ما عليه عمدًا، وقلنا بأن التعيين لا يجب بعبارة تقتضي ضعف ذلك من جهة النقل، وهو غريب منه.
نعم ذكر في "البحر" كما ذكره القاضي الحسين فتبعهما المصنف عليه، ومعظم الكتب ساكتة عن المسألة "كالاستذكار" و"الحاوي" و"النهاية" و"الشامل" و"التتمة" وكتب الفوراني والغزالي وابن عصرون، وقد عبر الرافعي في "الشرح الصغير" بعبارة عجيبة لا تطابق ما قاله هنا، فقال: فإن أوجبنا نية الخروج، فلا يحتاج إلى تعيين الصلاة، فإن الخروج لا يكون إلا عما هو فيه، ولو عين غير ما فيه بطلت صلاته بخلاف ما إذا قلنا: إنها لا تجب، فإنه لا يضر الخطأ في التعيين. هذه عبارته.
قوله: ثم المصلي إن كان إمامًا فيستحب له أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس، وبالثانية على من [على] (١) يساره منهم.
والمأموم ينوي مثل ذلك، ويختص بشئ آخر وهو أنه إن كان على يمين الإمام ينوي بالتسليمة الثانية الرد على الإمام وإن كان على يساره ينويه بالتسليمة الأولى، وإن كان في محاذاته ينويه بأيهما شاء وهو في التسليمة الأولى أحب. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن المأموم الكائن على يسار الإمام كيف ينوي الرد على الإمام بالأولى مع أن الرد إنما يكون بعد السلام عليه.
وجوابه موقوف على مسألة وهو أن المأموم هل يستحب أن يتأخر بالتسليمة الأولى إلى فراغ الإمام من التسليمتين أم [لا] (٢)؟
بل يستحب أن يسلم الأولى عقب الأولى، والثانية عقب الثانية كما
стр. 947
نقله غالب الناس، فيه وجهان، حكاهما في "شرح المهذب" من غير تصريح بتصحيح إلا أنه قال: ذهب البغوي إلى الأول، والمتولى إلى الثاني، وإنَّ ظاهر نصه في "البويطي" يدل للأول.
نعم صرح بتصحيحه في "التحقيق"، وإذا علمت ذلك علمت أن كلام الرافعي ماشٍ على اختيار الوجه الأول، وهو المرجح.
واعلم أن القاضي الحسين قد خالف الوجهين فإنه فصل فقال فيمن كان على يمين الإمام بمقالة البغوي، وفيمن كان على يساره بمقالة المتولي وخير المحاذي بين المقالتين، وذكر أيضًا -يعني القاضي- في "تعليقه" أن الأحب للمأموم الرد على إمامه بالأولى مطلقًا سواء كان على يمينه أو يساره أو محاذيًا له.
الأمر الثاني: أن المحاذي المذكور في الرد لم يتقدم له ذكر بالكلية في السلام من الإمام فتأمله، وقياس ما ذكره في المأموم أن الإمام ينوي السلام عليه بما شاء منهما.
قوله: وأما المنفرد فينوي بهما السلام على من على جانبيه من الملائكة. انتهى.
واقتصاره على الملائكة قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، بل ينبغي أن ينوي المسلمين من الملائكة والجن والإنس أيضًا كما سبق مثله في الإمام والمأموم، وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: من ملائكة وغيرهم.
قوله من زياداته: السنة أن يكثر من ذكر الله تعالى عقب الصلاة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من استحباب الذكر، قد ذكره أيضًا في "شرح
стр. 948
المهذب" فقال: إنه يستحب لكل مصلٍ، لكنه ذكر بعد ذلك ما يشكل عليه فقال: قال الشافعي والأصحاب ﵏ يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في "المختصر"، واتفق عليه الأصحاب وعللوه بعلتين:
إحداهما: لئلا يشك هو أو من خلفه، هل سلم أم لا؟
والثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به، أما إذا كان خلفه نساء فيستحب أن يثبت بعد سلامه، ويثبت الرجال قدرًا يسيرًا يذكرون الله حتى ينصرف النساء.
ويستحب للنساء أن ينصرفن عقب سلامه. هذا كلامه.
فذكر أنه ينتقل من مكانه عقب السلام إذا لم يكن نسوة، وأنه لا يمكث للذكر إلا عند وجودهن، بخلاف ما دل عليه كلامه السابق من كونه يأتي بالذكر مطلقًا.
وقد ذكر الماوردي كلامًا فيه جمع بين الأمرين فقال: إذا فرغ الإمام من صلاته فإن كان من صلى خلفه رجالًا لا امرأة فيهم، وثبت ساعة سلم ليعلم الناس فراغه من الصلاة ولئلا يسهو فيصلى، وإن كان معه رجال ونساء ثبت قليلًا لينصرف النساء، فإذا انصرفن وثب، ثم إذا وثب الإمام فإن كانت صلاة لا يتنفل بعدها [كالصبح والعصر استدبر القبلة ودعا، وإن كانت صلاة يتنفل بعدها] (١) كالظهر فيختار له أن يتنفل في منزله. هذا كلامه بحروفه.
وذكر الروياني في "البحر" أن الإمام يدعو قائمًا، وذكر مثله الجيلي في "شرح التنبيه"، وبهذا ينتظم الكلام.
стр. 949
ثم إذا أراد الإمام أن يتنفل في المحراب فينفتل عن يمينه، وفي كيفية استقباله لهم وجهان في "شرح المهذب" حكاهما الجيلي فيما سبق نقله عنه، وهو الدعاء قائمًا، وعبر في "التحقيق" بالجلوس فقال: أصحهما: أنه يجلس على يسار المحراب بأن يدخل يساره فيه، ويمينه إلى الناس ثبت ذلك في مسلم (١)، وقيل: على يمينه بأن يجعل يمينه فيه ويساره إلى الناس، وقال الإمام: لم يصح فيه شئ ولا أرى فيه إلا التخيير.
الأمر الثاني: أن الشافعي قيد استحباب الإكثار بالمنفرد والمأموم فقال: وأستحب للمصلي منفردًا والمأموم أن يطيل الذكر بعد الصلاة، ويكثر الدعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة، هذا لفظ الشافعي، وقد نقله عنه في "شرح المهذب" ولم يخالفه، وهو يخالف إطلاق "الروضة".
نعم لقائل أن يقول: يستحب أن يختصر فيهما بحضرة المأمومين، فإذا انصرفوا طول، وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى.
قوله في "الزيادات" أيضًا: ويسن الدعاء بعد السلام سرًا إلا أن يكون إمامًا يريد تعليم الحاضرين. انتهى.
وما ذكره الصنف من تقييد الدعاء بالسر دون الذكر يقتضي أنه يجهر به -أعني بالذكر- كما هو المعتاد، وليس كذلك فقد نص الشافعي والأصحاب على أن حكم الذكر في ذلك حكم الدعاء، وقد نبه عليه في "شرح المهذب".
قوله فيها أيضًا: قال أصحابنا: يستحب إذا أراد أن يتنفل عقب الفريضة أن ينتقل إلى بيته فإن لم يكن فإلى موضع آخر. انتهى.
واعلم أن علة الانتقال كما قاله الأصحاب شهادة المواضع له بالعبادة.
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢) أن
стр. 950
المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، وهذا المعنى يقتضي أنه لا فرق بين النافلة المتقدمة والمتأخرة، ولا بين النافلة مع الفريضة أو مع نافلة أخرى، فمن تهجد أو صلى سنة الظهر مثلًا أربعًا بتسليمتين حتى ينتقل مرتين في هذا المثال إلا أن المتجه في النافلة المتقدمة ما أشعر به كلامهم من عدم الانتقال لأن المصلي مأمور بالمبادرة، والصف الأول، وفي الانتقال بعد استقرار الصفوف مشقة خصوصًا إذا كثر المصلون كما في الجمعة.
قوله من "الزوائد" أيضًا: ويستحب إذا كان يصلي وراءه نساء أن يمكث في مصلاه حتى ينصرفن. انتهى.
سكت هو وغيره عن الخناثى، والقياس استحباب انصرافهم فرادى، إما قبل النساء أو بعدهم، وتأخر الرجال عن جميعهم.
قوله أيضًا: وإذا أراد الانصراف، فإن كانت له حاجة عن يمينه أو عن يساره انصرف إلى جهة حاجته، وإن لم يكن له حاجة فجهة اليمين أفضل. انتهى.
