← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والمراد كل ركعة بدليل الركوع والسجود وغيرهما، وأيضًا ففي البخاري: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وفي مسلم: "كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة" (٢). قوله: ثم كيف يقول أيتحمل الإمام الفاتحة عن المسبوق أم لا تجب عليه أصلًا؟ فيه مأخذان للأصحاب. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح من هذا الخلاف هو الأول، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وزاد فيه: إن الأكثرين قطعوا به. ثانيهما: أن فائدة الخلاف -كما أشار إليه ابن الرفعة- فيما لو أدركه محدثًا أو في ركعة خامسة، فإن قلنا بالأول، لم يحتسب له، لأن إمامه ليس أهلًا للتحمل، وإلا حسب، والصحيح عدم الحسبان، كما هو مقتضى البناء. قوله: التسمية آية من الفاتحة، لما روي أنه ﷺ قرأ الفاتحة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)، وعدها آية منها. وروي أنه قال: "إذا قرأتم فاتحة الكتاب فاقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فإنها أم القرآن والسبع المثاني" (٤)، وإن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

стр. 877

ليس منها، وما حكم التسمية في سائر السور سوى براءة؟ لأصحابنا. فيه طريقتان: إحداهما: أن في كونها من القرآن قولين، والطريقة الثانية -وهي الأصح: أنها من القرآن بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة أم بعض آية. انتهى. تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع، وجزم في "التحقيق" و"شرح المهذب" بطريقة القولين، وهو غريب. نعم ذكر الرافعي في آخر الكلام على المسألة أن الأكثرين على طريقة القولين، والظاهر أنه سهو سبق إليه القلم. والحديث الأول رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من رواية أبي هريرة، وقال: رجاله كلهم ثقات. قوله: فلو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب وهل يستثني إبدال الضاد بالظاء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لقرب المخرج وعسر التمييز. وأصحهما: لا كغيره من الخروج. انتهى كلامه. وقد تبعه في الروضة على التعبير بقوله: إبدال الضاد بالظاء، وهو فاسد، فإن مدلوله لغة عكس المراد. والصواب إبدال الظاء بالضاد، وذلك لأن القاعدة اللغوية أن الباء مع كلمة الإبدال لا تدخل إلا على المتروك، ولا تدخل على المأتى به قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (١)، وقال تعالى:

стр. 878

﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (٣) فدل ذلك كله على ما ذكرناه. نعم لو أتى بحرف بين حرفين كقاف العرب بين الكاف والقاف المعروفة، لم يضر كما صرح به جماعة، وجزم به في "الكفاية" ومال الطبري، -شارح "التنبيه"- إلى البطلان، وقال النووي في صلاة الجماعة من "شرح المهذب": إن فيه نظر. واعلم أنه يدخل في إبدال الحرف بالحرف إقامة الدال المهملة مقام المعجمة من "الذين". ومقتضى كلامهم القطع فيه بالبطلان، فليتفطن له، ويحتمل تخريجه على ما سبق. قوله: ولا يحتمل اللحن المحيل للمعنى كقوله: "أنعمت عليهم" و"إياك نعبد" بل تبطل صلاته إن تعمد، ونعيده على الاستقامة إن لم يتعمد. انتهى. ومراده أنه أتى بتاء "أنعمت" مضمومة أو مكسورة، وبكاف إياك مكسورة، ولو أتى مضمومة لم يضر وقول الرافعي: ونعيده على الاستقامة مقتضاه أنه لا يلزمه الاستئناف بل يعيده مع ما بعده، وهو مقتضى كلام الماوردي، وعبر في "الروضة" بقوله: ويجب إعادة القراءة، وهو يشعر بوجوب الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه": واعلم أن مقتضى كلام الرافعي أن اللفظ القاطع للولاء إذا أتى به ناسيًا، ولم يطل لا يجب معه الاستئناف، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه" على الصحيح ومسألتنا فرد منها، فيكون الصواب فيها البناء كما

стр. 879

أشعر به كلام الرافعي. قال القاضي حسين: والمحيل للمعنى هو الذي يبطل معه المعنى الأول سواء ثبت له دلالة أم لا، وجعل هو والماوردي الظالين بالمعجمة من المحيل للمعنى لأن "ظل" بمعنى أقام نهارًا. واعلم أن إقامة الواو مقام الياء في "رب العالمين" مضر، وإن كان لحنًا لا يحيل المعنى لما فيه من الإبدال. قوله: وتسوغ القراءة بالسبع وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه. انتهى كلامه. وفيه أمران: أحدهما: أن مقتضى ما ذكره جواز القراءة بها بالشرط المذكور، وقال في "شرح المهذب": إنه لا يجوز لا في الصلاة، ولا في غيرها، وعبر في "الروضة" بعبارة أخرى فقال: وتصح بالقراءة الشاذة. ورأيت في فتاوى قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا إلا في الفاتحة للمصلي، وذكر ابن الحميري المصري في "فتاويه" نحوه أيضًا، إلا أنه أطلق المنع في الصلاة، نعم نقل البغوي في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بقراءة يعقوب، وأبي جعفر لشهرتهما. الثاني: أن إطلاق الجواز عند الشرط المذكور يدخل فيه ما إذا وقع الشذوذ بإبدال الحرف كقوله: "إنا أنطيناك الكوثر" بالنون، وبه صرح في "الكفاية". قوله: ويجب الترتيب، فلو قدم متأخرًا على متقدم، نظر إن كان عامدًا بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا عاد إلى الموضع الذي أخل منه [بالترتيب] (١) فقرأ منه.

стр. 880

قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، انتهى كلامه. ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وهذه المسألة من المسائل المهمة النفسية، فإن الحكم فيها على خلاف ما يتبادر إلى الفهم من لفظها حتى إن الرافعي نفسه حال تصنيف "الشرح الصغير" فهم من هذا اللفظ غير المراد منه لطول العهد به، فصرع به، وأدى ذلك كله إلى غلطي أيضًا في "شرح المنهاج"، وإلى غلط جماعة مضت عليهم أعصار وأن يعتبر بوقع المعبر به في الغلط جدير أن يعذر غيره فيه، فلنوضح ذلك فنقول: تقديم بعض الفاتحة على قسمين: أحدهما: أن يقدم آخر الفاتحة على أولها، كتقديم النصف الأخير بكماله أو الثلث، ونحو ذلك. والثاني: أن يقدم شيئًا من الوسط حيث يكون فاصلًا بين كلمات الفاتحة كما لو انتهى إلى قوله تعالى "صراط الذين" فعاد فقرأ: "مالك يوم الدين" أو شيئًا مما يأتي، وهو غير متصل بالأول كأن قرأ هذا المذكور: "غير المغضوب عليهم". فأما القسم الأول فلا نزاع فيه حسبان النصف الأول منه، أو الثلث أو غيره، وهو المقدار الذي أخره حتى أنه يبني عليه، لأنه والحالة قارئ الفاتحة بكمالها من غير فاصل، وهو نظير ما ذكروه في الطواف والسعي والوضوء إذا ابتدأ بغير ما يشرع الابتداء به، وقد صرح بهذا الحكم مع وضوحه جماعة منهم القاضي حسين في "تعليقه" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية". وأما القسم الثاني: فالحكم فيه ما ذكره الرافعي، وقد صرح بذلك تصويرًا أو حكمًا جماعة منهم المتولي في "التتمة" ثم استدل عليه -أعني- المتولى.

