تابعه عليه في "الروضة"، وحاصله: أنه لا يجوز للمحرم أن يفدي الصيد [قبل جرحه، سواء اضطره الصيد] (١) إلى القتل أم لا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الصيد إذا ألجأ المحرم إلى القتل، فإن كان لصيال منه فلا كفارة، وإن كان لافتراسه في الطريق، ولم يتأت المشي إلا بقتله فكذلك في أصح القولين، وحينئذ فنقول: ما ذكره الرافعي من المنع من التقديم عند الاضطرار غير مستقيم، أما في الأولى وعلي المذهب في الثانية: فلأنه لا كفارة حتى يمنع تقديمها، وأما على القول الضعيف القائل بالوجوب: فلأنه قد صحح بعد ذلك بدون الصفحة في الحلق وغيره ما يخالفه، فقال: وإن وجد سبب يجوزها، بأن كان في رأسه أذى واحتاج إلى الطيب لمرض أو إلى لبس المخيط لشدة البرد ففي جواز التقديم وجهان، والظاهر الجواز. هذا لفظه.
وحينئذ فقياس الصيد على هذا تصحيح الجواز واعلم أنه إذا اضطر إلى أكل الصيد، أو ركبه صائل تجب عليه على الصحيح.
فإن أراد الرافعي هذه الصور ونحوها وفيه تعد لم يستقم تصحيح امتناع التقديم لما ذكرناه من كونه كالحلق ونظائره في وجود السبب، بل أولى؛ لأن السبب في المضطر واجب الفعل، وكذلك في المصول عليه إذا كان الصائل كافرًا مطلقًا ومسلمًا قصد التحريم، والطفل ونفسه على قول مشهور.
قوله: الرابعة: يجوز تعجيل المنذور إذا كان ماليًا، كما إذا قال: إن شفا الله مريضى أو رد غائبى فلله علي أن أعتق عبدًا أو أتصدق بكذا يجوز تقديم الإعتاق والصدقة على الشفاء ورجوع الغائب، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه. انتهى كلامه.
стр. 4167
وما ذكره هنا من الجواز حتى أشعر كلامه باستغراب خلافه غريب.
فقد سبق منه في باب تعجيل الزكاة أن الأصح المنع، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: المسألة الثانية: الأيمان مكروهة إلا إذا كانت [في طاعة] (١) كالبيعة على الجهاد وكما قال ﷺ : "والله لأغزون قريشًا" (٢)، ويستثنى أيضًا الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة فإنها لا تكره. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم وجوب اليمين في الدعاوى فيه تفصيل أذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال في "الروضة": ولا يكره أيضًا اليمين إذا دعت إليه حاجة كتوكيد كلام، وتعظيم أمر كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" (٣) وفي الحديث الآخر: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٤).
قوله: وإذا كفّر بالصوم لم يجب التتابع على الجديد، فإن أوجبناه
стр. 4168
فأفطرت المرأة بعذر الحيض فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين.
وقيل: ينقطع بالانقطاع؛ لأن تبعيد الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن بخلاف الشهرين.
وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك ففي قطعه التتابع قولان، والظاهر: أنه يقطع التتابع. انتهى.
والصحيح من هذه الطرق: طريقة القطع بالانقطاع كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وكلام الرافعي لا يؤخذ منه ذلك، فإن الذي ذكره إنما هو ترجيح للحكم من حيث الجملة، ولم ينص على الترجيح في خصوصية الطرق.
قوله من "زوائده": ويجزئ المنديل، صرح به أصحابنا، والمراد به هذا المعروف الذي يحمل في اليد، وقد صرح الدارمي بأن كل واحد من المنديل والعمامة يجزئ. انتهى كلامه.
واعلم أن كثيرًا من الناس يستغرب كلام "الروضة" هاهنا فإن العمامة قد ذكرها الرافعي قبل هذا، وأما المنديل فمصرح به في أشهر الكتب وهو "التنبيه".
والجواب: أن كثيرًا من المشارقة الماضين وإلى الآن يطلقون المنديل على العمامة، فنص ﵀ على إجزاء المنديل بالاصطلاح المعروف، وأكد دفع الاحتمال بجمع الدارمي بينهما فتفطن لذلك.
وما ذكره من الجمع بينهما ذكره أيضًا الروياني في "البحر" فقال: روى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن السراويل لا تجزئ لأنه تبع لغيره فرد عليهما بقوله: وهذا مبطل بالعمامة والمنديل. هذه عبارته.
стр. 4169
لكنه حكى في "القلنسوة"، ثلاثة أوجه.
ثالثها: إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس خاصة أي كالقبع والطاقية فلا تجزئ وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الأذن والقفا فتجزئ.
ثم قال: والمذهب عدم الإجزاء مطلقًا لأنها تابعة تلبس تحت العمامة. هذا كلامه.
قوله: ولا يجزئ الدرع والخف والمكعب والجورب في أظهر الوجهين.
وفي النعل طريقان: أشبههما على ما ذكر صاحب "الكتاب": إجراء الخلاف.
والثاني: القطع بالمنع. انتهى.
والراجح: طريقة الخلاف كما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة".
والمكعب: هو المداس.
والجورب: سبق ذكر تفسيره في مسح الخف.
والدرع: قميص لا كُمّ له.
ومن المعلوم إطلاقه أيضًا على الدرع من الحديد، وفيه أيضًا وجهان حكاهما ابن الرفعة في "المطلب"، وصحح المنع.
قوله من "زوائده": قال الدارمي: فإذا دفع ما لا يعتاد لبسه كجلود ونحوها لم تجزئه. والله أعلم.
ومفهوم هذا الكلام أنه إذا اعتيد ذلك أجزأ. وقد جزم به الماوردي في "الحاوي الصغير" وحكى وجهين من غير ترجيح في ما إذا لم يعتد ذكر ذلك في الجلود واللبود والفراء.
стр. 4170
وذكر مثله صاحب "البحر" أيضًا، وقد تعرض الرافعي للبد، ونقل عن الصيدلاني: إجزاءه حيث اعتيد ذلك.
قوله: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد ونفذنا تصرفاته إذا صدرت عن إذنه، قال الصيدلاني: الذي ذكره الأصحاب أن ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعجز فيرق فيكون الولاء موقوفًا، فوجب التوقف عن الكفارة. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الأصحاب، ومقتضاه تصحيح عدم التوقف، لكنه قد صحح التوقف في كتاب الكتابة، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: والكفارة على التراخي.
اعلم أن هذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في مواضع كثيرة واختلف فيها -إذا كان سببها معصية- كلامهما معًا.
وقد تقدم إيضاح ذلك في كفارة الظهار فراجعه.
قوله: أما إذا مات العبد وعليه كفارة يمين فللسيد أن يكفر عنه بالإطعام أو بالكسوة.
فإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك وليس للسيد ملك محقق، فإن الرق لا يبقى بعد الموت فهو والحر سواء. هذا ظاهر المذهب. قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال أنه لا يجوز. انتهى.
واعلم أن النووي ﵀ قد علل هذا الحكم بقوله: لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس للميت ملك محقق؛ ولأن الرق لا يبقى بعد الموت
стр. 4171
فهو والحر سواء، وهذا ما قطع به الأصحاب، وفيه احتمال للإمام. هذا لفظه.
وقد ظهر لك أن التعليل الثاني قد تحرف عليه لفظه واشتبه، ولزم من تحريفه ذكر ثلاث علل، وإنما ذكر الرافعي علتين.
والتعليل الأول في كلام الرافعي مشكل بما اقتضاه كلامه في الوصية من أن الوارث إذا أعتق من مال نفسه عن ميته صح وكان الولاء للميت.
ووجه الإشكال أن إثبات الولاء متوقف على الملك، فإن كان الأمر كما قاله هنا من أن التكفير بعد الموت لا يستدعي الدخول في الملك فلا ولاء له.
وأما التعليل الثاني: فقد نازع فيه الشيخ أبو علي السنجي فجزم بأن الرق لا يزول بالموت، كذا رأيته في "شرح التلخيص" له.
قوله: وإذا وَفّت التركة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين قضيت جميعها، وإن لم توف نظر إن تعلق بعضها بالعين وبعضها بالذمة، فيقدم ما تعلق بالعين سواء اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما.
