← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الوجهين، وهو المنصوص. انتهى ملخصًا. وهذه العبارة تشعر أو توهم أن الحكم متعلق بجميع الفاتحة أو التشهد، وليس كذلك، بل البعض منها مبطل أيضًا على الأصح كما صرح به الخوارزمي في "الكافي" ونقله عن نص الشافعي. قوله: وفي اشتراط نية الفرضية وجهان: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو إسحاق: يشترط لأن الطهر قد يوجد من الصبي، وممن صلى منفردًا ثم أعادها في الجماعة، مع أنه ليس بفرض، ولك أن تقول: إن عني بالفرضية في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه وجب أن لا ينوي الصبي الفرضية بلا خلاف ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين. وأيضًا فإن من صلى منفردًا ثم أدرك جماعة ينوي بالثانية الفرض على الصحيح، وهو غير لازم عليه وإن عنى بالفرضية كونها لازمة على أهل الكمال فالطهر أخص منه، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ وإن عنى به شيئًا آخر فلابد من بيانه. انتهى ملخصًا. فيها أمران: أحدهما: أن ما أشعر به إطلاقه من إلحاق الصبي في ذلك بالبالغ قد صرح به في الباب الثالث من أحكام التيمم فقال: والصحيح أن الصبي لا يجمع بين فرضين لأنه وإن لم يكن ملحقًا لكن ما يؤديه حكمه حكم الفرض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة. هذه عبارته. وقد صرح النووي أيضًا هنا في "الروضة" بذلك فقال مختصرًا لكلام الرافعي ونية الفرضية شرط على الأصح عند الاكثرين سواء كان الناوي بالغًا أو صبيًا، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي:

стр. 842

وسواء في الاشتراط كان الناوي بالغًا أو صبيًا، وهذا ضعيف. والصواب أنه لا يشترط في حقه نية الفرضية، وكيف ينوي الفرضية وصلاته لا تقع فرضًا؟ . وقد صرح بهذا صاحب "الشامل" وغيره. هذا كلامه. وذكر مثله في "التحقيق" فقال: الأصح أنه لا يشترط، وما ذكره النووي فيهما هو الصواب. وقد جزم به أيضا في "التتمة" في الكلام على ما إذا صلى الصبي ثم بلغ وإمام الحرمين في الكلام على المنفرد إذا أعاد في جماعة، ونقله عنه الرافعي هناك، واقتضى كلامه الاتفاق عليه، وستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى. ورأيته أيضًا مجزومًا به في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي في كتاب الصيام. واعلم أن الذي ذكره الرافعي أيضًا في الصلاة المعادة قد خالفه في "الروضة" في صلاة الجماعة فقال من زوائده: الراجح أنه لا يشترط فيها نية الفرضية، وبما ذكرناه يحصل الجواب عن البحث السابق. وتعليل النووي عدم نية الفرضية لكونه لا يقع فرضًا منقوض بمن أدرك الإمام في الجمعة بعد الرفع من الركوع الثاني، فإن الأصح في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه ينوي الجمعة [وإن كانت لا تحصل، وكتب النووي على حاشية هذه المسألة في كتاب الجمعة] (١)، من "الروضة" فقال: إنما ينوي الجمعة لأنا لم نتيقن فواتها لاحتمال أن يكون الإمام قد

стр. 843

نسي القراءة من إحدى الركعتين فتذكر أنه بقي عليه ركعة فيقوم إليها. وحينئذ فيكون الذي قاله فارقًا بين المسألتين، لكنه غير مستقيم، فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" أن المسبوق إذا بقي عليه ركعة فقام الإمام إلى خامسة، فلا يجوز متابعته فيها حملًا على أنه تذكر ترك ركن. وأيضًا فلو راعينا هذا لكان يلزمه الاقتداء به، وهو بعيد. الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي إلحاق فرض الكفاية والمندوب وركعتي الطواف إن أوجبناهما بالصلوات الخمس في شيئين: أحدهما في التعيين، وهو ظاهر، وكلامهم في الصوم يدل عليه، وحينئذ فينوي صلاة الجنازة مثلًا أو عن نذر أو ركعتي الطواف. ثانيهما: في الفرضية، وهو ظاهر أيضًا، وقد صرح به في فرض الكفاية الرافعي في باب صلاة الجنازة، وحكى معه وجهًا آخر أنه لابد من نية فرض الكفاية. وأما المنذور فنقله في "الكفاية" عن بعضهم ساكتًا عليه، والقياس في ركعتي الطواف كذلك. قوله: وأصح الوجهين عند الأكثرين أنه لا يشترط التعرض لنية الأداء والقضاء، بل يصح الأداء بنية القضاء، وبالعكس. ولك أن تقول: إن جرى ذلك على لسانه أو في قلبه، ولم يقصد حقيقة معناه، بل قصد بالأداء حقيقته، وبالقضاء حقيقته، فلا ينبغي أن يقع نزاع في جوازه، وإن قصد معناه المصطلح عليه، فلا ينبغى أن يقع نزاع في منعه، وإن كان المراد شيئًا آخر فلابد من بيانه أولًا. انتهى.

стр. 844

فيه أمران: أحدهما: أنه قد يلتزم تصويره بما إذا أراد شيئًا آخر [لابد من بيانه] (١) فسبق لسانه إلى غيره بناءً على أن التلفظ يجب، وعلى أن نية القضاء والأداء لابد منها، وهذا الجواب قد ذكره في "الكفاية". الأمر الثاني: أن النووي قد استدرك عليه في "الروضة" فقال: مراد الأصحاب بهذه المسألة ما إذا نوى ذلك جاهلًا بالوقت لغيم ونحوه، وذكر أيضًا مثله في "شرح المهذب" ثم قال: صرح الأصحاب بأنه إذا نوى الأداء في وقت القضاء وعكسه لم يصح بلا خلاف. وممن صرح به إمام الحرمين في مواقيت الصلاة. انتهى. وحاصل ما قاله النووي: أن محل الوجهين فيما إذا نوى ذلك جاهلًا، لكنه قد ذكر في الشرح المذكور قبل هذا الموضع بأسطر قلائل ما يخالفه فقال: وإذا ظن الوقت باقيًا فنوى الأداء لم يضر بلا خلاف، ونص عليه الشافعي. هذا كلامه. وذكر قريبًا منه أو ما يقتضيه في مثله من الصوم. واعلم أن حمل الخلاف على صورة الجهل وإثبات الخلاف فيها قد أنكره في "الكفاية"، ولا وجه لإنكاره؛ وتوجيه البطلان أنه نوى شيئًا ليس مطابقًا لما في نفس الأمر لاسيما من يقول بوجوب التعرض للأداء والقضاء، فله أن يقول: هذا الشرط لم يحصل، فبطلت الصلاة مع الجهل كسائر الشروط التي جهلها المصلي. وقد ظفرت بنسخة صحيحة من "فتاوى القاضي حسين" ورأيته قد ذكر هذه المسألة فقال: ظاهر المذهب أنه يصح؛ وهو يقتضي إثبات الخلاف، ثم

стр. 845

رأيت نسخة أخرى فلم أظفر بذلك لاختلاف النسخ ورأيت في "فتاوى القفال" كلامًا حاصله: التفصيل بين أن يضم إليه شيئًا آخر يعارضه لقوله: أصلي فرض الوقت قضاءًا، أو أصلي ظهر أمس [أداء] (١)، فيصح، ويلغو ذكر القضاء والأداء، أو لا يضم إليه ذلك، فلا يصح [فاقتضى] (٢) كلامه فرض ذلك مع العلم. قوله: في "الروضة": ولا يشترط التعرض لعدد الركعات على الصحيح، لكن لو نوى الظهر ثلاثًا أو خمسًا لم تنعقد. انتهى. وما ذكره من عدم الانعقاد [مقتضاه] (٣) أنه لا فرق فيه بين الغالط والعامد، وهو خلاف ما ذكره الرافعي فإنه قد ذكر ذلك قبل هذه المسألة بقليل استدلالًا على شئ، وفرضه في حالة العلم. ومقتضاه أنه لا يؤثر عند الغلط، ويؤيده ما ذكروه في نية الخروج من الصلاة وفي غيرها فإنهم قالوا: إذا لم يوجبها فأخطأ في التعيين لم يضر. قوله: القسم الثاني: النوافل، وهما ضربان: أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضًا نية فعل الصلاة، والتعيين [فينوي] (٤) سنة الاستسقاء والخسوف، وسنة عيد الفطر والتراويح والضحى وغيرها. وفي الرواتب تعين بالإضافة فيقول: أصلي ركعتي الفجر، وراتبه الظهر، أو سنة العشاء. انتهى.