стр. 881

فقال: لأن ذلك غير معهود في التلاوة، ومن فعل في الصلاة فعلًا يخالف الصلاة وهو ناسٍ أو جاهل لم تبطل صلاته، وإن كان عامدًا عالمًا بطلت، فكذلك القراءة؛ ثم إن الرافعي نقل هذه المسألة من كلام "التتمة" على عادته في النقل عنه، إلا أنه نقلها من غير تمثيل ولا تعليل، فلزم الخطأ، بحمل كلامه على القسم الأول لأنه المتبادر منه حتى حمله هو عليه في "الشرح الصغير" لبعد قصده عن المراد كما تقدم، فإنه قال: فإن قرأ النصف الأخير قبل الأول لم يعيد النصف الأخير بحال، ثم إن فعل ذلك عمدًا فعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا بنى عليه، هذه عبارته، ففهم ذلك من تعبيره في "الكبير" كما يفهمه غيره منه أيضًا، وكلام النووي في "شرح المهذب" يقتضي أنه فهمه منه أيضًا. وكذلك جعلها فرعين مستقلين، وقد وفق الله الكريم إلى الإلهام إلى الصواب، وله الحمد والشكر، وبه التوفيق والعصمة. واعلم أنه إذا كرر آية من وسط الفاتحة حتى طال الفصل فإنه يضر. كذا نقله الخوارزمي في "الشافي" عن القاضي الحسين، وارتضاه ولم ينقل خلافه، وهو متجه فاعلمه] (١). قوله: وهو أخل بترتيب التشهد نظر إن كان تغييرًا مبطلًا للمعنى لم يحسب وتبطل صلاته بتعمده، ويجب طرد مثل هذا في الفاتحة. وإن لم يغير فعلى الطريقين فيما إذا قال: عليكم السلام؛ والأظهر الجواز. انتهى. واعلم أن تقديم الصلاة على النبي ﷺ هل هو لتقديم بعض التشهد؟ فيه كلام يأتيك في باب سجود السهو في الكلام على وجوب الترتيب في الصلاة.

стр. 882

قوله: ولو نوى قطع القراءة ولم يسكت أو سكت سكوتًا يسيرًا، ولم ينو القطع لم تنقطع قراءته، فإن اجتمعا انقطعت فى أصح الوجهين، ثم قال: وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع الصلاة، لأن النية ركن في الصلاة يجب إدامتها حكمًا، والقراءة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا تؤثر فيها نية القطع. انتهى. وقياس هذه الفرق أن نية قطع الركوع، وغيره من الأركان لا يؤثر. فاعلم ذلك فإنها مسألة مهمة، وحذف من "الروضة" هذا الفرق ففاتته هذه المسألة. قوله: أما ما يؤمر به، وتتعلق به مصلحة الصلاة كالفتح على الإمام، وسؤال الرحمة، واستعاذته من النار عند قراءة الإمام آية دلت على ذلك لم تبطل قراءته في أصح الوجهين. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن العرب تقول للقارئ إذا توقف أُرتج عليه بضم الهمزة، وتخفيف الجيم على البناء للمفعول ارتاجًا من قولهم: أرتجت الباب، إذا أغلقته، والمرتاج: المغلاق، ويقولون أيضًا: أرتتج عليه بضم التاء الأولى ارتياجًا ولا يجوز ارتج عليه بتاء ثم جيم مشددة. وتقول في الرد: فتح عليه الأمر. ثانيهما: أنه لم يبين محل الرد، وقد بينه المتولى في "التتمة" فقال: لا يرد عليه مادام يردد التلاوة، وإنما يرد إذا سكت. [الثالث] (١) قال الشيخ تقي الدين بن رزين في "فتاويه": ولم يثبت شيء في كيفية الاستعاذة، وغيرها مما ندب إليه المأموم؛ قال: والظاهر:

стр. 883

اتباعِ اللفظ المتلو، والذي يتضمن امتثال ما أمر به فالأول كما إذا تلي: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ (١) فيقول: سبحان ربي العظيم. أو تلا: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) فيقول: اللهم إني أسألك من فضلك. وأما الثاني: فكقوله في الدعاء: ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨﴾ (٣)، وفي الاستعاذة: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ (٤). قوله: ثم لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب فإن الحمد عند العطاس مندوب إليه، وإن كان في الصلاة، وهو قاطع للموالاة، ولكن في المندوبات التي تختص بالصلاة، وتعد من صلاحيتها. انتهى. وما ذكره من كونه لم يجروا فيه ذلك قد تابعه عليه في "الروضة"، وفي "شرح المهذب" وصرح بأنه لا خلاف فيه، وليس كذلك، فقد حكى في "الكفاية" عن الروياني وجهين في البطلان بإجابة المؤذن -أي: على القول باستحباب إجابته في الصلاة- وإذا جرى الوجهان في هذه الصورة لزم جريانهما في المتفق على استحبابه بطريق الأولى. قوله: بل إن تذكر القراءة بعدما ركع عاد إلى القيام وقرأ. انتهى. تابعه عليه في الروضة، ومحله إذا لم يكن مأمومًا فإن كان تابعه، وقضى ركعة في آخر صلاته كما جزم به الرافعي في صلاة الجماعة عند الكلام على تخلف المأموم قال: وكذلك إذا شك في القراءة أيضًا. قوله: فنقول: إذا ترك الموالاة ناسيًا، الذي ذكره الجمهور، ونقلوه عن

стр. 884

نص الشافعي: أنه لا تنقطع الموالاة؛ ومال الإمام والغزالي إلى أنه يقطع. انتهى. وهذا الخلاف قد صرح به أيضًا الروياني في] (١) "التلخيص" كما حكاه عنه ابن الرفعة فقال: فيه وجهان، وادعى النووي في "تصحيح التنبيه" أنه لا تنقطع بلا خلاف، فإنه عبر بالصواب وقد اصطلح في خطبته أنه يعبر بالصواب في الموضع الذي لا خلاف فيه. قوله: ثم إن أحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول إلى المتفرقة. انتهى. واستدرك عليه في "الروضة" فقال: قلت: قد قطع جماعة بأنه تجزئه الآيات المتفرقة وإن كان يحسن المتوالية سواء قرأ بها من سورة أو سور منهم القاضي أبو الطيب وأبو علي البندنيجي، وصاحب "البيان"، وهو المنصوص في "الأم"، والله أعلم. وما ذكره من أن هؤلاء قد نصوا على جواز المتفرقة مع إمكان المتوالية ليس كذلك، فقد راجعت كلام الشافعي والبندنيجي والعمراني فلم أجد [لهم] (٢) تصريحًا بالإجزاء في هذه الحالة بل قالوا: إنه يجزئ الذي يحسنه سواء كان من سور أم سورة، وهذا إطلاق يصح تنزيله على ما صرح به أولئك. وإجمال تعينه تفسيرهم، وقد صرح بالمنع الشيخ أبو محمد والإمام، والغزالي في "البسيط" [والقاضي مجلي في "الذخائر"] (٣) والرافعي، لاسيما أن المعاني الحاصلة من اتصال الآيات تفوت، فقد لا تفهم أن المتفرقة من القرآن بالكلية كما ستعرفه في المسألة الآتية.

стр. 885

قوله: فإن لم يحسن إلا سبع آيات متفرقة أتى بها. واستدرك الإمام فقال: لو كانت الآية المفردة لا تفيد معنًا منظومًا إذا قرئت وحدها كقوله تعالى: "ثم نظر" فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآيات المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن قرآنًا أصلًا. انتهى. تابعه النووي عليه في "الروضة" وليس فيه صراحة بموافقة هذا الاستدراك، ولا برده. وقد صرح به النووي في "شرح المهذب"، و"شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" فقال فيها: المختار ما أطلقه الجمهور. قوله: وروى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١). واختلفوا في تعيين هذه الكلمات على وجهين: أحدهما: لا تتعين. فإن قلنا بالتعيين فهل يشترط أن يضيف إليه نوعين آخرين ليصير سبعة أنواع؟ وجهان. انتهى. والأصح أنه لا يشترط، وقد صححه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية"، والحديث المذكور رواه ابن حبان في صحيحه. قوله: وحيث انتقل إلى الذكر فيأتي بالثناء، وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد، قال الإمام: والأشبه أن ما يتعلق بأمور الآخرة يقوم دون ما يتعلق بالدنيا. انتهى.

