← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مطهر من الذنوب، ولم يرد أن المرض طاهر. والقسم الثاني: المياه المستخرجة من الرياحين والورد وغيرها من الأشجار والفواكه: طاهرة غير مطهرة. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وغيرهم -إلا من شذ- أن المياه التي خوطبنا بالطهارة بها غير هذا الصنف، وأنها المياه المشهورة المعروفة. فهذان الصنفان أصل المياه: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وما سوى هذين فإنما هو لما يدخل على الماء المطهر ويخالطه، والذي يخالطه ثلاثة: طاهر ينفك منه، وطاهر لا ينفك منه في الغالب، ونجس. فإن خالط الماء أحد المياه الطاهرة المستخرجة من الرياحين وما أشبهها أو غيرها من المائعات، كاللبن والطعام، ولم يتغير أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، كان على أصله طاهرًا مطهرًا. وإن تغير أحد أوصافه وكانت أجزاء ما خالطه أكثر، كان غير مطهر. وإن كانت أجزاؤه قليلة كان في المسألة قولان، والمعروف من المذهب أنه غير مطهر ويتيمم إن لم يجد غيره، فإن توضأ به أعاد وإن ذهب الوقت. وروى عن مالك: أنه مطهر، وأن تَرْكه مع وجود غيره على وجه الاستحسان. وقال في "المجموعة" في الغدير ترده الماشية فتبول فيه وتروث حتى يتغير لونه وطعمه: ما يعجبني أن يتوضأ به من غير أن أحرمه (١).

стр. 142

فعلى هذا تجزئ الصلاة به، وتستحسن الإعادة ما لم يخرج الوقت. وإن عدم غيره لم يقتصر على التيمم ويتوضأ به ويتيمم. وفي "السليمانية" في البئر يقع فيه ورق النخل أو ورق الزيتون أو التين فيتغير لون الماء، قال: لا يتغيّر لونه إلا وطعمه قد تغّير، فلا يتوضأ به، فإن فعل وصلى أعاد ما لم يذهب الوقت. وهذا نحو الأول. فصل في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض فإن تغيّر لون الماء مما يتولد عنه، كالطحلب وخز الماء (١) والضريع، أو ما يحدث عن قراره كالحمأة، أو من قراره كالتراب والكبريت والزرنيخ والشبّ والنحاس والحديد، كان طاهرًا مطهرًا. وسواء كان تغيره منه وهو في قراره، أو صنع منه إناء فتغير الماء منه. وقد فرّق بعض أهل العلم بين تغيّر الماء من هذه الأشياء في حال كونها قرارًا لها أو طرح فيه، ولا فرق بين الموضعين. ولم يكره أحد ممن مضى الوضوء من إناء الحديد على سرعة تغير الماء فيه، ومعلوم أنه يغير طعم الماء، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ من إناء صفر (٢)، ومعلوم أنه يغير طعم الماء. وكان عمر بن عبد العزيز يسخن له الماء

стр. 143

في إناء من صفر (١). فصل في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب وإن خالط الماء نجاسة فتغير بذلك لونه أو طعمه كان نجسًا قولًا واحدًا. وإن لم يتغير لونه ولا طعمه وكان الماء قليلًا كالجرة والإناء يقع فيهما اليسير من النجاسة، والبئر القليلة الماء تقع فيها الفأرة أو الوزغة أو الدجاجة- فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقيل: هو على أصله طاهر مطهر. وقيل: هو مكروه ويستحب تركه مع وجود غيره. وقيل: نجس. وقيل: مشكوك في حكمه هل هو طاهر أو نجس؟ فروى أبو مصعب عن مالك أنه قال: الماء كله طهور، إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه لنجاسة حلت فيه، معينًا كان أو غير معين (٢). فعلى هذا يتوضأ به من غير كراهية. وقيل في طين المطر يكون فيه البول أو الروث فيصيب الإنسان منه شيء: إن له أن يصلي به ولا يغسله (٣).

