← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

تقول قذرت الشيء بكسر الذال المعجمة تقذرته واستقذرته، أي كرهته، كما قال الجوهري. والكراهة لا تتعلق باختيار الشخص حتى نحكم عليها بالكراهة الشرعية، وكأن مراد الرافعي بها هو إظهار ذلك؛ ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: يعيبه، عوضًا عن قول الرافعي: يقذره. قوله: ويستحب أن يقول بعد الفراغ: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا. انتهى. وهذا التحميد قد تابعه عليه في "الروضة" وهو ناقص شيئًا، وتتمته مذكورة في باب الوليمة من "زوائده" فراجعه.

стр. 4132

كتاب السبق والرمي وفيه بابان: الباب الأول في المسابقة قوله: ولا يجوز عقد المسابقة على ما لا ينفع في الحرب، كاللعب بالشطرنج والخاتم والصولجان ورمي البندق والجلاهق والوقوف على رِجْل واحدة. انتهى. تبعه في "الروضة" عليه ومقتضاه: أن الرمي بالجلاهق غير الرمي بالبندق وليس كذلك. فإن الجلاهق: هو بضم الجيم اسم للبندق اللين الذي يرمى به، وقوسه يقال له: قوس الجلاهق، كذا ذكره الجوهري وغيره، وكذلك أصحابنا في كتاب الوصية. قوله: وفي الحديث: أنه سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع (١). انتهى. الحيفاء: بحاء مهملة مفتوحة ثم فاء ساكنة ثم ياء مثناة من تحت، ثم ألف ممدودة، وقال صاحب "المطالع": بمد وتقصير. وضبطه بعضهم بضم الحاء وهو خطأ، وقال الحازمي: يقال فيها أيضًا: الحيفاء بتقديم الياء على الفاء. ونقله النووي في "تهذيبه"، ثم ذكر أيضًا ألفاظًا منها: فراهة الفرس، والفراهة بفاء مفتوحة وراء مهملة [هو الحذق بالشيء. تقول فره يفره بالضم فيهما فهو فاره أي: حاذق.

стр. 4133

ومنها: ] (١) ما ذكره في أسماء المتسابقين، قال: فيقال للذي يجيء أولًا: السابق والمجلّي. ويقال للثاني: المصلي. وللثالث: المسلي وكذا التالي. وللرابع: التالي، وقيل: المرتاح. وللخامس: العاطف، وقيل: المرتاح. وللسادس: المرتاح المرماح، وقيل: العاطف. وللسابع: المرمل، وقيل الحظي. [وللثامن: الحظي، ] (٢) وقيل: المرمل. وللتاسع: اللطيم. وللعاشر السكيت، كالمكيت، ويقال له: الفسكل. وكانوا لا يعتدون بما يجيء بعد ذلك. انتهى. لم يذكر هذه الأسماء في "الروضة"، ولابد من التعرض إلى ضبط ألفاظها فنقول: المجلّي: بالجيم المفتوحة وتشديد اللام. والمصلي: المذكور أولًا بالصاد والمذكور ثانيًا بالسين المهملة. والتالي: بالمثناة من فوق واللام. والمرتاح: بميم مضمومة وراء ساكنة وبالمثناة من فوق والحاء المهملة.

стр. 4134

والعاطف: بالعين والطاء المهملتين والفاء. والمرمل: بميم مضمومة ثم راء مفتوحة ثم ميم مشددة مكسورة. والحظي: بحاء مهملة مفتوحة وظاء معجمة مشالة. واللطيم: بلام مفتوحة وطاء مهملة. والسكيت: بسين مهملة مضمومة، على أنه مصغر وفي آخره تاء مثناة من فوق. والفسكل: بفاء مكسورة وسين مهملة ساكنة وكاف مكسورة وباللام. وفي أسمائهم خلاف آخر لم يذكره الرافعي. وقد نظم بعضهم أسماءها على القول المشهور في بيتين تقريبًا للاستحضار وهما: مصلي وتالي ثم يتلوه بارع ... ومرباصهم أما المجلي فأول وبعد حظي عاطف ثم بعده ... مرملهم ثم السكيت ففسكل قوله: ويشترط أن يكون المال معلوم الجنس والقدر. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا مع أنه لابد من العلم بالصفة. قوله: وإن سابق ثلاثة وشرط للثاني مثل ما شرط للأول فوجهان: أصحهما: الجواز؛ لأن كل واحد منهما والحالة هذه مجتهد ويسعى أن يكون سابقًا أو مصليًا. انتهى. وما ذكره هنا من تصحيح الجواز قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وخالف في "المحرر" فجزم بالبطلان، وتبعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف. قوله: وعن أبي إسحاق: أنه إذا تباعد النوعان كالعتيق والهجين من

стр. 4135

الخيل، والنجيب والنجبا من الإبل لم يجز، وهذا ما ينبغي أن يرجح وإن كان الأول أشهر لأنه إذا تحقق التخلف فأي فرق بين أن يكون لضعف عارض أو لرداءة النوع. انتهى كلامه. واعلم أن تجويز الأكثرين المسابقة بين العتيق والهجين والنجيب والنجبا محمول كما قاله في "الروضة" على ما إذا لم يقطع بسبق العتيق والنجيب. قوله: الأشياء التي جرى ذكرها في كلام الأصحاب لاعتبار السبق بها ثلاثة [أوجه: ] (١). أحدها: الكتد: بفتح التاء وكسرها والفتح أشهر وهو مجمع بين الكتفين بين أصل العنق والظهر. الثاني: الأقدام: وهي القوائم. والثالث: الهادي: وهو العنق. ونقل الإمام اختلاف وجه أو قول في أن الاعتبار بالهادي أم بموقع الأقدام والكتد. ورأي الثاني أقيس. والذي يوجد لعامة الأصحاب في كتبهم: أن الاعتبار في الإبل بالكتد -وفي الخيل بالهادي، لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو فلا يمكن اعتباره والخيل تمدها. قالوا: فإذا استوى الفرسان في خلقة العنق طولًا وقصرًا فالذي تقدم بالعنق أو ببعضه هو السابق، فإن اختلفا وتقدم الأطول نظر: إن تقدم بقدر زيادة الخلقة فما دونها فليس بسابق، فإن تقدم بأكثر فسابق. وحُكيت أوجه أخرى ضعيفة، إلى أن قال: والوجه السابع المعتبر ما شرطاه من الكتد أو الهادي. انتهى.

стр. 4136

واعلم أن ما رجحه الرافعي من اعتبار الكتد في الإبل مقتضاه: أنه لا فرق فيه بين الإطلاق وغيره حتى لو شرطا غيره لبطل العقد. وتعليله بأنه لا يمكن اعتبار الأذن صريح في ذلك. وقد ذكر النووي أيضًا في "الروضة" هذا التعليل، ثم استدرك على الرافعي في حكاية الوجه السابع، فقال: قلت: هذا السابع ضعيف. لأن المسألة في ما إذا أطلقا. والله أعلم. وما ذكره من "زوائده" من تخصيص ذلك بحالة الإطلاق هو ما ذكره الشيخ في "المهذب"، لكن طريقة الرافعي صريحة في منافاته وإلا فليصرح ببطلان التوجيه المذكور أولًا. قوله: ولو سابقا على أن من سبق منهما بأقدام معلومة على موضع كذا، فله السبق. حكى الأئمة عن صاحب "الإفصاح": أنه يجوز؛ لأنهما يتحاطان ما تساويا فيه ويجعل السبق لمن تقدم بالقدر المشروط فهو كشرط المحافظة في المناضلة، وأنه قال: رأيت من أصحابنا من منع ذلك وأبطل العقد به، ولا أعرف له وجهًا. قال الرافعي: والغاية في الحقيقة نهاية الأقدام من ذلك الموضع، لكنه شرط في الاستحقاق تخلف الآخر عنها بالقدر المذكور. انتهى ملخصًا. والصحيح ما قاله صاحب "الإفصاح"، [فقد صححه النووي في "أصل الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام] (١) الرافعي فتفطن له، والقائل: إنه لا يعرف للمانع وجهًا هو صاحب "الإفصاح" لا الرافعي، كذا بينه البغوي في "التهذيب"، ومنه أخذ