стр. 846

فيه أمور: أحدها: أن النووي في "شرح المهذب": قد مثل للراتبة بقوله: وسنة الظهر التي قبلها أو التي بعدها. هذه عبارته. واقتضى كلامه اشتراط ذلك، ولا وجه لاشتراطه عند تقديم المقدمة لا فيها ولا في المتأخرة. فإن أخرها فقد اجتمعتا فتحتمل الشرطية، ويتجه تخريجه على الخلاف في الأداء، والقضاء عند اجتماعهما، وإن كانت المؤخرة أداء. وأصل هذا البحث أن الراتبة المقدمة على الفريضة تؤخر وتكون أداء بخلاف المؤخرة فإنها لا تقدم. الأمر الثاني: أن كلامه -أعني: الرافعي- يقتضي اشتراط التعيين في ركعتي لإحرام والطواف والتحية وسنة الوضوء لأنها من ذوات السبب كما صرحوا به في الأوقات المنهي عنها مع أنه لا يشترط في التحية بلا شك كما قاله في "الكفاية" قال: وأما الأولان فصرح الأصحاب باشتراط التعيين فيهما؛ وقد صرح في "تصحيح التنبيه" بركعتي الطواف، وعدهما مما يجب فيه التعيين بلا خلاف، وأما سنة الوضوء فيتجه إلحاقها بالتحية، وقد ذكر الغزالي ذلك وزاد عليه فقال في "الإحياء" في كلامه على سنة الوضوء: ولا ينبغي أن ينوي ركعتي الوضوء كما ينوي ركعتي التحية، فهو تطوع محض يقع عقب الوضوء كيلا يتعطل وضوءه. الأمر الثاني: أن تعبيره بقوله: ركعتي الفجر أو راتبه الظهر أو سنة العشاء، فيه إشارة إلى التخيير بين هذه الألفاظ. وتعبيره بقوله: فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر والتراويح، والضحى إلى آخره.

стр. 847

هكذا وقع في الرافعي -أعني: بلفظ- السنة ولا يمكن تصحيح النية بما ذكره فقط. وعبر في "الروضة" بقوله: فينوي صلاة الاستسقاء والخسوف أو عيد الفطر أو النحر. قال الشيخ عز الدين: وينبغي في صلاة العيد أن لا يجب التعرض لكونه فطرًا أو نحرًا لأنهما مستويان في جميع الصفات فيلتحق بالكفارات. الأمر الرابع: أن الرافعي قد جزم في مواضع من باب صلاة التطوع بأن الوتر من الرواتب التابعة للفرائض، وتابعه عليه في "الروضة"، وحينئذ فكيف يستقيم مع ذلك ما ذكراه هنا ليس من كونها لا تضاف إلى العشاء لأنها صلاة مستقلة. الأمر الخامس: أن ما سبق في الوتر محله فيما إذا نوي عددًا، فإن لم ينو شيئًا فهل يلغو لإبهامه أو تصح وتحمل على ركعة [لأنها المتيقن] (١) أو على ثلاث لأنها أفضل كما لو نوى الصلاة فإنها تنعقد ركعتين مع صحة الركعة أو علي إحدى عشرة لأن الوتر له غاية هي أفضل فحملنا الإطلاق عليها بخلاف الصلاة؟ في كل ذلك نظر. قوله: وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف فيه كلام الناقلين، وهو قريب من نية الفرضية في الفرض. انتهى. وهذا الخلاف الذي ذكره الرافعي ﵀ كيف يتصور مع التصريح بالسنة؟ فإن التعرض لسنة العشاء مثلًا يستلزم التعرض للسنة قطعًا.

стр. 848

قوله: الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة، ولم يذكروا هنا خلافًا في اشتراط التعرض للنفلية. ويمكن أن يقال: مقتضى اشتراط الفرضية في الفرض اشتراط النفلية هنا. انتهى. وما ذكره من عدم ذكرهم الخلاف، ليس كذلك فقد جزم صاحب "التقريب" بأن الصلاة لا تصح إلا مع التعرض للفرض أو النفل. ذكر ذلك في كتاب "الحج" في الكلام على ما إذا أهل بالحج في غير أشهره، فقال ما نصه: فأما الصلاة فلا يجوز صرفها من نية إلى نية لأنه عقدها لا يجوز على غير شيء، ألا تراه لو صلى لا ينوي به فرضًا، ولا نفلًا لم يجز صرفها إلى واحد منهما لحاجة كل واحد منهما إلى تعيين النية له دون صاحبه. وللشافعي ما يدل على هذا القول، وقد أشرنا إليه في كتاب الصلاة. هذا كلام ابن القفال، ومن "التقريب" نقلته. ولم يطلع في "الروضة" على ما ذكرناه فقال: الصواب الجزم بعدم اشتراط النفلية في الضربين، ولا وجه للاشتراط في الأول، وذكر نحوه في "شرح المهذب"، ووجه ما قاله من أنه لا وجه لاشتراطه في الضرب الأول؛ وهو ذو السبب والوقت أمران: أحدهما: ما ذكرته قبل هذه المسألة. والثاني: أن هذه الأمور لا تكون إلا نافلة بخلاف الظهر ونحوها، فإنها قد تكون فرضًا، وقد لا تكون بدليل صلاة الصبي، والصلاة المعادة، فاعلم ذلك فإن كلامه قد يتبادر منه العكس.

стр. 849

قوله في أصل "الروضة": النية في جميع العبادات تتعين بالقلب، ثم قال: ولنا وجه شاذ أنه يشترط نطق اللسان. انتهى. وهو يقتضي أن هذا الوجه يجري في العبادات كلها لأنه لم يخصه بشيء، وليس كذلك. فإن الصوم لا يجب النطق فيه بلا خلاف كما هو مصرح به في "الشرح" و"الروضة" في كتاب الصيام، وكذلك أيضًا الحج كما دل عليه كلام الرافعي هنا، وكذا في الزكاة كما دل عليه كلامه في موضعه. وكلام الرافعي لا إيراد عليه، لأن سياق كلامه هنا يقتضي تخصيص الوجه بالصلاة. نعم في باب الوضوء من "البحر" وجه أنه لابد من التلفظ، ومقتضاه جريانه في العبادات كلها فإنه قال: وقال أبو عبد الله الزبيري: النية اعتقاد بالقلب، وذكر باللسان، ليظهر بلسانه ما اعتقد بقلبه. هذه عبارته. وهو لا يدفع عن النووي الاعتراض المذكور. قوله: ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله تعالى، بالقلب أو اللسان، فإن قصد به التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضر. وإن قصد الشك لم تصح صلاته. انتهى. تبعه عليه في "الروضة"، وقد أهملا قسمًا ثالثًا وهو الإطلاق، وقد نص عليه الجرجاني في باب صفة الوضوء من "الشافي" وقال: إنه لا يصح، لأن اللفظ موضوع للتعليق. قوله: ولو تحرم بالفرض منفردًا فجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس فقال -يعني الشافعي-: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكون نافلة، ويصلي

