← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

العطن والحمام: كراهة تحريم، ذكر ذلك في باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، فإنه لما صحح أن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم علله بقوله لثبوت الأحاديث في النهي. وأصل النهي للتحريم كالصلاة في أعطان الإبل والحمام. هذه عبارته. والذي ذكره فيها سهو. الأمر الثالث: إذا كانت هذه الأمكنة نجسة ففرش عليها ثوبًا طاهرًا صحت صلاته، ولكنها تكره، أما في المراح فالمعنى واحد، وهو محاذاة النجاسة كما صرح به الرافعي، والنووي في مواضع من هذا الباب. وأما في أعطان الإبل فلمعنيين: أحدهما: هذا. والثاني: خوف النفار، ووقع في "شرح المهذب" أنها لا تكره مع الفرش في مراح الغنم، وهو ذهول أيضًا فاعلمه واجتنبه. وكلام الشرح و"الروضة" في المسألة ملبس، وهو الذي أوقع النووي فيما وقع؛ على أن القاضي حسين قد قال: إنه لا كراهة مع الفرش مطلقًا. الأمر الرابع: أنه قد سكت عن حكم النفر، وكذلك سكت عنها أيضًا لمعظم، وقد رأيته في "الإشراف" لابن المنذر من أصحابنا، وحاصل ما ذكره إلحاقها بالغنم، ثم نقله أيضًا عن عطاء ومالك، وصرح به أيضًا المحب الطبري في "الإحكام" واعلم أن الحديث المذكور رواه الشافعي، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف عند المحدثين، لكنه ثقة عند الشافعي. نعم: معناه ثابت، ففي "صحيح مسلم" (١) من حديث جابر بن سمرة

стр. 982

أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: أصلى في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". وروي ابن ماجة من حديث عبد الله بن مغفل: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" (١) وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه. وأما الإخبار عن الغنم بأنها بركة فرواه أبو داود من حديث البراء بن عازب. وروي البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أنها من دواب الجنة. قوله: وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال: إلى آخره. اعلم أن المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة كما تقدم غير مرة. والذي دَلَّ عليه كلام القاضي كما قاله في "الكفاية" أن الكراهة لحرمة الموتى، ومن المعنيين يظهر أن صورة المسألة ما إذا حاذى الميت حتى إذا وقف بين الموتى فلا كراهة إلا أن ابن الرفعة بعد ذكره للمعنيين السابقين قال: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها، هذه عبارته وما ذكره في النجاسة من الكراهة خلفها وفي جانبها يعضده ما سبق نقله عن الطبري بنحو ورقتين من كراهة استقبال الجدار النجس. وأما ما ذكره من الكراهة في جانب القبر وإليه ففيه نظر، ويحتاج إلى نقل إلا إن يعلل بكونه موضع الشياطين. قوله: إحداها: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر يعض عنه

стр. 983

مع نجاسته، فلو لاقى ماءًا قليلًا نجسه. انتهى. وما ذكره من تنجيسه للماء القليل، قد ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وصرح في موضعين من "شرح المهذب" بأنه لا خلاف في تنجيسه. الأول في "كتاب الطهارة" قبل باب ما يفسد الماء من الاستعمال فقال: ولو انغمس فيه مستجمر بالأحجار نجسه بلا خلاف، هذا لفظه. والثاني في آخر باب الاستنجاء فقال: ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو في ماء دون قلتين نجسه بلا خلاف. هذه عبارته أيضًا. ولم يذكرها في غير هذا الموضع من الشرح المذكور إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر المسألة في "التحقيق" قبل باب ستر العورة، وحكى فيها وجهين، وزاد على ذلك فجعل الخلاف قويًا، فإنه قال: ولو وقع في ماء قليل أو مائع فالأصح تنجيسه لمستنج دون طائر وفأرة، ونحوهما. هذا لفظه والصواب: ما في "شرح المهذب" فإن المذكور في "التحقيق" مأخوذ من كلام موهم ذكره هنا في "شرح المهذب". قوله: ولو حمل المصلى من استنجى بالحجر أو من على ثوبه نجاسة معفو عنها لم تصح صلاته في أصح الوجهين، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق ولوث محل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز بخلاف حمل الغير. انتهى. تابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وكذلك في هذا الباب من "شرح المهذب" وحاصله أن الخلاف إنما هو في المجاور لمحل النجو، فإن الصحيح فيه العفو، ثم ذكر -أعني النووي- ما يخالفه في آخر باب الاستنجاء من الشرح المذكور فقال ما نصه: الرابعة: إذا استنجى بالأحجار فعرق محله، وسال العرق منه، وجاوزه وجب غسل ما سال إليه، وإن لم يجاوزه فوجهان:

стр. 984

الصحيح: أنه لا يلزمه شئ لعموم البلوى، وذكر مثله في التصنيف الذي شرع فيه، وهو المسمى "بمهمات الأحكام" في الاستنجاء أيضًا فقال: ولو عرق المحل وجب غسله إن سال، وإلا فلا. وذكر المسألة في "التحقيق" في آخر باب الاستنجاء فقط موافقًا لما في "شرح المهذب" هناك. قوله: ولو حمل بيضة صار حشوها دمًا لم تصح صلاته في أظهر الوجهين. انتهى. تابعه النووي على تصحيح البطلان في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وصححه أيضًا في هذا الباب من "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح". وخالف ذلك في أوائل "شرح الوسيط" المذكور في الكلام على النجاسات فقال ما نصه: [والأظهر] (١) طهارة بيض ما لا يؤكل لحمه إن قلنا الأصح طهارة المنى. فأما البيضة المذرة بالذال المعجمة، وهي التي صار حشوها دمًا فالصحيح طهارتها أيضًا. هذا كلامه. واعلم أن النووي قد صحح في كتبه طهارة العلقة والمضغة، ولا فرق في ذلك عنده بين الآدمي وغيره، لأن منى غيره طاهر عنده، وهذا يشكل على تصحيحه في "الروضة" وغيرها نجاسة البيضة المذرة لأنهما اشتركا في كونها دما يؤول إلى الحيوانية، بل البيضة أولى لاستتار دمها استتارًا خلقيًا. قوله: ولو حمل قارورة مضممة الرأس برصاص أو نحوه، وفيها نجاسة لم تصح صلاته على ظاهر المذهب، ولو ضممها بخرقة بطلت صلاته، ولو

стр. 985

ضممها بشمع فقال بعضهم: أنه كالخرقة وقال ابن كج: إنه كالرصاص. انتهى. لم يصح شيئًا في مسألة الشمع لا في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" وقال في "الشرح الصغير": أقرب الوجهين أنه كالخرقة. وخالف -أعني النووي- فصحح في "التحقيق" أنه كالرصاص، ونقل في "تهذيب الأسماء واللغات" أن صلاته لا تصح وجهًا واحدًا ذكر ذلك في الكلام على سد. قوله: واللحم المنتن طاهر. انتهى. هذه المسألة قد أسقطها من "الروضة" وعبر الأصحاب عنها بقولهم: اللحم إذا خنز أى تغير وهو بخاء معجمة مفتوحة بعدها نون مكسورة ثم زاى معجمة. قوله: وإن أصاب أسفل خفه أو ثوبه نجاسة فدلكه فى الأرض حتى ذهبت أجزاؤه لم تصح صلاته فيه على الجديد. والقديم الصحة لقوله ﵊: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه في الأرض" (١). قال أصحابنا: والقولان متفقان على أنه لا يطهر، والكلام إنما هو في العفو، ثم قال: وذكروا للقولين شروطًا. أحدها: أن تكون النجاسة لها جرم تلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال. والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطبًا فلا يغني الدلك بلا خلاف. انتهى كلامه.