стр. 4137

الرافعي المسألة. وقد ذكر الرافعي في الشرط السادس من الباب الثاني: أنه يشترط تساوي المتناضلين والمتسابقين في الوقف حتى لو شرطا أن يكون موقف أحدهم أقرب لم يجز. وما ذكره هناك غير ما ذكره هنا فاعلمه. قوله: فلو تسابقا على عوض كان في الذمة، قال في "البحر": فيه وجهان بناء على الوجهين في جواز الاعتياض عنه. انتهى. تابعه في "الروضة" على إطلاقه، لكن قد تقدم في الكلام على المبيع قبل القبض [أن الدين إن لم يكن ثمنًا ولا مثمنًا كدين الغرض والإتلاف جاز الاعتياض عنه بلا] (١) خلاف، وإن كان مثمنًا كدين السلم لم يجز بلا خلاف، وإن كان ثمنًا فهذا موضع الخلاف. والخلاف فيه قولان: الجديد: جوازه. والقديم: منعه. فتلخص [أيضًا] (٢) أن الخلاف ليس كما أطلقه. وأنه أيضًا قولان لا وجهان كما قاله هاهنا. قوله: ولو شرط -أي المخرج- على السابق أن يطعم السبق أصحابه فسد العقد كما لو باعه شيئًا بشرط أن لا يبيعه. وعن أبي إسحاق وجه أنه يصح العقد وقبوله الإطعام عدة إن شاء وَفَّى بها وإلا فلا. انتهى.

стр. 4138

قال النووي من "زوائده": وفي "التنبيه" وجهان آخران: أحدهما: يفسد المسمى ويجب عوض المثل. والثاني: يصح العقد ولا عِوض. هذا لفظه. فأما الوجه الأول: فمذكور في "التنبيه" كما ذكره، وعلته أن المسابقة لما جاز عقدها بالمال تارة وبعدمه أخرى لم يكن العوض ركنًا فيها، وحينئذٍ فلا يقتضي فساده بطلان العقد بل الرجوع إلى عوض المثل قياسًا على النكاح. أما الوجه الثاني: فعبارة "التنبيه" فيه: وقيل: يصح، ولا يستحق شيئًا. وقد شرحه ابن الرفعة وغيره: على أن المعنى أنه لا يستحق المشروط له الطعمة شيئًا، وهذا هو وجه أبي إسحاق. وأما تصريحه بأنه لا عوض له فليس في "التنبيه"، وكيف يعقل القول بهذه المعاملة؟ وما فائدة صحة العقد على هذا التقدير؟ قوله: والمسابقة على المال عقد لازم في أصح القولين كالإجارة. والثاني: أنها جائزة كالجعالة، ثم قال: فإن فرعنا على الجواز فيجوز الزيادة والنقصان في العمل وفي المال بالتراضي. انتهى. تابعه في "الروضة" هنا على تقييد الجواز بالتراضي ومقتضاه: أنه ليس لأحدهما الانفراد به، وليس كذلك بل الأصح جوازه لأحدهما، فإن لم يرض صاحبه بالزيادة فليفسخ، وقيل: يمتنع مطلقًا، وقيل: إن كان متساويًا أو فاضلًا فله الزيادة، وإن كان مفضولًا فلا. كذا ذكره الرافعي في آخر الباب الثاني وحكى معه وجهًا آخر أنه لا

стр. 4139

يجوز بالتراضي وبَيّن ضابط الفاضل والمفضول. قوله: فإن قلنا باللزوم فلا يجوز لهما الزيادة في العمل والمال ولا النقص منه. إلا أن يفسخا العقد الأول ويستئنفا عقدًا. فإذا سبق أحدهما فلابد من قبول الآخر بالقول ولا يكلف المسبق البداءة بتسلم المال بخلاف الأجرة. انتهى. ومراده بقوله: فإذا سبق أحدهما -أي أخرج المال- وهو بتشديد الباء وكذا مراده بالسبق أيضًا فتفطن له، وهو أيضًا بالتشديد. والسبق: بفتح الباء المخففة هو المال، وهاتان اللفظتان مأخوذتان من ذلك. ويوضح أن المراد ما ذكرناه: أنه لما ذكر قول الجواز وفَرّع عليه وذكر بعده قول اللزوم أعاد تلك الفروع بعينها على الترتيب المذكور على قول الجواز حاكمًا عليها بنقيض ما حكم به أولًا. ذكر هذا في مقابلة إخراج المال من أحدهما فتأمله يتضح لك. وقد عبر في "الروضة" بقوله: ولا يكلف المسبق البداءة بتسليم المال على المذهب. هذا لفظه وتعبيره: بالمذهب يقتضي أن الرافعي حكى طريقين، وليس كذلك، بل حكى فيه وجهًا باللزوم، وقال: إنه ضعيف. ذكر ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز". واعلم أن ما ذكرناه في امتناع الزيادة في العمل والمال محله إذا قلنا: إن المسابقة لا يثبت فيها خيار المجلس، ولكنا إذا قلنا: بأنها لازمة إلحاقًا لها بالإجارة، فيجيء فيها الخلاف المذكور في الإجارة. كذا ذكره الرافعي في كتاب البيع ولم يتعرض له هاهنا، وقد ذكره أيضًا الشيخ في "التنبيه" هنا.

стр. 4140

قوله: ويجوز ضمان السبق والرهن به على هذا القول على هذا المذهب وقال القفال قولان، كضمان ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، فأما بعد الفراغ من العمل، فيجوز ضمان السبق والرهن به على القولين، وإن كان السبق عينًا لزم المسبوق تسليمها. . . . إلى آخره. وما ذكره من جواز أخذ الرهن والتضمين على قول اللزوم مقتضاه أنه لا فرق في العوض بين الدَّين والعين، وهو في الدَّين مسلم، وأما العين فالأصح على قاعدة الرافعي: أن الرهن لا يصح، وأما الضمان: فإن التزم الضامن تسليم العوض وهو في يد باذله صح على الصحيح. والخلاف فيه كالخلاف في كفالة البدن، وإن ضمن قيمتها لو تلفت لم يصح في أصح الوجهين، هذا حاصل ما ذكره الرافعي في كتاب الضمان ومسألة الرهن مذكورة في كتاب الرهن.

стр. 4141

الباب الثاني في الرهن قوله: ولو أخرج الحزبان المال وشرطوا لواحد من الحزبين أنه إن كان الفوز لحزبه شاركهم في أخذ المال، وإن كان الفوز للحزب الآخر فلا شيء على ذلك الواحد إنما يغرم أصحابه، فيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز ويكفي ذلك الشخص محللًا. وأصحهما: على ما ذكر الإمام المنع لأن المحلل هو الذي إذا فاز استبد بالمال. وهاهنا لا يستبد بل يوزع المال عليه وعلى أصحابه لو فازوا، ولو اشتمل كل حزب على محلل على الصورة المذكورة، قال الإمام: فيه وجهان مرتبان. وهذه الصورة أقرب إلى الصحة؛ لاشتمال كل حزب على محلل، والوجه المنع، فإن المحلل من يفوز بالإسباق. انتهى كلامه. وما ذكره في آخر المسألة من أن الوجه المنع هو من تتمة كلام الإمام، فإنه هكذا ذكر، وصرح بنقله عنه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: قال الإمام: والوجه المنع. هذا لفظه. والمعنى: أن هذه الصورة وإن كانت أولى بالصحة من الأولى، فإن المتجه فيها أيضًا هو البطلان. إذا علمت ذلك فقد صحح النووي في "أصل الروضة" البطلان في المسألتين كما رجحه الإمام. قوله: إذا اختلف جنس ما يرمي به كالسهام مع المزاريق ففيه وجهان

