والحاصل أن إطلاق ما نقله عن البغوي ليس مذهبًا للشافعي بل إن حصلت السقيا ولم يصرح في نذره بالناس فلا يلزمهم بإلزامه بلا شك، وإن لم تحصل السقيا أو حصلت ولكن صرح بالناس فكلامه مشعر بأن له إلزامهم، وحيث أوجبنا فيظهر أن يكون الخروج فرض كفاية.
نعم، هل يجب خروج ثلاثة أم يكفي اثنان؟ فيه نظر.
الأمر الثاني: أن هذا الاحتمال ليس هو للبغوي ولا للرافعي، بل نقله في "التهذيب" عن القاضي الحسين ولم يخصه بالإمام، فإنه قال: وكان القاضي يقول: إذا نذر أن يستسقي لزمه الاستسقاء وهل تلزمه الصلاة؟ قال: تحتمل وجهين. هذا لفظه.
وعدم لزوم الصلاة واضح، ثم إن اقتصار الرافعي والنووي في عدم لزوم الصلاة، والحالة هذه على نقله احتمالًا فقط مؤذن بأنهما لم يطلعا على خلاف في المسألة وهو غريب، فقد صرح المتولي في "التتمة" بحكاية وجهين في المسألة حتى أنه لم يصحح منهما شيئًا، وقد سبق من كلام الرافعي التعبير بقوله: "واحد من عُرض الناس"، وهو بضم العين المهملة وسكون الراء، وبالضاد المعجمة، قال الجوهري: يقول رأيته في عُرض الناس: أي في ما بينهم.
وذكر قبل ذلك بأوراق أن ناسًا من العرب يقولونه بالفتح، قال: وفلان من عُرض الناس -أي بالضم- ومعناه من العامة.
قوله: وسئل صاحب "الكتاب" عما لو قال البائع للمشتري: إن خرج المبيع مستحقًا فلله عليّ أن أهبك ألف دينار، فهل يصح هذا النذر أم لا؟
وإن حكم حاكم بصحته هل يلزمه؟
стр. 4237
فأجاب: بأن المباحات لا تلزم بالنذر، وهذا مباح ولا يؤثر فيه قضاء القاضي إلا إذا نقل مذهب معتبر في لزوم ذلك بالنذر. انتهى.
واعلم أن هذا المنذور وإن كان لا يلزم فعله لكن يلزمه كفارة يمين إن لم يفعله على ما فيه من الاضطراب السابق فاستحضره.
قوله: قال بعضهم: لو نذر أن يكسو يتيمًا لم يخرج عن نذره باليتيم الذمي، لأن مطلقه في الشرع للمسلم. انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، أما جائزه كما لو نذر إعتاق رقبة.
стр. 4238
قال ﵀: النظر الثاني: في أحكام النذر والملتزمات أنواع
النوع الأول: الصوم
قوله: وهل يجب تبييت النية في الصوم المنذور أم تكفي نيته قبل الزوال؟
إن قلنا: إن المنذور ينزل على أقل الواجب وهو الأصح، أوجبنا التبييت، وإن قلنا: على أقل الجائز، فلا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد صحح هنا في "الروضة" ما صححه الرافعي من سلوك المنذور مسلك الواجب، ثم خالف ذلك في باب الرجعة فقال من "زوائده": المختار أنه لا يطلق ترجيح واحد من الوجهين بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل لظهور دليل أحد الطرفين في بعضها وعكسه في بعض. انتهى.
وقال في "شرح المهذب": إنه الصواب.
وقد أعلمتك مرات أن لفظ "المختار" و"الصواب" في "الروضة" ليس بالمعنى المذكور في "تصحيح التنبيه"، بل بمعنى: الراجح والأصح، ونحوهما.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" أيضًا قد تابع الرافعي على تخريج التبييت على هذا الخلاف، وخالف ذلك في "شرح المهذب" هنا وفي كتاب الصيام فإنه حكى في ذلك طريقين:
إحداهما: هذه.
والثانية: الجزم بالوجوب سواء سلكنا به مسلك الواجب أم الجائز،
стр. 4239
وصحح هذه الطريقة فقال: وفي صوم النذر طريقان: المذهب وبه قطع الجمهور وهو المنصوص في "المختصر": لا يصح بنية من النهار.
والثاني فيه وجهان بناء على أنه يسلك به في الصفات مسلك واجب الشرع أم جائزه؟
ثم قال: والمذهب أنه يفرق بين هذه المسائل وباقي مسائل الخلاف في أن النذر هل يسلك به مسلك الواجب أو المنذور؟ فإن الحديث هنا عام. هذا كلامه في الصيام، وذكر هنا قريبًا منه.
قوله: وهل يجوز أن يصلي الصلوات المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان بناء على الأصل المذكور وهو سلوكه مسلك الواجب أم الجائز؟
ثم قال: وإن نذر أن يصلي قاعدًا جاز أن يقعد، كما لو صرح في نذره بركعة له الاقتصار عليها، فإن صلى قائما فقد أتى بالأفضل. انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز القعود عند تصريحه به قد ذكر بعده بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه مخالفة عجيبة، فقال في أول الكلام على ما إذا نذر صوم يوم قدوم فلان ما نصه: ثم حكى الإمام عن الأصحاب أنه لو قال: عليّ أن أصلي ركعة لم يلزمه إلا ركعة.
ولو قال: عليّ أن أصلي كذا قاعدًا، يلزمه القيام عند القدرة إذا حملنا المنذور على واجب الشرع، وأنهم تكلفوا فرقًا بينهما، قال: ولا فرق. انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا الاختلاف العجيب كيف جزم أولًا بأنه لا يلزمه القيام وإن سلكنا به مسلك الواجب، ونقل ثانيًا عن الأصحاب أنه يلزمه ولم ينقل خلافه.
стр. 4240
ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" على وجه أشد مما وقع هنا فإنه نفي الخلاف في الموضع الأول: فقال: ولو نذر أن يصلي قاعدًا جاز له القعود بلا خلاف. هذا لفظه، وذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، فقال: جاز القعود قطعًا.
قوله: أما لو نذر أن يعتكف فليس جنس الاعتكاف واجبًا بالشرع، وقد سبق في باب الاعتكاف وجهان في أنه هل يشترط اللبث أم يكفي المرور في المسجد مع النية؟ والأول أصح.
ثم قال: وإن اكتفينا بالمرور، فللإمام احتمالان:
أحدهما: يشترط اللبث؛ لأن لفظ الاعتكاف يشعر به.
والثاني: لا، حملًا له على حقيقته شرعًا. انتهى.
وما حكاه هنا عن الإمام في كيفية الخلاف قد حكى عنه في باب الاعتكاف ترتيبًا غيره، فقال: وفي اعتبار اللبث وجهان حكاهما في "النهاية":
أصحهما: لابد منه.
والثاني: يكفي الحضور.
ثم فرع فقال: إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعبور من باب والخروج من باب. هذا كلامه من غير زيادة عليه.
قوله في "الروضة": ولو عَيّن في نذره زمنًا للصوم تعين على المذهب وبه قطع الجمهور، وقال الصيدلاني وغيره: فيه وجهان. انتهى.
وما رجحه هنا من طريقة القطع قد سبق منه في كتاب الاعتكاف ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: ولو عَيّن يومًا من أسبوع والتبس عليه فينبغي أن يصوم يوم الجمعة لأنه آخر الأسبوع، فإن لم يكن هو المعين أجزأه وكان قضاء. انتهى كلامه.
стр. 4241
وهو صريح في أن أول الأسبوع السبت وآخره الجمعة، وقد تابعه في "الروضة" عليه، وخالف ذلك في باب صوم التطوع من "شرح المهذب" في الكلام على صوم يوم الإثنين فقال: يسمى يوم الإثنين لأنه ثاني الأيام، ثم قال: وأما يوم الخميس فسمي بذلك لأنه خامس الأسبوع. هذا لفظه.
وهو صريح في أن أوله الأحد، وذكر مثله في "لغات التنبيه"، والصواب الأول، فقد روى مسلم في "صحيحه" في الربع الأخير من الكتاب عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة في ما بين العصر إلى الليل" (١). هذا لفظه في مسلم.
