← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الأمر الثالث: أن مقتضى إطلاقه أنه لا فرق في اعتبار الأذان والإقامة بين الرجل والخنثى والمرأة وهو ظاهر فإنا إذا لم تستحب للمرأة والخنثى الأذان فإنا نستحب لها الإجابة. الأمر الرابع: وهو مبني على مقدمة، وهي: أن الركعات الخمس المعتبرة في وقت المغرب منها ثلاث للفرض، قال الإمام في "النهاية" والغزالي في "عقود المختصر": تعتبر فيها الفاتحة وقصار المفصل، وعبارة القاضي حسين: وسور قصار، وأما الركعتان الباقيتان، فهل هما سنة المغرب التي بعدها أو الركعتان المستحبتان قبلها عند بعضهم؟ فيه خلاف. جزم الإمام في "النهاية" بالثاني وتبعه صاحب "التعجيز" في شرحه له، وجزم النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" "وشرح المهذب" بالأول ذكر ذلك في أثناء الاستدلال علي اتساع، وقتها جزم به أيضًا الرافعي في "الشرح الصغير" فقال بعد اعتبار الخمس ما نصه: وللأصحاب وجه أنه تستحب ركعتان خفيفتان قبل المغرب فقياسه اعتبار سبع هذا لفظه وهو صريح فيما قلناه. وقد صرح به أيضًا البغوي في "التهذيب" فقال: وهو أن يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم ويصلي خمس ركعات، وقيل: وقدر ركعتين بين الأذان والإقامة هذه عبارته. إذا علمت هذا فقد جزم النووي في كتبه كلها باعتبار الخمس ولم يتعرض للسبع ثم صحح في كتبه أيضًا استحباب الركعتين قبلها استحبابها مع تصحيح الخمس لا يجتمعان. الأمر الخامس: أن الاستدلال بحديث جبريل على تضييق وقت المغرب

стр. 737

مذكور في أكثر كتب الشافعية وهو عمدتهم فيما ذهبوا إليه، والاستدلال به غريب، فإنه ليس فيه دلالة البتة، بل وليس على محل النزاع، فإن النزاع إنما هو في الوقت الجائز لا في الوقت المختار، وجبريل ﵇ إنما بين الوقت المختار ولم يبين الوقت الجائز، ولذلك قالوا: إن الصبح يشتمل على وقت اختيار وهو ما بينه جبريل ووقت جواز وهو ما عدا ذلك إلى الإسفار. وذكروا أيضًا مثله فى "العصر وكذلك في العشاء وقالوا: إن وقت الظهر جميعه وقت اختيار؛ لأنه ليس فيه وقت خارج عما بينه، وإذا تقرر أن جبريل إنما بين الوقت المختار وسكت عن الوقت الجائز فيكون الوقت المختار للمغرب لا يمتد إلى غروب الشفق بل مضيقًا وهو المسمى بوقت الفضيلة ونحن نسلم ذلك، وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له. وما ذكرناه من أن وقت الفضيلة هو وقت الاختيار في المغرب هو الصواب وحكى في "شرح المهذب" وجهًا أن وقت الاختيار يمتد إلى نصف الوقت، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" ونقله عن الأصحاب ويدفعه ما نقله الترمذي عن العلماء كافةً من الصحابة فمن بعدهم من كراهة تأخير المغرب. الأمر السادس: أن حديث بريدة الدال على اتساع وقت المغرب قد رواه مسلم في صحيحه، والحديث الذي بعده قد صرح الرافعي بأنه في الصحيح، وهو كذلك، فإن مسلمًا رواه أيضًا بألفاظ مختلفة، وأما حديث بيان جبريل فقد سبق.

стр. 738

قوله: والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل. انتهى. قال القفال: ويعتبر في حق كل إنسان الوسط من فعل نفسه لأنهم يختلفون في ذلك، فبعضهم خفيف الحركات والجسم والقراءة، وبعضهم عكسه والذي ذكره القفال حسن يصلح أن يكون شرحًا لكلام الرافعي فليحمل عليه واعلم أن المتجه اعتبار زمن الاجتهاد في القبلة، لأنها شرط من شروط الصلاة كالطهارة والستر وهل يعتبر مع ذلك مدة المعنى إلى الجماعة؟ فيه نظر. وحكي النووي في "شرح المهذب" وجهًا ادعى أنه قوى وهو تقدير وقت المعرف بالعرق فمتى أخر عن المتعارف في العادة خرج الوقت. قوله: ويحتمل أيضًا أكل لقم يكسر بها سؤرة الجوع. انتهى كلامه. وذكر النووي أيضًا مثله في "الروضة" و"التحقيق" وقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": الصحيح الصواب أن من حضره الطعام يأكل إلى أن يشبع لقوله ﷺ : "ولا يعجل حتى يفرغ" (١) رواه الشيخان من رواية ابن عمر، وذكر في "شرح المهذب" مثله واستدل بما أخرجه الشيخان عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" (٢). قوله: واختار طائفة من الأصحاب القديم ورجحوه وعندهم أن المسألة مما يفتي فيها على القديم. انتهى. واعلم أن الشافعي في "الإملاء" قد علق القول بالإتساع على صحة

стр. 739

الحديث كذا نقله عنه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" قال: وقد ثبت الحديث بل أحاديث فيكون قول الإتساع جديدًا، وذكر مثله النووي وصححه في أكثر كتبه فقال في "الروضة": إنه الصواب، وقال في "المنهاج" إنه الأظهر وقال في موضعين من "شرح المهذب": إنه الصحيح وعبر في "التصحيح" و"التحقيق" بالمختار. قوله: وعلى هذا القول يعني الجديد لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز أن يستديم صلاته إلى أن ينقضي هذا الوقت، إن قلنا إن الصلاة التي وقع بعضها في الوقت وبعضها بعده أداء، وإنه يجوز تأخيرها إلى أن يخرج عن الوقت بعضها فله ذلك لا محالة. وإن قلنا: لا يجوز ذلك في سائر الصلوات ففي المغرب وجهان أحدهما: المنع، وأصحهما أنه يجوز مدها إلى غروب الشفق لما روي أن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في المغرب (١). انتهى كلامه. وحاصله أنه إذا مد غير المغرب من الصلوات حتى خرج الوقت فينبغي على أن الصلاة إذا وقع بعضها في الوقت وبعضها بعده هل هي أداء أو قضاء؟ فإن قلنا: إنها قضاء أو بعضها فلا يجوز، وإن قلنا إنها أداء فينبني على أنه هل يجوز التأخير إلى ذلك الوقت أم لا؟ فإن جوزنا التأخير جوزنا المد وإلا فلا. والصحيح عند الرافعي أن التأخير إلى إخراج بعضها لا يجوز. وإن قلنا إنها أداء فيكون الصحيح المنع من مد الصلوات إلى خروج الوقت إلا المغرب فإنه يجوز مدها إلى مغيب الشفق. إذا علمت حاصل ما ذكره هنا فقد ذكر بعد هذا في الباب أيضًا أنه إذا

стр. 740

شرع في الصلاة وقد بقى من الوقت ما يسعها فمدها بتطويل القراءة حتى خرج الوقت، فإنه لا يأثم ثم قال: وفي كراهته وجهان: أصحهما: أنه لا يكره أيضًا وسأذكر لفظه بعد هذا إن شاء الله تعالى مع أمور تتعلق، وأنه هل يشترط في جواز ذلك فعل ركعةٍ أم لا؟ والذي قاله هنا مع ذلك متباينان تباينًا فاحشًا فإنه قطع ثانيًا بجواز مد غير المغرب، وحاصل المذكور هنا منعه وقطع في المغرب بمنع مدها إلى ما بعد مغيب الشفق وتردد فيما قبل مغيبه مع أن مد المغرب إلى ما بعد الشفق هو نظير مد سائر الصلوات، فكيف يقطع بمنعه ويتردد فيما قبله؟ بل قد ذكر هنا أن المغرب أولى بالمد من سائر الصلوات، فإنه جوز مدها مع المنع في غيرها، وقد وقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وذكر في الشرح الصغير الموضع الأول وهو المذكور في المغرب ولم يذكر الثاني وكذلك في المختصرات. وحديث قراءة الأعراف في المغرب رواه البخاري عن زيد بن ثابت ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطولى الطوليين قال ابن أبي مليكة طولى الطوليين الأعراف والمائدة، ورواه عنه أيضًا الحاكم في "المستدرك" (١) ولفظه "كان يقرأ في المغرب سورة الأعراف في الركعتين كلتيهما" ثم قال: إنه صحيح على شرط الشيخين. قوله: وإلى متى يمتد وقت الاختيار في العشاء؟ فيه قولان: أصحهما: إلى ثلث الليل لبيان جبريل ﵇، والثاني: إلى ما نصفه لقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" (٢) انتهى كلامه. وما ذكره من تصحيح القول الذاهب إلى الثلث قد صححه أيضًا النووي