стр. 4142

كالوجهين في المسابقة على الإبل والخيل، وهذه الصورة أولى بالجواز، ومع هذا فالجواب في "المهذب": المنع. انتهى. وليس في كلامه ترجيح لشيء في مسألتنا وهي السهام مع المزاريق، وإن كان الصحيح الامتناع بين الخيل والإبل، فإن حاصل كلامه: أَنّا إن منعناه هناك فهاهنا وجهان، فإن هذا هو معنى الأولوية، والراجح: عدم الصحة، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: ومع هذا الترتيب فالأشبه المنع. هذا لفظه. وصححه أيضًا النووي في "الروضة" ولم يُنَبّه فيها على أنه من "زوائده" فتفطن له. قوله: ولو شرطا ما هو واجب في العادة كإصابة الحاذق واحدًا من مائة ففي صحة العقد وجهان: أحدهما: المنع، فإن هذه المعاملة ينبغي أن يكون فيها خطر ليسعى العاقد ويتأنق في الرمي بمشاهدة رميته. انتهى كلامه. ولم يذكر الرافعي في هذه المسألة غير ذلك وهو كلام ناقص وغير منتظم. أما نقصانه: فواضح وهو عدم التعرض للوجه الثاني وتعليله وهو أولى بالذكر من الأول؛ إذ هو أخفى توجيهًا منه خصوصًا مع تعبيره بقوله: أحدهما، فإنه يستدعي ذكر الثاني، وأما إذا أرادوا الاقتصار على تعليل واحد فيقتصرون على الأغمض، ويعبرون بقولهم مثلًا: وجه المنع أو نحوه. وأما عدم انتظامه: فلأن ما ذكره في آخر كلامه من مشاهدة الرمي فلا ارتباط له بهذا الكلام فتأمله، وقد ظهر الساقط بحمد الله تعالى من كلام

стр. 4143

"الشرح الصغير" فإنه قال: وجه المنع أن هذه المعاملة ينبغي أن يكون فيها خطر ليسعى العاقد ويتأنق في الرمي، والأصح عند جماعة منهم صاحب "الكتاب" أنه يصح ليتعلم الرمي بمشاهدة رميه. هذا لفظه. فسقط من الرمي إلى الرمي من الناقل من المسودة فلزم إخلال النُّسخ. وقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الموضع باجتهاده فإنه قال: ففي صحة العقد وجهان: وجه المنع: أن هذا العقد ينبغي أن يكون فيه خطر ليتأنق الرامي في الإصابة. هذا لفظه. فأسقط من التعليل الكلام المشكل وهو الأخير وأتى بالباقي بصيغة لا تستدعي ذكر الوجه الآخر وتعليله. ولقد أحسن في هذا الاختصار حيث لم يتفطن للساقط ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وسكت الرافعي والنووي عما لو شرط إصابة تسعة من عشرة، وقد ذكرها الشيخ في "التنبيه" وحكى فيها قولين وصحح المنع كما في عشرة من عشرة. قوله: ثم كتب كثير من الأصحاب، منهم العراقيون مصرحة بأنه لابد من ذكر ما يريدان من القرع والخزق والخسق بخلاف الخرم والمرق فإنهم لم يشترطوا التعرض لهما. والأصح ما ذكره البغوي: أنه لا يشترط، قال: وإذا أطلقا العقد حملا على القرع، لأنه المتعارف. انتهى. تابعه في "الروضة" على نقله عن العراقيين. واعلم أن الماوردي والشيخ في "المهذب" بعد ذكرهما اشتراط بيان

стр. 4144

الثلاثة، قالا: إنهما إذا أطلقا حمل على القرع، وهو يدل على أن التنصيص عليه إنما هو على جهة الأولوية عندهم. قوله: وهل يشترط في العقد التعرض للمحاطة والمبادرة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم ويفسد إذا تركاه لتفاوت الأغراض فإن من الرماة من يكثر الإصابة في الابتداء ويقل في الانتهاء، ومنهم من هو على عكس ذلك. وأصحهما على ما ذكر صاحب "التهذيب": أنه لا يشترط، وإذا أطلقاه حمل العقد على المبادرة، فإنها الغالب من المناضلة. انتهى كلامه. وقد اختلف تصحيحه في هذه المسألة، وصحح في "الشرح الصغير": أنه لا يشترط، وعَبّر: بالأصح ولم ينقله عن صاحب "التهذيب". وجزم في "المحرر" بأنه يشترط، فقال: فصل: يشترط في المناضلة بيان أنهما يرميان مبادرة أو محاطة (١). هذا لفظه. واختلف كلام النووي أيضًا في هذه المسألة، فإنه جزم في "المنهاج" بمثل ما في "المحرر" وأطلق في "الروضة" تصحيح عدم الاشتراط. قوله: ويشترط العلم بالمسافة التي يرميان إليها فإن لم يكن للرماة عادة فلابد من البيان في العقد وإن كان بأن كانت لهم هناك مرمى معروفة فقولان الراجح: أنه لا يشترط وينزل العقد على العادة. ثم إن المسألة على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتوقع فيه الإصابة ويقرب. والثاني: ما تمتنع الإصابة فيها في العادة. والثالث: ما تعذر فيها الإصابة. انتهى ملخصًا.

стр. 4145

فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل قسمًا رابعًا وهو: أن تتحقق الإصابة، وقد ذكر هذه الأقسام الأربعة في عدد الإصابة، وقد سبق الكلام على هذا القسم بعينه في المسألة السابقة، وذكرت فيه ما حاصله: رجحان الجواز فراجعه، ولا شك أن الرافعي تركه نسيانًا. الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل ذلك أوجهًا في اشتراط بيان النوع الذي يرمي به كالقوس العربي والفارسي. أصحها وهو قول الأكثرين: أنه لا يشترط سواء غلب نوع أم لا؛ لأن الاعتماد على الرامي، وحينئذ فإن اتفقا على نوع وإلا فيفسخ العقد. والثاني: يشترط مطلقًا لاختلاف الغرض. والثالث: إن غلب في موضعهما نوع صح ونزل العقد عليه وإلا فيبطل. انتهى. وهذا مخالف لما ذكره في اعتبار المسافة بالنسبة إلى العادة، وذكر أيضًا أنه هل يجب التعرض لعدد الرمي أم لا؟ قال: فيه ثلاثة أوجه: الأكثرون: على أنه يشترط لأن الإرشاق في المناضلة كالميدان في المسابقة. والثاني: لا لأنه قد لا يستوفي الإرشاق لحصول المقصود في خلالها. والثالث: يشترط ذلك في المحاطة لينفصل الأمر وتتبين نهاية العقد دون المبادرة. انتهى. فقد صحح هاهنا اشتراطه مطلقًا من غير تعرض لعادة غالبة وغيرها. وذكر أيضًا نحوه في اشتراط البادئ منهما، ولم يصحح الرجوع إلى

стр. 4146

العادة في تقديم مخرج المال، وهما أيضًا مخالفان لكل واحد من الموضعين السابقين. والمتجه استواء الجميع في اعتبار العادة أو عدم اعتبارها. واعلم أن صاحب "التنبيه" ذكر أن الرمي ينقسم إلى محاطة ومبادرة ومناضلة، ولم يتعرض الرافعي وغيره إلا للقسمين الأولين. قوله في "الروضة" في الكلام على المسألة: وهل يشترط ذكر الإرشاق وبيان عددها في العقد؟ فيه طريقان: المذهب وبه قطع عامة الأصحاب، يشترط ذلك في المحاطة والمبادرة ليكون للعمل ضبط. والإرشاق في المناضلة كالميدان في المسابقة. والثاني: فيه ثلاثة أوجه ذكرها الإمام، وجعلها الغزالي أقوالًا: أحدها: هذا. . . . إلى آخر ما سبق. واعلم أن الغزالي ﵀ في "البسيط" قد جعل الخلاف أوجهًا كما جعله إمامه. وإنما ذكر أنها أقوال في "الوسيط" خاصة، وهكذا قيد الرافعي أيضًا، وأطلق النووي النقل عنه فتوجه عليه الاعتراض. على أن الغزالى وغيره من المراوزة لم يلتزموا التفرقة بين الأوجه والأقوال، وإنما اللفظان عندهم لمطلق الخلاف، فليس في التعرض لهذا النقل عنه كثير فائدة. قوله: الثاني: ذهب الإمام والغزالي إلى أنه لا يشترط استواء الحزبين في العدد حتى يجوز أن يكون أحد الحزبين ثلاثة والثاني أربعة والإرشاق مائة، وأن يرامي رجل رجلين أو ثلاثة فيرمي هو ثلاثة وكل واحد منهم واحد.

