أرسله، فإن لم يرسله حتى مات في يديه؛ كان عليه جزاؤه (١). وقال أشهب: إن سافر به فلا شيء عليه. ومن أرسله من يده فعليه قيمته, وقال محمد: في قوله إن سافر به فلا شيء عليه؛ يريد: ويرسله (٢). وظاهر قول أشهب خلاف ما ذهب إليه محمد، ولو كان عليه أن يرسله؛ لم يكن على من أرسله من يده قيمة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه، ثم حل أو خرج من الحل، أو حل الذي صاده، وهو محرم والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه. قال: وخالفني أشهب، وقال: لا شيء عليهما (٣). فحكى عن أشهب ألا شيء عليه إذا أكل منه بعد أن حل، وهذا يرد على محمد أن ليس عليه أن يرسله إلا على وجه الاستحسان.
فحرم قتل الصيد لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. والاصطياد بقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ. . .﴾ الآية [المائدة: ٩٤]، وحرم استئناف ملكه وإن كان ملكًا بحلال لقول النبي ﷺ للذي أهدى له صيدًا فرده عليه: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" (٤).
стр. 1402
ولم يحرم ملكه إذا لم يكن معه؛ لأنه أمر خارج عما ورد فيه القرآن، فبقي على أصل الملك. وحرم إذا كان في يده لقوله ﷺ في مكة: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" (١). فكذلك الصيد (٢) مع الحلال (٣) في الحرم يكون آمنًا، وإذا لم يجز أن ينفره؛ لم يجز أن يبقى في يده.
واختلف في معنى قول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فقيل: المراد الصيد نفسه. وقيل: الاصطياد. وكلا القولين يحتمل؛ لأن الصيد يقع على المصيد، يقول: هذا صيد، وأخذت صيدًا. وعلى الاصطياد، يقول: صاد يصيد صيدًا، فهو مصدر صاد.
وقول مالك وأصحابه أن المراد الاصطياد، وألا شيء عليه إن بقي في ملكه إذا أيكن في يده معه (٤).
واختلف فيه عن الشافعي فقال مرة: المراد الاصطياد. وقال مرة: الصيد نفسه، وعليه أن يرسل ما كان في بيته. وحمل الآية على الملك. واحتج من أجاز ملكه بالنكاح لتقدم الإحرام، فإنه لا يؤمر بالفراق، ولا يجوز أن يستأنف نكاحًا بعد الإحرام. وليس الاحتجاج بالزوجية (٥) بالبين؛ لأنه يجوز أن تكون معه وتضاجعه، بخلاف الصيد أنه يرسله إن كان معه، والوجه فيه ما تقدم: أن
стр. 1403
النهي إنما ورد عن القتل والاصطياد، وأن يستأنف فيه ملكًا وهو معه؛ لئلا يكون خائفًا منه، وما كان في بيته خارج عن ذلك، فقد يجوز أن يشتري وهو محرم (١) بمكة صيدًا بمدينة أخرى، وتقبل هبته. وقول محمد ألا شيء عليه إن كان معه في رفقة- حَسَنٌ، ولا فرق بين ذلك ولا بين أن يكون في داره وهو في تلك المدينة ولا بين أن يكون معه في رفقة، بخلاف أن يكون معه خائفًا منه، وقد نهي أن يزيله من الظل ويكون مكانه.
والسابع اصطياده وقتله للضرورة، ففيه ثلالة أقوال:
فقيل: لا يجوز قتله. وقيل: يجوز، وعليه الجزاء. وقيل: لا جزاء عليه.
فقال مالك في الموطأ في المحرم يضطر إلى الميتة: يأكلها، ولا يصيد. قال: لأن الله تعالى لم يرخص في قتل الصيد في حال من الأحوال، ورخص في كل الميتة عند الضرورة (٢). وهذا يقتضي ألا يأكله وإن لم تكن ميتة؛ لقوله: لم يرخص فيه في حال من الأحوال، مثل أحد القولين في المضطر إلى الخمر.
وقال محمد بن عبد الحكم: لو نالني ذلك؛ لأكلت الصيد، وإن كانت الميتة موجودة (٣).
وقال أبو محمد عبد الوهاب فيمن قتل صيدًا لضرورة: عليه جزاؤه (٤). وهذا محتمل أن يمنعه عند الضرورة، أو يقول: يجوز له، وعليه جزاؤه. وقال الأوزاعي: لا جزاء عليه. وأرى أن يجوز الصيد والقتل عند الضرورة لإحياء
стр. 1404
نفس، وليس له ذلك إذا جاع، ولم يخف على نفسه.
وقد اختلف في الميتة هل يأكل منها إذا اضطره الجوع، أو حتى يخشى الموت؟ وإن استودع صيدًا وهو حلال، ثم أحرم وهو في يديه؛ دفعه لصاحبه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا بقي في يده حتى يقدم، فيرده عليه. قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولا يرسل متاع الناس، ويضمنه إن فعل، وإن استودعه بعد أن أحرم أرسله، وغرم قيمته لصاحبه (١).
يريد: إذا غاب، وإن كان حاضرًا رده عليه. وقال في كتاب محمد، في محرم اشترى صيدًا من حلال: يرده عليه، ويلزم ذلك البائع، شاء أو أبى. وقال ابن حبيب: يرسله، فإن رده على بائعه؛ كان عليه الجزاء (٢).
فصل في ذبح المحرم للصيد (٣)
لحم الصيد على المحرم على ثلاثة أوجه:
حرام، وهو: ما ذبحه المحرم، أو قتله باصطياد.
وحلال، وهو: ما ذبحه الحلال لنفسه، أو لغيره ممن هو حلال، فهو حلال للمحرم. وكذلك ما صاده المحرم وذبحه له قبل أن يحرم، ثم أحرم من ذبح له فهو ذكي؛ يجوز أكله للمحرم، كان من ذبح له أو غيره.
والثالث: ما صيد للمحرم بعد إحرامه, أو صيد قبل وذبح له بعد، فإن كان صيده أو ذبحه بأمره؛ لم يحل كله بحال، وهو غير ذكي، وعلى الآمر جزاؤه؛ لأن
стр. 1405
إراقة دمه كان بأمره. واختلف إذا لم يكن بأمره، فذهب عثمان ﵁ إلى أنه ذكي، ويجوز أكله للحلال ولغير من ذبح له من المحرمين، وقال لأصحابه: كلوا، فإنما صيد من أجلي (١). وقد يكون ذلك منه على وجه الاستحسان في امتناعه؛ حماية لئلا يتذرع المحرم للاصطياد؛ لأنه لا يكون ذكيًا غير ذكي.
وقال مالك وغيره من أصحابه: ليس بذكي، ولا يأكله حلال ولا حرام (٢).
