيب"، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو حاصرنهم فنزلوا على حكم حاكم فحكم بقتلهم لم يكن له بعد ذلك استرقاقهم، وقيل: يجوز.
وهل يجوز استرقاق المحكوم بقتله إذا أسلم؟
نقل الروياني وغيره أنه لا يجوز، ويجئ على تجويز استرقاقه لو لم يسلم أم يجوز استرقاقه بعد الإسلام أيضًا.
ثم قال: وإذا حكم بالإرقاق فأسلم المحكوم عليه قبل الإرقاق ففي "الوسيط" بناؤه على أن الرق هل هو فوق القتل؟
إن قلنا: لا، جاز إرقاقه كما قبل الإسلام.
وإن قلنا: نعم، لم يجز، والأشبه الجواز؛ لأن الإسلام لا يمنع الإرقاق.
انتهى كلامه. واعلم أن الغزالي في "البسيط" لم يرد ما فهمه عنه الرافعي؛ فإنه ذكر أنه إذا حكم بالقتل فهل له الاسترقاق [فإن] (١) فيه وجهان، ثم ذكر أنه لا فرق في هذين الوجهين بين أن يسلم أو لا يسلم، وهذا الخلاف هو الذي نقل الرافعي المنع فيه عن الروياني وغيره وأبدى مقالته وهو الجواز في صورة التخريج غير واقف عليه، وهذا الذي أشار إليه
стр. 4029
الغزالي قد أوضحه في "البسيط" وأوضحه قبله الإمام في "النهاية"، ولو راجع الرافعي هنا هذين الكتابين لم يذكر ما ذكره.
قوله: وعن نصه في حرملة: أنه إذا أهدى مشرك إلى الإمام أو الأمير هدية والحرب قائمة فهي غنيمة، بخلاف ما إذا أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام.
انتهى كلامه. واعلم أن الرافعي في الباب السابق في أول الطرف الرابع المعقود للاغتنام قد نقل هذا الفرع عن الروياني ولم يقيده بالإمام أو أمير الجيش بل صرح بأن غيرهما كذلك فقال: نقل الروياني أن ما يهديه الكافر إلى الإمام أو إلى واحد من المسلمين والحرب، قائمة لا ينفرد به المهدي إليه بكل حال. هذا لفظه.
وسكت الرافعي عن الهدية في غير حالة الحرب، وقد صرح به الروياني أيضًا في كتاب القضاء فقال: إن كانت الهدية من أجل سلطانه فهي للمسلمين، وإن كانت لمودة تقدمت كانت له، وإن كانت لحاجة عرضت له، فإن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطان فهي للمسلمين، وإن قدر عليها بدونه فهى له.
قوله: ولو قال الأسير أي للسابي: افدني بكذا، على أن يرجع على ما جاء به فأجابه، رجع عليه، وكذا لو لم يشترط الرجوع في أصح الوجهين على ما ذكر صاحب "التهذيب". انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما صححه صاحب "التهذيب".
قوله: ولو قال الأسير للكافر: أطلقني على كذا، أو قال له الكافر: أفديتك بكذا، ففعل؛ لزمه ما التزم. انتهى.
وما ذكر من اللزوم في المسألتين وتابعه عليه في "الروضة" قد تقدم بنحو أربعة أوراق ما يخالفهما جميعًا؛ فأما المسألة الأولى: فقال فيها هناك:
стр. 4030
ولو شرطوا أن يعود حرم العود، فإن شرطوا العود أو يبعث إليهم مالًا فالعود حرام، وأما المال فإن شارطهم عليه مكرهًا فهو لغو وإن صالحهم مختارًا لم يجب بعثه؛ لأنه التزام بغير حق لكن يستحب؛ وفي قول: يجب، لئلا يمتنعوا من إطلاق الأسارى، وفي قول قديم: يجب المال أو العود، والمشهور الأول. هذا كلامه.
وحينئذ فنقول: مقتضى هذا الكلام بطلان اشتراط المال سواء شرطه وحده أو مع غيره فإنه علله بكونه التزاما بغير حق ولم يعلله بشئ آخر، وأيضًا فلو كان شرط المال صحيحًا لكان شرط العود معه المحكوم ببطلانه إما أن يقتضي الصحة في الآخر وهو المال أو الرجوع إلى بدل ذلك وهو ما يبذل في العادة في مثل هذا الأسير؛ فإن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه.
وأما المسألة الثانية: وهي امتثال الأمر فقد جعله هناك كالإكراه فقال عقب الموضع الأول: إنه إذا اشترى منهم الأسير شيئًا ليبعث ثمنه وكان مكرهًا على قبوله فإن العقد لا يصح على المنصوص، وفي قول: يصح، لأنها معاملة مع الكفار.
ثم قال: ولم يجز عقد بل قالوا: خذ هذا وابعث لنا كذا من المال، فقال: نعم، فهو كالشراء مكرهًا. هذا كلامه.
وقياسه أن يقال في مسألتنا وهي ما إذا قال له: افد نفسك بكذا، أنه كالفداء مكرهًا حتى لا يلزمه المال، وأيضًا فقوله: خذه، ليس صريحًا في البيع بل يتوقف على النية ولم يفرض الرافعي وجودها؛ وحينئذ فكيف يكون مقبوضًا بالبيع؟ بل يحتمل الهبة أيضًا والقرض والوديعة ويكون الأمر ببعث المال طلبًا لشئ آخر في مقابلة ما أحسن إليه مثلًا.
قوله في المسألة: فلو استولى المسلمون على المال الذي فدا به الأسير
стр. 4031
نفسه فهل يكون غنيمة أم يرد إليه؟ فيه وجهان؛ قال في "الروضة": الأصح أنه يرد إليه.
قال: وقد سبق عن صاحب "البيان": أنه مقتضى المذهب.
كتاب [عقد] (١) الجزية والمهادنة
فيه بابان
الباب الأول: في الجزية
اعلم أن الرافعي ﵀ قد ذكر في الباب ألفاظًا منها: بريدة: أحد الصحابة ﵃، هو بباء موحدة مضمومة تصغير بردة.
ومنها: الأكيدر: الذي أحضره خالد من الشام، هو بهمزة [مضمومة] مصغر أكدر وهو الذي في لونه كدرة.
ومنها: السفارة: أي: النيابة، وهي بالكسر كما سبق في مواضع.
ومنها: الخول: بفتح الخاء المعجمة والواو وباللام في آخره، وهم العبيد كما سبق في الغنيمة.
ومنهما: في حدود الحجاز حرة: أما الحرة فبالحاء المفتوحة والراء المهملتين، وهي أرض ذات حجارة سود.
وأما واقم: فبالقاف المكسورة، قال الجوهري: هو اسم لحصن من حصون المدينة، والحرة المذكورة مضافة إليه.
ومنها: فلسطين: وهي بكسر الفاء وفتح اللام، ناحية مشهورة من الشام متصلة بديار مصر وكرسيها بين المقدس وغزة.
ومنها: المخاليف: جميع مخلاف بميم مكسورة وخاء معجمة ساكنة، وهي القرى، وهو -أي: المخلاف- اسم لقرى مجتمعة، ويعبر عنه أيضًا
стр. 4032
بالكورة، ولكل من تلك القرى اسم يخصه.