стр. 4147

وذهب صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما إلى المنع. انتهى ملخصًا. ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، والأكثرون على ما صرح به الرافعي في "الشرح الصغير" على الثاني. قوله: ولا يجوز أن يعقدا قبل تعيين الأعوان ولا وجه لالتزام الرماة في الذمة، نَصّ عليه القفال والأئمة. فيختار زعيم واحدًا والزعيم الآخر في مقابلته واحدًا، ثم الأول واحدًا ثم الآخر واحدًا إلى أن يستوعبوا. ولا يجوز أن يختار واحدًا جميع الحزب أولًا، لأنه لا يؤمن أن يستوعب الحذاق ولا يجوز أن يعينا الأصحاب بالقرعة لأنها قد تجمع الحذاق، في أحد الجانبين وفي الثاني الخرق، وأيضًا فالقرعة لا مدخل لها في عقود المعاوضات، وكذلك لا تجوز المسابقة على أن من خرجت منهم، فقد قال الإمام: لا بأس به، فإن القرعة بعد أن تعدل الحصص والأقساط معهودة، والذي أورده صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما المنع لأن تعيين المعقود عليه بالقرعة في المعاوضات لا يجوز. هذا ما ذكروه، ولك أن تقول: قد تقرر أن العقد لا يجوز قبل التعيين وحينئذ فقولهما لا يجوز التعيين بالقرعة وإنما التعيين بالاختيار، إما أن يريد به: أن مناضلة الحزبين على أن يكون مع كل زعيم الذين تخرجهم القرعة له لا يجوز، أو يريد به: أن المناضلة على عين من أخرجته القرعة لا يجوز، إن أراد الأول: فالمناضلة على من يختاران من بعد وجب أن لا يجوز أيضًا كما في سائر العقود، وإن أراد الثاني: وجب أن يحكم بالجواز، فإنهما إذا اختارا بلا قرعة وعقدا يجوز، فإذا خرجت القرعة ورضيا بمن أخرجته وعقدا عليهم وجب القول بالجواز.

стр. 4148

فإذا لا فرق بين التعيين بالاختيار والتعيين بالقرعة. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من كونه لا يجوز أن يختار واحدًا ولا جميع الحزب ولا التعيين بالقرعة مخالف لما ذكره في أثناء السؤال الذي أورده على "المهذب" و"التهذيب" فإن فيه الجزم بالجواز، وسيأتيك واضحًا إن شاء الله تعالى في الكلام عليه، أعني على السؤال. نعم صرح الماوردي وغيره في الاختيار بما قاله الرافعي وعلله بأنه يختار الحذاق خاصة فيفوت المقصود من المسابقة وهو التحريض، وقياس القرعة كذلك. وقد يفرق بأن القرعة قد لا تؤدى إليه. والحذق المذكور أولًا في كلام "الرافعي": هو بالحاء المهملة المضمومة والذال المشددة المفتوحة جمع حاذق وهو الماهر الفطن. والخرق المذكور ثانيًا بالخاء المعجمة المضمومة والراء الساكنة جمع أخرق كأحمر وحمر، والأخرق: قليل المعرفة بالأمور. الأمر الثاني: في الكلام على قول الرافعي: وكذلك لا تجوز المسابقة على أن من خرجت منهم، فقد قال الإمام: لا بأس به. . . . إلى آخره، فإنه كلام ملبس، والمراد ما ذكره في "الروضة" فإنه عبر بقوله: ولهذا لا تجوز المناضلة على تعيين من خرجت القرعة عليهم، وقال الإمام: لا بأس به، هذه عبارته. وهو مراد الرافعي، إلا أن في تعبيره عجمة مع ما حصل في النسخ أيضًا من تغيير بعض الحروف كتعويض اللام الداخلة على ذلك بالكاف. والواو الداخلة على قد بالفاء، وغير ذلك. ولو عبر النووي بقوله: من تخرج القرعة "عليهم" عوضًا عن:

стр. 4149

"خرجت"، لكان أظهر في المراد. الأمر الثالث: أن ما نقله الرافعي عن الإمام من جواز عقد المسابقة على من تخرجه القرعة قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غلط عجيب فإن الذي ذكره الإمام أن التعيين قبل عقد المسابقة لابد منه، وأن التعيين إن كان بالقرعة فينبغي العدل في الحزبين أولًا قبل الإقراع بينهما، ثم حكى ما قاله الرافعي احتمالًا، وصرح بأنه بعيد. فقال: ومما ذكره الأئمة في اعتبار التعديل أنهم إذا كانوا يقتسمون الأعوان فلا ينبغي أن تحكم القرعة، فإن القرعة تعدل وتجور، فقد تجمع الحذق في جانب والخرق في جانب، بل الوجه أن يقتسموا على اعتدال فيضم حاذق إلى أخرق، وكذا في الجانب الثاني حتى إذا أرادوا بعد ذلك القرعة فلا بأس، فإن القرعة تستعمل في القسم بعد تعديل الحصص والأقساط، ثم قال: فنقول: إن اقترعوا ثم أنشأوا رضًا بما أمضته القرعة فلا بأس فإنهم لو تحكموا بذلك جاز، وإن قالوا: رضينا بما تقتضيه القرعة ثم فرض رجوع عن هذا الرضا جاز، وإن استمروا على الرضا ولم ينشئوا رضا بعد انفصال الأمر بالقرعة فالظاهر أن ذلك الرضا غير صحيح، فإنه في حكم المتعلق بما سيكون وتعليق الرضا باطل، ولا يمتنع أن يحتمل في معاملة مبناها على الخطر. والأَوْجَه: المنع، والاحتمال بعيد. وحينئذ، فإن فرض الاقتراع بعد العقد فالعقد باطل، لما قدمناه من اشتراط نزوله على [معينين]، وإن فرض قبل العقد فالعقد يرد على [معينين] فلتكف القرعة إذا كان التراضي يقع بعدها لأن من ضرورة [إنشاء] (١) العقد الرضا باللذين تقع الإشارة إليهم.