واختلف بعد القول بمنع الأكل منه: إن أكل منه من ذبح من أجله على ثلاثة أقوال: فقيل عليه جزاؤه. وقيل: لا شيء عليه (٣). وقيل: إن علم فعليه الجزاء، وإلا فلا (٤).
وإن أكل منه محرم غير من ذبح من أجله، وهو لا يعلم، فلا شيء عليه.
واختلف إذا علم هل عليه جزاؤه؟ وألا جزاء في ذلك كله أحسن؛ لأن الجزاء إنما يتعلق بإتلاف نفس الصيد وإراقة دمه، وقد كان الاصطياد والذبح، لم يلزم صائده ولا ذابحه جزاء، وإن كان ذلك لم يلزم بالأكل. وإن أشرك بالنية فذبح لنفسه وللمحرمين فهو أخف. ويجوز أكله للحلال والحرام؛ لحديث أبي قتادة (٥) إلا أن يكون ذبحه لنفسه في معنى التبع، ولولا من معه لم يذبحه.
стр. 1406
باب الصيد في حرم مكة والمدينة, وهل يعضد شجرها أو يختلا خلاها ؟ (١)
الصيد في الحرم حرام لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] فدخل في عموم الآية الحلال يحرم أو يدخل الحرم؛ لأنه يصير بذلك حرامًا. يقال: أحرم إذا دخل في الحرم، وأتهم وأنجد: إذا أتى تهامة ونجدًا. وأمسى وأصبح: إذا دخل في الصباح والمساء. وقال النبي ﷺ في مكة: "لاَ يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" أخرجه البخاري ومسلم (٢).
فيحرم على الحلال في الحرم قتل الصيد واصطياده، وإن كان الاصطياد على صفة تسلم فيه نفسه، ويحرم تنفيره.
واختلف إذا صاده في الحل وأدخله الحرم، فأجاز ذلك مالك في المدونة: أن يبقى في ملكه، وأن يذبحه ويكون ذكيًا. ومنعه ابن القاسم في العتبية فقال فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه ثم حل، أو خرج من الحرم، أو حل الذي صاده وهو محرم، والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه؛ لأنه وجب عليه إرساله. قال: وخالفني في ذلك
стр. 1407
أشهب، وقال: لا شيء عليهما (١).
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وطاووس وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي مثل ذلك: أن عليه أن يرسله.
قال ابن عمر: وإن ذبحه فعليه جزاؤه.
وقال أصحاب الرأي: إن لم يخل سبيله وباعه؛ فعليه جزاؤه (٢).
وهو أقيس. ولا فرق بين الحلال يحرم وفي يده صيد، أو يدخل به الحرم، فإما أن يقال: لا شيء عليه فيهما؛ لأنه ملكه بوجه جائز. أو يقال عليهما أن يرسلاه؛ لأن تمادي اليد بعد أن صار محرمًا بما عقد من الإحرام، أو بدخوله في الحرم كالابتداء. وظاهر قول مالك المساواة، وربما فرق بينهما، بأن قال: إن شأن أهل مكة يطول وهم محلون في ديارهم. وأما المحرم؛ فشأنه الأيام القلائل (٣).
وقوله في الموطأ غير هذا. لأنه قال: لا يحل الصيد عند الضرورة، بخلاف الميتة (٤). فكيف بمن هو قادر على أن يذبحه في الحل يأكله طريًا إذا أتى من ناحية التنعيم، وأبعده الجعرانة، وليس يتغير فيه. ويجب على قوله أن يفرق بين المكي والطارئ الذي مقامه أيام حجه وينصرف، فيمنعه لهذا، ويبيحه للمكي.
стр. 1408
فصل [في الاصطياد في حرم المدينة]
الاصطياد في حرم المدينة حرام؛ لقول النبي ﷺ : "مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ" (١).
واختلف إن تعدى وصاد، هل فيه جزاء؟ وهل هو ذكي؟ فقال مالك في المدونة: لا جزاء فيه (٢). وقال أشهب في كتاب محمد في منع أكله: قال مالك: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه (٣). وقال ابن القصار: قال ابن نافع وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: عليه الجزاء. فعلى هذا يحرم أكله. وهو أقيس، أن لا يؤكل، وأن (٤) فيه الجزاء.
стр. 1409
باب الجزاء على من قتل صيدًا عمدًا أو خطأً أو كان سببًا لقتله
الجزاء يجب على المحرم في الصيد إذا كان القتل عمدًا. واختلف إذا كان خطأ أو سهوًا أو تكرر العمد، فقال مالك وغيره من أصحابه: في جميع ذلك الجزاء (١). وقال محمد بن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد، ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه فيما بعد أول مرة، إلا ما وعد الله في الآخرة، أو يعفو عنه. قال: وهو نص في كتاب الله تعالى. وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي ثور: ألا شيء فيما سوى العمد.
واحتج من نصر القول الأول في الناسي بعموم قوله ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ فهو متعمد للقتل، وإن نسي أنه في إحرام أو نسي تحريم ذلك، وفي المخطئ في الدية في الخطأ.
والحجة للقول الآخر: أن الأصل في قتل الصيد عدم الغرم، فلا يجب إلا فيما ورد فيه النص، ولأن مفهوم الآية توعد من أتى ذلك جرأة وقصد الانتهاك؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وهذا من مفهوم الخطاب. ولا يتوجه مثل ذلك على المخطئ والناسي؛ يتوعد بالانتقام ويذوق وبال أمره. ولأن الذمة بريئة، فلا يجب فيها شيء إلا بآية أو سنة أو إجماع. ولأن الآية خرجت مخرج التغليظ والتوعد بالعقوبة، فلم يقس عليه الناسي قياسًا على من أفطر في رمضان؛ لأن
стр. 1410
كليهما حق الله تعالى. ولأنه شرط العمد، فلا يلحق غيره إلا بدليل.
فإن قيل: فقد أوجب الله الكفارة في قتل الخطأ، قيل: وأسقط عن المفطر ناسيًا الكفارة. فبان بذلك أنه شرع يتبع حيث ورد.
فصل في تَسَبُّبِ المحرم في القتل (١)
واختلف إذا لم يقتله المحرم عمدًا ولا خطأ، ولكنه كان سببًا لقتله، هل عليه الجزاء؟ وذلك في سبع مسائل:
إحداها: إذا ضرب فسطاطًا، فتعلق بأطنابه صيد، فعطب.
والثاني: إذا فر الصيد لرؤيته، فعطب.
والثالث: إذا نصب شركًا لسبع أو حفر له بئرًا، فعطب فيه صيد.
والرابع: إذا دل على صيد حلالا أو حراما، فقتله.
والخامس: إذا أعان حلالًا أو ناوله سوطًا أو رمحًا، فقتله.
والسادس: إذا أمر غلامه بإرسال صيد، وظن أنه أمره بقتله.