فإن اجتمع النوعان والكل متعلق بالعين أو بالذمة فيقدم أولًا حق الله تعالى أو حق الآدمي أو يتساويان؟ فيه أقوال ذكرناها في مواضع. انتهى كلامه.
وحاصله تخصيص الأقوال بما إذا تعلقا معًا بالعين أو بالذمة حتى إذا مات وعليه زكاة والنصاب باق فتقدم الزكاة قطعًا، وهذا الذي جزم به هنا من التخصيص قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضًا.
وقد تقدم مبسوطًا في الزكاة قُبَيْل باب أداء الزكاة فليراجع منه.
قوله: وإذا لم يكن للميت تركة فتبرع الأجنبي بالإطعام أو الكسوة عنه
стр. 4172
من مال نفسه ففيه وجهان: أظهرهما: الجواز، ثم قال: وفي الإعتاق في الكفارة المخيرة طريقان:
أحدهما: أنه على الوجهين.
والثاني: القطع بالمنع. انتهى.
والصحيح من حيث الجملة: أنه لا يصح، كذا صححه هنا الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة"، وقد تقدم في كتاب الوصية من كلام الرافعي ما يدل عليه أيضًا.
قوله في المسألة: ووجه منع الإعتاق بمعنيين:
أحدهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيسر فلا يعدل إلى الإعتاق لما فيه من عسر إثبات الولاء.
والثاني: أن فيه إضرارا بأقارب الميت من حيث إنهم يؤاخذون بجناية معتقه فيمنع منه الأجنبي، فإن كان المعتق وارثا فوجهان بناء على المعنيين، إن قلنا بالأول: فيجوز وهو الأظهر، وإن قلنا بالثاني: فلا. انتهى كلامه بحروفه.
والتفريع المذكور في آخر كلامه ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وهو على العكس، والصواب أن يقول: إن قلنا بالأول: فيمتنع، وإن قلنا بالثاني: فلا، وقد ذكره في "الروضة" كذلك إلا أنه أهمل التصحيح فلم يذكره بالكلية وهو عجيب.
стр. 4173
الباب الثالث: فيما يقع به الحنث
وفيه أنواع:
النوع الأول: الدخول والمساكنة
قوله: ويجوز أن لا يعد الشخص داخلًا ولا خارجًا كما أن من دخل ببعض بدنه أو خرج ببعضه لا يحنث في يمين الدخول والخروج. انتهى.
وفي هذا الكلام تفصيل، ذكر بعضه في أثناء الحلف على الدخول.
فنقول: كلامه هذا مشتمل على مسألتين:
الأولى: أن يكون خارج الدار فيحلف على الدخول، فينظر: إن حلف على الإتيان به فأدخل رأسه أو يده أو رجليه وهو قاعد ونحو ذلك لم يبر.
وإن أدخل رِجْلًا واحدة، فإن اعتمد على الخارجة -أي كان قواه عليها بحيث لو رفع الداخلة لم يسقط فإنه لا يبر أيضًا، كما قاله البغوي في "فتاويه".
وإن اعتمد على الداخلة بر، وإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
وإن حلف على النفي فيكون الحكم بالعكس من الإثبات، فإذا أدخل يده مثلًا أو رجله من غير اعتماد لم يحنث، وإن كان مع الاعتماد حنث، فإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
ولو اضطجع وأخرج بعض بدنه فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة، ويتجه اعتباره بالنقل لأن استقراره في الحقيقة عليه فأشبه الاعتماد على الرِّجْل.
قوله: والحالف على أن لا يدخل لا يحنث بدخول الطاق المعقود خارج الباب؛ لأنه لا يقال دخل؛ وقيل: يحنث؛ لأنه من الدار، ألا ترى أنه يدخل في بيعها. انتهى.
стр. 4174
والطاق في عرف أهل بغداد رحبة خارجة عن الباب عليها عقد معقود، والباب في صدر تلك الرحبة.
قال الإمام: والذي أراه أن محل الخلاف في الطاقات التي هي أمام أبواب العظماء نهيًا للأتباع الذين لا يحجبون، فأما الأبراج التي تخرج فيه وابتدأ إلى الشارع وليست من تربيع الدار فلا يحنث بها وجهًا واحدًا.
قوله: ولو حلف لا يتزوج وهو متزوج، أو لا يتطهر وهو متطهر، أو لا يتوضأ وهو متوضيء فاستدام النكاح والطهارة والوضوء لا يحنث. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وجزم في "المحرر" بالحنث، قال في "المنهاج" من "زوائده": وهذا غلط للذهول.
والأمر كما قاله، فقد نص الشافعي في "الأم" على عدم الحنث في هذه المسائل، ونقله عنه القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
قوله في "الروضة": وهل استدامة الطِّيب تَطَيّب؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وذكر الوجهين في ما لو حلف لا يطأ وهو في خلال الوطء فلم ينزع، أو لا يصوم وهو شارع في الصوم، أو لا يصلي وهو في خلال الصلاة.
ويتصور ذلك في ما لو حلف ناسيًا. انتهى.
ومقتضى هذا الكلام تصحيح عدم الحنث في الجميع، وليس مطابقًا لكلام الرافعي فإنه إنما عبر بقوله: وذكر وجهين أيضًا، أعني بدون "أل" واعلم أن مسألة الصلاة لها صورة أخرى، وهو ما إذا كان أخرس فحلف بالإشارة فإن الصلاة لا تبطل كما يعرف من كلامهم في الطلاق.
قوله: قال في "التهذيب": لو حلف لا يغصب لم يحنث باستدامة
стр. 4175
المغصوب في يده. انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي نقله عن "التهذيب" وأقره عليه مشكل، فإنه يصدق أن يقال: غصبته شهرًا وسنة ونحو ذلك، وقد صرح الأصحاب في باب الغصب وفي مواضع كثيرة أن الغاصب في دوام الغصب غاصب، فوجب القطع بالحنث، وقد جزم به الماوردي في "الحاوي" فلتكن الفتوى عليه.
وقد اغتر النووي بهذا النقل فظنه صحيحًا من جهة المعنى، ومجزومًا به عند الأصحاب فأطلقه في "الروضة" من غير إعزائه إلى "التهذيب" فزاد الأمر خللًا وإيهامًا فليجتنب.
قوله: ولو حلف لا يسافر وهو في السفر فتوقف أو أخذ في العود في الحال لم يحنث، وإن سافر على وجهه حنث، وكأن الصورة في من حلف على الامتناع من ذلك السفر، وإلا فهو في العود مسافر. انتهى كلامه.
وما ذكره من حمل العود على هذه الصورة قد تابعه عليه في "الروضة" وهو ذهول عن المنقول، فقد جزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يحنث، وعلله بقوله: لأنه قد أخذ في ترك السفر.
وحكى وجهين في ما لو أقام بمكانه:
أحدهما: يحنث، لبقائه على السفر.
والثاني: لا، لِكَفِّه عن السير.
واعلم أنه لابد في الوقوف من النظر في أنه وقف ناويًا للإقامة أو قاصدًا لشيء لا يقطع السفر.
قوله: وأصح الوجهين أن الخيام في حق القروي بيت.
ثم قال: واعترض عليه بأن من حلف ببغداد وغيرها أن لا يركبن دابة، لا يحنث بركوب الحمار، وإن كان أهل مصر يسمونه دابة.
стр. 4176
ولو كان بيوت العرب عند قوم تقتضي التعميم لكان يحنث. انتهى.
وهذه المسألة -أعني: ركوب الحمار- قد أسقطها من "الروضة"، والحكم فيها لا يعرف إلا بتنصيص كما قاله الرافعي في الخيام، وكما قالوه في الوصية أنه يعطى إليه الحمار، وإن كان الموصي في غير مصر على الصحيح.
قوله: ولو حلف لا يسكن، فمكث مشتغلًا بأسباب الخروج، بأن انتهض لجمع المتاع، وبأمر أهله بالخروج وبلبس ثوب الخروج فهل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما وينسب إلى العراقيين: نعم، لأنه أقام فيها مع التمكن من الخروج.
وأرجحهما عند كثير من المعتبرين وربما لم يذكروا سواه: المنع وبه قال القفال، ويؤيده ما ذكروا أنه لو خرج في الحال ثم عاد لنقل متاع أو زيارة أو عيادة مريض لا يحنث. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح عدم الحنث كذا جزم به في "المحرر"، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر.
