نعم: يجوز الكسر والفتح في قولهم: فيه سداد من عور، وأصبت به سدادًا من عيش أى ما يسدد به الخلة وإن كان الكسر أفصح، قاله جميعه الجوهري.
قوله: ليس لراكب اليعاسيف ترك الاستقبال في شئ من نافلته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له مقصدًا معلوم، وقول الغزالي، ولا يصلي راكب اليعاسيف معناه: أنه لا يتنفل متوجهًا إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلًا، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلًا في جميع صلاته. انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه يجوز لراكب اليعاسيف أن يتنفل على الدابة مستقبلًا للقبلة، وهو مقتضى ما في الروضة أيضًا، وهذا غير مستقيم، فإن هذا السفر حكمه حكم الإقامة إذ لا يستبيح به شيئًا من الرخص، والمذهب في المقيم أنه لا يجوز له التنفل على الراحلة إلى القبلة، ولا إلى صوب مقصده، بل لو صلى على الأرض مضطجعًا وجوزناه كما هو الصحيح، فلابد من الجلوس لفعل الركوع والسجود ولا يكفي الإيماء بهما، بل لا يجئ في مسألتنا الخلاف في المقيم، فإن علة التجويز للمقيم كونه محتاجًا إلى التردد لحاجته كما يحتاج المسافر، وهذه العلة مفقودة هاهنا، لأن هذا التردد عبث لا حاجة إليه، وقد تفطن في "شرح المهذب" للصواب، فقال: الرابعة: إذا كان المسافر راكب يعاسيف، وهو الهائم الذي يستقبل تارة، ويستدبر أخرى، وليس له مقصد معلوم، فليس له الترخيص بشئ من رخص السفر هذا كلامه، والذي وقع للرافعي قلد فيه الإمام، وقد نقله عن ابن الصلاح في "مشكل الوسيط"، ثم اعترض عليه بما ذكرته، فقال: وقوله: يعني الغزالي، ولا يتنفل أصلًا، أطلقه وقد قيده شيخه
стр. 807
في "النهاية"، فقال: لا يتنفل أصلًا إذا لم يكن مستقبلًا في جميع صلاته.
فأقول: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر وراكب اليعاسيف لا يترخص بترخص السفر، فهو إذًا كالمقيم هذه عبارته، ثم ذكر بعد ما يقتضي جريان الخلاف الذي في المقيم، واعترضه صحيح وصريان الخلاف غير صحيح، نعم! إن كان هذا المذكور. له مقصد صحيح في هذا الفعل كالذي يطلب ضالة أو آبقًا ونحوهما، فلا شك أنه على الخلاف في المقيم، واليعاسيف مأخوذ من العسف، وهو ركوب الأمر بغير روية وركوب الفلاة وقطعها على غير صوب، قاله الأزهري.
قوله في المسألة: ولو كان له مقصد معلوم لكن لم يسر في طريق معين فله التنفل مستقبلًا جهة مقصده على الأظهر، وعلى الثاني لا لأنه لم يسلك طريقًا مضبوطًا، فقد لا يؤدي سيره إلى مقصد. انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف قولين، وحكاه في "التحقيق" وجهين، والصواب الأول والمقصد بكسر الصاد كما ضبطه ابن الصلاح والنووي.
قوله: الثانية لو انحرف المتنفل عن صوب الطريق أو حرف الدابة عنه ناسيًا، وعاد على العرف لم تبطل صلاته، ثم قال: هل يسجد للسهو، ذكر الصيدلاني والإمام والغزالي وصاحب "التهذيب" أنه يسجد، لأن عمده مبطل، وحكى الشيخ أبو حامد في طائفة عن نص الشافعي أنه لا يسجد. انتهى ملخصًا.
وقد صحح في "الشرح الصغير" الأول أعني السجود وهو المذكور في
стр. 808
"الحاوي الصغير" أيضًا، ونقله الخوارزمي في "الكافي" عن نص الشافعي، ومقتضى كلام "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب"، ترجيح عدم السجود، فإنه قال: فيه وجهان: المنصوص لا يسجد، وهذه العبارة أظهر في الترجيح من كلام الرافعي في "الشرح الكبير"، لكن هذا التصحيح خارج عن القاعدة لكون عمله مبطلًا كما تقدم ذكره، ومعارض أيضًا بما نقله الخوارزمي عن الشافعي، ومشكل بما إذا جمحت الدابة وعادت على الفور، فإن الأصح في "الروضة" وغيرها أنه يسجد.
فإذا علمت هذه الأمور كلها تعين أن تكون الفتوى على السجود على خلاف ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها من كتب النووي فاعلمه.
وكأن النووي لم يطلع إلا على النص الذي نقله الرافعي.
قوله في أصل "الروضة": أما الراكب في مرقد ونحوه مما يسهل فيه الاستقبال وإتمام الأركان، فعليه الإستقبال في جميع الصلاة وإتمام الأركان على الأصح كراكب السفينة والثاني لا يشترط وهو منصوص. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به في حكاية الوجهين قد ضعفه في شرح المهذب، فإنه حكى في المسألة طريقين:
إحداهما: هذه.
والثانية: القطع بالوجوب، قال؛ وهي المذهب وقطع بها الجمهور.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر وجهًا أنه يجب الاستقبال دون إتمام الأركان كما قيل بمثله في المتنفل على الأرض مضطجعًا ولم يذكره في "الروضة".
стр. 809
قوله: أما الماشي فيتم ركوعه وسجوده ويستقبل فيهما وفي إحرامه، ولا يمشي إلا في قيامه، وكذا في تشهده على ظاهر المذهب. انتهى ملخصًا.
وما ذكره من حصر المشي إلا في قيامه تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي أنه يمشي في حال الاعتدال دون الجلوس بين السجدتين، وقد صرح به في "الكفاية" نقلًا عن البغوي وغيره، وفرق بأن مشي القائم يسهل، فسقط عنه التوجه فيه ليمشي فيه شيئًا من سفره قدر ما يأتي بالذكر المسنون، ومشى الحالتين لا يمكن إلا بالقيام وقيامه غير جائز، فكان عليه التوجه فيه.
قوله: ولا كلام في أن الماشي لو مشى على نجاسة قصدًا فسدت صلاته، ولكن لا يجب عليه التحفظ لأنه يشق ولو انتهى إلى نجاسة ولم يجد معدلًا عنها، فقد قال الإمام: هذا فيه احتمال، قال: ولو شك في البطلان في الرطبة، وإن كانت عن غير قصد، لأنه يصير حاملًا للنجاسة، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الإمام من التوقف في اليابسة، تبعه عليه في "الروضة" وغيرها، ولم يزد عليه، وذكر في التحقيق ما حاصله أن المعروف البطلان فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما قاله الإمام في الرطبة قد تبعه عليه في "الروضة" وجزم به مع أن شرطه أن يحصل تلوث كبير لا يقع في حد العفو، كذا صرح به الرافعي في هذه المسألة بخصوصها ذكر ذلك في باب شروط الصلاة.
قوله: ويشترط دوام السفر فلو مر ببلدة له بها أهل وعشيرة فهل يصير مقيمًا بدخولها؟ فيه قولان. انتهى.
والأصح منهما أنه لا يصير، كذا صححه الرافعي في صلاة المسافر.
стр. 810
اعلم أنه لو إبتدأ النافلة على الأرض ثم أراد السفر، ففي شرح المهذب أنه يلزمه الاستئناف بلا خلاف، وجزم به في التحقيق، وكان ينبغي أن يفصِّل، فيقال: إن اضطر إلى ذلك بأن رحلت الرفقة وتضرر بتخلفهم بنى وإلا استأنف كما قالوا في صلاة الخوف فيمن افتتح الفرض على الأرض ثم ركب.