ومنها: يبرين: هي بفتح الياء بنقطتين من تحت وإسكان الباء الموحدة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم نون، وهو موضع معروف شرقي مكة وراء اليمامة وفيه نخل، ذكره الجوهري في فصل الباء الموحدة من باب النون، فجعل الباء زائدة والنون أصلًا على أن وزنه تفعيل، وغلطوه في هذا وقالوا: الصواب ذكره في فصل الياء المثناة من تحت من باب الراء على أن الباء أصل والنون زائدة ووزنه فعلين ومنها: وج: بواو مفتوحة وجيم مشددة شعب في الحج.
ومنها: زهاء: بضم الزاي والمد، يقول: له عندي زهاء ألف أي: قدر ألف.
ومنها: الميرة: بكسر الميم، اسم للطعام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ (١).
ومنها: الفتك: بثاء مثلثة أي: تضم وتفتح وتكسر وفاء ساكنة ثم كاف، وهو القتل على غفلة من المقتول، وقد تقدم في الجنايات أن القتل ينقسم إلى أقسام هذا أحدها.
ومنها: أيلة: بهمزة مفتوحة وياء ساكنة بتقطتين من تحت، هي بلدة معروفة على ساحل البحر الملح في طريق الحاج المصرى، وعقبة أيلة مضافة إليها، وهذه البلدة هي آخر الشام وأول الحجاز، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (٢).
ومنها: المعتمل: بميم مضمومة وعين مهملة ساكنة وتاء مثناة من فوق بعدها لام، معناه: الكسوب، وهو مفتعل من الكسب أى العمل.
стр. 4033
ومنها: ياروس المجوس: لم أقف فيه على كلام.
ومنها: نسف: بنون ثم سين مهملة مفتوحة، اسم لبلدة من بلاد الشرق، وإليها ينسب النسفي صاحب "الخلافيات".
ومنها: الأكهب: بكاف ثم هاء ثم باء موحدة، وهو الأحمر الذي ليس بخالص في الحمرة؛ يقال بغير أكهب واضح المكهبة بضم الكاف، والكهب بفتحها وفتح الهاء.
ومنها: الكستيحات: اسم للزنار، أما الزنار: فبضم الزاى، وأما اللفظ الأول فلا أعلم من ذكره.
ومنها: أنه ﵊ قتل ابن خطل والقينتين (١).
أما خطل: فبخاء معجمة ثم طاء مهملة مفتوحتين بعدها لام، واسم ولده المقتول عبد العزى، وقال ابن الكلبي: غالب، وقال ابن إسحاق: عبد الله، وأما القينتان: فتثنية القينة بقاف وياء بنقطتين من تحت ونون، وهي الأمج سواء كانت تغني أم لا والعبد يقال له قن، والقينتان المذكورتان كانتا لابن خطل المذكور وكانتا تغنيان بهجاء النبي ﷺ وهجاء المسلمين.
ومنها القت: بقاف مفتوحة وبالمثناة من فوق، وهو نبات رطب تأكله الدواب، يعبر عنه في صعيد مصر: بالقرط.
قوله: ولو طلب الأسير عقد الذمة ففي تحريم قتله قولان: أولاهما التحريم، فإن دخل حربي دارنا وبقى مدة ثم اطلعنا عليه فطلب عقد الذمة. فإن قلنا: إن الأسير يقرر، فكذلك هذا وإلا فوجهان، وإيراد الإمام يشعر بترجيح الإجابة. انتهى ملخصًا.
стр. 4034
رجح في "الشرح الصغير" ما أشعر به كلام الإمام فقال: والأرجح الإجابة وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" فتفطن له.
قوله: وما اشتهر أن الرسول آمن فقال الروياني: هو في رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان رسولًا في [وعيد] وتهديد فلا أمان له ويتخير الإمام فيه بين الخصال الأربع كالأسير. انتهى.
وهذا الذي قاله الروياني قد جزم به أيضًا الماوردي، وقد رد في "الروضة" هذه المقالة واقتضى كلامه انفراد الروياني بذلك فإنه قال: ليس ما ادعاه بمقبول والصواب: إنه لا فرق. هذا لفظه.
نعم ذكر الرافعي قبل ذلك في باب كيفية الجهاد أن الرسول لا يجوز قتله ولم يستثن شيئًا بالكلية فدل على ضعف هذه المقابلة.
قوله: فإن أعتقه ذمي فيستأنف له عقد أم يكتفي بعقد سيده في حقه؟
أجرى صاحب "التهذيب" فيه الخلاف المذكور في الصبي إذا بلغ.
وعن "الحاوي" حكاية وجوه في أنه تلزمه جزية سيده، أو جزية عصبته لأنهم أخص به، أو يستأنف له عقد آخر. انتهى. ومقتضى كلامه في "الشرح الصغير" رجحان الاستئناف؛ فقد صرح بتصحيحه النووي في "زوائده".
قوله: ولا جزية على امرأة أو خنثى، فإن بانت ذكورته فهل تؤخذ منه السنين الماضية؟ وجهان. انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح الأخذ.
قلت: بل ينبغي تصحيح عكسه؛ فقد تقدم قبل هذا بقليل في أثناء الركن الأول أنه إذا دخل حربي دارنا وبقى مدة ثم اطلعنا عليه لا نأخذ منه
стр. 4035
شيئا لما مضى على الصحيح الذي حكاه الإمام عن الأصحاب؛ لأن عماد الجزية القبول وهذا حربي لم يلتزم شيئًا، وما قالوه بعينه موجود هنا بل أولى؛ لأنا تحققنا الأهلية هناك ولم نتحققها هنا.
قوله: وإذا حاصرنا قلعة ولم يكن فيها إلا النساء فطلبن عقد الذمة بالجزية ففيه قولان منقولان عن الأم: أحدهما: أنه يعقد لهن عقد الذمة لأنهن يحتجن إلى صيانة أنفسهن عن الرق كما يحتاج الرجال إلى صيانة أنفسهم عن القتل؛ فعلى هذا يشترط عليهن أن تجري عليهن أحكام المسلمين ولا نسترقهن ولا [نأخذ] منهن شيئا.
والثاني: لا يعقد الإمام لهن، فإذا فتح القلعة سباهن.
والقولان متفقان على أنه لا تقبل منهن جزية ولا تؤخذ منهن أخذ إلزام.
هذا ما نقله عامة الأصحاب على اختلاف طبقاتهم، وشذ عنهم الإمام فنقل الخلاف وجهين وجعلهما في أنه هل يلزم قبول الجزية وترك إرقاقهن؟ انتهى ملخصًا.
وما ذكره من حكاية الإمام لوجهين لا قولين هو كذلك في هذا الباب من "النهاية" لكنه ذكرها أيضًا في باب جامع السير وحكى الخلاف قولين كما ذكره غيره فذهل الرافعي عن هذا الموضع.
واعلم أن الماوردي حكى وجهين في وجوب إعطائهن ذلك بعد التزامه فقال: فعلى هذا هل تلزمهن الجزية ببذلهن أم لا؟
على وجهين: أحدهما: [يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند العقد أنهن من غير أهلها] (١) فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة.
والوجه الثاني: لا.
هذا كلامه.