стр. 850

الفرض في جماعة. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله الشافعي معناه: أن يقطع نية الفرضية ويقلبها نفلًا، هكذا ذكره الرافعي في آخر كتاب صلاة الجماعة، وذكر هنا في آخر المسألة نحوه أيضًا، ولكن حذفه النووي من "الروضة". الأمر الثاني: أن صورة المسألة أن تكون الجماعة مشروعة، فإن لم تكن كما لو كان يصلي الظهر مثلًا فوجد من يصلي العصر، فإنه لا يجوز القطع، كما قاله النووي في صلاة الجماعة من "شرح المهذب" ونقله عن المتولي وغيره. ونقل الرافعي هناك عن القاضي حسين أنه في هذه الحالة لا يستحب القطع، وتابعه النووي عليه وزاد فجزم به غير ناقل له عن أحد. والقياس امتناعه، فإن الخروج من الصلاة في الوقت يجعلها قضاء على ما قاله أئمتنا. ويأتيك أيضًا في الحج. وكان القياس يقتضي امتناعه، وإن كانت الجماعة مشروعة، إلا أَنَّا قد اغتفرناه لهذا الغرض. قوله: ولو قلب فرضه نفلًا بلا سبب، فالأظهر البطلان. انتهى. إنما قيده بعدم السبب ليحترز عن المسألة السابقة، وعن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته فإن له قلبها نفلًا على اختلاف فيه مذكور في موضعه،

стр. 851

[وعما] (١) لو دخل في الفائتة ظانًا أن وقت الحاضرة متسع فبان ضيقه فإنه يجب قطعها على الصحيح كما قاله (٢) [في "الروضة". قال القاضي حسين: ويستحب له في هذه الحالة أن يقلبها نفلًا ويسلم من ركعتين. قوله في "الروضة": فإن طال -أي: الفصل بين التكبير لقوله: الله لا إله إلا هو الملك القدوس أكبر- لم يجزئه قطعًا. انتهى. وما ذكره من عدم الخلاف قد أشعر به كلام الرافعي أيضًا، وليس كذلك فقد خالف فيه [الشاشي] (٣) فقال: ولا اعتبار عندي بطول الفصل وقصره، بل بالانتظام، فمتى أفاد التكبير بأن يكون [أكبر] (٤) خبرًا عنه انعقد، وقد حكى ذلك في "الكفاية"، لكنه حكاه عن بعضهم، ولم يبين قائله. واعلم أن الماوردي قد مثل اليسير بقوله: الله لا إله إلا هو أكبر، مع أن الفاصل أربع كلمات فاعلمه. قوله من زوائده: ومن فروع الفصل ما ذكره صاحب "التلخيص" والبغوي والأصحاب أنه لو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر، دخل في الصلاة بالأوتار وبطلت بالأشفاع. وصورته: أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة ولم ينو الخروج عن الصلاة بين كل تكبيرتين فبالأولى دخل، وبالثانية خرج، وبالثالثة دخل، وبالرابعة خرج، وبالخامسة دخل، وبالسادسة خرج، وهكذا أبدًا.

стр. 852

لأن من افتتح صلاة ثم نوى افتتاح صلاة بطلت صلاته، ولو نوى افتتاح الصلاة بين كل تكبيرتين فبالنية يخرج، وبالتكبير يدخل، ولو لم ينو بالتكبيرة، وما بعدها افتتاحًا ولا خروجًا صح دخوله بالأولى، وباقي التكبيرات ذِكر لا تبطل به الصلاة. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي بسطها قد ذكرها الرافعي مختصرة في الباب الثاني من أبواب الشفعة في الكلام على تصرف المشتري في الشقص المشفوع فقال ما نصه: كما إذا تحرم بالصلاة ثم شك فجدد نية وتكبيرة لا تنعقد بها الصلاة لأنه يحصل بها الحل، فلا يحصل بها العقد. هذا لفظه، وقد عبر الإمام أبو عبد الله المعروف بالختن عن هذه العلة بعبارة تقتضي معنًا آخر، أو بسطًا للمعنى المذكور هنا، فقال: لأنه مع التكبيرة الثانية ينوي الخروج من الصلاة التي عقدها بالتكبيرة الأولى، وينوي الدخول بها في الثانية، ولا يجوز أن يكون في وقت واحد مبطلًا لإحدى صلاتين داخلًا في أخرى. هذه عبارته، ومن شرحه على "التلخيص" نقلت. واعلم أن صاحب "التلخيص" ذكر هذا الحكم ولم يعلله، ولم يجزم به أيضًا، بل نقله عن بعض شيوخه، فيقال عقب ذكره له: سمعت بعض مشايخنا يقوله. هذه عبارته ومن "التلخيص" نقلت. قوله: وحكى في بعض نسخ "الوجيز" في قيد الرفع ثلاثة أقوال. أحدها: أنه يرفع يديه إلى حذو المنكبين. والثاني: أنه يرفعها إلى أن تحاذي أصول أصابعه أذنيه. والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهاماه شحمة أذنيه، وكفاه منكبيه.

стр. 853

وفي بعض النسخ الأول والثاني خاصة. والمراد من القول الأول أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، وهكذا صرح به إمام الحرمين. وأما الثاني فكأن المراد من الأذن هو شحمته وأسافله، لا أعلاه، وإلا اتحد مع القول الثالث. وظاهر المذهب القول الثالث، ولم ينقل معظم الأصحاب في ذلك خلافًا، ولم أرَ حكاية الخلاف إلا لابن كج، وإمام الحرمين، لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث. فظهر تفرد المصنف بما نقل من حكاية القولين أو الثلاثة. انتهى ملخصًا. والحاصل أن المسألة ليس فيها ثلاثة أقوال بل ولا قولان على الوجه الذي حكاه الغزالي وإنما قولان آخران: أحدهما: أن يرفع بحيث يحاذي برؤوس أصابعه منكبيه. والثاني: القول المعروف، ولم يثبت في "الروضة" خلافًا بالكلية وكأنه يوهم نفي أصل القولين. قوله: لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل ابن حجر، وهو أنه يبتدئ الرافع مع ابتداء التكبير، واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معًا. وقيل: يجعل انتهاء التكبير، والإرسال معًا؛ وقال الأكثرون: لا استحباب في طرف الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الثاني. انتهى كلامه.

стр. 854

تابعه النووي في "الروضة" على نفي الاستحباب في الانتهاء فقال: إنه الأصح، لكنه لم ينقله عن الأكثرين، وصرح بتصحيحه أيضًا في "شرح مسلم"، ثم صحح -أعني: النووي- في "التحقيق" الوجه الآخر، وهو أنه يستحب انتهاؤهما معًا، وقال في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح": إنه الأصح، وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وقال في "شرح المهذب": إنه الأصح المنصوص عليه في "الأم". وإذا علمت ما تقدم علمت أن الفتوى على خلاف ما في "الشرح" و"الروضة" ترجيحًا لأحد الموضعين المتعارضين على الآخر بنص الشافعي. واعلم أن الإمام قد حكى عن شيخه ما حاصله أن الكيفيات كلها على السواء، وأقره عليه، وتابعه عليه الغزالي فقال في "الوسيط": قال المحققون: ليس هذا اختلافًا بل صحت الروايات كلها فلنقبل الكل ولنجوزها على نسق واحد. قوله: والثالثة: ويُسن بعد التكبير، وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى وذلك بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى، وبعض الرسغ والساعد، وقد روى ذلك عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ . انتهى. والرسغ: براء مضمومة ثم سين مهملة ساكنة، وعين معجمة وهو ما رقّ من الكف واتصل بالذراع، ويقال فيه: الرصغ بالصاد، قاله الجوهري، وحديث وائل رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، ورواه مسلم أيضًا عنه، ولفظه: "ثم وضع يده اليمنى على اليسرى" (١) ولم يذكر غير ذلك. ووائل مهموز على وزن ضارب؛ وحجر بحاء مهملة ثم جيم ساكنة