قوله من "زوائده": قال أصحابنا: والنفل في الكعبة أفضل منه خارجها وكذا الفرض إن لم يرج جماعة، فإن رجاها فخارجها أفضل، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التنفل في البيت أفضل من التنفل في المساجد، حتى مسجد المدينة كذا ذكره في "شرح المهذب" في هذا الباب، وقد ذكر الماوردي أن حرم مكة مساوٍ لمسجدها في المضاعفة، ونقله عن النووي في مناسكه، وأقره بخلاف حرم المدينة، وحينئذ فإذا ثبت تفصيل التنفل في البيت على فعله في مسجد المدينة كما تقدم نقله عن شرح المهذب لزم ذلك في مسجد مكة بطريق الأولى، وإطلاقهم في باب صلاة التطوع يدل عليه، وهذا كله يعارض ظاهر ما نقلناه الآن من "الروضة"، وحينئذ فينبغي تأويله على أن يكون المراد بقوله خارجها أي من المسجد ويكون ساكتًا عن التفصيل بين المسجد والبيت، وقد تقرر في موضعه أن التنفل في البيت أفضل من المسجد بخلاف الفرض.
الأمر الثاني: أن تعبير "الروضة" قد سقط منه شئ يعرف من "شرح المهذب"، فإنه قال: أصحابنا: والتنفل في الكعبة أفضل منه خارجها، وكذا الفرض إذا لم يمكن فخارجها أفضل هذه عبارته، فسقط من الروضة تفضيل الفرض في الكعبة عند إمكان فعل الجماعة في الكعبة وفي خارج
стр. 811
الكعبة معا وعبارة المهذب قد تنازع في هذه الصورة، فإن قال: والأفضل أن يصلي الفرض خارج البيت، لأنه يكثر للجمع، مكان أعظم للأجر، هذا كلامه.
قوله: ولو صلى في الكعبة أو على سطحها فينظر إن كان بين يديه شاخص قدر مؤخرة الرجل صحت صلاته ومؤخرة الرجل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريبًا، وإن لم يكن بين يديه شيء شاخص من نفس الكعبة، ففيه وجهان.
الأصح: المنع، لما روى أنه ﷺ نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة (١)،
والثاني: وبه قال أبو حنيفة وابن سريح، يجوز كما لو وقف خارج العرصة،
ثم قال ما نصه: رخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السطح لكن قال إمام الحرمين: لا شك أنه يجزئه في ظهر الكعبة، وصرح في التهذيب بنفي الجواز عنه في الواقف على ظهر الكعبة، فلا فرق. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: بنفي الجواز وقع كذلك في عدة من نسخ الرافعي، واعتمد عليها ابن الرافعي في "الكفاية"، فنقل هذا الكلام بعينه عن التهذيب وهو غلط، فإن المذكور في التهذيب عن ابن سريج إنما هو الجواز في السطح ولم ينقل عنه شيئًا في العرصة، ووقع في بعض نسخ الرافعي التعبير بنقل الجواز عوضًا عن نفي الجواز، وهذه النسخة هي الصواب، والحديث المذكور رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم، قال الترمذي:
стр. 812
ليس إسناده بذاك القوي، ولفظ الحديث عن [ابن] (١) عمر أن النبي ﷺ قال: "سبعة مواطن لا يجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق. . . .".
واعلم أن ابن الصلاح قد قال في "مشكل الوسيط": الصحيح أن مؤخرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء معجمة مكسورة بعدها راء وهاء، وهي عبارة عما يستند إليه راكب الرجل من خلاف ظهره والرحل منزلته من ظهر الجمل منزلة البرذعة من ظهر الحمار، قال في "غريب المهذب" المسمى "بالمغنى": المؤخرة بفتح الهمزة وتشديد الخاء. قال ابن الأثير: المؤخرة بالسكون لغة قليلة في الآخرة على وزن الضاربة وقد منع منها بعضهم.
قوله: وقبلة الكوفة نصبها علىّ، وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان ﵄ انتهى.
وغزوان بغين معجمة مفتوحة ثم زاى معجمة ساكنة، توفي عتبة بطريق البصرة سنة سبع عشرة من الهجرة.
قوله: فإن قدر على القبلة يقينًا لم يجز له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الإجتهاد، وحكى الروياني وجهين فيما إذا استقبل الحجر بكسر الحاء بناء على هذا الأصل، قال: الأصح المنع، لأن كونه في البيت غير مقطوع به. انتهى.
واعلم أنه يجوز الأخذ برواية الصحابي واجتهاده بحضرة النبي ﷺ ، كما ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على الاجتهاد في الأوقات، فترد
стр. 813
هذه الصورة على المصنف، وأما الذي صححه الروياني، فقد صححه النووي في أصل "الروضة" وغيرها من كتبه وسبب كونه غير مقطوع به أنه في أخبار الآحاد، وصورة مسألة الكتاب أن يكون في الحرم وهو أعمى أو في ظلمة.
قوله: وإن لم يقدر على درك اليقين نظر إن وجد من يخبره عن القبلة عن علم رجع إليه ولم يجتهد أيضًا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذا في الحوادث إذا روى العدل خبرًا. انتهى.
واعلم أن ما ذكره في وجدان الخبر إن أراد به أنه إذا أخبره وجب العمل بقوله وامتنع الاجتهاد فواضح، ويدل عليه تعبيره بقوله كما في الوقت إذا أخبره فإن أراد أن يلزمه سؤاله، فيشكل على ما ذكره في المكر من أنه يجوز له إذا صلى في بيته أن يجتهد، وإن أمكنه الرقى على السطح، وقياسه من هنا ألا يجب السؤال بل أولى لأن الرقى يحصل العلم بخلاف السؤال، وقد استفدنا من كلام الرافعي أن إخبار العدل عن مشاهدة ليس بيقين، وأنه لا يجوز الأخذ به إلا إذا تعذر عليه القطع، وسأذكر في الكلام على ظهور الخطأ كلامًا يتعلق به.
قوله في أصل "الروضة": ولا يقبل في القبلة خبر كافر قطعًا ولا فاسق ولا صبي غير مميز على الصحيح فيهما. انتهى.
وما جزم في الفاسق من طريقة الوجهين قد ضعفها في "شرح المهذب" فقال: وأما الفاسق ففيه طريقان: المشهور وبه قطع الأكثرون أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره، والثاني في قبوله وجهان، وما أطلقه في الكافر، قد ذكر الماوردي ما يقتضي تخصيصه فقال: فأما إذا استدل مسلم من كافر
стр. 814
دلائل القبلة كأن سأله عن أحوال الرياح ومطالع النجوم فأخبره ووقع في نفسه صدفة ثم اجتهد لنفسه من خبر المشرك في جهات القبلة جاز، لأن المسلم عمل في القبلة على اجتهاد نفسه، وإنما قبل خبر المشرك في غيرها مما يستوي في الإخبار به من وقع في النفس صدقة من مسلم وكافر، هذه عبارته.
قوله: حتى أن الأعمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير بالرؤيه، ثم قال: ولو اشتبهت عليه طيقان لمسها فلا شك في أنه يصير حتى يخبره غيره صريحًا، انتهى كلامه.
والطيقان جمع طاق كنار ونيران، وجار وجيران، قال صاحب المطالع: طاق البناء هو الفارغ ما تحته وهي الحنية وتسمى الأزح، وقال الجوهري: الطاق ما عطف من الأبنيه والجمع طاقات وطيقان فارسي معرب، ولهذا يعبر بعض الفقهاء عن المحراب بطاق القبلة وسنعيد هذه اللفظة إن شاء الله تعالى في كتاب الإيمان بزيادة على المذكور هنا.