стр. 4150

هذا كلام الإمام، وقد علم به أن ما نقله عنه الرافعي وهم عجيب سببه أنه نظر إلى أول الكلام فقط ذاهلًا أيضًا عن المراد به. الأمر الرابع: أن السؤال الذي أورده الرافعي سؤال فاسد فلنتكلم أولًا على مدلوله ثم على الاعتراض عليه. فنقول: أما مدلوله فصحيح، وهو أن صاحب "التهذيب" و"المهذب" إن أرادا: أن عقد المناضلة لا يجوز على من تخرجه القرعة في المستقبل بعد العقد فهو مسلم، لكن التعبير بالاختيار كذلك أيضًا، فإن المتسابقين لو عقدا المناضلة على من يختارانه بعد ذلك لم يجز، لأنه قد تقرر أن العقد لا يجوز قبل التعيين، فإن أرادا: أنه لا يجوز عقدها على من خرجت عليه القرعة في الماضي وصار متعينًا بالقرعة فهو ممنوع، بل يجب القول بالجواز، فإنهما إذا اختارا من غير قرعة ثم عقدا يجوز فكذلك إذا رضينا بمن أخرجته القرعة وعقدا عليه، فلزم أن لا فرق بين التعيين بالقرعة والتعيين بالاختيار. هذا معنى كلامه وهو صحيح، وحاصله أنهما مسألتان: إحداهما: أن التعيين الطارئ هل يكفي لصحة العقد المتقدم؟ [والثانية: أن التعيين المتقدم] (١) هل يصح إيراد العقد عليه؟ وأما الكلام على الذي يرد على السؤال: فهو إيراد على ما قاله صاحب "المهذب" و"التهذيب" هنا، وما قالاه في [أول] (٢) الكلام تبعًا للأصحاب لا بالتنصيص عليها بخصوصها: أن التعيين بالاختيار لا بالقرعة، وحينئذ فنقول: ما قاله الرافعي على تقدير إرادة الأول صحيح. وأما التقدير الثاني: وهو أن يريد أن الذي أخرجته القرعة لا يجوز إيراد عقد المسابقة عليه، فالذي رده به وهو جواز عقدهما على ما يختاراه من

стр. 4151

غير قرعة فاسد، فقد سبق أن الاختيار الجائز أن يختار هذا واحدًا وذاك واحدًا إلى استيعاب الجماعة، وأن أحد الزعيمين ليس له اختيار أصحابه أولًا، وحينئذ فالقرعة ليست نظير ذلك؛ لأنها قد تخرج على الحذاق جميعهم. قوله: فإذا أنضل أحد الحزبين فيقسم المال بينهم على عدد رؤوسهم أو على عدد الإصابات؟ فيه وجهان: أشبههما وهو المذكور في "الكتاب" وحكى الإمام القطع به: أنه يقسم على عدد رؤوسهم. انتهى كلامه. وما ذكره من ترجيح القسمة على عدد الرؤوس ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وعبر بمثل ما عبر به هنا، ثم خالف في "المحرر" فرجح الوجه الآخر، فقال: وهل يقسم المال بينهم على عدد رؤوسهم أو بحسب الإصابة؟ فيه وجهان: أشبهما: الثاني. هذا لفظه. وهو اختلاف عجيب حيث عبر بالأشبه في الموضعين، والذي يظهر أن الرافعي أراد الأول فسبق القلم إلى الثاني لقرينة ما ذكرناه مع عدم نقله لترجيح مقابله عن أحد. ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج"، وصرح بلفظ: "الصحيح" فيهما عوضًا عن "الأشبه". قوله: هذا إذا أطلقوا العقد، فإن شرطوا أن يقسموا على الإصابة فالشرط متبع وللإمام فيه احتمال. انتهى. واعلم أن الإطلاق يقتضي التساوي في المال المخرج، ومع ذلك ففي شرط التفاوت فيه وجهان ومسألتنا نظيره. قوله: ولو انصدم السهم بالأرض ثم ازدلف -أي انتقل- وأصاب الغرض حسب له على الأصح، وقيل: لا يحسب. انتهى. وإذا قلنا: بأنه لا يحتسب له فلا يحتسب عليه أيضًا، ذكره الشيخ في

стр. 4152

"التنبيه". قوله في "أصل الروضة": ولو ازدلف ولم يصب الغرض حسب عليه على الأصح. انتهى كلامه. وما صححه من الحسبان عليه قد خالفه في "تصحيح التنبيه" فصحح أنه لا يحسب عليه، وليست المسألة في "المنهاج". قوله: أما إذا قالا: يرمي عشرين رشقًا على أن يسقط الأقرب الأبعد فمن فضل له خمسة فهو ناضل، فهو صحيح والشرط متبع على المذهب، ثم قال: فإذا وقع سهم أحدهما بقرب الغرض وأصاب سهم الآخر الغرض، فالمنقول: أن الثاني يسقط الأول كما يسقط الأقرب الأبعد. ولك أن تقول: ينبغي أن ينظر إلى لفظ الشرط في العقد إن كان الشرط إسقاط الأسَدّ أو الأصوب غيره فهذا ظاهر، وكذا إن كان الشرط إسقاط الأقرب الأبعد على معنى الأقرب إلى الصواب، وأما إذا كان الشرط إسقاط الأقرب إلى الغرض الأبعد عنه، فينبغي أن يتساويا لأن الموصوف بأنه أقرب إلى الغرض وأبعد عنه ينبغي أن يكون خارجًا عنه، وهما جميعًا في الغرض. انتهى كلامه. والذي قاله يجاب عنه: بأن هذا أَسَدّ فاعتبر، كما إذا شرط الخسق فمرق. وقد صرح البغوى وابن الصباغ بالصورة الثانية، وأجابا بما تقدم، وأشارا إلى هذا الجواب. قوله في "أصل الروضة": ولو هبت الريح فنقلت الغرض إلى موضع آخر، فأصاب الموضع المنتقل عنه حُسب له إن كان الشرط الإصابة، ثم قال: ولو أصاب الغرض في المكان المنتقل إليه حُسب عليه لا له. انتهى. وما ذكره من أنه يحتسب عليه عند إصابة الغرض يؤخذ منه الحسبان

стр. 4153

عليه بطريق الأولى إذا لم يصبه. إذا علمت ذلك فقد خالف في "المنهاج" فقال: ولو نقلت ريح الغرض، فأصاب موضعه حسب له وإلا فلا يحتسب عليه. هذا كلامه. والمسألة مذكورة في أكثر نسخ "المحرر" على الصواب، وفي بعضها كما في "المنهاج" فلعلها الواقعة له. قوله: ولو عقد المناضلة في الصحة ودفع المال في مرض الموت، فهو من رأس المال إن جعلناها إجارة، وإن قلنا: جعالة فوجهان، ولو ابتدأ العقد في المرض فيحتمل أن يحسب من الثلث، ويحتمل أن ينبني على القولين. ذكره في "البحر". انتهى. قال في "الروضة": الأصح أو الصواب القطع بأنه من رأس المال في الصورتين، سواء قلنا إجارة أو جعالة؛ لأنه ليس بتبرع ولا محاباة فيه وإذا كان ما يصرفه في ملاذ شهواته من طعام وشراب ونكاح وغيره مما لا ضرورة إليه ولا ندبه الشرع إليه محسوبًا من رأس المال فالمسابقة التي ندب الشرع إليها ويحتاج إلى تعلمها أولى.

стр. 4154

كتاب الأيمان وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: في نفس اليمين قوله: ينعقد اليمين على المستقبل والماضي، فإن حلف على ماض كاذبًا وهو عالم فهي اليمين الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار. انتهى. وما اقتضاه كلامه من انعقاد يمين الغموس قد تابعه عليه في "الروضة"، وذكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": أنها غير منعقدة عندنا، وأنا نوافق أبا حنيفة في عدم انعقادها، قال: ونحن نعتبر في وجوب الكفارة مجرد العقد والحنث، وقد وجد أولًا تعبير الانعقاد أي تعبير عقدها لا انعقادها، وذكر الماوردي نحوه فقال: فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليمين الغموس ففي يمين محلولة غير منعقدة أولى، هذه عبارته. قوله في "الروضة": ويستحب للمخاطب إبرار الحالف فإن لم يفعل وحنث الحالف لزمه الكفارة. انتهى. والذي يلزمه الكفارة هو الحالف لا المحلوف عليه خلافًا لأحمد. ولفظ "الروضة" موهم، وقد استدرك على الرافعي فقال: هذا إذا لم يكن في الإبرار مفسدة بأن يضمن ارتكاب محرم أو مكروه، وكلامه يقتضي: أن المستحب الذي لا يكره تركه يستحب إبرار الحالف على تركه، وليس كذلك فسيأتي في الباب الثاني أن الحلف على تركه والإقامة عليها مكروهان. فإذا كان الأمر كذلك في حق نفسه فبطريق الأولى في حق غيره.

