الأولين، بل قال الذي أورده الإمام منهما أنه يسقط هذا لفظه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع واضطرب فيها كلامه، وقد سبق إيضاح ذلك بحمد الله تعالى، في الباب الثالث من أبواب الرهن.
وأما الخلاف الثاني فمقتضى كلام الرافعي أنه يرجح تقديم المعاملة، لأنه رجحه قبل ذلك بقليل في القسمة عند الحجر ثم قال هنا: إن مقتضى ترجيحه هناك ترجيحه هنا أيضًا.
قال وقد رجحه الإمام.
قوله: وإذا كاتبا عبدًا فدفع إلى أحدهما حصته من مال المكاتبة برضى الآخر ففي صحة القبض قولان أصحهما على ما قاله الروياني في "الحلية" [لا يصح لأن حقه ثابت في ذمة المكاتب وما في يده ملكه فلا أثر للإذن فيه انتهى] (١) وما رجحه الروياني في "الحلية" قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة"، لكن صحح الماوردي والروياني في "البحر" أنه يصح.
قوله: في "الروضة" في المسألة المذكورة فإن قلنا يصح القبض، وكان القابض موسرًا قوم عليه نصيب الشريك، وهل يقوم في الحال أم عند العجز عن نصيب الآخر؟ فيه القولان السابقان، فيما إذا أعتق أحدهما نصيبه ثم قال عقب ما قلناه ما نصه: فإن قلنا يقوم في الحال فجميع ما في يد المكاتب [يكون] (٢) للشريك الآذن وما كسبه بعد ذلك يكون بين المكاتب والشريك الآذن لأن كسبه بنصفيه الحر والمكاتب انتهى.
وما ذكره تفريعًا على الضعيف وهو العتق في الحال، وأهمل التفريع على الصحيح وهو أنه لا يسري عليه إلا بعد العجز وانفساخ الكتابة.
стр. 4552
وإذا علمت ذلك، فالذي ذكره النووي هنا غلط وقع كذلك في أكثر نسخ الرافعي وأما قوله فإن قلنا بالتقويم في الحال فجميع ما في يد العبد يكون للشريك الآذن فهذا غير صحيح، بل له النصف خاصة بلا شك لأنه لا يملك إلا النصف، وقد انفسخت الكتابة فيه لما حكمناه بالسراية على شريكه كما تقدم إيضاحه في أوائل الباب الثاني، المعقود لأحكام الكتابة.
وأما النصف الآخر فيعتق عن الكتابة فيفوز المكاتب بنصف [أكسابه لأجل ذلك. ولو قيل بانفساخ الكتابة في النصف الآخر أيضًا] (١) لكان النصف الآخر من الأكساب يرجع إلى السيد المأذون له لا إلى الآذن.
وقد صرح صاحب "البحر" بما ذكرناه.
[وأما قوله] (٢): وما اكتسبه بعد [ذلك يكون بين المكاتب والشريك الآذن فغلط أيضًا لأنه ليس بعد] (٣) العتق في الحال إلا الحرية الكاملة، وما اكتسبه العبد بعد حريته الكاملة يكون له بلا شك.
وقد وقع في بعض نسخ الرافعي ذكر التفريع على القولين.
قوله: السادسة إذا كاتب عبيدًا وشرط أن يتكفل بعضهم عن بعض بالنجوم، فسدت الكتابة لأنه شرط فاسد، فإن ضمان النجوم غير صحيح. انتهى كلامه.
وهذا التعليل يقتضي أن مثل هذا الشرط لو وقع فيما يصح ضمانه، كالبيع ونحوه كان صحيحًا وليس كذلك، فإن اشتراط كفالة غيره له صحيح، وأما كفالته لغيره فلا لأنه شرط لا يقتضيه العبد.
قوله: في "الروضة": ولو أدى بعض المكاتبين قبل العتق عن بعض،
стр. 4553
فإن لم يعلم السيد أنه يؤدي عن غيره، فهو تبرع بغير إذن السيد، ثم قال: وإن علم الحال فهو كالتصريح بالإذن على الأصح. انتهى.
واعلم أن في تبرع المكاتب على السيد ثلاث طرق أصحها: أنه على الخلاف في التبرع بإذنه.
والثاني: لا يصح قطعًا، وإنما يكون كالتبرع بالإذن إذا وجد التصريح بالإذن، وهذه الطريقة نقلها الرافعي هنا عن اختيار البغوي.
والثالث: القطع بالصحة، ذكرها الرافعي في الكلام على التبرعات، وصرح أيضًا في "الروضة" بها هناك.
إذا علمت ذلك فكلام "الروضة" هنا لا يعلم منه هل مقابل الصحيح القطع بالصحة أو بالبطلان، لاسيما أنه لم يصرح بالمقاطعة بالبطلان، بل بالصحة كما أوضحته لك.
قوله: في المسألة: فإن صححنا الأداء رجع على المكاتب إن أدى بإذنه فإنه كان قد عتق فذاك، وإلا فيأخذه مما في يده، ويقدم على النجوم لأنه لا بدل له. انتهى.
وما ذكره من تقديم هذا الدين. قد تابعه عليه في "الروضة" وإطلاقه عجيب فقد تقدم قبل هذا بنحو ثلاث أوراق أن المكاتب له أن يقدم ما شاء من الديون، وأنه إنما يجب الترتيب المذكور، إذا حجر عليه الحاكم فاعلمه.
قوله: أيضًا فيها فإن لم يصح الأداء فلا رجوع للمؤدي على المؤدي عنه، ولكنه يسترد من السيد ما دفعه إليه، والسيد يطالب المؤدى عنه بما عليه، فإن حل نجم على المؤدي وقع في التقاضى فإن لم يسترد من السيد حتى أدى النجوم وعتق فالنص أنه لا يسترد حينئذ، ونص فيما إذا جنى السيد على مكاتبه فعفي عن الأرش الثابت له على السيد، وأبطلنا العفو بناء على رد
стр. 4554
تبرعاته ثم عتق، أن له أخذ الأرش فقال الأصحاب: فيها قولان:
أحدها: أنه لا يأخذ شيئًا لزوال المانع.
والثاني: يأخذ لأن أداءه وعفوه لم يصح وبنى الخلاف على القولين في تصرفات المفلس هل يبطلها أو يوقفها. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن أقوال التقاضى إنما تأتي على تقدير تلف المال عند السيد، لأن شرطها أن يكونا دينين، وكلام المصنف لا يقتضيه لاسيما تعبيره بالاسترداد.
الأمر الثاني: أن النووي قد أسقط المسألة مع كلام آخر قبلها من "الروضة" [وذلك لغلط وقع هنا في كثير من النسخ.
الثالث: أن هذا البناء يؤخذ من تصحيح القول الثاني. وقد أسقطه من "الروضة"] (١) وإسقاطه غريب.
قوله: والإقراض بإذن السيد جائز بلا خلاف. انتهى.
تبعه في "الروضة" على نفي الخلاف عنه، وليس كذلك فقد جزما بعد هذا في الحكم الثالث في الفصل المعقود للتبرعات بأن فيه القولين في سائر التبرعات.
[قوله: وإذا تحالفا] (٢) فتنفسخ الكتابة أو يفسخها الحاكم إن لم يتراضيا على شيء؟ فيه ما سبق في البيع والظاهر الثاني.
واعلم أن الصحيح على ما سبق من كلامه في البيع وجه ثالث وهو أنه يفسخ أحد المتعاقدين أو الحاكم.
