فإن هذا الذي ذهب إليه الشافعي، فقد قال الإمام فخر الدين والسيف الآمدي في "المحصول" و"الإحكام" وغيرهما من كتبهما: إنه مذهب الشافعي.
وقال الغزالي في "المنخول": نص عليه الشافعي في الجديد.
نعم استدل الشافعي على إثبات القياس وخبر الواحد بأن بعض الصحابة عمل به ولم يظهر من الباقيين إنكار فكان ذلك إجماعًا، وظاهره المعارضة للنقل السابق وأجاب ابن التلمساني، في "شرح المعالم" بأن السكوت الذي تمسك به الشافعي في القياس وخبر الواحد هو السكوت المتكرر في وقائع كثيرة وهي تبقي جميع الاحتمالات.
قوله: فإن وجد ذلك -أي القول المنتشر- ولم ينقل عن الباقيين موافقة ولا سكوت، فيجوز أن يستدل به على السكوت ويجوز خلافه. انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر هذه الصورة في أوائل الفرائض وقال: إنه يترك للقول المنتشر، والحالة هذه القياس الجلي ويعتضد به الخفي.
فهذا الذي ذكره إنما يستقيم على تقدير الاحتجاج به إلحاقًا له بما إذا اطلعوا عليه وسكتوا، وقد رجحه أيضًا في "الروضة" من "زوائده" فقال: المختار أن عدم النقل كنقل السكوت لأنه الأحمل والظاهر.
قوله: ومن الجلي ما ورد النص فيه على العلة كحديث "إنما نهيتكم من أجل الدافة" (١). انتهى.
الدافة: بالدال المهملة والفاء وهي: الطائفة القادمة، وقد تقدم إيضاحه في الأضحية.
قوله: ومنه قياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين، إما في الأوصاف بأن تشارك كل واحد من الأصلين في بعض المعاني والأوصاف
стр. 4307
الموجودة، وإما في الأحكام كالعبد يشارك الحر في بعض الأحكام والمال في بعضها فيلحق بما المشاركة فيه أكثر، وربما يسمى قياس الشبه خفيًا، والذي قبله غير الجلي واضحًا، وربما خص الجلي ببعض الأول، وهو ما إذا كان الفرع فيه أولى بحكم الأصل. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: واختلف أصحابنا في صحة قياس الشبه وأنه هل هو حجة؟ هذا لفظه.
وما ذكره في "الروضة" من الخلاف في القياس المذكور لا يتصور القول به عند أحد فضلاء أصحابنا، بل يجزم بالاحتجاج به كما ذكره الرافعي والمأخوذ به هو الأقوى والأقرب من الوصفين عند اجتماع الشروط فيهما لأنه لو انفرد أحدهما لكان يعمل به بلا خلاف، فإذا اجتمعا قدمنا الراجح منها كسائر الأدلة، فإن أشبه أحد الأصلين في الوصف والآخر في الحكم، ففي المقدم منهما ثلاثة مذاهب للأصوليين:
أحدها: يقدم المشابه في الحكم على المشابهة في الصورة، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: عكسه. قاله ابن عُلية.
والثالث: لا يلتزم تقديم واحد منهما بعينه، بل ما يغلب على الظن أنه العلة، ويختلف ذلك باختلاف المسائل فقد تقوى المشابهة الصورية على الحكمية في صورة وفي أخرى بالعكس، هذا هو اختيار الإمام فخر الدين، ومثله بالعبد فإنه يشبه الحر في الصورة والبهيمة في الحكم من حيث أنه مملوك، فإذا قتله قاتل هل تجب قيمته بالغة ما [بلغت] وإن زادت على الدية أو لا يزداد على الدية لمشابهة الحر في الصورة؟
والحاصل أن ما ذكره الرافعى لا خلاف فيه ولا يتأتى فيه الخلاف إلا ممن أنكر القياس.
стр. 4308
وقد صرح به مع وضوحه من أصحابنا جماعات كثيرة منهم القاضي الحسين والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ والروياني حتى اختلفوا هل ينقض قضاء من خالفه أم لا؟ فقال الجمهور: لا ينقض.
وقال الماوردي وغيره: ينقض في المتردد بين الحكمين دون الموضعين.
نعم للأصوليين نوع آخر يسمى "قياس الشَّبه" اختلفوا في [الاحتجاج] به واختلفوا في تفسيره أيضًا، فقال القاضي أبو بكر: هو الوصف المناسب بطريق التتبع لا بداية كالطهارة فإنها مناسبة لاشتراط النية لا لكونها طهارة، فإن التنظيف يحصل بدون النية بل لكونها شرعت عبادة، والعبادة مناسبة للنية.
وقال غيره: هو الوصف الذي ليس بمناسب ولكن اعتبر الشرع جنسه القريب.
وهذا النوع الذي ذكرناه هو أشهر بإطلاق اسم الشبه من المذكور في الرافعي، فإن المشهور تسمية ذلك بقياس علية الأشباه، فلما وقف النووي على خلاف في قياس الشبه ظن ﵀ أن المختلف فيه هو الأول لاشتراكهما في الاسم، وقد بسطت المسألة في "شرح منهاج الأصول" وحققتها فلتراجع منها.
قوله: ومتى حكم القاضي بالاجتهاد، ثم بان له أنه خالف كتابًا أو سنة أو قياسًا جليًا فيلزمه نقض حكمه، وهل يلزمه تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه لينقض الحكم؟ فيه وجهان: قال ابن سريج: لا يلزمه إن علم أنه بَانَ له الخطأ، فإن ترافعا إليه نقض.
وقال سائر أصحابنا: يلزمه وإن علما، لأنهما قد يتوهمان أنه لا ينقض، هذا في حق الآدميين، أما حقوق الله تعالى فيلزمه البدَار إلى تداركه.
стр. 4309
واعلم أن الغزالي قد ذكر في "الوسيط" ما حاصله أنه ينقضه، وإن لم يرفع إليه، فإنه قال: فرع: لو ظهر له الخطأ في واقعة فليتبع وإن لم ترفع إليه هذه عبارته.
وذكر أيضًا الماوردي وغيره نحوه والذي ذكروه أوجه مما تُوهمه عبارة الرافعي وتأويلها به متعين.
قوله: ومنها قضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا بالتقييد الذي يجوزه في ذلك الجنس، قيل: إنه منقوض لظهور الأخبار وبعدها عن التأويلات التي يدعونها، وكذلك في القتل بالمنقل لأنها على خلاف القياس الجلي في عصمة النفوس، وهذا ما أورده الإمام وصاحب الكتاب وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، وفي بيع أم الولد، وثبوت حرمة الرضاع بعد الحولين، وصحة النكاح بشهادة الفاسقين من غير إعلان، ونكاح الشغار، ونكاح المتعة، وفي الحكم بقتل المسلم بالذِّمي، وبأنه لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف، وبجريان التوارث بين المسلم والكافر، ورد الزوائد مع الأصل في الرد بالعيب على ما ذهب إليه ابن أبي ليلى، ومن الأصحاب من منع النقض، وقال: هي مسائل اجتهادية، والأولوية فيها متقاربة، قال القاضي الروياني: وهو الصحيح، وكذلك ذكره القاضي ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس. انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان النقض في المسائل كلها.
أما الثلاث المذكورة أولًا وهي خيار المجلس والعرايا والقتل بالمنقل فلأنه نقل من الإمام الغزالي موافقتهما للقائل به، ولم تنقل الموافقة للقائل بعدم النقض إلا عن تصحيح الروياني فقط، وأما بقية المسائل فلأنه نقل النقض فيها عن محققين ولم ينقل مقابله إلا عن الروياني أيضًا، إذا علمت ذلك ففيه أمران:
стр. 4310
أحدهما: أن الرافعي قد صحح في كتاب النكاح أنه لا ينقض حكمه في النكاح بلا ولي على عكس ما يقتضيه كلامه هنا، ذكر ذلك في الكلام على الركن الرابع، وقد تقدم هناك ذكر عبارته.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد اختصر هنا كلام الرافعي بعبارة مخالفة لما ذكره هنا وموافقة للمذكور هناك، فإنه جمع هذه المسائل كلها من أولها إلى آخرها وحكى فيها وجهين، ثم قال بعد حكاية الوجهين:
قال الروياني: الأصح: لا ينقض لأنها اجتهادية والأدلة فيها متقاربة، هذا لفظه من غير زيادة عليه.
والعجب في اقتصاره على ما قال مع حذفه للقائل بالعكس، وهم الإمام والغزالي والمحققون، وهو اختصار عجيب حصل بسببه الإخلال في مسائل فتفطن لها واضبط جميعها.
قوله: وإذا كان المحكوم به حكمًا باطلًا نكاحًا، لم يحل للمحكوم له الوطيء، وعليها الامتناع والهرب ما أمكنها، فإن أكرهت فلا إثم عليها. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الإثم عند الإكراه تابعه عليه في "الروضة"، وهو مخالف لما ذكره في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه، فإن المرأة إذا علمت كذب الذي يدعي نكاحها يكون تمكينها منه زنا قطعًا، ومقتضى كلامه في الجنايات: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، وقد نص هو على المرأة بخصوصها في كتاب الجهاد، وصرح بأنه لا يباح لها ذلك، والذي ينبغي حمل كلامه هنا عليه ما إذا ربطت ووطئت.