стр. 741

في "الروضة" و"التحقيق" و"تصحيح التنبيه" وغيرها، وخالف في "شرح مسلم" فقال: الأصح أنه يبقى إلى نصف الليل ذكر ذلك في آخر باب أوقات الصلاة وهو بعد كتاب الصلاة بكراريس كثيرة. ونقل في "شرح المهذب" تصحيح كل قول عن طائفة وطائفة النصف أكثر، نقل ذلك عن الشيخ أبي حامد والمحاملي وسليم الرازي والجرحاني والشيخ نصر المقدسي والروياني والزبيري ثم قال: المختار الثلث ثم صرح بتصحيحه فيه بعد ذلك أيضًا، وحديث جبريل سبق بيانه. وأما الثاني فقال في "شرح المهذب": إنه بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف. نعم: في الحديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" (١) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ثم قال: إنه حسن صحيح، ويغني عن هذا كله ما رواه مسلم (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص من جملة حديث: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط". قوله: وفيه وجه ذهب إليه الإصطخري، وأبو بكر الفارسي أنه إذا ذهب وقت الاختيار فقد ذهب وقت الجواز لظاهر حديث جبريل ولقوله ﷺ : "وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل". انتهى. وهذا الذي حكاه وجهًا قد نقله سليم الرازي قولًا للشافعي وأغرب من ذلك أنه جعله القول الجديد، وجعل القديم امتداده إلى طلوع الفجر كذا

стр. 742

رأيته في كتابيه "التقريب" و"المجرد"، وذكر الماوردي في "الحاوى" أيضًا أن الشافعي أشار إليه في موضع من "الأم"، وأما الفارسي فلم يجزم بل له في المسألة احتمالان كذا رأيته في شرح التلخيص للقفال، والحديثان سبق الكلام عليهما قبل هذه المسألة. واعلم أنه قد ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم قال: "لا اقدروا له قدره" انتهى. وحينئذ فيستثني هذا اليوم مما ذكر في المواقيت جميعها فإنه سيحتاج إليه. قوله: ثم في الوقت الذي يجوز فيه تقديم أذان الصبح عليه وجوه أظهرها: أنه يقدم في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع بقى من الليل، روى عن سعد القرظي قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ في الشتاء لسبع بقى من الليل وفي الصيف لنصف سبع (٢). والثاني: أنه يدخل بالنصف الثاني. والثالث: بخروج وقت الاختيار. والرابع: إذا بقى السبع صيفًا كان أو شتاء. والخامس: أن جميع الليل وقت له كما أنه وقت لنية صوم الغد. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد ذكره في صلاة العيد ما يخالف المذكور هنا فذكر

стр. 743

ما حاصله أنه يدخل بنصف الليل، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وصححه أيضًا النووي في كتبه كلها قال في "الروضة": واعتمد من رجح الأول حديثًا باطلًا محرفًا. وذكر في أصل "المنهاج" ما يوافق هذا أيضًا فقال: وشرطه الوقت إلا الصبح فمن نصف الليل، وعبارة الرافعي في المحرر يجوز في آخر الليل وليس صريحًا في شيء إلا أن الصحيح في كتاب الطلاق من "المحرر" و"الروضة" وغيرها أن آخر الشهر واليوم عبارة عن الجزء الأخير منه على الصحيح، وقيل يدخل بأول النصف الثاني. وما رجحوه هناك يشعر بعدم مطابقة المنهاج والمحرر. الأمر الثاني: أن الموجود في نسخ الرافعي تبعًا "للوسيط" سعد القرظي على نسبته إلى بني قريظة قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وفي غيره: إنه خطأ فاحش بلا شك قال: وإنما هو سعد القرظي بإضافته إلى القرظ وهو الذي يدبغ به، وأضيف إليه لأنه كان ملازمًا للتجارة فيه وهو من موالي عمار بن ياسر كان مؤذنًا للنبي ﷺ في قباء، فلما ولى أبو بكر ﵁ الخلاقة وترك بلال الأذان نقله أبو بكر إلى مسجد رسول الله ﷺ ليؤذن فيه، فلم يزل يؤذن حتى مات في أيام الحجاج وتوارثت بنوه الأذان. وقيل: الذي نقله عمر بن الخطاب، وهذا الحديث المروي عنه رواه الشافعي في القديم بإسناد ضعيف كما قاله في "شرح المهذب"، وإنما ادعى في "الروضة" تحريفه، لأن فيه في الشتاء السبع ونصف يبقى وفي الصيف لسبع وليس مطابقًا لما قالوه.

стр. 744

ونقل صاحب "التعجيز" في شرحه عن الماوردي القول بمقتضاه في الشتاء وهو غلط فإن الذي فيه الجزم بما صححه النووي. واعلم أن هذا الفرع قد نقله النووي في الروضة من هذا الباب إلى الأذان واعتذر عن نقله بكونه مناسبًا. قوله من "زياداته": ويكره أن يقال للعشاء عتمة. انتهى. وما جزم به من الكراهة هنا قد جزم به أيضًا في "المنهاج" من "زوائده" وكذلك في "التحقيق" و"مهمات الأحكام" ثم ذكر عكس ذلك في "شرح المهذب" فقال نص الشافعي في "الأم": على أنه يستحب ألا تسمى بذلك وذهب إليه المحققون من أصحابنا، وقالت طائفة قليلة يكره هذا كلامه وقد ظهر لك منه أن الفتوى على عدم الكراهة. قوله أيضًا من "زياداته": ويكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها لغير عذرٍ إلا في خير. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن هذه الكراهة تعم سائر الأوقات ولا تخض العشاء كذا قاله ابن الصلاح وهو متجه. الثاني: أن سيأتي كلامهم يشعر بتصوير المسألة بما بعد دخول الوقت ولكن يحتمل القول بالكراهة قبل دخول وقت العشاء، وإن كان بعد فعل المغرب لخوف فوات الوقت وإن كان غير مخاطب بها. الأمر الثالث: اختلفوا في كراهة الحديث بعدها فعلله في "شرح المهذب" بأن نومه يتأخر فيخاف مع ذلك أن يفوته الصبح عن وقتها أو عن أوله أو يفوته صلاة الليل إن كان ممن يعتادها، وعلله غيره بوقوع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله وربما في مات نومه، وعلله القرطبي في

стр. 745

"شرح مسلم" بأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا وهذا تخريجه عن ذلك. الأمر الرابع: أن إطلاق الرافعي كراهة الحديث بعدها يدخل فيه ما إذا قدم المسافر العشاء وجمعها في وقت المغرب والمتجه خلافه، وقد يبني على المعاني السابقة، فإن قلنا بعدم الكراهة فهل يكره بدخول الوقت أو بمضى وقت الفراغ منها غالبًا؟ فيه نظر يأتي مثله في الأوقات المكروهة. الأمر الخامس: أن إطلاقه أيضًا يقتضي الكراهة سواء صلى السنة أم لا وقد يبني أيضًا على المعاني المذكورة، فإن قيل: التعليل بخشية التفويت يقتضي كراهة الحديث قبل فعلها أيضًا فالجواب: أن إباحة الكلام قبل الصلاة تنتهي بالأمر بإيقاع الصلاة في وقت الاختيار وأما بعد الصلاة فلا ضابط له فيكون خشية التفويت فيه أكثر. قوله في "الزيادات" أيضًا: واختلف العلماء في الصلاة الوسطى فنص الشافعي والأصحاب إنها الصبح، وقال الماوردي: صحت الأحاديث أنها العصر ومذهبه اتباع الحديث. ذكر مثله في "التحقيق" و"شرح المهذب" أيضًا وقال في "شرح مسلم": الأصح: أنها العصر كما قاله الماوردي. قوله: قاعدة الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا فلو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت قبل الفعل لم يعص في أصح الوجهين بخلاف الحج، لأن آخر وقته غير معلوم فأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت وإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره، وفي الصلاة آخر الوقت معلوم. انتهى كلامه. ذكر نحوه النووي في كتبه وهذا الفرق هو معنى قول الأصحاب يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة.