стр. 855

بعدها راء. واعلم أن كلام الرافعي يقتضي أن إرسال اليدين مكروه، لأن مخالفة السنة مكروهة، كما قاله النووي. وبذلك -أعني: كراهة الإرسال- صرح البغوي في "التهذيب"، لكن قال الشافعي: والقصد من ذلك تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس كذا نقله عنه في "الشامل". قوله: ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالين. انتهى. تابعه في "الروضة" على نقله عن القفال واقتصاره عليه، وقد ذكر الغزالي في "الإحياء" كيفية أخرى تخالف هذه فقال في أوائل الباب الثاني من كتاب "أسرار الصلاة": ويضع اليمنى علي اليسرى إكرامًا لليمنى بأن تكون محمولة، وينشر المسبحة والوسطى من اليمنى على الساعد، ويقبض بالخنصر والبنصر على كوع اليسرى. هذه عبارته في نسخة وقفت عليها. قوله: وكيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيدلي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر، أم يجمعهما ويضمهما إلى الصدر من غير أن يدليهما؟ والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا يقبض يديه يمينًا وشمالًا إذا فرغ من التكبير، ولكن يرسلهما إرسالًا خفيفًا رقيقًا ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال. قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر، فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى، فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمهما إلى

стр. 856

الصدر، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن المراد من الاحتمال الأول المنقول عن الشيعة هو المبالغة في إرسال اليدين كما يفعله المالكية، وما نقله عن الغزالي في "الإحياء" مخالف لهذا الاحتمال، فإن قول الغزالي: إرسالًا خفيفًا، صريح في أنه لا يبالغ، بل يقبض عند الصدر، وقد صرح به كذلك في درسه، كذا نقله عنه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" فقال: وبعد هذا كله لطيفة علقتها بنيسابور مما علق عن صاحب الكتاب في الدرس قال: ثم حالة إرسال اليدين لا ينبغي أن يرسل يديه ثم يستأنف رفعها إلى الصدر، فإني سمعت بعض المحدثين يقول: الخبر إنما ورد بأنه يرسل يديه إلى صدره. هذا كلامه، وما ذكره البغوي لا ينافيه أيضًا. وإذا ظهر لك ذلك علمت قطعًا المنافاة بين كلام الغزالي والاحتمال الأول من احتمال الرافعي، وقد اختصره في "الروضة" بعبارة هي أفحش في الغلط من عبارة الرافعي فقال: واختلفوا في أنه إذا أرسل يديه هل يرسلهما إرسالًا بليغًا ثم يستأنف رفعهما إلى تحت صدره، ويضع اليمنى على اليسرى، أم يرسلهما إرسالًا خفيفًا إلى تحت صدره فحسب ثم يضع؟ فيه وجهان. قلت: الأصح الثاني، والله أعلم. وذكر مثله في "شرح المهذب" وزاد فيه، فنقل هذا الخطأ كله عن كلام الرافعي. نعم في "الخلاصة" للغزالي و"بذل الهداية" له أنه يخفضهما ثم يستأنف رفعهما.

стр. 857

الأمر الثاني: أن الغزالي في "الإحياء" قد عبر بقوله: "ويرسلهما إرسالًا خفيفًا، ويستأنف وضع اليمين على الشمال بعد الإرسال". وفي بعض الروايات: إن كان إذا كبر أرسل يديه فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى، وإن صح هذا فهو أولى. هذه عبارته، وهذا الذي نقله عن بعض الروايات، وادعى أنه إذا صح يكون أولى مغاير لما ذكره أولًا، وكلام الرافعي يقتضي أنه هو. قوله: والسنة أن يفرق بين أصابعه تفريقًا وسطًا. انتهى. تابعه في "الروضة"، وذكر في "شرح المهذب" ما يخالفه فقال: قطع المصنف والجمهور باستحباب التفريق، وقال الغزالي: لا يتكلف الضم ولا التفريق، بل يتركها منشورة على هيئتها. وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا، والمشهور الأول. انتهى كلامه بحروفه. وحاصله أن المشهور استحباب المبالغة في التفريق، والذي قاله الرافعي هو ملخص كلام الإمام فإنه قال: ولتكن الأصابع منشورة، ولا يؤثر اعتماد تفريجها ولا نرى ضمها، وليكن بين بين؛ والضابط في هيئتها أن ينشر الأصابع ويتركها على صفتها وسجيتها، ولا يتعمد فيها ضم ولا تفريج، فإذا فعل ذلك اقتصد الأمر في الانفراج. قوله من زياداته: وإذا طول الثلاثة يعني القيام والركوع والسجود زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه. فالأصح أن الجميع يكون واجبًا. والثاني: يقع ما زاد سنة.

стр. 858

ومثله الخلاف في مسح جميع الرأس، وفي البعير المخرج في الزكاة عن خمس، وفي البدنة المضحى بها بدلًا عن شاة منذورة. انتهى كلامه. وحاصله أن الراجح في جميع هذه الصور أن الجميع يقع واجبًا، وقد صرح بتصحيحه أيضًا هنا في "شرح المهذب" و"التحقيق". إذا علمت ذلك فقد صحح -يعني: النووي- في باب الوضوء من "شرح المهذب" و"التحقيق" أن الزيادة تقع نفلًا، وبه أجاب في "الروضة" من زياداته في باب الأضحية فقال ما نصه: والأرجح في الجميع أن الزيادة تقع تطوعًا. انتهى. وكذلك في باب الدماء أيضًا، وهو قبل باب الأضحية فقال في البدنة أو البقرة المخرجة عن الشاة، قلت: الأصح أن الفرض سُبعها، صححه صاحب "البحر" وغيره، والله أعلم. وكذلك في "شرح المهذب" في باب النذر فقال: أصحهما يقع سبعها واجبًا، والباقي تطوعًا؛ ثم ذكر -أعني: النووي- أيضًا هذه النظائر كلها في باب الزكاة من "شرح المهذب" وصحح أن الزائد في بعير الزكاة فرض، وأن الزائد في باقي الصور نفل، وأدعى اتفاق الأصحاب على تصحيح هذا التفصيل، وكلام "الشرح" و"الروضة" هناك ربما يفهمه أيضًا. ومن نظائر المسألة ما إذا زاد بعرفات على قدر الوقوف الواجب، وقد خرجه في "الكفاية" على هذا الخلاف. ومن نظائره أيضًا ما إذا زاد في الحلق والتقصير على ثلاث شعرات، والقياس فيه التخريج. ومنها ما إذا صلى على الجنازة أكثر من واحد، ولا شك أنه لا يصح

стр. 859

تخريجها على الخلاف لاستحالة حصول ثواب الواجب لو أخذ بعينه بخلاف باقي الصور، فإن الفعل فيها حصل من واحد فيصح أن يثاب على بعضه ثواب الواجب، وعلى بعض ثواب النفل. والقياس فيها -أي: صلاة الجنازة أن يثاب كل واحد ثواب الواجب، أو يوزع ثواب الواجب على الجميع بالسوية، إلا أن الرافعي وغيره قد جزموا في الطائفة الثانية بأن صلاتهم تقع فرضًا فبطريق الأولى ما نحن فيه، وعللوا ما قالوه بأن صلاة الجنازة لا يتطوع بها، وبأن الشخص إذا علم أنه يثاب على الفعل ثواب الواجب كان أدعى إلى الإتيان به. وهذا التعليل حسن يطرد في باقي الصور، وأما الأول فينتقض بصلاة الصبي، والمرأة، وبالصلاة المعادة، وما ذكروه في صلاة الجنازة قياسه الاطراد في سائر فروض الكفايات. ومن النظائر ما إذا زاد على قدر الكفاية والحكم فيه أن يقع تطوعًا كما جزم به الرافعي في أوائل باب النذور، وتابعه عليه في "الروضة". والزكوات والديون والنذور ونحوها بمثابة الكفارة، والفرق بينهن وبين مسح الرأس ونظائره أن الكفارات ونحوها لها قدر معلوم محدود منصوص عليه، وهاهنا أمور مهمة: أحدها: أن جواز إخراج البدنة أو البقرة عن الشاة ليس على إطلاقه بل يستثنى منه جزاء الصيد، قاله الرافعي في باب الدماء وتبعه عليه في "الروضة"، ثم ذكر في باب الأضحية ما يوهم الجواز في جزاء الصيد إيهامًا شديدًا. ومقتضى كلامه جواز الإخراج في جزاء الشجر، وكان الفرق المطلوب من جزاء الصيد المماثلة في الصورة إخراج البدنة عن البقرة.