والسابع: إذا قتله في يده حلال.
فقال ابن القاسم فيمن ضرب فسطاطه، فتعلق به صيد، فعطب: لا شيء عليه (٢). وذكر ابن الجلاب عنه: أن عليه الجزاء (٣). ولا وجه لهذا. وقال: إن رأى الصيد محرمًا، ففزع منه، ففر (٤) فانكسر من غير أن يفعل به شيئًا: عليه
стр. 1411
الجزاء (١). وقال أشهب: لا شيء عليه (٢). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا شيء عليه، إلا أن يكون من المحرم حركة يفر لها (٣). يريد: على حركة الصيد، وأما حركته لشغله فلا، ولا تكون حرمة الصيد أعلى من حرمة آدمي.
ومثل هذا لا يتعلق بفعله عليه شيء لآدمي إن عطب، وكذلك الصيد لا جزاء عليه. وقال ابن القاسم فيمن نصب شركًا للذئب أو للسباع مخافة على غنمه أو نفسه، فعطب فيه صيد: عليه الجزاء؛ لأن مالكًا قال فيمن حفر في منزله بئرًا لسارق أو عمل شيئًا يتلف به السارق، فوقع فيه غيره: ضمن ديته (٤). وقال أشهب: إن كان موضعًا يخاف على الصيد منه؛ فعليه الجزاء، وإلا فلا (٥).
وهذا أحسن: ألا شيء عليه إذا كان موضعًا لا يخاف علي الصيد منه. وإن كان يخاف عليه، ونصب ليدفع الذئب أو السبع عن غنمه، أو يدفع السبع عن نفسه، ويقدر على صرفه بغير ذلك: عليه الجزاء. وإن كان لا يقدر على صرفه إلا بذلك؛ كان عليه الجزاء على أصل مالك فيمن اضطر إلى الصيد: أنه يأكل الميتة، فإذا لم يبح ذلك له في صيانة نفسه؛ لم يجز في صيانة المال.
وأرى أن يمنع إن خشي تلف الشاة والشاتين، وإن كان يخشى تلف الشيء الكثير؛ جاز أن ينصب لتغليب أحد الضررين. وقال مالك: إن دل
стр. 1412
المحرم حلالًا أو حرامًا على صيد، فقتله المدلول؛ فليستغفر الله الذي دله، ولا شيء عليه (١).
وقال في كتاب محمد: إن دل حرامًا أو حلالًا، وأعانه بأن ناوله سوطًا أو عصًا أو قوسًا؛ فهو آثم، لا جزاء عليه. وقال عبد الملك لا شيء على الدال وإن كان محرمًا ودل حلالًا أو حرامًا.
وقال أشهب: إن دل حرامًا فقتله؛ فعلى كل واحد جزاء. وإن دل حلالًا فقتل؛ فليستغفر الله، ولا شيء عليه، وكذلك إن ناوله سوطًا (٢).
وذكر ابن شعبان عن ابن وهب: إن دل محرم حلالًا؛ فداه أحب إليَّ. وقال أشهب: يفديه. وهو قول الليث وعطاء. قال ابن وهب: وهو قول ابن عباس ﵁.
وقال مالك فيمن أمر غلامه أن يرسل صيدًا كان في يده، فظن أنه قال: اذبحه، فذبحه: على سيده الجزاء. وعلى العبد إن كان محرمًا الجزاء، ولا يضع عنه خطؤه الجزاء. قال: ولو أطاعه فذبحه؛ كان عليهما الجزاء (٣).
والقياس: ألا شيء على السيّد، كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد، وليس من السيد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فإن أمره فذبحه كان على السيد جزاؤه؛ لأن العبد مع سيده في معنى المكره. وإن لم يكرهه؛ وعلى العبد جزاءً آخر إن كان حرامًا. وقال في المحرم بيده صيد، فأمسكه لمن قتله: عليه الجزاء. وعلى القاتل إن كان حرامًا جزاء آخر. وإن كان حلالًا فلا
стр. 1413
شيء عليه. وإن لم يمسكه له وإنما أمسكه ليرسله، فإن كان القاتل حرامًا كان الجزاء على القاتل وحده. وإن كان حلالًا كان على الممسك الجزاء.
والقياس: ألا شيء عليه؛ لأن القتل من غيره؛ لأنه لم يتعد إذا كان (١) أمسكه ليرسله. وإن لم يرد إرساله كان عليه الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في إمساكه. وإن نازعه فيه محرم، فمات بينهما؛ كان على كل واحد منهما جزاء. وإن نازعه حلال؛ كان على من كان بيده الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في منازعته له، وقد كان عليه أن يمكنه منه فيرسله.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان قتله في يده حلال في الحرم؛ كان على كل واحد الجزاء، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته، والجزاء على المحرم وحده (٢). قال محمد: على القاتل القيمة ما لم يكن أكثر من الجزاء، فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول كنت أقدر على السلامة بإطلاقه، فعليك ما أدخلت عليّ بقتله (٣). وليس هذا قول أشهب، وقد تقدم قول أشهب في العتبية: أنه إن ذبحه بعد ما حل وأكله فلا شيء عليه (٤). وإنما احتج أشهب في هذا لقول بعض أهل العلم: أن له أن يمسكه الآن، وبعد أن يحل. وإن كان إنما يتبعه لأجل ما أدخله فيه؛ لم يرجع إلا بالجزاء قل أو كثر. وقد ذهب مالك وابن القاسم في هذا السؤال وفي غيره، في الجماعة تجتمع على قتل صيد: أن على كل واحد منهم الجزاء كاملًا (٥). قياسًا على الكفارة في قتل الخطأ إذا قتل جماعة رجلًا: أن على كل
стр. 1414
واحد الكفارة كاملة.
وقال بعض أهل العلم: على جميعهم جزاء واحد؛ لأن كفارة هذا ديته فأشبه الدية في قتل الخطأ.
فصل [في إرسال المحرم صيدًا]
وإن أخذ المحرم صيدًا في الحل، وأرسله في الحرم في موضع يعيش فيه؛ فلا شيء عليه. قال أشهب: وإن أخذ صيدًا من الحرم، فسرحه في الحل، فإن كان مما ينجو بنفسه فلا شيء عليه، وإن كان مما لا ينجو بنفسه فعليه الجزاء (١).
ومن رمى من الحل صيدًا في الحرم فقتل لم يأكل، وعليه الجزاء (٢). واختلف إذا رمى من الحرم صيدًا في الحل، فقال مالك وابن القاسم: عليه الجزاء (٣). وقال أشهب وابن الماجشون: لا جزاء عليه، ويؤكل (٤) قال ابن القاسم: وكذلك، إن رمى من الحل صيدًا في الحل، ومر السهم بالحرم؛ لم يؤكل، وعليه الجزاء (٥). وقال أشهب: يؤكل، ولا جزاء عليه. وكذلك، إن أرسل كلبه؛ فهو في هذا بمنزلة من أرسل سهمه، ولا جزاء في جميع (٦) ذلك (٧).