стр. 144

وفي مختصر ابن الجلاب: إذا وقع في الماء ما له نفس سائلة من سائر الحيوان في بئر فماتت فيه فلم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فهو طاهر مطهر، إلا أنا نكره استعماله مع وجود غيره (١). وقال أشهب في "مدونته" عن مالك في البئر تقع فيه الفأرة فتنسلخ أو لا تنسلخ أنه ينزح منها، قيل له: أرأيت ما أصاب الثوب؟! قال: يرشه وأرجو أن يكون من ذلك في سعة. ولم يأمره بغسله. وقال ابن القاسم في "المدونة"، ومالك في "المجموعة" وعبد الملك بن حبيب: إنه نجس (٢). وقال في "المدونة" في الدجاج والإوز تأكل القذر فتشرب من الإناء: لا يتوضأ به، وإن لم يجد غيره تيمم. وإن توضأ به وصلى أعاد ما دام في الوقت (٣). فأباح الاقتصار على التيمم، وهذا دليل على أنه عنده نجس، وأمضى الصلاة به إذا خرج الوقت مراعاة للخلاف. وقال ابن حبيب في الجلالة من الدواب تأكل القذر: فلا يتوضأ بسؤرها، وليتيمم من لم يجد غيره، لأنه نجس (٤). وقال عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة في "المبسوط": هو مشكوك فيه. أي مشكوك في حكمه لا يُقطع بأنه طاهر ولا نجس، وقالا: يتوضأ به ويتيمم ويصلي ليكون قد أدى صلاته على وجه مجمع عليه لترجح الدلائل عندهما، فلم يترجح القول أنه طاهر فيقتصر عليه، ولا أنه نجس فيقتصر على التيمم.

стр. 145

وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون (١)، إلا أنه قال: يتيمم ويصلي قبل أن تنجس أعضاؤه بذلك الماء ثم يتوضأ ويصلي (٢). وهو أحسن؛ لأن التيمم إنما كان خيفة أن يكون نجسًا، فينبغي أن يبتدئ بالتيمم فيصلى به، ثم يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن حضرت صلاة أخرى وهو على وضوئه ذلك تيمم، وصلى صلاة واحدة، وإن انتقضت طهارته توضأ بما بقي من ذلك الماء وتيمم، ويصلي صلاة واحدة أيضًا. والقول إنه طاهر أحسن، ويستحسن تركه مع وجود غيره ليخرج من الخلاف. فإن هو توضأ به وصلى مضت صلاته، وإن لم يجد غيره استحسنت له أن يحتاط فيتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي. فإن هو اقتصر عليه أجزأه (٣) وإن اقتصر على التيمم لم يجزه وأعاد، وإن ذهب الوقت؛ لأن الإجماع على طهارة الأنهار كالنيل والفرات وما دونها مع كون النجاسات العظيمة تردهما من المدن المبنية عليهما لا ينقطع جَرْي قنيها (٤) إليها،

стр. 146

وهي كأنهار نجسة تصبّ في أنهار طاهرة، والإجماع على أن ذلك لم يكن لكونها أنهارًا؛ وأنه متى كان منها موضع متغير بنجاسة أن ذلك نجس، فدل ذلك على أن المُراعى ظهور أحد أوصاف النجاسات وعدمها، وأنها متى وجدت كان نجسًا، ومتى عدمت كان طاهرًا. وإذا كان ذلك لم يكن فرق بين القليل والكثير. والإجماع على أنه لا يتوضأ باللبن ولا بالعسل، وأنه متى حلّ شيء من ذلك في ماء ولم يغير أحد أوصافه -أنه مطهر، لا ينقله ما حلّ فيه عن حكمه في الأصل، ولا يقال: إنه يتوضأ بعسل أو لبن، فلو نقله الأول إلى النجاسة نقله هذا إلى الإضافة؛ ولقول النبي ﷺ في بئر بضاعة، وقيل له: أيتوضأ منها، وهي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال النبي ﷺ : "المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " (١). ومعلوم أنه لم يرد أنه طهور مع ظهور عين النجاسة، فصحَّ أن الماء طاهر إذا لم تتغير أحد أوصافه. وأما قوله ﷺ : "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ" (٢)، فذلك على وجه الحماية لما يؤدي إليه فعل ذلك من فساد الماء. والفقه والقياس المنع، ولو لم يرد فيه حديث؛ لأنه متى أبيح إلقاء النجاسة في الماء الراكد (٣) والبول والاستنجاء وغسل