قوله: وما كان مختلفًا فيه كحكم الحنفي بشفعة الجوار وبالتوريث بالرحم فينفذ ظاهرًا، وهل ينفذ في الباطن حتى يحل ذلك للشافعى؟ فيه وجهان:
стр. 4311
أحدهما: المنع، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق وأورده الغزالي لتعارض الأدلة.
والأصح عند جماعة منهم صاحب "التهذيب" والعبادي: أنه ينفذ باطنًا في حق من يعتقد ومن لا يعتقد. انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهذا الثاني هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في موضعين من هذا الكتاب ومن "الشرح الصغير"، أحدهما: في كتاب الدعاوي في الكلام على اليمين قُبَيْل قوله: قال: وأما الحالف، فقال: وميل الأكثرين إلى الحِلّ. هذا لفظه.
وذكر عقبه أنهم اتفقوا على أنه ليس للشافعي أن يحلف على عدم استحقاقها إذا حَلّفه الحنفي.
ثم قال: وهذا هو ذاك أو مثله.
والموضع الثاني: في كتاب دعوى الدم، قبيل الكلام في القسامة بأسطر فقال: فأما الحل الباطن إذا حكم الحاكم في موضع الخلاف لشخص على خلاف ما يعتقده كحكم الحنفي للشافعي بشفعة الجوار، ففي ثبوته خلاف وكلام الأئمة هاهنا يميل إلى ثبوته. هذه عبارته.
وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنًا بين ما ينقض وما لا ينقض وفيه، نظر لكنه مستقيم فإنه لا منافاة.
قوله: فرع: قال في "التهذيب": هل تقبل شهادة الشاهد على ما لا يعتقده كالشافعي يشهد بشفعة الجوار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يقضي القاضي بخلاف ما لا يعتقده.
والثاني: نعم، لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى الشاهد. انتهى.
فيه أمران:
стр. 4312
أحدهما: أن تعليله للوجه الثاني غلط، لأن الاجتهاد يشترط في القاضي لا في الشاهد، وقد ذكره البغوي على الصواب فقال: لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى الشاهد، ذكر ذلك قُبَيْل باب التحفظ في الشهادة، فسقط من (إلى) إلى (إلى)، وحذف النووي هذا التعليل من "الروضة" فَسَلِمَ.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يبين صورة المسألة وتابعه النووي على ذلك وزاد فصحح القبول، فلنوضح ذلك فنقول: لا شك أن الشاهد والحالة هذه له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشهد بنفس الجوار وما في معناه كالبيع عند إنكاره.
والثاني: باستحقاق الأخذ بالشفعة.
والثالث: بشفعة الجوار.
فأما الأول: فكلام الرافعي بعيد منه، وفي جواز الشهادة به وبكل ما يترتب عليه خلاف ما يعتقده الشاهد وجهان حكاهما الرافعي من غير ترجيح في الباب الثالث من أبواب الشهادات قُبيل القيد الخامس من القيود المعتبرة في وجوب الأداء، وذكر بعده بنحو ورقة ما يشعر بالجواز.
وأما الثاني والثالث: فكلام الرافعي محتمل لكل منهما ولم يتكلم فيهما إلا على القبول، وأما الجواز للشاهد: فينبغي منعه لاعتقاده خلافه، وقد ذكر الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب الرهن: أنه إذا [رهن] عينًا بعشرة ثم استعرض عشرة لتكون رهنًا بهما وأشهد شاهدين أنه مرهون بعشرين وعرف الشاهدان حقيقة الحال وهو رهن المرهون بدين آخر عند المرتهن، نظر إن شهدا على إقرار الراهن فالوجه تجويزه مطلقًا، وإن شهدا أنه مرهون فإن كانا لا يعتقدان جواز الإلحاق لم يجز بل عليهما بيان الحال، وفيه وجه بعيد.
стр. 4313
وإن كانا يعتقدان جوازه ففيه وجهان، قال في الروضة: الأصح أنه لا يجوز لأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما. هذا كلامه، ولم يصور الرافعي المسألة بما إذا كان القاضي حنفيًا وهو كذلك بلا شك.
قوله: ولو دعي المحبوس زوجته أو أمته لم يمنع إن كان في الحبس موضع خال، فإن امتنعت أجبرت الأمة ولم تُجبر الزوجة الحرة، لأنه لا يصلح للسكنى، والزوجة الأمة تُجبر إن رضى سيدها، فكان يجوز أن يقال: الحبس زجر وتأديب، فإن اقتضى الحال أن تمنع منه زوجته أو أمته فعل. انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد جزم به الغزالي في "فتاويه" فقال: إن الأمر فيه إلى رأي القاضي.
وجزم صاحب "الشامل" في "فتاويه" أيضًا بأنه يمنع من ذلك، ولم يكله إلى نظر القاضي.
وقد ذكر النووي في أوائل التفليس من "زوائده" ما قاله، الغزالي وابن الصباغ ولم يرجح منها شيئًا.
ثم إنه هاهنا حذف الاحتمال الذي ذكره الرافعي وجزم بأنه لا يمنع، فصار مخالفًا لكل من النقلين المذكورين هناك، وقد ظهر من هذه النقول رجحان تفويضه إلى رأي القاضي، لرجحان الرافعى له من غير اطلاعه على نقل يساعده فمع النقل أولى.
стр. 4314
الفصل الثاني: في مستند قضائه
قوله: وأصح القولين عند عامة الأصحاب: أن القاضي يقضي بعلمه، ثم قال: ولو أقر بالمدعي في مجلس قضائه قضى عليه، وذلك قضاء بإقراره لا بعلم القاضي، وإن أقر عنده بشراء، فعلى القولين في القضاء بالعلم، ومنهم من خصص القولين بما إذا علم المحكوم بنفسه وقال: هاهنا الحكم بالإقرار المعلوم لا بمجرد العلم بالمحكوم. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جواز الحكم بالإقرار الواقع في المجلس جزمًا وأنه لا يخرج على القولين مخالف لما ذكره قبل ذلك في الأدب الخامس، فإنه جزم فيه هناك بحكاية القولين، ولم يتعرض لهذه الطريقة التي جزم بها هاهنا وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، وذكر نحوه أيضًا في كتاب الدعاوي في الكلام عن اليمين وستعرفه.
ومخالف أيضًا لنص الشافعي في "الأم": فإنه سَوّى بين المجلس وغيره، ذكر ذلك في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" الواقع بعد باب قطع العبد في باب الدعوى والصلح، فقال: قال الشافعي: وإذا اختصم الرجلان إلى القاضي، فأقر أحدهما عند القاضي في مجلس الحكم أو غير مجلسه. هذا لفظه.
ثم حكى بعد هذا التصوير القولين واختلاف الناس وأقام الدليل عليه.
الثاني: أن مراده بقوله: ومنهم من خصص القولين. . . . إلى آخره. أن بعضهم قال: إن الإقرار في الشركاء كالإقرار في المجلس حتى يقضي جزمًا، وقد ذكره في "الشرح الصغير" بعبارة هي أوضح من هذه، لا جرم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله، وقيل: يقضي قطعًا.
стр. 4315
قوله في "الروضة": وإذا قلنا: يقضي بعلمه، فذاك في المال قطعًا وكذا في القصاص وحد القذف علي الأظهر، ولا يجوز في حدود الله تعالى على المذهب، وقيل: قولان. انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع في حدود الله تعالى سهو حصل في اختصاره لكلام الرافعي، فإن المذكور في الشرحين: تصحيح طريقة القولين فتأمله، وكلام "المحرر" لا يؤخذ منه شيء في ذلك، فإنه قال: أصح القولين أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى. هذه عبارته.
قوله: ولا خلاف أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه إذا علم أن المدعي أبرأ عما ادعاه وأقام عليه البينة وأن المدعي قبله أو رأه قبله بيد المدعي، أو سمع مدعي الرق قد أعتق ومدعي النكاح قد طلق ثلاثًا، وتحقق كذب الشهود، فإنه يمتنع عن القضاء. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ادعاه من نفي الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وليس كذلك، فقد حكى الماوردي في "الحاوي" وجهًا أنه يقضي بخلاف علمه والحالة هذه، قال: لأن المعتبر في الحكم على هذا القول إنما هو الشهادة دون العلم.
ونقله أيضًا الروياني والشاشي في "الحلية"، وابن يونس وابن الرفعة في شرحيهما "للتنبيه".
الأمر الثاني: كما لا يقضي بخلاف علمه فليس له أن يقضي بعلمه، صرح به الشاشي في "الحلية"، وفي كلام الرافعي إشارة إليه فإنه أطلق منعه عن القضاء وكأن معناه قوة التهمة.
الأمر الثالث: أنه لابد في القضاء بالعلم من التصريح بالمستند، فيقول القاضي: قد علمت أنه له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي، فإن
стр. 4316
اقتصر على أحدهما لم ينفذ الحكم، كذا ذكره الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر".