وفي "الروضة": إنه الأصح، ولم يُنَبِّه فيها على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
واعلم أن كلام الرافعي يقتضي التوقف في نسبة الحنث إلى العراقيين، وليس فيه وقفة فإن كتبهم مصرحة بذلك، فقد جزم به شيخهم الشيخ أبو حامد والماوردي وابن الصباغ وصاحب "البيان" حتى أنهم جعلوا المسألة خلافية بيننا وبين الحنفية.
стр. 4177
الأمر الثاني: أنه قد جعل من هذه الصور الاشتغال بلبس الثياب، وفيه نظر، فقد جزم الماوردي فيه: بأنه لا يحنث مع جزمه بالحنث في الاشتغال بجمع المتاع ونحوه، وهو ظاهر فإن الاستنابة فيه ممكنة بخلاف اللبس.
قوله: فإذا قال: والله لا أساكن فلانًا، فمكث الحالف وبنى بينهما حائلًا ولكل واحد من الجانبين مدخل أو أحدثًا مدخلًا، فوجهان:
أحدهما: لا يحنث لانشغاله برفع المساكنة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
وأصحهما عند الجمهور: الحنث، لحصول المساكنة إلى أن يتم البناء من غير ضرورة. انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح الحنث ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق الأصح من غير نقله عن الجمهور، وخالف في "المحرر" فقال: أظهر الوجهين أنه لا يحنث، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله في "الروضة": الحالة الثانية: أن لا تعد المساكنة لفظًا فينظر إن نوى موضعًا معينًا من بيت أو دار أو درب أو محلة أو بلد فالمذهب والذي قطع به الجمهور: أن اليمين محمولة على ما نوى.
وقيل: إن كانا يسكنان بيتًا من دار متحدة المرافق ونوى أن لا يساكنه، حملت اليمين عليه، وإن لم يكن كذلك ولا جرى ذكر تلك المساكنة كقول صاحبه: ساكني في هذا البيت، لم يقبل قوله ويحمل اليمين على الدار. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ولو نوى أن لا يساكنه حملت اليمين عليه، قد شاهدته بخط النووي كذلك كما هو في النُّسخ أيضًا وهو غير مستقيم، وقد سقط
стр. 4178
منه شيء ذكره الرافعي.
فإنه قال: ونوى أن لا يساكنه في ذلك البيت، وهذا واضح.
وقوله كقول صاحبي إلى آخره مثال لجريان تلك المساكنة فاعلمه.
قوله: ولو حلف أنه لا يصعد السماء ففي انعقاد يمينه وجهان: أصحهما على ما نقل في "التهذيب": المنع، لأن الحنث غير متصور. انتهى.
صحح في "أصل الروضة" ما صححه في "التهذيب".
стр. 4179
النوع الثاني: لفظ الأكل والشرب
قوله في "أصل الروضة" ولو قال: لا أشرب ماء الفرات، أو لا أشرب من الفرات، فسواء أخذ الماء بيديه أو في إناء أو كرع فيه حنث. انتهى.
وتعبيره بقوله: لا أشرب ماء الفرات، رأيته كذلك بخط النووي ﵀ كما هو موجود في نُسخ "الروضة" وهو غلط، لأن المعروف في المذهب في ما إذا حلف لا يشرب ماء النهر أو الغدير أو غيرهما: أنه لا يحنث بشرب بعضه، وقد ذكره قبل ذلك بنحو صفحة، والرافعي ﵀ عَبّر بقوله: لا أشرب من ماء الفرات، بالإتيان "بمن" الدَّالة على التبعيض ومع الإتيان بها لا إشكال.
قوله: ولو قال: لا أكلم زيدًا وعمرًا بغير لا. فلا يحنث إلا إذا كلمهما؛ لأن الواو العاطفة تجعل الجميع كالشيء الواحد، وكأنه قال: لا أكلمهما، بخلاف ما إذا كرر لا فإنهما يمينان. انتهى.
وإنما قيد العطف بالواو لأنه إن كان بالغًا كان حالفًا على كلام عمرو بعد زيد بلا مهلة حتى لا يحنث إذا كلمهما معًا أو عمرو قبل زيد أو بعده بمهلة، ولو أتى بـ"ثم" فكذلك إلا أنه بمهلة، هذا هو مقتضى اللفظ.
قوله: قال: لا آكل هذا الرغيف لم يحنث جمل بعضه، فلو بقي ما يمكن التقاطه وأكله لم يحنث. انتهى.
وهذه المسألة قد سبقت في آخر تعليق الطلاق فقال: لو علق بأكل رغيف فأكله إلا فتاتًا، قال القاضي الحسين: لا يحنث كحبة الرمان.
وقال الإمام: إن بقي قطعة تحس ويجعل لها موقع لم يحنث.
وربما ضبط ذلك بأن يسمى قطعة خبز، وإن دق مدركه لم يظهر له أثر
стр. 4180
في بر ولا حنث، والوجه تنزيل إطلاق القاضي على هذا التفصيل. هذا لفظه فافهم منه ما يفهم.
قوله: ولو حلف لا يأكل الرؤوس أو لا يشتريها حمل على التي تميز عن الأبدان وتباع منفردة، وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم.
فلا يحنث برؤوس الصيد أو الحيتان، فإن كانت تباع منفردة في بلده حنث بأكلها هناك، وهل يحنث جملها في غير ذلك البلد؟ فيه وجهان:
رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والأقوى: الحنث وهو أقرب إلى ظاهر النص، ويؤيده أن رأس الإبل لا يعتاد أكله وبيعه إلا في بعض المواضع والحنث يحصل به. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من رجحان الحنث ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا.
إذا علمت ذلك فقد وافق النووي في "الروضة" على ما قاله الرافعي، وخالف في "تصحيح التنبيه" فصحح عدم الحنث، وكلام "المنهاج" أيضًا يوهمه.
قوله: ولو أخرجت البيضة من جوف الدجاجة وهي منعقدة فأكلها حنث، ولو أخرجت بعد موتها فأكلها ففي "تعليقة المروروذي" ذكر وجهين فيه. انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة": هو الحنث.
قوله من "زوائده": ولو حلف على الخبز فأكل الرقاق والبقسماط أو البسيس. انتهى.
هكذا ذكر ﵀ التصوير بدون الحكم وترك بياضًا.
فأما البسيس: فهو أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو بالزيت ثم يؤكل من غير طبخ، كذا ذكره الجوهري.
стр. 4181
وأنشد عليه قول الراجز:
لا تخبزا خبرًا وبسابسًا ... ولا تطيلا بمناخ حبسًا
وإذا علمت ما ذكره تفسيرًا واستدلالًا قطعت أنه لا يحنث بالبسيس، وأما البقسماط: فقد سماه الجوهري خبزًا، فقال: الكعك خبز، وهو فارسي معرب، هذا لفظه.
والبقسماط: كعك، والرقاق في معناه.
نعم أهل العرف لا يسمون ذلك خبزًا.
قوله: وهل يدخل في اليمين على اللحم ما لا يؤكل كالميتة والخنزير والذئب والحمار وغيرها؟ فوجهان:
رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والقفال وغيره: الحنث. انتهى.
والأقوى كما قاله في "زوائد الروضة": عدم الحنث، وجزم به الماوردي في "الإقناع"، ورجحه المتولي.
قوله في "الروضة": والمذهب أنه لا يدخل في اللحم الأمعاء والطحال والكبد والكرش والرئة. انتهى.
هذا الكلام لا يعلم منه هل الأصح طريقة الخلاف أو القطع؟ ولا أن الخلاف في تلك الطريقة وجهان أو قولان؟ وقد بينه الرافعي بجعل الخلاف وجهين، وصحح الطريقة الذاهبة إليه.
قوله: ولو حلف لا يأكل ميتة لم يحنث بأكل المذكاة وإن حلها الموت للعرف.
стр. 4182
وإن أكل السمك فوجهان: قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يحنث للعرف. انتهى.
أطلق في "الروضة" تصحيحه.
قوله أيضًا في "الروضة": ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار وحش، فوجهان بناء على أن الحمارين جنس في الربا أم جنسان؟ انتهى.