стр. 4036
قوله: وأما حرم مكة -زادها الله تعالى شرفًا- فيمنع الكافر من دخوله ولو كان مجتازًا، وهو من طريق المدينة على ثلاثة أميال ومن طريق العراق على سبعة أميال ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال ومن طريق الطائف على سبعة ومن طريق جدة على عشرة؛ كذا حكاه الماوردي وجماعة، ولعله أورده في كتاب الحج. انتهى.
لم يذكره الرافعي هناك، وقد حذفه النووي من هنا اعتمادًا على تقدمه في ذلك الموضع فلزم خلو "الروضة" عنه، وقد جزم البغوي في هذا الباب من "التهذيب" بالتحديد المذكور وعجب من ذهوله عنه حتى نقله عن الأحكام السلطانية.
والسبعة المذكورة في العراق والطائف هي بسين ثم باء، بخلاف المذكورة مع الجعرانة فإنها بتاء مثناة ثم سين، وقد جمع بعضهم الحدود المذكورة في بيتين فقال:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه
وسبعه أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة
قوله: وإن استأذن في دخوله عبر الحجاز أذن له إن كان في دخوله مصلحة للمسلمين كرسالة أو عقد هدنة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون، وإن كان دخوله لتجارة ليس فيه كبير حاجة للمسلمين لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئًا. انتهى.
[. .] (١).
قوله: أقل الجزية دينار لكل سنة, ويستحب للإمام أن يماكسهم حتى يأخذ من الغنى أربعة دنانير ومن المتوسط دينارين.
стр. 4037
قال الإمام: وموضع المماكسة ما إذا لم يعلم الكافر جواز الاقتصار على دينار، فإن علم بطلت الزيادة استماحه. انتهى.
قال الجوهري: محت فلانًا أعطيته واستمحته سألته العطاء.
قوله: تؤخذ الجزية على سبيل الصغار بأن يكون الذمي قائمًا والمسلم الذي يأخذها جالسًا ويأمره أن يخرج يده من جيبه أى طوقه ويحني ظهره ويطأطئ رأسه ويصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في همزته وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن وهذا معنى الصغار في الآية عند بعضهم، وهذه الكيفية مستحبة وقيل واجبة.
انتهى ملخصًا. وهذا الذي جزم به الرافعي من أخذها على هذه الكيفية عجيب مخالف لنص الشافعي وتفسير الصغار في الآية بها أعجب.
أما النص: فقد قال الشافعي في كتاب السير من "إملائه" على كتاب الواقدي ما نصه: ولم أسمع مخالفًا في أن الصغار أن يعلو حكم الإسلام على حكم الكفر. انتهى.
كذا رأيته في "كتاب الجزية" لابن الحداد نقلًا عنه.
ونقل الشيخ أبو حامد في "تعليقته" عن أهل التفسير أنهم فسروا الصغار بما ذكره الرافعي، ثم قال ما نصه: قلنا: ليس هذا مذهب الشافعي ﵁، بل الصغار عنده هو رضاهم بجريان حكم لا يعتقدون صحته عليهم. ثم أطال الشيخ أبو حامد الاستدلال على ذلك، وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد كالبندنيجي والمحاملي نحوه أيضًا، وقال الماوردي في الحاوي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١) أن الشافعي فسر الإعطاء في الآية بالالتزام، وأبو حنيفة فسره بالدفع، ونقل في "البيان" مثله عن نصه في "الأم" و"المختصر".
стр. 4038
وأما بطلان تفسير الصغار في الآية بذلك فلأن الله تعالى أوجب مقاتلتهم إلى إعطاء الجزية فقال: ﴿قَاتِلُوا الَذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١) فجعل غاية المقاتلة إعطاء الجزية، والمقاتلة تنقطع بالالتزام إجماعًا؛ فيبطل بذلك تفسير الإعطاء بالدفع؛ فصار هذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلَاةَ وَآتَوُا الزَكَاةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢)، ثم إن الرافعي ﵀ في أول الباب قد فسر الصغار أيضًا بذلك فقال: الأصح عند الأصحاب تفسير الصغار بالتزام ذلك وقالوا أشد الصغار على المرء أن تحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله.
واعلم أن النووي ﵀ قد أنكر أيضًا أيضًا هذه الكيفية إلا أنه لم يطلع على ما ذكرناه من النصوص ولا أبدى ما ذكرناه من ما يبطل التفسير بها بل استند إلى كلام بعض الأصحاب فقال: قلت: لا نعلم لهذه الكيفية أصلًا معتمدًا وإنما ذكرها طائفه من أصحابنا الخراسانيين، وقال جمهور الأصحاب: تؤخد الجزية برفق كأخذ الدين. هذا خلاصة ما ذكره.
قوله: ويجوز أخذ الجزية باسم الزكاة ولكن بضعف الواجب؛ فنأخذ مثلًا من خمس من الأبل شاتين ومن ست وأربعين حقتين، فإن لم نجدها فبنتي لبون مع الجيران.
وفي تضعيف الجبران وجهان: أحدهما: يضعف فيأخذ مع كل بنت مخاض [شاتان أو عشرين درهمًا .. إلى أخره.
وهذا الكلام قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خطأ ظاهر وسببه إسقاط شيئًا من مسودة الرافعي "الشرح الصغير" فإنه قال: فيه وجهان:
стр. 4039
أحدهما: يضعف فيأخذ عن بنت مخاض] (١). أربع شياه أو عشرين درهما؛ لأنه نقص الصدقة.
والأصح: المنع وهو المذكور في الكتاب، لأن في تضعيف الجبران تضعيف التضعيف فلا نأخذ مع كل بنت مخاض إلا شاتين أو عشرين درهما. هذا كلامه.
فسقط الكلام المشتمل على بيان المذهب الصحيح وهو من لفظه: يأخذ إلى مثلها، وقد بين الفوراني في "الإبانة" لزوم تضعيف التضعيف فقال: وذلك أنا ضعفنا حتى أخذنا منه مكان الحقة حقتين ثم انتقلنا إلى ابنتي لبون فإذا أخذنا مع بنتي اللبون أربع شياه وهذا جبران وتضعيف ولولا التضعيف لأخذنا منه شاتين. هذا كلامه.
قوله: وأما الذمي فله أن يتجر فيما سوى الحجاز من بلاد الإسلام ولا يؤخذ من تجارته شئ.
قال في "البيان": إلا أن يشترط عليه مع الجزية شئ من تجارته. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، والذي قاله المذكور أعني: العمراني قد سبقه إليه الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، وهو واضح منقاس.
قوله: وإن بدأ الذمي بالسلام فلا نجيبه. قاله في "التهذيب". انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن البغوي وارتضاه مخالف لما نقله عن صاحبه المتولي في كتاب السير وارتضاه أيضًا من كونه يحييه بقوله وعليك.
стр. 4040
وقد تقدم ذكره في موضعه وأن ذلك هو الصواب.
وقال النووى هنا: ما ذكره البغوي هو وجه حكاه الماوردي، والصحيح بل الصواب أن يجاب بما ثبت في الأحاديث الصحيحة: وعليكم. هذا لفظه.
والتعبير بضمير الجمع في عليكم مخالف لما ذكره الرافعي هناك ووافق عليه في "الروضة" وفي باقي كتبه من التعبير بضمير المفرد.