الأمر الرابع: أن عد العتق والطلاق من قسم العلم ممنوع، فإنه لا يلزم من إعتاقه وتطليقه وقوع العتق والطلاق.
أما العتق: فلأن العبد قد يكون مرهونًا والراهن معسر والشاهدان يعلمان الواقعة، ومثله العبد الجاني على ما هو مذكور في موضعه.
وأما النكاح: فقد يكون الزوج أتى بالتعليق المنسوب إلى ابن سريج فقال لها: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، ومقتضى كلام "الكتاب" و"الروضة": أن الأكثرين على عدم الوقوع، ونقله عن النص.
الخامس: أن التعبير بقوله: لا يقضي بخلاف علمه، فيه تجوز بل الصواب بما يعلم خلافه، وبه عبّر الماوردي وغيره، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق.
واعلم أن اشتهار الخبر بين الناس بالتواتر هل ينزل منزلة البينة أم حكمه حكم المعلوم بالمشاهدة حتى يجري فيه القولان؟ على وجهين حكاهما في "النهاية" قُبيل باب كيفية تفريق الصدقات.
قوله: واعلم أن الأئمة مَثّلوا القضاء بالعلم الذي هو محل القولين بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك أو سمع المدعي عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقراض لا يفيد اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء، فيدل أنهم أرادوا بالعلم الظن المؤكد لا اليقين. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يشعر بأنهما لم يقعا هاهنا في المسألة
стр. 4317
على نقل، وهو غريب فقد ذكر هو فرعين منقولين هما أصرح في الدلالة على المقصود مما ذكره، وأحدهما قد حكى فيه وجهين، فالموضع الأول: ذكره قبل كتاب العتق في الكلام على القافة فقال: ولو كان القاضي قائفًا فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم. هذا لفظه.
والثاني: في أوائل القسمة فقال: وهل للقاضي أن يحكم بمعرفته في التقويم؟ ، قيل: لا يجوز قطعًا لأنه تخمين مجرد، وقيل: على القولين في القضاء بالعلم وهو الأشبه، ولا يبعد أن يقام ظنه مقام الشهادة المبنية على الظن. هذا كلامه.
وقد صرح الإمام أيضًا بالمسألة هنا فقال: إذا جوزنا له أن يقضي بعلمه فذاك في ما يستيقنه لا ما يظنه، وإن غلب على الظن.
وقال أيضًا في كتاب التفليس: ومن لطيف الكلام في ذلك أن كل ما تستند الشهادة فيه إلى اليقين فلو علمه القاضي بنفسه ففي قضائه خلاف، ولو انتهى القاضي في ما لا علم له إلى منتهى يشهد فيه كالأصول التي ذكرناها فلا يحل له القضاء، وإن كان يحل له أن يشهد بما ظهر عنده فليتأمل الناظر هذا، فإنه من أسرار القضاء. هذا كلامه.
والذي ذكره من الأصول هي الشهادة على أنه لا مال له أو لا وارث له، والشهادة بالتعديل والشهادة بالأملاك، وقد لخص الغزالي أيضًا هذا المعنى، فقال: ولا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة.
وذكر الماوردي في كتاب اللقيط عكس ذلك، وبالغ فيه فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة جاز له أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق: أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا؛ وهذا الذي ذكره الماوردي يؤيد ما
стр. 4318
قاله الرافعي بلا شك.
وأما الأمثلة التي ذكرها -أعني: الرافعي- فإنه تبع فيها البغوي، وقد يجاب عنها بأن السبب الذي استند إليه القضاء فيها وهو الإقرار والإقراض معلوم بخلاف التصرف والتسامح ونحوهما فإنها لم تستند إلى معلوم.
قوله: أما اليمين فقد قال الأصحاب: يجوز له أن يحلف على استحقاق الحق، وإذا ألحق اعتمادًا على خط أبيه إذا وثق بخطه وأمانته.
وضبط القفال وثوقه بأن يكون بحيث لو وجد في تلك التذكرة أن لفلان عليّ كذا لا يجد من نفسه أن يحلف على نفي العلم بل يؤديه من التركة، وفرق بينه وبين القضاء والشهادة: بأنه يمكن فيها التذكر والرجوع إلى اليقين حتى لو وجد بخط نفسه أن له على فلان كذا أو أنه أدى دين فلان لم يجز له الحلف حتى يتذكر، قاله في "الشامل". انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من جواز الحلف من اشتراط الثقة والأمانة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي فينبغي استحضارها لئلا يحصل الغلط بسببها.
الأولى: ما ذكره في الشفعة أنه لو بيع [الشقص] (١) بصبرة من فضة وادعي الشفيع أنها كذا ونكل المشتري، جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله.
الثانية: ما ذكره في الجنايات في باب دعوى الدم: أن المشتري إذا نازعه شخص في المبيع وادعى أنه له وأن البائع غصبه جاز له -أي للمشتري- أن يحلف على أنه لا يلزمه التسليم اعتمادًا على قول البائع.
стр. 4319
الثالثة: ما ذكره في آخر الباب الأول من أبواب الدعاوي: أنه إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع جاز أن يحلف اليمين المردود في أصح الوجهين.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن "الشامل" وأقره من امتناع الحلف على خط نفسه، ذكر مثله في "الشرح الصغير" وزاد على ذلك فقال: ذكره صاحب "الشامل" وغيره.
وهذا الذي نقله عن "الشامل" وأقره هو والنووي عليه ليس هو الصحيح فاعلمه، فقد جزم بعد ذلك في كتاب الدعاوي في الركن الثالث منه المعقود للحلف بما يخالفه، فقال قبيل الطرف الثالث ما نصه: فيه مسألتان:
إحداهما: ما يحلف فيه على البت لا يشترط فيه اليقين، بل يجوز البت بناء على ظن مؤكد ينشأ من خطه أو خط أبيه أو نكول خصمه. هذا لفظه وتبعه عليه النووي وجزم به أيضًا في "المحرر" و"المنهاج".
قوله في "الروضة": فرع: قال الصيمري: ينبغي للشاهد أن يثبت حلية المقر إذا لم يعرفه بعد الشهادة ليستعين بها على التذكر، ويقرب من هذا ذِكْر التاريخ ومَوْضِع التحمل ومن كان معه حينئذ ونحو ذلك. انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: ينبغي هو قريب من تعبير الرافعي أيضًا، وهذا الكلام يشعر بأن تعاطي أسباب التذكر مستحب، وهو كذلك كما صرح به في آخر الباب الثالث من أبواب الشهادات فاعلمه.
قوله: ولو شهد شاهدان على حكمه عند قاض آخر قبل شهادتهما وأمضى حكم الأول، إلا إذا قامت بينة بأن الأول أنكر حكمه وكذبهما، فإن قامت بينة بأنه توقف، فوجهان: أوفقهما لكلام الأكثرين: أنه يقبل
стр. 4320
شهادتهما وقال الأودي وصاحب "المهذب": لا يقبل لأن توقفه يورث تهمة، وعلى هذا لو شهد عدلان أن شاهدي الأصل توقفا في الشهادة لم يجز الحكم بشهادة الفرع. انتهى.
وما اقتضاه آخر كلامه من تخريج شهود الفرع على هذين الوجهين قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ولم يصرحا بنقله مع أن المحاملي وصاحب "المهذب" والغزالي في "البسيط" قاسوا المنع في شهود الحكم على شهود الفرع، فَدَلّ ذلك على الاتفاق على المنع ولم يتعرض للمسألة في بابها.
стр. 4321
الفصل الثالث: في التسوية
وفيه مسألتان: إحداهما: يسوي القاضي بين الخصمين في الدخول عليهما والقيام لهما والنظر إليهما والاستماع وطلاقة الوجه وسائر أنواع الإكرام. انتهى كلامه.
وتعبير الرافعي في أول كلامه بقوله: في الدخول عليهما، وقع كذلك في النسخ، وهو سبق قلم وصوابه في دخولهما عليه.
قوله: ويسوى بينهما أيضًا في جواب سلامهما، فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما قال الأصحاب: يصبر حتى يسلم الآخر فيجيبهما معًا، وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، فإنه يمتنع من انتهاضة جوابًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الأصحاب من كونه لا يسلم على الأول إلا بتقدير سلام الثاني، واقتضى كلامه عدم الوقوف على غيره حتى أبداه بحثًا عند الطول خاصة، ذكره البغوي تبعًا للقاضي الحسين فقلده فيه الرافعي متوهمًا عدم الخلاف فيه.
ثم إن النووي قلّد الرافعي في ذلك، وهو عجيب فإن الإمام قد حكى هذا عن القاضي وحده ثم ضعفه، وينبغي ذكر لفظه لغرض آخر يأتي ذكره فنقول: قال الإمام بعد باب القسمة: وإن سلم أحدهما فقد أفرط بعض الأصحاب، وقال: لا يرد جوابه بل يسكت لأن القاضي في شغل شاغل، وإن أراد قال لخصمه: سَلّم، ثم يرد جواب سلامهما، وهذا عندي سرف وإن ذكره القاضي فإن رد السلام محمول على ابتداء أحدهما به، وهذا مما لا يخفي، ولا يظهر ميلًا. هذا كلامه وهو ظاهر.