стр. 860

وأما الشجر فليس المقصود منه المماثلة، إذ الحيوان ليس مماثلًا للشجر فإذا جاز إخراج البدنة عن الشجرة الكبيرة فإخراجها عنها، وهي صغيرة أولى. ويستثنى أيضًا ما إذا نذر أن يهدي شاة بعينها فإنه لا يجوز أن يذبح مكانها بدنة ولا بقرة، لأنها تعينت كما صرح في باب النذر من "شرح المهذب" وغيره. [الثاني] (١) أن الخلاف في مسح الرأس هل محله إذا وقع دفعة واحدة حتى إذا وقع مرتبًا فالزائد نفل جزمًا أم الخلاف جارٍ في الصورتين؟ ، فيه وجهان حكاهما النووي في باب الأضحية من زياداته من غير ترجيح وصحح منهما في "شرح المهذب" أنه لا فرق، واختار الإمام الأول، وذكر في القيام قريبًا منه فقال: ولا يتجه وصف القيام بعد قراءة الفاتحة بالفرضية، ويتجه فرض الخلاف فيما إذا وقف زمنًا ولم يقرأ الفاتحة ثم قرأها، هل يوصف ذلك بالفرضية من حيث أنه كان يمكن إيقاع القراءة المفروضة فيه وكان لا يسوغ قطعه قبلها؟ الثالث: للخلاف المذكور ثلاث فوائد ذكرها في "التحقيق" و"شرح المهذب" في مواضع: إحداها: جواز الأكل فإن قلنا: الزائد فرض فلا يجوز أكله؛ وإن قلنا: إنه نفل، جاز، وهذه الفائدة ذكرها الرافعي في باب الدماء، وفي باب الأضحية. الفائدة الثانية: إذا عجل البعير عن الشاة، واقتضى الحال الرجوع، فهل يرجع بخمسة فقط أم يرجع بكله على هذا الخلاف؟ كذا ذكره النووى مع الفائدة المتقدمة والمتأخرة في هذا الباب من "شرح المهذب" و"التحقيق".

стр. 861

الفائدة الثالثة: زيادة الثواب، فإن ثواب الواجب أعظم من ثواب النفل لقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: "وما تقرب إلىّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" (١)، وهذه الفائدة ذكرها النووي في "زياداته" في باب الأضحية، والقدر الذي يمتاز به الواجب هو سبعون درجة، حكاه في "الروضة" من زياداته في أول النكاح عن حكاية الإمام قال: واستأنسوا فيه بحديث. انتهى. واعلم أن الطبراني روى في "معجمه الكبير" عن صهيب بن النعمان أن رسول الله ﷺ قال: "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة" (٢). وإسناده متماسك. وروى البيهقي في "شعب الإيمان" أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به في السر وضعف أجره ستون ضعفًا" (٣) وهو ضعيف فإنه من رواية بقية بن الوليد، وهذا المجموع هو الحديث الذي استأنسوا به فاعلمه، إذ الحسنة بعشر أمثالها مضافة إلى الستين، والمراد بالعمل هنا الفرض، لأنه الذي يستحب إظهاره. قلت: وفائدة رابعة وهي الحسبان من الثلث إذا أوصى بذلك، أو فعله

стр. 862

في مرض موته. فإن جعلناه نفلًا حسبناه من الثلث؛ وإن جعلناه فرضًا فيتجه تخريجه على الخلاف في ما إذا أوصى بالعتق في الكفارة المخيرة هل تحسب من رأس المال أم لا؟ وفيه اختلاف يأتيك في باب الوصية. وفائدة خامسة أيضًا وهي كيفية النية في البعير المخرج عن الشاة ونحو ذلك، فإن جعلنا الجميع فرضًا فلابد أن ينوي الزكاة أو الصدقة المفروضة، ونحو ذلك بالجميع. وإن قلنا: إنه الخمس، كفاه الاقتصار عليه في النية. [الركن الثاني: القيام] (*) قوله: وإذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود ولا ينقص ثوابه [لأنه] (١) معذور. انتهى. وهذا التعليل قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وفيه كلام مهم يتعين الوقوف عليه أذكره إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة في الكلام على الأعذار المرخصة في تركها. قوله: ولو جلس للغزاة رقيب يرقب العدو، ولو قام لرآه العدو، أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا رآهم العدو، وفسد التدبير فلهم الصلاة قعودًا، ويجب الإعادة لندوره، انتهى. زاد في "الروضة" فقال: قلت: قال صاحب "التتمة": إن خاف لو قام في الصلاة أن يقصده العدو صلى قاعدًا وأجزأته على الصحيح، ولو صلى الكمين في وهدة قعودًا ففي صحتها قولان، والله أعلم. فأما المسألة الأولى: من زوائده فقد اختلف تصحيحه فيها فصحح في

стр. 863

"شرح المهذب" هنا وجوب الإعادة، وصحح في باب صلاة المريض من "التحقيق" عدم الوجوب. وأما الثانية: فقد رأيتها أيضًا في كلام "التتمة" وأعادها لإفادة القول المحكي في عدم الصحة، كذا أوضحه في "شرح المهذب" في صلاة المريض فاعلمه. قوله: وإذا قعد المعذور فلا يتعين لقعوده هيئة، لكن يكره الإقعاء في هذا القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روى أنه ﷺ نهى أن يقعي الرجل في صلاته (١). ويروى أنه قال: "لا تقعوا إقعاء الكلاب" (٢)، واختلفوا في تفسير الإقعاء على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرب بين رجليه، ويضع إليته على عقبيه. والثاني: أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه. والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب، أنه الجلوس على الوركين، ونصف الفخذين والركبتين، وهذا أظهر، وبه فسر أبو عبيد، لكن زاد فيه شيئًا آخر، وهو وضع اليدين على الأرض. انتهى.