قوله: ولو غرز عصًا أو خشبة فوجهان أحدهما يكفي بحصول الاصال بالمغروز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار، وتدخل في البيع، وأصحهما: لأ كما لو وضع الغروز من البناء والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من الصالح فقد تعد من البناء لذلك. انتهى كلامه.
وحاصله حكمًا وتعليلًا أن هذا الخلاف لا يجري في البيع وهو غريب، فقد حكاه الرافعي هناك، وجعله مفرعًا على الخلاف، ونقل أن الخلاف المذكور هنا أصل لذلك، فقال في [الفصل] (١): الدار ما نصه.
стр. 815
الثالث: ما أثبت على غير هذا الوجه [كالدقوق] (١) والدنان والإجانات المثبتة والسلالم المسمرة والأوتاد المثبتة في الأرض والجدران والتحتاني من حجري الرحى وخشب القصار، ومعجن الخباز، ففي جميع ذلك وجهان:
أصحهما أنه يدخل ثم قال: وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف في تجويز الصلاة إلى العصا المغروزة في سطح الكعبة إن جوزناه، فقد عددناها من البناء فتدخل وإلا فلا. انتهى كلامه.
فحكى الخلاف فيه كما ذكرناه مع كونه مثبتًا ومسمرًا وجعل هذا أصلًا له.
قوله: والوجهان في الغرز المجرد أما لو كانت مثبته أو مسمرة كفت للاستقبال.
نعم: قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف، وبعض يديه في محاذاة ركن من الكعبة. انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها أن ما ذكره من تخصيص الوجهين بمجرد الغرز لا بالمثبت والمسمر قد صرح به في أصل "الروضة" كما ستعرفه، والكلام المذكور في البيع يقتضي أنه لا فرق هنا بينهما فتأمله.
الأمر الثاني: هو موقوف على عبارة الإمام فنقول: قال: ولو وقفه على حرف ركن من البيت وكان يحاذي ببعض بدنه الركن وبعضه خارج عن مسامته الكعبة، ففي صحة الصلاة وجهان، ثم قال بعد صفحة: ثم لو فرض شخوص خشبة من البناء فمعلوم أنه في حجمها قد لا يكون على قدر الواقف، وقد ذكرنا خلافًا فيمن وقف على طرف ركن من أركان
стр. 816
الكعبة، وخرج بعض بدنه عن؟ وهذه الخشبة الشاخصة، وإن اتصلت اتصال البناء، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها في الطرفين، فهذا فيه تردد عندي، كما ذكرته، هذه عبارته، وقول الإمام: فهذا فيه تردد ظاهر عندي جزم منه بحكاية التردد، وذلك التردد ظاهر مما سبق، وليس بخفي، ولهذا قال كما ذكرته أى كما ذكرت التردد هنا هذا مدلول كلام الإمام لا غير، وهو مطابق لكلام الرافعي، وتوهم النووي أن الإمام متردد في جريان ذلك الخلاف هنا، فاعترض به على الرافعي فقال: وإن كانت العصا خشبة أو مسمرة كفت قطعًا، لكن قال الإمام: إن خرج بعض بدنه عن محاذاتها كان على الخلاف الآتي ممن خرج بعض بدنه محاذاة الكعبة.
قلت: لم يجزم الإمام بأنه يكون على ذلك الخلاف، بل قال في هذا التردد ظاهر عندي، وظاهر كلام الأصحاب القطع بالصحة في مسألة العصا، لأنه يعد مستقبلًا بخلاف مسألة طرف الركن فالله أعلم. هذا كلامه وهو مردود من وجهين:
أحدهما: أن الفهم الذي فهمه غير صحيح لما ذكرته ولأن إجراء الخلاف من هنا لم يتقدم له ذكر حتى يجعل التردد عائدًا إليه.
الوجه الثاني: أن ما دعاه ونسبه إلى ظاهر كلام الأصحاب من القطع غريب، فما بالعهد من قدم فقد سبق قبل هذا بنحو خمسة أسطر حكاية هذا الخلاف بعينه في الشاخص فقال: إنه إذا استقبل العتبة وهي قدر ثلثي ذراع جاز ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط في العتبة أن تكون بقدر قامة المصلي طولًا وعرضًا ووجه أنه يكفي شخوصها بأي قدر كان، ثم قال عقبه: إن الكعبة لو هدمت والعياذ بالله تعالى يوقف في عرصتها أو وقف على سطحها واستقبل شاخصًا من نفس الكعبة، فله حكم العتبة إن كان
стр. 817
ثلثي ذراع جاز وإلا فلا على الصحيح وفيه الوجهان الآخران، هذه عبارته.
فإذا جرى الخلاف المذكور في شاخص من نفس الكعبة فالعصا أولى، وهذا الاعتراض وارد على الرافعي أيضًا، فإن قوة كلامه مشعرة بأن لم يقف عليه صريحًا وإنما أخذه مما أبداه الإمام.
قوله: ولو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة الركن، والثاني خارج ففي صحة صلاته وجهان أحدهما يصح، لأنه توجه إلى الكعبة بوجهه وحصل أصل الإستقبال وأصحهما لا يصح، لأنه يصدق أن يقال: ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه. انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال الذي ذكره للوجه الأول صريح في أن العبرة في الإستقبال بالوجه، وذكر في كتاب الحج في كلام على أركان الطواف ما حاصله أنه لابد منه ومن الصدر فقال: قال الإمام: الأصح المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صدره ووجهه لم يجز أن يوليها شقه، هذه عبارته.
والصواب: أن الإعتبار بالصدر خاصة كما جزم في شرح المهذب في الكلام على الالتفات في الصلاة.
قوله: ولو حال بين المكي وبين الكعبة حائل فاجتهد فلا إعادة إن كان الحائل خلقيًا، وكذا إن كان حادثًا في أصح الوجهين انتهى.
تابعه في "الروضة" على الصحيح عدم الوجوب. وهو مخالف لنص الشافعي، فإنه قد نص في البويطي على وجوب الإعادة عليه، ولم يفصل، فأقبل مراتبه أن يحمل على الحادث، ونقله البندنيجي عن نصه في "الأم"، وذهب إليه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب
стр. 818
والماوردي والمحاملي والجرجاني، وقد ادعى النووي في "شرح المهذب" أنه يجتهد في الخلقي بلا خلاف، وليس كذلك، فقد حكى ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب أنه لا يجتهد.
واعلم أنه لو بنى حائلًا من غير ضرورة ولا حاجة ومنعه المشاهدة لم تصح صلاته أى بالاجتهاد لتفريطه، كذا نقله في "النهاية" عن العراقيين وهي مسألة حسنة.
قوله: ومحراب رسول الله ﷺ نازل منزلة الكعبة، فمن يعاينه يستقبله، ويسرى محرابه عليه بناءً على العيان والإستدلال كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه بالإجتهاد وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، هذا كلامه في الجهة، وهل يجوز الإجتهاد فيها بالتيامن والتياسر إن كان محراب رسول الله ﷺ لم يجز بحال، ولو تخيل حاذق في معرفة القبلة فيه تيامنًا أو تياسرًا، فليس له ذلك وخياله باطل، وأما سائر البلاد فيجوز على الأصح. انتهى ملخصًا.