стр. 4322
وذكر نحوه الغزالي في "البسيط" فقال: أفرط بعض الأصحاب فقال: لا يجبه إلى أن يُسَلِّم الآخر، ثم قال: وهذا بعيد وعذره في الجواب بين، وصححه أيضًا في "الوسيط"، وحكى الماوردي ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يرد السلام عليه وحده في الحال.
والثاني: بعد الحكم.
والثالث: يرده في الحال عليهما.
ولم يحك ما عزاه الرافعي إلى الأصحاب وجهًا بالكلية، وذكر مثله الروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" وصاحب "الذخائر" والعراقي شارح "المهذب" وابن يونس في "شرح التنبيه" وحكى كثير من هؤلاء وجهًا آخرًا: أنه لا يجب الرد أصلًا لأن شغل القاضي مانع من مشروعية السلام.
وحكى الروياني أيضًا عن القفال: أنه صحح الرد على أحدهما عقب سلامه، وجزم به أيضًا أبو الطيب في أوائل كتاب أدب القضاء من تعليقته في أثناء مسألة أولها: قال الشافعي وأحب أن يقضي في موضع بارز.
وعبر الطبري في "العدة" بما يدل عليه لمن تأمله فقال: ينبغي أن يسوي بينهما في رد السلام. هذه عبارته.
وذكر مثلها الغزالي في "الوجيز" ومدلولها: أنهما إذا سلما فليس له أن يرد على أحدهما ويمتنع من الرد على الآخر، وحكى ابن أبي الدم في "أدب القضاء" وجهين من غير ترجيح في المسألة، وأجراهما أيضًا في ما إذا سبق وسلم قبل دخول الآخر بالكلية، وسكت عن التصريح بالمسألة جماعة كثيرون منهم الدارمي في "الاستذكار" والشيخ في "المهذب" وأبو نصر البندنيجي صاحب "المعتمد" والجرجاني في "الشافي" والخوارزمي في "الكافي" والعمراني في "البيان" وابن عصرون في "المرشد" وغيرهم.
стр. 4323
فتلخص أن ما قاله الرافعي من إسناد ذلك إلى الأصحاب غلط محض أوقعه فيه جزم صاحب "التهذيب".
الأمر الثاني: أن ما ذكراه في هذه المسألة لا يوافق ما جزم به في كتاب السير، فقد قالا هناك: إن ابتداء السلام سُنّة على الكفاية، فإذا حضر جماعة وسلّم أحدهم كفى ذلك عن سلام الباقين.
قوله في المسألة: وذكروا أي الأصحاب أنه لا بأس أن يقول للأخر: سَلِّم، فإذا سَلَّم أجابهما، وفي هذا اشتغال منه بغير الجواب، ومثله بقطع الجواب عن الخطاب. انتهى كلامه.
واعلم أنه قد ذكر في كتاب "السير": أنه يجب أن يكون رد السلام متصلًا به الاتصال المشروط بين الإيجاب والقبول في العقود، وقد اختلفوا في اللفظ اليسير الفاصل بينهما هل يضر أم لا؟ على وجهين، واختلف كلامهم في الراجح منهما كما أوضحته في الكلام على أركان النكاح فراجعه، وهذه الصورة فرد من أفراد ذلك فيأتي فيها ما سبق هناك فاعلمه.
قوله أيضًا في المسألة: وحكى الإمام أنهم -أي: الأصحاب- جوزوا للقاضي ترك الجواب مطلقًا واستبعده. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الإمام نقله عن الأصحاب وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا غلط، فإن الإمام إنما نقله عن بعضهم وقد تقدم ذكر لفظه.
قوله: فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا فوجهان:
أصحهما وهو ما أورده العراقيون: أنه يرفع المسلم في المجلس.
والثاني: يسوي.
ويمكن أن يجري الوجهان في سائر وجوه الإكرام. انتهى.
فيه أمران:
стр. 4324
أحدهما: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: أصحهما وبه قطع العراقيون، وما قاله من قطع العراقيين باطل، فقد حكى الماوردي في "الحاوي" وجهين، وكذلك الشيخ في "المهذب" والشاشي في "الحلية" وابن عصرون في "الانتصار" والعمراني في "البيان" وكل هؤلاء عراقيون.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على احتمال جريانهما، وقد أجاب الفوراني في "الإبانة" بما ذكراه بحثًا، فقال بعد ذكر أنواع التسوية: فرع: إذا كان أحدهما كافرًا هل يسوى بينهما؟ وجهان:
أحدهما: يسوي [لأنهما] استويا في الدعوى.
والثاني: لا. هذه عبارته.
وذكر الشيخ في "التنبيه" أنه يقدم المسلم في الدخول ويرفعه في المجلس، وذكر الماوردي في "الحاوي" ما يخالف الفوراني، فقال: وفي التسوية بين المسلم والكافر في المجلس وجهان:
أحدهما: يسوي بينهما فيه كما يسوي بينهما في المدخل والكلام.
والثاني: يقدم المسلم. انتهى.
وهو يدل على أن المدخل والكلام محل اتفاق، وكذلك ذكر صاحب "الاستقصاء" وغيره.
ولو كان أحدهما مرتدًا والآخر ذميًا فيتجه تخريجه على التكافؤ في القصاص، والصحيح، أن المرتد يُقتل بالذمي دون عكسه.
قوله: وإذا كان يدعي دعوى غير محررة، قال الإصطخري: يبين له كيفية الدعوى الصحيحة، وقال غيره: لا يجوز لانكسار قلب الآخر، وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في "العدة": والأصح الجواز. انتهى كلامه.
стр. 4325
لم يرجح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، وقد صحح في "التنبيه" منع تلقين الدعوى وأقره عليه النووي فلم يستدركه في كتابه "التصحيح".
قوله: وإذا ادعى المدعي طالب خصمه بالجواب وقال: ماذا تقول؟ وفيه وجه أنه لا يطالبه بالجواب حتى يسأل المدعي. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس في كلامه ما يدل على أن الخلاف في الجواز أو في الأولوية، وقد بينه الماوردي والشيخ في "المهذب" وغيرهما.
وقالوا: إن الخلاف في الجواز، وعللوا المنع بأن ذلك حق للمدعي فلا يجوز استيفاؤه من غير إذنه، والجواز بقرينة الدعوى.
وفائدة الخلاف كما قاله الماوردي: في الاعتداد بالإنكار، وفي الحكم بالبينة قبل سؤال المحكوم له.
واقتصر ابن يونس في "شرح التنبيه" على الفائدة الثانية.
الأمر الثاني: أن ما ذكره هاهنا من ترجيح الجواز ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا هنا، ثم خالف فيه -أعني: في "الصغير"- في أوائل كتاب الدعاوى فقال ما نصه: فيه وجهان: أشبههما ويحكي عن أبي حنيفة: لا، لأنه حقه فلا يستوفي إلا بسؤاله هذا لفظه ولم يذكر ترجيحًا غيره.
والرافعي في "الكبير" حكى هناك وجهين من غير ترجيح، ونقضه النووي فقال في "زوائده": الأقوى أن له ذلك، ولم يستحضر تصحيح الرافعي له في هذا الباب ولا تصحيحه هو حتى أنه بالغ هنا فقال: وفيه وجه ضعيف أنه لا يطالبه بالجواب حتى يسأله المدعي.
قوله: وهل يثبت المدعي بمجرد الإقرار، أم يفتقر ثبوته إلى قضاء
стр. 4326
القاضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: يفتقر إليه كالثبوت بعد إقامة البينة.
وأصحهما: المنع، فإن دلالة الإقرار على الحق بينة، والإنسان على بصيرة من نفسه، وأما البينة فيحتاج في قبولها إلى النظر والاجتهاد، هكذا ذكروه والطبع لا يكاد يقبل هذا الخلاف، لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق [المدعى] (١) به في نفسه فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار، فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ ، وإن كان المراد مطالبة المُدَّعِي وإلزام القاضي فلا خلاف في ثبوتهما بعد [الإقرار] (٢). انتهى.
وما ذكره من أن المُدّعِي له الطلب بعد الإقرار بلا خلاف قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ولكن قد جزم الماوردي بما ظاهره المخالفة فقال: له أن يلازمه بعد الحكم وليس له ملازمته قبله.
قوله: وإن أنكر المُدَّعَى عليه فللقاضي أن يسكت وله أن يقول للمدعي: ألك بينة؟ وقيل: لا يقول ذلك إلا بعد طلب المدعي لأنه كالتلقين. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق التخيير، وكذلك أطلقه أيضًا بعضهم وقيده جماعة بما إذا كان المدعي يعلم أنه وقت التنبيه، فإن كان لا يعلم ذلك لم يسكت بل يسأله عن البينة، كذا ذكره الشيخ في "المهذب" والعمراني في "البيان" وابن يونس شارح "التنبيه".
ومقتضى كلام "النهاية": أن الأصح أن القاضي يقول للمدعي: ألك بينة؟ مطلقًا سواء أكان المدعي عالمًا أو جاهلًا.