стр. 4555
قوله: ولو قال السيد كاتبتك على نجم واحد فقال بل على نجمين فقال البغوي: صدق السيد بيمينه، لأنه يدعي فساد العقد. انتهى.
واعلم أن البغوي يرى أن القول في العقود قول مدعي فسادها، كما صرح به الرافعي في غير هذا الموضع. واقتضاه نقله هاهنا، ورأيته أيضًا في "فتاويه" في كتاب النكاح فلأجل ذلك أجاب به في هذه المسألة والصحيح تصديق مدعي الصحة، فيكون هنا كذلك أيضًا.
وقد أشار في "الروضة" إلى هذا التخريج.
قوله: الرابعة إذا كاتب عبدين في صفقتين أو في صفقة وجوزناها، ثم أقر أنه استوفى نجوم أحدهما أو أبرأه، ولم يتذكره قال الروياني حلف لهما إذا ادعياه، وحينئذ فقيل يبقيان على الكتابة، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء النجوم وقيل تتحول الدعوى إلى المكاتبين فإن حلفا على الأداء أو نكلا بقيا على الكتابة.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم بعتق الحالف، وبقي الناكل على الكتابة. انتهى.
والصحيح هو الوجه الأول، فقد نص عليه الشافعي في "الأم".
قوله في "الروضة": فإن قال الوارث لا أعلم من أدى منكما، وحلف لكل منهما على نفي العلم ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يستوفى من كل واحد منهما ما عليه كدين غير الكتابة.
والثاني: يقرع بينهما، وهو الأصح.
ولو ادعى أحد المكاتبين على الوارث الأداء أو الإبراء، فأنكر حصل بإنكاره الإقرار للأخر قاله الصيدلاني. انتهى.
لم يصحح الرافعي في "الشرحين" شيئًا من الوجهين، وإنما نقله فيهما
стр. 4556
عن تصحيح الروياني قال في "الروضة"، وما قاله الصيدلاني محله ما إذا قال في إنكاره لست المؤدي.
أما إذا قال لا أعلم ونحوه، فليس مقرًا للآخر بلا شك.
والذي قاله واضح.
قوله: في "الروضة" ولو كاتبه على ألف درهم ووضع عنده من الدراهم ما يقابل عشرة دنانير، وهو مجهول عندهما ففي صحته وجهان، بناء على الخلاف في ما لو أوصى بالزيادة على الثلث، وأجاز الوارث وهو جاهل بالزيادة.
ففي وجه لا يصح ويحمل على أقل ما يتيقن. انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه غلط سببه نقص من بعض النسخ السقيمة، وصوابه ففي وجه لا يصح وفي وجه يصح ويحمل على [أقل] (١) ما يتيقن.
стр. 4557
الحكم الثالث: في تصرفات السيد في المكاتب وفي تصرفات المكاتب
قوله: والجديد أنه لا يجوز بيع رقبة المكاتب، وأجابوا عن قضية بريرة بأنها عجزت نفسها ثم اشترتها. انتهى.
وامتناع البيع محله إذا لم يرض المكاتب بالبيع فإن رضي جاز وكان رضاه فسخًا.
كذا نقله البيهقي في كتاب البيع من "السنن الكبير"، عن نص الشافعي وذكرها أيضًا القاضي الحسين في تعليقه، وهي مسألة حسنة.
قوله: أما الوصية بالمكاتب فهي جائزة على القول القديم الذي يجوز فيه البيع إلى آخر المسألة.
وهذه المسألة قد وقع فيها اضطراب عجيب سبق التنبيه عليه، وعلى ما عليه الفتوى واضحًا مفصلًا في كتاب الوصية فراجعه.
قوله: ولا يجوز للسيد أن يبيع نجوم الكتابة على المذهب، لأنه بيع للدين من غير من عليه ولا أن يستبدل بها في أظهر الوجهين. انتهى.
وما ذكره من امتناع بيع الدين، فقد اختلف فيه كلامه وقد تقدم مبسوطًا في كتاب البيع، وأما منعه للاستدلال فقد خالفه في الباب الثاني من كتاب الشفعة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
والصواب جوازه، فقد نص عليه الشافعي في "الأم" في باب [قطاعة] المكاتب.
فقال ما نصه: ولو حلت نجومه كلها وهي دنانير"، فأراد أن يأخذ بها منه دراهم أو عرضًا يتراضيان ويقبضه السيد قبل أن يتفرقا، كان جائزًا،
стр. 4558
كما لو كانت له على رجل حُر دنانير حالة فأخذ بها منه عرضًا هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته.
ورأيت أيضًا في "البويطي" ما يدل عليه فإنه قال: ولو كاتب رجل عبده بعشرة دنانير وللعبد على السيد مائة درهم فأراد أن يسقط بعضه عن بعض لم يجز لأنه دين بدين.
ولأن حديث ابن عمر إنما كان أحدهما دينًا والآخر نقدًا. انتهى.
فتعليله المنع بكونه دينًا بدين يدل على الجواز فيما عداه، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" على [كيفية هي أشد مما وقع هنا فإنه عبر في الكتابة بالصحيح فاقتضى] (١) أن الجواز وجه ضعيف.
قوله: وإذا ثبت لكل [واحد] (٢) منهما على صاحبه دين فإن كانا نقدين واتفقا في الحلول وسائر الصفات ففيه أقوال:
أحدها: لا تقاض وإن رضيا به لأنه بيع دين بدين.
والثانى: يجوز برضى أحدهما.
والثالث: برضاهما.
والرابع: وهو المشهور كما قاله أبو الفرج الزاز أنه يحصل بمجرد ثبوت الدين. فلو تراضيا على جعل الحال قصاصًا بالمؤجل لم يجز كما في الحوالة، وحكى أبو الفرج فيهما وجهًا آخر. انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه وجهًا واقتضى كلامه غرابته، وتابعه عليه في "الروضة" هو مذهب الشافعي، فقد نص عليه في "الأم" في باب الجناية على المكاتب بعد ورقة من أوله في الكلام على جناية السيد عليه.
стр. 4559
ولأجل ذلك قال البندنيجي: إن الأصحاب في ذلك مخالفون منصوص الشافعي لا عن قصد ولكن لقلة نظرهم في كتبه.
قوله: ولو كانا مؤجلين بأجل واحد فقد قيل هو كما لو كانا حالين، وهذا أوجه عند الإمام لكنه تردد في مجيء القول الرابع وقال في "التهذيب": والصحيح أنهما كالمؤجلين بأجلين مختلفين. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وما ذكره الإمام من التوقف في مجيء الرابع وهو السقوط بمجرد الثبوت، وتابعه الرافعي والنووي عليه، واقتضى كلامهما عدم الوقوف عليه قد صرح به القاضي الحسين في تعليقه فقال: لا خلاف أنه لا يقع التقاضي بنفس التواجب ولكن لو تراضيا على ذلك يجوز هذا لفظه بحروفه، وحاصله أنهما يسقطان بالتراضي لا بالثبوت بلا خلاف ثم علله بعد ذلك بأسطر، فقال: لأنه ربما يموت أحدهما فيحل الحق عليه دون الآخر.
قوله: وإن لم يكونا نقدين فعن صاحب "التقريب" أنا إن جوزناه في النقدين ففي ذوات الأمثال وجهان، فإن جوزناه فيها ففي غيرها وجهان، والذي أورده العراقيون وغيرهم أن التقاضي لا يجري في غير النقدين. انتهى.