стр. 746

ففيه أمور: أحدها: أن التأخير في هذا وفي كل واجب موسع إنما يجوز بشرط العزم على الفعل كذا صححه النووي في التحقيق و"شرح المهذب" الثانى: أن هذا الخلاف لا يتصور [جريانه في المواضع التي يستحب فيها التأخير كالإبراد ونحوه [كالجمع] (١) للمسافر في وقت الأولى سواء مات في وقتها أو وقت الثانية وسيأتي في الحج كلام آخر متعلق بمسألتنا. الثالث: أن ما جزم به ههنا من كون الجواز مشروطا بسلامة العاقبة قد أنكره في آخر كتاب الوديعة إنكارًا شديدًا وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه. قوله: وهل يجوز تأخير الصلاة إلى حين يخرج بعضها عن الوقت؟ إن قلنا: إنها أو بعضها قضاء فلا. وإن قلنا: إنها مؤداة فقد حكى إمام الحرمين عن أبيه ترديد الجواب في ذلك، ومال إلى أنه لا يجوز وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" من غير تردد وبناءٍ على خلاف. انتهى كلامه. وهذه المسألة لم يمعن الرافعي النظر فيها فإنه لم ينقلها إلا عن الإمام البغوي، والمسألة مشهورة في المذهب قديمًا والجواز فيها أشهر فقد رأيت في "الغنية" لابن سريج أنه يجوز ورأيت في شرحها لبعض تلامذة القفال نقلًا عن شيخه ذلك من غير مخالفة له، ونقله الماوردي عن ابن سريج وابن خيران، ونقله في "شرح المهذب" عن البندنيجي ونقله ابن الرفعة عن الماوردي والعراقيين ورأيت في "الإفصاح" لأبي علي الطبري أنه ظاهر نص الشافعى، قال: وهو الأشبه، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير"

стр. 747

والنووي في "أصل الروضة" المنع استنادًا لما في "الكبير" من النقل عن هذين، وقد ذكر الرافعي فرعين يشكلان على المنع ويوافقان الذاهب إلى الجواز: أحدهما: في أخر صفة الصلاة، والثاني: في صلاة المسافر في الكلام على جمع التأخير، وستعرفهما في موضعهما إن شاء الله تعالى. قوله: ولو شرع فيها وبقى من الوقت ما يسع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت لم يأثم ولا يكره له أيضًا في أظهر الوجهين. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد ذكر في الكلام على المغرب ما يخالفه المذكور هنا، وقد سبق إيضاحه فراجعه. الثاني: أن الرافعي وغيره قد أطلقوا هذه المسألة ولم يقيدوها بما إذا صلى ركعة في الوقت، فهل الإطلاق محمول على هذا التقييد لأنهم قد قرروا أن الصلاة لا تكون أداءًا إلا بفعل ركعة في الوقت أو الحكم كما أطلقوه؛ لأن الحمل الذي جعلوها فيه قضاء بفعل ما دون الركعة إنما هو عند ضيق الوقت، وأما مسألتنا فالوقت يسعها فقد يقال بجوازه كما جوزنا إخراج بعضها ههنا لأجل عدم التقصير وإن لم نجوز التأخير حتى يضيق الوقت والمتجه الأول وهو اشتراط الركعة. الثالث: أنا وإن قلنا: إن التطويل إلى خروج الوقت لا يكره فهو خلاف الأولى كذا قاله في "شرح المهذب" وغيره.

стр. 748

الرابع: أن بعض الأصحاب قد ذهب إلى تحريم ذلك وقد ذكره النووي في "الروضة" مستدركًا به على الرافعي في زعمه بأنه لما اختصر كلام الرافعي لم يطلع على الخلاف فتوهم إن المسألة مقطوع بها فصرح بذلك فقال: لم يأثم قطعا هذا لفظه ثم ظفر بعد ذلك بالخلاف فالحقه مستدركًا به عليه من "زياداته" فتفطن لذلك واعلم بأنه من سوء تصرفه. قال القاضي حسين: وهذا الخلاف مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج أو للدخول فقط، ورأيت في "المتعمد" شيئًا غريبًا وهو حكاية الخلاف في المد في استحبابه لا في جوازه ولا في كراهته. ورأيت في "الإحياء" للغزالي طريقة غريبة عكس ذلك هي الجزم بأن مد الصلاة إلى ما بعد أول الوقت وهو وقت الفضيلة خلاف الأفضل. قوله: والصلاة أول الوقت أفضل لقوله ﷺ : "أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها" (١) وبم تحصل فضيلة الأولوية؟ حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه أقربها عنده أنها تحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان كما دخل الوقت فإنه لا يعد حينئذ متوانيًا ولا مقصرًا. والثاني: يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت لأن معظم الوقت باق ما لم يحضر النصف وإلى هذا مال الشيخ أبو حامد واعتبر نصف وقت الاختيار. والثالث: لا تحصل الفضيلة إلا إذا قدم ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول الوقت وعلى هذا قيل: لا ينال المتيمم فضيلة الأولية، وقال الشيخ أبو محمد: لابد من تقديم ستر العورة لأنه لا يختص بالصلاة. انتهى كلامه. فيه أمور:

стр. 749

أحدهما: أن ما ذكره ﵀ في المتيمم تفريعًا على الثالث غير منتظم؛ لأن الشرط في هذا الوجه على ما ذكره إنما هو تقديم ما يمكن تقديمه والتيمم لا يمكن تقديمه على الوقت فكيف يصح نفي الفضيلة معه تفريعًا على الوجه المذكور. واعلم أن هذا الخلل إنما وقع من تعبير الرافعي فتابعه عليه في "الروضة" لا من الإمام، فإن الإمام إنما فرعه على اشتراط انطباق الصلاة بأول الوقت ولم يشترط فيه عدم إمكان التقديم فقال: واعلم أن قول هذا القائل لتنطبق الصلاة يظهر أن يكون المراد به الصلاة المأمور بها في ذلك الوقت فرضًا كانت أو سنة حتى لا يصير الاشتغال بالسنة الراتبة المتقدمة. الثاني: أن المتيمم قد ينال الفضيلة وذلك إذا جوزنا صلاة الوقت بالتيمم للفائتة. الثالث: أن ما ذكره الشيخ أبو محمد في تعليل ستر العورة لا يأتي في الحرة إلا فيما بين السرة والركبة خاصة؛ لأنه الذي يجب سترة منها في الخلوة كما سنوضحه في موضعه. الرابع: أن هذا الوجه الذي رجحه الإمام قد رجحه الرافعي في الشرح الصغير وعبر بالأقرب كما عبر الإمام، وصححه النووي في "شرح المهذب" والتحقيق وفي أصل الروضة أيضًا. الخامس: أن ما ذكره الرافعي من جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت ليس على إطلاقه بل الأصح على ما قاله في "شرح المهذب": أنه يشترط فيه وفي كل واجب موسع أن يعزم على الفعل في أثناء الوقت. السادس: أن الكاف في قول الرافعي: كما دخل الوقت بمعنى عند وهي عجمية، والحديث المذكور رواه [الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان

стр. 750

في صحيحهما وقال الحاكم] (١) والبيهقي في "الخلافيات": إنه على شرط الشيخين، ولفظ الصحيحين: الصلاة لوقتها. قوله: أما الظهر فظاهر المذهب أنه يستحب فيها الإبراد، فإن شدة الحر من فيح جهنم، ومن الأصحاب من قال الإبراد رخصة فلو تحمل المشقة وصلى في أول الوقت فهو أفضل. انتهى. تابعه في "الروضة" على حكاية الذهاب إلى الرخصة وجهًا وزاد عليه فقال: إنه شاذ، وليس كذلك فقد نص عليه الشافعي في "البويطي"، ونقل ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" أن الشيخ أبا علي السنجي قال: إنه الصحيح، والحديث المذكور رواه الشيخان من رواية أبي هريرة. وفيح بفاء مفتوحة وياء ساكنة بنقطتين من تحت وبالحاء المهملة والمراد به هنا غليان جهنم وانتشار لهبها ووهجها نعوذ بالله تعالى منها. ويفهم من كلام الرافعي أنه لا يستحب الإبراد بالأذان وقد نقله في المطلب عن بعضهم وأنه حمل حديث أبي ذر في تأخير الأذان على الإقامة، وسيأتي [ذكره] (٢). قوله: والإبراد المحبوب أن يؤخر إقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد الذي يأتيه الناس من بعد ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة فلو قربت منازلهم أو حضر جمع في مسجد لا يأتيهم غيرهم فلا إبراد أيضًا وفيه قول، ولو كان يمشي في ظل أو يصلي منفردًا في بيته فلا إبراد أيضًا وفيه وجه. انتهى. ذكر في "الروضة" أيضًا وفيه أمور:

стр. 751

أحدها: أن تعبيره بالمسجد جرى فيه على الغالب وإلا فالأوجه إلحاق المدارس والربط وسائر أمكنة الجماعة بذلك، ويدل عليه ما رواه البخارى عن أبي ذر أن مؤذن النبي ﷺ أراد أن يؤذن وكان في سفر فقال له: أبرد قال: حتى ساوى الظل التلول (١). وفي "صحيح أبي عوانة": أن بلالًا أراد أن يؤذن. وفي آخر الحديث: ثم أمره وأقام، ونقل البيهقي عن رواية غندر أنه أمره بذلك بعد التأذين. الأمر الثاني: إنه وقع في "المنهاج" حكاية الخلاف فيمن قربت منازلهم وفي جمع لا يأتيهم غيرهم وجهين والمعروف أنه قولان كما وقع هنا. الثالث: إن تقييده بقوله لا يأتيهم غيرهم. يقتضي أن المقيمين في المسجد كالمقيمين الآن في المسجد الحرام بمكة والحاضرين فيه في أول الوقت اتفاقًا يستحب لهم الإبراد تبعًا لغيرهم وهو واضح لا شك فيه، وكلام الشافعي أيضًا يدل عليه، ويؤيده أن بيت النبي ﷺ كان في المسجد وكان يبرد بالناس وفيهم أهل الصفة المقيمون في المسجد. نعم: سبق في التيمم أن المنفرد الراجي للجماعة في أثناء الوقت يستحب أن يصلي أيضًا منفردًا ثم يأتي بها مع الجماعة، وقياسه هنا كذلك إلا أن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ . الأمر الرابع: لم يستثن المصنف من استحباب تعجيل الصلاة إلا ما تقدم مع أنه يستثني أيضًا المسافر فإنه يستحب له إذا كان سائرًا في وقت الأولى أن يؤخرها إلى وقت الثانية، وكذلك الواقف بعرفة فإنه يستحب له تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء بمزدلفة وإن كان وقت وجوبها نازلًا, وكذلك المقيم بمنى للرمي يستحب له تأخير الظهر عنه كما تعرفه في الحج ومن يدافعه الحدث أو يحضره طعام يتوقف إليه وغيره مما يأتي في

стр. 752

الجماعة أو غيرها والمنفرد إذا تحقق الجماعة أو رجاها على ما سبق في التيمم. [قوله: في "الروضة" ويختص استحباب الإبراد بالبلاد الحارة على الأصح المنصوص. انتهى. واعلم أن مقابل الأصح أنه يتعدى إلى المعتدلة خاصة لا إليها وإلى الباردة هذا هو الذي اقتضاه كلام الرافعي فاعلمه] (١). قوله: وأما الصبح فيستحب فيها التعجيل أيضًا لما روى عن عائشة قالت: كان النساء ينصرفن من صلاة الصبح مع رسول ﷺ وهن متعلقات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٢). انتهى. يقال: لفع رأسه تلفيعًا أى غطاه وتلفعت المرأة بمرطها أى تلفحت به، واللفاع: ما يتلفع به، قاله الجوهري. قال: والمرط بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز والحديث المذكور رواه الشيخان. قوله: ولو أخبر عدل عن دخول الوقت بالمشاهدة اعتمد البصير والأعمى، فإن أخبر عن اجتهاد لم يقلده البصير والقادر على الاجتهاد، ويجوز للأعمى تقليده في أصح الوجهين وحينئذ فيخير بينه وبين الاجتهاد. والمؤذن العالم بالمواقيت في الصحو كالمخبر عن مشاهدة وفي القيم كالمجتهد فلا يقلده البصير وفي الأعمى الوجهان، وحكى في "التهذيب" وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الأعمى والبصير وقال: الأصح الجواز واحتج عليه بقوله ﷺ : "المؤذنون أمناء الناس على صلواتهم"؛ ويحكى أن ابن سريج ذهب إليه، والتفضيل المتقدم أقرب وهو اختيار

стр. 753

الروياني وغيره. انتهى ملخصًا. واعلم أن الشافعي ﵀ قد نص على المسألة وأجاب بالجواز مطلقًا والغريب أن صاحب "التهذيب" قد ذكره من جملة ما ذكر ونقله عنه النووي في "الروضة" وغيره فقال: قلت: الأصح ما صححه صاحب التهذيب، وقد نقله عن نص الشافعي ﵁ وبه قال الشيخ أبو حامد وصححه البندنيجي وصاحب "العدة" وغيرهم والله أعلم. والحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف. قوله: وإذا لزم الاجتهاد وصلى من غير اجتهاد لزمه الإعادة وإن وقعت صلاته في الوقت. انتهى كلامه. ومقتضاه أنه لا فرق في وجوب الإعادة بين أن يظن دخول الوقت أم لا وهو كذلك كما نقله النووي في "شرح المهذب" عن "التتمة" وأقره وما جزم به الرافعي من وجوب الإعادة قد ادعى في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه وليس كذلك فقد حكي العبادي في "الطبقات" عن أبي سهل الصعلوكي أنه لا تجب. قوله من "زياداته": ولو علم المنجم دخول الوقت بالحساب، حكى صاحب "البيان" أن المذهب: أنه يعمل به بنفسه ولا يعمل به غيره. انتهى. ذكر مثله أيضًا في "شرح المهذب" وفيه أمران: أحدهما: أن الصحيح ما قاله صاحب "البيان" كذا صححه في التحقيق أعني النووي وعبر بالمذهب أيضًا. الأمر الثاني: إذا علم المنجم أو الحاسب دخول رمضان فالصحيح أنه يجوز له العمل به دون غيره ولكن لا يجب عليه أيضًا، كذا صححه

стр. 754

النووي في "شرح المهذب" ولم يصحح الرافعي شيئًا، وحينئذ فالقياس أن يكون هذا التفضيل المذكور هنا إنما هو أيضًا في الجواز فقط لا في الوجوب حتى لو فرضنا ذلك في المغرب مثلا لم يلزمه المبادرة، ولو فرضناه في الصبح جاز له أن يصليها ولا يمتنع عليه الطعام لو كان صائما؛ لأنه لا يلزمه الأخذ فاعلم ذلك على ما فيه من الإشكال وستكون لنا عودة في الصوم إلى المسألة. إن شاء الله تعالى.