стр. 886

ذكر مثله في "الروضة"؛ وهذا التفصيل قد رجحه أيضًا الغزالي في "البسيط"، وقال في "شرح المهذب": إنه الراجح، وقال في "التحقيق": إنه الأقوى، وقد نص الشافعي ﵀ على أنه لا يجزيء غير الذكر فقال: ولا يجزئه إذا لم يحسن يقرأ إلا ذكر الله . هذه لفظه، ومن "الأم" نقلته. والدعاء لا يدخل في الذكر، ويؤيده الحديث: "ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" (١). والأثنية: جمع ثناء بمعنى المدح. قوله: ويشترط أن لا يقصد بالذكر المأتى به شيئًا آخر سوى البدلية كما إذا استفتح أو تعوذ على قصد إقامة سنتهما، ولكن لا يشترط قصد البدلية فيهما، ولا في غيرهما من الأذكار فى أظهر الوجهين. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح عدم اشتراط قصد البدلية، في غير الاستفتاح والتعوذ ظاهر وأما فيهما فقد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مشكل، فإن القرينة تصرف الذكر المعهود إليهما، ونية الصلاة تشملهما فإنها شاملة للفرض والنفل، وقد دخل وقتهما، وهذا الخلاف نقلوه عن صاحب "التقريب" في غير هذين من الأذكار، وهو واضح. وقد ذكروا فيما إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ما يأتي فيه هذا الإشكال أيضًا. الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي استحباب دعاء الاستفتاح والتعوذ عند العجز عن القرآن والانتقال إلى الذكر، وهو مسلم بالنسبة إلى الاستفتاح. وأما التعوذ فالمتجه أنه لا يستحب في هذه الحالة، لأن الأمر به إنما ورد عند

стр. 887

قراءة القرآن، ويؤيده ما سبق في المأموم من كونه لا يتعوذ على الأصح إذا قلنا: لا يقرأ، وعلى هذا يتصور كلام الرافعي بما إذا وجب عليه الذكر قبل الشروع في القراءة بأن عجز عن البسملة مثلًا فيتعوذ بدلًا عنها، وقد يقال باستحبابه لكون الذكر بدلًا عن القراءة، ورواه أيضًا أبو داود، والنسائي من رواية إبراهيم السكسكي، وهو ضعيف. قوله: ولو أحسن بعض الفاتحة ولم يحسن للباقي بدلًا، وجب تكرار ما يحسنه بلا خلاف، وإن أحسنه فوجهان، وقيل: قولان: أحدهما: أنه مكروه أيضًا لأنه أقرب إلى الأصل. وأصحها: أنه يأتي به ويبدل الباقي، لأن الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا، ويدل عليه أن النبي ﷺ أمر ذلك السائل بالكلمات الخمس منها: الحمد لله، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة ولم يأمره بتكرارها انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الصواب في الخلاف المذكور أنه قولان، فقد ذكر البندنيجي في "تعليقه" أنهما منصوصان في "الأم". الأمر الثاني: أن الذي يحسنه من الفاتحة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون آية كاملة، فلا نزاع في جريان الخلاف. والثاني: أن لا تكون آية، ولكنه كلام مفيد نحو الحمد لله، فإن: "رب العالمين" هو تتمة الآية بلا خلاف، وكلام الرافعي والنووي يقتضي إجراء الخلاف فيه، وليس كذلك بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف، وقد صرح به ابن الرفعة في "الكفاية"، وعلله بأنه لا إعجاز فيه، وحينئذ فلا يستقيم إطلاقه ولا استدلاله. وابن الصباغ لما استدل بالحديث قال: وفي هذا الذكر "الحمد لله"، ولا

стр. 888

يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي ﷺ بتكرارها. هذا كلامه. وهو مطابق لما نقله ابن الرفعة، وكأن الرافعي أخذ هذا الاستدلال منه فأخل ببعضه فوقع في المحذور المذكور. الثالث: أن تكون كلمة واحدة كالحمد فلا إشكال في أنه لا يكرره، وهو يؤخذ مما سبق بطريق الأولى مع أن كلام الرافعي شامل له، ولهذا قيد المسألة في "شرح المهذب" بالآية والاثنتين. قوله: وإذا كان ذلك -أي: يعلم الأصل- بعد القراءة وقبل الركوع، فوجهان: أصحهما: لا يلزمه الإتيان به لأن البدل قد تم، ثم قال: ويجوز أن يعلم قوله فوجهان أيضًا أي بالواو لأن صاحب "البيان" ذكر أنه لا يجب وجهًا واحدًا. انتهى ملخصًا. وحاصله تصحيح طريقة الوجهين، وهذا المذكور في "الشرح الصغير" أيضًا، وقد اختصره النووي في "الروضة" على العكس فصحح طريقة القطع، وضعف طريقة الوجهين فقال: المذهب أنه لا يلزمه، وقيل: وجهان. هذا لفظه. وقد صحيح أيضًا الطريقة القاطعة في "التحقيق" و"شرح المهذب" اعتمادًا منه على ما وقع في "الروضة". قوله في "أصل الروضة": وأما المأموم فالمذهب أنه يجهر بالتأمين، وقيل: قولان، وقيل: إن لم يجهر الإمام جهر لتنبيهه، وإلا فقولان؛ وقيل: إن كثر القوم جهروا، وإلا فلا. انتهى كلامه. فيه أمران:

стр. 889

أحدهما: أن هذا الذي ذكره من تصحيح طريقة القطع سهو على العكس مما ذكره الرافعي، فإن الرافعي في الشرحين: "الكبير" و"الصغير" إنما صحح طريقة القولين، وأما طريقة القطع فلم يحكها بالكلية فضلًا عن تصحيحها، وحكى باقي الطرق إلا أن في مطابقة الطريق الثالثة أيضًا لكلام الرافعي نظر؛ وقد أثبت في "التحقيق" و"شرح المهذب" طريقة القطع، ولكنه ضعفها، وصحح طريقة القولين على عكس ما في "الروضة" وعبر في "شرح المهذب" بقوله: إنها الأصح الأشهر التي قالها الجمهور. الأمر الثاني: أن الرافعي والنووي قد أطلقا الخلاف وليس كذلك، بل محله إذا أمن الإمام، فإن لم يؤمن فيستحب للمأموم الجهر به بلا خلاف ليسمع الإمام فيأتي به، سواء تركه الإمام عمدًا أو سهوًا، كذا صرح به النووي في "شرح المهذب" ونقله عن النص، وعبر بقوله: إنهم قد اتفقوا عليه، وإنه ليس فيه خلاف. وعن صاحب "الذخائر" أن بعضهم أجرى القولين فيه. قوله: لنا ما روي عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة، وذكر ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين ونقول، من خلفهم: آمين، حتى إن للمسجد للجة (١) انتهى.

стр. 890

واللجة بفتح اللام وبالجيم المشددة هي اختلاط الأصوات، والأثر المذكور رواه الشافعي في "الأم" فقال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء. وذكره أيضًا البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أي: بغير إسناد- فقال: قال عطاء، وقد تقدم غير مرة أن تعليقات البخاري صحيحة إذا كانت بصيغة الجزم كالمذكور هنا. قوله: ويسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح والأولتين من سائر الصلوات، وأصل الاستحباب ينادي بقراءة شيء من القرآن، لكن السور أحب، حتى أن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أنه كالصريح في تفضيل السورة القصيرة على بعض سورة أطول منها، وإلا لكان ذكر حرف الغاية هنا وهو -حتى- لا معنى له، بل يكون ذكره فاسدًا، ولأجل ما قلناه نقله ابن الرفعة في "الكفاية" عن الرافعي، ونقله عن صاحب "التتمة" أيضًا. وقد صرح به الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وقراءة سورة كاملة أفضل من بعض سورة، وإن طال. هذا لفظه بحروفه، وهو يوضح مراده في "الشرح الكبير". وتوهم النووي أن مراد الرافعي تفضيل السورة على البعض المساوي لها دون الزائد عليها، فاختصر كلامه اختصارًا فاسدًا فقاله في "الروضة": وقراءة سورة كامله أفضل من قدرها من طويلة. هذه عبارته. ثم نقله من "الروضة" إلى "شرح المهذب" ثم إلى "التحقيق" فاعلمه، واجتنبه، فقد صرح البغوي وغيره بخلافه، ولا استبعاد في أن تكون قراءة الكوثر مثلًا أفضل في الصلاة بخصوصها أو أكثر أجرًا من معظم