واعلم أن المصنف قد ذكر في كتابه المسمى "برياض الصالحين" أنه يستحب في الحج، والصلاة، وعيادة المرضى وسائر العبادات أن يذهب في طريق ويرجع في أخرى، وإطلاق هذا مع إطلاق ما نقلناه عن الروضة متنافيان.
قوله فيها: وإذا سلم الإمام التسليمة الأولى فقد انقطعت متابعة المأموم، وهو بالخيار إن شاء سلم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء، وأطال ذلك. انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز الاستدامة محله في غير المسبوق، أما المسبوق فينظر
стр. 951
إن [كان] (١) موضع جلوسه أى تشهده الأول فله ذلك إلا أن تطويل التشهد الأول مكروه وإن كان في غيره وجب القيام على الفور، فإن جلس متعمدًا بطلت صلاته، أو ساهيًا سجد للسهو، كما هو معروف في صلاة الجماعة.
قوله: خاتمة: إذا فاتت الفريضة وجب قضاؤها. . . . إلى آخره.
هذه المسألة فيها كلام مهم يتعين الوقوف عليه، وقد ذكرته في كتاب الحج في الكلام على الجماع، فإن المسألة محلها هناك، وفي "شرح التنبيه" للطبري: أنه لو كان عليه فوائت فهل يبدأ بالصبح لأنها الأولى أو بالظهر تأسيًا بجبريل؟ على وجهين.
قوله من "زياداته": صلاة الصبح، وإن كانت نهارية فهي في القضاء جهرية، ولوقتها حكم الليل في الجهر. انتهى كلامه.
واعلم أن هذا الكلام قد فهمه أكثر الناس على غير ما هو عليه، واشتهر ذلك في خاصتهم وعامتهم قاصيهم ودانيهم، وعمل به فقهاؤهم، وقد وفق الله الكريم إلى الحق فيه، وإلى تقريره على المراد منه تقريرًا ظاهرًا، وذلك أنهم توهموا أن الصبح يقضى بالنهار جهرًا لتوهمهم أن المراد من قول النووي: فهي في القضاء جهرية، والحق أنها تقضى فيه سرًا على الصحيح كما هو القياس وكلام "الروضة" يدل على ذلك أيضًا، وتقرير ما في "الروضة" أن الصبح، وإن كانت من صلوات النهار، فحكمها حكم الصلوات الجهرية، إذا قضيت حتى يجهر فيها بلا خلاف إن قضاها ليلًا، ويكون مستثنى من قولهم: من قضى فائتة النهار بالليل فهل يجهر؟ فيه وجهان، إذ النهار عندنا أوله طلوع الفجر كاليوم، وحتى يسر على
стр. 952
الصحيح إن قضاها بعد طلوع الشمس، ويكون ذلك أيضًا مستثنى من قولهم: أن من قضى فائتة النهار بالنهار يسر بلا خلاف.
فقول النووي: فهي في القضاء جهرية، أى فهي صلاة جهرية قد قضيت لا سرية، وإذا حكم بأنه قضاء صلاة جهرية فلا يلزم منه الجهر بها، ألا ترى أنه إذا قضى العشاء نهارًا فقد قضى صلاة جهرية، ومع ذلك لا يجهر.
وأما قول النووي: ولوقتها حكم الليل في الجهر فهي أيضًا مسألة حسنة نبه عليها.
ومعناه أن هذه القطعة من النهار حكمها حكم الليل في الجهر حتى يجهر بلا خلاف إذا قضى فيها المغرب أو العشاء، ويكون مستثنى من قولهم: إن من قضى فائتة الليل بالنهار يسر على الصحيح، وحتى يجهر أيضًا بلا خلاف إذا قضى فيها الصبح ويكون مستثنى من قولهم: إن فائتة النهار تقضى بالنهار سرًا بلا خلاف، وحتى يجهر على الصحيح إذا قضى فيها الظهر أو العصر، ويكون مستثنى من قولهم أيضًا: [إن من قضى] (١) فائتة النهار بالنهار يسر بلا خلاف.
وحاصله أن من طلوع الشمس إلى غروبها محل إسرار، وما عدا ذلك فهو محل جهر، وإن كان فيه قطعة من النهار، وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذا حاصل كلام "الروضة" فاعلمه، وقد ذكر ذلك أيضًا في "شرح المهذب" بعبارة لا لبس فيها فقال ما نصه: قلت: كذا أطلق الأصحاب لكن صلاة الصبح، وإن كانت نهارية، فلها في القضاء [في الجهر] (٢) حكم الليلية ولوقتها فيه حكم الليل، وهذا مراد
стр. 953
الأصحاب. انتهى لفظه بحروفه.
فانظر كيف شرح كلام "الروضة" بما قد قررته وأبدل اللفظة الموهمة بلفظة [توضح] (١) المراد فتأمله.
وصرح بها أيضًا في "شرح مسلم" تصريحًا أبلغ من هذا فقال في باب قضاء الفائتة في الكلام علي حديث الوادي الذي نام فيه النبي ﷺ : إن الصبح إذا قضيت نهارًا تقضى سرًا على الصحيح، وليس بعد هذا النص وقفة، ولو لم يكن في هذا الكتاب سوى هذه المسألة لكان فيها كفاية.
قوله: وإذا اجتمعت حاضرة وفائتة فيستحب البداءة بالفائتة إن لم يضق وقت الحاضرة فإن ضاق وقتها بدأ بها. انتهى.
والتعبير بالضيق وعدمه ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفي "الروضة" وعبر في "المحرر" بالفوات وعدمه، وتبعه عليه في "المنهاج" و"التحقيق"، وكذلك عبر به الشيخ في "التنبيه" وأقره عليه في تصحيحه.
ومقتضى التعبير بالفوات أنه إذا أمكنه فعل الفائتة، وإدراك ركعة من الحاضرة أنه يجوز له فعل ذلك، لأن الحاضرة لم تفت، بل وقعت أداء، لكنهما صححا في الباب الأول من كتاب الصلاة أن إخراج بعض الصلاة عن الوقت لا يجوز، وإن جعلناها أداء فالجواز هنا إنما يستقيم على الوجه المرجوح عندهما هناك، لأن المحافظة على الترتيب سنة، فلا تكون مسوغة لإخراج البعض عن الوقت فضلًا عن استحبابه إلا على تقدير القول بجواز الإخراج، وبتقدير التزام اغتفاره لكونه سنة، وهو المجزوم به في "الكفاية" لابن الرفعة، ففي تعدي ذلك إلى الرواتب نظر، وتعبير الكتاب محتمل لما ذكره في "المحرر" ولغيره، وهذه المسألة قد تقدم الوعد بذكرها في الباب
стр. 954
الأول من أبواب الصلاة.
قوله من "زياداته": ولو تذكر فائتة، وهناك جماعة يصلون الحاضرة والوقت متسع فالأولى أن يصلي الفائتة أولًا منفردًا، لأن الترتيب مختلف في وجوبه، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه، فاستحب الخروج من الخلاف. انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله مردود نقلًا وبحثًا.
أما الأول فلأن النقول متظافرة على استحباب صلاة الحاضرة مع الإمام، كذا صرح به الغزالي في كتاب "الإحياء" في الباب السادس في "أسرار الصلاة"، والبغوي في "فتاويه"، وصاحب "التعجيز" فيه، وفي "مختصر التنبيه" المسمى بالتنبيه، وحكاه في "الشرح الصغير" عن جده، واقتصر عليه، ونقله المحب الطبري شارح "التنبيه" عن صاحب النكت يعني ابن أبي الصيف، وعن غيره ولم ينقل غيره.
ونقل الروياني عن والده أنه قال: يحتمل أن يقال: يصلي العصر في جماعة ثم الظهر، ثم يستحب إعادة العصر. انتهى.
واقتصر عليه.
وأما الثاني فلأنه يؤدي إلى تفويت صلاة الجماعة بالكلية لاسيما إذا كانت الفائتة رباعية، والحاضرة ثنائية، والجماعة قد ورد عليها من الطلب والثواب ما لم يرد في الترتيب ولا في اتفاق صلاة الإمام والمأموم.
وأيضًا فالأمور الثلاثة مشتركة في الاختلاف فيها عند العلماء، وامتازت الجماعة بالاختلاف فيها عندنا، والنووي ﵀ لم ينقل هنا هذه المسألة عن أحد إلا أنه نقل في صلاة الجماعة ما يوهمه، وسنقف عليه هناك.