стр. 755

الفصل الثاني: في وقت المعذورين ونعني بالعذر ما يسقط القضاء كالجنون والصبي والحيض والكفر ولها ثلاثة أحوال. الأول: أن تكون موجودة في أول الوقت ولكن -تزول في آخره فإذا زال ذلك وقد بقى من الوقت مقدار ركعة وكذا دونها على أصح القولين لزمه فرض الوقت ثم قال: والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد وإنما يلزم فرض بإدراك قدر الركعة بشرط وهو أن تمتد السلامة عن الموانع قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة، أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا. مثال: إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق المجنون ثم عاد جنونه، فإن مضى في حال السلامة قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزمته العصر وإلا فلا. انتهى. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من الرجوع في هذه الركعة إلى أخف ما يقدر عليه [أحد مشكل خارج عن القواعد بل القواعد تقتضي الرجوع إلى أخف ما يقدر عليه] (١) الغالب أو صاحب الواقعة أو إلى الوسط بين ذلك كما سبق في المغرب. الثاني: أنه ساكت عن السترة، والقياس اعتبارها أيضًا بل لو قيل باعتبار من الاجتهاد في القبلة لكان متجها لأنها أيضًا من جمله شروط الصلاة وإلا فما الفرق؟ الأمر الثالث: أن التعبير بالطهارة يدخل فيه طهارة الخبث والحدث

стр. 756

أصغر كان أو أكبر وهو متجه أيضًا، وقد تقدم في الكلام على وقت المغرب نحوه. الرابع: أن الحكم الذي ذكره في المثال المذكور وهو لزوم العصر بخلو المانع عن مقدار ما يسعها هي والطهارة خاصة عجيب، فإن المغرب لا سبيل إلى عدم إيجابها مع كونه قد أدرك من وقتها ما يسعها، وإذا أوجبنا تعين أى يصرف إليها من الوقت الخالي عن الموانع ما يكفيها لأنها صاحبة الوقت، وما فضل يجعل للعصر ويلزم من ذلك حينئذ عدم وجوبها في مثالنا، لأن الفاضل لا يكفيها؛ فاعلم ذلك فإنه منهم مطرد في سائر الصلوات ولهذا صرح الرافعي في آخر الحال فيما إذا زال العذر في أثناء وقت الثانية وعاد بأنه لابد في وجوب [الصلاتين] (١) من زوال المانع مدة تسعهما، ومسألتنا أولى وقد صرح بها البغوي في "التهذيب" يدل عليه أن المريض إذا مات بعد التمكن من صوم البعض لا يلزمه الفدية عن الباقي؛ لأن الأمر بالقضاء شرطه التمكن من القضاء. قوله: في المسألة فإن كانت الصلاة مما تجمع مع قبلها كالعصر والعشاء لزم أيضًا الظهر والمغرب؛ لأن وقت العصر وقت الظهر في حالة العذر ففي حالة الضرورة وهي فوق العذر أولى. انتهى. تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وفيه أمران: أحدهما: أنه لابد من زوال المانع في زمن يسع الصلاتين لأجل ما تقدم نقله قريبًا عن الرافعي، بل مسألتنا هذه أولى من تلك بالاشتراط؛ لأن الإدراك في الوقت أقوى منه خارج الوقت. الأمر الثاني: أن هذا التعليل يقتضي أن الظهر إذا أدركها في وقت الثانية

стр. 757

تكون أداء لا قضاء كما قالوا به في المسافر وهو محتمل والمتجه خلافه. قوله: وهل تعتبر مع الركعة أو دونها أن يدرك من الوقت ما يسع الطهارة؟ فيه قولان: أحدهما: نعم لأن الصلاة إنما تمكن بعد تقديم الطهارة. وأصحهما: لا؛ لأن الطهارة لا تختص بالوقت ولا تشترط في الإلزام، وإنما تشترط في الصحة، ألا ترى أن الصلاة تجب على المحدث ويعاقب على تركها. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف قد حكاه الرافعي في الشرح الصغير وجهين على خلاف ما حكاه ههنا وكلاهما صحيح؛ لأن الإمام في النهاية حكاهما قولين ثم قال: وأرى أنهما مخرجان وإذا كانا مخرجين صح التعبير بالوجهن أيضًا؛ لأن القول المخرج في الحقيقة وجه وكذلك صححوا أنه لا ينسب إلى الشافعي. الأمر الثاني: أن هذا التعليل الذي علل به عدم اشتراط إدراك ما يسع الطهارة في الوقت يقتضي أيضًا عدم اشتراطه خارجه وقد تقدم تصحيح خلافه. قوله: الحالة الثانية أن يخلو أول الوقت عن العذر ويوجد في أثنائه كما لو طرأ الحيض أو النفاس أو الجنون أو الإغماء فينظر إن كان الوقت الماضي قدر ما يسع الصلاة استقرت الصلاة وجب القضاء وإلا فلا، والمعتبر أخف ما يمكن الركعتين في ظهر المسافر ثم قال: ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت، فإن

стр. 758

لم يجز تقديمها كالتيمم وطهارة المستحاضة فلابد من زمن لها أيضًا ولإخلاء وسط الوقت عن العذر ثم عاد كان كأوله. انتهى كلامه. والتمثيل في آخر كلامه بالتيمم وطهارة المستحاضة قد يوهم اختصاص ذلك بمن فيه مانع من رفع الحدث، ولا شك أن الحيض والنفاس والإغماء ونحوهما لا يمكن معها فعل الطهارة، وحينئذ فإذا طهرت الحائض مثلًا في أخر الوقت ثم جنب بعد إدراك [فعل] (١) الصلاة خاصة فينبغي عدم الوجوب؛ لأن الزمن المتقدم على المقدار الذي أدركته وهو زمن الحيض لا يمكن فيه فعل الطهارة. قوله: وقال البلخي: حكم أول الوقت حكم آخره فيجب القضاء بإدراك ركعة أو تكبيره، ثم قال بعد ذلك بقليل: والعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافا للبلخي حيث قال: إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر جميعًا كما تلزمه الأولى بإدراك الثانية. انتهي. تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن البلخي مع أن اشتراط الثمانية في إيجاب الصلاتين لا يستقيم مع ما تقدم عنه من إيجاب الصلاة بإدراك بعضها لأنه إذا اكتفي بالبعض فلا يشترط أربع في مقابلة الظهر، وقد ذكره على الصواب جماعة منهم الماوردي فقال ما حاصله: إن البلخي يجعل إدراك الركعة في أول وقت الظهر كإدراكها في آخر وقت العصر حتى يجب عليه بسببها الظهر وفي العصر القولان، وذكر الإمام نحوه أيضًا فقال قبيل باب صفة الأذان: وذهب أبو يحيى البلخي من أئمتنا إلى أن القول في إدراك أول الوقت في رعاية التكبير على قول الركعة على آخر، والنظر في

стр. 759

إدراك صلاة العصر بإدراك وقت الظهر كالقول في إدراك الظهر في آخر العصر هذا كلام الإمام على أن جماعة قد ذكروا ما ذكروا الرافعي ثانيًا تجمع الرافعي بين المقالتين وهو لا فوقع فيما وقع. قوله: ويؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ويضرب على تركها إذا بلغ عشرًا لقوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (١)، قال الأئمة: فيجب على الأباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السبع والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب العشر معنيين: أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالإحتلام فربما بلغ. والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب. وأجره تعليم الفرائض في مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب فإن لم يكن فعلى الأم، وهل يجوز أن يعطي الأجرة من مال الطفل على تعليم سورة الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أنه ليس في كلامه بيان لمن يتعاطى ذلك فنبينه إن شاء الله تعالى فنقول: إن لم يحتج ذلك إلى بذل مال فالمتجه وجوبه على من هو في حضانته إن كان الولد أنثى، فإن كان ذكرًا والأب موجود فيجب