стр. 147

النجاسات فيه، كثرت النجاس لكثرة الواردين على الماء وبخاصة ما كان قرب المدن، فيتغير لكثرة ما يحلّ فيه، وقد يظن أن ذلك لما جرت به العادة من التغير لطول المكث بالشمس وغيرها فكان الوجه منع (١) ذلك؛ لئلا يفسد ذلك على الناس فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء والاختلاف المتقدم في الماء القليل. وأما إذا كان الماء كثيرًا، كالآبار (٢) الكبيرة، والمصانع العظيمة: فإنه لا ينجسها ما حل فيها إذا لم يتغير أحد أوصافه، واختلف إذا تغير ريح الماء خاصة؛ فقول مالك وغيره من أصحابه: إنه نجس (٣). وقال عبد الملك: هو طاهر. والقول الأول أبين. وإن كانت الرائحة عن المجاورة دون الحلول لم ينجس، وليس حكم الرائحة على انفرادها حكم الجسم يحلّ في الماء، ولو كان ذلك لوجب على الإنسان غسل ثوبه إذا علقت به رائحة النجاس. وكذلك روائح الطيب وغيرها إن كانت عما حل فيه من الطيب كان مضافًا، وإن كان عن مجاورة لم يضف، إلا ما كان من البخور؛ فإن له حكم المضاف لأن النار تصعد بأجزاء منه، ويوجد طعم ما يبخر به من المصطكى (٤) وشبهها، ويرى عليه منها كالدهنية. ولهذا قيل فيما طبخ بعظم الميتة: إنه لا يؤكل.

стр. 148

فصل [الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة] والسادس: الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة، فإن تقدمت النجاسة ثم حل فيه ما أضافه مما هو طاهر كاللبن أو مياه الرياحين، كان الجواب فيه على ما تقدم أنه طاهر على المستحسن من المذهب. وإن تقدمت الإضافة ثم حلت فيه نجاسة كان نجسًا، لأن المضاف والمائعات لا تدفع عن نفسها. ويجري فيه (١) قول آخر: إنه طاهر مطهر قياسًا على قوله في "المجموعة" وما ذكر (٢) في "السليمانية"، إلا أن تكون أجزاء ما أضافه (٣) أكثر فلا يكون مطهرًا. ويختلف في نجاسته إذا كانت النجاسة تافهة على ما قاله مالك في "العتبية" في الطعام أو في (٤) الودك (٥) تقع فيه النقطة من الخمر أو البول، قال: لا ينجس إلا أن يكون الطعام يسيرًا (٦). وقال ابن نافع في جبابٍ تكون بالشام للزيت تقع فيها الفأرة: إنه طاهر. قال: وليس الزيت كالماء، وكذلك سمعت. . قال: وسئل مالك عن جباب الزيت تقع فيه الفأرة- فكرهه (٧). وإذا غسل ثوب أو عجن طعام بما حلّت فيه نجاسة، فإن تغير أحد أوصافه نجس الثوب وطرح الطعام، وإن لم يتغير أحد أوصافه وكان الماء

стр. 149

كثيرًا، كان طاهرًا ويؤكل الطعام ولا يغسل الثوب (١). وإن كان الماء قليلًا كالإناء يقع فيه اليسير من النجاسة، أو البئر القليلة الماء تقع فيه الفأرة أو الدجاجة ولم يتغير أحد أوصافه، كان الحكم في الطعام وغسل الثوب على الخلاف المتقدم في الوضوء بذلك الماء، فعلى القول الأول: يؤكل الطعام ويصلى بالثوب. وعلى القول الآخر: يستحسن غسل الثوب. وإن صلى به قبل غسله لم يعد، ويستحسن طرح الطعام إن كان يسيرًا، ولا يطرح إذا كان كثيرًا لأنه من إضاعة المال. وعلى القول بأنه مشكوك فيه: يعيد الصلاة ما لم يخرج الوقت، ويطرح الطعام وإن أكثر، ولا يجبر على ذلك. وعلى القول الآخر (٢) أنه نجس: يعيد الصلاة وإن خرج الوقت إذا كان ذلك من مذهبه فصلى به وهو عالم، ويطرح الطعام وإن كثر جبرًا إذا كان ذلك من مذهبه. فصل [في الوضوء بالماء المتوضَّأ به] واختُلف في الماء الذي قد تُوضئ به، فقيل: يتوضأ به، وهو طاهر مطهر. وهو قول ابن القاسم، إلا أنه يستحسن ألا يتوضأ به مع وجود غيره (٣). وقيل: هو طاهر غير مطهر ولا يتوضأ به، ومن لم يجد سواه تيمم. وهو قول مالك في "مختصر" ابن أبي زيد (٤)،. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 150