وكلام الماوردي يقتضي أنه مُخَيّر بين أن يقول للمدعي: قد أنكرك فهل
стр. 4327
لك بينة؟ وبين أن يقول له: قد أنكرك فما عندك؟ سواء كان المدعي عالمًا أو جاهلًا، لكن الأول أولى عند الجهل.
والثاني أولى عند العلم.
ويتلخص من مجموع ذلك وجوه أربعة، وإن أخذنا كلام الرافعي على إطلاقه جاء منه وجه خامس، إلا أن حمله على الإطلاق بعيد.
قوله: فإن قال المدعي: ليس لي بينة حاضرة، فحلف المدعي عليه، ثم أحضر البينة سُمِعت، وكذا لو قال: لا حاضرة ولا غائبة في أظهر الوجهين.
ولو قال: لا بينة لي، واقتصر عليه، ففي "التهذيب": أنه كالقسم الأول، وفي "الكتاب": أنه كالثاني حتى يكون على وجهين. انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الروضة" أيضًا، والصحيح: هو الطريق الثاني، وهو ما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وحكى الماوردي والشاشي في الصورة الثانية وجهًا: أنه إن كان هو الذي استشهدهم لم تقبل، وإن استشهدهم وكيله أو موروثه قُبِلت.
وقريب من هذه المسألة ما إذا قال: اشتريته بعشرة، ثم قال: بل بعشرين، وقد تقدمت في باب المرابحة، وكذا إذا قال: لست بشاهد في هذا الشيء، ثم جاء فشهد فيه، فقد ذكره الرافعي قبل الركن الرابع المعقود للنكول فقال: إن قالاه حين تصديا لإقامة الشهادة لم تقبل شهادتهما، وإن قالاه قبل ذلك بشهر أو يوم لم يندفع، وأطلق القاضي الحسين في "فتاويه" عدم القبول.
قوله: ولو قال: شهودي عبيد، أو فسقة، ثم أتى بعدول قبلنا شهادتهم إن مضى زمان يمكن فيه العتق والاستبراء. انتهى كلامه.
стр. 4328
هذا الحكم ذكره البغوي تبعًا للقاضي الحسين، فقلده فيه الرافعي ثم النووي، ويتعين تصوير المسألة بما إذا عين شهوده الذين وصفهم بالرق أو الفسق، فإن أطلق أو عيّن ولكن أقام غير المعينين فقياس ما ذكرناه في المسألة السابقة أنها تقبل، وقد صرح في "الإشراف" بنقله عن نص الشافعي فقال: لو قال بعد اليمين أو قبلها: كل بينة لي زور أو كاذبة، ثم أقامها قُبِلت على النص لأنه لا يجوز أن لا يعرفها.
قوله: والظاهر أن تقديم المسافر والمرأة ليس هو بمستحق، وإنما هو نوع رخصة يجوز الأخذ به. انتهى.
قال في "الروضة": المختار أنه مستحب لا يقتصر فيه على الإباحة.
قوله: فرع: المقدم بالسفر يجوز أن لا يقدم إلا بدعوى واحدة، ويجوز أن يقدم جميع دعاويه، لأن سبب تقديمه أن لا يتخلف عن رفقته، ويجوز أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى فهو كالمقيمين، لأن تقديمه بالجميع يضر بغيره، وتقديمه بدعوى لا يحصل الغرض. انتهى.
قال في "الروضة": الأرجح أن دعاويه إن كانت قليلة أو خفيفة بحيث لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا قدم بجميعها، وإلا فيقدم بواحدة لأنها مأذون فيها، وقد يقتنع بواحدة ويؤخر الباقين إلى أن يحضر. انتهى.
وما ذكره النووي من التقديم بالواحدة فقط مردود، بل القياس على ما قاله أن يسمع في عدد لا يضر كما لو لم يكن معه غيره.
قوله: ولو جهل القاضي إسلام الشاهدين لم يقنع بظاهر الدار، ولكن يبحث عنه، ويكفي فيه الرجوع إلى قول الشاهد ويخالف الحرية، فإنه لا يرجع إليه فيها في أظهر القولين على ما قال في "المهذب"، لأن الإسلام مستقل به فيرجع إليه فيه بخلاف الحرية. انتهى ملخصًا.
стр. 4329
وقد اختلف كلام الرافعي وكذا كلام "الروضة" في الحكم على الكافر بالإسلام إذا قال: أنا مسلم، وقد تقدم إيضاحه في باب الردة، والأصح في الإقرار بالحرية: ما رجحه في "المهذب"، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: من نُصِّب حاكمًا في الجرح والتعديل اعتبر فيه صفات القضاة. انتهى.
واعلم أنه قد سبق أن من شروط القاضي بلوغ رتبة الاجتهاد، ولكن ذكر الرافعي قبل ذلك في الكلام على الاستخلاف كلامًا ينبغي استحضاره هنا فقال: يشترط في الذي يستخلفه ما يشترط في القاضي، قال الشيخ أبو محمد وغيره: فإن فوض إليه أمرًا خاصًا كفاه من العلم ما يحتاج إليه في ذلك الباب حتى أن نائب القاضي في القُرى إذا كان المفوض إليه سماع البينة دون الحكم كفاه العلم بشروط سماع البينة ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد.
قوله: ولابد في شاهد الإعسار والتزكية من الخبرة الباطنة، قال في "الوسيط": ويجب على القاضي أن يعرف أن المزكي هل هو خبير بباطن الشاهد في كل تزكيته؟ إلا إذا علم من عادته أنه لا يُزكِّي إلا بعد الخبرة. انتهى.
وما ذكره هنا في شروط شاهد التزكية، قد ذكر خلافه في شاهد الإعسار، وقد سبق إيضاح وجه المخالفة في التفليس فراجعه.
قوله: وهل يشترط ذكر سبب رؤية الجرح أو سماعه؟ فيه وجهان:
أشهرهما: نعم، فيقول مثلًا: رأيته يزكي، وسمعته يقذف، وعلى هذا القياس يقول في الاستفاضة: استفاض عندي.
وأقيسهما: أنه لا يشترط. انتهى.
стр. 4330
وهذا الكلام صريح في أن الشاهد إذا كان مستنده الاستفاضة وصرح بذلك في شهادته لم يكن قادحًا في شهادته فتفطن لذلك فإنه الصواب، وسيكون لنا عودة لذلك في الشهادات إن شاء الله تعالى.
قوله: ولا يجعل الجارح بذكر الزنا قادحًا للحاجة، كما لا يجعل الشاهد قاذفًا، فإن لم يوافقه غيره فليكن كما لو شهد ثلاثة بالزنا هل يجعلون قذفه؟ فيه القولان. انتهى.
قال في "الروضة": المختار أو الصواب: أنه لا يجعل قاذفًا وإن لم يوافقه غيره، لأنه معذور في شهادته بالجرح فإنه مسئول عنها وهي في حقه فرض كفاية أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون، والله أعلم. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اختاره النووي من كونه لا يصير قاذفًا هو المعروف في "المهذب"، فقد جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين والروياني وغيرهم تفريعًا على الوجوه فيما إذا شهد ثلاثة بالزنا، ولم يقل أحد منهم بتخريج المسألة هنا على ذلك الخلاف كما فعله الرافعي.
نعم حكى الإمام وجهين:
أحدهما: أنه لا يكون قذفًا في هذا المقام، لكونه مسئولًا كما سبق.
والثاني: نعم كغيره، فعلى هذا لا يكلفون التصريح به بل يكفي التعريض، هذا كلام الإمام، وقد تلخص أن ما اقتضاه كلام الرافعي هنا من وجوب ذكر الزنا ووجوب الحد عليه باطل غير معروف، قال: فإن القائل قائلان: قائل بعدم وجوب الذكر، وقائل بوجوبه وأنه لا حد عليه هنا، ولا شك أنهما لم يقفا في هذه المسألة على نقل بل تفقها فيها، فصادف أن ما ذكره النووي فيها هو الصواب نقلًا ودليلًا.
стр. 4331
الثاني: أن تعليل النووي بقوله فإنه مسئول عنها يوهم أن الشهادة على الجرح تتوقف على السؤال، وليس كذلك بل يقبل فيها شهادة الحسبة كما ذكره في آخر الباب.
الأمر الثالث: أن ما ذكره في آخر كلامه وهو أن شهود الزنا هل يستحب لهم الشهادة أو الستر؟ ذكره في مواضع من "الروضة": أحدها: في حد الزنا.
وثانيها: في هذا الموضع.
وثالثها: في الباب الأول من أبواب الشهادات في أثناء السبب السادس.
واختلف فيها كلامه وكذلك كلام الرافعي أيضًا، وقد سبق إيضاحه في حد الزنا فراجعه.
قوله: وهل يشترط لفظ الشهادة من المزكي؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، فيقول: أشهد أنه عدل.
وقال في "الوسيط": إن اعتبرنا مشافهة القاضي فلابد من لفظ الشهادة وإن لم نعتبر ففي اشتراطه في الكتابة والرسالة وجهان. انتهى.
وحاصله حكاية وجهين عنه في "الوسيط" فيما إذا كتب، أو أرسل ولم يكتب.