стр. 760

عليه؛ لأن الولد يقيم عنده نهارًا بخلاف البنت وإن احتاج إلى بذل مال فالولي يتعاطاه مطلقًا إن وجب في مال الولد، فإن وجب في مال الأب ولم يكن وليًا فالمتجه عدم صحة الاستئجار منه، وإن وجب في مال الأم ولم تكن وصية فالمتجه صحة الاستئجار منها. وفي وجوبه نظر. ويحتمل أن يقال: إن كان الأب موجودًا بصفة الولاية لمحهو الذي يتعاطاه. الأمر الثاني: أن الوجوب ليس قاصرًا على الآباء والأمهات، بل يجب كما قاله في "شرح المهذب" على الولي سواء كان أبًا أو جدًا أو وصيًا أو قيمًا من جهة الحاكم. قلت: والملتقط ومالك الرقيق في معنى الأب وكذلك المودع والمستعير ونحوهما فيما يظهر. قال الطبري في شرح التنبيه: ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته، بل لابد معه من التهديد. الأمر الثالث: المراد بالشرائع ما كان في معنى الطهارة والصلاة وذلك كالصوم ونحوه؛ لأنه المضروب على تركه. الأمر الرابع: أن تعبيره ظاهر في اشتراط كمال السبع والعشر، وقد صرح به الشيخ نصر في المقصود وصرح به غيره أيضًا ولكن قياس المعنى الأول من معنى الضرب أن يكون دائرًا مع إمكان البلوغ، وقد صرح به الماوردي، وحينئذ فيضرب باستكمال تسع إذا قلنا أن إمكان البلوغ يدخل به، وهو الصحيح فتفطن لذلك واعلمه. ولهذا قال الطبري في "شرح التنبيه": هل يعتبر في أمره وضربه استكمال السابعة والعاشرة؟ فيه وجهان.

стр. 761

ففي "شرح الكفاية" للصيمري أنه لو ضربه قبل العشر المرة المرتين ليعتاد كان أحوط. الأمر الخامس: لا شك أن التمييز لابد منه فى الأمر والضرب، وتركه الرافعي لوضوحه لكن مقتضى عبارته أن السبع لابد منها وإن وجد التمييز قبلها، وقد صرح في "شرح المهذب" بما يدل عليه، وادعى في الكفاية أنه المشهور، وحكى معه وجهًا أنه يكفي التمييز وحده كما في المختصر الأبوين وبه جزم في "الإقليد". الأمر السادس: أن الشافعي ﵀ قد نص في المختصر على أن التعليم والضرب عليه يشرعان بمجرد التمييز كما هو المعهود والآن من المعلمين للأطفال فقال: وعلى الأباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا هذه عبارته فاعلم ذلك. وحينئذ فيكون الضمير في قول الرافعي والضرب على تركها يعود إلى الشرائع خاصة، وهو ظاهر عند التأمل. الأمر السابع: اختلف عبارات الأصحاب في ضبط التمييز وأحسن ما قيل فيه أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده، وروى أبو داود أنه ﵊ سئل متى يؤمر الصبي بالصلاة فقال: إذا عرف يمينه من شماله (١) ثم قال: إنه عن رجل غير معين عن

стр. 762

رسول الله ﷺ . الأمر الثامن: أن عبارة الرافعي تقتضي أنه لا فرق في أمر الصبي بالصلاة بين أن يكون أداء أو قضاء، وهو كذلك صرح به الشيخ عز الدين في باب اللعان من "مختصر النهاية" قال: إلا أنه إذا بلغ لم يؤمر بها. التاسع: أن الأصح من الوجهين في إعطاء الأجرة على ما زاد على الفرائض هو الجواز كذا صححه النووي في التحقيق "وشرح المهذب" و"زيادات الروضة". العاشر: الحديث المذكور رواه بهذا اللفظ أبو داود بإسناد حسن، وروى نحوه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن خزيمة وكذا الحاكم والبيهقي وقالا: إنه على شرط مسلم. قوله: فرعان: أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام الجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظًا على المرتد ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التى ينتهي إليها السكر لا محالة، وهل يقضي صلوات أيام الجنون؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يقضي صلوات أيام الجنون، والفرق أن من جن في ردته في جنونه حكمًا، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعًا. انتهى كلامه. وقد استفدنا مما قاله في السكران أنه لا خلاف في وجوب قضاء مدة السكر المقارنة للجنون وغيرها وأن الخلاف في مدة الجنون التي لم تقارن السكر، واستفدنا من كلامه أيضًا أن الوجوب على المرتد المجنون أولى من السكران المجنون وهو أصح.

стр. 763

وحينئذ فيلزم من دعواه عدم الخلاف في مدة الجنون المقارنة للسكر عدم الخلاف ليس كذلك، بل اختلف الأصحاب في زمن الردة المقارنة للجنون هل يجب قضاء ما فات فيها أم لا؟ على وجهين: وحينئذ فليزم جريان عدم الوجوب مدة السكر المقارنة للجنون بطريق الأولى. وهذا الخلاف قد صرح به الإمام في آخر سجود السهو، وذكره الرافعي في نظير المسألة من الصوم وهو ما إذا ارتدت ثم حاضت. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" و"التحقيق" وغيرهما قد وافق الرافعي على وجوب قضاء زمن الجنون المقارن للسكر، وصرح في "شرح المهذب" بما يخالفه فقال: فرع: لو سكر ثم جن ثم أفاق وجب قضاء المدة التي قبل الجنون، وفي مدة الجنون وجهان مشهوران الأصح لا يجب؛ لأنه ليس بسكران في مدة الجنون بخلاف الردة هذه عبارته، وهي تدل على ما قلناه، وإن كان التعليل قاصرًا موهمًا لخلافه والمذكور في "الكفاية" كما في الرافعي، وهو الصواب المعروف، ولا يلتفت لما وقع في "شرح المهذب" فإنه سهو أو تحريف في التعبير أو مؤول ويدل عليه التعليل وقد صرح أيضًا في الشرح المذكور بالاتفاق على أن الفائت في زمن جنون المرتد يجب قضاؤه، وكلاهما مردود أما الأول قلما عرفت، وأما الثاني ففيه وجهان أيضًا رأيتهما في كتاب "الاستذكار" للدارمى، فقال: وإن حاضت في ردتها فوجهان، هذه عبارته.

стр. 764

الفصل الثالث: في الأوقات المكروهة قوله: الأوقات المكروهة خمسة، وقتان يتعلق النهي فيهما بالفعل وهما: بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، وثلاثة بالزمان وهي: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند الاستواء حتى يزول الاصفرار حتى يتم غروبها. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن المراد بحصر الكراهة في الخمس إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية فستأتي كراهة التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، واعلم أن الرافعي في "المحرر" قد عد أيضًا أوقات الكراهة خمسة، وأهمل في "المنهاج" تبعًا لبعضهم وقتين وهما حالة الطلوع والغروب لتوهمهم اندراجهم تحت قولهم بعد الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح وبعض العصر حتى تغرب، وليس كذلك فإنه إنما يتناول من صلى الصبح والعصر والكراهة في ذينك الوقتين وهما حالة الطلوع والغروب يعم من صلى ومن لم يصلى عاصيًا بالترك كان أو غير عاصٍ، حتى إذا تنفل الصبى والتارك بلا عذر في هذين الوقتين لم تنعقد صلاتهما، وكذلك من زال عذره عند طلوع الشمس مثلًا كحائض طهرت وناسٍ تذكر، وحينئذ فالكراهة لها سببان في حق من صلى وسبب واحد في حق من لم يصل. الأمر الثاني: أن ما ذكره بعد الصبح والعصر متعلقه بالفعل ليس كذلك بل به وبالوقت معًا؛ لأنه لو صلاهما قضاء في وقت آخر لم يكره النفل بعدهما وإنما يكره ذلك إذا أوقعهما في وقتهما.