стр. 986

تابعه عليه النووي وفيه أمران: أحدهما: أن ما أفهمه كلامه من اتفاق الأصحاب على أنه لا يطهر ليس كذلك، بل فيه خلاف لهم حكاه الجرجاني في "الشامل"، ورجح أن القولين في الطهارة، فقال ما نصه: فإذا زال عنها طهر [فى] (١) أحد القولين للحاجة. وقيل: لا يطهر بذلك قولًا واحدًا، ولكنه يعفي عن أثرها، هذا لفظه بحروفه. الأمر الثاني: أن ما ذكره في الشرط الثاني من عدم الخلاف قد ذكر الفارقي ما يخالفه فقال: المراد بالجافة هي الجامدة التي فيها أدنى رطوبة، وبالرطبة المائعة. والذي قاله إما حمل لكلام الرافعي على غير ما فهمه -أعني الرافعي- وإما مخالف له بالكلية وذكر العمراني ما يوافق الثاني فقال: ظاهر كلام أبي حامد، والأكثرين أنه لا فرق فى جريان القولين بين أن تكون النجاسة رطبة أو يابسة، وقد رأيته مصرحًا به في "الاستذكار" للدارمي. قوله: الثالث: دم البراغيث يعفي عن قليله في الثوب والبدن، وفي كثيره وجهان: أصحهما عند العراقيين والقاضي والروياني وغيرهم أنه يعفي لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه. وأصحهما عند الإمام وهو المذكور في الكتاب أنه لا يعفي. انتهى ملخصًا. فيه أمور:

стр. 987

أحدها: أن مقتضى ما ذكره في الدم الكثير رجحان مقالة الأولين لأنهم أكثر عددًا، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة" لكن رجح الرافعي في "المحرر" مقابله فقال: أحسن الوجهين عدم العفو، واستدرك عليه النووي فصحح في "المنهاج" من زياداته ما صححه في "الروضة" وغيرها. الأمر الثاني: أن محل ما تقدم من العفو مطلقًا إنما هو في الثوب الملبوس إذا أصابه ذلك من غير تعمد، فإن لم يلبسه بل حمله في كمه أو فرشه وصلى عليه أو لبسه، ولكن كانت الإصابة بفعله بأن قتل قملة أو برغوثًا في ثوبه أو بدنه أو بين أصبعيه فتلوث به، فإن كان كثيرًا لم تصح صلاته، وإن كان قليلًا فوجهان: أصحهما: العفو، كذا قال النووي في "التحقيق" ونقله في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقره وأشار إليه أيضًا الرافعي في كتاب الصيام فقال: لو فتح فاه عمدًا حتى وصل الغبار إلى جوفه فقد قال في "التهذيب": أصح الوجهين أنه يقع عفوًا، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدًا، وتلوث بدمائها هل يقع عفوًا؟ وذكر القاضي ما يوافقه فقال: لو كان الثوب الملبوس زائدًا على عام لباس بدنه لم تصح صلاته لأنه غير مضطر إليه، والذي قاله يقتضي منع زيادة الكم إلى الأصابع وليس ثوب آخر لا نعرض من تحمل ونحوه. قوله: ولو كان قليلًا فعرق وانتشر اللطخ بسببه ففيه الوجهان المذكوران في الكثير واختيار القاضي حسين أنه لا يعفي عنه لمجاوزة محله، واختيار أبي عاصم العبادي: العفو لتعذر الاحتراز. انتهى. وهذا الكلام ظاهر في مساواة هذه المسألة للمذكور في الدم الكثير، حتى يأتي [فيها] (١) ما تقدم جميعه وقد صرح بالمساواة في "المحرر"

стр. 988

ورجح عدم العفو لذهابه إليه في الكثير. لكن سبق لنا قريبًا من كلام الرافعي أنه إذا عرق محل النجو وتلوث به غيره فيعفي عنه، وهو يقوى العفو هنا، لكن الفرق بينهما أن مشقة الاحتراز في محل النجو أكبر لضرورة خروج هذه النجاسة. قوله: والأظهر الرجوع في القلة والكثرة إلى العادة فما يقع التلطخ به غالبًا ويعسر الاحتراز عنه قليل، وإن زاد فكثير، وعلى هذا فيختلف الحال بين الأماكن والأوقات، ويجتهد المصلي في ذلك، فإن شك ففيه احتمالان للإمام، رجح منهما العفو، وهو المذكور في الكتاب. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أنه أهمل أمرًا آخر لابد منه، نبه عليه الإمام فقال: والذي أقطع به أنه لابد أيضًا من اعتبار عادة الناس في غسل الثياب. وذكر مثله الغزالي في ["الوسيط"] (١). الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله، وهو الذي قطع به الغزالي -يعني العفو- وما ادعاه ليس بصحيح، فقد حكى الغزالي في "البسيط" هذا التردد، ولم يرجح شيئًا. قوله في "الروضة" الضرب الرابع: دم البثرات وقيحها وصديدها كدم البراغيث فيعفي عن قليله قطعًا، وعن كثيره على الأصح، ولو عصر بثرة فخرج ما فيها عفي عنه على الأصح. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لا فرق في الدم الخارج بعصر البثرة بين القليل والكثير، وكذلك كلام "المنهاج" يقتضيه أيضًا، وليس كذلك، بل حاصل المذكور في "الشرحين"، "وشرح المهذب" أنهما في القليل، فإن كثر لم يعف عنه بلا خلاف، وبه صرح في "الكفاية" واحتج الرافعي عليه بأن ابن

стр. 989

عمر ﵄ عصر بثرة علي وجهه، ودلك ما خرج منها بين أصابعه، وصلى ولم يغسله، وهذا الأثر رواه البيهقي بإسناد صحيح. وفي البخاري عنه نحوه تعليقًا. نعم قال الإمام: لعل يده جرت عليه في حال غفلة منه. قال في "الكفاية" ولعل أيضًا أن ما خرج منه مما لا رائحة له فيكون طاهرًا على المذهب والبثرات جمع بثرة بإسكان المثلثة، والفتح لغة، وهي خراج صغير. ويقال بثر وجهه بفتح الثاء وكسرها، وضمها. قوله: ولو أصابه دم قليل من بدن غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما فقد حكي الغزالي وجماعة فيه وجهين، والجمهور حكوهما قولين: أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفي عنه؛ لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وغيره. والثاني: وهو نصه في القديم "والأم" أنه يعفي عنه؛ وهذا هو الأصح عند العراقيين، وصاحب "التهذيب" لكن صحح إمام الحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن الجمهور من كون الخلاف قولين منصوصين قد خالفه في "المحرر" فجزم بأنه وجهان. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على إطلاق الخلاف، وكذا أطلقه الجمهور وقيد صاحب "البيان" ذلك بغير دم الكلب، والخنزير وما تولد من أحدهما، وأشار إلى أنه لا يعفي عن شئ من ذلك بلا خلاف لغلظ حكمه. قال في "التحقيق": ولم أجد تصريحًا بموافقته، ولا مخالفته، هذا كلامه.

стр. 990

والذي قاله العمراني قد رأيته في كتاب "المقصود" للشيخ نصر المقدسي في باب الصلاة بالنجاسة فإنه ذكر أن اليسير من دم البراغيث يعفي عنه ثم قال: وما عدا ذلك من دماء غير الكلب والخنزير فقد قال في "الإملاء": لا يعفي عن شئ منه كسائر النجاسات، وقال في القديم "والأم": يعفي عن قليله. هذه عبارته. قوله: ولو أصابه شئ من دم الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة ففيه وجهان: أحدهما: أنها كدم البثرات لأنها وإن لم تكن غالبة فليست بنادرة، ولأن الفرق بين البثرات والدماميل الصغار قد يعسر. والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات لأن البثرات لا يخلو عنها معظم الناس في معظم الأحوال، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما [يدوم] (١) غالبًا فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في الحيض. وإن كان لا يدوم غالبًا فيلحق بدم الأجنبي. والأول هو قضية كلام الأكثرين، ولكن الثاني أولى الوجهين. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى [كلامه و] (٢) كلام "الروضة" جريان الخلاف فيما يدوم غالبًا، وهذا مخالف للمعنى والمنقول، فقد جزم الأصحاب بأن الجراحات النضاحة حكمها حكم الاستحاضة فيما عدا انتقاض الوضوء. فكان صوابه: أن يقول في صدر المسألة: فما يدوم منها غالبًا حكمه حكم دم الاستحاضة، وإلا فوجهان. . . . إلى آخره. وهكذا فعل الغزالي في "الوجيز" ولكنه التبس على الرافعي حالة شرحه، وقد