стр. 864

فيه أمور: أحدهما: أن تفسير الإقعاء المكروه بالتفسير الأول قد نبه في "الروضة" على غلطه فقال: الصواب هو الثالث؛ وأما الأول فغلط، فقد ثبت في "صحيح مسلم" (١) أن الإقعاء سنة نبينا محمد ﷺ ، وفسره العلماء بالتفسير الأول، ونص على استحبابه للشافعي في "البويطي"، و"الإملاء" في الجلوس بين السجدتين؛ قال العلماء: والإقعاء ضربان: مكروه وغير مكروه. انتهى كلام "الروضة". وذكر ابن الصلاح نحوه فقال: وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من لم يعلم أنه نوعان. واعلم أن ما ذكره ابن الصلاح والنووي قد سبقهما إليه البيهقي، وأوضحه فأطال الكلام فيه (٢). وقد نقله عنه في "شرح المهذب"، إلا أن خلاصة كلامه أنه مكروه ما عدا الجلوس بين السجدتين فإنه مرخص فيه أو سنة، وكلام "الروضة" لا يعطي ذلك فتفطن له. الأمر الثاني: أن الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء كلها ضعيفة، كذا ذكره البيهقي، وتبعه عليه في "شرح المهذب" (٣)، لكن روى الحاكم في "مستدركه" (٤) عن الحسن عن سمرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن

стр. 865

الإقعاء في الصلاة" ثم قال: إنه صحيح على شرط البخاري، وأراد أن مذهب البخاري أن الحسن قد ثبت سماعه من سمرة مطلقًا خلافًا لمن خصه بحديث العقيقة، كذا نقله ابن عبد البر في "الاستذكار" عن الترمذي عن البخاري. الأمر الثالث: أن عبارة الرافعي، والنووى في هذا الإقعاء صريحة في أنه يجعل ظهور قدميه على الأرض، ويجلس على بطونها. وعبر في "البويطي" بقوله: ويجلس المصلي في جلوسه بين السجدتين على صدور قدميه، ويستقبل بصدور قدميه القبلة، هذا لفظه. وحاصله أنه ينصب القدمين، ويجعل أطراف الأصابع على الأرض ويعتمد عليهما. الأمر الرابع: أن ما ذكره في "الروضة" من استحباب الإقعاء في الجلوس بين السجدتين، وأن الشافعي نص عليه، لا ينافي ما ذكره في الكلام على الجلوس بين السجدتين من استحباب الافتراش في أصح القولين، فإنه قد ذكر في شرحي "المهذب" و"مسلم" جوابه فقال: وكلاهما سنة، لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر فكانت أفضل في أصح القولين. الأمر الخامس: أنه وقع في "الرافعي" و"الروضة" أبو عبيد بلا تاء، وصوابه أبو عبيدة بالتاء. ففي "شرح المهذب" عن البيهقي: أن أبا عبيد القاسم بن سلام نقله عن شيخه أبي عبيدة معمر بن المثنى. قوله: فإن عجز عن القعود اضطجع على جنبه الأيمن مستقبلًا بوجهه ومقدم بدنه القبلة، فإن ترك التيامن جاز، وفي قول: يستلقي على ظهره

стр. 866

ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلًا كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود كان إيماؤه إلى القبلة بخلاف المضطجع. وقيل: يضطجع على جنبه الأيمن، ولكن أخمصاه إلى القبلة، وهو ضعيف. وذكر الإمام أن الخلاف المذكور خلاف في الوجوب، لأن الاستقبال مختلف فيه بخلاف الخلاف في كيفية القعود فإنه خلاف في الأفضل. انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن رفع الوسادة على القول الثاني هل هو على سبيل الاشتراط أم لا؟ ليس في كلامه تصريح بشيء، وقد صرح باشتراطه في أصل "الروضة" وغيرها. الأمر الثاني: أن هذا كله مسلم إذا كان يصلي في غير الكعبة، فإن صلى فيها مضطجعًا لمرض أو تنفل مضطجعًا فالمتجه أنه يجوز أن يستلقي على ظهره وعلى وجهه، لأنه كيف ما توجه فهو متوجه لجزء من أجزاء الكعبة. نعم إن لم يكن على الكعبة سقف، وتنفل مستلقيًا على ظهره فيتجه المنع. والمسألة محتملة، ولعلنا نزداد فيها علمًا أو نشهد نقلًا. قوله: فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن عجز عن تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الإيماء بالرأس لم يكلف بها في تلك الحالة، ولكن يقضيها وقد حكاه في "البيان" وجهًا لنا.

стр. 867

دليلنا: ما روي عن علىّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يصلى المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى جالسًا، فإن لم يستطع الجلوس وأومأ وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة أومأ بطرفه فإن لم يستطع صلى على قفاه مستلقيًا وجعل رجليه مستقبل القبلة" (١). ثم قال بعد ذكره لهذا الحديث: واحتج في الكتاب للترتيب المذكور بما روي أنه ﷺ قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) ولا يصح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور، فإنه قال: "فأتوا منه"، والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعًا من المأمور به، وكذلك الإضطجاع لا يشتمل عليه القعود، وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها. ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال، ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته. انتهى ملخصًا.

стр. 868

فيه أمور: أحدها: أن حكاية هذا الوجه عن "البيان" في حالة العجز عن الإيماء بالرأس قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غلط، فإن المذكور في "البيان" ما حاصله أنه إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بحاجبه وطرفه في الركوع والسجود ويقرأ بلسانه، فإن عجز حركه بها، فإن تعذر الإيماء وحركة اللسان أمر الأركان على قلبه. وقال أبو حنيفة: تسقط عنه الصلاة في هذه الحالة، وحكى الطبري في "العدة وجهًا" مثله. انتهى. وذكر أيضًا في "الزوائد" نحوه. وحاصله أن هذا الوجه يقول: إن الصلاة لا تسقط عند العجز عن الإيماء بالرأس، فالأبدان تعجز أيضًا عن الإيماء بالطرف، وعن حركة اللسان بالقراءة، ثم راجعت كلام "العدة"، وهي "عدة" أبي عبد الله الحسن الطبري، فوجدت النقل فيها كذلك أيضًا، إلا أنه لم يذكر الإيماء بالحاجب وكأنه ملازم للإيماء بالطرف، ورأيته قد نقل الوجه عن ناصر العمري شيخه، وزاد أن قائله يقول بوجوب القضاء على الأصح. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لما حكى الوجه الضعيف لم يذكر وجوب القضاء، بل اقتضى كلامه عدم وجوبه، وهو وجه آخر تقدمت حكايته لم يذكر وجوب القضاء، بل اقتضى كلامه عدم وجوبه، وهو وجه آخر تقدمت حكايته، ويتحصل من ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا الإعراض الذي ذكره الرافعي عن الغزالي ذهول عن مراده، فإنه لم يرد بالأمر حديث الأعرابي، ونحوه مما يتبين فيه أركان الصلاة، بل أراد الحديث الذي ذكره وهو من رواية علىّ لكن الإمام ذكره،

стр. 869

واستنتج منه هذا، ودلالته على ما عدا الإمرار واضحة، وأما على الإمرار فقد أوضحه الإمام فقال: لأنه لما أمر المستلقي بالصلاة والصلاة في الشريعة عبادة مخصوصة ذات أركان فعلية وقولية، فلا يتصور اعتقادها عند سقوط الأفعال الظاهرة إلا بإجرائها في القلب، ثم قال: وهذا حسن لطيف، وهذا الحديث قد أخرج معناه الدارقطني وضعفه (١). نعم في البخاري من رواية [عمران] (٢): صلى قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (٣). وحديث: "إذا أمرتكم" (٤) صحيح أخرجه الشيخان. قوله في "الروضة": فرع: القادر على القيام إذا أصابه رمد، وقال له طبيب موثوق به: إن صليت مستلقيًا أو مضطجعًا أمكن مداواتك، وإلا خيف عليك العمى، جاز له الاضطجاع، والاستلقاء على الأصح، انتهى كلامه. والخلاف المذكور عائد إلى كل من المسألتين، كذا صرح به الرافعي فقال: فهل له أن يستلقي أو يضطجع بهذا العذر؟ فيه وجهان. هذا لفظه. وعبارة الروضة ليست صريحة فيه. قوله: ولو وجد المريض خفة في ركوعه قاعدًا وإن وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الركوع الصحيح، ولا يجوز له أن ينتصب قائمًا ثم يركع، وإن وجد بها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين، ولكن يجوز له ذلك، لأنه لابد له من القيام للاعتدال، إما منحنيًا أو مستويًا. انتهى كلامه. وهو يقتضي أن الانتقال من ركن إلى ركن لا يجب، إذ لو كان واجبًا لكان يلزمه العود إلى الركوع مطلقًا لينتقل منه، ولا ينتقل من غيره.