وأن يؤكل أحسن؛ لأن المنع لما يكون من الصيد في الحرم ليس مما
стр. 1415
يكون في الحل.
وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فأتبعه حتى قتله في الحرم؛ لم يؤكل. ولا جزاء عليه إن أرسله على بُعْدٍ مِنَ الحَرَم، وإن كان قريبًا فعليه الجزاء (١). وكذلك إن أدخله الحرم ثم أخرجه فقتله، فهو بمنزلة ما لو قتله في الحرم؛ لأنه قد كان له الأمن لما دخل. ولم يؤكل بحال، ويفترق الجواب في الجزاء. قال: إن أرسله عن قرب كان عليه الجزاء، وإلا فلا. واختلف فيما قرب من الحرم، هل له حكم الحرم؟ فرأى مالك وابن القاسم القرب والبعد سواء (٢). فإن أرسل قرب الحرم فأخذ فيه قبل أن يدخل الحرم- أكل، ولا شيء عليه. وقيل: له حكم الحرم؛ فلا يؤكل، وعليه الجزاء. وإن أرسل على بعد من الحرم؛ فأخذه بقرب الحرم؛ لم يؤكل، ولا جزاء عليه.
والأول أحسن، وإنما تتعلق الأحكام بالحرم، فأما حلال في حل فلا.
ومن رمى صيدًا من الحل والصيد في الحل، ثم تحامل فمات في الحرم، فإن أنفذت مقاتله في الحل كل (٣). واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل (٤). وقال أصبغ في كتاب محمد: لا يؤكل، ولا جزاء عليه (٥). وقول أشهب أبين؛ لأن موته كان من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلًا، وليس بمنزلة من
стр. 1416
ضرب رجلًا فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر. فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين، وهذه ضربة واحدة، وهي التي قتلت. واختلف فيمن أرسل على ذئب في الحرم، فأخذ صيدًا، فقال ابن القاسم: عليه الجزاء. وقال أشهب: لا جزاء عليه (١). وهذا أبين، ولو لزم من أرسل على ذئب في الحرم الجزاء للزم المحرم إذا أرسل على ذئب في الحل (٢)، فأخذ صيدًا؛ لأنه غرر أيضًا على قوله. وإنما أرسل هذا على ما رأى، والشأن أن الكلب إنما يأخذ ما أرسل عليه.
فصل [في جرح المحرم الصيد]
وإذا جرح المحرم صيدًا ثم نجا بنفسه، فإن أنفذ مقاتله؛ كان له حكم الميت، وفيه الجزاء. وإن أصاب منه موضعًا الغالب حياته؛ لم يجب جزاؤه. وإن أشكل أمره لاحتمال حال الجرح، أو لأنه لا يعلم كيف كان؛ ففيه قولان: فقال محمد: عليه الجزاء (٣). ولم يعتبر صفة الجرح. وفي المدونة قال مالك: من جرح صيدًا وهو محرم، فغاب الصيد وهو مجروح؛ فعليه الجزاء كاملًا (٤).
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أصابه ما يموت به فليوده، وإلا لم يوده (٥). وهذا أقيس؛ لأن الأصل براءة الذمة، وأنه على الحياة حتى يثبت هلاكه. والأول استحسان، وأخذ بالأحوط.
стр. 1417
ويستحب أن يؤخر الجزاء؛ لإمكان أن يكون لم يعجل له الموت. فإن أخرج جزاءه فرآه حيًا بعد طول، وما يرى أنه كان يموت منه لم يبق تلك المدة؛ لم يكن عليه شيء. وإن كان ذلك بقرب، ولم يرتفع الشك؛ استحسن له أن يخرجه بعد أن يمهل، ولا يعجل بذلك.
واختلف إذا علمت حياته، وكان قد أبان له عضوًا، أو شأنه فقال ابن القاسم في المدونة لا شيء عليه (١). وقال في كتاب محمد: عليه ما نقصه (٢). وقاله أشهب.
وهو أحسن؛ لأنه منهي عن أن يصيبه بأذى وغيره، وقد جعل الله عقوبة من أتلف النفس الجزاء أو القيمة، فيقاس تلف الأعضاء عليه، فيغرم قيمة ما أتلف أو أفسد.
وقال مالك في محرم صاد طيرًا فنتفه، ثم حبسه حتى انسل فطار: فلا شيء عليه (٣).
قال محمد: يضعه في موضع ينسل فيه، ثم عليه جزاؤه (٤). وقال ابن حبيب: يحبسه حتى يعود ريشه, ثم يرسله, ويطعم مسكينًا، فإن غاب قبل أن ينسل وخيف عطبه؛ فليوده (٥). ويختلف على هذا إذا جرح صيدًا فلم يستطع النجاة، هل يحبسه حتى يبرأ، أو يرسله ويغرم جزاءه؟ فمان حبسه لم يغرم الآن شيئًا. فإن رئ بغير شين؛ فلا شيء عليه. وإن بقي به شين؛ غرم ما نقصه.
стр. 1418
باب في الحكمين في الصيد وأصناف الجزاء وحكم جنين الصيد وبيضه وأين تخرج الكفارة (١)
وقال مالك في الحكمين في الجزاء: يكونان عدلين فقيهين (٢).
يريد: فقيهين بما يحتاج إليه من ذلك. فإن اختلفا لم يأخذ بقول أرفعهما، وابتدأ الحكم غيرهما.
قال في كتاب محمد: وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما (٣).
وجعله بمنزلة من أخرج الجزاء بقول واحد.
وإن اتفقا على خطأ بين، فحكما بما فيه بدنة أو بقرة بشاة؛ نقض حكمهما، وإن أخرج على ما حكما به لم يجزه. وإن حكما بما فيه شاة ببدنة أو بقرة لم يجزه (٤).
والاستحسان أن يجزئ؛ لأنه أتى بما هو أفضل قطعًا.
وإن حكما بما فيه الطعام بالنعم لم يجزه. وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من النعم ففعلا، ثم أراد أن ينتقل إلى الطعام؛ جاز (٥). وقال ابن
стр. 1419
شعبان: ذلك له قبل أن يحكما، فإن حكما له لم يرد الحكم (١).
والأول أحسن؛ لأن الإيجاب إلى الذي أصاب الصيد، وليس رضاه مما يسقط التخيير الذي جعله الله تعالى. والكفارة ثلاثة أصناف حسب ما جاء في كتاب الله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. . .﴾ الآية [المائد: ٩٥].