واعلم أن الشيخ محب الدين الطبري قد أثار في شرحه "للتنبيه" بحثًا ينبغي أن يعلم، فقال: فإن قيل: محرابه ﷺ على عين الكعبة، إذ لا يجوز فيه الخطأ، فيلزم بما قلتم ألا تصح صلاة من بينه وبينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف، قلنا: من أين لكم أنه على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون كذلك، ولا خطأ بناء على أن الفرض الجهة.
نعم: إن ورد في الصحيح أنه نصب على العين فيكون مقتضى الدليل ما ذكرتموه على القولين.
стр. 819
على القولين أما على العين فظاهر، وأما على الجهة فهذا المحراب كالكعبة [فمشاهده كمشاهدها] (١) إلا أن إجماع الصحابة على بناء مسجد النبي ﷺ واسعًا، وصلاتهم في أقطاره من غير أن ينقل الانحراف عنهم دليلًا على طرد حكم البعد في كل مكان سواء تحقق صوب عين الكعبة أم لا تحقيقًا للقول بأن فرض التعبد هو الجهة مطلقًا، ولا أعلم أحدًا تكلم في هذه المسألة والظاهر فيها ما ذكرته. انتهى كلامه ملخصًا.
وللبحث فيه مجال.
واعلم أن المراد بمحراب النبي ﷺ هو موقفه وإلا فالمحاريب محدثه والمحراب في اللغة هو صدر المجلس.
قوله: قال الإمام: والخلاف في أن المجتهد إذا تخير هل يقلد أم لا محله إذا ضاق الوقت أما قبله فيمتنع التقليد جزمًا قال: وفيه احتمال من التيمم في أول الوقت. انتهى.
وهذا التقييد الذي ذكره الإمام جزم به الماوردي في "الحاوى" والطبري في "شرح التنبيه"، ووافق الرافعي عليه في آخر المسألة في الكلام على لفظ الوجيز فقال: ومسألة التخير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكمنا من قبل هذه عبارته.
وقت غفل في الروضة عن هذا الكلام واقتصر على نقل كلام الإمام ساكتًا عليه ثم اغتر به في غيرها فقال في "شرح المهذب": إن المذهب الذي صرح به الجمهور تعميم الخلاف وقال في "شرح الوسيط": إن ما قاله الإمام شاذ والمشهور التعميم، وذكر في "الشرح الصغير" كما ذكر في "الروضة".
стр. 820
قوله: ولو اختلف عليه [اختلاف] (١) اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما والأولى تقليد الأوثق والأعلم عنده، وقيل يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده يخير وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر ذلك اختصارًا فاسدًا فإنه جمع المسألتين فقال: ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما على الصحيح، والأولى تقليد الأوثق والأعلم وقيل يجب ذلك، وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، هذه عبارته فاقتضى كلامه حكاية وجه أنه يجب عليه الصلاة مرتين مع كونه أحدهما أرجح عنده ولم يذكره الرافعي إلا عند التساوي ولا يصح القول به أيضًا إلا في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح الثاني فقال: إنه الأشبه وذكر في "الكفاية" أن القاضي أبا الطيب نقله عن نص الشافعي في "الأم" ثم قال أي -ابن الرفعة-: إن الأكثرين على التخيير بينهما وسأذكر بعد هذا كلامًا آخر متعلقًا بهذه المسألة.
قوله: ومن صلى بالاجتهاد ثم ظهر له الخطأ نظر إن كان بالاجتهاد أيضًا لم يؤثر فيما مضى، وإن كان باليقين وجب القضاء في أصح القولين؛ لأنه تيقن الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلا يعتد بما مضى كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه واحترزوا بقولهم فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة فإن القضاء لا يجب؛ لأن مثله غير مأمون في القضاء ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا المجتهد؛ لأن الأمر هناك مبني على رؤية الهلال ولا يعين بكون الرائين مصيبين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالقضاء الذي هو حقيقة في المفعول خارج الوقت يشعر بأن صورة المسألة أن يكون التبين بعد الوقت حتى إذا تبين الحال
стр. 821
والوقت باق وجت الإعادة قولًا واحدًا كما في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة ووقت الصوم، وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه وإن كان الرافعي في أثناء المسألة في الكلام على التيامن والتياسر قد عبر أيضًا بلفظ الإعادة، وكرر هذه اللفظة.
لكن رأيت في "دلائل القبلة" لابن القاص ما حاصله أن القولين جاريان مطلقًا فإنه قال: إذا أخطأ في الجهة فقال مالك بن أنس: إن كان وقت الصلاة قائمًا فعليه الإعادة، وإن كان قد فات الوقت فلا إعادة.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق بن راهويه: عليه الإعادة.
وقال النووي والكوفي وصاحباه: لا إعادة عليه.
قال الشافعي: فيها قولان، هذه عبارته ثم استدل على كل من القولين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في أخر كلامه يقتضي أن إخبار العدل بالخطأ عن مشاهدة لا يوجب القضاء لانتفاء التعين، وقد سبق عند الكلام على القدرة على اليقين ما يدل له، والجاري على القواعد أن حكمه هنا كحكم مشاهدته حتى يجب عليه القضاء ولهذا قاسوه على الحاكم إذا ظهر له النص وليس المراد به إلا الخبر الصحيح الذي يرويه العدل ونحوه سواء كان متواترًا أم لا.
قوله، في "الروضة": -وأما المتمكن من تعلم أدلة القبلة فيبني على أن تعلمها فرض عين أم كفاية؟ والأصح فرض عين.
قلت: المختار ما قاله غيره أنه إذا أراد سفرًا ففرض عين لعموم حاجة المسافر إليها وكثرة الاشتباه عليه، وإلا ففرض كفاية إذ لم ينقل أن النبي ﷺ ثم السلف ألزموا آحاد الناس بذلك بخلاف أركان الصلاة وشروطها. انتهى
стр. 822
كلامه.
وهذا الوجه الذي رجحه قد قال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح وخالف في المنهاج فصحح أنه فرض مطلقًا ولم يذكر الثالث بالكلية تبعًا لما في "المحرر".
قوله: في "أصل الروضة" ولو ظهر له الخطأ بالظن في أثناء الصلاة مقترنًا بظهور الصواب فوجهان.
الأصح: أنه ينحرف ويبني حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة.
والثاني: يستأنف وخص صاحب التهذيب الوجهين بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول قال: فإن استويا تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة. انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأن المعروف إطلاق الوجهين وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: والمشهور إطلاق الوجهين، هذه عبارته.
وحينئذ فيكون الأصح على الانحراف أيضًا، وهو عجيب فكيف يتصور أن يقال بلزوم الانتقال مع التساوي ثم إنه مخالف لكلام الرافعي، فإن الرافعي عقب نقله عن "التهذيب" ما نقل لم يرتض كلامه ولا ذكر ما ذكره، فقال: وإن كانا مثلين فقضيته التوقف والتخير، وحينئذ فلا يكون الصواب ظاهرًا له وحينئذ فيكون حكمه حكم من ظهر له الخطأ ولم يظهر له الصواب، وحكمه أنه إن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على العرف وطلب صلاته إذا لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ ولم يقف على جهة الصواب حتى ينحرف، فإن قدر على العرف هل يبني وينحرف أو يستأنف؟ يعود فيه الخلاف السابق وأولى بالاستئناف؛ لأنه هناك قد تمكن من الانحراف إلى
стр. 823
الصواب كما ظهر الخطأ، وهاهنا بخلافه فإنه يتخير في الحال ثم قال: ولا فرق في هذا بين أن يظهر الخطأ بالقطع أو الظن. انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": والصواب من هذا الخلاف وجوب الاستئناف وإذا علمت بما تقدم تلخص لك من كلام الرافعي أنه إذا لم يكن الثاني أوضح لا يتنفل بالكلية كما يقوله النووي، بل إن لم يترجح المحال من قرب بطلت صلاته وإن ترجح عن قرب ففيه الخلاف، والصوأب وجوب الاستئناف والقائل هنا بوجوب الانحراف قد يكون إلى الأول وقد يكون للثاني، وظهر بطلان ما قاله النووي على كل تقدير ولا شك أنه لما حذف ما ذكره الرافعي ظنًا منه أنه مناقشة في لفظ اغتر به في "شرح المهذب" فنقله على عادته وصرح بما اقتضاه فلزم الخلل.