وهو غلط فاحش فإن الحمار الأهلي لحمه نجس لا يصح بيعه لا بمثله ولا بغيره حتى يجيء الخلاف في أنَّا نجعله جنسًا واحدًا أو جنسين؟
وعبارة الرافعي صحيحة لا يرد عليها شيء فإنه قال: ولو حلف لا يأكل لحم البقر حنث بالجاموس، وكذا بالبقر الوحش على الأظهر، ونقل في "التهذيب" فيه وجهين بناء على الخلاف في أنه هل يجعل جنسًا واحدًا في الربا؟ ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار الوحش، ففيه وجهان متعلقان بالأصل المذكور. هذا لفظه.
وحاصله أنّا إن جعلنا بقر الوحش والأهل في باب الربا جنسًا واحدًا لأجل اتحادهما في الاسم، فالاسم متحد في الحمارين أيضًا، فيحنث بهما فإن لم ننظر هناك إلى اتحاد الاسم وجعلناهما جنسين وهو الصحيح لم ننظر إليه أيضًا هنا، فلا يحنث بهما بل بالأهلي فقط.
وهذا التخريج صحيح فغلط فيه ﵀ فذكر ما ذكر.
وقد تلخص أن الراجح في الوحشي هو: الحنث بأكل بَقَرِه لا بركوب حماره.
والحكم في الثاني: يُشْكل بالحنث في خبز الأرز لمن لا يعتاده وفي بيت الشعر بالنسبة إلى الحَضَرِي.
قوله: ولو حلف لا يأكل الجوز ففي "الكتاب": أنه يحنث بالجوز
стр. 4183
الهندي، وفي "التهذيب": أنه لا يحنث به. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة" والصحيح: عدم الحنث، فقد جزم به الرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج" وكذلك صاحب "الحاوي الصغير".
قوله: ولو حلف لا يأكل سويقًا فاستفه أو تناوله بملعقة أو بأصبع مبلولة حنث، ولو ماثه في الماء وشربه حنث. انتهى كلامه.
وماث: بالميم والثاء المثلثة معناه: مرس وأذاب، تقول: مثت الشيء في الماء أموثه موثًا وموثانًا.
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي من الحنث في ما إذا أماثه وشربه، غلط مخالف للعقل والنقل.
أما العقل: فلأنه شارب وليس بآكل.
وأما النقل: فقد صرح ابن الصباغ [بالمسألة] (١) وعبر بالموث أيضًا، وجزم بأنه من قسم الشرب لا من قسم الأكل، وذكر إمام الحرمين مثله أيضًا.
لا جرم أن النووي قد جزم في "الروضة" بأنه لا يحنث، ولم يُنَبّه عليه من "زوائده".
قوله: ولو حلف لا يشرب السويق فالحكم بالعكس، ولو كان السويق خاثرًا بحيث أنه يؤخذ منه بالملاعق فتحساه فقد ذكر فيه اختلاف وجه، والأشبه: أنه ليس بشرب. انتهى كلامه.
وهذا [التردد] (٢) الذي أشار إليه الرافعي ليس هو خلافًا بين
стр. 4184
الأصحاب وإنما هو احتمالان للإمام، فنقله الرافعي نقل يوهم أنه خلاف محقق، ثم إنه غلط أيضًا في حكايته غلطًا يقتضي عكس الحكم، فإن الإمام جزم بأنه يطلق عليه اسم الشرب، ولكن تردد في أن اسم الأكل هل يطلق عليه أيضًا أم لا؟
فإنه قال في الباب الثاني من "جامع الأيمان" بعد ورقة من أوله ما نصه: والذي يتردد الرأي فيه أن يكون خاثرًا يتأتى تعاطيه بالملاعق ويتأتى تحسيه على خثورته فكيف الوجه؟ هذا محتمل عندي، يجوز أن يقال: تحسيه شُرب في حكم البر والحنث، ويجوز أن يقال: يتناوله اسم الأكل والشرب جميعًا، والعلم عند الله تعالى، هذا لفظه.
وهو جازم بأنه شُرب حتى يحنث به جزمًا في مسألتنا على عكس ما قاله الرافعي وتبعه عليه في "الروضة"، والذي أوقع الرافعي في هذين الأمرين هو الغزالي في "الوسيط" فإنه قال: ولو حلف لا يشرب سويقًا فصار خاثرًا بحيث يؤكل بالملاعق فتحساه ففيه تردد. هذه عبارته من غير زيادة عليها.
وكأنه أراد فرض المسألة في الأكل فسبق القلم أو الذهن إلى الشرب غلطًا وعبر بالتردد كما عبر به الإمام إلا أنه أطلقه ولم يضفه إليه، وإطلاقه صحيح إلا أنه محتمل لأمرين ففهم الرافعي منهما غير المراد، وقد وقع في "البسيط" على الصواب فإنه حكى الأمرين كما حكاهما في "النهاية"، ولو عبر في "الوسيط" بقوله "ولو حلف لا يأكل" لاستقام وقد نَبّه ابن الرفعة في "الكفاية" على أن التردد الذي حكاه الرافعي إنما هو احتمالين للإمام.
ولا شك أن الأمر كما قاله من أن الرافعي إنما أراد التردد الذي حكاه الإمام، إلا أنه -أعني: ابن الرفعة- لم يتفطن لما وراء ذلك فوقع في
стр. 4185
غلطين نبهت عليهما في "الهداية".
قوله: ومنها إذا حلف لا يأكل السكر انعقدت اليمين على عين السكر دون ما يتخذ منه إلا إذا نوى، وكذا الحكم في العسل والتمر.
ثم إن ابتلع السكر من غير مضغ فقد أكله كما لو ابتلع الخبز على هيئته. انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من الحنث بالابتلاع قد ذكر قبل هذا بنحو ورقة مثله أيضًا، لكنه ذكر ما يخالفهما معًا في باب تعليق الطلاق بعد قوله: قال: القسم الثاني في فروع التعليقات، بنحو كراس فحكى وجهين وصحح عدم الحنث، وقد سبق ذكر لفظه هناك، وذكر سبب الاختلاف فراجعه.
قوله: والعطف في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (١) لتخصيص النخل والرمان كما في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٢) انتهى.
لقائل أن يقول: كيف يكون هذا من باب ذكر الخاص بعد العام مع أن الفاكهة هنا نكرة في سياق الإثبات فلا تعم؟
ويجاب عنه: بأنها نكرة في سياق الامتنان، وهي تعم، كما قاله القاضي أبو الطيب.
قوله: والثمار مختصة بالرطب، وأما الفاكهة فتطلق علي الرطب كالتفاح والليمون، دون القثاء والخيار، وعلى اليابس كالتمر والزبيب، وكذا لب الفستق والبندق ونحوهما في أقرب الوجهين.
ثم قال بعد ذلك: وقال في "التتمة": الفاكهة لا تتناول اليابس
стр. 4186
كالتمرة، فإن كان هذا عن تحقيق أحوج إلى إعلام "الوجيز" انتهى كلامه.
وقد ظهر منه أنه مستغرب لما في "التتمة" متوقف في إثباته مؤذن بأن غيره لم يقل به مع أنه ثابت، فقد جزم الماوردي في "الحاوي": بأن ما يزول عنه الاسم الذي كان له في حال الرطوبة كالتمر والزبيب لا يحنث به، وحكى وجهين في ما لا يزول كالتين والخوخ والمشمش.
فتحصلنا على ثلاثة أوجه قديمة.
أحدها: ما قاله المتولي، والذي قاله أوجه مما رجحه الرافعي، بل غالب ما نقله في هذا الفصل مشكل.
стр. 4187
النوع الثالث: في العقود
قوله: ولو حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد لم يحنث بما رجع إليه بالإقالة أو خلص له بالقسمة، وإن جعلناه مما يتعين ويحنث بما يملكه بالتولية والاشتراك والسَّلم؛ لأنها بيوع في الحقيقة والإطلاق، ولا يحنث بما يملكه بالصلح على الصحيح [الذي أورده الصيدلاني والبغوي والمتولي والروياني. انتهى كلامه] (١).
وما ذكره في السَّلم مناقض لما صححه في بابه من عدم انعقاده بلفظ البيع، والرافعي ﵀ قَلّد المتولي فإنه ذكر هذه المسائل بعينها في هذا الموضع، إلا أن المتولي قد ذكر مسألة السَّلم في بابها، وفي كتاب البيع وخرجها على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها؟ ولم يصحح فيها شيئًا.