стр. 991

تفطن في "التحقيق" "وشرح المهذب" لذلك، فلم يدخله في المسألة فأما في "التحقيق" فلم يتعرض له بالكلية، وكأنه أهمله لتقدم حكمه في بابه. وأما في "شرح المهذب" فذكره بعد ذلك مضمومًا إلى الاستحاضة جازمًا بالحكم فقال عقب المسألة: وأما دم الاستحاضة، وما يدوم غالبًا فسبق حكمه في باب الحيض. هذه عبارته. الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "الروضة" "والمنهاج" من زوائده أن هذه الأشياء كدم البثرات، ثم خالف ذلك في "التحقيق" "وشرح المهذب" فصحح أنه كدم الأجنبي. قوله: وأما ماء القروح والنفاطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس، وإلا فطريقان: أحدهما: القطع بالطهارة. والثاني: على قولين: أظهرهما: أنه نجس. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن هذا الكلام كما لا يؤخذ منه تصحيح إحدى الطريقتين، لا يؤخذ منه أيضًا تصحيح في المسألة. وقد صحح في "شرح المهذب" [هنا] (١) طريقة القطع بالطهارة وصحح في "المحرر" النجاسة، ولم يتعرض للطريقين بالكلية. وصحح النووي في "الروضة" من زياداته أنه طاهر، وحذف الأصح من القولين تفريعًا على طريقة الخلاف. الأمر الثاني: إذا قلنا: إنه نجس فهل يكون كدم الفروح حتى يأتى فيه الخلاف السابق والاختلاف في التصحيح أم كيف الحال؟ والجواب: أن النووي ﵀ قد جزم [بإلحاقه] (٢) بدم البثرات،

стр. 992

كذا ذكره في "التحقيق"، "وشرح المهذب" مع تصحيحه أن دم القروح كدم الأجنبي. قوله: وإذا تبين له أنه صلى بنجاسة فقولان: الجديد: وجوب القضاء لما روى أنه ﷺ خلع نعله في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته قال: "ما حملكم على ما صنعتم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا" (١) فلو علم بالنجاسة ثم نسي فصلى ثم تذكر فطريقان: أحدهما: القطع بوجوب القضاء لتفريطه. والثاني: أنه على القولين. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا. والصحيح طريقة القطع، كذا صححها النووي في "شرح المهذب" وصححها أيضًا في "الروضة" ولم ينبه على أن ذلك من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له. الأمر الثاني: أن النووي في "شرح المهذب" قد اختار عدم الإعادة في المسألتين، ذكر ذلك في آخر المسألة فقال: إنه المختار. والحديث رواه أبو داود من رواية أبي سعيد بإسناد صحيح. وقال الحاكم في المستدرك: إنه صحيح على شرط مسلم [وفي رواية

стр. 993

لأبي داود: [خبثًا] (١) بدل قذرًا] (٢). وفي رواية غيره: قذرًا أو أذى. وفي رواية: دم حلمة، والحلمة بفتح الحاء واللام وهو القراد الكثير. قوله: وقول الغزالي في أول القسم الثاني أما مظان الأعذار فخمس يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظان أُخر. منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته، ومنها ما إذا كان على جرحه دم كثير فخاف من إزالته. ومنها ما إذا تلطخ سلاحه [بالدم] (٣) في صلاة شدة الخوف [هذا لفظه] (٤). وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والمراد بأن هذه مظان للأعذار هو العفو عنها حتى لا يجب القضاء. فإن الخمس التي أورد هذه الصور عليها يعفي عن جميعها، وقد صرح الرافعي أيضًا بهذا لمراد في أول هذا القسم فقال: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة في مظنة العذر، والعفو. وقد جعل مظان العذر خمسًا، هذا كلام الرافعي وهو صريح فيما قلناه. إذا علمت ذلك: فأما السلاح المتلطخ بالدم فمخالف لما قاله في صلاة الخوف، وسأذكر المسألة هناك فراجعها. وأما الدم على الجرح فقد سبق في آخر كتاب التيمم من الشرحين المذكورين ما يخالفه فقال فيهما: الجديد: وجوب القضاء. لا جرم أن النووي قد استدرك في "الروضة" عليه، فصحح وجوب القضاء، وكذلك صحح في باقى كتبه إلا في "المنهاج" فإن حاصل ما فيه تصحيح عدم وجوب القضاء فتأمله.

стр. 994

الشرط الثالث ستر العورة قوله: ويجب ستر العورة في الخلوة على أصح الوجهين لقوله ﷺ : "لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حىٍ، ولا ميت" (١). ويروى: "لا تبرز". ثم قال: وعورة الرجل ما بين سرته وركبته وعورة المرأة جميع بدنها إلا الوجه والكفين ظهرًا وبطنًا إلى الكوعين. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن إطلاق هذا الكلام يقتضى أنه لا فرق في العورة بين البالغ والصبى، وبه صرح في "شرح المهذب"، ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق بين المميز وغيره، فإن قيل: غير المميز لا تصح منه الصلاة، ولا يحرم النظر إلى عورته إلا فرج الصغيرة على اختلاف فيه مذكور في "النكاح" فما فائدة الحكم بالعورة؟ قلنا في ستره في الطواف إذا أحرم عنه الولى على

стр. 995

ما يأتيك في الحج، وما ذكره في "شرح المهذب" ذكر في "البيان" نقلًا عن الصيمري ما يخالفه فقال: إن عورة الصبي والصبية قبل سبع سنين هي القبل والدبر فقط، ثم تتغلظ بعد السبع، ثم تكون بعد العشر كعورة البالغين لأنه زمان يمكن فيه البلوغ. وذكر في "الحاوي" أيضًا ما يخالفه فقال: إن الذكور والإناث من الأطفال لا حكم لعوراتهم قبل السبع، وحكمهم حكم البالغين بعد إمكان البلوغ، وفيما بينهما يحرم النظر إلى الفرج خاصة، ولم يبين الصيمري التغليظ المشار إليه، على أن الروياني حكى عن والده جواز صلاة الصغيرة بغير خمار لظاهر الحديث. الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي هنا صريح في أن المرأة يحرم عليها كشف عنقها ورأسها، وغير ذلك في الخلوة، وليس الأمر كما ذكره هنا، بل الذي يجب ستره من الحرة في الخلوة إنما هو المقدار الذي يجب ستره من الرجل، هذا حاصل ما ذكره الإمام والرافعي وغيرهما في كتاب النكاح. ورأيت في "التلقين" لابن سراقة من كبار المتقدمين ما هو أصرح منه فقال: وعورة الحرة في الصلاة ومع الرجال غير ذوي محارمها جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، هذا لفظه. وحينئذ فتنقسم العورة إلى عورة في [الصلاة. وعورة في] (١) النظر، وعورة في سترها خالية، والنظر له أقسام معروفة. والحديث رواه أبو داود في "سننه" في كتاب الجنازة ثم كتاب الحمام من رواية علىّ وقال: إن هذا الحديث فيه نكارة ويغني عنه حديث جرهد بفتح الجيم والهاء أن النبي ﷺ قال: "غط فخذك، فإن الفخذ من

стр. 996

العورة" (١). رواه أبو داود في كتاب الحمام والترمذي في الاستئذان من ثلاث طرق، وقال في كل طريق منها: حديث حسن. وقال في بعضها: حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل. قوله: ولا يكاد يفرض ظهور باطن الكفين دون ظاهرهما. انتهى. وتصوير ذلك سهل بلصوق عجين ونحوه، وبالربط بخيوط ونحوها. قوله: وهل يستثني أخمص قدميها؟ حكى صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين، وجعلهما آخرون قولين: أصحهما أنهما من العورة. انتهى. والأصح أن الخلاف المذكور قولان، كذا صححه النووي في "الروضة" وغيرها، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له. وقد حكى الرافعي في كتاب النكاح وجهًا أن ظهر الكفين عورة أيضًا. قوله: فلو خالف الخنثي، ولم يستر إلا ما بين السرة والركبة فهل تجزئه صلاته؟ فيه وجهان نقلهما في "البيان". انتهى. صحح النووي في "زيادات الروضة" أنها لا تجزئه فقال: أصحهما: لا تصح؛ لأن الستر شرط وشككنا في حصوله، وقال في "شرح المهذب": إنه أفقه الوجهين.