стр. 891

البقرة، فقد يكون الثواب المترتب على قراءة السورة الكاملة في الصلاة أكثر، وقد علل في "شرح المهذب" تفضيل السورة بأن الوقف علي آخرها صحيح بالقطع بخلاف البعض، فإنه قد يخفى عليه الوقف فيه، فيقف في غير موضعه، وهذا المعنى موجود في البعض الأطول. الأمر الثاني: نبه عليه الغزالي في "الإحياء" فقال: إذا اقتصر على قراءة البعض فيكون [بقدر] (١) ثلاث آيات -أي: حتى يكون كأقصر سورة- وهي سورة الكوثر. الأمر الثالث: أن التقييد بما بعد الفاتحة للاحتراز عما إذا قدمها عليها فإنها -أعني: ب السورة- لا تحسب على المذهب المنصوص، كما قاله في "زوائد الروضة". الأمر الرابع: لابد من تقييد السورة بكونها غير الفاتحة للاحتراز عما إذا كرر الفاتحة، وقلنا: لا تبطل صلاته، فإن المرة الثانية لا تحسب عن السورة كما نقله في "شرح المهذب" عن المتولي وغيره، وقال: إنه لا خلاف فيه، وعلله بأن الشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل، وهذه العلة ممنوعة، فإنا إن سلمناها من الأصل فيدعي أن ذلك في الشيء الواحد الذي لم يكرر، فأما إذا كرر حيث أمكن تكريره فلا يمتنع لا في الفرض، ولا في النفل، وقد ذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أنها تحسب ونقل خلافه عن المتولي خاصة، والذي قاله ظاهر. الأمر الخامس: الجنب إذا فقد الطهورين وصلى، لا يجوز له قراءة السورة كما مر في موضعه، وحينئذ فإذا كان مأمومًا لا يسمع أو في صلاة سرية فالقياس أنه يشتغل بالذكر، ولا يسكت لأن السكوت في الصلاة منهي

стр. 892

عنه. قوله: وهل تسن قراءة السورة في الثالثة من المغرب وفي الثالثة والرابعة من الرباعية؟ فيه قولان: الجديد: أنها تسن. ولكن تجعل السورة فيها أقصر، لما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الآخيرتين قدر نصف ذلك (١). والقديم أنها لا تسن لما روي عن أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب فيسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية (٢). ثم قال: والأكثرون على الفتوى بالقديم. انتهى. تابعه عليه النووي في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن المزني والبويطي، وهما أجل أصحاب الشافعي في الجديد قد رويا عنه أنه لا يقرأها، فصارت المسألة مما يفتى فيه على الجديد. وقد صرح بالنقل عنهما كما ذكرته جماعة منهم القاضي أبو الطيب، ونقله عنه النووي في "شرح المهذب" ورأيت نصه في "البويطي" فقال: قال الشافعي: فعل كل مصلي خلف إمامه أن يقرأ خلفه في كل ما أسر به الإمام من الصلاة التي يجهر في بعضها، والصلاة التي أسر فيها كلها بأم

стр. 893

القرآن، وسورة في الأوليين، وأم القرآن في الأخيرتين، فإن ترك السورة، وقد أتى بأم القرآن أجزأه. وذكر أيضًا بعده بأسطر مثله فقال: قال الشافعي: ومن صلى وحده صلاة جهرًا وصلاة سرًا فليقرأ في الأوليين أم القرآن وسورة وفي الأخيرتين بأم القرآن. هذه عبارته، وهذا كله في غير المسبوق. وأما المسبوق إذا أدرك ركعتين من الرباعية مثلًا فإنه يقرأ السورة في الركعتين الأخيرتين على الأصح المنصوص، وقد ذكر الرافعي المسألة في آخر باب صلاة الجماعة. الأمر الثاني: إذا قلنا بالاستحباب فما المقدار الذي ينقصه عن الأوليين؟ لم يبينه ﵀ وقد بينه ابن أبي عصرون في "المرشد" فقال: يكون على النصف منهما. الأمر الثالث: إذا قلنا: لا يستحب الإتيان بها، فقد جزم النووي في "التحقيق" بكراهتها فقال: وتكره السورة في ثالثة ورابعة في الأظهر، وهو نصه في القديم، والمزني والبويطي. هذه عبارته. ولما تكلم في "شرح المهذب" هنا على الفرق بين إتيان المسبوق بهما، وبين عدم الجهر ذكر فرقًا يقتضي عدم الكراهة، فقال: لأن سنة آخر الصلاة الإسرار فلا [يقويه] (١)، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين السورة. هذه عبارته من غير زيادة، فدل كلامه على أنه لا يسن في آخر الصلاة ترك السورة، وإنما الذي يقال: لا يسن له الإتيان بها، وبينهما فرق ظاهر، ألا ترى أنا نقول: لا يسن صوم يوم الثلاثاء والأربعاء، ولو صامهما لم يكن مكروهًا بل أتى بعبادة، وهذا الذي اقتضاه كلامه في "شرح المهذب": هو الصواب المفهوم من كلامهم.

стр. 894

واعلم أن الحديث الأول من حديثي الرافعي رواه مسلم إلا أنه يقتضي استحباب قراءة السورة في الظهر دون العصر. والحديث الثاني منهما متفق عليه. قوله: ولا تفضل الركعة الأولى على الثانية بزيادة القراءة، ولا الثالثة على الرابعة في الأصح فيهما [لحديث أبي سعيد، والثاني: نعم] (١) لحديث أبي قتادة. استدرك في "الروضة" فقال: هذا الذي صححه هو الراجح عند الأصحاب، لكن الأصح التفضيل، فقد صح فيه الحديث. انتهى. وهذا الذي أطلقاه محله فيما إذا لم يرد فيه تنصيص من الشارع مما سنعرفه، فإن ورد اتبع بلا خلاف، سواء كان يقتضي تطويل الأولى كصلاة الكسوف، وكصبح الجمعة وغيرهما، أو تطويل الثانية كسبح، "وهل أتاك" في العيد. قوله: ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بقريب من ذلك، وفي العصر والعشاء من أوساطه. . . . إلى آخره. تابعه عليه النووي في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن كلامه هنا يقتضي استحباب نقصان الظهر عن الطوال، وكذلك كلام النووي في "شرح المهذب"، وصرح به في "شرح مسلم" وكذا الإمام في "النهاية" فإنه قال -أعني الإمام- ولعل السبب فيه أن وقت الصبح طويل والصلاة ركعتان فحسن تطويلهما، ووقت صلاة المغرب ضيق، فشرع فيه القصار، وأوقات الظهر والعصر والعشاء طويلة، ولكن الصلوات أيضًا طويلة، فلما تعارض ذلك رتب عليه التوسط. انتهى. وكلامه في "المنهاج" يخالفه فإنه قال: ويسن للصبح والظهر طوال

стр. 895

المفصل، والحديث الصحيح يدل للمذكور هنا، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك" (١). الأمر الثاني: أن ما قاله من استحباب الطوال والأوساط للمصلي ليس على إطلاقه، بل محله إذا كان منفردًا، فإن كان إمامًا، وكان المأمومون محصورين وآثروا التطويل استحب، وإن لم يكونوا محصورين أو كانوا ولكن لم يؤثروا التطويل، فلا يستحب ذلك، هكذا جزم به النووي في "شرح المهذب" فقال: وهذا الذي ذكرناه من استحباب طوال المفصل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلا خفف وجزم به أيضًا في "التحقيق"، وفي "شرح مسلم"، وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" هنا نقلًا عن إمام الحرمين بأن ذلك كله مستحب، وإن لم يؤثره المأمومون، وجزم به أيضًا في صلاة الجماعة نقلًا عن القاضي حسين، ذكره عند قول الشيخ: ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار، قال إمام الحرمين: ويطيل المنفرد ما شاء إلا في المغرب، فإنه والإمام سواء لتعلق ذلك بالوقت، وفيما قاله من الاستثناء نظر. الثالث: أن المستحب في حق المسافر أن يقرأ في الأولى من الصبح ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، كذا رأيته في "شرح المختصر" للمصعبي وفي "الخلاصة" و"البداية" و"الإحياء" للغزالي، وأورد فيه حديثًا. والحديث الذي ذكره الطبراني في "المعجم الكبير" لكن في إسناده ضعيفان.