قوله في المسألة: ولو اشترى زيد طعامًا وعمرو طعامًا وخلطاه فأكل الحالف من المختلط فثلاثة أوجه:
أحدها: إن أكل أكثر من النصف حنث وإلا فلا، وهذا عند استواء القدرين.
والثاني: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإشارة إلى شيء بأنه اشتراه زيد.
والثالث وهو الأصح: إن أكل من المخلوط قليلًا يمكن أن يكون مما اشتراه الآخر كعشر حبات من الحنطة وعشرين لم يحنث، وإن أكل قدرًا صالحًا كالكف والكفين حنث.
стр. 4188
ثم قال: وقوله: في "الكتاب": حنث إذا أكل المخلوط. يقع ظاهره على الجميع، وإذا أكل جميع المخلوط يحنث باتفاق الوجه الأول والثالث.
وينبغي أن يعلم بالواو للوجه الثاني، ولفظ "الوسيط": إذا أكل من المختلط. وهذا يخالف الوجوه الثلاثة، وهو بعيد في نفسه فحسن أن يأول فيحمل على الأصح. انتهى كلامه.
وحاصله أن لفظ "الوسيط" مخالف للأوجه الثلاثة، ولفظ "الوجيز" يوافق بعضها، وهو عجيب فإن لفظ "الوجيز" يخالف الثلاثة أيضًا فإن مدلوله أنه يحنث بأكل الجميع، ولا يحنث بأكل البعض، وهذا ليس واحدًا من الثلاثة فتأملها.
وأما كلام "الوسيط" فإنه لم يتعرض لتصويره بحث ولا غيره، فيحتمل أن يكون قد أراد المائعات أو الأدقة ونحوها فإنّ لنا وجهًا أنه يحنث بأكل القليل منه لامتزاجه، حكاه الماوردي وقال: إنه مذهب البصريين، وهو وجه متجه ينبغي الجزم به.
قوله: حلف لا يشتري أو لا يبيع، فوكل من باع أو اشترى له، أو لا يضرب عبده، فأمر من يضربه، أو حلف الأمير أو القاضي لا يضرب، فأمر الجلاد فضرب لم يحنث. انتهى.
واعلم أن الرافعي في باب الخلع قد ذكر عن المتولي فرعًا مُقَيِّدًا لما أطلقه هنا وأقره عليه فينبغي استحضاره فقال: إذا قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فبعثته على يد وكيلها فقبضه الزوج لم تطلق لأنها لم تعط هي، ولو حضرت وقالت لوكيلها الحافظ لمالها: سَلِّم إليه، فَسلَّم طُلِّقت، وكأن تمكينها الزوج من المال المقصود إعطاء.
قوله: ولو حلف لا ينكح أو لا يتزوج، فوكل به فقبل له الوكيل، ففي حنثه وجهان، الذي أورده الصيدلاني وصاحب "الكتاب": أنه لا يحنث
стр. 4189
كالبيع، والذي أورده صاحب "التهذيب": هو الحنث، لأنه هنا سفير محض. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" هنا، والصحيح: هو الحنث، كذا جزم به الرافعي في كتاب النكاح في باب بيان الأولياء في الكلام على التوكيل فيه، وجزم به أيضًا في "المحرر" هنا وتبعه عليه في "المنهاج".
نعم جزم صاحب "التنبيه" بأنه لم يحنث ولم يستدرك عليه في تصحيحه.
قوله: ولو قبل لغيره نكاح امرأة فقضية الوجه الأول: أن يحنث، وقضية الثاني: أنه لا يحنث. انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره من عنده قد تابعه عليه في "الروضة" وقد صرح الإمام في "النهاية" بالمسألة، وجزم بأنه لا يحنث وعلله بأنه لا يطلق عليه اسم التزويج المطلق، بل يقال: تزوج لغيره، ولهذا لابد من التصريح في العقد بالسفارة.
ثم قال: وقد قطع الأصحاب بهذا في الطريق هذه عبارته.
ثم نقل عن الصيدلاني ما يخالفه وخطأه فيه، وجزم به أيضًا الغزالي وهو واضح فوجب اعتماده للنقل والدليل.
قوله: وبمثله -أي عدم الحنث- أجاب في "الكتاب" في ما إذا قال: لا أكلم امرأة تزوجها زيد، وكلم امرأة قبل نكاحها لزيد وكيله، لكن هذا مبني على جوابه في المسألة السابقة، فإن قلنا: يحنث هناك حنث أيضًا هنا. انتهى.
وما ذكره الغزالي في هذه المسألة قد نقله الإمام عن الأصحاب، قال: وهو القياس.
стр. 4190
ونقل عن الصيدلاني: أنه يحنث، والصيدلاني قد تقدم عنه في المسألة السابقة موافقة الغزالي فكيف يستقيم تخريج هذه عليها؟ !
قوله: فروع: إذا حلف لا يحلق رأسه، فأمر غيره فحلقه ففيه طريقان: أحدهما: أنه كما إذا قال: لا أبيع، وأمر غيره بالبيع، وفيه الخلاف، أي والصحيح فيه أنه لا يحنث.
والثاني: القطع بالحنث لاطراد العُرف في الحلق بذلك. انتهى كلامه.
والصحيح هو الحنث كذا جزم به الرافعي في كتاب الحج من شرحيه "الكبير" و"الصغير" في باب محرمات الإحرام في الكلام على تحريم الحلق.
قوله: ولو حلف لا يبيع لى زيد مالًا فوكل الحالف رجلًا بالبيع وأذن له في التوكيل فوكل الوكيل زيدًا حتى باعه حنث الحالف سواء علم زيد أم لم يعلم؛ لأن اليمين منعقدة على فض فعل زيد وقد فعل زيد باختياره. انتهى.
وما أطلقه من الحنث عند جهل زيد تبعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، بل الصواب الجاري على القواعد أنه إن كان ذلك الغير لا يأثم بأمره [حنث، وإن كان يأثم بأمره] (١) فعلى القولين في الناسي.
قوله: هذا في ألفاظ المعاملات، وسيأتي خلاف في أنه هل يحمل لفظ العبادات على الصحيح كما إذا حلف لا يصوم ولا يصلي؟ ولا خلاف في أنه إذا حلف لا يحج يحنث بالحج الفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح. انتهى كلامه.
وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من وقوع خلاف يأتي بعد هذا في حمل العبادات
стр. 4191
على الصحيحة، قد تابعه عليه في "الروضة" وهو سهو لا ذكر له، بل جزم بحملها على الصحيح، فإذا حلف مثلًا لا يصلي فأحرم بصلاة فاسدة لا يحنث، وإن أحرم بصحيحة ثم فسدت فيبني على أن اسم الصلاة هل يصدق بالإحرام أو بالركوع أو بالفراغ؟ فيحنث على الأول، ولا يحنث على الأخير.
وأما الثاني: فإن فسدت بعد الركوع حنث وإلا فلا [وهذا البناء أيضًا موافق لما جزموا به من اشتراط الصحة] (١)، وقد ذكر قبل ذلك في ألفاظ العقود مثله أيضًا حتى إذا حلف لا يبيع [لا يحنث ببيع] (٢) الخمر، فلو قال: لا أبيع الخمر، فكذلك على الصحيح، وقيل: يحنث ببيعه.
نعم حكى الرافعي في الطلاق في الكلام على المسألة السريجية في موضعين منها خلافًا في أن اللفظ عند الإطلاق يتناول الصحيح والفاسد أم يختص بالصحيح؟ إلا أنه في أحد الموضعين قيده [بألفاظ العقود وأطلق في الآخر، وذكر نحوه أعني الخلاف] (٣) في لفظ العقود قُبَيل الصداق بأوراق في الكلام على نكاح العبد، واقتضى كلامه هناك أنه وإن تناوله فلا يحنث به بلا خلاف.
الأمر الثاني: إذا حلف لا يحج، فأحرم ثم جامع فإنه يحنث بالإحرام وذلك قبل حصول الإفساد، وحينئذ فكيف صورة الحنث بالحج الفاسد؟ ، وصورته ما إذا أحرم بالعمرة ثم أفسدها ثم أدخل عليها بالحج فإنه ينعقد فاسدًا على الصحيح، كذا ذكره الرافعي في الكلام على سنن الإحرام، ويتصور أيضًا في ما إذا حلف لا يحج حجة، ولا يصور بما إذا أحرم
стр. 4192
وهو مجامع، فإن القول بانعقاده فاسدًا، وجه مرجوح كما نبينه في موضعه.