وفي الصحيح أيضًا في حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ وهو يخطب: "فادع الله أن يسقينا" (٢) الحديث إلى أن قال في آخره: "فوالله ما رأينا الشمس سبتًا" أي: جمعة، فعبر بأول أيامها، على أنه قد روي أيضًا ستًا أي بكسر السين على أنه اسم للعدد الذي بين الخمس والسبع، وكذلك قول الشاعر (٣):
ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يَكُرَّان من سبت عليك إلى سبت
واعلم أنك إذا أردت ضبط ترتيب المخلوقات [الواقعة في الحديث فأت
стр. 4242
بلفظ حروفه مرتبة على ترتيب أوائلها] (١) وحينئذ سهل استحضاره فقل: يجشم ندا.
قوله: والخلاف في أن اليوم المعين هل يتعين؟ يجري مثله في الصلاة إذا عيّن لها في النذر وقتًا، وفي الحج إذا عيّن له سنة، والتعيين في الصلاة هو الذي أورده في "التهذيب". انتهى.
وقد تحصل منه: أن المشهور تعيين وقت الصوم وأن الصلاة مثله، بل أولى.
إذا علمت ذلك فقد جزم في كتاب الاعتكاف في أوائل الركن الرابع بأن وقت الصلاة لا يتعين، وقد سبق ذكر لفظه هناك، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة" و"شرح المهذب"، والتعيين هو الصواب المفتى به، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" في باب السنة في النذور فقال: ومن نذر صلاة في يوم بعينه أو صيامًا فعليه أن يأتي بذلك في ذلك اليوم، فإن أخره قضاه. هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت.
قوله: ولو عَيّن للصدقة وقتًا، قال الصيدلاني: يجوز تقديمها عليه بلا خلاف. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وقد سبق في باب الاعتكاف ما يقتضي امتناع التقديم على خلاف ما نقله هنا عن الصيدلاني وأقره عليه.
قوله: فإذا نذرت المرأة صوم سنة متتابعة فأفطرت بعذر الحيض والنفاس ففي قول: لا يجب القضاء كيوم العيد.
وفي قول: يجب كما إذا وقع الحيض في الصوم الواجب شرعًا.
стр. 4243
ثم قال: وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول أصح عند أبي علي الطبري وأبي الحسين ابن القطان، ونسبه ابن كج إلى المشهور وتابعهم الروياني. انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على عدم الوجوب، وبه صرح في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما عند الأكثرين: لا يجب كيوم العيد. هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "المحرر" وصحح الوجوب وعبر بالأظهر، واستدرك عليه في "المنهاج"، وغالب نسخ الرافعي في "الكبير" في هذه المسألة سقيمة حصل فيها إسقاط من النساخ، وقد أصلحت ما وقع لي منها.
قوله: ولو نذر أن يصوم يوم قدوم فلان صح نذره في أظهر الوجهين، فإن قدم وهو مفطر لزمه صيام يوم آخر، وهل نقول: يلزمه بالنذر أن يصوم من أول اليوم، أو نقول: يلزم من وقت القدوم إلا أنه لا يمكن صوم بعض اليوم فأوجبنا يومًا تامًا؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، أصحهما: الأول.
ثم قال: وللخلاف فوائد:
منها: لو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم نصف النهار، فإن قلنا: بالأول اعتكف باقي اليوم وقضى ما مضى، وإن قلنا بالثاني: اعتكف باقي اليوم ولم يلزمه شيء آخر. انتهى كلامه.
وحاصله أنه يلزمه في الاعتكاف قضاء ما فات على الأصح.
إذا علمت ذلك فهاهنا أمور:
أحدها: أنه قد سبق منه في كتاب الاعتكاف ما يخالفه فإنه حكى في ذلك قولين، وقال أظهرهما: أنه لا يجب ذكر ذلك في أثناء الكلام على
стр. 4244
استتباع الليالي للأيام وبالعكس، وقد سبق ذكر لفظه هناك.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" لأنه صحح في آخر كتاب الاعتكاف أنه لا يلزم وبالغ في تصحيحه فقال: نص الشافعي عليه، واتفقوا على أنه الصحيح، ثم صحح في هذا الباب في الكلام على نذر صومه أنه يلزمه، لكنه صحح بعده في فصل معقود له عدم اللزوم أيضًا ولم يذكرها في "الشرح الصغير" إلا في النذر موافقًا للكبير.
الثاني: أن ما قاله الرافعي في الاعتكاف من أن الخلاف في قضاء ما مضى قولان كيف يستقيم مع بناء ذلك على الوجهين في الصوم؟ فإن الخلاف إن كان وجهين لم يصح ما قاله في الاعتكاف، وإن كان قولين لم يصح بناؤهما على وجهين، كما نبّه عليه الرافعي في غير موضع.
الثالث: أن الرافعي قد نقل هنا أثناء تعليل الوجه الثاني من أصل المسألة عن البغوي أن المحرم إذا اختار الصيام في جزاء الصيد فإنه يصوم عن كل مد يومًا فإن فضل بعض مد صام يومًا تامًا يكون بعضه واجبًا وبعضه غير واجب، وأسقط النووي هذه المسألة وفي ما قاله البغوي نظر، بل المتجه الحكم على الكل بالوجوب لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ولكن وجوب البعض بطريق [الأصالة] (١) والباقي بطريق التوقف عليه.
قوله: ولو نذر صوم الأثانين ولزمه صوم شهرين متتابعين فيقدم صوم الكفارة، ثم إن لزمت الكفارة بعد ما نذر صوم الأثانين قضى الأثانين الواقعة في الشهرين، وإن لزمت الكفارة قبله فوجهان:
أظهرهما عند صاحب "التهذيب" وطائفة من العراقيين: أنه يجب.
стр. 4245
والأظهر عند الإمام والغزالي والقاضيين أبي الطيب وابن كج: أنه لا يجب. انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح وجوب القضاء كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وصحح النووي في "شرح المهذب و"زوائد الروضة" و"المنهاج": أنه لا يجب، والصواب الأول فإن الربيع قد نقله عن نص الشافعي، كذا نقله عنه العمراني في "البيان" والنووي في "شرح المهذب"، لكن يشكل على الرافعي ما لو نذر صوم الدهر وكان عليه كفارة حين النذر فإن زمانها مستثنى كما قاله الرافعي وكان قياسها مما قاله في الأثانين أن يفدي عن النذر كما لو لزمت الكفارة بعد أن نذر.
قوله: في الكلام على نذر صوم الدهر ولو أفطر هذا الناذر في رمضان بعذر أو غير عذر فعليه القضاء ويقدمه على النذر، ثم إن أفطر بعذر فلا فدية عليه، وإن كان متعديًا لزمه. انتهى.
وما ذكره هنا في وجوب الفدية من الفرق بين أن يكون لعذر أو لا لعذر قد جزم بخلافه في آخر صوم التطوع، فإنه سوّى بينهما فحكى فيهما معًا وجهين، ولم يصرح بتصحيح، وقد سبق إيضاحه هناك.
قوله: ولو أفطر يومًا فلا سبيل إلى قضائه لاستغراق أيام العمر بالأداء وعليه الفدية إن أفطر بلا عذر، ثم أفاد الإمام هاهنا شيئين:
أحدهما: أنه لو نوى في بعض الأيام قضاء يوم أفطر فيه متعديًا، فالوجه أن يصح، وإن كان الواجب غير ما فعل لم يلزمه المد لما نزل عن الأداء في ذلك اليوم، ولك أن تقول يجيء في الصحة الخلاف المذكور فيما إذا عَيّن وقتًا للصوم بنذره فعقد فيه صومًا آخر.
والثاني: قال: وهل يصوم عن المفطر المتعدي وليه في حياته تفريعًا على
стр. 4246
أنه يصوم عن الميت وليه؟ والظاهر عندنا: جوازه لتعدد القضاء منه، وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له، ويتصور تكليف القضاء منه وقد يستفاد مما ذكره أنه إذا سافر يقضي ما يفطر فيه متعديًا، وينساق النظر إلى أنه هل يلزمه أن يسافر ليقضي؟ انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره بحثًا من مجيء الوجهين قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي أنهما لم يظفرا فيه بنقل، وقد صرح بنقلهما الروياني في "البحر"، ورأيتهما أيضًا في "فتاوى القفال" مع أمور أخرى لم يتعرض لها الرافعي فقال: فإذا أفطر هذا الرجل بالمرض أو غيره فهل تلزمه الفدية؟ على وجهين:
أحدهما: لا تلزم إلا أنه يعصي إذا أفطر بغير عذر.