فالأولى النظير من النعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم. قال مالك: ولا يجزئه في ذلك إلا ما يجوز في الهدي؛ الثني فصاعدًا، إلا الضأن فإن جذعها يجزئ (٢). فإن لم يكن له نظير من النعم، أو كان وأحب أن يخرج الإطعام؛ أخرج قيمته بالموضع الذي أصابه فيه إن أصابه في عمارة، وإلا فأقرب موضع من العمارة ويقوم بالطعام من عيش ذلك الموضع. وإن قوم بالدراهم، ثم اشترى به طعامًا أجزأه.
ويُقوّم على هيئته من الصغر والكبر على المستحسن من القول، ولا يراعى عند مالك الجمال ولا الفراهية (٣). ويطعم على نحو ما يفعل في الكفارات: كل مسكين الوسط من الغداء أو العشاء. وإن كان عيشهم القمح، وكان المد الوسط عندهم فهو. وإن كان عيشهم الشعير أو التمر؛ قوم به، وأطعم كل مسكين الوسط مما (٤) يكون غداء وعشاء. صان أحب الصيام؛ لم يصم على عدد الأمداد، وإنما يراعى أعداد المساكين، فيصوم على عددهم، ويصوم على كسر المد يومًا. والإطعام عن قيمة الصيد نفسه وليس عن قيمة نظيره من النعم وكذلك الصوم وهو عن الإطعام الذي هو قيمة الصيد.
стр. 1420
وموضع القضاء في هذه الثلاثة مختلف، فموضع النظير من النعم مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وموضع الإطعام حيث أصاب الصيد وما يقاربه. والصوم بحيث أحب من البلاد، إلا على القول أن الكفارة على الفور؛ فيؤمر أن يأتي به هناك، ولا يؤخره. فإن تعدى وأخره؛ صام بحيث هو، ولا يرجع لأجله.
ويفتقر إلى الحكمين في فصلين هما: الجزاء من النعم، والإطعام. فإن حكما بالإطعام وقدر ما يستحقه كل مسكين؛ لم يفتقر في الصوم إلى حكمين، وهو يصوم عن كل مسكين يومًا. واختلف في هذه الجملة في أسنان النظير من النعم وفي موضع نحره. وفي صفة القيمة إذا قوم بالطعام وكان صغيرًا هل يقوم لو كان كبيرًا أو ينظر ما يشبع لحمه، وفي جنين الصيد إذا خرج حيًا ولم يصرخ، وفي بيض الصيد إذا لم يكن فيه فرخ، وفي إفساد وَكْرِه إذا لم يهلك البيض. وإذا أخرج القيمة بغير الموضع الذي قوم فيه، وفي قدر ما يغرمه عن الذر والنمل، وهل يحتاج في مثل ذلك إلى حكمين؟.
فأجاز عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود ﵁، وعطاء وغيرهم ما دون الثني من غير الضأن.
وذكر ذلك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في الغزال بعنزة، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة (١).
وقال ابن عباس ﵁: في الأرنب حمل. وقال ابن مسعود ﵁ وعطاء: في اليربوع جفرة (٢).
стр. 1421
وقال مجاهد: سخلة (١). وهذا لقول الله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] فمن أوجب فوق ذلك كان مخالفًا للنص.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن حكما بمثل ما قضى به عمر مضى. قال: ولا أقول في شيء قضى به عمر أنه يرد.
وقال مالك مثل ذلك في غير ما موضع، أنه إن قضى قاض بمختلف فيه؛ مضى، ولم يُرَدَّ وإن خالف رأيه.
وأما موضع نحره؛ فهو مخّير عند مالك بين أن ينحره بمكة, وإن شاء نحره بمنى إن كان ساقه في حج. وقال أيضًا في الصيد: يقوم بطعام على حاله التي كان عليها حين أصابه وهو حي، وهو ظاهر قوله: إن قوم بدراهم (٢).
وقال محمد: يقوم إذا كان صغيرًا أو كان كبيرًا. وذكر ابن اللباد رواية: أنه يطعم قدرما يشبع لحم الصيد.
وهذا مثل قول مالك في المدونة أنه: يقوم على قدره، ولا يقوم غيره (٣). وهو أحسن؛ بقوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥]. فلا يلزمه أكثر منه, وليس مثل الدية؛ لأن تلك ورد الأمر فيها على التساوي بين الصغير والكبير. وجعل الصيد موكولًا إلى النظير من النعم والقيم على الأصل، وفي الغرم على المتلفات، وهو إذا أخرج القيمة من الطعام أبين أن يخرج قيمته على صغره؛ لأن التعلق إذا أخرج النظير من النعم شبهه (٤) لأجل الهدايا، ولا يعلق في القيمة
стр. 1422
بالطعام والدراهم أن يغرم فوق ما أتلف.
ويختلف إذا أخرج الطعام بغير الموضع الذي صاد فيه الصيد، فمنعه في المدونة، وقال: يحكم عليه بالمدينة، ويطعم بمصر!. قال محمد: إن حكم عليه بمصر، فأطعم في المدينة؛ أجزأه حيثما كان (١). وأرى إن حكم عليه بدراهم، فاشترى بها بسعر الموضع الذي هو فيه؛ أجزأه، كان أرخص من الموضع الذي أصاب فيه الصيد أو أغلى. وإن حكم عليه بطعام؛ لم يجزه أن يخرجه بموضع هو أرخص، ويجزئه إن كان أغلى كما قال محمد (٢).
فصل [في نوع الصيد (٣)]
وكل صيد يصح أن يخرج عنه القيمة بالطعام، يفترق في النظير من النعم على ثلاثة أوجه:
فمنه ما له نظير في الخلقة والقدر. ومنه ما يوافق في القدر دون الخلقة. ومنه ما لا يوافق في الوجهين جميعًا، إما لصغر الصيد أو لعظمه.
فالأول: بقر الوحش: الجزاء عنه من البقر الإنسي. وهذا موافق له في الخلق؛ فيخرج من الإنسي مثله في القدر، ما لم يكن الأول صغيرًا، فيرجع إلى الخلاف المتقدم.
والثاني: حمر الوحش: له نظير في القدر دون الخلقة، وهي البقر. وكذلك
стр. 1423
والإيل. واختلف الناس في النعامة، فقال محمد في كتابه: سمعت فيها بدنة. وقال بعض أهل العلم: قيمة. لأنها عنده لا يقارب خلق البقر، ولا يبلغ الإبل. والجزاء عن الضبع والثعلب والظبي- من الغنم، فقال عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي عنز (١). لأن الظباء معز الوحش، فيجري في نظيرها من الإنس.
والثالث: الأرنب والضب واليربوع؛ لا نظير له لصغره، فيخرج عنه طعامًا، إلا على قول عمر ومن وافقه.
وكذلك إذا لم يكن له نظير لكبره كالفيل. فقيل: يخرج عنه بدنة.