نعم: قد سبق لنا أنه إذا اختلف على المقلد اجتهاد مجتهدين متساويين قلد من شاء منهما وقيل: يصلي مرتين وقياسه أن يتخير أيضًا في مسألتنا تعليل أنه إذا تغير اجتهاده قبل الدخول في الصلاة وظن أن الصواب جهة أخرى اعتمد الأوضح منهما، فإن تساويا يخبر وقيل يصلي إلى الجهتين مرتين وهذا نظير ما سبق أيضًا.
نعم: لو دخل في الصلاة باجتهاد ثم شذ عنه ولم يترجح له شئ من الجهات أتم صلاته إلى جهته ولا إعادة عليه كما نص عليه في "الأم"، واتفقوا عليه كذا قاله في "شرح المهذب".
وقياسه أن يستمر في مسألتنا على الجهة الأولى؛ لأن الشك يحصل عنده بتعارض الدليلين وقد سبق ظن فيتمسك به فتلخص أن الصواب ما قاله البغوي، وما قاله الرافعي والنووي لا يستقيم وكلام النووي أبعد عن
стр. 824
الصواب من كلام الرافعي ثم بعد ذلك رأيت الطبري في شرح التنبيه قد نص على ما ذكرته بعينه، فقال: ولا يتجه غير ما قاله البغوي وذكر نحو ما ذكرته، وذكر فيه أيضًا أنه لو وقع ذلك أثناء التكبير كان كما لو وقع قبله، والذي ذكره صحيح وقد سبق إيضاحه في الكلام على رؤية المتيمم للماء.
قال ابن الصلاح: والمرجح في الطول والقصر إلى العرف لا إلى مضى الركن وعدمه فقد يمضي مع القصر ركن وقد لا يمضى، قال: وفيما علقته في الدرس بخراسان عما علق عن الغزالي تحديده بالركن، قال: وهذا غير مرضِ.
قوله: والخطأ في التيامن والتياسر إذا ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر ففي التيامن والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين، وأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة، وإن كان عمدًا وإذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقينًا فإن قلنا الفرض إصابة العين ففي وجوب الإعادة إن وقع بعد الصلاة، والاستئناف إن وقع في أثنائها القولان في الجهة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من وجوب الانحراف إذا ظهر في الأثناء قد تابعه عليه في "الروضة" وادعى عدم الخلاف، فقال: وإن كان في أثنائها انحرف وأتمها قطعًا. انتهى.
والقياس يقتضي تخريجه على أن الفرض في حق البعيد هل هو الجهة
стр. 825
أو العين؟ فإن قلنا العين وجب الانحراف، وإن قلنا الجهة فلا، وقد أشار الرافعي بعد هذا بدون ورقتين إلى هذا الخلاف فقال: ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة، فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو كالاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر وإلا فلا بأس. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الاستدلال على اعتقاد الانحراف بأن الالتفات اليسير عمدًا لا يبطل، كيف يصح مع التفاريع التي ذكرها قبل وبعد من وجوب الانحراف عند الظن والاستئناف والإعادة عند التحقق، فإن لم تكن المسألة من أقسام الانحراف لم يصح الاستدلال بها.
قوله: ولو تغير اجتهاد المأموم لزمته المفارقة وهل هي مفارقة بعذر أم بغير عذر لكونه مقصرًا بترك الإمعان في النظر والبحث فيه وجهان. انتهى.
والأصح هو الزول كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: [إحداها] (١) إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى أو أراد قضاء فائتة فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، فإن قلت فهل يختص الوجهان بما إذا لم يبرح من مكانه كالتيمم؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي ذلك لكن الفرق ظاهر؛ لأن أكثر أدلة القبلة لا تختلف بالمسافات القريبة لأنها سماوية. انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضا وكذلك في "شرح المهذب" نقلا له عن
стр. 826
الرافعي وليس ذلك صريحًا في رد هذه المقالة ولا في قبولها، وقد ارتضاها النووي في "التحقيق" وجزم بأن محل القولين إذا لم ينتقل فإن انتقل جدد الاجتهاد جزمًا، وهو حاصل ما في "الكفاية" لابن الرفعة أيضًا.
قوله: ولو اجتهد عدل فقال لمن هو يصلى بالتقليد أخطأ بك فلان، فإن كان قول الأول أرجح عنده أو مثله أو لم يعرف هل هو مثله أو لا لم يجب العمل بقول الثاني، وهل يجوز العمل به؟ يبني على أن المقلد إذا وجد مجتهدين هل يجب الأخذ بأعلمهما أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول لم يجز وإلا ففيه خلاف؛ لأنه إن بنى كان مصليًا للصلاة الواحدة إلى جهتين، وإن استأنف كان مبطلًا للفرض بغير عذر وفي كل منهما خلاف، وإن كان الثاني أرجح فهو كتغير اجتهاد البصير فينحرف. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في الصلاة الواحدة إلى جهتين هو الجواز كما صرح به الرافعي والنووي في مواضع من هذا الباب، والأصح في الخروج من الفرض بغير عذر هو المنع كما سبق في التيمم، وحينئذ فيكون الأصح من هذا الخلاف هو الجواز إن أراد البناء والمنع إن أراد الخروج، وعبر في الروضة بقوله خلاف ولم يذكر مدرك الخلاف الذي يعلم منه الصحيح في حالة دون حالة ثم إنه صحيح من زوائده المنع ولم يذكر تفصيلا بالكلية.
وذكر مثله في "شرح المهذب" والتحقيق وغيرهما فحصل الغلط من وجهين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره فيما إذا كان الثاني أعلم قد ذكر في كتاب القضاء في الكلام على الاستفتاء ما يخالفه فقال القياس في هذه المسألة: أن
стр. 827
تخرج على الخلاف السابق فإن أوجبنا الأخذ بقول الأعلم فهو كما قالوه من تعين.
فهو كما قالوه من تعين الاجتهاد، وإلا فلا أثر لقوله.
واعلم أن ما قالوه في هذه المسألة والمسألة السابقة صريح في أن الخلاف في تقليد الأعلم جارٍ مع العلم به، لكن الرافعي في القضاء لما تكلم على الاستفتاء وحكى الخلاف في وجوب استفتاء الأعلم جعل محله في البحث عنه، ثم حكى عن الرافعي أنه ذكر في علم الأصول أنه إذا اعتقد أن أحدهم أعلم، لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يلزمه البحث عنه إذا لم يعلمه، وأقره الرافعي فلم ينكره، وزاد النووي على ذلك فقال من "زوائده" المختار ما ذكره الغزالي، قال: فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
وهذا الذي قاله النووي هناك واقتضاه كلام الرافعي أيضًا مناف للمذكور هنا، وذكر أيضًا ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" أنه إذا علمه وجب عليه تقليده على الأظهر. وهذا التعبير يشعر بثبوت الخلاف فيه.