والثاني: تلزمه، وعلى هذا فهل يجوز له إخراجها في حياته؟ على وجهين:
أحدهما: نعم لأن القضاء لا يمكن لاستغراق جميع الزمان باستحقاق الأداء.
والثاني: لا بل إنما يخرجها بعد الموت كما في الصوم الذي عليه من غيره إنما يخرج فديته بعد الموت، وذلك لأن الفدية إنما تجوز عند اليأس من القضاء، وهاهنا يمكنه أن يقضي في هذه الأيام ما فاته، ثم إذا قضى صار تاركًا بعض الأداء ثم يقضيه بعد ذلك، ولا يزال الأمر هكذا.
ثم قال: فرجع حاصل الكلام إلى أن الأداء أولى بهذا الزمان لأنه عين له أو أن القضاء أولى به إذ جميعه متعلق بذمته فهو كالمانع للأداء. انتهى كلامه.
стр. 4247
وقد استفدنا منه أيضًا حكاية وجهين في وجوب الفدية مطلقًا على خلاف ما جزم به الرافعي من التفصيل وحكاية وجهين في إخراجها في الحال.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام وأقره من أن الظاهر جواز صوم وليه في حياته قد تابعه عليه في "الروضة"، وقد سبق له في كتاب الصيام من "زوائده" ما يناقضه مناقضة عجيبة فراجعه.
الأمر الثالث: أن من تعاطى سبب الترخص لقصد الترخص [لا يترخص] (١) كما إذا سلك الطريق الأبعد لغرض القصر، وقياسه من هاهنا أنه إذا سافر لقصد الترخص بترك المنذور أنه لا يستبيح تركه وفيه بحث، وقريب من هذه الصورة ما إذا حلف ليطأن زوجته في نهار رمضان، قال ابن الصلاح والنووي وغيرهما: طريقه كما قاله أبو حنيفة ﵁ لسائل سأله عن ذلك أن يسافر.
ومثار الوقفة في ما ذكرناه من الأمثلة أنه يسافر لقصد الترخص ويترتب على الترخص غرض آخر.
стр. 4248
النوع الثاني: الحج والعمرة
قوله: ولو نذر الحج ماشيًا من دويرة أهله إلى الفراغ، لزمه ذلك في الأصح، فإن أطلق المشي فالأصح: أنه يلزمه من وقت الإحرام سواء أحرم من الميقات أو قبله. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم أن ذلك لا يأتي إذا أحرم بعد الميقات وهو ممنوع فإنه لو جاوزه غير مريد للنسك ثم عنّ له الإحرام بذلك فالقياس أنه يمشي من ذلك الوضع ولا شيء عليه، ولو جاوزه مريدًا له وهو راكب فيحتمل وجوب دمين.
قوله: ولو قال: أمشي حاجًا، فالظاهر: أنه كقوله: أحج ماشيًا، وقضية كل واحد من اللفظين اقتران الحج والمشي، وفيه وجه أن قوله: أمشي حاجًا، يقتضي أن يمشي من مخرجه وانتهاضه إلى الحج. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي ذكره من التسوية بينهما حتى يلزمه المشي من حين الإحرام إلى التحلل مشكل ولا يسلم أن ذلك مقتضى اللفظ في الصورة الثانية، لأن مدلوله التزام مشي في حالة الحج، وإذا مشى لحظة بعد الإحرام صدق أن يقال: مشى حاجًا، وحينئذ فيخرج عن نذره بخلاف الصورة الأولى وهي الحج ماشيًا، فإن مدلولها إيقاع الحج في حال المشي فيلزم منه الاستغراق.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد شرع في حكاية خلاف في لحاق الثانية بالأولى في ابتداء المشي فات الكلام فيه وأما نهايته فسيأتي الكلام عليها، والوجه الذي حكاه في عدم التحاقها بالأولى وهو الوجه المذكور في آخر كلامه قد تقدم بعينه في الصورة الأولى فتأمله.
стр. 4249
وكأن مراده أن هذا القائل يوجب المشي من حين الخروج في هذه الصورة، بخلاف ما إذا قال: أحج ماشيًا، فإن المشي لا يجب عنده إلا من حين الإحرام.
قوله: ونهاية المشي إلى التحلل الأول على وجه، والمنصوص وقول الجمهور: إلى أن يتحلل التحللين فله الركوب، وإن بقى الرمي في أيام منى لأنه خارج عن الحج خروج السلام الثاني من الصلاة، والقياس أنه إذا كان يتردد في خلال أعمال النسك لغرض تجارة وغيرها فله أن يركب ولم يذكروه. انتهى.
وما ذكره من أن التسليمة الثانية ليست من الصلاة قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة"، وقد تقدم إيضاحه في آخر صلاة الجماعة فراجعه.
قوله في "الروضة": وإن ترك المشي مع القدرة فحج راكبًا فقد أساء، وفيه قولان:
القديم: لا تبرأ ذمته من حجه بل عليه القضاء، لأنه لم يأت به على صفته الملتزمة.
والأظهر: تبرأ، فعلى هذا هل يلزمه الدم؟ قولان أو وجهان:
أظهرهما: نعم. انتهى كلامه.
وقد ذكر الرافعي تفريعًا حسنًا على القول بوجوب القضاء وحذفه من "الروضة"، فقال بعد حكاية الأول وتعليله: وذكر على هذا مأخذان:
أحدهما: أن ما أتى به عن الحج لم يقع عن نذره، لأن المنذور الحج ماشيًا.
والثاني: أن أصل الحج وقع عنه، إلا أنه بقي المشي واجبًا، والمشي لا يمكن تداركه مفردًا فألزم حجة أخرى ليتدارك فيها المشي، وعلى هذا ينطبق
стр. 4250
ما حكى عن نص الشافعي ﵁ أنه لو كان قد ركب في بعض الطريق ومشى في بعض فإذا عاد للقضاء مشى حيث ركب وركب حيث مشى، وعلى المأخذ الأول يلزمه المشي في القضاء كله. هذا كلام الرافعي.
قوله: ولو قال: أحج في عامي هذا، وهو على مسافة يمكن الحج منها في ذلك العام لزمه الوفاء. إلى آخره.
أهمل هنا ما إذا لم يمكن ذلك لضيق الوقت، وقد ذكره قبل هذا بنحو ثلاثة أوراق فقال: المذهب: أنه لا ينعقد نذره ولا شيء عليه، وقيل: يلزمه الكفارة، وقيل: ينعقد نذره ويقضي في سنة أخرى.
قوله: وإن نذر أن يحج حافيًا فله أن يلبس النعلين ولا شيء عليه. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وقال فيه: إنه لا خلاف فيه، وعلله بكونه ليس بقربة، لكن قد جزم هو في كتاب الحج من الشرح المذكور بأن الأولى دخول مكة حافيًا، ونقله في "المناسك" و"الروضة" تبعًا للرافعي عن بعضهم وأقره، وحينئذ فيتعين على مقتضى ذلك أن يجب عليه خلع النعلين في هذه المسافة وغيرها مما يستحب فيها أن يكون حافيًا كما لو نذر المشي أو الركوب على ما مر، وكإطالة القيام في الصلاة.
قوله: وإن نذر القِران فأفرد أو تمتع فقد أتى بالأفضل فيخرج عن نذره. انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأنه لا يجب على الناذر مع ذلك شيء آخر، لكن هذه المسألة هي نظير ما إذا جامع القارن أو المتمتع ثم أفرد، وقد تقدم في الحج من "زوائد النووي": أن الدم لا يسقط بعدوله إلى الإفراد فهاهنا كذلك، وفي هذه المسألة كلام يتعين الوقوف عليه سبق ذكره هناك.
стр. 4251
النوع الثالث: إتيان المسجد
قوله: ولو قال: أمشي إلى بيت الله، أو آتيه ولم يذكر الحرام ولا نواه فوجهان أو قولان:
أحدهما: أن مطلقه يحمل على البيت الحرام لأنه السابق إلى الفهم.