والمثليات قد نص عليها الشافعي ﵁ وحكم فيها في التقاضي.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي جريان الخلاف في العروض المسلم فيها، مع أنه ليس كذلك بلا خلاف لامتناع الاعتياض عنها، كذا صرح به القاضي الحسين والماوردي ونص عليه الشافعي.
قوله: وهل للموصي له بالنجوم إبراؤه [عنها] (١) أبدى ابن كج فيه
стр. 4560
احتمالين ويرويان عن القاضي الحسين.
أحدهما: نعم لأنه يملك الاستيفاء فيملك الإبراء.
والثاني: لا لأنه ملكه استيفاء النجوم ولم يملكه تفويت الرقبة على الورثة انتهى.
لم يرجح في "الروضة" شيئًا منهما أيضًا والراجح الصحة، فقد جزم به ابن الصباغ وصححه القاضي الحسين في تعليقه وعبر بلفظ الأصح.
قوله: ولو قال ضعوا عنه أكثر ما عليه أو أكثر ما بقى عليه وضع [عنه نصف ما عليه وزيادة وتقدير الزيادة إلى اختيار] (١) الوارث، ثم قال عقب هذا الكلام ما نصه: وذكر الصيدلاني أنه إذا كانت الزيادة فوق الأقل المجزيء فما زاد على ما يجزئ ابتداء عطية من قبل الوارث لأن اللفظ يتناول القليل والكثير.
قال الإمام: وهذا عندي مأخوذ عليه بل هو تفضل منهما، ألا ترى أنهم لو اقتصروا على الأقل المجزئ لم يجز أن يقال أنهم نقصوا من الوصية. انتهى كلامه.
وهو غلط وقع في النسخ فإن حاصله اتحاد مقالة الإمام والصيدلاني وقد ذكر الإمام المسألة على الصواب، فنقل عن الصيدلاني أن الزائد يكون وصية لا ابتداء عطية من الورثة، ثم إنه خالفه بعد ذلك، فإنه قال: فقال الصيدلاني: كل ما يضعونه محمول على الوصية، ولا يكون ذلك منهم ابتداء تبرع، فإن اسم الأكثر كما يمكن تنزيله على النصف، وأدنى زيادة فهو محتمل لما يزيد ولهم أن يحملوا اللفظ على محتملاته والذي ذكره مأخوذ عليه، بل ما يزيد على الأقل تفضل منهم إذ لو اقتصروا عليه لقيل
стр. 4561
إنهم لم ينقصوا من الوصية شيئًا، وهذا الذي ذكرناه يجري في كل وصية لا يتقدر بمقدار، فظهر بذلك إسقاط وقع في النسخ وكأن الأصل فما زاد على ما يجري مجرى على الوصية، وليس ابتداء عطية إلى آخره.
فسقط ذلك [ولما التبس ذلك على الشيخ محيي الدين أسقط المسألة بالكلية] (١) ولو راجع "النهاية" لظهر له الأمر، وكان أسهل، ولم يتقدم للمسألة ذكر في كلامه في الوصية أيضًا.
قوله: ولو قال ضعوا عنه أكثر ما عليه أو أكثر ما بقي عليه ومثل نصفه يوضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه وزيادة شيء ولو قال أكثر مما عليه أو ما عليه وأكثر وضع عنه الكل، ولغي ذكر الزيادة. انتهى كلامه.
واعلم أن لفظة أكثر الواقعة في المسألة الأولى، لم يقع بعدها "من" التي هي حرف جر بخلاف الواقعة في المسألة الثانية.
إذا علمت ذلك فقد سقطت المسألة الأولى من "الروضة" وسببه سقط وقع في كثير من نسخ الرافعي من لفظ أكثر إلى أكثر فوقعت للنووي نسخة من تلك النسخ السقيمة فاختصر منها، وهذه المسألة التى أسقطها نص عليها الشافعي فقال: يوضع عنه أكثر من النصف بما شاؤوا أو مثل نصفه، ومقتضاه أن يحط عنه النصف وشيء ويضعهما جميعًا، كذا قاله الماوردي والروياني فإذا كانت ألف درهم فاختار الوارث أن تكون الزيادة مثلًا درهمًا فوضع عنه خمسمائة درهم، ثم يوضع نصف ذلك وهو مائتان وخمسون ونصف، فالجملة سبعمائة وخمسون درهما ونصف، وقال جماعة: إن الضمير في قول الشافعي ونصفه راجع إلى النصف خاصة فلا يزاد نصف الدرهم المذكور بل لو اقتصر على سبعمائة وخمسين مع زيادة شيء يسير
стр. 4562
كفى وهو الذي جزم به الرافعي.
قوله: وإن قال ضعوا عنه أوسط النجوم فتساوت النجوم في القدر والأجل حملت على العدد، فإن كان العدد [وترًا كالثلاثة والخمسة فالأوسط واحد وإن كان] (١) شفعًا، فالأوسط اثنان، كالثاني والثالث من أربعة فيعين الوارث أحدهما هكذا أطلق ابن الصباغ وغيره.
ويجوز أن يقال الأوسط كلاهما، فيوضعان وهذا مقتضى ما في "التهذيب". انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره ابن الصباغ هو مذهب الشافعي ﵁ فقد نص عليه في "الأم" في باب الوصية للمكاتب في الكلام على الوصية له بأوسط النجوم.
الأمر الثاني: أنه قد تقدم من كلامه في أول العتق ما يخالف المذكور هنا وتقدم التنبيه عليه هناك فراجعه.
قوله: في "الروضة" ولو قال كاتبوا أحد عبيدى أو إحدى إمائى ففي مكاتبة الخنثى الذي ظهر حاله طريقان:
المذهب: نعم.
والثاني: قولان لبعده عن الفهم، ولو قال أحد رقيقي جاز العبد والأمة، وكذا الخنثى على المشهور. انتهى.
وما جزم به في المسألة الأخيرة من كون المسألة ذات قولين خلاف ما صححه الرافعي فإنه حكى طريقين:
إحداهما: قولان.
стр. 4563
والثانية: القطع بالإجزاء وصححها. إلا أن تعبير الرافعي فيه قلق وغموض فلذلك حصل في "الروضة" ما حصل، ثم إن إجزاء الخنثى في الوصية بالرقيق أظهر منه في الوصية بالعبد أو الأمة يتصور الجزم بإثبات الخلاف في الرقيق وتصحيح الطريقة الثانية له في مسألة العبد والأمة.
واعلم أن الرافعي في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية قد جزم في المسألتين جميعًا بوجهين على خلاف ما صححه هنا من القطع، وخلاف ما جزم به من كون الخلاف عند مثبته قولين، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: الثالثة لا يشتري أحد من أصوله وفروعه ليضمنه العتق، وفوات المال. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا التعليل أيضًا، وهو غير صحيح، فإن القريب إذا دخل في ملكه بلا عوض كما لو ورثه أو اتهبه فإنه لا يعتق عليه بل يوقف عتقه على عتقه، فلم يصر بملكه مقتضيًا لعتقه، والصواب في تعليله ما نقله عن الإمام بعد هذا بأوراق في آخر الحكم الرابع فقال في الكلام على امتناع فدائه: والفداء كالشراء وليس له صرف المال الذي يملك التصرف فيه إلى عرض ولده الذي لا يملك التصرف فيه، فإنه بمثابة التبرع.