стр. 4155

قوله من "زوائده": ويكره السؤال بوجه الله تعالى ورد من سأل به للحديث المعروف فيهما. انتهى كلامه. والحديثان المشار إليهما ما رواه أبو داود عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" (١). وروى أبو داود أيضًا بأسانيد الصحيحين: "من سأل بالله تعالى فأعطوه" (٢)، وقد علمت من الحديث الأول استثناء الجنة، وقد صرح به المصنف في "الأذكار". قوله: وإذا عقد اليمين بمشيئة الله تعالى لم يحنث، وهل نقول: اليمين منعقدة؟ منهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة فلا يحكم بالحنث، هكذا نقل القاضي الروياني. ومنهم: من يطلق القول بأنها غير منعقدة، وهكذا نقل صاحب "التهذيب". انتهى. لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح عدم الانعقاد كما قاله البغوي كذا جزم به الرافعي في الباب الرابع من أبواب الطلاق فقال: وكذا يمنع الاستثناء انعقاد التعليق كقوله: أنت طالق إذا دَخَلْت الدار إن شاء الله تعالى. ويمنع انعقاد النذر واليمين وصحة العفو عن القصاص والبيع وسائر التصرفات، وذكر في "المحرر" و"المنهاج" نحوه.

стр. 4156

قوله: فإن قصد الاستثناء في خلال اليمين ففيه وجهان ذكرناهما في كتاب الطلاق، وممن صحح هذا الاستثناء: الداركي والقاضيان أبو الطيب والروياني، وممن لم يصححه: أبو الحسن ابن المرزبان وابن كج. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الخلاف الذي أشار إليه الرافعي في الطلاق محله في أول الباب الرابع المعقود للاستثناء، والخلاف الذي هناك غير الخلاف المذكور هنا، فإن الخلاف هناك محله إذا وجدت منه الاستثناء بعد فراغ اليمين، ومحله هنا إذا وجدت النية في أثنائها، فهما مسألتان فراجعه من هناك. الأمر الثاني: أن نُسخ الرافعي عارية من الواو بين أبي الحسين وابن المرزبان على جعل الثاني بدلًا من الأول، فإن ابن المرزبان كنيته أبو الحسين، وأتى في "الروضة" بابن القطان عوضًا عن أبي الحسين، وجعلهم ثلاثة وليس الأمر كذلك، وإن كان ابن القطان كنيته: أبو الحسين. قوله من "زوائده": والصحيح تعميم الاستثناء للحمل. انتهى. وهذه المسألة قد ذكرها ﵀ في ثلاثة مواضع: أولها: في الوقف. وثانيها: في الباب الرابع من أبواب الطلاق. وثالثها: في هذا الموضع. واختلف فيها كلامه وكلام الرافعي فراجعه مما سبق. قوله: وقول القائل: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو بريء من الله تعالى، أو من رسول الله، أو من الإسلام، أو من الكعبة، أو مستحل الخمر يتضمن تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد الرضى باليهود

стр. 4157

وما في معناه، إذا فعل ذلك الفعل فهو كافر في الحال. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في القسم الأول من اشتماله على تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، قد ذكر قريبًا منه في "الروضة"، وهو يقتضي أن لا يكون حرامًا، ثم خالف -أعني: النووي- في كتاب "الأذكار" فجزم بالتحريم، فقال في آخر الكتاب: فصل: يحرم أن يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو نحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة فعله وخروجه عن الإسلام بذلك، صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكنه ارتكب محرمًا فتجب عليه التوبة، هذه عبارته. وذكر أيضًا الماوردي في "الحاوي" ما حاصله: التحريم على وفق ما في "الأذكار" -فليؤخذ به. الأمر الثاني: أن كلام "الشرح" و"الروضة" ساكت عن حالة الإطلاق كمن مات عقب ذلك أو غاب وتعذر مراجعته، هل نحكم بالكفر فيها أم لا؟ والقياس يقتضي التكفير إذا عري عن القرائن الحاملة على غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، وكلام النووي السابق نقله عن "الأذكار" يقتضي أنه لا يكفر بذلك، والقياس خلافه. قوله: وأما: تالله بنقطتين من فوق فمنهم من قال: ليس بيمين، والأظهر: القطع بأنه يمين، واختلفوا في تأويل الأول، فمنهم من حمله على ما إذا قال له القاضي: قل: بالله، الموحدة فأتى بالمثناة لا تحسب للمخالفة، قال القفال بخلاف العكس، فإنه يحسب لكثرة استعماله، ولو أمره بالموحدة فأتى بالواو، قال الإمام: فيه تردد لأنهما لا يكادان يتفاوتان في مجرى الكلام ولا يمتنع أن لا يحسب للمخالفة، وهذا المعنى يأتي أيضًا في

стр. 4158

صور القفال. انتهى. واعلم أن التردد الذي ذكره الإمام ذكره القاضي الحسين، وطرده في ما إذا أمره بالموحدة فأتى بالمثناة، وجميع ما نقلته عن الرافعي ليس فيه لفظة "يحنث" بالمثلثة في آخره، بل "يحسب" بالسين، فاعلم كل ما ذكرته. قوله: لو قال: بالله، فشدد اللام كما كانت وحذف الألف بعدها فهو غير ذاكر لاسم الله تعالى، ولا حالف لأن البلة هي الرطوبة، فلو نوى بذلك فقال "الشيخ أبو محمد" و"الإمام" و"الغزالي": هو يمين ويحمل حذف الألف على اللحن؛ لأن الكلمة تجري كذلك على ألسنة العوام والخواص. انتهى. وقد وافق في "الروضة" على خطأ إطلاق هذه اللفظة لهذا المعنى ولكن نازع في تسميته لحنًا فقال: ينبغي أن لا يكون يمينًا لأن اليمين لا يكون إلا باسم الله تعالى أو صفته، ولا يُسلم أن هذا لحن لأن اللحن مخالفة صواب الإعراب، بل هذه كلمة أخرى، وما ذكراه معًا ليس كذلك بل هي لغة أخرى حكاها الزجاجي وكذا حكاه عنه "ابن الصلاح". قوله: النوع الثالث: ما يطلق في حق الله تعالى وفي حق غيره ولا يغلب استعماله في الطرفين كالنبي والموجود والحي والمؤمن والكريم وما أشبهها، فلا يكون يمينًا إن نوى به غير الله تعالى أو أطلق، فإن نوى به الله تعالى فالذي أورده صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يكون يمينًا، ثم قال: والأظهر وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والعراقيون وتابعهم الإمام والغزالي: أنه لا يكون يمينًا، ووجهوه بأن اليمين إنما ينعقد إذا حلف باسم مُعَظّم. انتهى كلامه. وما صححوه هنا من عدم الانعقاد ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وعبر: بالأظهر أيضًا، ثم خالف في "المحرر" فجزم بالانعقاد وهو الذي

стр. 4159

صححه النووي في كتبه. قال المتولي: إذا حلف بالمصحف فإن قال: وحُرمة ما هو مكتوب فيه: فهو يمين، وكذا لو قال: وحرْمة هذا المصحف، لأن احترامه بحرمة ما هو مكتوب فيه، وإذا أراد الرق والجلد لم يكن يمينًا. انتهى. قال في "الروضة": لم يتعرض لما إذا قال: والمصحف وأطلق فهو يمين، صرح به بعض الأصحاب وبه أفتى الدولعي، قال: لأن الحالف إنما يقصد القرآن المكتوب فيه لا الورق والمداد. انتهى. ومراد النووي بالإطلاق: أن لا ينوي القرآن مع كون التصوير كما ذكره يعني من حذف لفظ الحرمة. إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن الدولعي ليس مطابقًا للتصوير، ويدل عليه التعليل الذي ذكره. الثاني: أن ما قاله في "الروضة" من كونه يمينًا عند الإطلاق مع حذف لفظة "الحرمة" خلاف المشهور. فقد جزم القاضي الحسين في "تعليقه" و"فتاويه" بأنه لا يكون يمينًا، ورأيته في أوائل "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي مجزومًا به ومنقولًا عن الأصحاب، [ورأيته في "أدب القضاء" لابن أبي الدم مجزومًا به أيضًا ومنقولًا عنهم] (١) وزاد فقال: وقال: الشيخ أبو زيد: لو حلف بما في هذا المصحف لم يكن يمينًا، لأن الذي فيه سواد وبياض، قال: لو حلف بالذي أنزل القرآن على محمد، ففيه وجهان: مقتضى كلام ابن الصلاح في "فتاويه" والماوردي في "الحاوي": انعقاد الحلف بالمصحف، وحكى