قوله: ولا يجوز لمسلم أن يوادهم؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ (١) الآية. انتهى.
وما ذكره هنا من تحريم الموادة قد خالفه في أول باب الوليمة فجزم بالكراهة، وتابعة في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ولو كان لمسلم على ذمي دين فقضاه وجب القبول إذا لم يعلم أن المؤدي من محرم، فإن علم بأن باع الخمر بين يديه وأخذ ثمنها فهل يجبر على قبوله؟ وجهان:
أصحهما: لا يجبر، وهو المنصوص، بل لا يجوز القبول. انتهى.
واعلم أنه قد سبق في نكاح المشركين أنه إذا ترابى الذميان فباعه درهمًا بدرهمين وأسلما أو ترافعا إلينا قبل الإسلام، فإن جرى تقابض لم يلزم الرد، ولا فوق في ذلك بين أن يكون التقابض برضاهم أو بإجبار قاضيهم.
وإذا علمت ما تقدم هناك علمت منه أن الكافر يملك ثمن الخمر الذي باعه ولهذا لم يوجب عليه الرد في الكفر ولا بعد الإسلام، وإذا ملكه لزم منه وجوب قبوله في مسألتنا فترجع خلافه ذهول عن ذلك، وقد جزم
стр. 4041
القفال في "فتاويه" بما ذكرته حكمًا وتعليلا فقال: لو باع ذمي لذمي خمرًا بألف فجاء مسلم وضمن الألف عن الذمي فقال لا يصح لأنهما لو أسلما قبل القبض سقط، أما إذا قبض الثمن وهناك مسلم يشاهده فاشترى بعين تلك الدراهم من هذا المسلم فإنه يصح ويحل للمسلم تملك تلك الدراهم لأنهما لو أسلما لكانت الدراهم تحل لهذا القابض. هذا كلامه.
والمسألة التي ذكرها أولًا مسألة مهمة.
قوله: وتؤخذ النساء بالغيار في أظهر الوجهين ثم قال: وإذا قلنا به فقال الشيخ أبو حامد: يجعل الزنار فوق الإزار وفي "التهذيب" وغيره: تحته لئلا يصف بدنها، وأشار بعضهم إلى اشتراط ظهور شيء منه. انتهى.
قال في "الروضة": هذا لابد منه وإلا فلا يحصل كثير فائدة.
قوله: والتمييز في الحمام ينبني على أنه يجوز لهن دخول الحمام مع نساء المسلمين.
قال في "التهذيب": وأظهر الوجهين منعه لأنهن أجنبيات في الدين، وقد يفهم من هذا السياق أن لنساء المسلمين أن يدخلنه بلا حجر.
وعن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يجوز إلا عن ضرورة لقوله ﵊: "أيما امرأة خلعت ثوبها في غير بيت زوجها فهي ملعونة" (١).
стр. 4042
انتهى. والأصح في دخولهن مع نساء المسلمين ما قاله البغوى. كذا صححه النووي من "زوائده" في أوائل النكاح، واقتصر هنا على كلام البغوى، والأصح الأشهر كما قاله في "الروضة" هنا أنه لا يحرم دخولهن الحمام بلا عذر لكن يكره، وجزم الغزالي في "الإحياء" بالتحريم فقال: يحرم عليها دخوله إلا لنفاس أو لمرض.
قوله في أصل "الروضة": ولو زنا ذمي بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو تطلع على عورة المسلمين ونقلها إلى دار الحرب أو فتن مسلما عن دينه ودعاه إلى دينهم ففي انتقاض عهده طرق: أصحها أنه إن لم يجر لم ينتقض وإلا فوجهان، ويقال: قولان: أصحهما: لا ينتقض.
وهل المعتبر في الشرط الامتناع من هذه الأفعال أم انتقاض العهد إذا ارتكبها؟ صرح الإمام والغزالي بالثاني وكثيرون بالأول، ولا يبعد أن يتوسط فيقال إن شرط الانتقاض فالأصح [الانتقاض] (١) وإلا فالأصح خلافه. انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الترجيح الأخير مناف لتصحيحه الانتقاض مع الشرط؛ ولهذا لم يذكر الرافعي ذلك التصحيح بل حكى عن طائفة الانتقاض وعن آخرين المنع ثم ذكر هذا الترجيح، وحاصله أنه توسط بين المقالتين فأخذ في كل ماله بقول طائفة.
الأمر الثاني: أن تعبيره في أول المسألة أو فتن مسلمًا عن دينه ودعاه إلى دينهم: تعبير عجيب؛ فإن صدره يقتضي أنه لابد من انتقال المسلم عن الإسلام وآخره يقتضي الاكتفاء بدعائه إليه، فهل المعتبر الأول أو الثاني؟
قهم: وأما قطع الطريق والقتل الموجب للقصاص فالمذهب أنهما كالزنا
стр. 4043
بمسلمة.
انتهى. وتعبيره في القتل يشمل قتل المسلم، الذمي، وقيد في "التنبيه" المسألة بقوله للمسلم، وكذا القول في قاطع الطريق، فإنه قال: أو فتن مسلمًا عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق، وأقره النووي في تصحيحه ..
قوله: الثالثة: حيث حكمنا بانتقاض العهد فهل نبلغهم المأمن؟ فيه قولان: أحدهما: نعم لأنهم دخلوا دارنا بأمان فيبلغون المأمن كمن دخل بأمان صبي.
وأصحهما على ما في "التهذيب" وغيره: المنع، بل يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لأنه كافر لا أمان له كالحربي. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن التخيير بين هذه الأمور ليس على إطلاقه بل شرطه أن لا يطلب الذمي الذي انتقض عهده تجديد العهد، فإن طلب وجبت إجابته إلى عقد الذمة ولا يجوز قتله.
كذا نبه إن فعل ما يوجب حدًا أقمناه عليه قبل ذلك.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من تصحيح عدم البلوغ إلى المأمن يشكل عليه ما ذكره في أوائل باب الهدنة فإنه قال بعد هذا الموضع بنحو أربعة أوراق ما نصه: فأما من دخل دارنا بأمان أو مهادنة فلا يغتال وإن انتقض عهدهم بل نبلغهم المأمن. كذلك نقله القاضيان ابن كج والروياني وغيرهما.
هذا لفظه، مع أن حق الذمي آكد من حق المأمون والفرق بينها مشكل.
стр. 4044
قوله: ومن قذف النبي ﷺ كفر بالاتفاق، فإن عاد إلى الإسلام فقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يقتل حدًا لأنه حد قذف فلا يسقط بالتوبة.
وقيل: يجلد ثمانين ولو لم يقذف صريحًا لكن عرض.
وقال الإمام: الذي أراه أنه كالسب الصريح في اقتضاء الكفر لما فيه من الاستهانة. انتهى.
قال في "الروضة": الذي قاله الإمام متعين وبه قال آخرون، ولا نعلم فيه خلافًا.
هذا لفظه، وما ذكره من عدم الخلاف صرح به الغزالي في "البسيط" فقال: قيل: إنه يوجب التعزيز، والأظهر أنه رده. هذا لفظه.