وليس بحسن؛ لأنها دونه. وأرى أن يخرج قيمته طعامًا، أو قيمة ما يشبع لحمه طعامًا على القول الآخر.
ولا فرق بين عدم النظير لصغر الصيد أو لكبره، ويصح أن يخرج عن النظير من النعم إذا كان ذلك نظيره في القدر، ونقل عثمان ﵁ الحكم في حمام مكة، فجعل فيه شاة (٢).
قال عبد الملك في كتاب محمد: فإن لم يجد فصيام عشرة أيام. قال: وبذلك قال مالك، وليس مما يجوز فيه الصدقة، وإنما هو تغليظ من عثمان. فنقل الحكم فيه في ثلاثة مواضع، أسقط التخيير، وجعل فيه شاة. فإن لم يجدة فصيام عشرة أيام كالمتمتع، ولا يحتاج على قوله إلى حكمين.
стр. 1424
وفي بيضةٍ عُشْرُ شاة، فإن لم يجدها صام يومًا مكانه (١)، وهو عُشْرُ الصيام كما أن الجزاء عنها بعشر الشاة. واختلف في حمام الحرم، فقال في المدونة: فيه شاة (٢).
وفي كتاب محمد: فيه حكومة؛ لأن الأصل فيه وفي حمام مكة حكومة (٣). فغلظ الحكم في حمام مكة لكثرتها واستئمانها؛ لئلا تسرع إليها أيدي الناس، فعلى القول الأول يخرج شاة بغير تحكيم (٤)، وعلى القول بالقيمة: يحتاج إلى حكمين.
وقال في الدبسي والقُمري يصاد بمكة: إن كان عند الناس من الحمام؛ ففيه شاة (٥). وأرى هذا إذا كثرت بالمكان، وإلا كان فيها حكومة. ويبقى على الأصل في موجبها بالقرآن.
فصل [فى دية الجنين]
ودية الجنين: عشر دية أمه ما لم يستهل صارخًا (٦)، فيختلف هل يكون ما يكون في الكبير أو يقوم على حاله.
واختلف إذا تحرك بعد الخروج ولم يستهل صارخًا، فجعل ابن القاسم فيه عشر دية أمه. وقال أشهب: فيه ديته بخلاف الآدميين.
واختلف في البيض على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: فيه عشر دية الأم،
стр. 1425
كان فيه فرخ أو لم يكن (١).
وقال أبو مصعب: في بيضة النعامة عشر قيمتها إن كان فيها فرخ، فإن لم يكن فصيام يوم.
وقال ابن نافع في العتبية: يصوم يومًا (٢). ولم يراع هل فيها فرخ أم لا. ويلزم مثل ذلك في الجنين. وهذا نحو الاختلاف في جنين الأمة، هل فيه عشر قيمتها أو ما نقصها؟ وقال في كتاب محمد في جنين البهيمة: ما نقصها.
فصل [فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها]
وقال مالك فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها: يتصدق بشيء من طعام (٣)، قال في كتاب محمد: قبضة من طعام. قال محمد: بحكومة، فإن أخرجت بغير حكومة؛ أعاد (٤). فجعل هذه داخلة في النهي عن قتل الصيد، ويفتقر إلى الحكمين. واختلف عن مالك في البراغيث، فقال مرة: يطعم عنها. وقال أيضًا: لا يطعم عنها. قال: بخلاف القمل (٥).
تم كتاب الحج الثالث
والحمد لله وحده
стр. 1426
كتاب الجهاد
النسخ المقابل عليها
١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤)
٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٥ & ٢٤٣)
٣ - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (١٠٨٢)
٤ - (ق ٣) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)
стр. 1427
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما
كتابُ الجهاد
باب في فرض الجهاد، وهل يتعيَّنُ القتالُ على من نزلَ به العدو؟ وهل يجب النصرُ على من قارب من نزل به عدوٌ ؟
أول ما أُمرَ به النبيُّ ﷺ أن يبلغَ الرسالةَ- يدعو إلى الله ، ويبشر مَن أطاعه بالجنة، ويحذر من عصاه من النار من غير قتال، ثم أُذن له في القتال، ولم يؤمر به، ثم أمر بقتال من قاتله دون من لم يقاتله، ثم بقتال من يليه؛ قاتله أو لم يقاتله، ثم بقتال المشركين كافة، فقال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [النحل: ٨٢]، وقال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
فكان الأمرُ على ذلك مقامه بمكة، ثم أُبيح القتال بعد الهجرة، فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠].
وهذا قولُ أبي بكر وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري؛ أنها أولُ آية نزلت في القتال (١). وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
стр. 1428
والاعتداء: قتال من لم يقاتل (١)، وقيل المراد: ألا تُقتل امرأة ولا صبيّ (٢).
والأولُ أحسنُ؛ لأن مفهوم الآية: أن يقاتلوا من كان منه قتال. وعلى التأويل الآخر، المعنى: من كانت له قدرة على القتال، وإن لم يقاتل. وهذا خروج عن الظاهر. ويدل على الأول قوله سبحانه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يعني: أهل مكة، وقد كان منهم قتال.
وقال سبحانه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
ثم قال: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠].
وقال في آخرين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١].
قال ابن حبيب: نزلت في قتال من قاتل، دون من لم يقاتل (٣). وهو أحسن ما قيل فيها، وفيها اختلاف.
ثم أُمر بقتال من قَرُبت دارُه دون من بعدت (٤)، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
ثم بقتال كافة المشركين، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]
стр. 1429
وقيل: أول آية نزلت في القتال قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأن سورة "الحج" نزلت قبل "براءة"، وأيضًا فإن آيةَ الحجّ تضمنت الإباحةَ، والوجوبُ يحتاجُ إلى نص ثانٍ، ولو تقدم الأمرُ بالقتال لاكْتفي به عن الإباحة.
واختلف أيضًا في معنى قوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] مَن المأمور بالقتال؟ ومن المُقاتَل؟
فقيل: المأمور أهل المدينة بقتال من يليها. وهو قول مالك في كتاب أشهب (١)، قال: ثم تفرقت القُرى بعد ذلك.
وقيل: المأمور بذلك أهل المدينة وغيرهم، يقاتل كل قوم من يليهم، ولأن ذلك حكمة من الله إذ كان معلومًا أنه لا يمكن قتال جميع الكفار معًا، وأن الممكن قتال طائفة، فكان من هو أقرب أولى؛ لأنه لا يؤمن عند الاشتغال بقتال من بعد هجوم من هو أقرب على ذراري المسلمين.
وقال الداودي: لما فُتحت مكة بقي فرض الجهاد على من يلي الكفار، وسقط عمن بعد منهم يقول: إذا كان بينهم وبين العدو مدن كثيرة من المسلمين؛ كان الفرض على من هو مواجه لهم دون من وراءهم.