وابن القاسم في كتاب ابن القصار (١)، وأصبغ (٢) في كتاب ابن حبيب. وقيل: يتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة. ذكره ابن القصار عن الشيخ أبي بكر الأبهري ورآه في معنى المشكوك في حكمه (٣). والقول الأول أقيس؛ لأن الوضوء به لا يخرجه عن أن يسمى ماء، ولم يأت حديث ولا إجماع أنه لا يتوضأ (٤) به إلا عبادة (٥) واحدة , فوجب أن يكون على أصله، ويكره ذلك ابتداءً لأنه لا (٦) يسلم من دهنية تخرج من الجسم فتخالطه.

стр. 151

باب في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض ومن "المدونة" قال مالك: كل ما وقع من خشاش الأرض (١) في إناء أو في (٢) قدر (٣) فإنه يتوضأ بالماء ويؤكل ما في القدر (٤). ويحمل قوله على أنها أُخرجت من الماء والطعام بقرب ذلك، فإن طال مكثها حتى خرج منها شيء أو تفرقت أجزاؤها، فإنه يعود الجواب فيه إلى حكم ما حلّت فيه النجاسة، ويختلف في الماء القليل إذا لم يتغير أحد أوصافه ويطرح الطعام؛ لأنه قال في الجراد والحلزون (٥) وما أشبه ذلك: لا يؤكل إلا بذكاة (٦). وقال أبو محمد عبد الوهاب في "التلقين": كل ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والصرار وبنات وردان وشبه ذلك حكمه حكم دواب البحر؛ لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه منها (٧). فعلى هذا يستعمل الماء ويؤكل الطعام، وكذلك إن طال مكث ذلك فيه وتفرقت أجزاؤه وتغير الطعام به، وإن تغير الماء كان طاهرًا غير مطهر.

стр. 152

فصل [في اللحوم والأطعمة تطبخ بالماء النجس] واختلف عن مالك في اللحم يطبخ بماء نجس، فقال في "العتبية": يغسل ويؤكل (١). وقال عنه أشهب: لا يؤكل. وهو أحسن؛ لأن اللحم يقبل ما طبخ فيه ويخالطه، ويوجد فيه طعم ما يطبخ به. وكذلك الزيتون يطرح في ماء نجس، يختلف فيه حسب ما تقدم، وقال مالك في "المبسوط": إن سقطت فأرة في جرة زيتون طرح ما سقطت فيه (٢). وإن طبخت بيضة بماء نجس لم تؤكل قياسًا على قوله هذا. وقال ابن القاسم في البيضتين في إحداهما فرخ طبخا معًا: لا تؤكل السالمة (٣)، ورأى أن الفاسدة أنجست الماء بما خرج منها، ثم أنجس الماء السالمة بما وصل إليها منه. وعلى أحد قولي مالك تؤكل السالمة. وأرى أن يطرح الزيتون؛ لأنه يقبل ما عمل فيه، وتؤكل البيضة؛ لأنها لا تقبل، ومعلوم من الماء يطبخ فيه البيض أنه لا يتغير له لون ولا طعم، ويطبخ في الشيء المتغير اللون والطعم وما فيه أبزار (٤) ثم يزال قشره فلا يوجد من ذلك التغير ولا من ذلك الطعم فيه شيء. واختلف في الجراد يطبخ وفي بعضه ميت، فقال أشهب: لا يؤكل منه