قوله: يؤخذ على أهل الذمة أن يخفوا دفن موتاهم ولا يخرجوا جنائزهم ظاهره ولا يظهروا على موتاهم لطمًا ولا نوحًا .. إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: حكى أكثر هذا عن الحاوي، وما نقله الرافعي في المسائل الثلاث التي ذكرناها هو من جملة ما ذكره الماوردي إلا أنه قال إنها لا تجب بالعقد وفي وجوبها بالشرط وجهان، وجزم في "الأحكام السلطانية" بوجوبها إذا شرطت، واقتضى ذلك، وقد أوضحت المسألة في باب حمل الجنازة والدفن من كتاب "الهداية إلى أوهام الكفاية".
стр. 4045
الباب الرابع: في عقد المهادنة
قوله في أصل "الروضة": الشرط الثاني: أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة. انتهى.
وذكر في "المنهاج" أنه يجوز عقدها عند عدم المصلحة إلى أربعة أشهر فقال: وإنما يعقد لمصلحة كضعفنا بقلة عدد وأهبة أو رجاء إسلامهم أو بذل جزية كأن لم تكن جازت أربعة أشهر. هذا لفظه.
والمذكور في "الروضة" هو الصواب، وقد وقع كذلك في "المحرر" أيضًا ولكن حصل له في اختصاره غلط.
قوله: يروى أن النبي ﷺ لما بلغه ثالث تألب العرب واجتماع الأحزاب قال للأنصار: إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة فهل ترون أن ندفع شيئًا من ثمار المدينة إليهم؟ فقالوا: يا رسول الله إن قلت عن وحي فسمعًا وطاعة وإن قلت عن رأى فرأيك متبع، ولكنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا بشرى أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام؟ فسر النبي ﷺ بقولهم.
اعلم أن التألب: بالتاء المثناة والهمز والباء الموحدة هو: الاجتماع؛ يقال: ألب الإبل بالتخفيف على وزن ضرب إذا جمعها فهو تألبها بضم الباء وكسرها وتألبوا إذا اجتمعوا، وهمز ألب بفتح الهمزة وكسرها إذا كانوا مجتمعين قاله الجوهري.
قال: وأما [كالبتكم]: فمعناه شاذركتكم، والكالبة: المشارة، وكذلك التكالب تقول: هم يتكالبون على كذا أى يتواثبون عليه.
ثم ذكر الرافعي أيضًا ابنى سعيه، وقد تقدم ذكرهما قريبا في الطرف
стр. 4046
الثاني من الغنيمة.
ثم قال: ورد رسول الله ﷺ أبا بصير، وكذلك أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو وهو يرسف في قيوده.
أما بصير: فهو بباء [موحدة] مفتوحة على وزن كريم.
وأما جندل فإنه بميم مفتوحة [بعدها] نون ساكنة ومعناه في اللغة: الحجر، وجمعه: جنادل.
وأما يرسف: فبالراء والسين المهملتين ومعناه يمشي في القيود؛ نقول: رسف يرسف ويرسف أى: بالضم والكسر رسفًا بالسكون ورسفانًا.
قوله: فإن دعت ضرورة إلى بذل مال بأن كان يعذبون الأسرى في أيديهم فديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلاح فيجوز بذل المال ودفع أعظم الضررين بأخفهما.
وفي وجوب بذل المال عند الضرورة وجهان بناء على وجوب دفع الصائل. انتهى.
اعترض في "الروضة" على هذا الكلام فقال: قلت: ليس هذا البناء بصحيح لأن الصائل الكافر يجب دفعه قطعًا، ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، والأصح وجوب البذل هنا للضرورة هذا آخر كلامه.
فأما دعواه أن البناء ليس بصحيح فمردود؛ فإن البناء مشهور؛ فممن ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهم.
وأما دعواه أن الكافر يجب دفعه قطعًا فمحله إذا قصد النفس ولم يندفع إلا بالقتل فإن الاستسلام لا يجوز لما فيه من الذل، وأما هنا فإنه لم يمكن دفعه إلا بالمال؛ فالصورة غير الصورة، والخلاف هنا له وجه؛ لأنه الذل كما يحصل بالاستسلام يحصل أيضًا ببذل المال.
стр. 4047
وأما قوله: ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، فمراده به أن الخلاف مع انتفائه في حق الكافر وثبوته في حق المسلم خاصة فإنما صورته في المسلم في القتال وهنا في بذل المال فكيف يأتي؟ وجوابه ما ذكرناه أن مجيء الخلاف فيه أيضًا ظاهر.
وأما قوله أن الصحيح وجوب البذل هنا للضرورة فمخالف لما قاله في آخر كتاب السير: فإنه قد نص هناك على استحباب فك الأسرى، وجزم بجوازه أيضًا لا وجوبه القاضي الحسين وإمام الحرمين والغزالي في كتبه.
بل نقل صاحب "البيان" عن المسعودي أنه لا يجوز أن يشترط الإمام للكفار على المسلمين مالًا بحال، وكذلك إذا كان في أيدي الكفار للمسلمين مال لا يجوز للإمام أن يعاقدهم على ترك ذلك المال لهم، وكذلك إذا كان في أيدينا أسير منهم لا يجوز معاقدتهم على رده.
والاصطلاح هو الاصطدام.
قوله: فإن لم يكن بالمسلمين ضعف جاز أربعة أشهر ولا تجوز سنة، وكذا ما بينهما في أصح القولين، وقطع أبو إسحاق بالجواز، وقيل: في السنة قولان بناهما بانون على أن الذمي إذا مات في أثناء السنة هل يجب قسط ما مضى؟ وخصص هؤلاء الخلاف بما إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر. انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في السنة من تصحيح طريقة القطع بالمنع وتضعيف طريقة القولين قد جزم بخلافه قبل ذلك في الباب الثالث المعقود لترك القتل والأمان، وقد سبق ذكر لفظه.
الأمر الثاني: أنه قد وقع للنووي في اختصاره لهذا الكلام أمورًا: أولها أنه أسقط طريقة أبي إسحاق.
стр. 4048
وثانيها: أنه عبر عن الطريقين في السنة بقوله: ولا تجوز سنة على [المذهب] (١)، ولا يعرف منه أن الصحيح طريقة القطع أو الخلاف ولا أن الخلاف قولان أو وجهان.
ثالثهما: أن هاتين الطريقين المختلفتين في موت الذمي يؤخذ منهما قول ثالث وهو الوجوب إذا مات بعد أربعة أشهر دون الأربعة فما دونها، وليس هذا القول مذكورًا في باب الجزية، وقد حذف النووي ذلك من "الروضة" وكأنه توهم سبق ذكره في بابه.
قوله في "الروضة": وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة، وقيل تجوز الزيادة، وقيل: تمتنع الزيادة على سنة، وقيل: على أربعة أشهر مطلقا. انتهى.
زاد الرافعي على هذا فقال: وقيل: إن عقدت لضرورة ففي جواز الزيادة على العشر قولان، وإن عقدت لحاجة فقيل: تجوز الزيادة على الأربعة إلى سنة، وقيل: لابد أن تنقص عن السنة. انتهى.
وتحصل من ذلك وجوه لا تؤخذ من "الروضة".