стр. 955
قوله من "زياداته": أما إذا علم فرضية الصلاة، ولم يعلم أركانها فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعتقد جميع أفعالها سنة.
والثاني: أن يعتقد بعضها فرضًا وبعضها سنة، ولا يعرف تمييزها، فلا تصح صلاته قطعًا، صرح به القاضي حسين، وصاحب "التتمة"، و"التهذيب".
والثالث: أن يعتقد جميع أفعالها فرضًا فوجهان حكاهما القاضي الحسين، وصاحب "التهذيب".
أحدهما: لا تصح صلاته لأنه ترك معرفة ذلك وهي واجبة.
وأصحهما: تصح، وبه قطع صاحب "التتمة" لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدى سنة باعتقاد الفرض وذلك لا يؤثر.
قال في "التهذيب": فإن لم يصحح صلاته ففي صحة وضوئه في هذه الصورة وجهان، هكذا ذكر هؤلاء هذه المسائل، ولم يفرقوا بين العامي وغيره.
وقال الغزالي في "الفتاوي": العامّي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، فإذا غفل عن التفصيل فنية الجملة في الابتداء كافية.
والذي قاله الغزالي هو الظاهر. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ادعاه من القطع بالبطلان في القسم الثاني، وأسنده أيضًا إلى الثلاثة المذكورين ليس بصحيح، فقد ذكر فيه القاضي الحسين في "تعليقه" وجهًا أنه يصح، وعلله باشتباهه على أكثر الناس، ونقله عنه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية"، ورأيته مجزومًا به في "فتاوى القفال"،
стр. 956
وعلله بأن معرفتها غامضة وزاد على ذلك مسألة حسنة فقال: إذا علم أن الفاتحة مثلًا أو الركوع فرض فقال: أنا أفعله أولًا تطوعًا ثم أفعله مرة ثانية فرضًا، ففعله أولًا بنية التطوع وقع عن الفرض، ثم إن ما ذكره النووي مخالف لمقالة الغزالي التي ارتضاها.
والحاصل أن القطع بالبطلان إن ذكر على أنه حكاية عن هؤلاء لم تصح لما ذكرناه من كون القاضي حاكيًا للخلاف، والآخران جازمان لا مصرحان بعدم الخلاف، وإلا فمناقض مناقضة عجيبة، وباطل أيضًا لوجود الخلاف.
الأمر الثاني: أن الأصح من الوجهين في الوضوء هو البطلان أيضًا، كذا صححه النووي في "التحقيق" ولم يصحح شيئًا في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: أن تقيده بالعامي يقتضي أن العالم إذا لم يميز بقصده الفرض من السنة تبطل صلاته وهو المذكور في "فتاوي الإمام"، وفيه نظر.
والظاهر الصحة في العالم أيضًا، فإن تكليفه استحضار العلم بحال كل فعل، وبقصده أيضًا حرج شديد، فلا يعتبر في حق الجميع إلا أن ينوي بالفرض التنفل.
الأمر الرابع: أن حاصل كلامه هنا الجزم بالبطلان عند اعتقاد السنة فيما هو فرض، وهو مشكل على ما سيأتي في الاقتداء بالحنفي وغيره من المخالفين، فإن الأصح صحته، وإن اعتقد أن الفاتحة والطمأنينة وغيرهما من المفروضات سنة.
стр. 957
الباب الخامس في شرائط الصلاة
وهي ستة:
الشرط الأول: الطهارة عن الحدث
قوله: وإن أحدث بغير اختياره كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته، وتبطل صلاته أيضًا على الجديد، لما روى عنه ﵊ أنه قال: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ، وليعد الصلاة" (١) انتهى.
واعلم أن عبارة الرافعي يدخل فيها المكره على الحدث، وقد صرح في "البيان" بذلك فقال: إنه على القولين، لكن ذكر ابن أبي هريرة في "تعليقه" أنه لو عصر بطنه حتى خرج منه حدث بغير اختياره لم تبطل صلاته، ويحتمل أن يقال: إن لم يحصل منه فعل بالكلية كما لو ألقى على امرأة أو ألقيت عليه فهو كالسبق، وإن حصل منه فعل نقض قطعًا كالساهي، وهذه المسألة لا يخرج حكمها من "الروضة" فإنه عبر بقوله: بأن سبقه -أعني بباء الجر- الداخلة على أن لأن التقدير يسبقه وذلك قيد لا يعتبر.
وفسما بفاء مفتوحة، وسين مهملة بعدها ألف، أي: أخرج الريح يقول منه: فسًا فسوًا، والاسم: الفساء بالمد.
والحديث المذكور ضعيف.
قوله: والقديم أنه يتوضأ ويبني على صلاته لما روى أنه -عليه الصلاة
стр. 958
والسلام- قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم" (١).
فعلى هذا قال الصيدلاني: لابد أن يعود إلى الركن الذي سبقه الحدث فيه، فإنه قال: لو سبقه الحدث في الركوع فيعود إلى الركوع، ولا يجزئه غيره.
وقال الإمام: إن سبقه الحدث قبل أن يطمئن عاد، وإن كان بعده فالظاهر أنه لا يعود لأن ركوعه قد تم.
وهذا التفصيل أورده في "الوسيط" ويجوز أن يجري كلام الصيدلاني على إطلاقه، فإن الانتقال من الركن إلى الركن واجب. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن القول بالبناء قد حكاه جماعة منهم ابن الرفعة في "الكفاية" عن "الإملاء"، وهو من الكتب الجديدة.
الثاني: لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح ما قاله الصيدلاني، كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، وفي "شرح الوسيط" المسمى بالتنقيح وعبر فيهما بالأصح، ولم يتعرض لهذه المسألة في "التحقيق"، وفيها كلام آخر تقدم في صفة الصلاة في أواخر الكلام على القيام.
والحديث روى أصله ابن ماجة وغيره، وضعفه البيهقي (٢) قال: والمحفوظ أنه مرسل، ورواياتهم مختلفة وفي بعضها: "من قاء أو قلس"، وهو بقاف وسين مهملة، ومعناه القئ أيضًا، وقيل: القئ الذي لا يملأ الفم.
стр. 959
ويقال: رعف بفتح العين يرعف بالفتح والضم ويقال: رعف بالضم أيضًا في لغة، ضعيفة قاله الجوهري.
قوله: وإذا أراد أن يتوضأ ويبني فيجب عليه أن يسعى في تقريب الزمان وتقليل الأقوال والأفعال بحسب الإمكان، فليس له أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه إن قدر على أقرب منه إلا إذا كان إمامًا لم يستخلف أو مأمومًا يبغي فضيلة الجماعة فهما معذوران في العودة، ذكره في "التتمة"، انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من تقييد الإمام بكونه لم يستخلف قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما ولم ينقله عن "التتمة" كما نقله الرافعي بل أطلق الفعل، ومقتضاه أنه إذا استخلف لا يجوز له العود، وهو غير مستقيم، فإن له أيضًا غرضًا في الجماعة وأى فرق بينه وبين المأموم؟ وصاحب "التتمة" لم يذكر هذا القيد هنا بالكلية بل أطلق جواز الرجوع.
نعم أشار إليه في الكلام على الاستخلاف وقد ذكر القاضي حسين في تعليقه عكس ذلك كله فقال: عندنا على قول البناء لو لم يستخلف جاز، ولا يجوز له أن يعود إلى مكانه فضلًا من أن يجب عليه. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه امتناع العود في حق المنفرد مع أن الصواب إلحاقه بالمأموم حتى يجوز عند قصد الجماعة بل هو أولى بالجواز، وقد صرح بذلك صاحب "التتمة" هنا أيضًا.
وذكر نحوه في "التحقيق" فقال: وليس له الرجوع إلى مكانه إلا لإدراك الجماعة. هذه عبارته وهي عامة.
الأمر الثالث: أن احتمال المشي لإدراك الجماعة ينبغي أن لا يفترق الحال فيه بين أن يكون إلى الموضع الذي كان فيه أو إلى غيره، وإن كان أبعد منه
стр. 960
نظرًا إلى المعنى، وأن لا يجوز العود في عرض الجماعة إلى مكانه إذا أمكنه الوقوف فيما هو أقرب منه.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي أنه يجوز للمأموم أن يصلي حيث شاء، وليس كذلك فإن القدوة باقية مادام الإمام في الصلاة، وفي عدم عوده بطلان الصلاة لمخالفته لإمامه، وهو حرام.