وهذا النقل عنه ليس مطابقًا لما فيه فإنه إنما حكى الوجهين في الكتابة خاصة فقال: وإن اكتفينا بالرقعة مع الرسول ففي اشتراط كتابة لفظ الشهادة خلاف كما في المترجم، هذه عبارته.
ولا شك أن الغزالى أخذ ذلك من "النهاية"، فإنه قال: ذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن الجرح والتعديل لا يثبتان إلا بتصريح الشاهدين ولا تعويل على الرقاع ولا على أجوبة الرسل.
وقال الإصطخري: يكفي الرسل حتى لا يشتهر المزكون، ولا تكفي
стр. 4332
الكتابة، فإن اكتفينا بقول الرسل، فقد ذكر صاحب "التقريب" وجهين في اشتراط لفظ الشهادة: وجه التردد: أنّا شرطنا العدد وقبلناهم مع إمكان الوصول إلى الأصول. انتهى ملخصًا.
فالغزالي حكى الخلاف تفريعًا على "الكتاب"، والإمام إنما حكاه تفريعًا على الاكتفاء بالمرسل، فتلخص هذه الكتب الثلاث لا توافق بعضها وإن كُنّا نقطع أن كلام "النهاية" هو الأصل، وإنما حصل ذلك من تصرفهم في النقل، وقد سَلِمَ في "الروضة" من ذلك فإنه لم يصرح بالبناء ولا بالمنقول عنه.
قوله: ولا يقبل الجرح المطلق، بل لابد من بيان سببه. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي: أنه لا يبقى للبينة في هذه الحالة اعتبار بالكلية حتى يقدم عليها بينة التعديل، وليس كذلك بل معنى عدم قبولها، وهو أنه يجب التوقف عن العمل بها إلى أن يبحث عن السبب، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" بالنسبة إلى جرح الراوي، ولا فرق في ذلك بين الرواية والشهادة.
قوله: والأصح أنه يكفي أن يقول: هو عدل، وقيل: لابد أن يقول: عدل على ولي، واختلف القائلون به، فقيل: لأن الشخص قد يقبل في القليل دون الكثير، وقيل: لبيان أنه ليس بوالد ولا ولد. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن فائدة الخلاف كما قاله الماوردي في ما إذا علم الحاكم انتفاء البنوة بينهما، وحذف هذا الخلاف من "الروضة".
واعلم أنه لا يلزم من كونه مقولًا للمزكي، وعليه أن يكون كذلك بالنسبة إلى المدعى عليه في الواقعة التي احتيج إلى التعديل بسببها، فإنه قد يكون ابنًا له أو أبًا فلابد من التعرض لذلك، وقد أهمله الأصحاب حتى قال الإمام: ومن أبلغ عبارات المزكين وأوقعها: عدل على ولي، وهذه
стр. 4333
العبارة شائعة على مر الدهور، والأصحاب مجمعون على حملها على موجب ما يتفاهمون منها، هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد حكى عن [نص الشافعي في "الأم"، و"المختصر" أنه لابد أن يقول: عدل على ولي، وحكى عن] (١) نصه في "حرملة": أنه لا يشترط ذلك، بل يشترط أن يقول: عدل رضى أو مرضي أو مقبول الشهادة، قال: ومدلول هذه الزيادة غير مدلول تلك، فتلخص أن الشافعي جازم بأنه لا يكفي العدل وحده، وفي ما يشترطه معه قولان ولا يؤخذ ذلك من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوجيز" أنه يقول: عدل مقبول الشهادة، وفيه أمران:
أحدهما: أن الوصف بقبول الشهادة تغني عن العدالة.
الثاني: يشبه أن يقال: إن الحال يختلف بحسب سؤال القاضي، فإن سأل عن عدالته كفاه التعرض لها، وإن سأل عن قبول شهادته فلابد من التعرض لها لتدخل فيه المروءة وعدم السقط من ولادة أو عداوة. انتهى كلامه.
وأهمل النووي ذكر الأمرين المذكورين وهما أمران مهمان، واستفدنا من هذا أنه إذا قال المزكي: هو عدل على ولي، لا يحكم الحاكم بقوله إلا إذا عرف مروءته وخلُوّه من الموانع؛ ولهذا قال إمام الحرمين ما نصه: نعم تثبت العدالة بقوله: عدل رضى، ثم يستخير بعد هذا عن الأسباب المانعة من قبول الشهادة، هذه عبارته.
قوله: ثم حكى القاضي تفريعًا على اعتبار كلمتي "على" و"إلى" وجهين:
стр. 4334
أحدهما: أن اعتبارهما مخصوص بما إذا أخبر المزكون أصحاب المسائل.
والثاني: أنهما شاملان لذلك ولإخبار أصحاب المسائل للقاضي، ولا فقه في الفرق. انتهى.
أسقط هذا الخلاف من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوجيز": أنه لا يجوز التعديل بالتسامع، وهو يوافق ما سبق أنه يعتبر في المعدل الخبرة الباطنة، ولكن المخبرون الذين يحصل الاستفاضة بهم لو كانوا خبيرين بباطن حاله فلا يبعد أن يجوز للشاهد التعديل وتقام خبرتهم كما أقيم في الجرح ورؤيتهم مكان رؤيته. انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" قد جزم به القاضي الحسين في "تعليقه"، فقال: يجوز الاعتماد في التعديل على ما يسمع من أفواه الناس مرة بعد أخرى بحيث يخرج عن حد التواطؤ. انتهى.
ونقله أيضًا الهروي في "الإشراف" عن القفال الشاشي، ونقل في "الروضة" المسألة إلى قبل هذا الموضع بقليل.
قوله: ونابه. . . . إلى آخره.
هذه اللفظة عبر أيضًا بها في -آخر كتاب الفلس وسبق الكلام عليه هناك فراجعه.
стр. 4335
الباب الثالث: في القضاء علي الغائب
قوله: واحتج الأصحاب على أبي حنيفة في منعه القضاء على الغائب بما روي أنه ﷺ قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١)، وكان ذلك قضاء منه على زوجها أبي سفيان وهو غائب. انتهى.
وما ذكره هاهنا من كونه قضاء، قد خالفه في باب نفقة الأقارب فرجح أنه إفتاء لا قضاء، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: ويشترط في الدعوى على الغائب ما يشترط في الدعوى على الحاضر من بيان جنس المدعي وقدره وصفته. انتهى.
اعترض عليه ابن الرفعة بأن ذكر الوصف لا يغني عن ذكر النوع ولابد منه.
وقد صرح في الدعوى على الحاضر بأنه لابد من بيان النوع، وصرح أيضًا بذكره في هذا الباب في ركن المحكوم به.
قوله: وينبغي أن يدعي جحود الغائب فإن قال: هو مُقِرّ، لم تسمع بينته ولغى دعواه، وإن لم يعترض لجحوده ولا لإقراره فوجهان: ميل الإمام منهما إلى أن بينته تُسمع لأنه قد لا يعلم جحوده، انتهى.
والذي مال إليه الإمام هو الراجح، فقال الرافعي في "المحرر": إنه أشبه الوجهين، وفي "الشرح الصغير": إنه أولى الوجهين، وصرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة".
قوله: فَيُحَلِّف القاضي من ادعى على الغائب بعد قيام البينة وتعديلها أنه ما أبرأه من الدين الذي يدعيه ولا من شيء منه ولا اعتاض ولا استوفى ولا
стр. 4336
أحال عليه ولا أخذ من جهته بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه يلزمه توفيته، ويجوز أن يقتصر فيحلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب التسليم، لأن المدعى عليه لو كان حاضرًا لكان له أن يدعي عليه شيئًا من الجهات المذكورة فيحلفه.
فينبغي للقاضي أن يحتاط له؛ ولذلك يحلف مع البينة إذا كانت الدعوى على صبي أو مجنون أو ميت ليس له وارث حاضر، فإن كان حلف بسؤال الوارث، وهذا التحليف: واجب، وقيل: مستحب. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إذا كان للغائب ومن في معناه كالمتعزر وكيل، فهل يتوقف التحليف على طلب الوكيل أم للقاضي تحليفه من غير طلبه؟ فيه جوابان لأبي العباس الروياني حكاهما عنه الرافعي في الطرف الخامس ولم يرجح منها شيئًا، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما قاله الرافعي من التحليف على وجوب التسليم مُشكل من وجهين:
أحدهما: أن المدعي عليه لو كان حيًا عاقلًا حاضرًا فقال بعد إقامة البينة: حلفه على استحقاقه ما ادعاه، لم يجب إليه؛ لأن فيه قدحًا في البينة، فكيف يحلفه عليه في غيبته؟
لاسيما وقد حلف على أنه ثابت في ذمة المدعى عليه.
وثانيهما: أن المدعى عليه لو كان بالصفات المذكورة وادعى مسقطًا وأراد تحليفه فطلب المدعى أن يحلف أنه يستحق عليه ما ادعاه، لم يمكن منه، بل يحلف على ذلك المسقط، فكيف اكتفى به في حق الغائب؟
وبالجملة: فقد أسقط الماوردي اعتبار ذلك فقال: وأقل ما يجزئه أن يحلف: إن حقه لثابت، هذا كلامه، وهو واضح فتعين العمل به.