стр. 4160

الشيخ أبو حامد في "تعليقه": وجهين في ما إذا حلف به ناويًا المتلو وهو القرآن. وحكى الماوردي في "الحاوي": وجهين في أنه هل يجزئ الحلف به عن الحلف بالله تعالى أم لا؟ أحدهما: نعم لاشتراكهما في الحنث بهما، والوجهان غريبان. قوله: ولو قال: أقسمت بالله، ثم قال: أردت به [يمينًا] (١) ماضية قُبل في الباطن، وأما في الظاهر: فإن علم قُبِل، وإن لم يعلم: فالنص أنه يُقبل وكذلك في إرادة الوعد كقوله: أُقسم، وقال في الإيلاء: إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك، ثم ادعى ذلك أنه لا يُقْبل، وفي المسألتين ثلاث طرق: أشهرها قولان: أصحهما: القبول لظهور الاحتمال. والثاني: القطع بالمنع. والثالث: تقرير النصين، والفرق أن الإيلاء متعلق بحق المرأة بخلاف سائر الأيمان. انتهى ملخصًا. وما ذكره في الإيلاء من ترجيح القبول، قد ذكر فرعين يشكلان عليه: أحدهما: في أول هذا الباب فقال: وإذا حلف وقال: لم أقصد اليمين، صُدِّق، وفي الطلاق والعتاق والإيلاء لا يُصَدَّق في الظاهر لتعلق حق الغير به، هذا لفظه. والفرع الثاني: ذكره في آخر باب ما يقع به الحنث في أول الفروع الزائدة على فروع "الوجيز" فقال: حلف لا يدخل الدار، ثم قال: أردت شهرًا أو يومًا، فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق: لم يقبل في

стр. 4161

الحكم، ويلحق بهما الإيلاء لتعلقه بحق الآدمي، [وإن كانت اليمين بالله تعالى ولم تتعلق بحق الآدمي] (١) قُبِل ظاهرًا وباطنًا. انتهى. وتبعه في "الروضة" على هذه المواضع. قوله: وإذا أراد اليمين بهذه الألفاظ انعقدت يمينًا واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيد كقوله: والله الرحمن الرحيم، فلا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة، ولك أن تقول: إن قصد بكل لفظ يمينًا، فليكن كما لو حلف على الفعل الواحد مرارًا. انتهى. وما ذكره بحثًا رأيته في "الاستذكار" للدارمي نقلًا عن ابن القطان، فقال: إذا نوى التكرار ففي تكرر الكفارة القولان في من حلف على الفصل الواحد مرارًا وطرده أيضًا في قوله: والله الرحمن الرحيم، ونقله أيضًا في "الروضة" عنه. قوله: وفي نذر اللجاج والغضب ثلاثة أقوال: أحدها: تلزمه كفارة يمين. والثاني: الوفاء. والثالث: يتخير. وإيراد العراقيين يقتضي أن يكون المذهب هو التخيير، لكن الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي والروياني والموفق ابن طاهر وغيرهم: وجوب الكفارة. انتهى ملخصًا. لم يصرح في "الشرح الصغير" أيضًا بتصحيح، وصحح في "المحرر" وجوب الكفارة، وعبر بالأصح، ذكره في كتاب النذر، وقد نقل في "الروضة" أيضًا هذه المسألة إلى النذر، وصحح من "زوائده" قول التخيير.

стр. 4162

قوله: وأما إذا قال: إن كلمت فلانًا، أو فعلت كذا فمالي صدقة، فالمذهب الذي قاله الجمهور ونص عليه الشافعي: أنه بمنزلة قوله: فعليَّ أن أتصدق بمالي، وطريق الوفاء أن يتصدق بجميع أمواله. انتهى كلامه. وما ذكره من أن طريقه هو الصدقة بالجميع. فيه كلام تعرفه قريبًا في أوائل كتاب النذر فراجعه.

стр. 4163

فصل في لغات الباب منها: ايم الله، بضم الميم وكسرها، والضم أشهر. ومنها لاها الله: بالمد والقصر. ومنها: نذر الغلق، ويمين الغلق: اسم لنذر اللجاج. هو بفتح الغين المعجمة وفتح اللام. لأنه يغلق به باب الفعل أي يسده. ومنها: رتاج الكعبة، براء مكسورة ثم بالمثناة من فوق والجيم، هو بابها، وقيل: غلق بابها، وكذلك الرتج أيضًا بفتح الراء والتاء، وهما في اللغة اسمان للباب العظيم كما قاله الجوهري، قال: ويقال: إنه الباب المغلق وفيه باب صغير.

стр. 4164

الباب الثاني: في كفارة اليمين قوله: وفي السبب الموجب للكفارة وجهان: أحدهما: أنه اليمين إلا أنها توجب عند الحنث، كما يوجب ملك النصاب الزكاة عند انقضاء الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطًا. وأظهرهما عند عامة الأصحاب: أن السبب هو اليمين والحنث جميعًا. انتهى. وللخلاف فوائد منها: جواز التكفير بالصوم قبل الحنث وفيه وجهان: إن قلنا: أنها تجب باليمين جاز، وإن قلنا: تجب بهما وهو الصحيح فلا؛ لأن العبادات البدنية لا يجوز تقديمها على وقتها. ومنها: إذا أراد العبد أن يكفر بالصوم بغير إذن سيده، وكان قد حلف بإذنه، فإن قلنا: إنها تجب باليمين جاز، وليس للسيد منعه. وإن قلنا: بهما، وهو الصحيح فلا يصح، وللسيد منعه أيضًا. وذكر بعضهم من فوائده أيضًا: ما إذا حلف ليفعلن كذا غدًا، فمات قبل الغد. فإن قلنا: إن الكفارة تجب باليمين وجبت عليه، وإن قلنا: بهما وهو الصحيح فلا. واعلم أن الإمام حكى وجهًا ثالثًا أن الكفارة تجب باليمين، ووقت وجوب إخراجها الحنث، قال: وهو كلام سخيف. وحكى الماوردي رابعًا: أنها تجب بالحنث وحده لتعلقها بحل ما عقده،

стр. 4165

واليمين شرط، قال: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، ثم قال: والصحيح عندي اعتبار حال اليمين، فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها طاعة وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث، ذكر ذلك في فصل أوله: فإذا ثبت وجوب الكفارة. وهو وجه خامس، وقد سكت عما إذا كان عقدها وحلها مباحين إلا أنه قال في هذه الصورة قبل ذلك: إن الكفارة تتعلق باليمين وإنها بالحنث أحق، ويظهر مجيء ذلك هنا. قوله: وإن كان الحنث بارتكاب محظور بأن حلف لا يشرب الخمر، فهل يحل التكفير قبل الشرب؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن القاص: المنع؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب محظور، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب". والثاني: يجوز لوجود أحد السببين والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم، وهذا أقيس وأظهر عند الشيخ أبي حامد والإمام والروياني وغيرهم. انتهى كلامه. ومقتضاه ترجيح الجواز، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وصحح في "المحرر" المنع، فقال: ولا يجوز إن كان الحنث محرمًا على الأصح، هذا لفظه، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح الجواز. قوله: ولا يجوز تقديم كفارة القتل، وجزاء الصيد على الجرح بحال، وعن أبي الطيب ابن شملة إثبات احتمال فيه تنزيلًا للعصمة وتحريم القتل بمنزلة أحد السببين، وحكى ابن كج في جزاء الصيد أيضًا، وجهًا أنه يجوز تقديمه على جرح الصيد، ووجهًا آخرًا أنه إن كان يقتله مختارًا بلا ضرورة. لم يجز التقديم، وإن اضطره الصيد إليه فيجوز. انتهى كلامه.