стр. 828
المُهِمَّات
فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف
الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة
جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي ﵀ الْمُتَوفَّى ٧٧٢ هـ
اعتَنى بِهِ
أَبُو الْفضل الدّمياطِي
أَحَمَدْ بنْ عَلي
عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء الثَّالث
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٨١ - ٧٤٠ - ٨
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي
الدَّار الْبَيْضَاء - ٥٢ شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس
هَاتِف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ _ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هَاتِف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
стр. 832
كتاب الصلاة
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[قوله] (١) الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم بشرائط. انتهى.
وهذا الحد الذي ذكره يرد عليه سجدة التلاوة والشكر، فإن الحد صادق عليهما مع أنهما ليستا من أنواع الصلاة كما صرح به الرافعي، بل ذلك في الكلام على الأوقات المكروهة، وهو واضح أيضًا.
والمراد بالأفعال هو ما يصدر عن الشخص، ليعم القراءة وغيرها من الأركان القولية، وأنها من الصلاة بلا نزاع.
قوله في أصل "الروضة": فالأركان المتفق عليها سبعة عشر: النية والتكبير والقيام والقراءة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والقعود في آخر الصلاة والتشهد فيه، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والتسليم، وترتيبها هكذا؛ انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه جعل من المتفق على ركنتيه التكبير، والطمأنينة، والصلاة على النبي ﷺ والتسليم، وليس كذلك.
فأما التكبير ففي "البحر" للروياني وجه أنه شرط لا ركن؛ وعلله بأن الركن هو الداخل في الماهية، والمصلي لا يدخل في الصلاة إلا بفراغه منه.
стр. 833
وأجاب عنه الروياني بأن المصلي إذا فرغ منه تَبَيَّنا دخوله في الصلاة بأوله.
والنووي في "شرح المهذب" حكى هذا عن أبي حنيفة، قال: وفائدة الخلاف في كونه شرطًا أو ركنًا فيما لو افتتح التكبير بمانع ما من النجاسة أو استدبار القبلة، أو غيره، وهي فائدة صحيحة فاعلمها.
وأما الطمأنينة فإن الغزالي لم يجعلها ركنًا مستقلًا بل هيئة تابعة للركن، ومال إليه الرافعي فقال: وبه يُشْعِر قوله ﷺ : ثم اركع حتى تطمأن. . . ." (١) إلى آخر الحديث.
وأما الصلاة على النبي ﷺ فليست متفقًا على وجوبها فضلًا عن ركنيتها فإن الجرجاني حكى في كتابيه "الشافي" و"التحرير" قولين في إيجابها فقال: [فصل] (٢).
وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي واجبة في التشهد الأخير على أصح القولين.
هذا لفظه، ومنهما نقلته.
وحكى القاضي عياض في "الشفا" عدم الوجوب أيضًا عن الخطابي من أصحابنا، ونقله في "شرح المهذب" عن ابن المنذر وقال: إنه من جملة الأصحاب.
وأما السلام فرأيت في "الذخائر" للقاضي مجلي وجهًا أنه شرط، فثبت بطلان دعواه في هذه الأربعة.
ولم يتعرض الرافعي ﵀ لنفي الخلاف، فقد ذكر النووي من
стр. 834
جملة المقطوع به أيضًا النية، إلا أنه بعد أسطر قد ذكر الخلاف فيها.
الأمر الثاني: أن الرافعي لم يرفض عد الترتيب من [بين] (١) الأركان على الإطلاق فضلًا عن دعوى عدم الخلاف فيه، فإنه نقل في تفسير الركن عبارتين، ثم نقل عن الغزالي أنه عد الأركان أحد عشر؛ ثم قال: ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال.
وهكذا أورده صاحب "التهذيب" ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية .. هذه عبارته إلا أنه جزم به في "المحرر"، وقال في "الشرح الصغير": إنه حسن.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ترتيبها هكذا.
أي على مقتضى العدد غير مستقيم؛ لأن النية والتكبير لا ترتيب بينهما، وكذلك القيام مع القراءة.
وقد صرح الرافعي في كتاب الحج في أوائل الفصل الثامن المعقود للمبيت بأنه لا ترتيب بين القيام والقراءة.
قوله: ومن فرض الموالاة ونية الخروج ألحقها بالأركان. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن مدلول هذا الكلام هو اتفاق القائلين بالوجوب [على الركنية ولأجل ذلك اغتر ابن الرفعة به فقال: لا خلاف أن نية الخروج] (٢) من الأركان وليست كذلك.
فأما الموالاة ففي "النهاية" عن الأصحاب أنها شرط.
стр. 835
وأما نية الخروج ففي كونها ركنًا أو شرطًا وجهان رأيتهما في "العمد" للفوراني، وفي "الإبانة" له أيضًا.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابع الرافعي هنا، وفي أكثر كتبه على جعل الموالاة من الأركان.
وخالف في "شرح الوسيط" فقال في باب شروط الصلاة: والموالاة والترتيب شرطان، وهو أظهر من جعلهما من الأركان.
هذه عبارته، ومن خطه نقلت.
الأمر الثالث: في تصوير الموالاة في الصلاة، فإن في تصويره إشكالًا، وقد تعرض لتصويره إمام الحرمين فقال: ولا يتصور ذلك إلا في تطويل الفواصل كالاعتدال والجلوس بين السجدتين، قال: فالتفريق في الصلاة إنما هو تطويل ركن قصير؛ وتبعه الرافعي على هذا التصوير فقال بعد ذلك في الكلام على ترك الموالاة في الفاتحة ناسيًا: ولو أخل المصلي بالموالاة ناسيًا بأن طول ركنًا قصيرًا لم يضر.
هذا كلامه.
ولما كان في الإبطال بتطويل الركن القصير خلاف شهير عبر الرافعي بقوله: ومن فرض الموالاة؛ فاعلم ذلك فإنه دقيق مهم.
وصور ابن الصلاح بصورة أخرى رأيتها في نكت له على "المهذب" فقال: وعندي أن صورته ما إذا سلم ناسيًا، وطال الفصل فإنها تبطل للتفريق، لأنه ليس بمتصل حقيقة بخلاف الفصل القصير فإنا عفونا عنه كالكلام اليسير.
وقد أعاد الرافعي الكلام على هذه المسألة في أوائل سجود السهو، وذكرت أيضًا لفظه هناك فراجعه.
стр. 836
قوله: وعد الغزالي هنا الأبعاض أربعة:
أحدها: القنوت.
وثانيها: التشهد الأول.
وثالثها: العقود له.
ورابعها: الصلاة على النبي ﷺ فيه إذا قلنا باستحبابها.
وألحق بها شيئان:
أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا: إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعًا على استحباب الصلاة على الرسول فيه؛ وهذا الخامس قد ذكر في الكتاب في باب السجدات.
والثاني: القيام للقنوت عُدَّ بعضًا [برأسه] (١) وقراءة القنوت بعضًا آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا، والقعود له بعضًا آخر. انتهى كلامه فيه أمور:
أحدها: أن الغزالى في "الوجيز" في البابين معًا، قد ذكر الصلاة على الآل في التشهد الثاني؛ فدعواه أنه أهمله هنا غريب.
ثم إن الغزالي في "الوجيز" لم يتعرض للصلاة على الآل في التشهد الأول، لا هنا ولا هناك فاعلمه، فإن ظاهر كلامه يقتضي أن الغزالي عده هناك، وأن المراد بالخامس هو الصلاة على الآل في التشهدين، إذا قلنا باستحبابهما.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كونه لو وقف ولم يقرأ أن يسجد إنما هو بيان للسجود بترك القراءة دون القيام، ولم يبين صورة العكس، وهو
стр. 837
السجود للقيام فقط مع غموضه.