قوله: ولو جاءت منهم مسلمة لم يجز ردها إليهم، فإن طلب زوجها ما دفع إليها من الصداق لم يجب رده في أصح القولين، فإن أوجبنا فأسلم الزوج قبل انقضاء العدة فالنكاح مستمر وليس له طلب المهر، وإن أسلم بعد انقضائها فإن أخذ المهر قبل إسلامه لم يسترجع منه وصار بالقبض كالمستهلك وإن لم يأخذه فإن طالب به قبل إسلامه استقر له الممر بحصول الحيلولة بإسلامها.
وعن أبي إسحاق أنه لا مهر له وإن لم يطالب به قبل إسلامه فلا شيء له لأن الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين ولا نطالبه بالمهر بعد البينونة.
стр. 4049
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الطلب إما إن يكون قبل الإسلام أو بعده قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم، بل الصواب أن نقول: إما أن يكون قبل انقضاء العدة أو بعدها أي يعبر بالعدة عوضًا عن الإسلام كما عبر به البغوي في "التهذيب" والشيخ في "المهذب" وذلك لأن الرافعي علل عدم الاستحقاق في الطلب الواقع بعد الإسلام لحصول البينونة والطلب الواقع بعد انقضاء العدة فيكون كما بعد الإسلام لوجود البينونة فيهما.
واعلم أن الشيخ أبا حامد وابن الصباغ قد صرحا بأنه إذا لم يطالب قبل إسلامه لا يستحق شيئًا لكنهما عللاه بأنه لما أسلم التزم أحكام الإسلام وليس من أحكام الإسلام المطالبة بالمهر فتعليل الشيخ أبي حامد وابن الصباغ موافق لتصويرهما، وتعليل البغوي والشيخ في "التهذيب" موافق أيضًا لتصويرهما، وأما الرافعي فأخذ تصوير ابن الصباغ وتعليل البغوي فلم ينتظم كلامه.
قال في "البيان": فإن أسلم الزوج قبل الدخول قال الشيخ أبو حامد: إن طالب بها قبل إسلامه وجب له المهر وإن أسلم ثم طالب لم يجب.
قال ابن الصباغ: قد بانت بإسلامها، فإذا لم يكن له المطالبة [بالمهر نص عليه في الأم لأنه إذا أسلم قبل استقرار المهر له بالمطالبة] (١) فقد التزم أحكام الإسلام. هذا كلامه.
قوله في "الروضة" في هذه المسألة الأخيرة: فلو كانت الصورة بحالها ولم يكن أعطاها المهر فلما أسلم بعد انقضاء العدة أخذت المهر بسبب المسيس فهل يغرم له ذلك؟ فيه احتمالان للإمام: أرجحهما المنع. انتهى كلامه.
стр. 4050
وما أطلقه النووي من الترجيح لم يطلقه الرافعي وإنما نقله عن الإمام خاصة فقال: وكلام الإمام إلى عدم التغريم أميل.
قوله: وفي معنى النساء الصبيان والمجانين فلا يردون لضعفهم ولا يجوز الصلح بشرط ردهم، وإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن وصفا الإسلام فذاك انتهى. وما ذكره من عدم جواز رد المهر لأهله إذا أسلم قد ذكر ما يقتضيه أيضًا في أوائل الحضانة وخالفهما في كتاب اللقيط فصحح الجواز، وقد سبق ذكر لفظ كل موضع في بابه.
قوله: وهل يعتق العبد الذي جاء مسلمًا؟ حكى الروياني عن الحاوي أنه إن غلبهم على نفسه ثم أسلم وهاجر عتق لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض، وإن أسلم ثم غلبهم على نفسه وجاءنا نظر إن فعل ذلك قبل أن هادناهم فكذلك لأنه غلب في حال الإباحة وإن فعله بعد الهدنة لأن أموالهم محرمة حينئذ لا نملكها بالقهر لكن لا يقر على ملكه. انتهى كلامه.
وما نقله عن "الحاوي" وأقره من أنه إذا أسلم ثم هاجر لا يحكم بعتقه قد نقله قبل هذا بنحو ورقة عن "التهذيب" وأشار إلى ترجيح خلافه فقال في الكلام على الأمة: ولو أسلمت ثم فارقتهم وهاجرت مسلمة فقد ذكر في "التهذيب" أنها لا تصير حرة لأنهم في أمان منا وأموالهم محظورة علينا فلا [يزول] الملك عليها بالهجرة بخلاف ما إذا هاجرت ثم أسلمت فإن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فجاز أن تملك نفسها بالقهر.
ولم يتعرض جماعة لهذا التفصيل وأطلقوا الحكم بالعتق، ويجوز أن يؤخذ به وإن أسلمت ثم فارقتهم، ويوجه بأن الهدنة حرب معنا ولم يجز معها.
هذا لفظه. وتبعه النووي في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ثم لو جاءتهم امرأة منا مرتدة وهاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة
стр. 4051
وطلقها زوجها فلا يغرم لها المهر ولكن واحدة بواحدة ويجعل المهرين قصاصًا، ويدفع الإمام مهر إلى زوج المرتدة ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة. هذا إن تساوى القدران، فإن كان مهر المهاجرة أكثر صرفنا مقدار مهر المرتدة منه إلى زوجها والباقي إلي زوج المهاجرة، وإن كان مهر المرتدة أكثر صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها والباقي إلى زوج المرتدة. انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي قاله غير مستقيم بل الصواب أن يصرف مقدار مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة من زعيم أهل الهدنة، وهذا واضح، وقد صرح به هكذا صاحب "الحاوي" وهو مقتضى كلام المحاملى، وصرح الغزالي في "البسيط" بدفع مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة وأن يكمل له الباقي ثم إن شرطه النقد على الصحيح في بابه فراجعه.
تم الجزء الثامن والحمد لله رب العالمين، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول التاسع كتاب الصيد والذبائح، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 4052
المُهِمَّات
فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف
الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة
جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي ﵀ الْمُتَوفَّى ٧٧٢ هـ
اعتَنى بِهِ
أَبُو الْفضل الدّمياطِي
أَحَمَدْ بنْ عَلي
عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء التَّاسِع
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٨١ - ٧٤٠ - ٨
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي
الدَّار الْبَيْضَاء - ٥٢ شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس
هَاتِف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ _ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هَاتِف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
стр. 4056
كتاب الصيد والذبائح
والنظر في طرفين:
النظر الأول فيما يفيد الحل وهي أركان الذبح وما يقوم مقامه وهو العقر
قوله: وجواز المناكحة وحل الذبيحة يجريان مجرى واحدا لا يفترقان إلا أن الأمة [الكتابية] (١) تحل ذبيحتها ولا تحل مناكحتها. انتهى.
واعلم أن أزواج النبي ﷺ ورضي الله عنهن لا تحل مناكحتهن وتحل ذبيحتهن فلابد من إخراجهن أيضًا فينبغي أن يقول في الضابط: من لا يحل مناكحته لنقصه.
قوله: وفي المتولد بين الكتابي والمجوسية قولان.
كالقولين في مناكحته ثم قال: وحكى الإمام تفريعًا على إلحاق هذا المتولد بالوثني وجهين فيما إذا بلغ ودان بدين أهل الكتاب.
والأصح المنع. انتهى.
وهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في كتاب النكاح.
قوله: ففي ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يميز قولان.
أجاب الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق بالحل؛ لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة.
وأظهرهما: عند الإمام وصاحب "الكتاب" وجماعة: التحريم لأن قصودهم فاسدة. انتهى ملخصًا.
والصحيح هو الحل كذا صححه الرافعي في "المحرر" وعبّر بالأظهر،
стр. 4057
وكذلك النووي في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة".
نعم كلام الرافعي هنا يؤخذ منه رجحان التحريم لأن القائلين فيه بالتحريم أكثر عددًا من القائلين بالحل وكلام "الشرح الصغير" في ذلك أظهر فإنه اقتصر على ذكر المصححين للتحريم ولم ينقل تصحيح الجواز عن أحد.
قوله: وفي اصطياد الأعمى بالرمي أو الكلب وجهان والأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا دَلَّه بصير على صيد وفيه صور صاحب "التهذيب" وقال: إن المذهب المنع وكذلك صور الموفق ابن طاهر لكنه أجاب بالحِل.
وفي "البحر" طريقة قاطعة بالمنع. انتهى مخلصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره الرافعي بحثًا في تخصيص الخلاف قد صرح بنحوه الإمام وقال: عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حس الصيد وبنى إرساله عليه، وتعبيره وتعبير الرافعي قاصران عن المعنى والصواب التعبير بعبارة تعمهما.
الأمر الثاني: أن الصحيح ما قاله البغوي كذا جزم به في "الشامل" وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: وأظهرهما المنع، وقطع به بعضهم، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أشبه الوجهين.
وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" وعلى كلام الروضه هنا انتقادان:
أحدهما: أنه لم يُنَبّه على أن التصحيح من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي.
الثاني: أنه حكى طريقة قاطعة بالحِل أيضًا، وهذه الطريقة لم يذكرها
стр. 4058
الرافعي وكأنه توهم من قول الرافعي أن ابن طاهر أجاب به أنها طريقة قاطعة، وهو غلط فاحش إذ كل قائل بوجه مجيب به وكثيرًا ما يقول الرافعي في المسألة وجهان:
أحدهما: وبه أجاب فلان. . . . إلى آخر ما يقول، ولا يحكيها النووي إلا وجهين فإن كان ذلك يدل على طريقين فيكون قد أسقط طُرقًا لا حصر لها.
قوله: ويكره ذبح السمك ولكن لو كان كبيرًا يطول بقاؤه فالمستحب ذبحه إراحة له أو تركه حتى يموت حتف أنفه؟
فيه وجهان منقولان عن "الحاوي" والأول هو جواب الشيخ أبي حامد. انتهى.
والراجح الاستحباب كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" ولم يُنَبّه في "الروضة" على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: في أصل "الروضة" ولو ابتلع سمكة حية أو قطع فلقة لم يحرم على الأصح لكن يكره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي لم يحك الخلاف في الفلقة في إباحة فعله بل في إباحة أكله، والمتجه تحريمه ولفظ الرافعي يشعر به فإنه قال: ولا ينبغي أن يقطع فلقة من السمكة وهي حية لما فيه من التعذيب ولو فعل ففي حَدِّها وجهان:
أحدهما: المنع ويحكى عن ابن أبي هريرة كما لو قطع عضوًا من غيرها.
стр. 4059
واحتج له بقوله ﵊: "ما أبين من حي فهو ميت" (١)، وأصحهما: الحل لأن المبان كالميت وميتة هذا الحيوان حلال. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يصرح هذا بالكراهة أصلًا لا في المسألة [الأولى] (٢) ولا في الثانية فاعلمه.
قال النووي من "زوائده": إن هذا الخلاف طردوه في الجراد، قال: ولو قلي السمك قبل موته في الزيت المغلي، قال الشيخ أبو حامد: لا يحل له فعله لأنه تعذيب وهذا تفريع على اختياره في ابتلاع السمكة حية أنه حرام وعلى إباحة ذلك يباح هذا. انتهى كلام النووي، وهو مشكل ولا يلزم من جواز الابتلاع جواز القلي.
قوله: في أصل "الروضة": ولو ركب عظم على سهم وجُعل نصلًا فَقُتِل به صيدٌ فلا يحل على المشهور. انتهى.
واعلم أن هذا الخلاف ليس خاصًا بما إذا قتل به صيدًا كما يوهمه كلام "الروضة" والرافعي، فإن الرافعي نقل الحل عن حكاية الماوردي عن نص الشافعي.
والماوردي قد نقل هذا النص في جواز الذبح بالعظم ثم اختاره على خلاف ما ذهب إليه الجمهور وعلله بأنه ليس من السن ولا من الظفر.
стр. 4060
قلت: وبما نقله الماوردي يعلم أن ما قاله في "تصحيح التنبيه" من حكاية [الخلاف في] (١) الذبح بالعظم صحيح فإنه عَبّر: بالأصح، لا: بالصواب، وأما ما ذكره في "شرح المهذب" من كونه لا يحل بلا خلاف فذهول عن المنقول.
قوله: ولو تردى بعير في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فهو كالبعير النَادّ في جواز رميه وفي إرسال الكلب عليه وجهان:
أحدهما: الجواز كما في الصيد، والبعير النَادّ، وهذا ما اختاره البصريون.
والثاني: المنع لأن الحديد يستباح به الذبح مع القدرة وعقر الكلب بخلافه، هكذا أورد الوجهين القاضي الروياني حكمًا وتوجيهًا ورجح الثاني منهما، ولك أن تتوقف فيه. انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": الأصح تحريمه وصححه أيضًا الشاشي انتهى.
وما اقتضاه كلامه من أن التصحيح للشاشي سهو، فإن الشاشي نقله عن الماوردي خاصة كذا ذكره في "الحلية" وهو الكتاب الذي ينقل منه النووي.
ثم راجعت كتابه المطول وهو المسمى بـ"المعتمد" فلم أر المسألة فيه بالكلية على أنه لم يظفر بهذا الكتاب، وظفر به الرافعي ثم راجعت أيضًا مختصره المسمى بـ"العمدة" فلم أرها أيضًا، وهذا لم يظفر به الرافعي ولا النووي واقتصر في "الشرح الصغير" على نقل ترجيح الروياني.
قوله: ولو رمي إلى صيد فقده قطعتين فكل منهما حلال ولو أبان منه
стр. 4061
عضوًا كيدٍ ورجلٍ بجراحة مدفقة ومات في الحال حل العضو وباقي البدن، فإن لم تكن الجراحة مدفقة فأدركه [صاحبه] (١) وذبحه أو جرحه جرحًا آخر مدفقا، فالعضو حرام لأنه أُبين من حي وباقي البدن حلال، وإن مات من تلك الجراحة ولم يتمكن من الذبح حَلّ باقي البدن، وفي العضو وجهان:
أحدهما: الحِل لأن الجرح السابق كالذبح للجملة.
وأصحهما: التحريم لأنه أُبين من حيّ. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من تصحيح التحريم ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فصحح الجواز، وعَبّر بلفظ: الأصح أيضًا، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج".
قوله: كما يكتفي بالمشي بلا عدو في السعي إلى الجمعة وإن عرف التحرم بالصلاة بأماراته. انتهى.