стр. 4166

تابعه عليه في "الروضة"، وحاصله: أنه لا يجوز للمحرم أن يفدي الصيد [قبل جرحه، سواء اضطره الصيد] (١) إلى القتل أم لا. إذا علمت ذلك فاعلم أن الصيد إذا ألجأ المحرم إلى القتل، فإن كان لصيال منه فلا كفارة، وإن كان لافتراسه في الطريق، ولم يتأت المشي إلا بقتله فكذلك في أصح القولين، وحينئذ فنقول: ما ذكره الرافعي من المنع من التقديم عند الاضطرار غير مستقيم، أما في الأولى وعلي المذهب في الثانية: فلأنه لا كفارة حتى يمنع تقديمها، وأما على القول الضعيف القائل بالوجوب: فلأنه قد صحح بعد ذلك بدون الصفحة في الحلق وغيره ما يخالفه، فقال: وإن وجد سبب يجوزها، بأن كان في رأسه أذى واحتاج إلى الطيب لمرض أو إلى لبس المخيط لشدة البرد ففي جواز التقديم وجهان، والظاهر الجواز. هذا لفظه. وحينئذ فقياس الصيد على هذا تصحيح الجواز واعلم أنه إذا اضطر إلى أكل الصيد، أو ركبه صائل تجب عليه على الصحيح. فإن أراد الرافعي هذه الصور ونحوها وفيه تعد لم يستقم تصحيح امتناع التقديم لما ذكرناه من كونه كالحلق ونظائره في وجود السبب، بل أولى؛ لأن السبب في المضطر واجب الفعل، وكذلك في المصول عليه إذا كان الصائل كافرًا مطلقًا ومسلمًا قصد التحريم، والطفل ونفسه على قول مشهور. قوله: الرابعة: يجوز تعجيل المنذور إذا كان ماليًا، كما إذا قال: إن شفا الله مريضى أو رد غائبى فلله علي أن أعتق عبدًا أو أتصدق بكذا يجوز تقديم الإعتاق والصدقة على الشفاء ورجوع الغائب، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه. انتهى كلامه.

стр. 4167

وما ذكره هنا من الجواز حتى أشعر كلامه باستغراب خلافه غريب. فقد سبق منه في باب تعجيل الزكاة أن الأصح المنع، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه. قوله: المسألة الثانية: الأيمان مكروهة إلا إذا كانت [في طاعة] (١) كالبيعة على الجهاد وكما قال ﷺ : "والله لأغزون قريشًا" (٢)، ويستثنى أيضًا الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة فإنها لا تكره. انتهى. وما اقتضاه كلامه من عدم وجوب اليمين في الدعاوى فيه تفصيل أذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال في "الروضة": ولا يكره أيضًا اليمين إذا دعت إليه حاجة كتوكيد كلام، وتعظيم أمر كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" (٣) وفي الحديث الآخر: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٤). قوله: وإذا كفّر بالصوم لم يجب التتابع على الجديد، فإن أوجبناه

стр. 4168

فأفطرت المرأة بعذر الحيض فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين. وقيل: ينقطع بالانقطاع؛ لأن تبعيد الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن بخلاف الشهرين. وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك ففي قطعه التتابع قولان، والظاهر: أنه يقطع التتابع. انتهى. والصحيح من هذه الطرق: طريقة القطع بالانقطاع كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وكلام الرافعي لا يؤخذ منه ذلك، فإن الذي ذكره إنما هو ترجيح للحكم من حيث الجملة، ولم ينص على الترجيح في خصوصية الطرق. قوله من "زوائده": ويجزئ المنديل، صرح به أصحابنا، والمراد به هذا المعروف الذي يحمل في اليد، وقد صرح الدارمي بأن كل واحد من المنديل والعمامة يجزئ. انتهى كلامه. واعلم أن كثيرًا من الناس يستغرب كلام "الروضة" هاهنا فإن العمامة قد ذكرها الرافعي قبل هذا، وأما المنديل فمصرح به في أشهر الكتب وهو "التنبيه". والجواب: أن كثيرًا من المشارقة الماضين وإلى الآن يطلقون المنديل على العمامة، فنص ﵀ على إجزاء المنديل بالاصطلاح المعروف، وأكد دفع الاحتمال بجمع الدارمي بينهما فتفطن لذلك. وما ذكره من الجمع بينهما ذكره أيضًا الروياني في "البحر" فقال: روى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن السراويل لا تجزئ لأنه تبع لغيره فرد عليهما بقوله: وهذا مبطل بالعمامة والمنديل. هذه عبارته.

стр. 4169

لكنه حكى في "القلنسوة"، ثلاثة أوجه. ثالثها: إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس خاصة أي كالقبع والطاقية فلا تجزئ وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الأذن والقفا فتجزئ. ثم قال: والمذهب عدم الإجزاء مطلقًا لأنها تابعة تلبس تحت العمامة. هذا كلامه. قوله: ولا يجزئ الدرع والخف والمكعب والجورب في أظهر الوجهين. وفي النعل طريقان: أشبههما على ما ذكر صاحب "الكتاب": إجراء الخلاف. والثاني: القطع بالمنع. انتهى. والراجح: طريقة الخلاف كما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة". والمكعب: هو المداس. والجورب: سبق ذكر تفسيره في مسح الخف. والدرع: قميص لا كُمّ له. ومن المعلوم إطلاقه أيضًا على الدرع من الحديد، وفيه أيضًا وجهان حكاهما ابن الرفعة في "المطلب"، وصحح المنع. قوله من "زوائده": قال الدارمي: فإذا دفع ما لا يعتاد لبسه كجلود ونحوها لم تجزئه. والله أعلم. ومفهوم هذا الكلام أنه إذا اعتيد ذلك أجزأ. وقد جزم به الماوردي في "الحاوي الصغير" وحكى وجهين من غير ترجيح في ما إذا لم يعتد ذكر ذلك في الجلود واللبود والفراء.

стр. 4170

وذكر مثله صاحب "البحر" أيضًا، وقد تعرض الرافعي للبد، ونقل عن الصيدلاني: إجزاءه حيث اعتيد ذلك. قوله: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد ونفذنا تصرفاته إذا صدرت عن إذنه، قال الصيدلاني: الذي ذكره الأصحاب أن ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعجز فيرق فيكون الولاء موقوفًا، فوجب التوقف عن الكفارة. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الأصحاب، ومقتضاه تصحيح عدم التوقف، لكنه قد صحح التوقف في كتاب الكتابة، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: والكفارة على التراخي. اعلم أن هذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في مواضع كثيرة واختلف فيها -إذا كان سببها معصية- كلامهما معًا. وقد تقدم إيضاح ذلك في كفارة الظهار فراجعه. قوله: أما إذا مات العبد وعليه كفارة يمين فللسيد أن يكفر عنه بالإطعام أو بالكسوة. فإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك وليس للسيد ملك محقق، فإن الرق لا يبقى بعد الموت فهو والحر سواء. هذا ظاهر المذهب. قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال أنه لا يجوز. انتهى. واعلم أن النووي ﵀ قد علل هذا الحكم بقوله: لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس للميت ملك محقق؛ ولأن الرق لا يبقى بعد الموت
следующие страницы →