وأما الذي مثل له فإنه واضح، وصورته: أن يكون لا يحسن القنوت ولا التشهد فإنه يستحب له أن يقف ويجلس بقدرهما كما قاله في باب صفة الصلاة من "الكفاية"؛ وحينئذ فإذا ترك ذلك سجد للسهو كما ذكره في الباب المذكور، وفي باب سجود السهو أيضًا.
وما ذكره يدل على أن التشهد والقنوت إنما يشرع السجود لتركهما إذا كان التارك يحسنهما، ولو قيل بخلافه لم يبعد نظرًا إلى أن التارك من حيث الجملة محتاج إلى الجبر.
وخالف في "الإقليد" ما ذكره ابن الرفعة فقال في "التحقيق": إن القيام للقنوت لا يعد من هذه الجملة لأن القنوت يشرع في قيام مشروع لغيره وهو ذكر الاعتدال؛ ولهذا لا يقف من لا يعرف القنوت بقدر القنوت، والتشهد شرع جلوسه مقصودًا في نفسه، ولهذا يجلس من لا يعرف التشهد بقدره. هذا كلامه.
الأمر الثالث: في تصوير السجود لترك الصلاة على الآل في التشهد الثاني بأن السجود محله قبل السلام، وحينئذ فإن لم يسلم صلى على الآل، ولا سجود، ولا ترك، وإن سلم فات المحل.
والجواب: أنه يتصور بما إذا صلى مأمومًا وتيقن ترك إمامه لذلك، وهذه الصورة لا إشكال فيها، وقد تصور أيضًا بصورتين للنظر فيهما مجال.
إحداهما: إذا سلم ناسيًا للترك فإن المتجه أن يسجد كما أطلقوه، وإن كان يحتمل أن يقال: إذا سجد كان عائدًا إلى الصلاة كما صححوه؛ وإذا عاد فيأتي بها لأن محلها باقٍ وهو القعود.
وإذا أتى بها فلا سجود فيؤدي السجود إلى عدم السجود، وذلك دور.
стр. 838
وجوابه: بأنه يسجد ويعود إلى الصلاة ولكن لا يأتي بالمتروك للدور المذكور، ولاشتغاله بشيء آخر.
الصورة الثانية: إذا تركها واشتغل بالأدعية المأثورة فيحتمل أن يأتي بها ولا سجود لأنه لم يشتغل بفرض، ويحتمل عدم الإتيان لاشتغاله بما بعدها من السنن، كما قالوا: إنه لا يعود إلى دعاء الاستفتاح بعد تعوذه على الصحيح.
وما ذكرناه موقوف على قاعدة: وهي أن من اشتغل عن السنة بسنة بعدها، هل يعود إلى السنة المتروكة أم لا؟
كلام صاحب "التنبيه" يدل على أنه يعود، فإنه قال: وإن ترك سنة فإن ذكر قبل التلبس بقرض عاد إليه، وإن تلبس بفرض لم يعد إليه.
فدل على أنه لا أثر للتلبس بالسنة، ووافقه عليه ابن الرفعة، واعتذر عن عدم العود إلى دعاء الاستفتاح بأنه لمعنى، وهو الاستفتاح وقد زال.
وكلامه في "المهذب" يدل على عدم العود فإنه ذكر المسألة في باب سجود السهود فقال: فإن نسى سنة نظرت فإن ذكر ذلك، وقد تلبس بغيره مثل إن ترك دعاء الاستفتاح فذكره، وهو التعوذ، أو ترك التشهد الأول فذكره وقد انتصب قائمًا لم يعد إليه. هذه عبارته، ووافقه النووي في شرحه له، وزاده تصريحًا فقال: قال أصحابنا: إذا ترك المصلي سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها؛ سواء تلبس بفرض أو سنة. هذه عبارته، وستكون لنا عودة أيضًا إلى الكلام في الأبعاض في أول باب سجود السهو فراجعه.
стр. 839
الركن الأول التكبير
قوله: وهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم. انتهى.
ذكر مثله أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" ثم خالف ذلك في كتاب الطلاق من "الشرح الكبير" فقال في الكلام على نية الكنايات.
والأظهر: الاكتفاء بمقارنتها لأول التكبير. انتهى.
وحذفه النووي من "الروضة" هناك فاتفق أن يسلم من الاختلاف؛ لكنه قال في "شرح المهذب" و"شرح الوسيط" المسمى "التنقيح": المختار ما اختاره الإمام والغزالي [إلى] (١) أنه يكفي فيها المقارنة العرفية عند العوام بحيث يعد مستحضرًا لصلاة.
قوله: في أصل "الروضة": ولو علق الخروج بدخول شخص ونحوه مما يحتمل حصوله في الصلاة، وعدمه بطلت في الحال في الأصح كما لو دخل في الصلاة هكذا فإنها لا تنعقد بلا خلاف، وكما لو علق به الخروج من الإسلام فإنه يكفر في الحال قطعًا.
والثاني: لا تبطل في الحال.
وهل تبطل بوجود الصفة إذا وجدت وهو ذاهل عن التعليق؟ وجهان:
أصحهما وهو قول الأكثرين: تبطل.
стр. 840
قال الإمام: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين بالصفة بطلانها من حين التعليق.
أما إذا وجدت، وهو ذاكر للتعليق فتبطل قطعًا. انتهى.
ذكر الرافعي نحوه، وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد عكس هذا الترتيب في الصيام فقال قبيل الركن الثاني: هل هو خارج عن الصوم عند مجيئه؟ فيه وجهان: إن قلنا نعم فهل يخرج في الحال؟ فيه وجهان: وكل ذلك كما في الصلاة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من عدم الخلاف فيما إذا دخل في الصلاة على هذا التعليق ليس كذلك، فقد حكى القاضي حسين في "تعليقه" في ذلك خلافًا.
الأمر الثالث: [أن ما ذكره من] (١) كونه ذاكرًا للتعليق مدلوله استحضار أنه كان قد علق مع أنه لم ينس تعليقًا آخر مماثلًا للأول، فهذا لا سبيل فيه إلى ما زعمه من القطع بالبطلان ولا شك أن مراده إنشاء تعليق آخر إلا أن عبارته قصرت عنه.
قوله فيها أيضًا: ولو تردد الصائم في الخروج من صومه، أو علقه على دخول شخص ونحوه لم يبطل على المذهب الذي قطع به الجماهير، وقيل: وجهان. انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع قد خالفه في كتاب الصوم فجزم بحكاية وجهين.
قوله: الثانية لو شك في النية نظر إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد، وكذلك في أظهر
стр. 841
الوجهين، وهو المنصوص. انتهى ملخصًا.
وهذه العبارة تشعر أو توهم أن الحكم متعلق بجميع الفاتحة أو التشهد، وليس كذلك، بل البعض منها مبطل أيضًا على الأصح كما صرح به الخوارزمي في "الكافي" ونقله عن نص الشافعي.
قوله: وفي اشتراط نية الفرضية وجهان: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو إسحاق: يشترط لأن الطهر قد يوجد من الصبي، وممن صلى منفردًا ثم أعادها في الجماعة، مع أنه ليس بفرض، ولك أن تقول: إن عني بالفرضية في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه وجب أن لا ينوي الصبي الفرضية بلا خلاف ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين.
وأيضًا فإن من صلى منفردًا ثم أدرك جماعة ينوي بالثانية الفرض على الصحيح، وهو غير لازم عليه وإن عنى بالفرضية كونها لازمة على أهل الكمال فالطهر أخص منه، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ وإن عنى به شيئًا آخر فلابد من بيانه. انتهى ملخصًا.