وأصحهما: لا ينعقد لأن جميع المساجد بيت لله تعالى. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وخالف في "المحرر" فصحح اللزوم، فقال: ولو نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى أو يأتيه فالأصح: أنه يلزمه إتيانه ويحج أو يعتمر. هذا لفظه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج"، ونص الشافعي في "البويطي" على أنه لا يلزم، كذا ذكره في باب السنة في النذور، ونقله أيضًا النووي في "شرح المهذب" عن جماهير الأصحاب في الطريقين فتكون الفتوى عليه، وقد عبر في "المنهاج": بالأصح، واستفدنا من تعبيره أن الخلاف وجهان.
قوله: ولو نذر المشي إلى بيت الله الحرام فليس له الركوب على الأظهر، بل يلزمه المشي من دويرة أهله على الأظهر، وقيل: لا يلزمه إلا من الميقات، ثم قال: ولو قال: أمشي إلى المسجد الأقصى، أو مسجد المدينة، وأوجبنا الإتيان ففي وجوب المشي وجهان بناهما الشيخ أبو علي على إلزام المشي قبل الميقات، والأظهر: الوجوب. انتهى.
والصحيح في هذه المسألة: عدم الوجوب على خلاف ما يقتضيه نقله عن الشيخ أبي علي فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال في باب السنة في النذور ما نصه: ومن نذر المشي إلى بيت المقدس أو المدينة ركب إليهم. هذا لفظه.
стр. 4252
وصحح النووي في أصل "الروضة" الوجوب ذهولًا عن النص واعتمادًا على مقالة الشيخ أبي على، أو اعتمادًا على ما يحتمل أنه من لفظ الرافعي.
قوله: وإذا نذر الصلاة في مسجد المدينة أو الأقصى، ففي تعيينه طريقان: قال الأكثرون: فيه القولان في لزوم الإتيان، وقد تقدم أن أصحهما: أنه لا يجب.
والثاني: يتعين قطعًا، ثم قال: ولا يبعد أن يرجع التعيين هاهنا وإن ثبت الخلاف. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وما دل عليه كلامه في الشرحين من رجحان التعيين، قد صحح في "المحرر" خلافه، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح أنه يتعين وأطلق ترجيحه أيضًا في أصل "الروضة" فقال: والتعيين أرجح.
قوله: وإن عين مسجد المدينة أو الأقصى للصلاة، وقلنا بالتعيين فصلى في المسجد الحرام خرج عن نذره على الأصح بخلاف العكس، وفيه احتمال للإمام. انتهى كلامه.
وهذا [الاحتمال] (١) عائد إلى المسألة الأولى وهي الصلاة في المسجد الحرام عوضًا عن أحد المسجدين، كذا ذكره في "النهاية"، فقال: ولو قال: أصلي في مسجد المدينة، فصلى في المسجد الحرام، فالأصح: أنه يخرج عن النذر، وفيه شيء أخذًا من الالتزام. هذا كلامه.
والاحتمال المذكور هو مقابل الأصح فإنه لم يذكر غيره، وأيضًا فلو كان مقابله قولًا أو وجهًا لم يكن لذكر الاحتمال معه فائدة، وتعبيره بالأصح لا يدل على خلاف، فإنه لم يصطلح على شيء من ذلك بل هو
стр. 4253
كتعبيره بالقياس والظاهر والراجح ونحوها، وقد فهم النووي أيضًا ذلك فإنه لم يذكر في "الروضة" هذا الاحتمال بالكلية، فدل على أنه ليس عائدًا إلى الصورة الثانية بل إلى الأولى، واستغنى عن التصريح به اعتمادًا على فهم ذلك من تعبيره بالأصح، غير أن تركه لفظ الأصح يشعر على اصطلاحه بأن في المسألة وجهين والمعروف الجزم بأنه يقوم مقام المسجدين المذكورين وهو المجزوم به في "تعليق القاضي الحسين" وغيره والمنصوص عليه في "البويطي" كما ستعرفه.
نعم من يجعل احتمالات الإمام وجوهًا كالغزالي فيحسن منه إثبات الخلاف.
قوله: وهل تقوم الصلاة في أحدهما -أي مسجد المدينة وبيت المقدس- مقام الآخر؟ فيه وجهان. انتهى.
والصواب وجه ثالث وهو أن مسجد المدينة يقوم مقام الأقصى بخلاف العكس، فإن الشافعي قد نص عليه في "البويطي" وهو المذكور في "تعليقة القاضي الحسين" و"التتمة" وغيرهما، وصححه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وقد صحح الرافعي والنووي أيضًا ذلك في نظير المسألة وهو نذر الاعتكاف في أحدهما كما أوضحته في موضعه، ويتجه في المسألة وجه آخر وهو أنه إن كانت المسافة بين المسجدين من مكانه متساوية فتجزئه الصلاة في أحدهما عن الآخر، وإن كانت متفاوتة فلا يجزئه الأخف عن الأثقل كما ذكروه في ميقات الحج، وكذلك في نذر الجهاد على الأصح، إلا أن المنصوص أصوب وأقيس.
قوله: فروع: قد عرفت أن الظاهر في نذر المشي إلى بيت الله الحرام وجوب الحج أو العمرة، فلو قال في نذره: أمشي إلى بيت الله الحرام بلا حج ولا عمرة، [ففيه وجهان:
стр. 4254
أحدهما: ينعقد نذره ويلغو تقييده بقوله: لا حج ولا عمرة] (١).
والثاني: لا ينعقد، فإذا أتاه فعليه حج أو عمرة إن أوجبنا إحرامًا لدخول مكة، فإن لم نوجبه لدخولها فعلى ما ذكرناه في مسجد المدينة ومسجد الأقصى. انتهى.
والأصح في المسجدين: عدم الانعقاد، وفي داخل مكة: أنه لا يجب عليه الإحرام، وحينئذ فلا تبقى للنذر فائدة، ويلزم من ذلك أن يكون الأصح عدم صحته.
إذا علمت ذلك فقد تابعه في "الروضة" على هذا كله ثم صحح من "زوائده" انعقاد النذر، وذكر مثله في "شرح المهذب"، وهو كلام متدافع على أن كلام الرافعي أيضًا فيه إيهام.
قوله: وقال القاضي ابن كج: إذا نذر أن يزور قبر النبي ﷺ فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهًا واحدًا، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي. انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: عندي، يدل على أنه أراد بالوجهين احتمالين، ولم يتعرض لهذه اللفظة في "الروضة".
стр. 4255
النوع الرابع: الهدايا والضحايا
قوله: وإذا قال: لله عليّ أن أتصدق على زيد وهو فقير، فهل يتعين الصرف لزيد؟ فيه خلاف، والظاهر: التعيين، وقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو نذر أن يتصدق بكذا على أهل بلد عيّنه يجب أن يتصدق به عليهم، ومن هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرجان فإن ما يجتمع به على ما يحكى يقسم على جماعة معلومين. انتهى.
والمسألة الأولى والأخيرة قد أسقطهما النووي من هذا الموضع مع الاحتياج إلى الثانية وغرابتها.
قوله: ولو نذر شاة فأخرج عنها بدنة جاز، وهل يكون الكل فرضًا؟ فيه وجهان. انتهى.
وقد حصل اضطراب شديد في الراجح من هذين الوجهين أوضحته في باب صفة الصلاة فراجعه فإنه مشتمل على فوائد كثيرة.
قوله: فإذا قال: لله عليَّ أن أهدي بعيرًا، أو بقرة، أو شاة. ففي اشتراط إجزائه في الأضحية قولان مبنيان على أنه يسلك به مسلك الواجب أما الجائز؟ ثم قال عقبه: قال الإمام: وبالاتفاق لا يجزئ الفصيل في نذر البعير لأنه لا يسمى بعيرًا، ولا العجل إذا ذكر البقرة، ولا السّخلة إذا ذكر الشاة. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من الاتفاق وسكوته عليه تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو مخالف لكلامهم في الوصية فإن الرافعي حكى هناك وجهين في تناول الشاة السَّخلة، ولا شك في جريانهما في هذا الباب إذا سلكنا
стр. 4256
بالمنذور مسلك الجائز، فإن المتبع في البابين إنما هو الاسم.