стр. 870

وذكر أيضًا بعد ذلك نحوه فقال: إنه إذا سقط من الركوع، فإن اطمأن فلا يجب العود إلى الركوع، بل يقوم وإلا وجب، انتهى. وهذا الذي اقتضاه كلامه من كون الانتقال غير واجب، قد صرح بخلافه في أوائل شروط الصلاة في الكلام على سبق الحدث، وسأذكر إن شاء الله عبارته هناك، وذكر هناك نحوه أيضًا فقال في الكلام على الركوع: ويجب أن لا يقصد بهويه غير الركوع، فلو قرأ في صلاته آية السجدة فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له بعدما بلغ حد الراكعين أن يركع، لم يعتد بذلك عن الركوع، لأنه لم يقطع القيام لقصد الركوع، بل يجب عليه أن يعود إلى القيام ثم يركع. انتهى. وهو يدل على وجوب شيئين. أحدهما: الانتقال. والثاني: أن لا يقصد شيئًا آخر. وذكر في مواضع أخرى نحوه أيضًا. واعلم أن ما ذكره الرافعي من جواز الانتقال إلى ركوع القائمين بعد الطمأنينة لم يصرح به في "الروضة"، إلا أن في كلامه إشعار به. [الركن الثالث] (١) القراءة [قوله] (٢) يستحب للمصلي إذا كبر أن يقول دعاء الاستفتاح وهو: "وجهت وجهي. . . ." إلى: وأنا من المسلمين" (٣) رواه عليّ ﵁ إلا أنه قال في آخره: وأنا أول المسلمين، لأنه ﵊ أول مسلمي هذه الأمة، ولا يزيد الإمام على هذا إذا لم يعلم رضى المأمومين بالزيادة.

стр. 871

فإن علم رضاهم، أو كان المصلي منفردًا استحب أن يقول بعده: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت. ." إلى آخره. فيه أمران: أحدهما: أن المأموم في الصلاة الجهرية يستحب له الاقتصار على الأول، ويسرع به أيضًا ليشتغل بسماع قول الإمام، كذا نقله في "شرح المهذب" عن "التبصرة" للشيخ أبي محمد وأقره، وهو ظاهر. الثاني: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق في التعبير بقوله: من المشركين، وبقوله: من المسلمين، بين الرجل والمرأة. واستعمال المرأة لذلك صحيح على إرادة الأشخاص، ويدل على التعميم ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين"، قال عمران: قلت: يا رسول الله: هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل لذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: لا، بل للمسلمين عامة (١). واعلم أن الذكرين المتقدمين رواهما مسلم "في صحيحه" من رواية عليّ، إلا أن (مسلمًا) بعد قوله (حنيفًا) ليست في رواية مسلم، بل زادها ابن حبان في "صحيحه" (٢).

стр. 872

قوله في "الروضة": ولا يجهر بالتعوذ في الصلاة السرية، ولا في الجهرية أيضًا على الأظهر قياسًا على دعاء الاستفتاح. والثاني: يستحب. والثالث: يتخير بلا ترجيح، وقيل: يستحب الإسرار قطعًا. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن استحباب الإسرار بدعاء الاستفتاح قد أسقطه النووي لكونه تعليلًا فلزم خلو "الروضة" منه. وفي "شرح التنبيه" للمحب الطبري: أن في استحباب الجهرية أيضًا وجهين. الأمر الثاني: أن الرافعي لم ينقل طريقة قاطعة بالإسرار كما فعل المصنف فإنه لم يتعرض لنفي الخلاف، وإنما حكاه عن أبي عليّ الطبري كحكاية سائر الأوجه. قوله: واستحباب التعوذ هل يختص بالركعة الأولى؟ منهم من قال: لا، بل يسن في كل ركعة لوقوع الفصل بين القراءتين بالركوع والسجود، ومنهم من قال: فيه قولان: أظهرهما: ما ذكرناه. والثاني: يختص بالأولى، كما لو سجد للتلاوة ثم عاد إلى القراءة، فإنه لا يعيد، فكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من الطريقين هي طريقة القطع، كذا صححه النووي في "الروضة"، ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة

стр. 873

القولين، وحكى في "شرح المهذب" طريقة ثالثة أنه لا يستحب قطعًا. الأمر الثاني: أن ما ذكره في سجدة التلاوة من كونه لا يعيد التعوذ مسألة نفسية مهمة، وقد أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة"، ونقلها في "شرح المهذب" عن المتولي. قوله: وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ فيه قولان: أصحهما: نعم. فإن قلنا: لا يقرأها؛ فلو كان أصمًا أو بعيدًا لا يسمع قراءة الإمام، قرأ في أصح الوجهين، فلو جهر الإمام في صلاة السر أو بالعكس فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": أن الاعتبار بصفة الصلاة، وهو ظاهر لفظ المصنف. وذكر المحاملي حكاية عن النص ما يقتضي أن الاعتبار بفعل الإمام، وهو الموافق للأصح في الأصم والبعيد. انتهى ملخصًا. وظاهره يشعر برجحان الوجه الثاني، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في "أصل الروضة" وصححه أيضًا في "شرح المهذب" و"التحقيق"، لكن صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بتصحيح الأول فقال: الأصح أن الاعتبار بحال الصلاة. وجزم في "شرح المهذب" بأن المأموم يستحب له قراءة السورة إذا أسر الإمام بالجهرية فيحتاج إلى الفرق. وقريب من هذه المسألة أنَّا إذا قلنا: لا يحرم على المحرم قلع الشجر الذي ثبته الآدميون، فالعبرة بحاله لا بفعل الشخص في أصح الوجهين كما قاله في "الروضة".

стр. 874

قوله وإذا قلنا: إن المأموم لا يقرأ الفاتحة، فهل يسن له أن يتعوذ؟ فيه وجهان في "البيان". أحدهما: لا، لكونه لا يقرأ. والثاني: نعم لأنه ذكر سري فيشارك الإمام فيه كما لو أسر بالفاتحة. انتهى ملخصًا. والأصح منهما أنه لا يتعوذ، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" وزيادات "الروضة". قوله: وإذا قلنا: إنه يقرأها، فيستحب للإمام أن يسكت بعدها قدر قراءة المأموم لها، ذكره في "التهذيب". انتهى. ذكر مثله بعد ذلك في الكلام على قراءة السورة ولم يعزه إلى البغوي، والتعبير بالسكوت تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو يوهم أن الإمام في مدة انتظاره لقراءة المأموم لا يأتي بشئ بل يسكت حقيقة، وليس كذلك، بل يستحب للإمام في هذه الحالة أن يشتغل بالذكر أو الدعاء أو القراءة سرًا، لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي في حق الإمام، وبالقياس على قراءته في انتظاره في صلاة الخوف، وقد جزم النووي بذلك في "شرح المهذب" و"الفتاوى" وغيرها، ونقله أيضًا عن "الأمالي" للسرخسي فقال: قال -يعني السرخسي-: يستحب أن يدعو في هذه السكتة كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي. . . ." (١) إلى آخره. وهذا الذي قاله حسن، ولكن المختار القراءة لأن هذا موضعها، هذا كلام النووي.

стр. 875

قوله: واعلم أن القراءة واجبة في كل ركعة إلا ركعة المسبوق، لما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة (١). انتهى. تابعه في "الروضة" على هذا الحصر، وليس كذلك، بل تسقط أيضًا الفاتحة في الركعات كلها حيث حصل له عذر تخلف بسببه عن الإمام بأربعة أركان طويلة، وزال عذره، والإمام راكع، وتلك في صور: منها: لو كان المأموم بطيء القراءة. ومنها: لو نسى أنه في الصلاة. ومنها: ما لو امتنع من السجود بسبب الزحمة. ومن الأعذار أيضًا: ما إذا شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة، وقد أوضحوا ذلك في الجمعة والجماعة، وحينئذ فيتصور خلو الصلاة كلها عن القراءة. واعلم أن الحديث المذكور غير ثابت، ويغني عنه ما رواه رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: "إذا استقبلت القبلة فكبر ثم اقرأ بأم الكتاب ثم قال في آخره: ثم افعل ذلك في كل ركعة رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه وفي "شرح المهذب": إن البيهقي رواه بإسناد صحيح ولفظ الصحيحين: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (٢).