стр. 896

الأمر الرابع: لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" ما هو المفصل، وقد اختلفوا فيه على عشرة أقوال: أحدها: الجاثية إلى آخر الكتاب العزيز. والثاني: القتال. والثالث: الحجرات. والرابع: قاف، حكاهن في "شرح المهذب". والخامس: الصافات. والسادس: الصف. والسابع: تبارك. حكاهن ابن أبي الصيف فيما وقفت عليه من نكته على "التنبيه". والثامن: إنا فتحنا، حكاه الدزماري فيما وقفت عليه من شرحه على "التنبيه" المسمى "رفع التمويه". والتاسع: سبح. حكاه الشيخ برهان الدين في "تعليقه" عن "شرح التنبيه" [للمرزوقي] (١). والعاشر: الضحى. حكاه [الدزماري] (٢) والخطابي في "غريب الحديث". والأصح أنه من الحجرات، كذا صححه النووي في "لغات التنبيه"، و"دقائق المنهاج"، وسمي مفصلًا لكثرة الفصول فيه بين سوره، وقيل: لقلة المنسوخ فيه، وطوال المفصل كالحجرات، واقتربت، والرحمن. وأوساطه كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. وقصاره معروفة منها: قل هو الله أحد.

стр. 897

وجعلها البندنيجي من أوساطه، وقال ابن معن في "التنقيب": طواله إلى عم، ومنها إلى الضحى أوساطه، ومن الضحى إلى آخر القرآن قصاره. ورأيت في "المسافر" لأبي المنصور التميمي أحد أصحاب الربيع عن نص الشافعي تمثيل القصار بالعاديات ونحوها. قوله من زوائده: قال أصحابنا: والمرأة لا تجهر بالقراءة في موضع فيه رجال أجانب، فإن كانت خالية أو عندها نساء أو رجال محارم جهرت، وفي وجه تسر مطلقًا، وحيث قلنا: تسر، فجهرت لا تبطل صلاتها على الصحيح، والخنثى كالمرأة. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في المرأة قد خالفه في أواخر نقض الوضوء من "شرح المهذب" فجزم بأنها تسر مطلقًا، والصواب المذكور في "الروضة" فإنه المعروف، والواقع أيضًا في هذا الباب من الشرح المذكور، وإنما ذكر هناك أنها تسر تقليدًا لأبي الفتوح مصنف "أحكام الخناثا" فإني رأيت فيه ذلك مذكورًا بلفظه. الأمر الثاني: أن ما ذكره في الخنثى قد خالفه في "شرح المهذب" في أواخر النواقض أيضًا فجزم بأنه يسر مطلقًا، ثم خالف الموضعين معًا في "شرح المهذب" هنا فقال: وأما الخنثى فيسر بحضرة النساء والرجال الأجانب، ويجهر إن كان خاليًا أو بحضرة محارمه فقط. وأطلق جماعة أنه كالمرأة، والصواب ما ذكرته. هذا لفظه. وقد جزم به في "التحقيق" فقال: والخنثى يجهر خاليًا وبحضرة محرم فقط، وإلا فيسر. انتهى.

стр. 898

ووجه الإسرار بحضرة النساء احتمال الرجولية، وقد استفدنا مما ذكره في الكتابين الجزم بأن الرجل يسر إذا صلى بحضرة نساء أجانب متمحضات، أو مع رجال لأنه إذا أسر الخنثى لهذا الاحتمال فالمحقق الرجولية أولى. ووجهه خشية افتتان النسوة كما في العكس، والذي قاله مردود؛ فإن النبي ﷺ والأئمة الراشدين ثم من بعدهم إلى زماننا كانوا يجهرون مع اقتداء النساء بهم، ولم يستثن أيضًا أحد من الأصحاب هذه الحالة، بل كلامهم كالصريح في دفعه، فلتكن الفتوى على المذكور في "الروضة". قوله أيضًا من زياداته: وأما نوافل الليل فقال صاحب "التتمة": يجهر، وقال القاضي حسين، وصاحب "التهذيب": يتوسط بين الجهر والإسرار، وهو الأصح، وتستثنى التراويح فإنه يجهر فيها. انتهى. وذكر في التحقيق أيضًا مثله، وفيه أمران: أحدهما: أن الوتر وارد على كلامه، فإنه يجهر فيه بلا خلاف كما صرح به الماوردي في "الحاوي" قبل صلاة الجماعة بدون ورقة في أثناء الاستدلال على أن أقل الوتر واحدة ردًا على مالك، وأبي حنيفة فقال ما نصه: ثم الذي يدل على ما قلناه اتفاق الجميع على أن الثلاث ركعات يجهر فيها بالقراءة، فلو كان حكمها حكم الصلاة الواحدة لكان من حكمها أن يسر الثالثة كالمغرب. انتهى كلامه. وذكر الروياني في "البحر" في الموضع المذكور مثله أيضًا، ونقل ابن الرفعة عن الماوردي أن الإجماع على الجهر فيه، وليس كذلك، بل مراد الماوردي الأئمة الثلاثة فقط، كما دلت عليه عبارته التي ذكرتها، والاتفاق على الجهر في مثل هذا غريب مخالف لما عداه من نوافل الليل، وقد استثناه النووي أيضًا في "شرح المهذب" وغيره، وكذلك في "التبيان"، ونقل

стр. 899

الإجماع عليه، إلا أنه قيده بالوتر الواقع عقب التراويح، واقتضى كلامه الإسرار فيما عداه، ورأيت في "ما لا يسع المكلف جهله" ما هو كالصريح فيه. الأمر الثانى: أن النووي قد ذكر في "التبيان" ما حاصله تصحيح الإسرار في النوافل الليلية على عكس ما قاله في "الروضة" فقال فيه ما نصه: واختلف أصحابنا في نوافل الليل فالأظهر: أنه لا يجهر. والثاني: يجهر. والثالث: وهو اختيار البغوي يقرأ بين الجهر والإسرار. انتهى كلامه. وجزم في "الروضة" في كتاب الحج بأن ركعتي الطواف تصلى في الليل جهرًا وفي النهار سرًا، وهذا أيضًا مخالف لكل من الموضعين المتقدمين. الركن الرابع: الركوع قوله: وأقل الركوع أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه إلى آخره. ثم قال: وفي لفظ: الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعًا، وإن صار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه. انتهى. والمائل بالثاء المثلثة هو المنتصب، يقال: مثل بين يديه بالفتح مثولًا أي انتصب قائمًا. ومنه قيل لمنارة المسرجة: ماثلة، ومثل بالأرض، أي: لصق بها، فهو من الأضداد، قاله الجوهري. قال: والراحة الكف، والجمع راح بغير تاء. وتعبيرهم بالراحة يشعر بعدم الاكتفاء بوصول الأصابع وفيه نظر.