وقد جزم المتولي بذلك فقال: يجب عليه أن يعود أو يخرج نفسه من الاقتداء.
قوله: فلو أخرج بقية الحدث عمدًا، فقد نقل العراقيون وغيرهم عن النص أنه لا يضر، لأن طهارته قد بطلت.
وفي "البيان" عن بعضهم أن العلة فيه احتياجه إلى إخراج البقية.
فعلى الأول: يجوز أن يحدث حدثًا آخر مستأنفًا، وعلى الثاني: لا يجوز.
وخالف الإمام والغزالي فمنعا إخراج بقية الأول. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد تلخص من كلام الرافعي أن الأكثرين في الحدث المستأنف أنه لا يضر، وحكى في "الروضة" الخلاف فيه بدون ترجيح بالكلية ولم يحك أيضًا الاختلاف في التعليل الذي ينبني عليه الخلاف المذكور، وهو عجيب.
الأمر الثاني: أن النووي قد اختلف كلامه في بطلان الصلاة به فقال في "التحقيق": الأصح أنها تبطل، وذكر عكسه في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وإذا أخرج بقية الحدث الأول لم يضر على الصحيح.
والأصح أن علته بطلان الطهارة، وقيل: لأنه محتاج إلى إخراجه لئلا يسبقه مرة أخرى.
стр. 961
فإن أحدث حدثًا آخر فإن قلنا بالأول لم يضر، وإلا فلا. انتهى لفظه بحروفه.
وذكر مثله في "شرح الوسيط" المسمى بالتنقيح.
[الشرط الثاني: طهارة النجس] (١).
قوله: وقال النبي ﷺ لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (٢) انتهى.
وما ذكره الرافعي من أن أسماء هي المقول لها قد اعترضوا عليه فيه، وعلى من ذكر كما ذكر فقالوا: إنها راوية الحديث لا صاحبة الواقعة، ففي الصحيحين عن أسماء أن امرأة سألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء"، وفي رواية: "فلتقرصه ثم لتنضحه بماء".
قال في "شرح المهذب": وليس في الصحيح أن أسماء هي السائلة، ولا في كتب الحديث المعتمدة لكن رواه الشافعي في "الأم" كذلك في رواية ضعيفة بعد أن رواه عن أسماء أن امرأة سألت.
والحت: بالتاء المثناة كما قاله الجوهري هو الحك.
والقرص: بالصاد المهملة هو التقطيع والقلع بالظفر.
قوله: ويلزمه قطع موضع النجاسة إذا تعذر الغسل وأمكن ستر العورة بالطاهر منه ولم ينقص من قيمته أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره. انتهى.
وما ذكره من اعتبار النقصان بمقدار الأجرة، ذكره المتولي في "التتمة"
стр. 962
فتابعه عليه الرافعي ثم النووي، والصواب اعتبار أكبر الأمرين من ذلك من ثمن الماء لو اشتراه مع أجرة غسله عند الحاجة، فإن كلًا منهما لو انفرد لكان يجب عليه تحصيله.
وأنكر الشاشي كلام المتولي وقال: الوجه أن يعتبر ثمن الثوب لا أجرته، لأنه يلزمه شراؤه بثمن المثل، والذي قاله ضعيف.
لأنا إنما أوجبنا الشراء لبقاء العين، وفي الأجرة خروج المالية كما في القطع.
قوله: ولو غسل أحد نصفيه ثم غسل النصف الآخر ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة.
وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الباقي القدر الذي تجاوز من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان فقط. انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي في هذه المسألة قد ذكر مثله في "المحرر"، وتابعه عليه النووي في "الروضة " و"المنهاج" و"شرح المهذب" هنا ثم صحح خلافه في "شرح المهذب" أيضًا من أواخر باب إزالة النجاسة فقال: الصحيح الخلاف كان ذلك في جفنة بأن وضع نصفه ثم صب عليه ما يغمره فلا يطهر لأن هذا الماء يلاقي جزءًا ما لم يغسله، وذلك الجزء نجس، وهو وارد على ما دون القلتين فينجسه، وإذا نجس الماء نجس الثوب، وإن غسل نصفه في غير جفنة ولكن يصب الماء عليه طهر.
قوله: ولو نجس واحد من موضعين منحصرين أو مواضع، وأشكل عليه كما لو نجس أحد الكمين فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله، وصلى فيه، فوجهان:
أصحهما عن المعظم: أنها لا تصح، لأن الثوب واحد فقد تيقن نجاسته،
стр. 963
ولم يتقين الطهارة فلو فصل أحدهما جاز الاجتهاد، ويجري الوجهان في اليدين والأصابع، وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معًا لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستقين الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز لأنهما سيان ولو غسل أحد الكمين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصلاة فيما لم يغسله واردة على الخلاف. انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: "على الخلاف" يجوز أن يريد به الخلاف المحكي في أصل المسألة حتى يكون الصحيح فيه أيضًا المنع، وهو الذي فهمه النووي في "شرح المهذب" فتأمله، ويجوز أن يريد به الخلاف الأخير المذكور قبل هذه المسألة، وهو أظهر في المعنى خصوصًا إذا كان مستحضرًا لطرق الاجتهاد فإنه لا سبيل معه إلى المنع، وقد ذكر في "شرح المهذب" صورة أخرى، وهي ما إذا كان الغسل بغير اجتهاد وحكى فيها وجهين عن "التتمة"، وصحح المنع.
وهو في هذه الصورة متجه، ويجوز أن تكون هى [التي] (١) أرادها الرافعي، ويكون صنعه "بلا" اجتهاد أعني بلا النافية، ولكن تحرفت.
قوله: وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد فتجوز الصلاة في كل واحد منهما وحده بلا خلاف. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك، ففي المسألة وجه أنه لا يجوز في الذي لم يغسله، كذا حكاه القاضي الحسين في "تعليقه"، وقال: فيه الوجهان في صلاته بالاجتهاد مع إمكان صلاته في ثوب طاهر بيقين، وحكاه أيضًا في "التتمة" ونقله في "شرح المهذب" عنه، بل حكى المرعشي في "التقاسيم" قولًا أنه لا يجتهد في الثياب بالكلية إلا في السفر بخلاف الأواني.
стр. 964
قوله: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طاهرًا سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده أو لا كذنابة العمامة. انتهى.
الذنابة بذال معجمة مضمومة، بعدها نون وبعد الألف باء موحدة هو ذنب الوادي وغيره، كذا قاله في "ديوان الأدب" في باب فعال بضم الفاء، ولم يذكره في باب فعال بكسرها.
ثم قال: إنها أعني بالكسر ما بين القلعتين أي المكانيين المرتفعين من مسايل الماء.
وقال الجوهري في "الصحاح": الذنب واحد الأذناب، ثم قال: والذناب بكسر الذال عقب كل شئ، وذنابة الوادي أيضًا: الموضع الذي ينتهي إليه. هذا كلامه.
وسياقه يقتضي أن الذنابة أيضًا بالكسر.
وقد ضبطه هو أيضًا بذلك.
وقد عبر النووي في "الروضة" عن هذه اللفظة بقوله: كذؤابة العمامة، أعني بالهمزة بعد الذال ولا شك أن الذأبة قد تطلق على الطرف المرخي من العمامة، ولكنه مجاز، فإن الذأبة اسم للشعر، والجمع: ذوائب، كذا قاله الجوهري وغيره.
والظاهر أن النووي إنما عدل عن "الذنابة" إلي "الذؤابة" لتوهمه أنه تحريف.
وعبر في "الروضة" قبيل صلاة العيد بالعذبة وهو أيضًا مجاز، فإن العذبة تقال على غصن الشجرة، وتقال أيضًا على أحد السيرين الرفيعين اللذين في طرفي السوط.
قوله: ولو قبض طرف حبل أو ثوب بيده أو شده في وسطه طرفه الآخر نجس أو ملقى على نجاسة فوجهان:
стр. 965
أحدهما: تبطل صلاته كما في العمامة، وكلام الأكثرين يدل على أنه أرجح.
والثاني: لا، لأنه ليس محمولًا، وخصص الإمام والغزالي هذين الوجهين بما إذا لم يتحرك الطرف الملقى على النجاسة، وجزما بالمنع عند تحركه.