قوله: ولا يبيع بالنسيئة سواء باع بمثل قيمته أو أكثر، وسواء استوثق بالرهن أو الكفيل أو لا، لأن الكفيل قد يفلس والرهن قد يتلف، ويحكم الحاكم المرفوع إليه بسقوط الدين، ولو اشترى نسيئة بثمن النقد يجوز، ولا يرهن فإنه قد يتلف، ثم قال: وفرقوا بين المكاتب والولي حيث يبيع مال الطفل نسيئة ويرهن ويرتهن للحاجة أو المصلحة الظاهرة. بأن المرعي هناك مصلحة الطفل، والولي منصوب لينظر له.
وهاهنا المطلوب العتق والمرعي مصلحة السيد والمكاتب غير منصوب
стр. 4564
لينظر له، وقد ذكرنا في كتاب الرهن أن بعضهم سوى بينه وبين الولي في البيع نسيئة وفي الرهن والارتهان، لكن الذي أطبق عليه عامة الأصحاب، وأورده هنا المنع ويشبه أن يتوسط فيقال: إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن كما في وقت النهب فله ذلك حفظًا للمال، وإن كان يرى فيه مصلحة، لم يكن منه، لأنه ليس ناظرًا للسيد. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من منع الرهن والارتهان ومنع البيع بالنسيئة، قد خالفه في كتاب الرهن.
وصحح الجواز في المسألتين، وأن حكمه كحكم الولي، وتبعه في "الروضة" على الموضعين وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإذا باع أو اشترى لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض لأن رفع اليد عن المال بلا عوض نوع غرر. انتهى.
وهذا الذي أطلقه، قيده ابن الرفعة بما إذا كان العوض في غير المجلس، وجزم فيما إذا كان في المجلس بالجواز ثمنًا كان أو مثمنًا، وعلله بقوله لأن ذلك يعسر ضبطه.
قوله: في "الروضة": والجمهور على أن في خلع المكاتبة بالإذن قولين أظهرهما الصحة. انتهى.
وما ذكره هنا من تصحيح الصحة، قد خالفه في كتاب الخلع وقد سبق ذكر لفظه هناك وأن الصواب ما ذكره في هذا الموضع.
قوله: وإعتاق المكاتب بإذن السيد غير نافذ في أصح القولين، لأن المكاتب ليس أهلًا للولاء.
ونص الشافعي والأصحاب على أن الكتابة كالإعتاق، وللإمام في ذلك احتمالان من غير ترجيح. انتهى.
стр. 4565
ذكر في "الشرح الصغير" ما حاصله الجواز. فقال:
وفي الإعتاق طريقان:
أظهرهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بالمنع، هذا لفظه ولم يذكر غيره.
وقد صحح النووي أيضًا في "الروضة" و"المنهاج" أنه لا يجوز، وصحح في "تصحيح التنبيه" الجواز فإن الشيخ حكى قولين في مسائل كثيرة منها العتق والكتابة فصحح -أعني النووي- في كلها أنه يجوز، فقال ما نصه: وصحة تبرعات المكاتب بإذن.
قوله: فإن قلنا بنفوذ العتق، ففي قول ولاؤه للسيد والأظهر: أنه موقوف، فإن عتق كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، وإن عجز ورق فحكى الإمام أنه يبقى التوقف لأنه يرتقب عتقه من وجوه أخر.
واعترض عليه بأن الكتابة قد انقطعت والعتق من وجه آخر لا يتعلق بما سبق والذي اعترض به هو الذي يوجد لعامة الأصحاب لا غير. انتهى.
وما نقله عن الأصحاب لا غير قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله قطع به الأصحاب، لكن الذي ذكره الإمام، قد أبداه القاضي الحسين في تعليقه احتمالًا.
قوله: [فلو مات] (١) المعتق قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق فالميراث موقوف أيضًا، وفي قول: إنه للسيد، لأن الولاء قد يثبت الشخص ثم ينتقل عنه، فلا يبعد فيه التوقف بخلاف الميراث، وفي قول ثالث: إنه لبيت المال: كما إذا كاتب الذمي عبدًا ولحق بدار الحرب فاسترق وعتق مكاتبه ومات، صرف ماله لبيت المال. انتهى.
стр. 4566
وتعبيره في أول الكلام بقوله قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق، قد ذكره أيضًا في "الروضة" وهو تحريف، وصوابه قبل عتق المكاتب، فإن ذلك بيان لما أخبر عنه قبل ذلك، بقوله: فإن عتق المكاتب كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، فذكر هنا الحكم فيما إذا مات قبل الأمرين.
ولهذا عبر في "المهذب" بقوله قبل عجز المكاتب أو عتقه.
قوله: وإذا أذن السيد للمكاتب في وطء الجارية وتسريها، فقد بني ذلك على أن العبد هل يملك بالتمليك؟ إن قلنا لا، لم يحل له الوطء ولا التسري وهو الأصح.
وإن قلنا: نعم فقيل يحل، وقيل ينبني على الخلاف في تبرعاته بالإذن.
وعن ابن أبي هريرة طريقة قاطعة بالمنع لضعف الملك. انتهى كلامه.
وحاصله تصحيح المنع، ولهذا عبر عنه في "الروضة" بقوله المذهب منعه، وذكر قبيل كتاب الصداق بأوراق قلائل ما يخالفه فقال في الكلام على تزويج العبد: إن فيه قولين مبنيين على الخلاف في تبرعاته. انتهى.
وعبر في "الروضة" عنه بقوله فيه القولان في تبرعاته، وهو أظهر في المخالفة وذكرها أيضًا في "زوائده"، في آخر باب معاملات العبد، وعبر بمثل ما عبر في النكاح.
والصواب المنع، فقد نص عليه الشافعي فقال في البويطي في باب الكتابة ولا يتسري المملوك ولا المكاتب وإن أذن له سيده، وقال في "الأم" في أول باب تسري المكاتب ما نصه: قال الشافعي وليس للمكاتب أن يتسرى بإذن سيده ولا بغير إذن سيده.
وذكر أيضًا مثله في باب ما اكتسب المكاتب فقال: وليس للمكاتب أن
стр. 4567
يتسرى وإن أذن له سيده. انتهى ومن "البويطي" و"الأم" نقلت.
وليس المنع في التسري لكون الشافعي يمنع المحاباة، بل منع ذلك مع التصريح بجواز غيره من التبرعات كما صرح به في "الأم" في مواضع من باب بيع المكاتب وشرائه فاعلمه.
وما ذكره الرافعي هنا من البناء على أن العبد هل يملك أم لا؟ قد ذكره أيضًا في مواضع ومقتضاه الخلاف في أن المكاتب هل يملك؟ وقد صرح به غيره، وحذف النووي البناء المذكور.
قوله: ولو أذن له في التكفير بالإطعام أو بالكسوة ففيه قولان. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا والصحيح هو الجواز.
ممن صححه النووي في "تصحيح التنبيه" فإن الشيخ حكى فيه وفي غيره قولين من غير ترجيح، فعبر النووي بلفظ جامع للكل، وحكم عليه بالصحة، وصرح بتصحيحه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية"، وعبر بالأصح.
قوله: ولو أذن في التكفير بالإعتاق [وصححنا إعتاقه بالإذن وتوقفنا في الولاء فنتوقف في الإجزاء أيضًا فإن عجز بان أنه لم يجزئه وعليه أن يكفر بالصوم والظاهر أنه لا يجوز تكفيره بالإعتاق] (١)، وعن القفال أنه إذا عتق بإذن السيد، وجعلنا الولاء للسيد فينبغي أن يجزئ عن كفارته إذا نوى. انتهى كلامه.