وقد كان الجهاد في أول الإسلام وقبل أن يكثر الناس على الأعيان؛ لقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قيل: جميعًا. ثم على الكفاية، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
стр. 1430
وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥]، ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
ولم يختلف أن الجهاد كان قبل فتح مكة فرضًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وبغيرها من الآي.
واختلف هل ذلك باق بعد الفتح؟
فذهب ابن عمر، وابن شبرمة (١)، والثوري، وسحنون: أنه ليس اليوم بفرض إلى أن يستنفر الإمام أحدًا، فيجب عليهم (٢).
قال سحنون في كتاب ابنه: كان الجهادُ فرضًا في أول الإسلام، وليس اليومَ بفرضٍ، إلا أن يرى الإمام أن يغزي بعض الناس، فيجب أن يطيعوه، ويكون جهادهم وما يصلحهم من بيت المال (٣).
وأظنه ذهب في ذلك إلى قول النبي ﷺ : "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّة، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٤).
стр. 1431
فصل [في تعيّن القتال على من نزل به العدو]
وقد يتعين الجهادُ بأن ينزلَ العدو بقوم وبهم قوة على قتالهم، فيجب على من نزل بهم القتال، ولا يجوز لهم الترك، ويلقوا بأيديهم (١).
ويجب على من لم ينزل به العدو إذا كان من نزل بهم غير قادرين على قتالهم، وكان متى نفر إليهم هؤلاء استنفروهم، إلا أن يكون على بعد، متى نفروا إليهم لم يدركوهم، إلا بعد فصولهم عنهم (٢).
ويتعين الجهادُ أيضًا باستنقاذ الأسرى من أيدي العدو إذا (٣) كانوا قادرين على أن يستنقذوهم؛ لقول الله : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
يريد الله قتال أهل مكة، ليستنقذ من فيها من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. وإذا لم تكن لهم قدرة على القتال وكانت لهم أموالٌ، وجبَ الفداءُ منها، وإن كانت لهم قدرةٌ على القتال ولهم أموالى، كانوا بالخيار بين القتال والفداء، وذلك واجبٌ عليهم أن يمتثلوا أحدَ الأمرين.
واعتبار القدرة على القتال أن يكونَ المسلمون على النصف من العدو.
واختلف هل المراد النصف في العدد أو القوة؟ قال ابن حبيب: والأكثر من القول أن ذلك في العدد، فلا تفرّ المائة من المائتين، وإن كانوا أشدَّ جلدًا،
стр. 1432
وأكثر سلاحًا (١).
وقال مالك وابن الماجشون: ذلك في القوة (٢).
قال الشيخ ﵀: ولا أعلمهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد، وقد ورد القرآن بالعدد أي: أصناف أهل الكفر (٣) كانوا العرب والفرس والروم في ذلك سواء ولم يُفَرّق، وإن اختلفت الشجاعة.
ولا شك أن فيمن كان يقاتلونه من لم يخالطوه، ولم يعاينوه إلا حين القتال، فكيف يعرف منزلة من لم يخالطه في الشجاعة، وهذا من تكليف ما لا يطاق.
стр. 1433
باب في الدعوة قبل القتال
الأصلُ في ذلك قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦، ٤٧]، وقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
فتضمنت هذه الآية وما شابهها الدعوة إلى الله، ويبشر من أطاع بالجنة، ويحذر من عمى من النار، وإذا كان ذلك؛ لم يجز القتال قبل البلاع وقبل إعلامهم بما يراد منهم من ذلك.
ولا خلاف في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم يبلغه أمر الإسلام (١).
واخْتَلَف قولُ مالكٍ فيمن بلغته الدعوة قبل القتال: هل يدعى أم لا (٢)؟
والدعوة فيمن بلغته على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة.
فأما الجيوش العظام تنزل بمن يرى أنهم لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن أنهم متى دُعوا إلى الإسلام أو إلى الجزية أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنه لا يقبل ذلك منهم الآن لما تقدم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة لهؤلاء واجبة.
وإن كانوا عالمين بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظن قبولهم؛ كانت مستحبة، وإن لم يُرْجَ قبولهم؛ كانت مباحة.
стр. 1434
وإن كان المسلمون قلةً، ويخشون أن يكون في ذلك إنذارٌ بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعة.
واختلف في تبييتهم، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: أكره التبييت.
وأجازه محمد بن المواز، واستشهد بقصة كعب بن الأشرف لعنه الله (١).
قال الشيخ ﵁: ذلك على ثلاثة أوجه:
فمن كان تجب دعوته لا يجوز تبييته.
ومن لا تجب وتستحب الدعوة؛ يكره التبييت.
ومن كانت الدعوة مباحة فيهم؛ كان التبييت جائزًا، إلا أن يخشى على المسلمين متى دخل عليهم ليلًا لجهل الناس بالبلد وبالمواضع التي يخاف أن يؤتى عليهم منها.
فإذا توجه القتال لم يؤذنوا بحرب، واستعمل معهم المكر والخديعة، ولا يعلم بحين الهجوم عليهم بالحرب، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنَّه أغار على بني المصطلق (٢)، ففيه وجهان: سقوط الدعوة، وألا يؤذنوا بحرب.
ودعا أهل خيبر، وقال لعليٍّ ﵁: "ادْعُهُمْ للِإسْلاَمِ، وَأَخْبرْهُمْ بِمَا يَجِبُ للهِ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ" (٣).
стр. 1435
وقال لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. . ." الحديث (١).
فصل في صفة الدعوة قبل القتال وأقسامها
وصفة الدعوة لهم مختلفة، وهي على أقسام، وكلها راجع إلى أن يدعو إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفروا.
فمشركو قريش مقرون بالألوهية، وأن الله خلقهم، ويجعلون له شريكًا، وينكرون النبوة؛ فيدعون إلى الرجوع عن هذين، وأن يقروا أنه إله واحد، وبالرسالة (٢).
وأما اليهود فمن كان منهم مشركًا يقول: عزير ابن الله، ومنكرًا أن يكون نبينا ﷺ أرسل إليهم؛ فيدعون إلى الرجوع عن هذين الوجهين.
ومن كان مقرًّا بأن الله إله واحد منكرًا للرسالة إليهم؛ دعوا إلى الإقرار أنه مرسل إليهم.
والنصارى منكرة للوحدانية وللرسالة، فيدعون إلى الرجوع إلى أنه إله واحد، وإلى الإقرار بالرسالة.
والمجوس منكرة للألوهية والرسالة، فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين (٣).
والصابئون يعبدون الملائكة، وينكرون الرسالة، وقوم يقرون بالألوهية،
стр. 1436
وينكرون البعث.
فإذا رجع كل فريق من هؤلاء عن الوجه الذي به كفر وأقر بما دعي إليه؛ كان مؤمنًا.