ولم أر ذلك إلا لهما، ولمن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالًا، وجعل صاحب "التهذيب" صورة الشد أولى بالمنع من القبض. انتهى موضع الحاجة ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي أيضًا في "المحرر" قد صحح البطلان فقال: إنه أظهر الوجهين، لكن خالفه في "الشرح الصغير" فقال: أوجه الوجهين أنها لا تبطل، ولم يذكر ترجيحًا غيره.
الأمر الثاني: أن هذا الإرسال الذي حكاه الرافعي عن الأكثرين لا يلزم منه أن يكون ذهابًا منهم إلى تعميم الخلاف، بل حاصله إطلاق يحتمل أن يكون المراد به التعميم، وأن يكون المراد به التقييد، كما ذهب إليه الإمام والغزالي ولم يبين الرافعي هنا ذلك، وقد بينه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فإنه جزم فيهما بالتقييد، ولم يحك الخلاف إلا مع عدم الحركة.
وقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه، فإنه عبر عن قول الرافعي: "والوجهان أرسلهما الأكثرون" بقوله: الأكثرون قالوا: إنه لا فرق بين أن يتحرك بحركته أم لا، وهو غلط لما تقدم، ثم إنه يوهم الواقف عليه أن الرافعي ناقض كلامه مع أنه ليس كذلك فاعلمه.
قوله: وإن كان طرف الحبل ملقى على ساجور كلب أو مشدودًا فيه فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وأولى بالصحة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور فيكون أبعد عن النجاسة، ولو كان
стр. 966
طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر فعلى الخلاف في الساجور، وأولى بالصحة منه، لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل، وأجزائه بخلاف الحمار، وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة، حصل في الجواب ثلاثة أوجه:
أحدها: يصح.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجسًا أو متصلًا بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا يصح، وإن كان متصلًا بشئ طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة كما لو كان مشدودًا إلى ساجور أو خرقة، وهما في عنق [حمار] (١)، وعليه حبل نجس فلا بأس. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من حصول ثلاثة أوجه فقط تبعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل الحاصل أربعة لأنه ذكر ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون طرف المأخوذ نجسًا أو متصلًا بنجاسة.
الثانية: أن يكون طرفه على ساجور كلب أو مشدودًا بساجور.
الثالثة: أن يكون طرفه على موضع طاهر من حمار وعلى ذلك الحمار نجاسة في موضع آخر، وجعل الثانية أولى بالصحة من الأولى، والثالثة أولى بذلك من الثانية، فتحصل أربعة أوجه:
أحدها: يصح في الثلاث.
والثاني: يبطل فيها.
والثالث: يبطل في الأولى والثانية ويصح في الثالثة.
والرابع: يبطل في الأولى فقط، ويصح في الثانية والثالثة.
стр. 967
واعلم أنك إذا لمحت ما نقله الرافعي عن "التهذيب" في الشد كثرت الأوجه، لأن تلك الأربعة المتقدمة تجري في الأخذ والشد، ويأتي خامس وهو أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثلاث.
ووجه سادس: وهو أنه لا يصح مع الشد ويصح مع الأخذ في المسألة الثانية فقط.
وسابع: أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثانية والثالثة فقط، ويأتي على ما فهمه النووي من أن الخلاف عند الأكثرين يجري فيما تحرك، وما لم يتحرك وجوه أخرى فيقال:
الثامن: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثلاث.
والتاسع: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة فقط.
والعاشر: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة والثانية فقط.
الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "أصل الروضة" البطلان في مسألتي الساجور والحمار، وهو صحيح مأخوذ من كلام الرافعي، فإنه قال عقب ذلك: وأطلق -يعني الغزالي- الكلام في الكلب، وهكذا نقل الشيخ أبو محمد والصيدلاني وابن الصباغ.
وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان الكلب صغيرًا أو ميتًا، وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف، لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى يجره.
وإن كان الكلب كبيرًا حيًا، فأصح الوجهين أنها تبطل أيضًا لأنه حامل لشئ متصل بالنجاسة.
والثاني: لا، لأنه يمشي باختياره فله قوة الامتناع، هذا كلامه.
وهذا الكلام الذي نقله الرافعي، عن الأكثرين يقتضي الصحة في
стр. 968
مسألتي الساجور والحمار كما تقدم ذكره، وذلك لأن الرافعي قد تكلم فيما صوره الغزالي، والغزالي إنما فرضها في الحبل المشدود بالساجور لا بالكلب نفسه فلزم القول به في نظائرها كلها، سواء كان حيوانًا أم لا.
فإن العلة هي اتصاله بنجس.
قوله: وإن كان الحبل مشدودًا بالسفينة، وموضع الشد طاهر وفي السفينة نجاسة، فإن كانت صغيرة تبحر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرة فلا بأس، وفيها وجه بعيد. انتهى.
وصورة المسألة كما قاله في "الكفاية": أن تكون السفينة فى البحر، فإن كانت في البر لم تبطل قولًا واحدًا صغيرة كانت أو كبيرة.
قوله: وإن جبر عظمه بعظم نجس فينظر إن احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يقوم مقامه فهو معذور وليس عليه نزعه سواء خاف من النزع أم لا، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرًا يقوم مقامه نظر إن لم يخف محذورًا يبيح التيمم وجب النزع، ولا عبرة بالألم لأنه حامل نجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها وقيل: إن اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن خاف الهلاك فوجهان: المذهب منهما أنه لا يجب.
وقال الغزالي: في المسألة قولان: المنصوص منهما أنه لا يجب.
والمخرج وجوبه، وهو من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به الرافعي، واقتضى كلامه عدم الخلاف فيه من أن غير المتعدى لا يلزمه النزع، وإن انتفى الخوف، قد ذكر في "النهاية" خلافه، وكذلك المتولي في "التتمة" وابن الرفعة في "الكفاية" وغيرهم، ورأيت في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي نحوه أيضًا.
стр. 969
وحاصل كلام "التتمة" أن غير المتعدى إن لم يخف يجبر على القلع قطعًا، وإن خاف فعلى قولين، وفي كلامه فائدتان أيضًا:
إحداهما: أنه إذا جبر عظمه بعظم نجس فلم ينجبر به، ووجد عظمًا طاهرًا يجبر به، فإنه يؤمر بقلع النجس بلا خلاف من غير فرق بين المتعدي وغيره.
والثانية: أن من احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يجبر به، أو كان لا ينجبر بما يجده من العظام الطاهرة ففي جواز الإقدام على الجبر بالنجس وجهان مبنيان على أنه لو جبر هل يؤمر بقلعه أم لا؟
وأما الإمام فصرح بالخلاف في غير المتعدي وكلامه في المتعدي محتمل.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن سائر الأصحاب لم يحكوهما إلا وجهين، غريب، فقد حكاهما المتولي في "التتمة" قولين فقال: فأما إذا كان قد انجبر العظم، وخاف من قعله الهلاك [فهل] (١) يؤمر بالقلع أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يؤمر به، وإذا امتنع أجبر عليه، حكاه المزني في "مختصره" ثم قال: والقول الآخر: أنه لا يجب القلع وهو الصحيح. انتهى كلامه.
ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في هذه المسألة، ولذلك فإنه كلام "النهاية" و"التتمة".
قوله: وحيث أوجبنا النزع فمات قبله ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المنصوص-: أنه لا ينزع لأن فيه مُثلة، وهتكًا لحرمة الميت ولأن النزع في حال الحياة إنما أمر به محافظة على الصلاة، فإذا مات سقط التعبد.
والثاني: أنه ينزع لئلا يلقى الله تعالى حاملًا للنجاسة. ومنهم من خصص هذا الوجه بما إذا لم يستتر باللحم ثم قال: فإن قلنا بالمنصوص
стр. 970
فقضية التعليل بهتك الحرمة أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني أنه يجوز.
وإذا قلنا بالوجه الثاني، وهو أنه ينزع فمنهم من قال: يجب، ومنهم من قال: الأولى. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد حذف الخلاف المأخوذ من الاختلاف في التعليل، واقتصر في "المهذب" على التعليل الثاني، وهو المحافظة على العبادة، وتبعه عليه النووي في "شرحه"، وبذلك يترجح عدم التحريم.
الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الأخير هو: الوجوب، كذا صححه النووي في "الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
وجزم في "المحرر" بأن الخلاف في الوجوب فقال: فإن مات فالأصح أنه لا يجب النزع هذا لفظه، ولم يصرح به في "المنهاج".
قوله: واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس وخياطته بالخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، وكذلك لو شق موضعًا من بدنه، وجعل فيه دمًا، وكذا لو وشم يده بالنوور أو العظم فإنه ينجس عند الغرز انتهى كلامه.
النوور بنون مفتوحة ثم واو مضمومة بعدها واو ساكنة ثم راء مهملة.
قال الجوهري: هو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر، ولك أن تقلب الواو المضمومة همزة، وقد نور ذراعه إذا غرزها بإبرة ثم در عليها النوور، هذا كلامه.
وأما العظم فهو بعين مهملة مكسورة، وظاء معجمة مشالة ساكنة، ولام مكسورة، كذا ضبطه الفارابي في "ديوان الأدب"، وقال: إنه نبت. وقال الجوهري: إنه نبت يصبغ به.
стр. 971
واعلم أن هذه اللفظة قد تحرفت على النووي في "الروضة" بالعظام فقال: وكذا لو وشم يده بالعظام أو غيرها، هذه عبارته.
قوله: والأصل فيه ما روى عن رسول الله ﷺ أن قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة، [والواشمة] (١) والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة أي فاعلة ذلك، وسائلته. والواشرة هي التي تشر الإنسان حتى تكون لها أشر، وهو التحدد. انتهى.
والأشر مضموم الهمزة وسكون الشين [ويجوز فتح شينه ويقال فيه الأشور أيضًا، والمفرد أشره بضم الهمزة وسكون الشين] (٢)، وتقول: نشرت الخشبة بالمنشار بالنون فيهما بمعنى قطعها وأشرتها بالمنشار بالهمز فيهما أيضًا ووشرتها بالواو، واسم الآلة على هذا بالتاء، قاله الجوهري مفرقًا.
وإنما قيل في الأخير بالتاء لوقوع الواو فيه ساكنة بعد كسرة كما في الميقات والميزان المأخوذين من الوقت والوزن.
والحديث المذكور ثابت في الصحيحين، لكن على تغيير لبعض الألفاظ.
قوله في أصل "الروضة": فرع: وصل المرأة شعرها بشعر نجس أو شعر آدمي حرام قطعًا. انتهى.
وما ذكره من دعوى القطع على تحريم الوصل بالشعر النجس غريب جدًا مخالف للمعنى ولكلام الأصحاب حتى الرافعي.
أما المعنى: فإن الاستعمال بالتضمخ أبلغ.
ومع ذلك فإن فيه خلافًا شهيرًا، وأقوالًا للشافعي.
стр. 972
وأما الرافعي فعبارته صريحة في إثبات الخلاف فإنه قال: اعلم أن وصل الشعر حرام وفاقًا في بعض الأحوال، وخلافًا في بعضها، ثم قد يحرم لمعنى واحد، وقد يجتمع له معانٍ.
وتفصيله أن الشعر إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم يتفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملًا للشئ النجس العين في بدنه استعمال إيصال وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني، ونظيره الادهان بالدهن النجس ولبس جلد الكلب والخنزير والميتة، والامتشاط بمشط العاج، كل ذلك حرام على الأصح.
هذا لفظ الرافعي وهو صريح في إثبات الخلاف، إلا أن يكون في حالة الصلاة فيحرم قطعًا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه وصلًا من حيث هو.
وقد اغتر النووي بما وقع فيه من "الروضة" فنقله إلى "شرح المهذب" على عادته.
قوله: فأما شعر الآدمي فحرام لأن من كرامته أن لا ينتفع بشئ منه بعد انفصاله عنه بل يدفن، وأيضًا فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة أن تنظر إليه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تحريم نظر المرأة إلى الرجل قد خالفه في أوائل كتاب النكاح فصح جواز نظرها لما عدا العورة على خلاف ما صححه النووي، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
стр. 973
الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الانتفاع والدفن.
فأما [حكم] (١) الانتفاع: فحرام، وقد صرح به هنا في "أصل الروضة"، وبهذا يتبين عدم صحة بيعه، ولأنه غير مملوك له أيضًا.
نعم: في الصحيحين أنه ﵊ لما حلق رأسه بمنى ناول شعره أبا طلحة فقسمه بين الناس، والمحقق في هذه القسمة ثبوت الاختصاص فقط.
وأما الدفن: فأطلق الرافعي في أوائل الصلاة على الميت باستحباب دفن جميع ما ينفصل من الحي حتى دم الفصد والحجامة، وكذلك المضغة والعلقة.
وإطلاقه يقتضي عدم الوجوب أيضًا في اليد ونحوها، وفيه شئ يأتيك في الجنائز ورأيت في كتاب الحج من "الإملاء" للشافعي أن استحباب الدفن في الشعر الحسن آكد لئلا يؤخذ للوصل.
قوله في "الروضة": وأما الشعر الطاهر لغير الآدمي، فإن لم تكن ذات زوج، ولا سيد حرم الوصل به على الصحيح، وعلى الثاني: يكره. وإن كانت ذات زوج أو سيد فثلاثة أوجه: أصحها: إن وصلت بإذنه جاز، وإلا فلا انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد جزم في باب السواك من كتاب "التحقيق" بالتحريم مطلقًا فإنه قال: وأما تحميرها وَجْنَة وخضب بسواد وتطريف أصابع به وتجعيد شعر فحرام إلا بإذن زوج وسيد على المذهب؛ ثم قال بعد ذلك ما نصه: ويحرم عليها وصل الشعر والوشم والوشر، هذا لفظه.
والمذكور في "الروضة" قد تبعه عليه في "شرح المهذب"، وبين فيه
стр. 974
أن التحريم مطلقًا قوى في الدليل لكنه مخالف للأكثرين، فالفتوى حينئذ على المذكور هنا.
الأمر الثاني: أن تقييده بالشعر يوهم جواز الوصل بغيره كالصوف والخرق وغيرهما، وهو مذهب الليث بن سعد. والذي جزم به العمراني أنه كالشعر، ونقله في "شرح المهذب" عن جمهور أهل العلم قال: وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر أن النبي ﷺ زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا" (١).
قال: فأما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه.
قوله أيضًا في "الروضة": أما تحمير الوجنة فإن كانت خلية من الزوج والسيد، أو كان أحدهما وفعلته بغير إذنه فهو حرام، وإن كان بإذنه فجائز على المذهب.
وقيل: وجهان كالوصل. انتهى.
واعلم أن ما ذكره من تصحيح طريقة القطع لم يذكره الرافعي، بل مقتضى نقله تصحيح طريقة الوجهين.
وأما القطع فبحث للإمام فإنه قال: واعلم أن الصيدلاني والقاضي حسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجه كوصل الشعر الطاهر، واستبعد إمام الحرمين الخلاف فيه مع الإذن بخلاف الوصل، فإن النهي ورد فيه.
انتهى ملخص نقل الرافعي، وليس فيه نقل غيره، ولا بحث، فكان صوابه أن يقول: فجائز على الأصح، وقيل: قطعًا.
هذا إن جعلنا الاستبعاد المذكور وجهًا على ما فيه من البعد.
ثم إن كلامه يقتضي القطع في القسمين الأولين وليس كذلك، وهذا
стр. 975
الغلط الذي وقع من تصرفه عزاه في "شرح المهذب" إلى الرافعي فاجتنبه؛ فإن كلام الرافعي يدل على جريان الخلاف في الأحوال كلها، إذ هو مثل الوصل، أو بالجواز أولى كما قاله الإمام.
وقد سبق في الوصل جريان الخلاف في الجميع ثم إنه يؤخذ منه الخلاف في الخلية والمزوجة عند عدم الإذن، ولا يؤخذ من "الروضة" فاعلمه.
قوله: وأما الوشم فحرام مطلقًا والوشر وهو تحديدًا أطراف الأسنان وترقيقها كالوصل بشعر طاهر. انتهى.
وقد تقدم أن الوصل فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: إن أذن فيه الزوج أو السيد جاز، وإلا فلا. فيكون وشر الأسنان أيضًا فيه هذا التفصيل.