فيها أمران:
أحدهما: أن ما أشعر به إطلاقه من إلحاق الصبي في ذلك بالبالغ قد صرح به في الباب الثالث من أحكام التيمم فقال: والصحيح أن الصبي لا يجمع بين فرضين لأنه وإن لم يكن ملحقًا لكن ما يؤديه حكمه حكم الفرض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة. هذه عبارته.
وقد صرح النووي أيضًا هنا في "الروضة" بذلك فقال مختصرًا لكلام الرافعي ونية الفرضية شرط على الأصح عند الاكثرين سواء كان الناوي بالغًا أو صبيًا، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي:
стр. 842
وسواء في الاشتراط كان الناوي بالغًا أو صبيًا، وهذا ضعيف.
والصواب أنه لا يشترط في حقه نية الفرضية، وكيف ينوي الفرضية وصلاته لا تقع فرضًا؟ .
وقد صرح بهذا صاحب "الشامل" وغيره. هذا كلامه.
وذكر مثله في "التحقيق" فقال: الأصح أنه لا يشترط، وما ذكره النووي فيهما هو الصواب.
وقد جزم به أيضا في "التتمة" في الكلام على ما إذا صلى الصبي ثم بلغ وإمام الحرمين في الكلام على المنفرد إذا أعاد في جماعة، ونقله عنه الرافعي هناك، واقتضى كلامه الاتفاق عليه، وستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ورأيته أيضًا مجزومًا به في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي في كتاب الصيام.
واعلم أن الذي ذكره الرافعي أيضًا في الصلاة المعادة قد خالفه في "الروضة" في صلاة الجماعة فقال من زوائده: الراجح أنه لا يشترط فيها نية الفرضية، وبما ذكرناه يحصل الجواب عن البحث السابق.
وتعليل النووي عدم نية الفرضية لكونه لا يقع فرضًا منقوض بمن أدرك الإمام في الجمعة بعد الرفع من الركوع الثاني، فإن الأصح في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه ينوي الجمعة [وإن كانت لا تحصل، وكتب النووي على حاشية هذه المسألة في كتاب الجمعة] (١)، من "الروضة" فقال: إنما ينوي الجمعة لأنا لم نتيقن فواتها لاحتمال أن يكون الإمام قد
стр. 843
نسي القراءة من إحدى الركعتين فتذكر أنه بقي عليه ركعة فيقوم إليها.
وحينئذ فيكون الذي قاله فارقًا بين المسألتين، لكنه غير مستقيم، فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" أن المسبوق إذا بقي عليه ركعة فقام الإمام إلى خامسة، فلا يجوز متابعته فيها حملًا على أنه تذكر ترك ركن.
وأيضًا فلو راعينا هذا لكان يلزمه الاقتداء به، وهو بعيد.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي إلحاق فرض الكفاية والمندوب وركعتي الطواف إن أوجبناهما بالصلوات الخمس في شيئين:
أحدهما في التعيين، وهو ظاهر، وكلامهم في الصوم يدل عليه، وحينئذ فينوي صلاة الجنازة مثلًا أو عن نذر أو ركعتي الطواف.
ثانيهما: في الفرضية، وهو ظاهر أيضًا، وقد صرح به في فرض الكفاية الرافعي في باب صلاة الجنازة، وحكى معه وجهًا آخر أنه لابد من نية فرض الكفاية.
وأما المنذور فنقله في "الكفاية" عن بعضهم ساكتًا عليه، والقياس في ركعتي الطواف كذلك.
قوله: وأصح الوجهين عند الأكثرين أنه لا يشترط التعرض لنية الأداء والقضاء، بل يصح الأداء بنية القضاء، وبالعكس.
ولك أن تقول: إن جرى ذلك على لسانه أو في قلبه، ولم يقصد حقيقة معناه، بل قصد بالأداء حقيقته، وبالقضاء حقيقته، فلا ينبغي أن يقع نزاع في جوازه، وإن قصد معناه المصطلح عليه، فلا ينبغى أن يقع نزاع في منعه، وإن كان المراد شيئًا آخر فلابد من بيانه أولًا. انتهى.
стр. 844
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد يلتزم تصويره بما إذا أراد شيئًا آخر [لابد من بيانه] (١) فسبق لسانه إلى غيره بناءً على أن التلفظ يجب، وعلى أن نية القضاء والأداء لابد منها، وهذا الجواب قد ذكره في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك عليه في "الروضة" فقال: مراد الأصحاب بهذه المسألة ما إذا نوى ذلك جاهلًا بالوقت لغيم ونحوه، وذكر أيضًا مثله في "شرح المهذب" ثم قال: صرح الأصحاب بأنه إذا نوى الأداء في وقت القضاء وعكسه لم يصح بلا خلاف.
وممن صرح به إمام الحرمين في مواقيت الصلاة. انتهى.
وحاصل ما قاله النووي: أن محل الوجهين فيما إذا نوى ذلك جاهلًا، لكنه قد ذكر في الشرح المذكور قبل هذا الموضع بأسطر قلائل ما يخالفه فقال: وإذا ظن الوقت باقيًا فنوى الأداء لم يضر بلا خلاف، ونص عليه الشافعي. هذا كلامه.
وذكر قريبًا منه أو ما يقتضيه في مثله من الصوم.
واعلم أن حمل الخلاف على صورة الجهل وإثبات الخلاف فيها قد أنكره في "الكفاية"، ولا وجه لإنكاره؛ وتوجيه البطلان أنه نوى شيئًا ليس مطابقًا لما في نفس الأمر لاسيما من يقول بوجوب التعرض للأداء والقضاء، فله أن يقول: هذا الشرط لم يحصل، فبطلت الصلاة مع الجهل كسائر الشروط التي جهلها المصلي.
وقد ظفرت بنسخة صحيحة من "فتاوى القاضي حسين" ورأيته قد ذكر هذه المسألة فقال: ظاهر المذهب أنه يصح؛ وهو يقتضي إثبات الخلاف، ثم
стр. 845
رأيت نسخة أخرى فلم أظفر بذلك لاختلاف النسخ ورأيت في "فتاوى القفال" كلامًا حاصله: التفصيل بين أن يضم إليه شيئًا آخر يعارضه لقوله: أصلي فرض الوقت قضاءًا، أو أصلي ظهر أمس [أداء] (١)، فيصح، ويلغو ذكر القضاء والأداء، أو لا يضم إليه ذلك، فلا يصح [فاقتضى] (٢) كلامه فرض ذلك مع العلم.
قوله: في "الروضة": ولا يشترط التعرض لعدد الركعات على الصحيح، لكن لو نوى الظهر ثلاثًا أو خمسًا لم تنعقد. انتهى.
وما ذكره من عدم الانعقاد [مقتضاه] (٣) أنه لا فرق فيه بين الغالط والعامد، وهو خلاف ما ذكره الرافعي فإنه قد ذكر ذلك قبل هذه المسألة بقليل استدلالًا على شئ، وفرضه في حالة العلم.
ومقتضاه أنه لا يؤثر عند الغلط، ويؤيده ما ذكروه في نية الخروج من الصلاة وفي غيرها فإنهم قالوا: إذا لم يوجبها فأخطأ في التعيين لم يضر.
قوله: القسم الثاني: النوافل، وهما ضربان:
أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضًا نية فعل الصلاة، والتعيين [فينوي] (٤) سنة الاستسقاء والخسوف، وسنة عيد الفطر والتراويح والضحى وغيرها.
وفي الرواتب تعين بالإضافة فيقول: أصلي ركعتي الفجر، وراتبه الظهر، أو سنة العشاء. انتهى.