стр. 997

وصحح عكسه في "التحقيق" فقال: الأصح أنها تصح للشك في وجوبه. هذا لفظه بحروفه. وذكر في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب" نحوه أيضًا. قوله: ولو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء كما لو لبس سروالًا خفيفًا فلا بأس. انتهى. وهذا الكلام قد يوهم أن ذلك ليس مكروهًا، ولا خلاف الأولى، وليس كذلك بل هو مكروه للمرأة، وخلاف الأولى للرجل، كذا قاله الماوردي، وغيره. بل في "شرح المهذب" وجه أنها باطلة. واعلم أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: ولو ستر اللون ووصف حجم البشرة -أعني بلفظ البشرة- عوضًا عن الأعضاء، وهو تعبير عجيب، فإن البشرة ظاهر الجلد، ولا معنى له هاهنا. قوله: فأما الفسطاط. . . إلى آخره. الفسطاط بيت من شعر، وفاؤه مضمومة، وكسرها لغة، قاله الجوهري. وسمى ساحل مصر فسطاطًا لذلك أيضًا، فإن خيمة عمرو بن العاص كانت منصوبة هناك لما كان أميرًا على الجيش عند فتحها فكانوا يقولون: اذهب بنا إلى الفسطاط، وذهب إلى الفسطاط، ونحو ذلك فغلب على ذلك الساحل ثم غلب على كل ساحل. قوله: ولو وقف في جب ضيق الرأس وصلى على جنازة فقال في "التتمة" يجوز. ومنهم من قال: لا. انتهى. قال الرافعي في "الشرح الصغير": الأشبه أنه لا يجوز. وصحح النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب" وزيادات "الروضة" أنه يجوز.

стр. 998

قوله: ولو حضر جمع من العراة فلهم أن يصلوا جماعة، ويجب أن يقف إمامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة. انتهى كلامه. والتعبير بقوله: يجب، رأيته كذلك في أصول معتمدة من الرافعي وكان سببه أن التقدم مظنة للرؤية المحرمة، إلا أنه -أعني الرافعي- قد صرح في أوائل صلاة الجماعة بأن مثل هذا في حق النسوة العاريات مستحب، لا واجب. والمقالتان لا تجتمعان فإنهما سواء في هذا المدرك ويحتمل أن يكون لفظ الرافعي إنما هو نحب بنون مضمومة وحاء مهملة، وما في معناه، أو يستحب، ولكن تحرف، ويؤيده تشبيهه بالنسوة. ولم يصرح في "الروضة" هنا بشئ من ذلك بل اقتصر على المساواة بينهما فإنه قال: ويقف إمامهم وسطهم كجماعة النساء، هذا لفظه. قوله: وهل يسن للعراة إقامة الجماعة أم الأولى أن ينفردوا؟ فيه قولان: القديم: أن الانفراد أولى. انتهى كلامه. فيه أمور نبه عليها الأصحاب، ونقلها عنهم النووي في "شرح المهذب" وبعضها في "الروضة". أحدها: أن صورة المسألة أن يكونوا بحيث يتأتى نظر بعضهم إلى بعض، فلو كانوا عميًا أو في ظلمة استحب لهم الجماعة بلا خلاف. الأمر الثاني: أن حكاية القولين هكذا قد ذكرها جماعة فتبعهم الرافعي، والذي حكاه المحققون عن الجديد أن الجماعة والانفراد سواء. الأمر الثالث: إنما عبر الرافعي بالعراة الذي هو جمع عارٍ للاحتراز عن النسوة، فإن الجماعة تستحب لهن بلا خلاف، لأن إمامتهن تقف وسطهن حال اللبس أيضًا. قوله: ولو وهب منه الثوب لم يلزمه قبوله وقيل: يلزمه، وله الرد بعد

стр. 999

الصلاة. وقيل: يلزمه، ولا رد له. انتهى ملخصًا. واعلم أن المتجه -وهو قياس ما ذكروه في التيمم: وجوب قبول الطين والتراب ونحوهما مما يستر وقيمته قليلة غالبًا، وتقييده بالثوب يؤخذ منه ذلك، فتفطن له. قوله: وإذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ففيه قولان: أصحهما: يصلي عاريًا بلا إعادة. ولو لم يجد إلا ثوب حرير فوجهان: أصحهما: أنه يصلي فيه لأنه يباح لبسه للحاجة انتهى. وهذا الذي ذكره في الحرير مسلم إذا كان الثوب قدر العورة، فإن كان زائدًا عليها فيتجه أن يقال: إن كان القطع لا ينقص أكثر من أجرة الثوب لزمه قطعه، وإلا لم يلزمه. ولقائل أن يقول: كيف يستقيم الفرق الذكور مع أن لبس النجس يباح للحاجة، بل دونها في غير الصلاة، فإن أراد أن الحرير مباح في الصلاة للحاجة كالحكة ودفع القمل بخلاف النجس قلنا: ممنوع، فإن النجس يباح أيضًا في الصلاة لشدة الحر، والبرد. قوله: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمم ويتقمص، ويرتدي فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء أو قميص وسراويل. فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى ثم الإزار ثم السراويل، وإنما كان الإزار أولى لأنه يتجافي. انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة"، وما ذكره في تقسيم الثوبين كيف يستقيم مع أن السراويل لم يتقدم له ذكر بالكلية، وإنما كان يستقيم الحكم بالتخيير أن لو قال: أو يتسرول بلفظ -أو- ثم إنه لم يذكر حكم العمامة في هذا

стр. 1000

التخيير، بل مقتضاه أن القميص والعمامة دون هذين القسمين مع باقي الأقسام الممكنة، وهي العمامة والسراويل. فأما الثاني فواضح. وأما الأول وهو العمامة والقميص، فإن كان عند وجود ما يستر به رأسه من طاقية وقبعة فواضح. وإن كان عند عدمه فممنوع لأنه يكره كشف رأسه بخلاف عدم الارتداء والاتزار. وأما ما ذكره في الثوب الواحد: فجيد، فإنه إنما لم يذكر العمامة والرداء لعدم جواز الاقتصار عليهما، وإنما أخر السراويل لما سبق، لكن فيه أيضًا ما أشرنا إليه من كونه لم يتقدم للسراويل ذكر. ولا شك أن أول كلامه قد سقط منه شئ، وأصله يتعمم ويتقمص ويرتدي ويئتزر ويتسرول فاعلمه. وقد ذكر في "الشامل" ما يدل عليه فقال فأما الفضيلة فأن يصلى الرجل في قميص وإزار وسروايل، هذا لفظه. وذكر غيره مثله أيضًا، وما ذكرناه من تفضيل الإزار هو المنصوص الذي عليه جماعة. وقال المحاملي والبندنيجي السراويل أولى لأنه أستر. وفي "زوائد العمراني": أن الفقيه أبا بكر قال: السراويل الواسعة أولى. واعلم أن عبارة الرافعي في -أحسن ما نجده: يتعمم، أعني: بلا "واو" مع يتعمم، فاقتضى أن ذلك تفسير للأحسنية. وعبارة "الروضة": ويتعمم بالواو، وهي تقتضي أن ذلك مغاير للأحسن المتقدم ذكره [وهو الأقرب] (١).

стр. 1001

الشرط الرابع: ترك الكلام ... إلى آخره اعلم أن النووي ﵀ قد وافق في "الروضة" على [جعل] (١) هذا من الشروط، وكذلك الكف عن غيره من المناهي كالأكل وغيره، وأنكر ذلك في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" في باب الاجتهاد، وفي "التحقيق" في أواخر باب صفة الصلاة، وفي "شرح المهذب" في الموضع المذكور أيضًا فقال ما نصه: وضم الفوراني والغزالي إلى الشروط ترك الأفعال في الصلاة، وترك الكلام، وترك الأكل. والصواب أن هذه ليست بشروط، وإنما هي مبطلات للصلاة كقطع النية، وغير ذلك، ولا يسمى شرطًا إلا عند الأصوليين، ولا عند الفقهاء. هذا كلامه. قوله في "الروضة": ولو نطق بحرف ومده بعده فالأصح: البطلان. والثاني: لا. والثالث: قاله إمام الحرمين: إن أتبعه بصوت غُفل لا يقع على صورة المد لم تبطل، وإن أتبعه بحقيقة المد بطلت. انتهى كلامه. وما ذكره من أن الإمام قد ذهب إلى هذا التفصيل غلط؛ فإن حاصل ما ذهب إليه الإمام هو البطلان مطلقًا، إلا أنه جازم بالبطلان عند حقيقة المد، ومصحح له عند الصوت الغفل، فإنه قال: وإن كان بعده صوت غفل موصولًا به قال الإمام: فقد كان شيخي يتردد فيه وهو لعمري محتمل، فإن الكلام حروف، والأصوات المرسلة من مباني الكلام، فالأظهر عندي أنه مع الحروف [كحرف مع حرف] (٢)، فإن الصوت الغفل مده، والمدات تقع ألفًا أو واوًا أو ياءً، وإن كانت إشباعًا بحركات معدودة.