إذا علمت ذلك فقد تبعه النووي في "الروضة" على ما ذكره في الوشر، وجزم في هذا الباب من "شرح المهذب" بما يخالفه، فإنه تكلم على الوصل، وتحمير الوجنة والخضاب بالسواد وفصل فيها بين أن يأذن الزوج والسيد أم لا، ثم قال ما نصه: وأما الوشم والوشر فحرام على الرجل والمرأة لقوله ﷺ : "لعن الله الواشرة والمستوشرة" (١). انتهى لفظه، ولم يذكر غير ذلك.
وذكر مثله أيضًا في "شرح مسلم"، وكذلك في باب السواك من "التحقيق".
قوله في "الروضة": وأما المكان فيجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلى، وثيابه في موضع الصلاة طاهرًا، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل يعتبر في جهة العلو، والجوانب المحيطة حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نجس أو سقف نجس بطلت صلاته، ثم قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو
стр. 976
بطنه أو شيئًا من بدنه في سجوده أو غيره نجسًا صحت صلاته على الأصح. انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: أو غيره [يقتضي] (١) جريان الخلاف فيما يحاذيه من الأعلى والجوانب كسقف البيت وحيطانه، ولا يتأتي القول به، بل كلامهم صريح في عدم اشتراطه.
وتصوير الرافعي، وتعليله يخرجه فإنه قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئًا من بدنه في السجود نجسًا فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه موضع صلاته.
وأصحهما: أن صلاته صحيحة لأنه ليس حاملًا للنجاسة ولا ملاقيًا لها، هذه عبارته.
فتقييده السجود وتعليله بكونه موضع صلاته مخرج لما ذكرناه، فحذف النووي التعليل، وعبر بقوله في سجوده أو غيره، وهو ذهول عجيب.
نعم ذكر الطبري في "شرح التنبيه" أنه يكره استقبال الجدار النجس أو المتنجس.
وذكر القاضي حسين أن الوجهين جاريان فيما لو كان ينتفل ماشيًا، وكان بين خطوتيه نجاسة لم يصبها شيء من بدنه، وفيما إذا كان على النجاسة ثوب شفاف ترى من تحته النجاسة ولا تلقى شيئًا من بدن المصلى أو ثيابه.
كذا نقله في "الكفاية" عنه، ولا يؤخذ ذلك من تعبير الرافعي.
قوله: ولو اشتبه مكان من بيت أو بساط لم يجز التحري في أصح الوجهين كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.
والثاني: يجوز كما لو اشتبه ذلك في الصحراء. انتهى.
стр. 977
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يقتضي الجزم بالاجتهاد في الصحراء، وقد تابعه النووي في "الروضة" عليه، ثم خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجتهد في الصحراء.
وقال البغوي: يجتهد. وهو شاذ. هذا كلامه. وهو اختلاف عجيب، وأشار الرافعي بالبيت والبساط ونحوهما إلى المحل الصغير وبالصحراء إلى الواسع، وبه صرح في "المهذب"، وغيره، حتى لو كان البيت والبساط كبيرين كانا كالصحراء، وإذا جوزنا الصلاة في المكان المتسع فله أن يصلي في جميعه إلى أن يبقى موضع قدر النجاسة، كذا حكاه في "شرح المهذب" عن المتولى، وحكى في "الروضة" في نظيره من الأواني وجهين:
أصحهما: كذلك.
والثاني: إلى أن يبقى عدد لو كان عليه ابتداء لم يكن له أن يجتهد وهو العدد المحصور.
ومن نظائر المسألة: ما إذا اشتبهت محرم بنسوة غير محصورين، والأصح فيه أنه يتزوج ما شاء منهن إلى أن يبقى عدد محصور، والفرق بين هذه، وبين ذينك أن الأصل في أفراد كل منهما الجواز، والمنع طارئ بخلاف نظيره من النكاح.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا بأوراق في الكلام على غسل الثوب أنه إذا اشتبه موضع النجاسة، ولم ينحصر في موضعين أو مواضع محصورة فلا يجوز الاجتهاد، وأن انحصر كالكمين فعلى وجهين: أصحهما عند المعظم المنع أيضًا، وحينئذ فما ذكره الرافعي هنا في البساط ونحوه إن كان عند حصر النجاسة في موضع أو موضعين فالوجهان جاريان في نظيره من الثوب أيضًا، فكيف يستدل لأحد الوجهين بالقياس عليه،
стр. 978
وإن كان عند عدم الانحصار فقد سبق أنه لا يأتى الوجهان بالكلية، وبهذا يضعف أيضًا ما وقع فيه من الاجتهاد في الصحراء.
قوله: روى ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي والحمام، وأعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله العتيق" (١). ويروى المقبرة بدل بطن الوادى.
فأما المزبلة والمجزرة فالمعنى فيهما النجاسة فلو فرش عليه شيئًا صحت الصلاة، وبقيت الكراهة لكونه مصليًا على نجاسة وإن كان بينهما حائل.
وأما قارعة الطريق فللنهي فيها معنيان:
أحدهما: غلبة النجاسة.
والثاني: اشتغال القلب بسبب مرور الناس واختلفوا كما قاله في "التتمة" في أن العلة منهما ماذا؟
قال: فإن قلنا بالمعنى الأولى جرى النهي في جواد الطرق في البراري.
وإن قلنا بالثاني فلا، ولو فرش شيئًا طاهرًا وصلى صحت الصلاة قطعًا، وتبقى الكراهة لشغل القلب. انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن الأصح من هذين المعنيين هو الثاني كذا صححه النووي في "التحقيق" فقال: وقارعة الطريق في البنيان، وقيل: وفي البرية، وصححه أيضًا في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في طرق البراري الخلية من الناس من عدم الكراهة فيها تفريعًا على المعنى الثاني، وهو اشتغال القلب يقتضى أيضًا
стр. 979
عكسه، وهو أنه إذا لم يقف في طرق البلد، ولكن استقبلها فإنها تكره على الثاني دون الأول، وهذا كله عجيب، فقد سبق من كلام الرافعي فيما نقلناه الآن عنه أن الشغل كاف في الكراهة، وذكر في الكلام على المقبرة أن الغلبة كافية أيضًا فيها.
وحينئذ فتكره الصلاة في القسمين جميعًا إلا أنها لمعنى واحد لا لمعنيين، وبه صرح في "الكفاية" أيضًا.
الأمر الثالث: أنه قد تلخص من مجموع كلام الرافعي أن فرش الطاهر يزيل الكراهة فيما غلبت فيه النجاسة دون ما تيقنت فيه فتأمله، وتفطن له، وهو ظاهر، لأن عدم التحقق قد ضعف بالحائل والكلام على الحديث يأتي عقب هذه المسألة.
قوله: وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل فيجوز أن يقال: لا كراهة وتحتمل الكراهة لمطلق النهي. انتهى.
اعترض النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه على الرافعي باعتراض صحيح فقال: تبع الإمام الرافعي، الغزالى، وإمام الحرمين في إثبات النهي عن الصلاة في بطون الأودية مطلقًا، ولم يجئ في هذا نهي أصلًا، والحديث الذي جاء فيه ذكر المواطن السبعة ليس فيه الوادي، بل فيه المقبرة بدلًا منه، ولم يصب من ذكر الوادي، وحذف المقبرة.
والحديث من أصله ضعيف ضعفه الترمذي وغيره وإنما الصواب ما ذكره الشافعي ﵁ فإنه كره الصلاة في وادٍ خاص، وهو الذي نام فيه رسول الله ﷺ ، ومن معه عن الصبح حتى فاتت، وقال: اخرجوا بنا من هذا الوادي، وصلى خارجه. هذا كلام النووي.
واعلم أن الترمذي لما روي هذا الحديث قال: إسناده ليس بذاك القوى.
стр. 980
قال: وهو أشبه وأصح من حديث عمر، هذا كلامه.
وهو إلى تصحيحه أقرب من ضعفه.
قوله: وأما أعطان الإبل، فقد فسرها الشافعي ﵁ بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استقت، ولا كراهة في مراح الغنم، وهو مأواها ليلًا.
روي أنه ﷺ قال: "إذا أدركتكم وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها، وصلوا فإنها جن خلقت من جن ألا ترى إذا نفرت كيف تشمخ بأنافيها" (١).
والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الصلاة في مأوى الجن والشياطين مكروهة.