стр. 876

والمراد كل ركعة بدليل الركوع والسجود وغيرهما، وأيضًا ففي البخاري: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وفي مسلم: "كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة" (٢). قوله: ثم كيف يقول أيتحمل الإمام الفاتحة عن المسبوق أم لا تجب عليه أصلًا؟ فيه مأخذان للأصحاب. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح من هذا الخلاف هو الأول، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وزاد فيه: إن الأكثرين قطعوا به. ثانيهما: أن فائدة الخلاف -كما أشار إليه ابن الرفعة- فيما لو أدركه محدثًا أو في ركعة خامسة، فإن قلنا بالأول، لم يحتسب له، لأن إمامه ليس أهلًا للتحمل، وإلا حسب، والصحيح عدم الحسبان، كما هو مقتضى البناء. قوله: التسمية آية من الفاتحة، لما روي أنه ﷺ قرأ الفاتحة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)، وعدها آية منها. وروي أنه قال: "إذا قرأتم فاتحة الكتاب فاقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فإنها أم القرآن والسبع المثاني" (٤)، وإن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

стр. 877

ليس منها، وما حكم التسمية في سائر السور سوى براءة؟ لأصحابنا. فيه طريقتان: إحداهما: أن في كونها من القرآن قولين، والطريقة الثانية -وهي الأصح: أنها من القرآن بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة أم بعض آية. انتهى. تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع، وجزم في "التحقيق" و"شرح المهذب" بطريقة القولين، وهو غريب. نعم ذكر الرافعي في آخر الكلام على المسألة أن الأكثرين على طريقة القولين، والظاهر أنه سهو سبق إليه القلم. والحديث الأول رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من رواية أبي هريرة، وقال: رجاله كلهم ثقات. قوله: فلو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب وهل يستثني إبدال الضاد بالظاء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لقرب المخرج وعسر التمييز. وأصحهما: لا كغيره من الخروج. انتهى كلامه. وقد تبعه في الروضة على التعبير بقوله: إبدال الضاد بالظاء، وهو فاسد، فإن مدلوله لغة عكس المراد. والصواب إبدال الظاء بالضاد، وذلك لأن القاعدة اللغوية أن الباء مع كلمة الإبدال لا تدخل إلا على المتروك، ولا تدخل على المأتى به قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (١)، وقال تعالى:

стр. 878

﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (٣) فدل ذلك كله على ما ذكرناه. نعم لو أتى بحرف بين حرفين كقاف العرب بين الكاف والقاف المعروفة، لم يضر كما صرح به جماعة، وجزم به في "الكفاية" ومال الطبري، -شارح "التنبيه"- إلى البطلان، وقال النووي في صلاة الجماعة من "شرح المهذب": إن فيه نظر. واعلم أنه يدخل في إبدال الحرف بالحرف إقامة الدال المهملة مقام المعجمة من "الذين". ومقتضى كلامهم القطع فيه بالبطلان، فليتفطن له، ويحتمل تخريجه على ما سبق. قوله: ولا يحتمل اللحن المحيل للمعنى كقوله: "أنعمت عليهم" و"إياك نعبد" بل تبطل صلاته إن تعمد، ونعيده على الاستقامة إن لم يتعمد. انتهى. ومراده أنه أتى بتاء "أنعمت" مضمومة أو مكسورة، وبكاف إياك مكسورة، ولو أتى مضمومة لم يضر وقول الرافعي: ونعيده على الاستقامة مقتضاه أنه لا يلزمه الاستئناف بل يعيده مع ما بعده، وهو مقتضى كلام الماوردي، وعبر في "الروضة" بقوله: ويجب إعادة القراءة، وهو يشعر بوجوب الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه": واعلم أن مقتضى كلام الرافعي أن اللفظ القاطع للولاء إذا أتى به ناسيًا، ولم يطل لا يجب معه الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه" على الصحيح ومسألتنا فرد منها، فيكون الصواب فيها البناء كما

стр. 879

أشعر به كلام الرافعي. قال القاضي حسين: والمحيل للمعنى هو الذي يبطل معه المعنى الأول سواء ثبت له دلالة أم لا، وجعل هو والماوردي الظالين بالمعجمة من المحيل للمعنى لأن "ظل" بمعنى أقام نهارًا. واعلم أن إقامة الواو مقام الياء في "رب العالمين" مضر، وإن كان لحنًا لا يحيل المعنى لما فيه من الإبدال. قوله: وتسوغ القراءة بالسبع وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه. انتهى كلامه. وفيه أمران: أحدهما: أن مقتضى ما ذكره جواز القراءة بها بالشرط المذكور، وقال في "شرح المهذب": إنه لا يجوز لا في الصلاة، ولا في غيرها، وعبر في "الروضة" بعبارة أخرى فقال: وتصح بالقراءة الشاذة. ورأيت في فتاوى قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا إلا في الفاتحة للمصلي، وذكر ابن الحميري المصري في "فتاويه" نحوه أيضًا، إلا أنه أطلق المنع في الصلاة، نعم نقل البغوي في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بقراءة يعقوب، وأبي جعفر لشهرتهما. الثاني: أن إطلاق الجواز عند الشرط المذكور يدخل فيه ما إذا وقع الشذوذ بإبدال الحرف كقوله: "إنا أنطيناك الكوثر" بالنون، وبه صرح في "الكفاية". قوله: ويجب الترتيب، فلو قدم متأخرًا على متقدم، نظر إن كان عامدًا بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا عاد إلى الموضع الذي أخل منه [بالترتيب] (١) فقرأ منه.

стр. 880

قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، انتهى كلامه. ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذه المسألة من المسائل المهمة النفسية، فإن الحكم فيها على خلاف ما يتبادر إلى الفهم من لفظها حتى إن الرافعي نفسه حال تصنيف "الشرح الصغير" فهم من هذا اللفظ غير المراد منه لطول العهد به، فصرع به، وأدى ذلك كله إلى غلطي أيضًا في "شرح المنهاج"، وإلى غلط جماعة مضت عليهم أعصار وأن يعتبر بوقع المعبر به في الغلط جدير أن يعذر غيره فيه، فلنوضح ذلك فنقول: تقديم بعض الفاتحة على قسمين: أحدهما: أن يقدم آخر الفاتحة على أولها، كتقديم النصف الأخير بكماله أو الثلث، ونحو ذلك. والثاني: أن يقدم شيئًا من الوسط حيث يكون فاصلًا بين كلمات الفاتحة كما لو انتهى إلى قوله تعالى "صراط الذين" فعاد فقرأ: "مالك يوم الدين" أو شيئًا مما يأتي، وهو غير متصل بالأول كأن قرأ هذا المذكور: "غير المغضوب عليهم". فأما القسم الأول فلا نزاع فيه حسبان النصف الأول منه، أو الثلث أو غيره، وهو المقدار الذي أخره حتى أنه يبني عليه، لأنه والحالة قارئ الفاتحة بكمالها من غير فاصل، وهو نظير ما ذكروه في الطواف والسعي والوضوء إذا ابتدأ بغير ما يشرع الابتداء به، وقد صرح بهذا الحكم مع وضوحه جماعة منهم القاضي حسين في "تعليقه" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية". وأما القسم الثاني: فالحكم فيه ما ذكره الرافعي، وقد صرح بذلك تصويرًا أو حكمًا جماعة منهم المتولي في "التتمة" ثم استدل عليه -أعني- المتولى.
следующие страницы →