قوله: ولو قال: لله علىَّ أن أهدي، ولم يسم شيئًا فالجديد: أنه يحمل على ما يجري في الأضحية لأنه المعهود شرعًا.
والقديم: أنه يخرج عنه بكل متمول، ثم قال: ولو قال: عليَّ أن أهدي الهدي، بالألف واللام انصرف إلى المعهود الشرعي ولم يُجروا فيه الخلاف. انتهى كلامه.
وما ذكره من نفي الخلاف قد تبعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وعبر فيهما بقوله: حمل على المعهود الشرعي بلا خلاف، والذي قالاه غريب، فقد حكى الماوردي فيه خلافًا، وبالغ فنسب ما قاله الرافعي إلى الشيخ أبي حامد ومن أخذ بمذهبه.
ثم قال: وسائر أصحابنا محلى خلافه، ونقل عنه الروياني في "البحر" أيضًا ما حكيناه عنه.
قوله: ولو نذر أن يهدي مالًا معينًا فيجب صرفه إلى مساكين الحرم، وحكى ابن كج وجهًا ضعيفًا أنهم لا يتعينون، ثم فَرَّعَ على الأول فقال: وهل يجب الذبح في الحرم؟ فيه وجهان. أصحهما: [نعم] (١).
والثاني: يجوز أن يذبح خارج الحرم بشرط أن ينقل اللحم قبل [أن يتغير وقد سبق نظيره. انتهى كلامه.
واعلم أنه قد قال قبل] (٢) ذلك بنحو ثلاثة أوراق: ولو نذر أن يهدي بدنة أو شاة إلى مكة ولم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم فيلزمه الذبح بها،
стр. 4257
بدنة أو شاة إلى مكة ولم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم فيلزمه الذبح بها، وفي تفرقة اللحم بها وجهان:
أحدهما: له أن يفرق في موضع آخر إلا إذا نوى.
وأصحهما: الوجوب حملًا على الهدايا. انتهى.
فجزم هنا بما أجرى فيه الخلاف هناك، وجزم هناك في ما أجرى فيه الخلاف هنا، فجزم هنا بالتفرقة، وحكى الخلاف في الذبح وعكس هناك.
стр. 4258
قال: ﵀: مسائل منثورة
قوله: ولو نذر ستر الكعبة وتطييبها لزمه، ولو نذر تطييب مسجد المدينة والمسجد الأقصى أو غيرهما من المساجد ففيه تردد للإمام، ومال إلى تخصيصه بالكعبة والمسجد الحرام. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا والمختار كما قاله النووي في "شرح المهذب": صحة هذا النذر.
قال الشيخ عز الدين: وحكم مشاهد العلماء والصلحاء كضريح الشافعي وذي النون المصري حكم البيوت لا المساجد (١).
قوله: والثاني: أغرب القاضي ابن كج فحكى وجهًا أنه لا يجوز الوقف على البنيان كما لو وقف على المسجد والكعبة ونحوهما، وإنما الوقف على من يملك، وذكر على هذا أنه لا يجوز أن يقصد كون الستر والطيب للكعبة، بل ينبغي أن يجعله لعامة المسلمين ليتجملوا به، ولا أدري هل جرى ذكر هذا الوجه في الوقف أم لا؟ انتهى.
وهذا الكلام قد حذفه النووي من "الروضة" ولم يتقدم للوجه ذكر في الوقف، بل جزم الرافعي هناك بصحة الوقف على المسجد والكعبة.
نعم حكى وجهين في اشتراط بيان المصرف من عمارة أو وقود ونحوهما وصحح عدم الاشتراط.
ونقل عن القفال: أنه لابد من بيان المصرف في الرباط.
وعن الحناطي في الدار نحوه أيضًا، ولا يلزم من الاشتراط في هذين
стр. 4259
اشتراطه في المسجد والكعبة، لأن المسجد عند الأصحاب بمثابة الأحرار في الملك.
قوله: فروع: نقل القاضي ابن كج وجهين في من قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعجل زكاة مالي، هل يصح نذره؟
ووجهين في من قال: إن شفا الله مريضي فلله عليَّ أن أذبح عن ولدي، هل يلزم الذبح عن ولده؟ لأن الذبح عن الأولاد مما يتقرب به.
ووجهين أيضًا في ما إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أذبح ابني، فإن لم يجز فشاة مكانه، هل يلزم ذبح شاة؟
ووجهين في ما إذا نذر النصراني أن يصلي أو يصوم ثم أسلم، هل يلزمه أن يصلي صلاة شرعنا وصومه؟ . انتهى.
قال في "الروضة": الأصح في الصورة الثانية: الصحة، وفى الباقي البطلان، وذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا، فأما التعجيل: فينبغي صحة نذره حيث قلنا باستحبابه، وهو ما إذا اشتدت حاجتهم أو قدم الساعي في المحرم ولم يتم حوله.
وأما الذبح عن الولد: إذا أوجبناه فهل يجب تفريق الجميع أم لا؟ وإذا لم نوجب فهل نسلك بالحيوان مسلك الأضحية أو العقيقة؟ .
وأما الثالثة: ففيها ما ذكرناه في الثانية إن قلنا بالصحة.
وأما الأخيرة: فالخلاف فيها مشهور حتى في "التنبيه" وقد ذكره الرافعي في أول الباب وصحح عدم الصحة، وإيراده لهما عن ابن كج من غير ترجيح يشعر باستغرابهما.
قوله: وفي "فتاوى القفال": أنه لو نذر أن يضحي بشاة ثم عين شاة لنذره فلما قدمها للذبح صارت معيبة: لا تجزئ، ولو نذر أن يهدي شاة ثم
стр. 4260
عُيّن شاة وذهب بها إلى مكة فلما قدمها للذبح تعيبت: أجزأته لأن الهدي ما يهدي إلى الحرم وبالوصول إليه حصل الإهداء، والتضحية لا تحصل إلا بالذبح. انتهى.
وما نقله عن القفال من إجزاء الهدي وأقره عليه [قد تابعه] (١) في "الروضة" أيضًا عليه، وليس كذلك بل الصحيح فيه أيضًا: عدم الإجزاء كالأضحية، كذا ذكره الرافعي في النظر الثاني من كتاب الأضحية في الحكم الثاني منه فقال: ولو تعيب الهدى بعد بلوغ المنسك فوجهان:
أحدهما ويحكي عن ابن الحداد: أنه يجزئ ذبحه، لأنه لما بلغ موضع الذبح صار كالحاصل في يد المساكين، ويكون كمن دفع الزكاة إلى الإمام فتلفت في يده تحسب من زكاته.
ونسب الإمام هذا الوجه إلى القفال.
وأصحهما: المنع، فإنه من ضمانه ما لم يذبح. هذا كلامه، ثم حكى عن "التهذيب" وجهًا آخر مفصلًا بين أن يتمكن فلا يجزئ وإلا فيجزئ.
قوله: وفي "تفسير أبي نصر القشيري": أن القفال قال: من التزم بالنذر أن لا يكلم الآدميين يحتمل أن يقال: يلزمه، لأنه مما يتقرب به، ويحتمل أن يقال: لا، لما فيه من التضييق والتشديد، وليس ذلك من شرعنا كما لو نذر الوقوف في الشمس. انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة" و"شرح المهذب": هو الاحتمال الثاني، وحديث أبي إسرائيل (٢) الذي ذكره الرافعي في أول الباب يدل عليه، وفي البخاري (٣) أن امرأة حجت صامتة عن الكلام،
стр. 4261
فقال لها أبو بكر ﵁: تكلمي فإن هذا لا يحل.
قوله من "زوائده" نقلًا عن "فتاوى القاضي": أنه لو نذر صوم سنة معينة ثم قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ صوم الأثانين من هذه السنة، قال: لا ينعقد الثاني؛ لأن الزمان مستحق لغيره، وقال العبادي: ينعقد ويلزمه القضاء.
قيل له: لو كان له عبد، فقال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ عتقه، ثم قال: إن قدم زيد فعليّ عتقه.
قال: ينعقد إن كانا وقعا معًا أقرع بينهما. انتهى.