والثاني: أنه يخاف من نفارها وذلك يبطل الخشوع، والمعنيان لا يوجدان في المراح، وقد يتصور في الغنم مثل ما يتصور في أعطان الإبل وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظرًا إلي المعنى، وهذا كله إذا كان الموضع طاهرًا، فإن كان نجسًا لم يصح فيها. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: وحكمهما واحد ظاهره: أن حكم العطن، وما يتصور مثله في الغنم واحد وليس كذلك، بل مراده أن حكم المتصور مثله في الغنم، وحكم المراح واحد، فاعلم ذلك.
وقد صرح به هكذا في "الشرح الصغير" وفي "أصل الروضة".
الأمر الثاني: أنه قد وقع في "شرح المهذب" أن كراهة الصلاة في
стр. 981
العطن والحمام: كراهة تحريم، ذكر ذلك في باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، فإنه لما صحح أن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم علله بقوله لثبوت الأحاديث في النهي.
وأصل النهي للتحريم كالصلاة في أعطان الإبل والحمام. هذه عبارته. والذي ذكره فيها سهو.
الأمر الثالث: إذا كانت هذه الأمكنة نجسة ففرش عليها ثوبًا طاهرًا صحت صلاته، ولكنها تكره، أما في المراح فالمعنى واحد، وهو محاذاة النجاسة كما صرح به الرافعي، والنووي في مواضع من هذا الباب.
وأما في أعطان الإبل فلمعنيين:
أحدهما: هذا.
والثاني: خوف النفار، ووقع في "شرح المهذب" أنها لا تكره مع الفرش في مراح الغنم، وهو ذهول أيضًا فاعلمه واجتنبه.
وكلام الشرح و"الروضة" في المسألة ملبس، وهو الذي أوقع النووي فيما وقع؛ على أن القاضي حسين قد قال: إنه لا كراهة مع الفرش مطلقًا.
الأمر الرابع: أنه قد سكت عن حكم النفر، وكذلك سكت عنها أيضًا لمعظم، وقد رأيته في "الإشراف" لابن المنذر من أصحابنا، وحاصل ما ذكره إلحاقها بالغنم، ثم نقله أيضًا عن عطاء ومالك، وصرح به أيضًا المحب الطبري في "الإحكام" واعلم أن الحديث المذكور رواه الشافعي، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف عند المحدثين، لكنه ثقة عند الشافعي.
نعم: معناه ثابت، ففي "صحيح مسلم" (١) من حديث جابر بن سمرة
стр. 982
أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: أصلى في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".
وروي ابن ماجة من حديث عبد الله بن مغفل: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" (١) وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه.
وأما الإخبار عن الغنم بأنها بركة فرواه أبو داود من حديث البراء بن عازب. وروي البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أنها من دواب الجنة.
قوله: وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال: إلى آخره.
اعلم أن المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة كما تقدم غير مرة.
والذي دَلَّ عليه كلام القاضي كما قاله في "الكفاية" أن الكراهة لحرمة الموتى، ومن المعنيين يظهر أن صورة المسألة ما إذا حاذى الميت حتى إذا وقف بين الموتى فلا كراهة إلا أن ابن الرفعة بعد ذكره للمعنيين السابقين قال: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها، هذه عبارته وما ذكره في النجاسة من الكراهة خلفها وفي جانبها يعضده ما سبق نقله عن الطبري بنحو ورقتين من كراهة استقبال الجدار النجس.
وأما ما ذكره من الكراهة في جانب القبر وإليه ففيه نظر، ويحتاج إلى نقل إلا إن يعلل بكونه موضع الشياطين.
قوله: إحداها: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر يعض عنه
стр. 983
مع نجاسته، فلو لاقى ماءًا قليلًا نجسه. انتهى.
وما ذكره من تنجيسه للماء القليل، قد ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وصرح في موضعين من "شرح المهذب" بأنه لا خلاف في تنجيسه.
الأول في "كتاب الطهارة" قبل باب ما يفسد الماء من الاستعمال فقال: ولو انغمس فيه مستجمر بالأحجار نجسه بلا خلاف، هذا لفظه.
والثاني في آخر باب الاستنجاء فقال: ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو في ماء دون قلتين نجسه بلا خلاف. هذه عبارته أيضًا.
ولم يذكرها في غير هذا الموضع من الشرح المذكور إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر المسألة في "التحقيق" قبل باب ستر العورة، وحكى فيها وجهين، وزاد على ذلك فجعل الخلاف قويًا، فإنه قال: ولو وقع في ماء قليل أو مائع فالأصح تنجيسه لمستنج دون طائر وفأرة، ونحوهما. هذا لفظه والصواب: ما في "شرح المهذب" فإن المذكور في "التحقيق" مأخوذ من كلام موهم ذكره هنا في "شرح المهذب".
قوله: ولو حمل المصلى من استنجى بالحجر أو من على ثوبه نجاسة معفو عنها لم تصح صلاته في أصح الوجهين، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق ولوث محل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز بخلاف حمل الغير. انتهى.
تابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وكذلك في هذا الباب من "شرح المهذب" وحاصله أن الخلاف إنما هو في المجاور لمحل النجو، فإن الصحيح فيه العفو، ثم ذكر -أعني النووي- ما يخالفه في آخر باب الاستنجاء من الشرح المذكور فقال ما نصه: الرابعة: إذا استنجى بالأحجار فعرق محله، وسال العرق منه، وجاوزه وجب غسل ما سال إليه، وإن لم يجاوزه فوجهان:
стр. 984
الصحيح: أنه لا يلزمه شئ لعموم البلوى، وذكر مثله في التصنيف الذي شرع فيه، وهو المسمى "بمهمات الأحكام" في الاستنجاء أيضًا فقال: ولو عرق المحل وجب غسله إن سال، وإلا فلا. وذكر المسألة في "التحقيق" في آخر باب الاستنجاء فقط موافقًا لما في "شرح المهذب" هناك.
قوله: ولو حمل بيضة صار حشوها دمًا لم تصح صلاته في أظهر الوجهين. انتهى.
تابعه النووي على تصحيح البطلان في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وصححه أيضًا في هذا الباب من "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح".
وخالف ذلك في أوائل "شرح الوسيط" المذكور في الكلام على النجاسات فقال ما نصه: [والأظهر] (١) طهارة بيض ما لا يؤكل لحمه إن قلنا الأصح طهارة المنى.
فأما البيضة المذرة بالذال المعجمة، وهي التي صار حشوها دمًا فالصحيح طهارتها أيضًا. هذا كلامه.
واعلم أن النووي قد صحح في كتبه طهارة العلقة والمضغة، ولا فرق في ذلك عنده بين الآدمي وغيره، لأن منى غيره طاهر عنده، وهذا يشكل على تصحيحه في "الروضة" وغيرها نجاسة البيضة المذرة لأنهما اشتركا في كونها دما يؤول إلى الحيوانية، بل البيضة أولى لاستتار دمها استتارًا خلقيًا.
قوله: ولو حمل قارورة مضممة الرأس برصاص أو نحوه، وفيها نجاسة لم تصح صلاته على ظاهر المذهب، ولو ضممها بخرقة بطلت صلاته، ولو
стр. 985
ضممها بشمع فقال بعضهم: أنه كالخرقة وقال ابن كج: إنه كالرصاص. انتهى.
لم يصح شيئًا في مسألة الشمع لا في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" وقال في "الشرح الصغير": أقرب الوجهين أنه كالخرقة.
وخالف -أعني النووي- فصحح في "التحقيق" أنه كالرصاص، ونقل في "تهذيب الأسماء واللغات" أن صلاته لا تصح وجهًا واحدًا ذكر ذلك في الكلام على سد.
قوله: واللحم المنتن طاهر. انتهى.
هذه المسألة قد أسقطها من "الروضة" وعبر الأصحاب عنها بقولهم: اللحم إذا خنز أى تغير وهو بخاء معجمة مفتوحة بعدها نون مكسورة ثم زاى معجمة.
قوله: وإن أصاب أسفل خفه أو ثوبه نجاسة فدلكه فى الأرض حتى ذهبت أجزاؤه لم تصح صلاته فيه على الجديد.
والقديم الصحة لقوله ﵊: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه في الأرض" (١).
قال أصحابنا: والقولان متفقان على أنه لا يطهر، والكلام إنما هو في العفو، ثم قال: وذكروا للقولين شروطًا.
أحدها: أن تكون النجاسة لها جرم تلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.
والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطبًا فلا يغني الدلك بلا خلاف. انتهى كلامه.