стр. 4337
قوله في المسألة: ويبنى على الخلاف في وجوب التحليف ما لو أقام قيِّم طفل بينة على قيِّم طفل، فإن أوجبنا التحليف انتظرنا حتى يبلغ المدعى له فيحلف، وإن قلنا بالاستحباب قضى بها. انتهى كلامه.
وحاصل هذا: أن الصحيح هو الانتظار إلى البلوغ، لأن الصحيح هو وجوب التحليف.
إذا علمت ذلك فقد ذكر عقب هذا بأسطر ما قد يشكل على هذا فقال: ولو ادعى ولي الصبي دينًا للصبي، فقال المدعي عليه: إنه أتلف عليَّ من جنس ما يدعيه قدر دينه، لم ينفعه بل عليه أداء ما أثبته الولي، فإذا بلغ الصبي حلفه. هذا كلامه.
إلا أنه فرض تلك في ما إذا كان المدعى له وعليه صبيين، وهذه في ما إذا كان الصبي هو الذي ادعى له خاصة.
وقد يجاب بأن اليمين هناك من تتمة الدعوى الأولى، فتوقفنا [على] (١) ما توجبه.
وأما اليمين في المسألة الثانية فإنها توجهت في دعوى أخرى غير تلك.
قوله: ولو لم يقرأ الكتاب على الشاهدين وقال: أشهدكما على أن ما فيه حكمي، أو على أني قضيت بمضمونه فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يكفي ما لم يفصل لهما، ويجري الخلاف في ما لو قال المقر: أشهدك على ما في هذه القبالة وأنا عالم به، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة كما نقله الصيمري: أنه لا يكفي، ويشبه أن يكون هذا الخلاف في أن الشاهد هل يشهد على أنه أقر بمضمون القبالة؟ على التفصيل:
فأما الشهادة على أنه أقر بما في هذا الكتاب مبهمًا، فما ينبغي أن يكون
стр. 4338
فيه خلاف كسائر الأقارير المبهمة. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف عن الشهادات بالأقارير المبهمة تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك فإن الرافعي قد حكى في كتاب الدعاوى وجهين في ما إذا أقام بينة على أنه أقر له بشيء، أو على أن له عليه مالًا وقالت: لا نعلم قدره، هل يسمع أم لا؟
أحدهما: يسمع، ويرجع في التفسير إليه كما لو أقر به عند القاضي.
وثانيهما: لا، لأن البينة أن تبين.
قوله في "الروضة": وإذا أنكر المدعي عليه أن ما في هذا الكتاب اسمه ونسبه، فالقول قوله بيمينه وعلى المدعي البينة أنه اسمه ونسبه، ولو قال: لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليه، فحكى الإمام والغزالي عن الصيدلاني: أنه يقبل منه اليمين، هكذا كما لو ادعى عليه فرض فأنكر وأراد أن يحلف على أنه لا يلزمه شيء فإنه يقبل، واختارا أنه لا يقبل وفَرّقا بأن مجرد الدعوى ليس بحجة، وهنا قامت بينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك بوجوب الحق عليه أن يثبت كونه المسمى. انتهى ما ذكره في هذه المسألة.
وقد بحث الرافعي مع الغزالي والإمام في تفرقتهم بين الفرض وهذه المسألة بحثًا استفدنا منه أمورًا:
منها: أن الراجح من الوجهين ما قاله الإمام والغزالي، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين.
ومنها: أنه إذا قال المدعى عليه: لا يلزمني تسليم شيء إليه وأراد الحلف عليه فيمكن منه، وقد جزم به أيضًا في الشرح المذكور.
ومنها: أنه لا فرق بين مسألتنا وبين الفرض، والعبرة بالجواب فيهما
стр. 4339
فإن أجاب فيهما بأنه لا يلزم تسليم شيء إليه كفاه الحلف فيهما عليه، بخلاف ما إذا أجاب بأنه لم يقترض أو ليس ذلك اسمه، لأن الحلف يكون على حسب الجواب، وقد اختار القفال أيضًا في هذه المسألة ما اختاره الصيدلاني.
قوله: ولا يجوز الحكم على المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي في أصح الوجهين ذكره في "العدّة". انتهى كلامه.
أطلق في "الروضة" تصحيحه.
قوله: وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه ليقضي الكاتب؟ قال في "العدة": لا يجوز، وإن جوزنا القضاء بالعلم، لأنه إذا لم يحكم كالشاهد، والشهادة لا تتأدى بالكتابة وفي "أمالي السرخسي" أنه يجوز [كالشاهد] (١)، ولأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة فليكن كإخباره عن قيام البينة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وقد جزم في "البحر" بما قاله في "العدة".
قوله: وإذا كتب بسماع البينة فليسم الشاهدين، والأولى: أن يبحث عن حالهما وتعديلهما، فإن أهل بلدهما أعرف بحالهما، وإذا عدل فهل يجوز أن يترك اسم الشاهدين؟ فلفظ "الكتاب" يُشعر بالمنع، وقد صرح به في "الوسيط"، وكذلك ذكره الإمام، والقياس التجويز كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، وهذا هو المفهوم من إيراد صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يقدر فيه خلاف بناء على ما سيأتي أن كتاب القاضي بسماع البينة نقل للشهادة أم حكم بقيام البينة؟ إن قلنا: نقل، فلابد من التسمية كشاهد الفرع مع الأصل. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على التصريح بالخلاف المذكور وقد
стр. 4340
صرح به الروياني في "البحر"، وقال: التجويز ضعيف.
قوله: فإن استمهل ليفهم بينة الجرح أمهل ثلاثة أيام، فإنها مدة يسيرة لا يعظم ضرر المدعي بتأخير الحكم فيها، وبالمدعى عليه خاصة إلى مثلها لاستحضار البينة، هكذا ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وكذا لو قال: أبرأتني، أو قضيت بالحق، واستمهل ليقيم البينة عليه. انتهى كلامه.
وما نقله عن اتفاق الأصحاب من الإمهال ثلاثًا ليس كذلك، فقد جزم الماوردي أن الحاكم يجتهد برأيه فيما دون الثلاثة بحسب الحال وعِظَمِ البلد وصغره وأشار إليه في "البحر" أيضًا فقال: أمهل مدة قريبة.
قوله: ولو قال: أمهلوني حتى أذهب إلى بلدهم فأخرجهم فإني لا أتمكن من خروجه إلا هناك، أو قال: لي بينة أخرى دافعة هناك، لم يُجب إليه بل يؤخذ الحق منه. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الإمهال، ويظهر أن يكون محله في ما إذا كان ذلك يتوقف على أكثر من ثلاثة أيام، وكلام الروياني يدل عليه ويحتمل المنع مطلقًا سدًا للباب.
قوله: وفي "العدة": أنه لو سأل المحكوم عليه إحلاف الخصم على أنه لا عداوة بينه وبين الشهود جاز. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وقد جزم الماوردي والروياني بعكسه.
قوله نقلًا عنها أيضًا: وأنه لو ادعى قضاء الدَّين وسأل إحلافه أنه لم يستوفه، لم يحلف لأن الكاتب أحلفه، وذكر البغوي في مثله في دعوى الإبراء، أنه يحلفه أنه لم يبره فحصل وجهان. انتهى كلامه.
واعلم أن ما نقله الرافعي من عدم التحليف عند دعوى الإقباض محله إذا ادعى ذلك قبل الحكم، أما إذا ادعى أنه أقبضه بعد حكم الحاكم، فإنه
стр. 4341
يحلفه بلا شك؛ لأن الحاكم لم يحلفه عليه، إذ التحليف إنما كان على عدم القضاء إلى حالة الحكم، وهذا مع وضوحه يؤخذ من التعليل الذي ذكره الرافعي.
وإذا تقرر ذلك، فإذا ادعى الإقباض وأطلق حلف أيضًا لاحتمال الإقباض في الحالة المذكورة، وهذا كله مع الإمكان.
أما إذا لم يمكن كما إذا ادعى إقباضه إياه وكان أحدهما ملازمًا للقاضي إلى تلك الحالة، فإنه لا يحلف.
فتلخص أنه يحلف لدعوى الإقباض عند الإمكان جزمًا، وأنه لا يحلف عند عدم إمكانه، وعليه يحمل ما نقله الرافعي عن "العدة"، ولا شك أن الإبراء ممكن في كل وقت لاستقلال الشخص به، وحينئذ فيحلف في الحالة التى يستحيل فيها الإقباض، فكذلك جزم به البغوي، فتلخص أن المذكورين لم يتواردا على محل واحد فليست المسألتان على وجهين.
قوله: فإذا نادى قاض من طرف ولايته قاضيًا آخر في طرف ولايته: أني سمعت البينة بكذا، أو جوزنا قاضيين في بلد فقال ذلك قاض لقاض هل للمقول له الحكم بذلك؟ بنى الإمام والغزالي ذلك على أن سماع البينة وإنهاء الحال إلى قاضٍ آخر هل هو نقل لشهادة الشهود كنقل الفروع شهادة الأصول أو حكم بقيام البينة؟ وفيه جوابان:
وجه الأول: أنه لو كان حكمًا، لم يفتقر إلى تسمية الشهود.