والمسألتان قد تقدمتا في كلام الرافعي في آخر الكلام على نذر الصوم، فأما الأولى: فكلام الرافعي فيها مشتمل على ما هو منقول هنا وزيادة، وأما الثانية وهي مسألة العبد: فتكلم هناك على ما يدخل فيه العبد وغيره ولم يذكر ما قاله العبادي من الإقراع بل ذكر غيره فراجعه.
стр. 4262
كتاب القضاء
وفيه أربعة أبواب.
الباب الأول: في التولية والعزل
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التولية
قوله: والقضاء والإمامة من فروض الكفاية بالإجماع، لأن الظلم من شيم النفوس، ويجوز أن يوضع على لفظ المسألة من الكتاب وأولان بعض الأصحاب في ما حكى القاضي ابن كج ذهب إلى أن القضاء مكروه للأحاديث المحذرة في الباب، وظاهر المذهب الأول، ثم قال: وإذا قلنا بظاهر المذهب فإذا قام بعض الصالحين للقضاء به سقط الفرض عن الباقين. . . . إلى آخره.
واعلم أن الرافعي أشار بقوله: لأن الظلم من شيم النفوس. . . . إلى قول المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعله لا يظلم
وكلامه صريح في أن الخلاف المذكور محله في الفرضية وعدمها، وقد أثبته كذلك في "الشرح الصغير"، وأسقطه النووي من "الروضة" وسببه أنه قد ذكر أولًا الإجماع على كونه فرضًا فكيف يكون مختلفًا فيه؟ فلما أشكل عليه حالة حذفه، وغاية ما يقال فيه: أن الوجوه لابد أن تكون مخرجة من قواعد المجتهد ولازمة لأصوله التي قررها، وللناس خلاف مشهور في أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ فالذاهب إلى أنه ليس بمذهب قد يذهب إلى أنه لا يقدح في الإجماع، وحينئذ تستقيم دعوى الإجماع مع إثبات الوجه، وقد صرح في "المطلب" بعد هذا بقليل بحكاية
стр. 4263
خلاف في أنها هل تقدح في الإجماع أم لا؟ وصحح أنها تقدح، وقد يجاب بجواب فيه منع لما فهمه الرافعي فيقال: ليس الخلاف عائدًا إلى الفرضية وعدمها بل في الكراهة فقط وإن كان مجمعًا على كونه فرضًا، ولا منافاة لأن المنافاة إنما هي حاصلة بين الكراهة وفرض العين لا بينهما وبين فرض الكفاية، ألا ترى أنّا نرد شهادة أصحاب الحرف على ما سيأتي وإن كان القيام بتلك الحرف فرضًا؟
قوله: وربما تردد الناظر في إخبار الممتنع من القضاء من جهة أن الامتناع من هذا الفرض الذي هو مناط المصالح العامة بعد ما تعين يشبه أن يكون من الكبائر، وحينئذ فيفسق به ويخرج عن أهلية القضاء لفوات شرط العدالة فكيف يولى ويجبر على القبول؟ ويمكن أن يكون المراد: أن يؤمر بالتوبة أولًا فإذا تاب تولى. انتهى كلامه.
وهذا الجواب الذي ذكره الرافعي بتقدير الفسق قد سلمه له في "الروضة" وهو غير مستقيم، وذلك لأنه إن صح ما قاله من كونه فسقًا فالفاسق إذا تاب لا تجوز ولايته ولا نقبل شهادته إلا إذا مضت عليه مدة الاستبراء، ولم يشترط ذلك هو ولا غيره، والصواب: الجواب بما أشار به في "الروضة" أن هذا لا ينبغي أن يكون فسقًا لأن من يمتنع عن مثل هذا إنما يمتنع غالبًا متأولًا والمتأول ليس عاصيًا قطعًا وإن كان مخطئًا في تأويله.
قوله: فإن كان أصلح منه بنى على أن الإمامة العظمى هل تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل؟ وفيه خلاف للمتكلمين والفقهاء، والأصح: الانعقاد لأن تلك الزيادة خارجة عن شرط الإمامة، وفي القضاء خلاف مرتب وأولى بالانعقاد. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله ما إذا لم يكن عذر، فإن كان أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت قطعًا، قاله الماوردي.
стр. 4264
قوله: في الجماعة المتماثلين: وإن كان مع الشهرة مكفيًا فيكره له الطلب، ومنهم من لا يطلق لفظ "الكراهة"، ويقتصر على أن الأولى أن لا يطلب. انتهى.
وما ذكره من تضعيف الاقتصار على الأولوية ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وخالف في "المحرر" فجزم بما ضعفه هنا فقال: وإن كان مشهورًاً مكفيًا فالأولى أن لا يطلب. انتهى.
ووقع الموضعان في "الروضة" و"المنهاج" كذلك أيضًا.
قوله: في أصل "الروضة": والصحيح تفصيل ذكره "الروياني" وهو أنه إن تَعَيّن عليه القضاء أو كان ممن يستحب له فله بذل المال، ولكن الآخذ ظالم بالأخذ وهذا كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال، وإن لم يتعين ولم يكن مستحبًا جاز له بذل المال ليتولى، ويجوز له البذل بعد التولية لئلا يعزل. انتهى كلامه.
وما ذكره في أواخره من جواز البذل عند انتفاء التعيين والاستحباب غلط على العكس مما نقله الرافعي عن الروياني، فإن المذكور فيه، أنه لا يجوز وهو الذي ذكره أيضًا الروياني في "البحر" و"الحلية" وهو الصواب.
قوله: الثالث: طرق الأصحاب متفقة في تعيين الشخص للقضاء، وعدم تعينه على النظر إلى البلد والناحية لا غير.
وقضيته أن لا يجب على من يصلح للقضاء طلبه ببلدة أخرى لا صالح بها، ولا قبوله إذا ولى. انتهى.
وما ذكره من حكاية الاتفاق، وتابعه عليه في "الروضة" قد سبقهما إليه جماعة وليس كذلك، بل فيه خلاف حكاه ابن الرفعة في "الكفاية" عن ابن الصباغ وغيره.
стр. 4265
قوله: وزاد المصنف تحقيقات أوردها في أصول الفقه منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب.
ومنها: أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل. انتهى.
أما الأول: فقد اعترض عليه في "الروضة" فقال: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام [ولا معظمه، وهذا الذي ذكره لا يرد فإنه لم يدع استيعاب الأحكام] (١) بل ادعى الاعتناء فيه بالجمع.
ولا شك أن السنن المذكورة كذلك، ونظيره أن تقول: إن الرافعي قد اعتنى في شرحه بجميع الأحكام وإن فاته مسائل كثيرة مذكورة في المطولات والمختصرات حتى من "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق.
وأما الثاني: فقال: إن هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه وشذ من شرط في التعديل اثنين، ثم إن تواتر العدالة لا يكفي بل لابد مع ذلك من الضبط، والمراد بقبول السلف له: هو علمهم به ولا يكفي عملهم على وفقه فقد يكون ذلك لأجل غيره لا له.
قوله: ويشترط في القاضي وراء ما ذكره في "الكتاب" صفات أخر، منها الإسلام والكفاية، فلا يجوز تقليد المغفل والذي اختل رأيه ونظره بكبر ومرض ونحوهما. انتهى.
стр. 4266
واعلم أن هذين الشرطين ليسا زائدين على ما في "الوجيز" فإنهما شرطان لأهلية الاجتهاد والفتوى، والأهلية كذلك قد صرح باشتراطها في القاضي، فكأن اشتراطه للأهلية المذكورة في القاضي اشتراطًا للإسلام والكفاءة أيضًا، والشرط الأول بخصوصه داخل أيضًا في العدالة، وقد صرح بها في "الوجيز".
قوله: قال في "الوسيط": لكن اجتماع هذه الشروط متعذر في عصرنا لخلو العصر عن المجتهد المستقل، فالوجه: يتقيد قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلًا أو فاسقًا، لئلا تتعطل مصالح الناس، ويؤيده أنّا ننفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة، وهذا أحسن لكن في بعض الشروح أن قاضي البغاة إذا كان منهم وبغيهم لا يوجب فسقًا كبغي أصحاب معاوية ﵁ جاز قضاؤه.