الأمر الثالث: أنّا قد فرقنا بين الفاسد والباطل في أبواب من العقود، منها: الخلع، ولا شك أنه كالصحيح في الحنث له لأن البينونة قد حصلت وملكت نفسها وحلت للأزواج.
ومثله: الوكالة الفاسدة كما إذا سمى لها عوضًا فاسدًا ونحوه، وأما الكتابة الفاسدة فلا يتجه الحنث بها لأن أثرها لم يحصل قبل الإعطاء، وأما العتق الحاصل بعده فإنه لأجل التعليق.
قوله: منها: إذا حلف لا يهب فيحنث بكل تمليك في الحياة خال عن العوض، ثم قال: ولا يحنث بالضيافة، لأنه لا تمليك فيها على الصحيح.
قال في "التتمة": وفيها وجه يصير بناء على أنه يملك الضيف الطعام الذي يأكله. انتهى.
وما ذكره هنا من كون الضيف لا يملك واستبعد خلافه غريب، فقد سبق في باب الوليمة أن الجمهور على كونه تَمَلّك، وقد تقدم هناك الكلام عليه مبسوطًا.
قوله: ولو تم الإيجاب والقبول ولم يقبض فوجهان:
أظهرهما عند المتولي: أنه يحنث، لأن الهبة قد تحققت والمتخلف الملك.
وعند صاحب "التهذيب": أنه لا يحنث؛ لأن مقصود الهبة لم يحصل. انتهى.
صحح الرافعي في "المحرر": أنه لا يحنث، وعبر بالأظهر، وصححه النووي في "زوائد الروضة"، والمسألة نظير البيع المستعقب لخيار المجلس والشرط.
стр. 4193
وقد قالوا: إن اليمين المتعلقة به يدور الحنث والبر فيها على وقوعه سواء انفسخ أم لم ينفسخ، لا على المقصود منه وهو حصول الملك، فإذا قال السيد: إن بعت هذا فهو حر فباعه عتق في الحال، سواء قلنا: الملك للبائع أو للمشتري أو موقوف، كذا ذكره الرافعي في الباب السابع في تعليق الطلاق في أوائل الطرف السابع المعقود لأنواع من التعليق، وتبعه عليه في "الروضة" وعلل العتق على قول ملك المشتري بأن البائع يجوز له الفسخ وإعتاقه فسخ ويعود الملك بالإعتاق إلى البائع، والذي قالوه هناك أصوب من المذكور هنا ويؤيده أيضًا ما ذكره الرافعي في الإقرار: أن الإقرار بالهبة ليس إقرارًا بالقبض على المشهور، وقيل: إن كانت العين في يد الموهوب له فالقول قوله.
وذكر أيضًا في أواخر الرهن في الاختلاف في قبض المرهون مثله.
قوله: ولو حلف لا يعتق عبدًا فكاتبه فعتق بالأداء لم يحنث، ذكره ابن القطان. انتهى.
وما نقله من عدم العتق قد تابعه عليه في "الروضة" إلا أن القاعدة: أن تعليق العتق مع وجود الصفة إعتاق، سواء كانت الصفة من فعل السيد أم لا.
كذا صرح به في تعليق الطلاق في الكلام على نظيره، وهو أن تعليق الطلاق مع وجود الصفة تطليق، وهو في أثناء الطرف التالي المعقود للتعليق بالتطليق، وقد صرح الرافعي هناك بأن الخلع تطليق وإن كان متوقفًا على قبولها، قال: وإنما لم يقع الطلاق المعلق على التطليق لبينونتها، فتلخص أن الصواب: أن هذا إعتاق ويحنث به هاهنا.
قوله: ولو حلف لا مال له، وله مكاتب، لم يحنث في أصح الوجهين لأنه كالخارج عن ملكه، ويحنث بأم الولد في أصح الوجهين، لأن رقبتها مملوكة له، ولسيدها منافعها، وأرش الجناية عليها، ثم قال ما نصه: وفي
стр. 4194
"البيان" طريقة قاطعة بأنه لا يحنث بالمكاتب. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن "البيان" ليس مطابقًا للذي فيه، فإنه لما ذكر الحلف على أنه لا مال له لم يذكر فيه المكاتب بالكلية، إنما ذكر ذلك في الباب في الحلف على أنه لا عبد له.
فقال بعد فراغه من الكلام على أنه لا مال له: فرع: وإن حلف لا يملك عبدًا وله مكاتب فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ثم قال: ومنهم من قال: لا يحنث قولًا واحدًا، هذا كلامه وهي مسألة أخرى غير مسألة الرافعي، وهل حكمهما واحد أم لا؟ فيه نظر يحتاج إلى نقل، وذكر في "المهذب" مثل ما في "البيان".
واعلم أن الخلاف المذكور في المكاتب مُفَرّع على قولنا: أنه باق على ملك السيد، وفيه ثلاثة أوجه حكاها في الكفاية هنا:
أحدها: هذا، وهو المشهور.
وثانيها: أنه مملوك لا مالك له كسترة الكعبة.
وثالثها: أنه مملوك لنفسه ولم يعتق لأن ملكه لم يكمل.
قوله: ولو كان يملك منفعة بوصية أو إجارة لم يحنث على الصحيح. انتهى.
وما صححه من عدم دخول المنفعة في المال، قد جزم بخلافه في كتاب الوصية فقال: الأموال تنقسم إلى أعيان ومنافع، هذا لفظه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ولو جنى عليه عمدًا فلم يقبض ولم يعف قال في "البيان": يحتمل أن يبني على أن موجب العمد ما إذا قلنا: القود، لم يحنث، وإن قلنا: القود أو المال، حنث، وقد يتوقف في هذا. انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": الصواب الجزم بأنه لا حنث.
قوله: ولو حلف لا ملك له حنث بالآبق، والمغصوب وبأم الولد
стр. 4195
وبالوقف إن قلنا: يملكه، وبالمنفعة المستحقة وبالدين، وقياس ما سبق مجيء الخلاف في الآبق والمغصوب، وإن كان في نكاح الحالف امرأة ففي "التتمة": إن الحنث يبنى على أن النكاح هل فيه ملك أم هو عقد حل؟ فإن قلنا: فيه ملك، حنث. انتهى كلامه.
وما نقله ﵀ في أم الولد وما بعده إلى الكلام على المرأة قد سقط من "الروضة" فقال ما نصه: فرع: حلف لا ملك له حنث بالآبق والمغصوب، وإن كان له زوجة قال المتولي: يبنى على أن النكاح هل هو عقد تمليك أو عقد حلّ؟ فإن قلنا: تمليك حنث.
قلت: المختار أنه لا حنث إذا لم تكن نية؛ لأنه لا يفهم منه الزوجة. هذا لفظه.
وكأنه انتقل نظره حالة الاختصار من المغصوب إلى المغصوب، أو سقط من النسخة التي اختصر منها.
قوله في المسألة من "زوائده": وينبغي أن لا يحنث بالكلب والسرجين وغيرهما من النجاسات، ولا بالزيت النجس إذا لم نجوز بيعه. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من انتفاء الملك عن الزيت النجس مردود؛ لأنه قد كان قبل التنجيس مملوكًا له، ووقوع النجاسة لم تخرجه عن طهارة العين وإنما منعت بيعه، ومنع البيع لا يلزم منه عدم الملك بدليل أم الولد، والحبة من الحنطة والموقوف إذا ملكناه للآدمي وغير ذلك.
واعلم أن الماوردي قد حكى ثلاثة أوجه في دخول الاختصاصات في مسمى الملك.
ثالثها: إن صدق عليه هذا الاسم قبل ذلك، ويصدق عليه أيضًا بعده كجلد الميتة، فإنه يسمى مالًا وإلا فلا.
стр. 4196
النوع الرابع: في الإضافات
قوله: ولو حلف لا يدخل مسكن فلان، حنث بدخول مسكنه المملوك، والمستعار والمستأجر، وفي المغصوب وجهان:
أحدهما: لا يحنث لأنه لا يسكن، وحكى الإمام فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحنث؛ لأنه المستحق لسكناه.