стр. 1002

وعندي أن شيخي لم يتردد فيها، وإنما يتردد في صوت غفل لا يقع على صورة المدات. هذا كلامه. وهو كما ذكرته لك، والذي أوقع النووي في هذا الغلط هو الرافعي، فإنه حكى وجهين، وجعل الأظهر البطلان، ثم قال: ومال إمام الحرمين إلى رفع هذا الخلاف بحمل الوجه الأول أي القائل بعدم البطلان على ما إذا أتبعه بصوت غفل لا يقع على صوت المد، والجزم بالمنع إذا أتبعه [بصوت غفل لا يقع على صوت المد، والجزم بالمنع إذا أتبعه بحقيقة المد] (١). هذه عبارته. فتعبيره بقوله: بحمل الوجه الأول، وبقوله: والجزم بالمنع] (٢)، موافق لتعبير الإمام إلا أنه أخطأ في تعبيره برفع الخلاف. وكان صوابه تخصيص الخلاف ثم إن النووي عبر عن تعبير الرافعي بما عبر فزاد المسألة خللًا، ووقع في صريح الغلط. قوله أيضًا فيها: ولو تنحنح فبان منه حرفان بطلت في الأصح، وقيل: لا. وقيل: إن كان فمه منفتحًا بطلت، وإلا فلا، ثم قال في آخر الفصل ما نصه: وأما الضحك والبكاء والنفخ والأنين فإن بان منه حرفان بطلت وإلا فلا. انتهى كلامه. وحاصله أن الأوجه الثلاثة التي في التنحنح لا تأتى في هذه الأشياء وقد صرح بذلك في "التحقيق" فقال: والضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ ونحوها تبطل إن بان حرفان، وكذا التنحنح، وفي قول: لا، وقيل: إن أطبق فمه فلا. هذه عبارته. وذكر مثلها في "شرح المهذب"، والذي ذكره خلاف ما يقتضيه كلام الرافعي فإنه قال عقب الأوجه في التنحنح ما نصه: والضحك والبكاء والأنين والنفخ كالتنحنح، إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا. هذه عبارته.

стр. 1003

وذكر في "الصغير" ما هو أظهر من ذلك فلما سوى بينهن وبين التنحنح ثم نص على ما عليه الفتوى اقتضى ذلك جريان الخلاف في الجميع وبه صرح في "المحرر" و"المنهاج" وصرح به أيضًا المتولي في "التتمة" إلا أنه حكى الخلاف قولين. قوله: وحيث أبطلنا بالتنحنح فذلك إذا كان بغير عذر، فإن كان مغلوبًا فلا بأس. انتهى كلامه. وهذا الذي أطلقه من عدم الإبطال عند الغلبة قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا. وهو يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، وكذلك كلامهما يقتضي عدم التفرقة أيضًا في المسألة الآتية، وهي التنحنح عند تعذر القراءة والجهر كما سنعرفه، إلا أن الرافعي ذكر بعد هذا في الكلام على الأعذار أن غلبة الكلام والضحك والسعال إن كثرت أبطلت على الصحيح، وضم إليها في "شرح المهذب" العطاس أيضًا. وما ذكره في الضحك لا شك فيه، وبه صرح في "التنبيه" لأنه أشد منافاة للصلاة. وأما التنحنح والسعال والعطاس فسواء بلا شك، فإما أن يقولا بعدم الإبطال في الجميع وهو الأقرب لأنه لا يمكن الاحتراز منه، أو بالإبطال فيها إذا كثرت، وهو بعيد لما ذكرناه. قوله: ولو تعذرت القراءة إلا بالتنحنح تنحنح وهو معذور، ولو أمكنته القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح لم يعذر في أظهر الوجهين لأنه سنة، وقيل: يعذر لإقامة شعار الجهر. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من أن تعذر القراءة عذر قد تابعه في "الروضة"

стр. 1004

على إطلاقه ويتجه أن يكون محله في القراءة الواجبة، أما المستحبة فإنها كالجهر، وقد صرح بالتقييد المذكور في "شرح المهذب" و"التحقيق" فقال: ولو تعذرت قراءة الفاتحة. هذه عبارته فيهما. الأمر الثاني: أن كلامه في الجهر يقتضي عوده إلى القراءة خاصة، لكن كلامه في "المحرر" و"المنهاج" و"التحقيق" يقتضي جريانه في كل جهر مأمور به، فيدخل فيه الجهر بالقراءة الواجبة والمستحبة، والجهر بالقنوت، والجهر بتكبيرات الانتقالات حيث احتيج إليه في إسماع المأمومين إلا أن المتجه في القسم الأخير أنه عذر والمتجه فيما إذا حصل ذلك في أثناء قراءة السورة الجزم بأنه ليس بعذر، لأن علة ذلك الوجه إنما هي إقامة شعار الجهر، وقد حصل ذلك [بالبعض] (١). قوله: وتعذر [ذلك] (٢) في الكلام بأمور. . . . إلى آخره. أهمل شيئين: أحدهما: النذر فلم يعده من الأعذار، والمسألة فيها وجهان: أصحهما: أنه عذر، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: الثانية: إذا نذر شيئًا في صلاته، وتلفظ بالنذر عامدًا هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في آخر باب استقبال القبلة في مسألة بلوغ الصبي في الصلاة: أحدهما: وبه قال الداركي، وهو ظاهر كلام أبي إسحاق المروزى: لا تبطل، لأنه مناجاة لله تعالى، فهو من جنس الدعاء. والثاني: تبطل لأنه أشبه بكلام الآدمي، والأول أصح [لأنه] (٣) يشبه قوله: سجد وجهي للذي خلقه. هذا كلامه. وفيه شيء ستعرفه في أول النذر يتعين الوقوف عليه.

стр. 1005

وقياس ما ذكره النووي هنا حكمًا وتعليلًا أن يتعدى ذلك إلى الإعتاق والوصية والصدقة وسائر القرب المنجزة. الأمر الثاني: إذا سلم ساهيًا ثم تكلم عامدًا فإن الصلاة لا تبطل كما ذكره الرافعي في كتاب الصيام في مسائل الجماع، ولم يتعرض هنا لكلام تؤخذ منه هذه المسألة، بل ذكر الجهل بتحريم الكلام، وقيده بقيد يؤخذ منه خلاف ما ذكره هناك فاعلمه. قوله: ومنها الجهل بتحريم الكلام لما روي عن معاوية بن الحكم قال: لما رجعت من الحبشة [صليت] (١) مع رسول الله ﷺ فعطس بعض القوم فقلت: يرحمك الله، فحدقني الناس بأبصارهم فقلت: ما شأنكم تنظرون إليَّ فضربوا بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني فسكت، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "يا معاوية إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" (٢)، وهذا عذر في حق قريب العهد بالإسلام. فإن كان بعيد العهد به بطلت صلاته لأنه مقصر بترك التعلم. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لا فرق في بعيد العهد بين أن ينشأ في بادية بعيدة أو لا، وقياس نظائره يقتضي إلحاق من نشأ في البادية المذكورة بقريب العهد، بل حكى الطبري شارح "التنبيه" وجهًا أن البعيد العهد يعذر أيضًا، إذا لم يكن ممن يخالط العلماء. وأما "حدقني" الواقع في الحديث فهي بحاء مهملة ودال مخففة مهملة أيضًا بعدها قاف. هكذا رواه أبو عوانة في "مسنده" (٣)، والبيهقي في "سننه"،

стр. 1006

ومعناه أصابوني بحدقتهم كقولهم: عانه أي أصابه بالعين، وركبه البعير أصابه بركبته، وليس معناه نظرًا؛ إنما قالوا: حدّق بالتشديد إذا نظر إليه نظرًا شديدًا لكنه لازم غير متعدٍ، فيقال: حدق إليه، ولا يقال: حدقه. والحديث المذكور أصله في مسلم، وإن كانت الألفاظ مختلفة. قوله في "الروضة": ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم أنه يبطل الصلاة لم يكن عذرًا. ولو جهل كون التنحنح مبطلًا فهو معذور على الأصح لخفاء حكمه على العوام انتهى. كلامه. وهو يوهم أن مسألة التنحنح مفروضة مع العلم بالحرمة كالمسألة السابقة وليس كذلك، فإن الغزالي ذكر المسألة في "الوسيط" بلفظ يوهم ذلك، ثم نقلها عنه الرافعي، ونفى الحمل عليه وقال: إن الحمل عليه بعيد، فإنه لا يظهر فرق مع التسوية في الحرمة والجهل، ثم قال: والأقرب شيئان: أحدهما: تصوير ذلك بما إذا علم حكم الكلام وجهل [أن التنحنح ملحق به. والثاني: بما إذا بعد عهده بالإسلام وجهل] (١) حكم التنحنح، فعلى رأى لا يعذر فيه كالكلام، وعلى رأى نعم لخفائه. وأشار الرافعي بهذا الأخير إلى أنه لو كان قريب العهد بالإسلام لكان في الكلام يعذر بلا خلاف، فكيف يجئ التردد في التنحنح ولو كان بعيد العهد بالإسلام لم يعذر بذلك لتقصيره بترك التعلم. قوله فيها أيضًا: ولو أكره على الكلام فقولان: أظهرهما: يبطل لندوره، وكما لو أكره على أن يصلي بلا وضوء أو قاعدًا، فإنه يجب الإعادة قطعًا. انتهى كلامه.