وإن أوجب الفسق كبغي أهل النهر وإن لم يجز. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله الغزالي قد جزم به الرافعي في "المحرر"، وكذلك صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يحك في "الشرح الصغير" غيره، ونقل الرافعي في كتاب البغاة ذلك فقال: قال المعتبرون: ينظر إن كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم نفذ حكمه، وإن كان يستحل دمهم لا ينفذ حكمه، لأن من شرط القضاء العدالة، ومنهم من يطلق القول بنفوذ حكمه. هذا كلامه.
وقال في "البحر": يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو من أهل القضاء، فإن لم يجدوا أهلًا نفذت أحكامه للضرورة. هذا كلامه.
стр. 4267
ونقل ابن الرفعة في "الكفاية" عن "الكافي" له مثله أيضًا.
وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة أن الفاسق لا تنفذ أحكامه.
وقد ظهر لك بما قلناه بطلان ما قالاه، وتقييد الغزالي بالفاسق والجاهل يشعر بأنه لا ينفذ من المرأة والكافر، وهو ظاهر.
الثاني: أن كلامه يقتضي: تصحيح تنفيذ الحكم من قاضي البغاة وإن كان بغيه يوجب الفسق، وهو مخالف لما سبق في قتال البغاة.
الثالث: أن ما جزم به من انقسام البغي إلى فسق وغيره، قد ضعفه في قتال البغاة في الكلام على الحكم، وصحح أنه ليس [بفسق] مطلقًا فراجعه أيضًا.
الرابع: أن هذا التفصيل الذي نقله عن بعض الشروح المجهولة، واقتضى كلامه استغرابه غريب لأجل ما نقلناه عنه أيضًا الآن من كلامه في قتال البغاة.
قوله: وهل على المجتهد تجديد الاجتهاد إذا وقعت الحادثة مرة أخرى أو سئل عنها مرة أخرى أم يجتهد اجتهاده الأول؟ وجهان، كما سبق في القِبْلَة انتهى.
والأصح كما قاله في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة": لزوم التجديد، قال: وهذا إذا لم يكن ذاكرًا للدليل الأول: ولم يتجدد ما قد يوجب رجوعه، فإن كان ذاكرًا: لم يلزمه قطعًا، وإن تجدد ما قد يوجب الرجوع: لزمه قطعًا.
قوله: وإنما يسأل ممن عرف علمه وعدالته، وإذا لم يعرف العلم بحث على الحال من الناس، وإذا لم يعرف العدالة فلصاحب "الكتاب" فيه
стр. 4268
احتمالان ذكرهما في الأصول:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأشبههما: الاكتفاء بأن الغالب من حال العلماء العدالة، بخلاف البحث عن العلم فليس الغالب من الناس العلم، ثم ذكر احتمالين في أنه إذا وجب البحث فيفتقر إلى عدد التواتر أم يكفي إخبار عدل أو عدلين؟ أقربهما الثاني. انتهى كلامه.
استدرك عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" فقال: الاحتمالان في ما إذا لم يعلم العدالة، هما في ما إذا كان مستورًا: وهو الذي ظاهره العدالة ولم يختبر باطنه، وهما وجهان ذكرهما غيره.
أصحهما: الاكتفاء لأن العدالة الباطنة تعز معرفتها على غير القضاة فيعسر على العوام تكليفهم بها.
وأما الاحتمالان المذكوران ثانيًا فهما محتملان، ولكن المنقول خلافهما والذي قاله الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وقيل لا يكفي الاستفاضة ولا التواتر، بل إنما يعتمد قوله: أنا أهل للفتوى، ويجوز استفتاء من أخبر ثابت الأهلية بأهليته.
قوله: وإذا وجد مفتيين فأكثر فهل يلزمه أن يجتهد ويسأل أعلمهم؟ فيه وجهان: أصحهما عند عامة الأصحاب: لا، بل يتخير ويسأل من شاء منهم لأن الأولين كانوا يستفتون من شاءوا من الصحابة.
ثم قال: وذكر صاحب "الكتاب" في الأصول: أنه إذا كان يعتقد أن أحدهم أعلم لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يجب عليه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم. انتهى كلامه.
стр. 4269
وهذا الذي ذكره الغزالي قد ذكره أيضًا غيره، قال في "الروضة": وهو إن كان ظاهرًا ففيه نظر لما ذكرناه من سؤال أحاد الصحابة ﵃ مع وجود أفاضلهم فقد يمنع هذا، ثم قال -أعني: النووي- وعلى الجملة [المختار] (١) ما ذكره الغزالي، فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
قوله: في "أصل الروضة": فرع: إذا استفتى وأجيب فحدثت له تلك الحادثة ثانيًا، فإن عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع فلا حاجة إلى السؤال ثانيًا وكذا لو كان المقلد ميتًا وجوزناه.
وإن عرف استناده إلى الرأي والقياس أو شك والمقلد حي فوجهان:
أحدهما: لا يحتاج إلى السؤال ثانيًا، لأن الظاهر استمراره على جوابه.
وأصحهما: يلزمه السؤال ثانيًا. انتهى.
ومحل هذا الخلاف إذا لم يكثر وقوع المسألة، فإن كثر لم يجب على العامي تجديد السؤال جزمًا، كذا ذكره النووي في أوائل "شرح المهذب".
قوله: وإذا [سأل] (٢) بالرقعة فليكن كاتبها حاذقًا ليبين موضع السؤال ويسقط مواضع الاشتباه لئلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه السؤال.
كما يحكي أنه كتب عقلًا في زمان أبي الحسين الكرخي: ما يقول الفقهاء في رجل قال لامرأته: [أنت طالق إن، ثم] (٣) وقف عند "إن"، [فقرأوا: إن تم وقف عبدان] (٤) وأجابوا بأنه إن تم وقفه طلقت وإلا فلا، فعرضت الرقعة على الكرخي فلما تأملها عرف أنهم صحفوا وأن الكاتب أراد
стр. 4270
أنه قال: أنت طالق إن، ثم أمسك بعد "إن"، فلم يذكر شرطًا. انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي الوقوف على أداة شرط لم يصرح هنا بحكمها، وقد يتشرف الواقف على هذا الوضع إلى معرفة ذلك، وقد ذكرها الرافعي في موضعين بجوابين مختلفين، تبعه عليهما في "الروضة":
أحدهما: في باب عدد الطلاق.
والثاني: في أوائل الشرط في الطلاق فراجع ذلك، وعبدان: بباء موحدة تثنية عبد.
قوله: وإذا رأى في الفتيا جواب من لا يصلح للفتوى لم يفت معه.
قال الصيمري: وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة وبغير إذنه، ولا يحبسها إلا بإذنه. انتهى.
وما نقله عن الصيمري من الضرب على خط الأول بغير إذن مالكها، قد ذكر العبادي في "الزيادات" بالنسبة إلى إصلاح كتب العلم ما يخالفه، فإنه قال: لا يجوز إصلاح ما يقع فيها من الغلط بغير إذن إلا أن يكون قرآنًا، فإنه يجب.
قوله: ويجوز أن يكتفي برسول ثقة وبالرقعة. انتهى.
ومحل الاعتماد على الرقعة إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه، ولم يشك فيه، كذا نبّه عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" وهو واضح.
قوله: ولو نكح مجتهد امرأة خالعها ثلاثًا، لأنه رأى الخلع فسخًا ثم تغير اجتهاده، قال صاحب "الكتاب" في "الأصول": يلزمه تسريحها، وأبدى ترددًا في ما إذا فعل المقلد مثل ذلك، ثم تغير اجتهاد مقلده، قال: والصحيح
стр. 4271
أن الجواب كذلك، كما لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة فإنه يتحول. انتهى.
وهذا الذي قاله الغزالي نقله النووي عن الصيمري والخطيب البغدادي وغيرهما.
قال: ولا نعلم فيه خلافًا لأصحابنا.
قوله: ولو قال المجتهد للمقلد في صورة النكاح المذكورة: أخاطبك من قلدته؟ فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني، أو استويا فلا أثر لقوله.
وإن كان الثاني أعلم فالقياس: أنّا إن أوجبنا تقليد الأعلم فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده، وإلا فلا أثر له.