ومقتضى ما ذكره أنه لا فرق بين أن تفوت معه الجمعة أم لا، وقد صَرّح به الماوردي في باب الجمعة من كتابه المسمى بـ"الإقناع" وحذف النووي هذه المسألة من "الروضة".
قوله: لو أرسل كلبًا في عنقه قلادة محددة فجرح بها الصيد حَلّ كما لو أرسل سهمًا قاله في "التهذيب".
وقد يُفْرق بأنه قصد بالسهم الصيد ولم يقصده بالقلادة. انتهى.
وهذا الفرق قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا لكن القاضي الحسين قد ذكر المسألة في "تعليقه" وصورها بما إذا علم الكلب أن يضرب بتلك الحديدة، قال: لأنه يصير كناب الصيد وإرسال الكلب. انتهى.
стр. 4062
و"التهذيب" مختصر تعليقة شيخه المذكور فهو مراده، إلا أنه لم يوضحه لكونه مختصرًا.
قوله: الثانية: إذا ظهر كون الكلب معلمًا ثم أكل من لحم الصيد حرم في أصح القولين.
ثم قال: قال الإمام: وكنت أود لو فصل مفصل بين أن يَنْكَفّ زمانًا ثم يأكل، وبين أن يأكل كما أخذ، فإن الزمان إذا تمادى بعد الإنكفاف ولم يتعرضوا له. انتهى.
وهذا الذي ذكره الإمام بحثًا وادعى أنهم لم يتعرضوا له قد ذكره الجرجاني في كتابيه "الشافي" و"التحرير"، فقال واللفظ "للتحرير" ما نصه: وإن أكل الكلب من الصيد غير متصل بالعقر حَلّ وإن أكله متصلًا بالعقر فعلى قولين: أصحهما: يحل. هذا لفظه.
قوله: وذكر الغزالي أن ما يقتله الفهد والنمر حرام لأنهما لا يتعلمان، ثم قال: وهذا خلاف ما نَصّ عليه الشافعي والأصحاب فإنهم جعلوهما مما يصطاد من السباع كالكلب. انتهى كلامه.
وما ذكره في النمر من كونه يصلح للصيد حتى يؤكل ما قتله قد خالفه في أول كتاب البيع في الكلام على اشتراط النفع فجزم بأنه لا يصح بيعه لأنه لا يصلح للصيد، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه فإنه غريب وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: قال الإمام: ولو رمى إلى شاته الربيطة -أي المربوطة- آلة جارحة فأصاب الحلقوم والمرئ وفاقًا وقطعهما ففي حِلّ الشاة مع القدرة على إمرار السكين نظر، ويجوز أن يفرق بين أن يقصد المذبح بما يرميه وبين أن يقصد
стр. 4063
الشاة فيصيب المذبح. انتهى كلامه.
والصحيح في هذه المسألة هو الحل، فقد قال الرافعي بعد ذلك في أوائل الفصل الثاني المعقود للاشتراك في الجرح: إنه الظاهر.
وقال في "الروضة" هنا من "زوائده": إنه الأرجح. ولم يعزه للرافعي ولم يصرح به هناك فأشعر كلامه أن لا ترجيح في المسألة للرافعي.
قوله: ولو قصد بالرمي ظبية فأصاب غيرها فوجهان: أصحهما وبه قال أبو حنيفة: إنها تحل لوجود قصد الصيد.
والثاني: المنع، وبه قال مالك. انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح الحِل، وهذا الذي صححاه خلاف ما نص عليه الشافعي فإنه قال في "البويطي" في باب السُّنة في الصيد ما نصه: وإن نوى صيدًا بعينه في جماعة صيد فقتل [آخر] (١) فلا يأكل، وقد قيل: يأكل. هذا لفظه بحروفه ومن "البويطي" نقلته.
قوله: وإن جرحه جرحًا لم يقتله ثم غاب عنه فوجده ميتًا وليس عليه أثر جراحة أخرى ففي الحِل قولان:
أصحهما عند البغوي: الحل؛ لكن أصحابنا العراقيون وغيرهم إلى ترجيح التحريم أميل. انتهى.
صحح "النووي" أيضًا في "المنهاج" التحريم، وقال في "الروضة" من "زوائده": الحل أصح دليلًا وصححه [أيضًا] (٢) الغزالي في "الإحياء" وثبتت فيه أحاديث صحيحة ولم يثبت في التحريم شيء وعلق الشافعي الحِل على صحة الحديث، والله أعلم.
стр. 4064
وللمسألة نظائر منها: إذا مَشّط المُحْرِم رأسه فانتتف منها شعر وشك هل انتتف بالشط أم كان منتتفًا، والأصح في "الروضة" أنه لا فدية، ولم يحيلوه على هذا السبب.
ومنها: إذا قطع ملفوفًا فادعى الولي أنه قتله، وادعى الضارب أنه كان ميتًا، والأصح فيهما تصديق الولي إحالة على السبب الظاهر.
ومنها: إذا بالت ظبية في ماء، ثم وجده متغيرًا، فإنّ المذهب المنصوص عليه نجاسته إحالة له على السبب الظاهر، وهو يشكل على "الرافعي" في تصحيحه عدم جواز الأكل في مسألتنا، إذ لو أحال على السبب لأباح.
стр. 4065
قال: النظر الثاني في بيان ما يملك به الصيد
قوله: ولو توحل الصيد بمزرعته أو عشش الطائر في ملكه وباض وَفرّخ وصار مقدورًا عليه، لم يملكه في أظهر الوجهين، ثم قال: وعلى هذا فحكى الإمام عن الأصحاب أن صاحب الدار أولى بتملكه وليس لغيره أن يتخطى ملكه ويأخذه، فإن فعل فهل يملكه؟ فيه وجهان قريبان من الوجهين في ما إذا تحجر مواتًا فأحياه غيره، وهذه الصورة أولى بثبوت الملك؛ لأن التحجر للإحياء والتملك وبناء الدار لا يقصد به ذلك. انتهى كلامه.
والصحيح في مسألة التحجر أنه تملك على ما قرره في إحياء الموات، فيكون الأصح هنا أيضًا أن الأخذ له بملكه، بل أولى على ما ذكره هنا، وجزم أيضًا في آخر "الإحياء" في الكلام على المياه المختصة: بأن الأخذ تَمَلّك، لكن فرضه في الماء خاصة وهو نظير ما نحن فيه.
إذا علمت ذلك فقد ذكر هذه المسائل في آخر الوليمة في الكلام على ما إذا وقع في حجره شيء من النثار ولم يكن بسط ثوبه لذلك، ورجح فيها أنه لا يملك، وسَلم في "الإحياء" أنه يملك وفَرّق بينهما، وقد ذكرت هناك لفظه فراجعه فإنه موضع غريب وقع أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه عليه النووي في "الروضة" وزاد على ذلك فصرح بتصحيح الملك في أوائل "الإحياء"، فقال: قلت: الأصح أنه يملكه -يعني الفرخ- قال: وكذا لو توحل طير في ملكه أو وقع الثلج فيه ونحو ذلك. هذا كلامه.
وقد تلخص أن في "الروضة" بخصوصها ثلاثة أجوبة متعارضة، فإنه