واعلم أنه قد سبق في آخر الباب الثاني من كتاب الأيمان ما يخالف المذكور هنا فنقل ما حاصله، أنا إذا صححنا العتق بإذنه أجزأ التكفير مطلقًا، سواء قلنا الولاء له أو للسيد أو موقوف.
стр. 4568
واعلم أن حاصل ما ذكره الرافعي في تكفير المكاتب بالإعتاق ثلاثة أقوال:
الأول: عدم الإجزاء مطلقًا وهو الصحيح.
والثاني: الإجزاء.
والثالث: الوقف، وقد اختصره في "الروضة" بعبارة لا يعلم منها الثالث، فقال: لم يجزئه على المذهب، هذا لفظه من غير زيادة.
قوله: ولو اشترى المكاتب بعض من يعتق على سيده أو اتهبه وقبل الوصية، ثم رق عتق ذلك الشقص على السيد، وهل يسرى إلى الباقي؟ إن كان موسرًا ينظر إن عجز المكاتب نفسه بغير اختيار عجزه السيد فوجهان لأن المقصود فسخ الكتابة والملك يحصل قهرًا. انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" أيضًا شيئًا من الوجهين، والصحيح أنه لا يسري كذا رجحه الرافعي في العتق في الكلام على الشرط الثاني من شروط السراية وهو الاختيار. فقال: أشبههما لا، ويحكى عن ابن الحداد هذا لفظه، وقال في "الروضة" هناك: إنه الأصح.
قوله: ولو اتهب العبد القني بعض من يعتق على السيد بغير إذنه وقلنا بالصحيح أنه يصح اتهابه بغير إذن سيده. ولم يتعلق به لزوم النفقة، ففي صحة القبول قولان:
أحدهما: لا يصح لأنه يعتق عليه ذلك البعض ويسري. وفي التقويم على السيد إضرار به.
وأظهرهما: أنه يصح ولا يسرى لحصول الملك بغير اختياره كما لو ورث.
ثم قال: وفي "الوسيط" وجه آخر أنه يصح ويعتق ويسري ويجعل
стр. 4569
اختيار العبد كاختياره، كما يجعل قوله كقبوله ولم أجد هذا الوجه في "النهاية". انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تضعيف عدم السراية حتى أنه أنكره ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" بعبارة هي أبلغ في الإنكار مما ذكره هنا فقال: والذي حكاه الغزالي لا ذكر له في "الوسيط" ولا في غيره هذا لفظه، والذي قاله غريب جدًا، فقد جزم هو في كتاب العتق بما أنكره هنا، فقال في آخر الخاصة الثانية من خواصه: ولو وهب من العبد بعض من يعتق على سيده فقيل: وقلنا: لا يفتقر قبوله إلى إذن السيد، عتق الموهوب على السيد وسري لأن قبول العبد كقبوله شرعًا هذا لفظه بحروفه، ووقع هذا الاختلاف العجيب في "الروضة" أيضًا، غير أنه لما ذكر ما في العتق استشكله فقط، فقال: قلت هذا مشكل، وينبغي أن لا يسري لأنه قهري كالإرث والله أعلم.
واقتصر في "الشرح الصغير" على ذكر المسألة في هذا الباب.
قوله: في "الروضة": فرع: وهب للمكاتب بعض أبيه فقبله وصححنا قبوله فعتق المكاتب عتق عليه ذلك الشقص.
فهل يقوم عليه الباقي؟ إن كان موسرًا وجهان: أصحهما نعم قاله ابن الحداد، وصححه الشيخ أبو علي ومنع القفال. انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا وإنما نقله عن تصحيح الشيخ أبي علي.
قوله: أيضًا فيها: فرع: اشترى المكاتب ابن سيد. ثم باعه بأبي السيد صح وملك الأب فإن رق المكاتب صار الأب ملكًا للسيد، وعتق عليه وإن وجد به عيبًا لم يكن له الرد، وله الأرش، وهو جزء من الثمن، فإن نقص العيب عشر قيمة الأب، رجع بعشر الابن الذي هو الثمن ويعتق ذلك العشر، ولا يقوم الباقي على السيد إن كان المكاتب عجز نفسه، وكذا إن عجزه
стр. 4570
سيده على الأصح. انتهى.
وهذا التصحيح إنما نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي فقط كالمسألة قبلها ثم نقل بعده عن الإمام وجهين في أن الأرش هل ينقلب إليه قهرًا أم لا يملكه إلا بالاختيار؟ فإن قلنا بالأول ففيه وجهان، وإن قلنا بالثاني فالظاهر السراية هذا كلامه.
قوله فيها: فلو وطء المكاتب جاريته فولدت قبل عتقه، فالولد نسيب يتوقف عتقه، على عتق أبيه، ولا تصير الأمة مستولدة في الحال على المذهب، فإن عتق ففي مصيرها أم ولد قولان، ثم قال: وإن ولدته بعد عتقه فإن كان لدون ستة أشهر كان كما لو ولدته قبل العتق، وإن كان لستة أشهر فأكثر من يومئذ، فقد أطلق الشافعي ﵀ أنها تصير مستولدة.
وللأصحاب طريقان أصحهما أن هذا إذا وطيء بعد الحرية، وولدت لستة أشهر فصاعدًا من حين الوطء لظهور العلوق بعد الحرية.
والولد والحالة هذه لا ولاء عليه إلا بالولاء على أبيه، ولا ينظر إلى احتمال العلوق في الرق تغليبًا للحرية، فأما إذا لم يطأها بعد الحرية فالاستيلاد على الخلاف.
والثاني: يثبت الاستيلاد وطء بعد الحرية أم لا لأنها كانت فراشًا قبل الحرية والفراش مستدام بعدها، وإمكان العلوق بعدها قائم فيكتفي به. انتهى كلامه.
أما القولان المذكوران في الاستيلاد من غير ترجيح، فالصحيح منهما عدم الثبوت فإنه صحح ذلك في "المحرر" و"المنهاج" ولم يفصل بين ما قبل العتق وما بعده وهو مقتضى كلام الرافعي في "الشرحين" لمن تأمله، وأما التصحيح الذي ذكره في الطريقين المذكورين بعد ذلك فليس للرافعي، إنما نقله عن البغوي خاصة.
стр. 4571
الحكم الرابع: في ولد المكاتبة
قوله: وولد المكاتبة من نكاح أو زنا يثبت له حكم الكتابة. وفي قول لا.
فعلى الأول يكون الملك فيه للسيد في أظهر القولين لكن يوقف كسبه، وأرش الجناية عليه فإن عجزت الأم فأرادت أن تأخذ من كسب ولدها المرقوق، وتستعين به في أداء النجوم فهل تجاب؟ قولان أظهرهما المنع. انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا من القولين، وإنما نقله عن تصحيح الإمام.