اعترض في "الروضة" فقال: هذا الذي زعم الإمام الرافعي أنه القياس ليس بشيء، بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء، ولا أثر لقوله الثاني، وهذا كله إذا كانت المسألة اجتهادية. هذا كلامه.
والذي ذكره ﵀-أعني النووي- ضعيف أو باطل.
والصواب ما ذكره الرافعي، فقد ذكر هو والرافعي وغيرهما في الصلاة ما هو أبلغ منه فقالوا: إنه إذا صلى بالتقليد، ثم قال له: من هو أعلم من الذي قلده أخاطبك الذي قلدته.
فهو كتغير اجتهاده حتى يجب عليه الأخذ بالثاني وهو مع ما قاله هنا في غاية التنافي.
ثم إنه هل يخص ما قاله هنا بهذه المسألة أو يطرده في سائر المسائل؟
قوله: من "زوائده" قال الصيمري: وتقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه، وذكر الخطيب هذا، ثم قال: وأما الشراة بضم الشين المعجمة، والرافضة الذين يسبون السلف -رضي الله تعالى
стр. 4272
عنهم- ففتاويهم مردودة وأقاويلهم ساقطة. انتهى.
وهذا الذي نقله عن الخطيب في الشراة والرافضة قد جزم به في أوائل "شرح المهذب"، لكن نقل الرافعي، في كتاب الشهادات أن الأكثرين على قبول شهادة الذين يسبون الصحابة، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه الصواب.
والجمع بين المقالتين مشكل، فما الفرق بين قبول شهادته وقبول فتواه إذا كان مجتهدًا مع اشتراط العدالة في الموضعين؟
واعلم أن هذه المسألة مع المسائل الستة الآتية بعدها جميعها من الزوائد.
والشراة: جمع شاري وهو البائع قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي باعوه ولقبوا أنفسهم بذلك، لأنهم يقولون إنهم باعوا أنفسهم لله تعالى في القيام بنصرة دينه.
قوله: وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ وجهان: حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي. انتهى.
والأصح: هو الاشتراط كذا صححه النووي في أوائل "شرح المهذب" وابن الصلاح في "أدب المفتي"، وقال الروياني: المذهب أنه لا يشترط.
قوله: وإن كان له أي للمفتي رزق لا يجوز أخذ الأجرة، وإن لم يكن له رزق لم يجز أخذ أجرة من أعيان المستفتين كالحاكم، واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في "حيله" فقال: يقول للمستفتي: يلزمني أن أفتيك قولًا ولا يلزمني أن أكتب لك. فإن استأجره عن الكتابة جاز.
وهذا الذي ذكره، وإن كان مكروهًا فينبغي: أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر لو لم تكن فتوى، لئلا يكون آخذًا زيادة بسبب
стр. 4273
الإفتاء. انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز استئجار المفتي للكتابة قد ذكره الرافعي بعد هذا في الباب الثاني قُبيل الأدب السادس العقود للمشاورة وأشعر كلامه بحكاية خلاف فيه، فإنه حكى وجهين في القاضي وصحح الجواز، ثم قال: وكذا استئجار المفتي ليكتب الفتوى.
وقوله: واحتال الشيخ، هو بالحاء المهملة وباللام في آخره.
قوله: قال الصيمري والخطيب وغيرهما: لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا للمفتي رزقًا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز. انتهى.
وما ذكره من "زوائده" قد ذكره الرافعي في الباب الذي يلي هذا الباب في الأدب الثالث المعقود لترتيب الكتاب المزكيين والمترجمين في الكلام على رزق القاضي، ونقله عن الصيمري كما نقله النووي، وحذفه النووي من هناك لكونه وقع بطريقة التبعية فلزم خلو كلام الرافعي عنه.
قوله: فإذا كان أحد القولين منصوصًا للشافعي والآخر مُخَرّجًا، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبًا، كما إذا رجح الشافعي أحد القولين بل هو أولى. انتهى.
واعلم أن كلام النووي هذا ظاهر في ترجيح أحد القولين على الآخر بكونه منصوصًا والآخر مخرّجًا، وهذا إنما حكاه في "شرح المهذب" احتمالًا لنفسه بعد أن نقل أنه لا مدخل لذلك في الترجيح.
واعلم أن الشافعي إذا نص في مسألة على قولين ثم أجاب في موضع آخر بأحد القولين فهل يكون ذلك اختيارًا منه لذلك القول؟ قال: أبو علي الطبري وغيره: نعم، وقال قائلون: لا، إذ ليس من شرط القولين أن يذكرا في جميع المواضع، كذا ذكره الرافعي قبل كتاب الديات بنحو خمسة أوراق وحذفه من "الروضة".
стр. 4274
قوله: واعلم أن نقل العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه المتقدمين أيقن وأثبت من نقل الخراسانيين. انتهى.
وقد سبق الكلام على طوائف أصحابنا، ومما ينبغي استحضاره في ذلك أن "الرافعي" قبل كتاب المسابقة بنحو ورقة وهو آخر الأطعمة قد عبر في مسألة بقوله: وهو الذي أورده "العراقيون" و"الطبريون" من أصحابنا هذه عبارته وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: واعلم أنه متى كان في المسألة قولان قديم وجديد فالعمل على الجديد، إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة أوضحتها في "شرح المهذب". انتهى.
واعلم أن كلامه هذا موقوف على مقدمة في بيان القديم والجديد وما يتعلق به، وها أنا ذاكرها ملخصة ثم أعود إلى ما أشار إليه من عد الصور وإلى ذكر ما يتعلق بها.
فنقول: القديم: هو ما صنفه الشافعي بالعراق ويسمى كتاب "الحجة"، ورواته كما قال الروياني أربعة: أحمد بن حنبل، والزعفراني، وأبو ثور والكرابيسي.
وأما الجديد: فهو ما صنفه في مصر أو أفتى به، ورواته سبعة: المزني، والبويطي، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وبعض هؤلاء أشد صحبة له من بعض، وذكر الإمام في كتاب الخلع أن "الأم" من الكتب القديمة.
قال ابن الرفعة: ولم أظفر بذلك في غيره.
قلت: وقد ظفرت بما قاله الإمام للخوارزمي في مقدمة كتابه "الكافي"
стр. 4275
فإنه قال: وأما "الأم" و"الإملاء" فصنفهما الشافعي بمكة بعد أن فارق بغداد في المرة الأولى وقبل رجوعه إليها في المرة الثانية، ثم رجع بعد تصنيفهما إلى بغداد فأقام شهرًا ثم خرج إلى مصر فصنف بها كتبه الجديدة.
هذا لفظه وهو صريح في ما قلناه إلا أن المعروف خلافه، قال في "الاستقصاء": روى المزني أنها بمصر.
ومنها: "الأمالي"، صنفها ﵀ بمصر، كذا رأيته في أول تعليق الشيخ أبي حامد.
ومنها: "الإملاء" صرح جماعات منهم الرافعي في مواضع كثيرة من شرحه بأنه من الجديد وفيه ما قدمناه من كلام الخوارزمي، وهو غير "الأمالي" كما قاله في "تهذيب الأسماء واللغات"، وقد ذكرت في مقدمة الكتاب بقية كتبه وأمعنت الكلام عليها فراجعه.
ومما ذكرته هناك أن "الأم" رواية "البويطي" وترتيب الربيع المرادي إلا أنه زاد فيها أشياء مميزة فتفطن له.
إذا تقرر هذا فما قاله في كتابه القديم أو أفتى به هناك ونحوه تارة ينص في الجديد على خلافه، وتارة لا يتعرض له.
فإن لم يتعرض له في الجديد بنفي ولا إثبات بل ذكر المسألة في القديم ونص على حكمها وسكت عنها في الجديد كما نقل في مسائل:
منها: استحباب الغسل للحجامة، وللخروج من الحمام فإن الفتوى تكون عليه ويكون مذهب الشافعي، كذا ذكره في أول "شرح المهذب"، وفيه نظر: فإن ظاهر كلام الشافعي الرجوع عن كل ما قاله في القديم إلا أن ينص على وفقه في "الجديد"، فإنه غسل تلك الكتب ثم قال: ليس في حِلٍ من روى عني القديم، كذا ذكره الشيخ تاج الدين الكندي المعروف