стр. 900

قوله: والكلام في أكمل الركوع يقع في جملتين: إحداهما: في هيئته وهي: أن ينحني بحيث يستوي ظهره، وعنقه ويمدها كالصفيحة الواحدة، وروي أنه ﷺ نهى التذبيح في الصلاة (١)، وهو أن يبسط ظهره ويطأطأ رأسه، وهذا اللفظ يذكر بالدال وبالذال، والأول أشهر. انتهى كلامه. ذكر مثله في "الروضة"، ولم يتعرضا لكراهة مخالفة ذلك مع أنها مكروهة، فقد قال الشافعي في "الأم": فإن رفع رأسه عن ظهره أو ظهره عن رأسه، أو جافا ظهره حتى يكون كالمحدوب كرهت له ذلك، ولا إعادة عليه. هذه عبارته. وقد ذكره أيضًا في "المنهاج" قبيل سجود السهو إلا أنه قيد الكراهة بالمبالغة في خفض الرأس، وكلام الشافعي يدفعه. والصفيحة -بفاء مسكورة بعدها ياء- إحدى ألواح الباب، والجمع صفائح، قاله الجوهري. والتذبيح بالحاء المهملة، والمعجمة، كذا قاله الجوهري. وشرط في تفسيره أن يقتب ظهره، أي: يقوسه ويجعله كالقبة فإنه قال: يقال: ذبخ الرجل تذبيخا إذا قتب ظهره وطأطأ رأسه بالحاء، وبالخاء. هذا لفظه، وهو يخالف ظاهر تعبير الرافعي "بالبسط"، وقول الرافعي، والأول أشهر أي الدال المهملة، فإن الجوهري قد أورده في فصلها [لا في الفصل] (٢) المعقود للذال المعجمة. وكان الرافعي قد استغنى عن التصريح بتقديم ما هو مقدم في اصطلاحهم، وهو المهملة.

стр. 901

قوله: ويستحب أن يكبر للركوع لما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود (١)، ويستحب أن يبتدئ به في ابتداء الهوي، ثم قال: ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير، انتهى. وتابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران: أحدهما: أنه لم يتعرض لظرف الانتهاء، وفي استحباب ما قالوه في الإحرام من انتهائهما معًا نظر، والقياس استواؤهما فيه. الأمر الثاني: أن كلامه صريح في أنه يأخذ في رفع يديه حال هويه، والمذكور في "شرح المهذب" أنه يهوي عند استكمال الرفع فقال: قالوا: ويبتدأ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويكون ابتداء رفع يديه وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى. هذه عبارته. وفي "البيان" و"الإقليد"، و"شرح التنبيه" لابن يونس نحوه أيضًا؛ لكن عبارة "النهاية" وغيرها توهم ما ذكره الرافعي، والصواب خلافه. قال في "الإقليد": لأن الرفع حال الانحناء متعذر أو متعسر، والحديث المذكور رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفي الصحيحين نحوه. قوله: ويستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا لقوله ﷺ : "إذا ركع أحدكم فقال: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، فقد تم سجوده وذلك أدناه" (٢). ثم قال: واستحب بعضهم أن يضيف إليه:

стр. 902

"وبحمده"، وقال: إنه قد ورد في بعض الأخبار. انتهى. تابعه في "الروضة" على نقله عن بعضهم، وليس في كلامهما ما يدل على موافقه هذا القائل، ولا على مخالفته، وقد بينه النووي في أكثر كتبه وأجاب باستحبابه فقال في "شرح الوسيط" المسمى بـ"التنقيح": استحبه الكثيرون أو الأكثرون، وقال في "شرح المهذب": استحبه أصحابنا، قال: وينكر على الرافعي هذه المقالة، وجزم في "التحقيق" باستحبابه. واعلم أن الإنكار إن توجه على الرافعي كما زعمه فتوجهه عليه في "الروضة" أوجه، والإنكار عليه فيها أبلغ. والواو في: "وبحمده" واو العطف، التقدير: "وبحمده سبحت" والحديث المذكور رواه أبو داوود والترمذي، وابن ماجة، والشافعي في "الأم" وهو منقطع كما قاله البيهقي، لأن من رواته عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود، وعون لم يلق ابن مسعود، فلهذا عبر الشافعي بقوله: إن كان ثابتًا. وأما زيادة: "وبحمده" فرواها أبو داوود والدارقطني بإسناد ضعيف. والحكمة في تخصيص "العظيم" بالركوع، والأعلى بالسجود أن الأعلى أفعل تفضيل، والسجود في غاية التواضع، لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، ولهذا كان أفضل من الركوع فجعل الأبلغ مع الأبلغ. قوله: وحكى عن "الحاوي" أن أتم الكمال من تسع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه خمس. انتهى. وهذا المنقول عن "الحاوي" صحيح، رأيته مذكورًا فيه كما حكاه عنه

стр. 903

الرافعي، وقد أسقطه النووي فلم يذكره في "الروضة"، والتسع بتاء ثم سين، وذكر في "الإفصاح" طريقة متوسطة فقال: يسبح في كل من الركعتين الأولتين إحدى عشرة وفي كل من الأخيرتين سبعًا، وهذا حسن، يؤيده ما سبق في السورة، ويمكن حمل كلام الماوردي عليه. قوله: والاعتدال ركن في الصلاة، ولكنه غير مقصود في نفسه. انتهى. وما ذكره من كونه غير مقصود قد وقع التعرض له في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب على اختلاف فيها، وستأتي في صلاة الجماعة مبسوطة إن شاء الله تعالى. قوله: ويستحب أن يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع الرأس واليدين معًا، وقال ابن كج: يبتدئ بالتسميع قبلها. انتهى مخلصًا. وهذا الوجه قد ذهل عنه النووي لكونه مذكورًا في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فأسقطه من "الروضة" ونقله ابن الرفعة في "الكفاية" على غير وجهه كما أوضحته في "الهداية" فاعلمه. قوله في أصل "الروضة": فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد، أو ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ويستوي في استحباب ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، ويستحب لغير الإمام، وله إذا رضي القوم أن يزيد فيقول: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وتكره للإمام هذه الزيادة إلا برضاهم. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره في الإمام عند عدم الرضى قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: يقتصر على سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ولا يزيد عليه إلا عند الرضى.

стр. 904

وذكر في "التحقيق" ما يخالف كلامهما، فإنه ذكر ما ذكره في "الروضة"، وزاد عليه: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عقب قوله: ربنا لك الحمد، وما ذكره في هذه المسألة غريب جدًا، فإنه ذكر ثلاث مقالات متخالفة وجزم بكل منها. الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون الإمام يأتي به عند رضى المأمومين صحيح، إلا أن الرافعي لم يذكره، وأهمل أيضًا منه شرطًا، وهو أن يكونوا محصورين. [الثالث] (١): استدرك النووي في "زيادات الروضة" فقال: هكذا يقوله أصحابنا في كتب المذهب "حق ما قال العبد [كلنا] " (٢)، والذي في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أحق ما قال العبد" (٣). وكلنا بزيادة ألف في أحق، وواو في كلنا، وكلاهما حسن، لكن ما ثبت في الحديث أولى، وذكر في باقي كتبه ما هو أبلغ منه فقال: الصواب الذي رواه مسلم وسائر المحدثين إثباتهما وإنكاره باطل، ففي رواية للنسائي إسقاطهما. الرابع: [استدرك] (٤) الشيخ تاج الدين في "الإقليد" فقال: إن هذا الذكر الوارد في الاعتدال لا يفعل مع القنوت على ما دل عليه ظاهر كلام الشافعي فإنه قال: وإذا رفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح، وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، قال وهو قائم: اللهم اهدنا

стр. 905

فيمن هديت؛ وزاده الماوردي بيانًا فقال: محل القنوت إذا فرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فحينئذ يقنت. وهذا [قصد] (١) القياس، فإن القنوت إذا ضم إلى الذكر المشروع في الاعتدال طال الاعتدال، وهو ركن قصير بلا خلاف، وعمل الأئمة بخلافه كجهلهم بفقه الصلاة، فإن الجمع إن لم يكن مبطلًا فلا شك في كونه مكروهًا. انتهى كلامه. وفي الحديث عن سالم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد" (٢). رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، وظاهره يدل لما ذكره. ورأيت في "الكافي" للخوارزمي ما يوافقه أيضًا فإنه قال: والقنوت سنة بعد الركوع، والفراغ من قوله: ربنا لك الحمد. هذا كلامه. نعم إن خالف لم تبطل الصلاة عنده -أي: عند الخوارزمي- فإنه قال: ويكره إطالة القنوت، والرافعي لم يصرح بالكراهة في هذه الحالة بل صحح أن التطويل بالقنوت لا يكون مبطلًا، وحينئذ فيكون الثابت من قول الشيخ تاج الدين المذكور أن التطويل إما مكروه، وإما مبطل، إنما هو الكراهة على تقدير الأخذ بظاهر عبارة هؤلاء، لكن قد رأيت في "التهذيب" للبغوي ما يخالفه فقال: ذهب الشافعي إلى أنه يقنت في صلاة الصبح بعدما رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وفرغ من قوله: ربنا لك الحمد. . . . إلى آخره. هذا لفظه.