стр. 1007

فيه أمران: أحدهما: أنه قد ذكر في أواخر التيمم من زوائده أيضًا ما يقتضي عكس المذكور هنا في الوضوء، فإن كلامه هنا يقتضي إيجاب القضاء، ولو كان مع البدل وهو التيمم، ويدل عليه القيام فإنه أوجب فيه القضاء مع إتيانه ببدله وهو القعود، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه. الأمر الثاني: أن دعوى عدم الخلاف باطلة، ولو كان مع المنع من التيمم فللشافعي قول أن كل صلاة وجبت في الوقت لا يجب فيها الإعادة، وقواه في "شرح المهذب". قوله: حكى في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن الكلام اليسير هو ثلاث كلمات، ونحوها، وعن ابن الصباغ أن اليسير هو القدر الذي تكلم به رسول الله ﷺ في حديث ذي اليدين، وكل واحد منهما للتمثيل أصلح منه للتحديد، والأظهر فيه، وفي نظائره الرجوع إلى العادة. انتهى. وقد حذف النووي في "الروضة" مقالة الشيخ أبي حامد، ومقالة ابن الصباغ أيضًا، واقتصر على المقالة الثالثة وكأنه توهم مما قاله الرافعي أنهما مثالان، وليس كذلك، بل مراده أن التحديد بهما ليس بواضح على أن الأصحاب قد سلكوا مثل ذلك في مواطن كثيرة منها ما هو على الراجح، ومنها ما هو على وجه كدخول وقت الأضحية، ووقت الوقوف. وحكى في "شرح المهذب" قولًا أنه ما لا يسع زمانه ركعة؛ ووجها أنه ما لا يسعه قدر تلك الصلاة. قوله: وإذا ناب المأموم شيء في صلاته كما إذا رأى أعمى يقع في بئر، أو استأذنه إنسان في الدخول أو أراد إعلام غيره أمرًا، فالسنة أن يسبح إن كان رجلًا وأن يصفق إن كانت امرأة، ففي الحديث: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء" (١). انتهى.

стр. 1008

فيه أمران: أحدهما: أن التنبيه قد يكون واجبًا كما في الأعمى ولو أدى إلى الكلام كما سيأتي. وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا كما قاله في "شرح المهذب" فالمندوب صورته أن يكون المنبه عليه مندوبًا، كمن هم بترك التشهد الأول، والمباح كالإذن في الدخول. وإذا علمت الانقسام إلى هذه الثلاث، فإن حملت التنبيه في كلام المصنف على التفرقة بين الرجال والنساء فقط في الحكم المذكور لم يعرف منه كيفية التنبيه. وإن حملته على التنبيه والتفرقة معًا كما هو ظاهر عبارة المصنف ورد قسم الواجب والمباح. الأمر الثاني: أن كلامه ساكت عن حكم الخنثى والقياس أنه يصفق لاحتمال أن تكون امرأة فلا يأتي بالتسبيح جهرًا، وقد رأيت ذلك مصرحًا به في أحكام الخناثى المسمى "بالتحقيق" وهو للقاضي أبي الفتوح المعروف بابن أبي عقامة بفتح العين المهملة وبالقاف، ونقله عنه، في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب" من جملة ما نقله عنه ولقائل أن يقول: قد سبق أن المرأة تجهر خالية وبحضرة النساء، [والمحارم] (١) فلم لا أجيز لها، والحالة هذه التسبيح، فإن صح لنا في المرأة ذلك لزم مثله في الخنثى؟ والحديث رواه الشيخان، لكن لا بهذا اللفظ. قوله: والمراد من التصفيق أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، وقيل: هو أن تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى وقيل: تضرب أصبعين على ظهر الكف.

стр. 1009

والمعاني متقاربة، والأول أشهر. انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة"، واعلم أن في معنى الكيفية التي رجحها الرافعي أن تعكس فتضرب ببطن الشمال على ظهر اليمين، وأن تضرب بظهر اليمين على بطن الشمال، وأن تعكس أيضًا. وما وقع في كلام الرافعي وغيره من الاقتصار على بعض هذه الصور فإنه من باب المثال كما سلكه الماوردي وغيره، ولهذا عبر في "التحقيق" بقوله: تصفق بظهر كف على بطن أخرى ونحوه، لا بطن على بطن، فقوله: "بظهر كف على بطن أخرى" دخل فيه الصورتان الأخيرتان، وقوله: ونحوه، دخل فيه الأولتان. وعبر في "شرح المهذب" بعبارة أخرى يمكن تنزيلها على ما ذكره في "التحقيق". وتعبير الرافعي بقوله: الأيمن والأيسر خطأ، وصوابه اليمين واليسرى لأن الكف مؤنثة. قوله: ومنها لو أشرف إنسان على الهلاك فأراد إنذاره، ولم يحصل إلا بالكلام تكلم. وفي بطلان صلاته وجهان: أصحهما عند الأكثرين: نعم. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على تصحيح البطلان إلا أنه لم ينقله عن الأكثرين، ثم صحح في "التحقيق" عدم البطلان فقال ما نصه: ولو رأى مشرفًا على الهلاك كأعمى وصبي لا يعقل فخاف وقوعه في بئر [أو نار] (١) أو غافل أو نائم قصده سبع أوحية أو ظالم لقتله، ولم يكن إنذاره إلا بكلام وجب، والأصح: لا تبطل. هذا لفظه بحروفه؛

стр. 1010

وذكر في "الشرح" ما يقتضيه أيضًا. فإنه نقل عن أبي إسحاق المروزي عدم البطلان ونقل تصحيحه عن القاضي أبي الطيب في "التعليق" وعن الشيخ في "المهذب"، والمتولي في "التتمة" ولم ينقل البطلان إلا عن تصحيح الرافعي فقط. ورأيت في "الترغيب" للشاشي أن أصح الوجهين عدم البطلان، وصححه أيضًا في "البيان" والماوردي في "الحاوي". الأمر الثاني: أنه احترز بقوله: "ولم يحصل إلا بالكلام"، عن الفعل، ولم يصرح هو ولا النووي بحكمه، ولا شك أنه إن كان قليلًا كخطوة وخطوتين أتى بهما، ولا إشكال. وإن كان كثيرًا فله حالتان: إحداهما: أن لا يحصل الإنذار إلا بالفعل كما في الصغير الذي لا يميز، والأعمى الأصم، فإذا مشى إليه خطوات فيحتمل أن يقال لا يلحق بالقول، بل تبطل الصلاة قطعًا لأن الإجابة بالكلام خرجت بالنص، وهو جواب النبي ﷺ ، فبقى ما عداها من البطلان على الأصل، ولأن الفعل أقوى من القول، ويحتمل إلحاقه [به] (١) وهو المتجه، لأن الكلام أشد منافاة للصلاة من الفعل بدليل اغتفار الفعل اليسير كقتل الحية والعقرب والخطوة والخطوتين، وحمله ﷺ أمامة، وغير ذلك، وقد صرح الأصحاب بهذه الأولوية، وحينئذ فإذا ثبت عدم الإبطال بالقول فبالفعل أولى. وعلى هذا يتم صلاته في الموضع الذي انتهى إليه ولا يعود إلى مكانه إلا في الموضع الذي يجوزه في سبق الحدث، وقد رجح الطبري شارح "التنبيه" الاحتمال الثاني فقال: إنه الظاهر، إلا أنه لم يقرره بما ذكرته، ويأتي أيضًا ما ذكرناه فيما إذا استدعى النبي ﷺ في عصره رجلًا، وقريب