ووجه الثاني: أنه لو كان نقلًا، لم يكف ناقل واحد وقد اكتفينا بالقاضي المنهي.
فعلى الأول: لا يجوز للمقول له الحكم كما لا يجوز الحكم بشهادة الفروع مع خصوم الأصول، وعلى الثاني، يجوز كما في الحكم، وهذا أظهر عند الإمام والمصنف، لكن عامة الأصحاب منعوه. انتهى كلامه.
стр. 4342
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الغزالي من ترجيح الجواز قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، بل ذهب الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" إلى منع الحكم، وعبّر في "الوسيط" بقوله: إنه أظهر الوجهين، والذي أوقع الرافعي في ذلك إيهام وقع في "الوجيز"، فإنه لما حكى الوجهين في الجواز وبناهما على أنه هل [هو] (١) حكم أم لا؟ قال: الأظهر أنه حكم.
ولم يصحح في المبنى شيئًا، وكأنه لم يرض البناء أو صحح في المبنى خلاف المبنى عليه، وكثيرًا ما يفعلون ذلك.
وحينئذ فلا يكون "الوجيز" مخالفًا للكتابين المذكورين، ولا شك أن الرافعي لم يَطَّلع هنا على الكتابين المذكورين، إذ لو اطلع لم يترك التصحيح المصرح به إلى ما هو محتمل، بل كان يحمل المحتمل على ما لا يحتمل.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي من الجزم بأنه لابد من تسمية الشهود غريب، فإنه ذكر المسألة قبل هذا بدون الصفحة، ونقل وجوب التسمية عن الإمام والغزالي، ثم قال: والقياس وهو المفهوم من كلام البغوي: عدم الاشتراط.
قوله: [الثالث] (٢): إذا حضر قاضي بلد الغائب إلى بلد القاضي الذي حكم فأخبره، فهل يُمضيه إذا عاد إلى محل ولايته؟ إن قلنا: إن القاضي يقضي بعلم نفسه: أمضاه، وإن قلنا: لا، فعن بعضهم تجويزه أيضًا، والأصح: أنه لا يجوز. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية خلاف في الجواز إذا منعنا القضاء بالعلم لا وجه له ولا يعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم إنما هو الجزم بالمنع
стр. 4343
والذي أوقعه في ذلك إنما هو إيهام وقع في كلام "الوسيط"، فإنه عبّر بقوله: وإن لم نجوز القضاء بالعلم، فقد أطلق بعض الأصحاب جوازه، وقال الإمام: لا نجوز، ومراده بذلك أن بعض الأصحاب أطلق جوازه من غير تقييد بجواز القضاء بالعلم، والإمام نزل هذا المطلق على ما إذا جوزنا القضاء بالعلم. هذا معنى كلامه.
ويؤيده أن أصول "الوسيط" كلها وهي "تعليقة القاضي الحسين" و"النهاية" و"الوسيط" ذكروه كذلك، ولم يحك أحد منهم خلافًا، وقد تقدم في الخطبة أن أصول "الوسيط" أربعة: هذه الثلاثة و"الإبانة" للفوراني، ولم يتعرض لها الفوراني بالكلية.
قوله: فرع: في "الوسيط" أن القاضي إذا حكم بالحق وشافه به واليًا غير قاضي ليستوفي فله أن يستوفي في محل ولاية القاضي، وكذا خارجه على الصحيح؛ لأن سماع الوالي مشافهة كشهادة الشهود عند القاضي. انتهى كلامه.
وهذا الفرع قد ذكره الإمام في "النهاية"، فأخذه منه الغزالي ناقلًا له على غير وجهه فقلده فيه الرافعي، ثم إن النووي تبع الرافعي عليه وزاد فلم يسنده إلى الغزالي بالكلية فزاد الأمر فسادًا، فإن الإمام في "النهاية" قد قال في أثناء باب مكاتبة القاضي إلى القاضي ما نصه: فلو كتب إلى ذي ولايته وليس إليه القضاء، فلا يملك أيضًا استيفاء الحق من حيث إنه لا يتواصل إلا بسماع الشهادة، وسماعها من منصب القضاء كما تقدم، فلو وقف القاضي شرقي بغداد على طرف ولايته ونادى والي الغربي وليس قاضيًا: بأني قضيت على فلان ببينة أو إقرار فاستوف ذلك الحق منه، فالوجه عندنا: أنه لا يستوفي أيضًا، فإنه ليس إليه سماع قول القاضي كما ليس إليه سماع شهادة الشهود، ويتجه أن يستوفيه من جهة أن القضاة قد يستعينون بالولاة وينقدح في ذلك فرق: فإن القاضي إذا استعان بالولاة الذين في محل ولايته يتحتم على الولاة طاعتهم، لأن حكمه نافذ عليهم،
стр. 4344
وإذا كانت الولاة في غير ولايته فلا حكم له عليهم وإنما هو سماع وإبلاغ، وذلك الوالي ليس من أهل السماع. هذا كلامه.
وقد تلخص منه: أن المتجه عنده أنه لا يستوفيه الوالي الخارج عن ولايته، ثم بعد ذلك بين أن مقابله له وجه في الجملة، فقال: ويتجه أن يستوفيه، ثم إنه ضعف التوجيه المذكور بما أبداه من الفرق.
إذا علمت ذلك فلنذكر أيضًا عبارة "الوسيط" فإنها شارحة لما نقله عند الرافعي ودافعة لتوهم صحة ما قاله بعض الشارحين من أن الغزالي فرض المسألة في صورة غير [الصورة] (١) التي فرضها الإمام وموضحة لما ذكرنا من نقل كلام الإمام على غير وجهه، فنقول: قال الغزالي ما نصه: فإن شافهه الوالي جاز له الاستيفاء في بلدة هي من ولاية القاضي، فإن كانت خارجة عن ولايته ففي وجوب استيفائه نظر؛ لأنه لا ولاية له على تلك البقعة، ولكن الصحيح وجوبه، ثم قال: أما المشافهة فهو أقوى لكن بشرط أن يكون كل واحد منهما في محل ولايته، بأن يكونا قاضيي بلدة واحدة على العموم، أو شقي بلدة فيتناديان من الطرفين. هذه عبارته.
وهو ما نقله عنه الرافعي، ولا شك أن الرافعي لم يطلع هنا على كلام "النهاية"، إذ لو اطلع لم يقتصر على كلام "الوسيط" لاسيما مع مخالفته، وقد تلخص أن كلام "الوسيط" فيه هذه الوقفة، وكلام "النهاية" سالم عن الريبة ومتجه من جهة المعنى فليؤخذ به، وقد أطلق في "الروضة" تصحيح ما قاله الغزالي ولم يسنده إليه، وبالغ فعبر بالصحيح لا بالأصح، فوقع في خللين:
أحدهما: إيهامه أن المسألة فيها وجهان للأصحاب، مع أنه ليس فيها إلا احتمالان للإمام، والغزالي حكى في "البسيط" احتمالين من غير تصريح
стр. 4345
بترجيح، ثم إنه لخص ذلك في "الوسيط"، ورجح أيضًا فقال: ففي وجوب استيفائه نظر، لأنه لا ولاية له على تلك البقعة، ولكن الصحيح وجوبه لأن سماع الوالي بالمشافهة كسماع قاض آخر شهادة الشهود، هذه عبارة "الوسيط".
فعبر الرافعي بالصحيح كما عبر الغزالي وليس لهما فيه اصطلاح، فقد يكون ذلك من وجهين وقد يكون من احتمالين في المسألة، فأطلق النووي التصحيح ولم يعزه إلى الغزالي مع كونه قد اصطلح على ما اصطلح فلزم ما ذكرناه من الخلل.
الثاني: إيهامه أن هذا الترجيح -المنقول عن الغزالي المشتمل على ما ذكرناه من احتمال الغلط- من الأحكام المشهورة في المذهب المقررة بين أهل المسألة عندهم، وأن الخلاف فيها ضعيف.
قوله: قال -يعني في "الوسيط"-: ولا يكاتب القاضي وليًا غير قاضي؛ لأن الكتاب إنما يثبت بشهادة الشهود، ومنصب سماع البينة يختص بالقضاة.
نعم إن كان الوالي صالحًا للقضاء وجعل له النظر فيه بنفسه وفي تقليده من يراه فيجوز مكاتبته، نص عليه في "المختصر". انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم بأن سماع البينة يختص بالقضاة قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، ثم صحح بعد ذلك من "زوائده" خلافه ذكر ذلك قُبيل الباب الرابع في الشاهد واليمين وسأذكر لفظه هناك، وقد صرح بالمسألة بخصوصها جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" والفوراني في "الإبانة" ولنذكر لفظ الماوردي فإنه أبسط، فقال: يجوز أن يكتب إلى أمير البلد بما حكم به، ويجوز أن يكتب أيضًا إلى قاضيها، فإن كتب برفع يد عن عين: فالأمير أولى، وإن كتب باستيفاء دين فالقاضي: أولى لأن القاضي بإلزام الحقوق أخص، قال: ولا فرق في هذين القسمين