стр. 906

ورأيت في "العدة" للشاشي صاحب "الحلية" نحوه فإنه [نص] (١) على أنه يستحب في رفع الرأس أن يقول: ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت، بعد ثم قال ما نصه: فإن كان في صلاة الصبح قنت بعد [الرفع من] (٢) الركوع في الركعة الثانية بعد قوله: ربنا لك الحمد، بتمامه. هذه عبارته. والصواب هو ما ذكره البغوي ومن تبعه، وقال القاضي حسين: [لو] (٣) طول القنوت زائدًا على العادة كره، وفي البطلان احتمالان. قوله من زياداته: قال صاحب "الحاوي": يجهر الإمام بسمع الله لمن حمده، ويسر بربنا لك الحمد. انتهى كلامه. والسبب في جهر الإمام إنما هو الإعلام بالرفع ليرفع المأمومون، ويؤخذ من ذلك أن المبلغ خلف الإمام يسلك هذا المسلك أيضًا. وقد صرح به النووي في "شرح المهذب" ولم يحك فيه خلافًا فقال: ويجهر المبلغ خلف الإمام بسمع الله لمن حمده، ولا يجهر بربنا لك الحمد، لأنه ليس للانتقال بل هو ذكر للاعتدال فلم يجهر به كسائر الأذكار، هذا كلامه وهي مسألة حسنة [وجهلها انتقاص] (٤) فينبغي معرفتها، فإن عمل الناس على خلافه. قوله: وأما ما عدا الصبح من الفرائض ففيها أقوال: أصحها عند المعظم أنه إن نزلت بالمسلمين نازلة من وباء أو قحط قنتوا، وإلا فلا. والثاني: إن نزلت قنتوا، وإلا يخير. والثالث: لا يقنتون مطلقًا، ولنا ما روي أن النبي ﷺ قنت شهرًا يدعو

стр. 907

علي قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم تركه (١). فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن ما [ذكرته] (٢) من الأقوال هو حاصل ما ذكره الرافعي لمن [تأمله] (٣)، وقد اختصره في "الروضة" بقوله: ففيها ثلاثة أقوال: المشهور أنه [إن] (٤) نزلت بالمسلمين نازلة كالوباء والقحط قنتوا، وإلا فلا. والثاني: يقنتون مطلقًا. والثالث: لا يقنتون مطلقًا. هذه عبارته. والقول الثاني: وهو القنوت مطلقًا لم يذكره الرافعي بل ذكر عوضه قول التخيير فالتبس عليه. نعم ذكره ابن يونس شارح "التنبيه" مع وجه آخر، وهو أنه يقنت في الجهرية دون السرية. الأمر الثاني: أن تقييده بالفرائض مخرج للنوافل إلا أنه لم يبين حكمها، هل هو الكراهة أو عدم الاستحباب؟ وقد نص عليه الشافعي كما نقله عنه في "شرح المهذب" فقال: ولا قنوت في صلاة العيدين، والاستسقاء، فإن قنت عند نازلة لم أكرهه، وإن قنت من غير نازلة كرهته. هذا كلامه، وحاصله أنه لا يستحب، وفي كراهته هذا التفصيل. الأمر الثالث: أن تعبيره بالمسلمين وتمثيله بالوباء والقحط مشعران بأن المصيبة الخاصة ببعضهم كالأسر ونحوه لا يشرع فيه القنوت له، ولا لغيره، وقد يقال بالمشروعية، ويستأنس بالقصة المذكورة، ويتجه أن يقال: إن كان

стр. 908

[ضرره] (١) متعديًا كأسر العالم والشجاع ونحوهما قنتوا، وإلا فلا؛ وتعبيرهم يقتضيه. والوباء بالمد: فساد في الهواء أو الماء. والقحط: الجدب، وأصله احتباس المطر. يقال: قحط المطر بالفتح، وحكى الفراضية الكسر، يقحط بالفتح أيضًا قحوطا إذا احتبس وأقحط القوم إذا أصابهم القحط، وقحطوا أيضًا على البناء للمفعول قحطًا. ومعونة من بئر معونة بضم العين المهملة، وبالنون، وهي في ناحية نجد بين أرض بني عامر وجرة بني سليم، وكانت غزوتها في أول سنة أربع من الهجرة بعد أحد بأشهر، والحديث المذكور صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، صححه الحاكم، والبيهقي، ورواه الدارقطني من طرق بأسانيد صحيحة، وكان الحامل على القنوت دفع تمرد القاتل، وجبر مصيبة المسلمين فيهم باستخلاف غيرهم لأنهم كانوا من القراء الشجعان [لا] (٢) النظر إلى المقتولين خاصة لعدم إمكان تداركهم. قوله: وحكى أبو الفضل بن عبدان عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذ صار شعار قوم من الشيعة، إذ [في] (٣) الاشتغال به تعرض للتهمة. انتهى. واعلم أن في بعض النسخ "إذ" بصيغة إذ الدالة على التعليل، وفي بعضها "إذا" بصيغة الشرط، وعلى كلا العبارتين فإنه يفيد عند هذا القائل استحبابه إذا زال هذا المعنى. وذكر في "الروضة" هذا الوجه فقط بدون ما بعده فأخل بشرطه. واعلم أن هذا الوجه ليس غريبًا كما دل عليه تعبير الرافعي، فإن

стр. 909

الغزالي في "الوسيط" قد حكاه عنه في الكلام على دفن الميت مع أشياء استحب فيها [أيضًا] (١) الترك في زماننا لكونها قد صارت شعارًا للرافضة منها: الجهر بالبسملة، وتسطيح القبر، والتختم في اليمين. قوله: والقنوت أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضي عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت. هذا القدر يروى عن الحسن بن علي أن النبي ﷺ علمه ذلك (٢). انتهى. واعلم أن النووي في "الروضة" لما ذكر هذا اللفظ زاد فيه فاءًا مع "إنك"، وواوًا مع "إنه لا يذل" وزاد "ربنا" بعد "تباركت"، وهكذا ذكره في "شرح المهذب" وغيره، ثم قال: هذا لفظه في الحديث كما رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح، فيكون هو الاختيار والسنة، إلا أن أبا داود لم يذكر الفاء مع "إنك". قوله: والإمام لا يخص نفسه بل يذكر بلفظ الجمع. انتهى. اعلم أن ما ذكره من الجمع قد رواه البيهقي عن ابن عباس، وصححه وعلله في الأذكار بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لقوله ﷺ "لا يؤم عبد قومًا ويخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم" (٣).