стр. 765

الثالث: أن عبارة الرافعي تدخل فيها ما إذا جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم لغرض ما من سفرًا ومطرًا ومرض حتى يكره له التنفل في وقت الظهر؛ لأنه يصح أن يقال: تنفل بعد صلاة العصر أداء والأمر كذلك وقد صرح البندنيجي في باب صلاة المسافر من تعليقه نقلًا عن الشافعي والأصحاب، ونقله عنه ابن الرفعة في الباب المذكور أيضًا في الكلام على شروط الجمع وهي مسألة حسنة غريبة وحكمها متجه ورأيت في فتاوي العماد بن يونس الموصلي أنه لا يكره قال: لأنه لو نسى الصبح أو العصر وصلاه لا يكره وإن كان وقتها، والذي قاله مردود بما ذكرناه مجموع بنص الشافعي والاستشهاد الذي استدل به ليس نظير ما نحن فيه على أنه قد تابعه بعض المتأخرين ممن شرح الوسيط ذهولًا عما تقدم وهذا القائل هل يقول بالكراهة بمجرد دخول وقت العصر أم لابد من مضى زمان يسع فعلها؟ فيه نظر، وقوله: قيد رمح هو بكسر القاف أي قدر وقاد لغة فيه، وقاس وقيس بالسين مثله أيضًا. قوله: ولا يكره في هذه الأوقات صلاة لها سبب متقدم أو مقارن فمنها صلاة التحية فإنها لا تكره خلافًا لأبي عبد الله الزبيرى، ثم قال فلو دخل في هذه الأوقات لا لحاجة بل ليصلي التحية فوجهان أقيسهما أنها تكره كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن المكروه في حق مؤخر الفائتة الذي قاس عليه هذه المسألة إنما هو التأخير ولا يصح القول بكراهة الفعل فإنه إما واجب أو مستحب وحينئذ فيكون المكروه في حق الداخل إنما هو الدخول لذلك الغرض، وأما الصلاة نفسها فلا تكره بعد الدخول وهو متجه على أن الإمام قد جزم في تأخير الفائتة بعكس ما ذكره الرافعي.

стр. 766

الأمر الثاني: من جملة الأسباب المقتضية لعدم الكراهة إعادة الصلاة حيث شرعت بصلاة المنفرد والمتيمم ونحوها ولم يدخل في التعبير بالقضاء فتفطن له. قوله: ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان: أحدهما: تكره وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وآخرون. وأظهرهما: أنها لا تكره. انتهى ملخصًا. وما ذكره من تصحيح عدم الكراهة قد تابعه عليه النووي في هذا الباب من الروضة و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه ثم صحح في "شرح المهذب" أيضًا في باب الاستسقاء أنها تكره، ولما صححه هناك ذكر أن هذا التصحيح قد تقدم في موضعه وهو غريب فإنه إنما قدم العكس كما ذكرته لك وهو يشعر بأنه إنما حصل عن سهو، ولهذا نقل الإمام والغزالي في البسيط عن الأكثرين عدم الكراهة فتكون الفتوى عليه. قوله: وروى أنه ﷺ رأى قيس بن قهد يصلي ركعتين بعد الصبح فقال: "ما هاتان الركعتان" فقال: إنى لم أكن صليت ركعتي الفجر فسكت رسول الله ﷺ . ولم ينكر عليه (١). انتهى.

стр. 767

قهد بالقاف وسكون الهاء وبالدال المهملة، وهو في اللغة الأبيض الأكدر قاله الجوهري. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وإسناده ضعيف، قال الترمذي: الأصح أنه مرسل، وروى عن قيس بن قهد كما ذكره في الكتاب والأكثرون قيس بن عمرو وهو الصحيح عند جمهور أئمة الحديث كما قاله في "شرح المهذب". قوله: ولا تكره الصلاة يوم الجمعة في وقت الاستواء وقيل في جميع اليوم وقد روى: إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة (١) انتهى. هو بالسين المهملة والجيم ومعناه توقد، قال الجوهري: سجرِت التنور أسجره سجرًا إذا حميته ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٢) والحديث المشار إليه رواه أبو داود عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن أبي قتادة أن النبي ﷺ كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة"، قال أبو داود وهو مرسل فإن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة والمرسل عندنا حجة إذا اعتضد بأحد أمور وقد وجد ههنا كثير منها. قوله: ولا تكره أيضًا في حرم مكة، وقيل في المسجد الحرام خاصة، وقيل تكره مطلقًا ويدل على الاستثناء قوله ﵊: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهارٍ" (٣) انتهى.

стр. 768

فيه أمران. أحدهما: أن الصلاة وإن كانت لا تكره في الأوقات المكروهة في مكة إلا أن الأولى ألا تفعل، قاله المحاملي في "المقنع". الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه أصلًا؛ لأنه ليس فيه تعرض لشرائط الصلاة ولا لبيان أوقاتها ولا لتجويز الصلاة لكل أحد في كل وقت فعدم التعرض إلى وقت الكراهة نظير عدم التعرض إلى الوقت الممتنع في الفرائض والنوافل وإلى الأحوال الممتنعة فيها كالحدث والنجس وغير ذلك وكما لا يدل الحديث على جواز هذه الأمور كذلك لا يدل على جواز فعلها في هذا الوقت والحاصل أن الحديث يدل على نهي بني عبد مناف وعن منع المصلي والطائف ونحن -نعلم ضرورة أن شرط هذا أن تكون الصلاة والطواف جامعين للشرائط المعتبرة- التي قامت الأدلة من خارج على إعتبارها وهذه الأوقات قد تحصل الصلاة فيها لأسباب -والحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان وكذا الحاكم -وقال إنه على شرط مسلم إلا أن روايتهم مخالفة للمذكور هنا في بعض اللفظ- قوله: ومتى ثبتت الكراهة فلا تصح على أظهر الوجهين نذر أن يصلى في هذه -الأوقات، فإن قلنا بإنعقادها صح نذره وإلا فلا، وإذا صح نذره

стр. 769

فالأولى أن يصلي- في وقت آخر كمن نذر أن يضحي بشاة فذبحها بسكين مغصوبة يصح نذره ويذبحها بغير مغصوب. انتهى كلامه ملخصًا. تابعه عليه في الروضة والكلام عليه موقوف على تقديم شيئين. أحدهما: أن تصحيحه هنا عدم الانعقاد موافق لما سيأتي من كون الكراهة كراهة تحريم على الصحيح، وحينئذ فيكون الخلاف في الصحة مفرعًا على الخلاف في التحريم ولا يمكن أن يكون تفريعًا على القول بالتحريم فقط؛ لأنه لو كان كذلك لوجوب فعله في وقت آخر على القول بالصحة، وقد سبق أنه لا يجب وإنما هو أولى، ولا تفريعًا على القول بكراهة التنزيه لاستحالة البطلان مع ذلك الإبطال يقتضي تحريم الإقدام عليه كما سنوضحه في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى. الثاني: ستعرف إن شاء الله تعالى في كتاب النذر أنه إذا نذر صلاة في وقت معين وجب فعلها فيه على الصحيح. إذا تقرر ذلك فنعود إلى مسألتنا فنقول: إذا صح النذر تفريعًا على كونه لا تحريم فلم لا يجب فعله في ذلك الوقت وفاء بالقاعدة، ولم جوزنا العدول عنه حتى جعلناه أولى، وقياس ذلك السكين المغصوب لا يصح لاتفاقهم على عدم تعيين الآلة؛ لأنها لو كانت ملكًا لم يجب الذبح بها، فإن قيل إنما ألغينا التقييد بذلك الوقت لكونه مكروهًا قلنا: الكراهة لا تنفي الصحة، وأيضًا فكان يلزم القول بالإلغاء أيضًا على القول بتحريمه وعدم صحته، بل المتجه القول بصحة النذور وإيجاب الفعل في ذلك الوقت؛ لأنه إذا فعله في الوقت المكروه مع تقدم النذر يكون قد صلى صلاة لها سبب متقدم، وهو النذر وما كان كذلك لا كراهة فيه حتى يقال: هل هي كراهة تنزيه أم تحريم. ونظير هذه المسألة ما إذا نذر صوم يوم الشك وسيأتيك إن شاء الله تعالى