وأصحها: وبه أجاب الصيدلاني: المنع؛ لأنه ليس مسكنه حقيقة.
وثالثها: أنه إن سكنها يومًا أو ساعة حنث؛ لأنه أعده مسكنًا وهو على استحقاقه وإلا فلا. انتهى.
هذا موجود في نسخ الرافعي، وهو غير منتظم من وجوه يرجع بعضها إلى التصوير، وبعضها إلى التعليل، وبعضها في حكاية الأوجه، فقد انكشف الغطاء عن ذلك بحمد الله تعالى، وظهر أن سبب هذا الخلط وعدم الانتظام سقوط شيء من كلام الرافعي عُلِمَ من "الشرح الصغير"، فإنه قال: وفي المغصوب وجهان: وجه المنع: أنه لا حق له فيه حتى يضاف إليه، والأصح: الحنث فإنه لا يسكنه، وفي ملكه الذي لا يسكنه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحنث، لأنه يستحق سكناه. . . . إلى آخر المسألة. هذا لفظ الرافعي بحروفه.
وقد ظهر منه أن الساقط عجز المسألة الأولى وصدر الثانية.
وقد اختصره في "الروضة" باجتهاده فقال: وفي المغصوب وجهان: لأنه لا يملك سكناه، قلت: أصحهما الحنث، والله أعلم.
وفي دخول داره التي لا يسكنها أوجه إلى آخره. هذه عبارته، وهو اجتهاد حسن وقد وقع لنا مثل ذلك أيضًا في السقط وبيانه من "الشرح
стр. 4197
الصغير" واختصار النووي له باجتهاده.
قوله: حلف لا يدخل دار زيد، فباع زيد داره ثم اشترى غيرها، قال الصيدلاني: إن قال: أردت الأولى بعينها، لم يحنث بدخول الثانية.
وإن قال: أردت أي دار تكون في ملكه، حنث بالثانية دون الأولى.
وإن قال: أردت أي دار جرى عليها ملكه، حنث بأيهما دخل. انتهى كلامه.
وسكت عن حالة الإطلاق، وقد نقل في "الكفاية" عن "زيادات العبادي": أنه لا يحنث بدخول الثانية في أظهر الوجهين.
ونقل عن "تهذيب البغوي": عكسه، فقد راجعت "الزيادات" و"التهذيب" فرأيت فيهما ما يدل على ما ذكره إلا أنهما ليسا صريحين في ذلك.
قوله: وإذا حلف لا يلبس ثوبًا حنث بلبس الرداء، ثم قال: ولا يحنث بوضع الثوب على الرأس، ولا بأن يفرشه ويرقد عليه، فإن ذلك ليس بلبس، ولو تَدَثّر به، قال في "الكتاب": فيه نظر، وأراد به تردد وجه، أحد الوجهين: أنه يحنث؛ لأن المتلفف في الدِّثار قريب من الارتداء.
وأظهرهما: المنع لأنه لا يسمى لبسًا. انتهى كلامه.
وما ذكره في التَّدَثُر محله فيما إذا تَدَثَّر بقميص ونحوه، فأما إذا تَدَثَّر بقباء أو فرجية ففيه تفصيل نقله عن الإمام في تحريمه على المحرم وأقره عليه فقال: إن أخذ من بدنه ما إذا قام عُدّ لابسه لزمه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد، لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا انتهى.
стр. 4198
تابعه في "الروضة" على نقل هذا التفصيل وسكوته عليه، وحينئذ فيجري مثله هاهنا ويحمل إطلاق الرافعي على ما تقدم، ولأجل هذا صرح الغزالي في "الوجيز" بتصويره في القميص.
قوله: فرع: حلف لا يلبس الخاتم فجعله في غير الخنصر من أصابعه، فعن المزني في "الجامع الكبير": أنه لا يحنث، لأن الخاتم في العادة لا يلبس في غير الخنصر، وعلى هذا الجواب جرى صاحب "التهذيب" وقاسه على ما إذا حلف أن لا يلبس القلنسوة فجعلها في رجله.
والذي حكاه الروياني عن الأصحاب: أنه يحنث. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران يعلمان من كلام في الوديعة:
أحدهما: أن الراجح ما قاله البغوي.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف في الرجل أما المرأة فتحنث جزمًا.
وقد سبق لفظ الرافعي هناك لغرض يتعلق به فراجعه، وسكت الرافعي عن حكم الخنثى، وقد سبق هناك بيان حكمه.
قوله: إذا حلف لا يخرج فلان أو زوجته بغير إذنه أو إلا بإذنه فخرج بغير إذنه حنث، وإن خرج بإذنه لم يحنث.
وهكذا لو قال: حتى آذن أو إلى أن آذن، أو إلا أن آذن وعلى التقديرين يَنْحَلّ اليمين حتى لو خرج بعد ذلك بإذن أو بغير إذن لم يحنث، وفي ما إذا قال: بغير إذني، أو إلا بإذني، قول أنها لا تَنحَل إلا بخروجها بالإذن، واختاره المزني والقفال، لأن المحلوف عليه هو الخروج بغير الإذن ولم يوجد، فأشبه ما إذا قال: إن خَرَجْت لابسة الحرير فأنت طالق، فخرجت غير لابسة فإن اليمين لا تَنْحَلّ، ووجه ظاهر المذهب
стр. 4199
بوجهين:
أحدهما: أن اليمين تعلقت بَخَرْجة واحدة وهي الأولى، وتلك الخَرْجَة إذا كانت بغير إذن توجب الحنث، فإن كانت بإذن حصل البر وارتفعت اليمين، ويؤيده أنه لو قال: إن كان خروجك الأول بغير إذني فأنت طالق، فخرجت أولًا بإذنه، ثم خرجت بغير إذنه لا يحنث.
والثاني: ذكر أبو الحسن العبادي أن القاضي الحسين ﵀ قال: راجعت غير واحد من عِلْيَة أصحابنا ﵏ في تعليل هذه المسألة فلم أظفر بمقنع.
وعلله من جاء بعده بأن هذه اليمين لها جهة بر وهي الخروج بالإذن، وجهة حنث وهي الخروج بغير الإذن؛ لأن الاستثناء يقتضي النفي والإثبات جميعًا.
وإذا كانت لليمين جهتان ووجدت إحداهما تَنْحَلّ اليمين، ألا ترى أنه لو حلف على أنه لا يدخل الدار اليوم أو ليأكلن هذا الرغيف غدًا فإنه إن لم يدخل الدار في ذلك اليوم فإنه يبر، وإن ابتغى أكل الرغيف، وكذا إذا أكل الرغيف انحلت اليمين حتى لا يحنث، وإن دخل الدار ذلك اليوم. انتهى ملخصًا.
وما ذكره ﵀ من أن اليمين تعلقت بالخَرْجَة الأولى عجيب، فإنه مجرد دعوى لا دليل عليها بل قام الدليل على خلافها، وإنما تعلقت اليمين بأول خَرْجَة توجد بغير الإذن سواء كانت هي الأولى مطلقًا أم لم تكن، واستدل الرافعي عليه بقوله: ويؤيده أنه لو قال: إن كان خروجك الأولى. . . . إلى آخره، عجيب أيضًا فإن هذا قد صرح فيه بالأولية، ومما يدل على أن اليمين ليست متعلقة بالأولى بخصوصها أنه لو
стр. 4200
كان كذلك لكان يلزم أن تَنْحَلّ اليمين إذا وجد الخروج الأول مع النسيان، مع أن أشبه الوجهين كما قاله الرافعي بعد هذا بأوراق: أنها لا تَنْحَلّ، وعلله بأنّا إذا لم نحنثه لم نجعل يمينه متناولة لما وجد، وهذا التعليل الذي ذكره بعينه موجود في مسألتنا فيلزمه التسوية بينهما بلا شك، والأقرب إلحاق مسألتنا بتلك حتى يحنث فيهما جميعًا.