ثم يدعي بعد ذلك إلى فروع الإسلام، فَيُدْعَى أولًا إلى الصلاة، ثم إلى الإقرار بوجوب الزكاة والصوم والحج.
وإن أقرَّ بالألوهية وبالوحدانية وبالرسالة، وأنكر الإقرار بالصلاة أو الزكاة أو بالصوم أو بالحج؛ كان على حكم المرتد.
فإن رجع وأقر بذلك، وإلا قتل، ولم تقبل منه جزية إن بذلها ليبقى على ما كان فيه قبل الإقرار بذلك.
فصل في دعاء السلابة قبل القتال
واختلف في دعاء السلابة قبل القتال، فقال مالك: يدعوهم إلى أن يتقوا الله، ويَدَعُوا ذلك، فإنْ أبى فقاتله، وإن عاجلك عن أن تدعوه؛ فقاتله، وإن طلبوا الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف؛ أُعْطُوه، ولم يُقَاتَلوا (١).
وقال عبد الملك في كتاب محمد: لا يدعى؛ لأنه عارفٌ بما يُدعى إليه، فاقتله ولا تدعه، وخذه من أقرب الحالات، واستأصله عن المسلمين، ولا تدفع إليه شيئًا إذا كنت ترجو الظفر به ودفعك ظلم وإثم.
وقال مالكٌ أيضًا: يجب على من لقي لصًّا قتاله، والحرص على سفك دمه، وإن قطع على غيرك، وسلمت أنت (٢) منه، فحق عليك الرجوع والمعاونة.
стр. 1437
فلم ير في القول الأول أن جهادَهم يتعينُ على من لقيهم وإن كان غالبًا؛ لأن قوله: إن طلبوا الشيء الخفيف أُعْطوه، دليلٌ على أنَّ المطلوبَ قادرٌ على الامتناع، ولو كان مغلوبًا لجاز أن يُعْطي الجميع.
ورأى في القول الآخر: أنَّ جهادهم يتعينُ على من لقيهم، وهو قول عبد الملك.
والمسألة على ثلاثة أوجه:
فإن كان المحاربون غير معروفين ولا مشهورين بذلك؛ لم أرَ أن يُباحَ قتالهم مع وجود السلامة منهم؛ لأنه متى ثبت قتلهم لهم، ولم تعلم (١) الحرابة من المقتولين؛ طلبوا بدمهم، إلا أن تكون ضرورة في الدفع عن أنفسهم.
وإن كانوا معروفين بالحرابة وممتنعين بموضع إن تركوا؛ ألجأوا إليه وتحصنوا به، ثم يعودون إلى أذى الناس؛ تعين قتالهم.
وإن كانوا غير ممتنعين ممن يريد قتالهم، ولا يخشى على الناس منهم، إلا أن يأذن الإمام لهم؛ ندبوا إلى قتالهم، ولم يجب، وذلك إلى الإمام.
стр. 1438
باب في الجهاد مع ولاة الجور
اخْتُلف في ذلك، فقال مالك: لا بأس به. قال: ولو ترك ذلك لكان ضررًا على المسلمين. وذكر مرعش (١) وما فعل بالمسلمين (٢).
قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس به، وإن لم يوفوا بعهد، ولم يضعوا الخمس موضعه (٣).
وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: لا أحب لأحد أن يخرج معهم، فيكون لهم عونًا على ما يريدون من طلب الدنيا. وحُكي عن مالك مثل ذلك.
قال الشيخ ﵀: لا أرى أن يغزى معهم إذا كانوا لا يوفون بعهد، وهو أشد من تعديهم في الخمس. وكذلك، إذا كانوا على ما لا يحل من الفسق وشرب الخمر، فلا يغزى معهم.
وإنما تكلم مالكٌ في وقتٍ كان الذي يرغب في الجهاد من أهل الخير كثيرًا، فتأخرهم يضعف الباقين.
فأما إذا كان الذي يسأل عن ذلك، وينظر لدينه الواحد والاثنان والنفر اليسير؛ لم يغز معهم.
стр. 1439
باب في الغزو بالنساء والقرآن إلى أرض العدو
ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يغزو ببعض نسائه.
وقالت الرُّبَيّع بنتُ مُعَوّذ ﵂: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى، وَنُدَاوِي الكَلْمَى". أخرجه البخارَي (١).
وذلك لأمن النبي ﷺ عليهن، وإخبارًا من الله ألا يسبين للعدو، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ولا يجوز ذلك لغيره إلا أن يكون الجيش مستظهرًا على من خرج إليه ونزل به. وإن كان على غير ذلك؛ لم يعرضهن لما يخاف نزوله بهن.
وأما خروجه بهن إلى السواحل والرباط؛ فذلك جائز؛ لأمنه عليهن (٢).
وثبت عن النبي ﷺ أنه نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ. واختلف في وجه ذلك، فقال مالكٌ: مخافة أن يناله العدو (٣).
وقال ابن حبيب: لما يخشى من تعبثهم واستهزائهم به، وتصغير ما عظم الله منه (٤). قال: فالسفر بالقرآن إلى أرض العدو يُكره، وإن كان الجيش مستظهرًا خوف سقوطه، أو ينسى بذلك المكان.
وهذا استحسانٌ؛ لأن سقوطه ونسيانه نادر، والغالب السلامة، وإن كان الجيش على غير ذلك؛ منع من السفر به، وصار إلى ما تقدم من السفر بالنساء.
стр. 1440
باب فيمن يجوز قتله، أو يمنع في حين القتال أو بعده
ويقتل في حين القتال كل من نصب للقتال من الرجال، وإنما يفترق الأمر فيهم بعد الأسر والغنيمة.
وأما الصبيان فإن كان قتالهم بالسلاح وبما يضر، ولم يقدر على أسرهم؛ فيقاتلوا ليقتلوا.
وإن كان قتالهم بغير سلاح كالرمي بالحجارة وما أشبه ذلك، ولم يكن لفعلهم ذلك نكاية؛ فيعرض عنهم لغيرهم، أو يقاتلوا قتالًا يكفهم، ولا يؤدي إلى قتلهم.
وأما من كان من الرجال ولم ينصب لقتال كالفلاحين وما أشبههم يؤخذون في أعمالهم، والشيخ الكبير والزمن؛ فأرى أن يؤسروا ولا يقتلوا؛ لأن قتلهم مختلف فيه، فيؤخر أمرهم؛ حتى يرى الإمام فيهم رأيه.
ولا يعرض للرهبان (١) في الصوامع والدّيارات خارج المدينة بقتل ولا بأسر (٢).
والأسارى خمسة:
أحدها: الرجال المقاتلة.
والثاني: الأجراء والحرَّاثون.
والثالث: الشيخ الكبير.
والرابع: النساء والصبيان.
والخامس: الزَّمنَى؛ كالأعمى والمريض والأعرج والمُقْعد والمجنون.