стр. 1011

مما نحن فيه ما ذكره في "الشامل" وهو أنه لو فعل فعلًا واجبًا في الصلاة من رد وديعة وتفرقة زكاة بطلت صلاته إذا كان كثيرًا لإمكانه قبلها أو بعدها بخلاف القول، وفي تعليله نظر. الحالة الثانية: أن يمكن حصوله بالقول وبالفعل، فإن أبطلنا تخير، وإلا فيحصل على التفريق السابق ثلاث احتمالات. أظهرها: نفي الفعل. والثاني: القول. والثالث: التخير. ومما يتعلق بهذا الفصل إذا ناداه أحد الوالدين في الصلاة ففيه وجوه حكاها الروياني في باب إمامة المرأة من "البحر": أحدها: تلزمه الإجابة وتبطل الصلاة، [وقيل: تبطل إذا قصد] (١). والثاني: تلزم ولا تبطل. والثالث: لا تلزم بالكلية، قال: وهو أصح عندي، وذكر ابن الرفعة في "المطلب" أنه لم ير في المسألة نقلًا. قوله: فإن أتى بشئ من نظم القرآن قاصدًا به القراءة أو القراءة مع شئ آخر كتنبيه الإمام أو غيره أو الفتح على من ارتج عليه أو تفهيم أمر، لم تبطل صلاته، وقيل: تبطل إذا قصد مع القراءة شيئًا آخر. [ولو قصد الإعلام فقط بطلت صلاته. انتهى. أهمل قسمًا آخر] (٢) وهو ما إذا لم يقصد شيئًا بالكلية، وكذلك أهمله في "الروضة" أيضًا وقد اختلف فيه كلام المتأخرين، فالذي دل عليه كلام "الحاوي الصغير" أنها لا تبطل فإنه قال: تبطل الصلاة بكذا

стр. 1012

وكذا، ثم قال: وبالقراءة والذكر لمجرد التفهيم. هذا لفظه. وبه جزم الحموي شارح "الوسيط" قال: لأن الظاهر القراءة، وجزم في "التحقيق" بأنها تبطل فقال: ولو نطق بنظم قرآن كـ "ادخلوها بسلام" و"يا يحيى خذ الكتاب" وقصد تلاوة [لم تبطل، وكذا تلاوة] (١) وإعلامًا على المذهب أو إعلامًا أو أطلق بطلت. هذا لفظه وصرح بذلك أيضًا في "دقائق المنهاج"، وذكر في "شرح المهذب" نحوه فقال: وإن لم يقصد شيئًا فظاهر كلام المصنف وغيره أنها تبطل، وينبغي أن يفرق بين أن يكون قد انتهى في قراءته إليها فلا تبطل، وإلا فتبطل. انتهى كلامه. واعلم أن هذه الأقسام الأربعة تجري في الجنب أيضًا، فإذا قال مثلًا: "سبحان الذي سخر لنا هذا" ونحوه فحاصل ما ذكره الرافعي فيه أنه يحرم إذا قصد القراءة سواء قصد معه الذكر أم لا، ولا يحرم إذا قصد الذكر، وكذلك أيضًا إذا أطلق تغليبًا للذكر. ويجري أيضًا في الأيمان، فإذا حلف لا يكمله فأتى بآية فهم المحلوف عليه بها ما قصده الحالف، قال الرافعي: فلا يحنث إن قصد القراءة، وإلا حنث. هذا لفظه. وحاصله عدم الحنث عند قصد القراءة سواء كان معه قصد كلامه أم لا، والحنث إذا قصد كلامه وكذا إذا أطلق تغليبًا للكلام، وهو موافق للمذكور في الجنابة. فتلخص لنا أن الإطلاق في المسائل الثلاث على حد واحد عند النووي لأنه غلب هنا كلام الآدمي فحكم بالإبطال، وهو موافق للجواز في الجنب، ولكونه يحنث في اليمين. وأما على ما في [الخلاف] (٢) من عدم الإبطال هنا فإنه لا يوافق

стр. 1013

تجويزه للحنث، وقد سبق منه هناك الموافقه عليه. وقد تقدم الكلام على "ارتج" في الكلام على قراءة الفاتحة. قوله: ولو أتى بكلمات لا توجد في [القرآن] (١) على نظمها ويؤخذ مفرداتها مثل أن يقول: يا إبراهيم سلام كن، بطلت صلاته. انتهى. ولو فرق هذه الكلمات ولم يصل بعضها ببعض وقصد به القرآن لم تبطل، كذا صرح به المتولي ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره، وتعبير الرافعي بالنظم يدل عليه. وقال الشاشي: عندي أنه مبطل، لأنه لا قرآن ولا ذكر. قوله: نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله ﷺ يجب الاحتراز عنه، فلا يجوز أن يقول للعاطس: رحمك الله. وعن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أنه لا يضر ذلك، وصححه الروياني. انتهى. وهذا القول مشهور معروف، وقد نص عليه الشافعي في "الأم" وجزم به، وكذلك في "البويطي". وكلام الرافعي يقتضي استغرابه حتى أن النووي ذكر في "شرح المهذب" أن المنصوص في كتبه كلها أنه يضر، ويدل على صحة هذا القول أنه إذا قال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (٢) بقصد التلاوة والخطاب لا يضر على المشهور، فكذلك "يرحمك الله" بقصد الدعاء. وكلام الرافعي يقتضي البطلان إذا خاطب ملكًا أو نبيًا غير النبي ﷺ وقد يقال: إنما اغتفر الخطاب في السلام الواقع في آخر الصلاة لأجل الملائكة.

стр. 1014

قوله: الثانية: السكوت اليسير في الصلاة لا يضر بحال، وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان: أصحهما: أنه لا يضر أيضًا. وخص في "التهذيب" الوجهين بما إذا سكت لغير غرض، فأما إذا سكت لغرض بأن نسى شيئًا فوقف ليتذكره فلا تبطل صلاته بلا محالة. انتهى كلامه. والذي ذكره البغوي ليس طريقة مخالفة للأكثرين بل كلام الباقين محمول عليها، كذا سلكه الرافعي ﵀ في "الشرح الصغير" وعبر بقوله: لم تبطل بلا خلاف، ولم يقف النووي على "الشرح الصغير" وفهم أنها طريقة ضعيفة فأثبت الخلاف في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما، وعبر بالمذهب إلا أنه صحح طريقة القطع فقال: لم تبطل على المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى جماعة من الخراسانيين في بطلانها وجهين، وهو ضعيف، هذه عبارته في "شرح المهذب" لكن كلام الرافعي يدل إما على نفي الخلاف بالكلية أو على تصحيح طريقة الخلاف فاعلمه. قوله: ولو سكت كثيرًا ناسيًا، وقلنا: عمده مبطل، فطريقان: أحدهما: التخريج على الخلاف في الكلام الكثير ناسيًا. والثاني: لا يضر جزمًا. قال في "الوسيط": وهذا أصح. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن الأصح هي الطريقة القاطعة، كذا صححها في "شرح المهذب" فقال: إنها المذهب، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا منها. الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" لم يبين ما هما الوجهان اللذان خرجت عليهما الطريقة الأولى بل عبر بقوله: على الوجهين، ولم يزد

стр. 1015

على ذلك وهو غريب. الثالث: قد سبق في الفاتحة أن السكوت الكبير في أثنائها يضر على الصحيح، فلو كان ذلك ناسيًا لم يضر كما قاله الجمهور، ونص عليه الشافعي ومال الإمام إلى أنه يضر، وتابعه الغزالي فجعل المسألة على التردد، كذا ذكره الرافعي هناك. والمسألة نظير المسألة، ولكن الخلاف هناك غير معروف، ولهذا ادعى في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف فيحتاج إلى الفرق. قوله: ولو أشار في الصلاة إشارة مفهمة فقد أفتى الغزالى بعدم البطلان، ورأيت لوالدي وجهًا أنها تبطل. انتهى. والأصح منهما عدم البطلان، كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق في الكلام على الكنايات، وعبر بالصحيح، وقال النووي في "التحقيق": إنه المذهب، وفي "شرح المهذب": إنه المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، وصححه أيضًا هنا في "أصل الروضة" فاعلمه. وما نقله الرافعي عن والده من البطلان جزم به القاضي حسين في "فتاويه". الشرط الخامس: ترك الأفعال . قوله: ما ليس من أفعال الصلاة ضربان: أحدهما: ما هو من جنسها، فينظر إن فعله عامدًا بطلت صلاته سواء كثر أو قل كركوع وسجود ونحوهما لأنه تلاعب بالصلاة. انتهى كلامه. وأشار بقوله: ونحوهما إلى القيام وإلى القعود الطويل، واحترز بالقعود الطويل عما إذا هوى للسجود فجلس قبل سجوده جلسة خفيفة أي لا تزيد علي مقدار جلسة الاستراحة، فإن صلاته لا تبطل كما قاله الرافعي في باب سجود السهو، ومثله ما إذا سجد للتلاوة ثم جلس للاستراحة قبل القيام. ولو كان قائمًا فجلس ثم قام بطلت صلاته لا لعين القيام بل لكونه قطع القيام ثم عاد إليه فكأنه أتى بقومتين، قاله الإمام.