وأما التعليل الثاني: فإن كان المراد بقوله "جهة بر" أي: جهة يخرج بها من يمينه وتَنْحَلّ بها اليمين فلا يسلم أن الخروج بالإذن بهذه المثابة، فإن ذلك تعيين محل النزاع والذي يقول بهذه المثابة أنها إذا خرجت بعده بغير الإذن مطلق لا يسلم انحلال اليمين بخروجها بالإذن، وإن كان المراد بقوله: "جهة بر" [أي: جهة لا يحنث بها فمسلم، لكن لا يلزم من وجود ما لا يحنث به أن لا يحنث] (١) بعد ذلك لوجود ما دخل في يمينه.
وقول الرافعي: "عِلْيَة أصحابنا" هو بعين مهملة مكسورة ولام ساكنة وياء مفتوحة بنقطتين من تحت، وهو جمع لعلي مشدد الياء وهو الشريف الرفيع، يقال: رجل علي ورجال علية كصبي وصبية. قاله "الجوهري".
قوله: ولو قال: إن خرجت بغير إذني لغير عبادة فأنت طالق، فخرجت لعبادة ثم عرضت حاجة فاشتغلت بها لم تطلق، وإن خرجت لعبادة وغيرها، فالمذكور في "الشامل" والمنسوب إلى نصه أيضًا في "الأم": أنه لا يحنث، وذكر صاحب "التهذيب": أنه الأصح، ويشبه أن يقال: إن كان المقصود من قوله: "لغير عبادة" ما هو بمعزل عن العبادة فلا يحنث، وهذا هو السابق إلى الأفهام، وإن كان المقصود ما يغايره في الحقيقة فمجموع العبادة
стр. 4201
والحاجة الأخرى يغاير مجرد العبادة.
ولو قال: إن خرجت إلا لعبادة، فينبغي أن يحنث، لأنه يصدق أن يقال: لم تخرج للعبادة، وإنما خرجت لها ولغيرها. انتهى كلامه.
وقد اختلف كلام "الروضة" في هذه المسألة اختلافًا عجيبًا فقال هنا من "زوائده": قلت: الصواب الجزم بأنه لا يحنث، والله أعلم.
وقال من "زوائده" أيضًا في أواخر تعليق الطلاق: قلت: الأصح الوقوع، وممن صححه الشاشي، والله أعلم.
وقد سبق ذكر الأصل والزيادة في موضعها، وجزم البندنيجي والشيخ أبو حامد بعدم الوقوع، وجزم بالوقوع المحاملي وصححه الماوردي.
стр. 4202
النوع الخامس: في الكلام
قوله في "الروضة": حلف لا يكلمه فكتب إليه كتابًا أو أرسل إليه رسولًا فقولان:
الجديد: لا يحنث، ومنهم من قطع به.
وقيل القديم: إنما هو إذا نوى بيمينه المكاتبة، وقيل: القولان في الغائب، فإن كان معه في المجلس لم يحنث قطعًا. انتهى كلامه.
وحاصله حكاية أربع طرق، ولم يذكر الرافعي ذلك ولا يصح مجيئه أيضًا، بل المذكور فيه وهو الصواب: إنما هو ثلاث فقط، وجعل الثالث الذي في "الروضة" حملًا من صاحب الطريقة الثانية، وعبر بقوله: "وقال" عوضًا عن قول "الروضة".
قوله: وهجران المسلم حرام فوق ثلاثة أيام، قال في "الروضة": هذا إذا كان الهجر لحظوظ النفوس وتعنتات أهل الدنيا، فأما إذا كان المهجور مبتدعًا أو مجاهرًا بالظلم والفسق فلا يحرم مهاجرته أبدًا، وكذا إذا كان في المهاجرة مصلحة دينية. انتهى.
وكلامه يقتضي أن المبتدع لا فرق فيه بين أن يكون مجاهرًا ببدعته أم لا، بخلاف الظالم والفاسق، والصواب التسوية، وقد سَوّى بين المبتدع والفاسق في أول باب الشقاق بين الزوجين في جواز الهجران من غير شرط، فقال: فإن كان عذر بأن كان [المهجور] (١) مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين المهاجر أو المهجور فلا يحرم، وعلى هذا ما ثبت من هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه
стр. 4203
- ﷺ الصحابة عن مكالمتهم. انتهى.
وقد ذكر هناك عن الإمام أنه ذهب إلى أنه لا يحرم ترك الكلام أصلًا، لكن إذا تكلم فعليه أن يحنث.
قوله: وإن كانت مواصلتهما قبل ذلك بالكتابة والمراسلة فيرتفع الإثم بها، وإلا فإن تعذر الكلام لغيبة أحدهما عن الآخر فكذلك، وإلا ففيه وجهان بناء على القولين الجديد والقديم، حتى لو حلف أن يهاجر فلانًا فهل يحنث بالمكاتبة والمراسلة؟ فيه هذا الخلاف. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ظاهر البناء يقتضي رجحان بقاء التحريم مع المراسلة والمكاتبة وعدم الحنث بهما؛ لأن الجديد: أن المكاتبة والمراسلة ليستا من قبيل الكلام، وقد صرح بالأول في "الروضة" من "زوائده"، فقال: والأصح: أنه لا يزول التحريم بالمكاتبة والمراسلة.
نعم صحح الرافعي في "الشرح الصغير" خلافه فقال: فيه وجهان بناء على القولين، والظاهر: الحنث وأن إثم المهاجرة المحرمة يرفع بهما.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: حتى لو حلف لا يهاجره، أعني بصيغة "لا" كذا رأيته بخطه والصواب ما في الرافعي.
قوله: ولو حلف لا يكلمه، فسَلّم عليه، حنث، فإن سلم على قوم وهو فيهم، واستثناه باللفظ لم يحنث، وإن استثناه بالنية فكذلك، وذكر فيه قولا آخر.
وإن أطلق: حنث في أظهر القولين عند الشيخ أبي حامد. انتهى ملخصًا.
والصحيح ما صححه أبو حامد المذكور، فقد قال بعد هذا بأوراق في
стр. 4204
الحلف على السلام: إنه الظاهر، وقال هنا في "الشرح الصغير" وأصل "الروضة": إنه الأظهر.
قوله: ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسبح لسهوه أو فتح عليه القراءة لم يحنث، ولو قرأ آية فُهِمَ منها مقصوده لا يحنث إن قصد القراءة وإلا فيحنث.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في التسبيح والفتح من عدم التفصيل مع التفصيل في المسألة التي بعدها كالصريح في أنه لا فرق في التسبيح والفتح بين أن يقصد أم لا، مع أنه قد ذكره في إبطال الصلاة، فإذا ألحقه بالكلام وهو يقصد إفهامه به لزم الحنث.
الأمر الثاني: أن المسألة الثانية وهي فهم المقصود من الآية فيها كلام سبق في شرائط الصلاة فراجعه.
стр. 4205
النوع السادس: في تأخير الحنث وتقديمه
قوله: إحداهما: حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فتلف قبل الغد، فيخرج على قولي المكره.
فإن قلنا: يحنث، فهل يحنث في الحال بحصول اليأس أو بعد مجيء الغد لأنه وقت البر والحنث؟ فيه قولان أو وجهان، والذي أورده ابن كج هو الثاني، والخلاف كالخلاف في ما لو حلف ليصعدن السماء غدًا.
قال في "التتمة": وفائدة الخلاف أنه لو كان معسرًا يكفر بالصوم، جاز أن ينوي صوم الغد عن كفاراته إن قلنا: يحنث قبل الغد. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على التردد بين القولين والوجهين من غير ترجيح، والمعروف أنهما وجهان، فقد جزم به الرافعي قبل ذلك في النوع الثاني المعقود للأكل والشرب، وجزم به أيضًا في كتاب الصيام من "الروضة".
الأمر الثاني: أن الراجح هو الوجه الثاني وهو الحنث في الغد، كذا رجحه الرافعي في النوع المذكور، فقال: ويشبه أنّ ترجيح الثاني هنا أي في هذه المسألة ونحوها، وهو ما إذا تعلق المستحيل بوقت معين بخلاف ما إذا كان مطلقًا كما إذا قال: والله لأصعدن السماء، أو لأشربن ماء النهر، فإن الأصح أنه يحنث من الآن.
ومن فوائد الخلاف أيضًا كما قاله في "النهاية" و"البسيط" وقد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا: ما لو مات الحالف قبل مجيء الغد أو أعسر، وقلنا: يعتبر في الكفارة حال الوجوب.
قوله في المسألة: فإن قلنا: لا يحنث قبل مجيء الغد، فهل يحنث إذا