стр. 910

رواه أبو داوود والترمذي، وقال: حديث حسن، ومقتضى كلام "الأذكار" إطراده في سائر أدعية الصلاة، وبه صرح الغزالي في "الإحياء" في كلامه على التشهد فقال: يقول: اللهم اغفر لنا، ولا يقول: اغفر لي. فقد كره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء، وقال الجيلي شارح "التنبيه": الحكم كذلك في جميع الأدعية، ونقله ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي فقال: قال الشافعي: لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم. قال ابن المنذر: وثبت أنه ﵊ كان إذا كبر في الصلاة يقول قبل القراءة: "اللهم باعد بيني. . . ." إلى آخره اللهم نقني، اللهم اغسلني (١). الدعاء المعروف [وبهذا نقول] (٢). هذا كلامه. وعلى هذا فالفرق بينه وبين القنوت أن الجميع مأمورون بذلك الدعاء بخلاف القنوت ومقتضى هذا [الفرق] (٣) أنه لا يستحب الجمع للإمام في التشهد، ونحوه إلا أن يكون مراد ابن المنذر استثناء دعاء الاستفتاح خاصة. واعلم أن في جهر الإمام بالقنوت خلافًا يأتي، وإذا قلنا: إنه يسر، فإن المأموم يقنت، وإذا علمت هذا علمت أن جزم الرافعي بالجمع مع حكايته للخلاف في الجهر يقتضي أنه يجمع سواء قنت المأموم أم لا، وذلك يبطل الفرق، ويقتضي استحباب الجمع في سائر الأدعية. ومما يدل أيضًا عدم تفصيله بين أن يسمع المأموم أو لا يسمع؛ لكن ذكر -أعني: الرافعي- في الكلام على دعاء الاستفتاح أدعية بصيغة الإفراد، ونص على أن الإمام بقوم محصورين يأتي بها أيضًا، والمعتمد عليه هو ما نقله ابن المنذر عن النص.

стр. 911

قوله: وزاد العلماء فيه: "ولا يعز من عاديت" قبل "تباركت وتعاليت"، وبعده "فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك". ولم يستحسن القاضي أبو الطيب كلمة: ولا يعز من عاديت وقال: لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وقال سائر الأصحاب: ليس ذلك ببيعد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١). انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم أن هذه الزيادة مستحبة، وهو وجه، والراجح خلافه، هكذا ذكره النووي في كتبه فقال في "الروضة": قال جمهور أصحابنا: لا بأس بهذه الزيادة، وقال أبو حامد، والبندنيجي وآخرون: مستحبة، واتفقوا على تغليط القاضي أبي الطيب في إنكار لا يعز من عاديت وقد جاءت في رواية البيهقي، وذكر في "التحقيق" مثله فقال: ولو زادها فلا بأس، وقيل: فحسن، ويقال: لا يقال: من عاديت. هذه عبارته. الأمر الثاني: أن ما ذكره في توجيه كلام القاضي والرد عليه قد قلد فيه صاحب "الشامل"، وهو خلاف ما ذكره القاضي فإنه قال في "تعليقه": إنه لا يستحب له ذلك لأن "لا" بدل من "واليت" يغني عنها، ولأن الأمر لم يرد بها. قوله: وهل تسن الصلاة على النبي ﷺ في القنوت؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه يروى في حديث الحسن: "وصلي الله [على النبي وآله] (٢) وسلم"، وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (٣) قال المفسرون: أي لا أذكر إلا ويذكر معي. انتهى.

стр. 912

فيه أمور: أحدها: أن كلامه، وكلام "الروضة" يشعر بأن الصلاة على الآل لا تسن، لكنه قد جزم في "الأذكار" باستحبابها، وباستحباب السلام أيضًا فأما السلام [فسلم] (١) للآية، ولهذا قالوا: يكره إفراد الصلاة عن السلام. وأما الصلاة على الآل فقياسها مما قالوه في التشهد الأول حكمًا وتعليلًا، أنها لا تستحب، بل قد حكى الرافعي في الكلام على التشهد وجهًا أن ذكر الصلاة في القنوت مبطل لكونه نقل ركنًا إلى غير موضعه فالسلام الذي لم يثبت أولى. الأمر الثاني: أن الرافعي نص على الصلاة فقط، ثم استدل بحديث ذكر فيه الصلاة والسلام، وهذا الحديث الذي استدل به قد رواه النسائي عن الحسن بإسناد صحيح أو حسن، كما قاله النووي في "شرح المهذب" وغيره، إلا أن السلام ليس مذكورًا فيه فإنه قال في آخره: وصلي الله على النبي. هذه صيغة ما رواه بغير زيادة، ولم يذكر النووي في غير "الأذكار" ما نقلناه عنه من استحباب السلام والصلاة على الآل، وقد خالفه فيهما صاحب "الإقليد" فقال: أما ما وقع في بعض كتب أصحابنا من زيادة "وسلم"، وما يعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج والأصحاب، فكل ذلك لا أصل له. الأمر الثالث: أن ما نقله عن المفسرين في تفسير الآية قد ثبت في الحديث، وهو ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول لك: كيف رفعت ذكرك؟ ، قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرتُ ذكرتَ معي (٢).

стр. 913

الأمر الرابع: أن الرافعي لم يصرح بمحل الصلاة على النبي ﷺ علي القول باستحبابها، ومحله بعد القنوت كما صرح به في "المحرر" و"أصل الروضة"، وقال الطبري صاحب "العدة": لا بأس بها أوله وآخره لأثر ورد فيه. قوله: ثم مقتضى كلام الأكثرين أن الخلاف -أي: الأقوال الثلاثة السابقة في القنوت- في غير الصبح إنما هو في الجواز، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب. انتهى. استدرك عليه في "الروضة" فقال من زياداته: الأصح أن الخلاف في الاستحباب، ونص عليه الشافعي، وذكر مثله في شرح الوسيط المسمى "بالتنقيح"، ولم يذكر غير ذلك. وقال في "التحقيق" ما نصه: والمختار أن الخلاف في الندب، ونص عليه في "الإملاء"، وقال الأكثرون: في الجواز. انتهى كلامه. ومقتضاه أن الصحيح الثاني، لأن اصطلاحه كذلك، لاسيما مع تصريحه بأن الأكثرين على خلافه. قوله: وهل يجهر الإمام بالقنوت في الصبح؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه روى ذلك عن رسول الله ﷺ ثم قال: وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها، فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث بئر معونة يدل عليه. انتهى. قال في "شرح المهذب": الصحيح أو الصواب استحباب الجهر. وقال في "الروضة": إنه الراجح، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له.

стр. 914

والذي استدل به الرافعي أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، "اللهم أنج الوليد بن الوليد"، ثم قال في آخره: يجهر بذلك (١). قوله: فإن قلنا: يجهر الإمام، [فسمعه المأموم] (٢) فوجهان: أصحهما: أنه يؤمن، ولا يقنت روى عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقنت ونحن نؤمن خلفه (٣). والثاني: يتخير بين أن يقنت أو يؤمن. فعلى الأول وجهان: أظهرهما: أن المأموم يؤمن في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه أو يسكت. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم مساواة المشاركة للسكوت، وليس كذلك، بل المستحب المشاركة كذا جزم به في "المحرر" و"المنهاج" و"شرح المهذب" وغيرها. الأمر الثاني: أن مقتضاه أنه يؤمن أيضًا في الصلاة على النبي ﷺ لأنها دعاء، وفيه نظر يحتاج إلى نقل. وحديث ابن عباس رواه أبو داود والحاكم، وقال: حديث صحيح

стр. 915

على شرط البخاري. [قوله] (١): ولفظ الكتاب، وإن كان مطلقًا في حكاية الخلاف في الجهر فالوجهان في "الأم"، أما المنفرد فيسر به كسائر الأذكار، والدعوات ذكره في "التهذيب". انتهي كلامه. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وهذا الذي قاله البغوي سبقه إليه شيخه القاضي الحسين والقاضي الماوردي، وصرح في "التحقيق" بأنه لا خلاف فيه، وذكر نحوه في غيره من كتبه، وإطلاق جماعة يقتضي جريان الخلاف فيه، بل عبر البندنيجي بقوله: ويجهر به المصلى. قوله: وهل يسن رفع اليدين؟ فيه وجهان: اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط": أنه يسن، لما روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا دعوت فادع ببطون كفيك، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك" (٢). والثاني: لا، لما روي عن أنس أن النبي ﷺ لم يكن يرفع [اليد] (٣) إلا في ثلاث مواطن: الاستسقاء والاستنصار، وعشية عرفة (٤). وهذا هو الأظهر عند صاحب "المهذب" "والتهذيب" واختاره القفال، ومال إليه الإمام. انتهى.
следующие страницы →