قوله: وأما ولد المكاتب من جاريته فملك للمكاتب يتكاتب عليه، وإذا عتق وكان له كسب كان للمكاتب لا للولد، ولو جنى هذا الولد، وتعلق الأرش برقبته فقد حكى الإمام عن العراقيين أنه إن كان له كسب فله أن يفديه، وإن لم يكن له كسب وأراد أن يتبعه فله أن يتبع جميعه، وإن زاد على قدر الأرش ثم يصرف قدر الأرش إلى المجني عليه، ويأخذ الباقي ثم غلط من صار إليه، وقال: الصحيح أنه لا يفدي ولده وأن يفديه من كسبه لأن كسب الولد كسائر أموال الكتابة والفداء كالشراء، وليس له صرف المال الذي يملك التصرف فيه إلى عرض ولده. الذي لا يملك فيه التصرف، فإنه بمثابة التبرع. قال: والصحيح أنه إذا باع لا يتبع منه إلا قدر الأرش كالمرهون. انتهى كلامه.
فأما فداء الولد فالصحيح فيه المنع كما قاله الإمام. كذا جزم به الرافعي قبل هذا بأوراق في الفصل المعقود لتصرفات المكاتب في الكلام على شراء القريب.
стр. 4572
وأما الذي قاله ثانيًا وهو أنه لا يتبع إلا قدر الأرش فإنه الصحيح أيضًا، نص عليه الشافعي في "الجامع الكبير" كذا نقله العمراني في "الزوائد" وحكى عن الشيخ أبي حامد وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الأرش لا يتعلق برقبته ولا يباع لأن الشرع قد منع من بيع الآباء والأبناء وجزم في "الشامل" أيضًا بأنا إنما نبيع الجميع عند تعذر بيع البعض.
وقد علمت بما ذكرناه أن إطلاق الإمام النقل عن العراقيين غير مستقيم، وقد تفطن له الرافعي بعد ذلك في أثناء الحكم الخامس فاستدرك على الإمام فقال: ولا يوجد هذا في كتبهم على هذا الإطلاق لكن قالوا يباع منه بقدر الأرش، فإن لم يتيسر بيع كله، وأدى من ثمنه الأرش والفاضل للسيد هذا كلامه.
واعلم أن قول الرافعي أنه يتكاتب عليه مع ما ذكره في الكسب من كونه للمكاتب لا للولد لا يستقيم.
قوله: في "الروضة" في المسألة: فإذا فداه لا ينفذ تصرفه بل يتكاتب عليه كما لا ينفذ إذا اشتراه. انتهى كلامه.
وهو عجيب من وجوه، منها أنه قد سبق ذكره قبل هذا بأحرف.
ومنها أنه عقبه بكلام الإمام والإمام مانع للفداء، فتأمل كلام "الروضة" يظهر لك خلله واضحًا، فإنه يظهر بتذكر جملة كلامه، ولولا خشية الإطالة لذكرته لكن فيما ذكرته تنبيه عليه، والسبب في ما وقع فيه النووي أن الغزالي في "الوجيز" ذكره تعليلًا لمنع الفداء، وتوجيهًا في إلحاقه بالشراء فتكلم الرافعي عليه عقب فراغ المسألة على عادته في ألفاظ "الوجيز" فظن المصنف أنها مسألة لم تتقدم فنص عليها فوقع في الخلل.
стр. 4573
قوله: وولد المكاتبة من عبدها يشبه أن يكون كولد المكاتب من جاريته وأولاد [أولاد] (١) المكاتبة كأولادها، انتهى كلامه.
والمسألة الأخيرة وهي الكلام على أولاد الأولاد، قد أسقطها النووي من "الروضة" وذلك لأن كثيرًا من نسخ الرافعي قد سقط منها لفظ أولاد من قوله أولاد أولاد فوقعت تلك النسخة للنووي فرأى الكلام غير منتظم فأسقطه.
قوله: والأمة المشتركة إذا كاتبها المالكان ثم وطئها أحدهما، وهو معسر فحبلت منه ومات الواطء بعد فسخ الكتابة عتق النصف والباقي قن، وفي الولد وجهان. قال ابن أبي هريرة: ينعقد كله حرًا، وقال أبو إسحاق نصفه حر ونصفه رقيق، وفي "التهذيب" أن هذا أصح، انتهى.
وهذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي وكلام "الروضة" من وجهين أحدهما في أن الخلاف وجهان أو قولان، والثاني في الأصح من الخلاف، وقد أوضحت الأمرين في كتاب السير.
قوله: في المسألة في "الروضة" وإن كان موسرًا سرى الاستيلاد بعد عجز المكاتب نفسه وفي قول في الحال فعلى هذا يجب على الواطيء للشريك نصف مهرها، ونصف قيمتها، وأما قيمة نصف الولد ففي وجوبه قولان. انتهى.
واعلم أن تعبيره في الأم بنصف القيمة وفي الولد بقيمة النصف غير مستقيم بل الصواب التسوية بينهما في التعبير، وقد عبر الرافعى فيهما بنصف القيمة فعدل المصنف عنه في أحدهما دون الآخر وهو غريب.
وقد تقدم ذكر المسألة أيضًا في العتق في آخر الكلام على السراية، وتقدم أيضًا هناك الفرق بين العبارتين.
стр. 4574
قوله: أيضًا في المسألة فلو وطئاها معًا وأتت بولدين واتفقا على أن هذا من ذا وذاك من ذلك، واتفقا على السابق منهما نظر، إن كانا موسرين أو الأول فقط صارت مستولدة للأول.
ثم قال: وأما الثاني فإن وطئها بعدما صار جميعها مستولدًا للأول.
وهو عالم بالحال لزمه الحد وولده رقيق وإن كان جاهلًا، فالولد حر وعليه تمام قيمة الولد يوم الوضع، ويكون جميعها للأول إن ارتفعت الكتابة في نصيبه، وإن بقيت فنصف المهر له ونصفه للمكاتبة.
ونصف قيمة الولد ونصفها على الخلاف في ولد المكاتبة، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره بالنسبة إلى قيمة الولد كلام ناقص، وكأنه سقط منه لفظة واحدة وهي له، ويكون أصله ونصف قيمة الولد له ونصفها على الخلاف.
وقد اشتبه ذلك على النووي فحذف النصف الثاني فقال: ونصف قيمة الولد على الخلاف، هذا لفظه وهو غريب حيث تكلم على نصف دون نصف.
стр. 4575
الحكم الخامس: في جناية المكاتب والجناية عليه
قوله: أحدها إذا جنى المكاتب على أجنبي فطولب بالأرش فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والقديم أنه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ فإن لم يكن في يده مال بيع في الجناية ولو أعتقه السيد، أو أبرأه من النجوم لزمه الفداء لأنه فوت متعلق حق المجني عليه، ثم قال: وبم يفديه السيد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه يفديه بالأقل بخلاف حال بقاء الكتابة، فإن الرق باق ولو بيع فربما رغب فيه راغب بأكثر من قيمته. انتهى.
تابعه في "الروضة" على عدم الترجيح لشيء من الطريقين، والأصح هو طريقة القطع كذا صححه الرافعي في العبد القن إذا جنى فأعتقه سيده، مع أنه أقرب إلى البيع من المكاتب، ففي المكاتب بطريق الأولى.
كذا ذكره الرافعي في أواخر الجنايات قبيل الكلام على الغرة.
قوله: الثانية إذا جنى المكاتب على عبد سيده أو على طرفه فعفي المستحق على مال أو كانت الجناية موجبة للمال تعلق الواجب بما في يده لأن السيد مع المكاتب في المعاملات، كالأجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجناية، وما الذي يلزم المكاتب، أيلزم الأرش بالغًا ما بلغ أو الأقل؟ فيه القولان المذكوران في الجناية على الأجنبي.