стр. 770

في الصيام على نوع آخر من الإشكال، وما ذكرناه جميعه محله ما إذا كان الجار والمجرور في كلام الرافعي أعني في هذه الأوقات متعلقًا بـ "يصلى" كما هو مقتضى تعبيره، أما إذا تعلق بنذر أى نذر في هذه الأوقات أن يصلي فلا إشكال في الصحة وفي جواز تأخيره إلى أى وقت أراد؛ لأنه لم يعلقه بوقت معين. قوله في "زياداته": وكراهة الصلاة في هذه الأوقات حيث أثبتناه كراهة تحريم على الأصح. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أنه قد صحح أيضًا التحريم في هذا الباب من "شرح المهذب" و"شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" ثم صحح في هذا الباب من التحقيق أنها مكروهة كراهة تنزيه فقال ما نصه: كراهة تنزيه، وقيل: تحريم. انتهى. وبه جزم في أوائل "شرح المهذب" في الكلام على الماء المشمس، وجزم به أيضًا هناك في كتابه المسمى بالاشارات الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج" وهو مقتضى كلامه في المنهاج و"مهمات الأحكام" فإنه حكم فيهما بكراهتها، واقتصر عليه ولفظ الكراهة متى أطلق كان المراد به كراهة التنزيه. والذي عليه الفتوى هو: التحريم، فقد نص عليه الشافعي في "الرسالة" في باب اليمين عن معنى يشبه الذي قبله، ورأيت في شرح رسالة الشافعي لأبي الوليد النيسابوري أحد أصحاب ابن سريج إطلاق نقل ذلك عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: إذا صلى في الأوقات المنهي عنها عزر. الأمر الثاني: أن الشيخ محى الدين لما ذكر في "شرح المهذب" والإشارات والتحقيق أنها مكروهة كراهة تنزيه صرح مع ذلك في هذه

стр. 771

المواضع من هذه الكتب بأن الأصح عدم انعقادها، وصرح به أيضًا في شرح "الوسيط" فقال: الأصح عدم انعقادها. وإن قلنا إنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا عجيب، فكيف يقال: بأن العبادة لا تنعقد ويقال مع ذلك إن فعلها جائز مع أن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام اتفاقًا لكونه تلاعبًا. والذي أوقع النووي في هذا هو الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فإني رأيت في "فوائد المهذب" له هذا الكلام بعينه في هذا الموضع بعينه وهو الماء المشمس فقال: والكراهة مانعة من الصحة سواء أكانت تحريمًا أم تنزيهًا؛ لأنها تضاد الأمر كيف ما كانت؛ لأنها للترك والأمر طلب الفعل، هذا لفظه، وهذه النكت قد وصل فيها إلى أواخر الإحداث متصلًا، وعلق على مواضع أخرى مفرقة وفيه فوائد كثيرة وقد أخذ النووي أكثرها بلفظها ووضعها في "شرح المهذب" فقلده في هذا الموضع العجيب، ومما يدل على تقليده إما فيه النسخة التي نقلت منها ذلك في مجموع كان له أعني للشيخ محى الدين فإنه كتب عليه اسمه وقابله وحشاه بخطه في مواضع كثيرة، وذكر أيضًا ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" [هنا نحوه أيضًا، وقلده فيه أيضًا العماد بن السكري في "حواشي الوسيط"] (١). الأمر الثالث: إذا قلنا إنها تكره وتنعقد فينبغي ألا يحصل فيها ثواب كما قال القاضي أبو الطيب إن من صام بعد نصف شعبان وغيره من الوقت المنهي عنه وصححناه فإنه لا ثواب فيه كذا نقله ابن الرفعة هناك عنه. وقد نص جماعة على أن الصلاة في الدار المغصوبة تصح ولا ثواب فيها، وقد تكلم فيه الشيخ محى الدين في "شرح المهذب" فقال في باب طهارة البدن والثوب: قال القاضي أبو منصور أحمد بن محمد بن عبد الواحد في "الفتاوى" التي نقلها عن عمه ابن الصباغ صاحب "الشامل":

стр. 772

المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة ولا ثواب فيها، قال القاضي أبو منصور: ورأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من أبطل صلاته قال: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتاب "الكامل" أنه ينبغي حصول الثواب عند من صححها. قال القاضي: وهو القياس. انتهى ما قاله ملخصًا. ومن نظائر المسألة: ما إذا استأجر المغصوب في التطوع، وقلنا: لا يجوز، إن الحج يقع للثابت ولا ثواب له هكذا جزم به الشيخ في "المهذب" والمتولي في "التتمة" والعمراني في "البيان"، وحكاه النووي في "شرح المهذب" عنهم قال: وقال به أيضًا جماعة آخرون ثم قال: والمختار حصوله. ورأيت في [الألغاز] (١) للجرجاني في باب الأواني أنه إذا صلى في ثوب حرير أو صلى عليه يسقط به فرضه ولا ثواب.

стр. 773

الباب الثاني في الأذان وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان الصلاة التي هي محل الأذان قوله: والأذان والإقامة سنتان لأنهما للإعلام والدعاء للصلاة فصار كقوله في العيد: الصلاة جامعة، وقيل إنهما فرضا كفاية لقوله ﵊ "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم" (١)، وقيل فرضا كفاية في الجمعة دون غيرها، فإن قلنا إنهما فرضان فإنما يسقط الحرج بإظهمارهما في البلد والقرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا. انتهى. وليس في كلامه تصريح بأن القائل بفرض الكفاية هل يوجبه لكل صلاة من الخمس أم لا؟ وقد نص الفوراني على المسألة فقال: يسقط فرض الكفاية بالأذان لصلاة واحدة في كل يوم وليلة ولا يجب لكل صلاة، وحكى إمام الحرمين هذا عنه ولم يحك غيره، وقال لم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة قال: ودليله أنه إذا حصل مرة في كل يوم وليلة [لم] (٢) يندرس الشعار، واقتصر الغزالي في "البسيط" على ما ذكره الفوراني. قال في "شرح المهذب": والصواب وهو ظاهر كلام الجمهور إيجابه لكل صلاة. واعلم أن التعليل الذي ذكره الرافعي لكونه رواه الشيخان من رواية مالك بن الحويرث.

стр. 774

قوله: فإذا قلنا: الأذان فرض كفاية في الجمعة فقيل: الواجب هو الذي بين يدي الخطيب وقيل: يسقط الوجوب بالأذان المأتي به لصلاة الجمعة، وإن لم يكن بين يدي الخطيب. انتهى كلامه. لم يصح في الروضة ولا في "شرح المهذب" أيضًا شيئًا منهما، وقد نص في "البويطى" في باب الأذان على المسألة فقال ما نصه: قال -يعنى: الشافعي- والنداء الواجب يوم الجمعة وهو يجزئ عن غيره هو النداء الذي يكون والإمام على المنبر يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حتى يجلس الإمام على المنبر. انتهى لفظه، وحاصله أن الشرط فيه كونه بعد خروج الإمام سواء كان بين يديه أم لا. قوله: فالمنفرد في الصحراء أو في المصر هل يؤذن أم لا؟ الجديد أنه يؤذن لما روى أن رسول الله ﷺ قال لأبي سعيد الخدري: "إنك رجل تحب البادية والغنم فإذا دخل عليك وقت الصلاة فأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد لك يوم القيامة" (١).

стр. 775

وحكى عن القديم أنه لا يؤذن، وقال بعضهم: إن كان يرجوا حضور جمع أذن وإلا فلا. والجمهور اقتصروا على ذكر المنسوب إلى الجديد ولم يتعرضوا للخلاف. نعم حكى القول القديم في "التتمة" ولكن إذا كان المنفرد يصلي في المصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء. انتهى ملخصًا. فيه أمور أحدها: أن ما ذكره من أن النبي ﷺ قد قال ذلك لأبي سعيد قلد فيه الغزالي، والغزالي قلد فيه الإمام وهو غلط، كما قاله جماعة منهم النووي في تهذيب الأسماء واللغات وفي غيره أيضًا قال: والصواب ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: قال لي أبو سعيد! إنى أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ . الأمر الثاني: أن النووي ﵀ في "الروضة" قد حكى في المسألة طريقتين. إحداهما: حاكية للخلاف. والثانية وصححها: قاطعة بالجديد.
следующие страницы →