стр. 1016

نعم لو ركع قبل الإمام أو سجد فإنه يجوز له العود ثانيًا كما تقف عليه إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة مع أنه يصدق أن يقال: قد زاد ركوعًا ونحوه ولو كان قائمًا فانتهى إلى حد الركوع لقتل حية أو عقرب لم يضر، كذا قاله الخوارزمي في "الكافي". وقد دخل في كلام الرافعي ما إذا سجد على مكان خشن فخاف أن تتجرح جبهته فرفع رأسه ثم سجد ثانيًا. وللقاضي حسين فيها احتمالان: أحدهما: البطلان مطلقًا. والثاني: أنه إن كان قد تحامل على الشئ الخشن بثقل رأسه بطلت صلاته بالعود وطريقه فيه أن يزحف جبهته قليلًا، ولا يرفع رأسه، وإن لم يكن قد تحامل لم تبطل لأنه عمل قليل، ويجريان فيما لو سجد على يده ثم رفعها وسجد على الأرض. قوله: الضرب الثاني: ما ليس من أفعال الصلاة فيفرق فيه بين القليل والكثير بلا خلاف لأنه ﵊ صلى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (١)، وأخذ بأذن ابن عباس فأداره من شماله إلى يمينه (٢)، ورد السلام بالإشارة (٣)، وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة (٤)، ودخل أبو بكرة المسجد والنبي ﷺ راكع فأحرم منفردًا، وركع خوفًا من فوات الركعة ثم خطا خطوة ودخل

стр. 1017

الصف فقال له ﵊: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (١). [والمعني] (٢) فيه أنه يعسر أو يتعذر على الإنسان السكون على هيئة واحدة في زمان طويل، ولا يخلو عن حركة واضطراب، ولابد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، فعفي عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع، ثم قال: والكثير بالعرف، وقيل: ما يظن أن فاعله ليس في صلاة، [وضعفوه] (٣). وقيل: ما يسع ركعة، وقيل: ما يحتاج فيه إلى كلتى اليدين ككور العمامة لا لرفعها [وحل] (٤) أنشوطة السراويل. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره أولًا في تقرير العفو عن القليل دون الكثير إنما يستقيم على الحد الثاني الذي ضعفه فتأمله. الثاني: أنه يقتضي أن الخشوع شرط، والصحيح على ما ذكره في صلاة الجماعة خلافه. الثالث: أنه قد أعاد الخلاف في حد الطويل والقصير في أثناء سجود السهو قبيل قوله: قال: قواعد أربع، وجعل مقدار الركعة عند من يضبط بها قليلًا، وأن الطويل ما زاد عليها على خلاف ما ذكره هنا، ثم إنه حكاه قولًا لا وجهًا، وستعرف لفظه في موضعه.

стр. 1018

وكور العمامة سبق إيضاحه في السجود. والأنشوطة: بنون ثم شين معجمة وطاء مهملة قال ابن فارس وغيره: الأنشوطة: العقدة تنحل إذا مدّ طرفها، يقال: أنشطت الحبل إذا عقدت، وأنشطت إذا حللت. ومنه خبر الرُقيا "كأنما أنشط من عقال" فيكون من الأضداد. واعلم أن حمل أمامة وإدارة ابن عباس رواهما البخاري ومسلم. والتسليم بالإشارة، والأمر بقتل الأسودين رواهما الترمذي، وصححهما. وحديث أبي بكرة رواه البخاري، وأبو بكرة بتاء في آخره تقدم الكلام عليه في أوائل المسح على الخف. قوله: فأما الحركات الخفيفة إذا كثرت وتوالت كتحريك الأصابع في تسبيحة أو حكة أو عقد أو حل فلا يضر في أظهر الوجهين. انتهى. فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا في الكلام على الأكل أن المضغ وحده فعل حتى يكون الكثير منه مبطلًا، وإن لم يصل إلى الجوف شئ مع أن [الذكر] (١) الذي ذكره من الأفعال الخفيفة. الأمر الثاني: إذا قلنا بالإبطال في تحريك الأصابع، فهل يكون الذهاب والإياب مرة واحدة أو مرتين؟ لم ينبه الرافعي ولا النووي عليه، وقَلَّ من تعرض له أيضًا. وقد بينه الخوارزمي في "الكافي" فقال: إن ذلك مرة واحدة، قال: وكذا رفع اليد عن الصدر ووضعها في محل الحك. الثالث: أن تقييد الرافعي هذه المسألة بتحريك الأصابع قد يؤخذ منه أن

стр. 1019

تحريك اليد بذلك مبطل، وقد جزم به الخوارزمي في "الكافي" أيضًا، وأنه لا فرق في الأصابع بين الثلاث، وما زاد، وجعل في "البسيط" محل الخلاف فيما زاد على الثلاث، وجزم في تحريك الثلاث بعدم البطلان. قوله: وقد حكي عن نص الشافعي ﵁ أنه لو كان بعد الآي في صلاته عقدا باليد لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله. انتهى كلامه. ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وقد رأيت هذا النص في "الأم" في كتاب اختلاف العراقيين وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وهو مذكور بعد باب قطع العبد فقال في باب صلاة الخوف من الكتاب المذكور ما نصه: وذكر عن الحكم أيضًا عن إبراهيم أنه قال: لا بأس بِعَدّ الآي في الصلاة. قال الشافعي: ولو ترك عَدَّ الآي في الصلاة كان أحب إلىّ. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته. ومقتضاه عدم الكراهة، وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: مذهبنا أنه لا يكره، بل هو خلاف الأولى، قال: وهو مراد "المهذب" بقوله: إنه يكره ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: فكان خلاف الأولى. هذا كلامه. إذا علمت ذلك فقد جزم في "التحقيق" بأن ذلك مكروه ذكر ذلك في آخر [هذا] (١) الباب، وهو غريب، وكلام النووي في "شرح المهذب" يوهم أن عدم الكراهة متفق عليه، وليس كذلك، فقد نقل في "البحر" عن "الحاوي" ما يقتضي أنه مكروه، وجزم به الجرجاني في "الشافي". قوله: روي أن النبي ﷺ قال: "إذا مر المار بين يدي أحدكم وهو في الصلاة فليدفعه فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان" (٢).

стр. 1020

وروي البخاري ﵀ في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" (١). انتهى. وقوله في الحديث الأول وهو الذي ليس فيه ذكر السترة: "فإن أبى فليدفعه" وقع في أكثر نسخ الرافعي تكراره ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي "الوجيز" مرة، والحديث روى الشيخان معناه. قوله: والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما، ويدنوا منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع. ولو كان في صحراء فينبغي أن يغرز عصا أو نحوها، أو يجمع شيئا من رحله، ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئًا شاخصًا خط بين يديه خطًّا أو بسط مصلي، لما روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر بين يديه" (٢)، وذكر الإمام والغزالي أن الخط لا يكفي لأن الشافعي مال إليه في القديم، ولكن رواه في الجديد ثم خط عليه، ولأنه لا يظهر. انتهى ملخصًا. والسارية هي العمود ونحوه، ومؤخرة الرحل بسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، سبق الكلام عليها في استقبال القبلة. إذا علمت ذلك ففيه أمور:
следующие страницы →