فإن قلنا يلزم الأرش بالغًا ما بلغ، وكان أكثر من قيمته. فعن الشيخ أبي حامد أن له أن يفدي نفسه به وعن القاضي أبي الطيب أن فيه الخلاف في هبته من سيده.
стр. 4576
قال ابن الصباغ، وهذا يقتضي أن يقال للسيد أن يمتنع من القبول؛ لأنه لا يلزمه قبول الهبة، وعندي أنه يلزمه القبول إذا أمكنه أداؤه، وأداء مال الكتابة. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من اشتراط أداء مال الكتابة، مقتضاه أنه لا فرق فيه بين الحال والمؤجل، وليس كذلك بل العبرة بالحال خاصة.
كذا صرح به في غير هذا الموضع، ثم إن المصنف لم يستوف كلام ابن الصباغ على وجهه، فإنه قال: وعندي أنه يلزمه أي السيد قبول ذلك، لأن المكاتب لا يمكنه أن يفدي نفسه إلا بذلك فإذا أمكنه أن يؤدي ذلك ويؤدي ما عليه من الكتابة لم يكن للسيد الامتناع، وإن كان ما بيده لا يفي بما عليه، كان للسيد مطالبته وتعجيزه، فإذا عجزه وفسخ الكتابة سقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية، لأنه عاد قنًا. هذا كلامه، وما ذكره أيضًا من سقوط الأرش، قد حصل فيه اضطراب أوضحته في الباب الثالث من أبواب الرهن.
قوله: وإذا عجز بسبب الأرش أو النجوم ورق فهل يسقط الأرش أو يكون في ذمته إلى أن يعتق؟ فيه وجهان:
أظهرهما الأول، وهما كالوجهين في ما لو كان له على غيره دين فملكه هل يسقط؟ انتهى كلامه.
وقد ظهر لك مما ذكرناه في المسألة السابقة اختلاف كلام الرافعي في هذه المسألة.
قوله: ولو وجب للسيد على المكاتب مال بسبب جناية، ثم أعتقه أو أبرأه عن النجوم فإن لم يكن في يده شيء سقط الأرش، لأنه أزال الملك عن الرقبة، التي كانت متعلق الأرش وإن كان في يده مال فوجهان:
أحدهما: لا يتعلق الأرش به، لأن الأرش كان متعلقًا بالرقبة [وقد
стр. 4577
تلفت وأظهرهما المنع والتوجيه المذكور ممنوع. بل الأرش متعلق بالرقبة] (١) وبما في يده. انتهى كلامه ملخصًا.
وما ذكره هنا من أن هذا المال الذي للسيد متعلق برقبة المكاتب، قد ناقضه بعد هذا بنحو عشرة أسطر، فقال: ثم ظاهر ما رددوه في هذا الموضع ونص عليه الشافعي أنه يجب الأرش بالغًا ما بلغ، ثم قال ما نصه: وفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا جنى على أجنبي، ثم أدى النجوم حيث ذكرنا خلافًا في ما يجب عليه بأن الواجب في الجناية على السيد لا يتعلق برقبة المكاتب، وإنما هو في ذمته فيجب بكماله كما لو جنى حر على حر، وأرش الجناية على الأجنبي يتعلق بالرقبة، فجاز ألا يزاد عليها ومنهم من طرد القول الآخر، وهو وجوب أقل الأمرين، وقال: العتق لا يغير ما تقدم وجوبه، هذا كلامه وهو عجيب سلمت منه "الروضة"، فإنه لم يذكر الثاني.
قوله: الثالثة عبد المكاتب إذا جنى على أجنبي، وتعلق المال برقبته، يباع فيها إلا أن يفديه السيد، انتهى.
ويستثنى من إطلاق الفداء ما إذا كان العبد آبقًا، فإنه لا يجوز فداؤه، كذا نقله البندنيجي في التعليق عن نص الشافعي وهو ظاهر.
قوله: وإذا أفداه السيد فداه الأقل من الأرش ومن قيمته، وفي قول بالأرش ثم قال ثم ظاهر لفظ المختصر أنه تعتبر قيمة العبد يوم الجناية، لأنه يوم تعلق الأرش وعن ابن خيران أنه يجيء قول آخر، أنه تعتبر قيمة يوم الاندمال بناء على أنه وقت المطالبة بالمال.
وحكي عن القفال أنه تعتبر قيمة يوم الفداء لأن المكاتب إنما يمنع من بيعه، ويستديم الملك فيه يومئذ، وذكر القاضي ابن كج أن المذهب اعتبار
стр. 4578
أقل القيمتين من قيمته يوم الجناية، وقيمته يوم الفداء احتياطيًا للمكاتب، وإبقاء للمال عليه، ونسب هذا إلى لفظه في "الأم". انتهى كلامه.
[وظاهره رجحان أقل القيمتين. فإن توقف متوقف في أخذه من هذا الكلام] (١) لم يؤخذ منه ترجيح غيره قطعًا.
إذا علمت ذلك فقد أغرب في "الروضة" فصلح الأول فقال ما نصه:
الأصح، وظاهر نصه في المختصر يوم الجناية، ثم ذكر ما في كلام الرافعي فاعلمه.
قوله: وإذا ثبت للمكاتب قصاص فعفي عنه مجانًا سقط القصاص، ثم إن قلنا موجب الحمد أحد الأمرين لم يسقط المال إن عفي بغير إذن السيد، وإن عفي بإذنه ففيه الخلاف في تبرعه بالإذن، وإن قلنا موجب العمد القصاص إلى آخره.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد أسقط التفريع على القول الأول وهو الموجب لأحد الأمرين وكأنه سقط من نسخه من موجب العمد إلى موجب العمد، أو انتقل نظره منه إليه.
قوله: في "الروضة": وحيث يثبت المال للمكاتب بالجناية على طرفه، فهل يستحق أخذه في الحال أم يتوقف على الاندمال؟ قولان كالجناية على الحر، وقيل: يستحقه في الحال قطعًا، مبادرة إلى تحصيل العتق. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن جزمه في الحر بطريقة القولين مخالف لما ذكره في كتاب الجنايات، في آخر باب القصاص في الأطراف، فإنه حكى هناك طريقين وصحح طريقة القطع بأنه يتوقف على الاندمال وقد ذكرت لفظه فراجعه.
стр. 4579
الأمر الثاني: إذا فرعنا على أن المكاتب يستحق الأخذ في الحال، فهل يختص ذلك بما إذا ترتب العتق على المأخوذ بأن كان وافيًا بالذي عليه، أو لا يختص به.
فيه وجهان من غير ترجيح، حكاهما الرافعي في الجنايات في الموضع المشار إليه عن النهاية وحذفهما النووي من هناك، ظنًا منه أنهما يذكران في هذا الموضع فلزم خلو "الروضة" عن هذه المسألة.
قوله: ولو جنى على طرف المكاتب عبده فله القصاص، وإن كانت الجناية خطأ أو عفي على مال، فلا يثبت له على عبده مال.
وهل له أن يبيع منه بقدر الأرش؟ فيه الوجهان المذكوران، في ما إذا جنى ابن المكاتب الذي يكاتب عليه على عبد آخر، انتهى كلامه.
وقد أسقط النووي من الروضة المسألة الأخيرة، وهي مسألة البيع.
стр. 4580
كتاب عتق أمهات الأولاد
قوله في أصل "الروضة": فإذا قلنا بالمذهب لأنه لا يجوز بيعها فقضى بجوازه قاض فحكى الروياني عن الأصحاب أنه ينقض قضاؤه وما كان فيه من خلاف بين الفرق الأول فقد انقطع، وصار مجمعًا على منعه، ونقل الإمام فيه وجهين. انتهى كلامه.
ومقتضاه رجحان النص، وقد تقدم من كلامه في الباب الثاني المعقود لجامع آداب القضاء في الكلام على ما ينقض من الأحكام، ما يخالف ذلك وقد تقدم ذكره هناك مبسوطًا فراجعه.
قوله: وللأصوليين خلاف في أنه هل يشترط لحصول الإجماع انقراض العصر؟ ثم قال: ولأصحابنا أيضًا وجهان. في ما إذا اختلف الصحابة في مسألة، ثم اجتمع التابعون على أحد القولين، هل يرتفع به الخلاف الأول؟ انتهى.
والصحيح أنه يرتفع فقد قال الغزالي في "المنخول" وابن برهان في "الأوسط": إنه مذهب الشافعي، وقال إمام الحرمين في "البرهان": ميل الشافعي إليه، قال: ومن عبارته الرشيقة في ذلك أن المذاهب لا تموت بموت أصحابها.
وقال النووي في كتاب الجنائز من "شرح مسلم" في الكلام على الصلاة بعد الدفن: إن الأصح أنه إجماع، وكأنه قلد فيه بعض الأصوليين.
قوله: أيضًا في الروضة في تزويجها أقوال أظهرها: للسيد الاستقلال به لأنه يملك إجازتها ووطئها كالمدبرة.
стр. 4581
والثاني: قاله في القديم لا يزوجها برضاها.
والثالث: لا يجوز وإن رضيت، انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من كون الخلاف أقوالًا، قد ناقضه في كتاب النكاح في الباب الخامس منه فجعله وجوهًا، وذكر مثله في "المنهاج" أيضًا، ولم يقع في كلام الرافعي اختلاف كما تقدم بسطه هناك.
قوله: وهل للكافر تزويج مستولدته؟ فيه وجهان حكاهما الصيدلاني وهو الذي أجاب به القفال.
أحدهما: لا لانقطاع الموالاة.
والثاني: نعم لكونه مالكًا، وذكر على الوجه الأول أن القاضي لا يزوجها، وعن أبي إسحاق أن الحاكم يزوجها إذا أرادته المستولدة، وكذلك إن أراد السيد. انتهى.
والأصح أن الكافر لا يزوج المستولدة بقوله أصحهما لا وبه قطع القفال هذا لفظه والذي دلت عليه عبارة الرافعي أن القفال أجاب أيضًا بالوجهين.
قوله: وعن أبي إسحاق أن أم ولد الذمي إذا أسلمت تكون أحق بحضانة الولد ما لم تتزوج، وإذا تزوجت صار الأب أحق بالولد، إلا أن يكون الولد مميزًا ويخاف أن يفتنه في دينه فلا يترك عنده. انتهى.
والذي نقله هنا عن أبي إسحاق من ثبوت الحضانة للأب، وأقره عليه خلاف المعروف فإن الصحيح أنه لا حضانة لكافر على مسلم، وقد استدركه عليه في "الروضة".
قوله: في فتاوى القفال أن العبد إذا أولد جارية ابنه الحر لا حد عليه، وثبت النسب، ولا يثبت الاستيلاد وأن المكاتب إذا أولد جارية ولده فيحتمل ينبني ثبوت الاستيلاد على الخلاف المتقدم في جارية نفسه. انتهى.
стр. 4582
تابعه في "الروضة" على ذلك، فأما ما نقله عن القفال أولًا فقد أهمل منه ثبوت حرية الولد، فإن القفال أفتى أيضًا به.
كذا حكاه الرافعي عنه في أواخر النكاح في الكلام على وطء الأب جارية ولده، وحكى معه وجهًا آخر، أنه لا يثبت ولم يصحح منهما شيئًا وأما ما نقله ثانيًا من احتمال التخريج المذكور، فقد جزم به الرافعي أيضًا في الموضع المشار إليه.
قوله: وإذا أولد جاريته المحرمة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة ولزمه التعزير وفي قول الحد، ثم قال ما نصه: وعلى القولين لو أولدها يكون الولد حرًا نسبًا وتصير هي مستولدة.
قال الأصحاب: ولا يتصور اجتماع هذه الأحكام مع وجوب الحد، إلا في هذه الصور على أحد القولين. انتهى كلامه.
وبه تم أيضًا كتابه ﵀، فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من كونه حرًا نسبًا مع القول بوجوب الحد، قد صحح خلافه في موضعين أحدهما في أواخر النكاح في الفصل المعقود، لوطء الأب جارية الابن. والثاني في باب حد الزنا في الكلام على وطء الشبهة وقد سبق لفظ كل من الموضعين في بابه فراجعه.
ووقعت المواضع الثلاثة في "الروضة" على هذا الاختلاف الواقع هنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من هذه الأحكام وهي الحرية والنسب، والاستيلاد لا يتصور اجتماعها مع الحد على قول إلا في هذه الصور غريب بل يتحصل مما نقله الرافعي في باب حد الزنا، وفي الكلام على وطء جارية الولد مسائل أخرى:
إحداها: إذا وطيء الأب جارية ولده واستولدها ولم تكن مستولدة الابن.
стр. 4583
ثانيها: إذا أولد الرجل جاريته المشتركة.
ثالثها: إذا أولد جاريته المزوجة.
رابعها: إذا أولد جاريته المعتدة من زوجها.
خامسها: إذا أولد أمته المحبوسة (١) أو المبتوتة.
سادسها: إذا أولد الذمي أمته التي أسلمت قبل أن تباع عليه.
سابعها: أن يولد أمته المحرمة عليه تحريمًا مؤبدًا بنسب أو رضاع أو مصاهرة.
فجميع ما ذكرناه يثبت فيه الحرية والنسب والاستيلاد مع وجوب الحد على قول كما تلخص في الموضعين المشار إليهما من كلامهما معًا ﵄ وأرضاهما ونفعنا ببركاتهما وحشرنا وإياهما في زمرة نبيه ومستقر رحمته.
-[تم الكتاب]-
والله الموفق للصواب، والمسئول من الله النفع لي ولوالدي ولأحبائي، وسائر المسلمين وأن لا يخيب سعينا، ولا يضيع عملنا، وأن يجعلنا من أهل العلم العاملين به، وأن يختم أعمالنا بخير بمنه وكرمه.
ونختم الكتاب بما بدأنا به، وهو حمد الله والصلاة على رسوله، فنقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون، ورضي الله عن أصحابه أجمعين.
قال سيدنا ومولانا وشيخنا الإمام العلامة جمال الإسلام والمسلمين ﵀: وقد تنصب من تأليفي هذا من أوله إلى صلاة الخوف في مدة
стр. 4584
آخرها أواخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ثم إلى كتاب الإقرار في مدة آخرها شهر رمضان سنة خمس وأربعين، ثم إلى كتاب الوديعة في مدة آخرها أثناء تسع وأربعين وباقي الكتاب في مدة أواخرها قبيل الستين سنة سوى زيادات وقعت بعد ذلك اللهم انفع به واغفر لمؤلفه وأحبابه وارحمه رحمة واسعة وأحبابه، واجعله من خيار أهل العلم، واختم له بالخير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.
هذا آخر كلام المصنف عفا الله عنه، وتغمده برحمتك يا أرحم الراحمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.