стр. 153

شيء، وقال سحنون: يؤكل (١) بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر (٢). وقول أشهب أحسن؛ لأن الجراد يخرج منه في حين الطبخ ما يغير الماء ويقبل الماء الذي يطبخ (٣) فيه وهو يسقي (٤) بعضه بعضًا بخلاف البيض. فصل (٥) في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب وغيرها، من الحيوان وذكر أعراقها وألبانها وأبوالها وأرواثها ومن "المدونة": قال مالك: لا بأس بالوضوء بسؤر البغل والحمار (٦)، وإن أصاب غيره فهو وغيره سواء (٧)، ولا بأس بعَرَقِ البرذون والبغل والحمار. وقال في "سماع ابن وهب" في الوضوء بفضل الحمار والبغل والفرس وغير ذلك من الدواب، فقال: غيره أحب إلي منه، وإن اضطر إنسان إلى ذلك فلا بأس به. قال الشيخ أبو الحسن ﵀ سؤر بني آدم والحيوان كله -على اختلاف أجناسه- في أسآرها وأعراقها على الطهارة، كان مما يؤكل لحمه أم لا يؤكل، فإن أصاب ثوب رجل لم ينجسه. وإن حلّ في طعام لم يفسده، يؤكل الطعام ويتوضأ بالماء ما لم يتغير أحد أوصافه أو يكون شيء من ذلك شأنه إصابة النجاسة ما خلا الكلب والخنزير فإنه اختلف في سؤرهما هل يتوقى شرعا أو

стр. 154

لا؛ لأنها تصيب النجاسة (١)؟. وأبوال الحيوان وأرواثها على ثلاثة أوجه: طاهرة، ونجسة، ومختلف فيها، وهي في الجملة تابعة للحومها، فما كان منها محرمًا كان ما يكون (٢) منها نجسًا، وما كان فيها يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم وسائر الوحش ما لم يكن ذا ناب من السباع- طاهرًا، أو ما كان مختلفًا في أكله كالخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع يختلف فيما يكون عنها؛ فعلى القول أنها محرمة يكون ذلك نجسًا، وعلى القول أنها مكروهة اللحمان، يتوقى ولا يقطع بنجاسته. والألبان ثلاثة: حلال طاهر، وحرام نجس، ومختلف فيه هل هو حلال طاهر (٣) أو حرام نجس؛ فلبن ما يؤكل لحمه تابع لِلُحمانها حلال (٤) طاهر. ولبن الخنزير تابع للحمه حرام نجس، ولبن بنات آدم مخالف للحومهن حلال طاهر؛ لأن تحريم لحومهن إكرام لهن، ولبن ما سوى ذلك كالأتن والسباع والكلاب وما أشبهها مختلف فيه، فقيل: تابع للحومها حرام، وقيل: مكروه وقيل: بخلاف لحومها هو حلال طاهر (٥). وقال ابن وهب: قال مالك: إن أهل العلم لا يرون على ما أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم- شيئًا (٦)، وإن أصاب ثوبه فلا يغسله. ويرون على من أصاب ثوبه شيء من أرواث الدواب: الخيل والبغال والحمير أن يغسله.

стр. 155

قال: والذي فرق بين ذلك أن تلك يشرب ألبانها وتؤكل لحومها، وأن هذه لا تؤكل لحومها ولا تشرب ألبانها، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه صَلَّى فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ (١). وفي كتاب مسلم: قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ "نَعَمْ" (٢). وثبت عنه ﷺ أَنهُ طَافَ عَلَى بَعِيره (٣)، فلو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يُدْخلها المسجد؛ لأنه لا يؤمن ما يكون منه في حين دخوله ولا طوافه عليه، فلا يجوز أن يعرض المسجد لنجاسة. وأباح للعرنيين أَنْ يَشْرَبُوا أَبْوَالَ الإِبِلِ (٤)، فلو كانت نجسة لم يبحها، وقد قال ﷺ : "لا شِفَاءَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ" (٥)،

стр. 156

فكل هذا دليل على طهارة ما يكون مما يؤكل لحمه. وقال المغيرة (١) في "المجموعة" في لبن الأتن: إن صلى به أعاد ما دام في الوقت (٢). وقاله يحيى بن يحيى (٣). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 157

في "العتبية" (١) وقال محمد (٢): لا يعجبني ذلك، ولحوم بنات بني آدم محرمة وقد جعل لبنهن غذاءً للأبناء (٣). وليس هذا بالبيّن؛ لأن تحريم لحوم بني (٤) آدم إكرام لهم، ولحوم هذه رجس، إلا أن القياس أن يكون طاهرًا؛ لأن الحيوان في نفسه على الطهارة، وكذلك عرقه. وإذا كان ذلك فحكم (٥) الوعاء الذي فيه اللبن طاهر، فوجب أن يكون مثل عرقها وغيره، وقد ثبت عنه ﷺ أنّهُ رَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا وَأَجْرَاه (٦)،

стр. 158

والشأن في الخيل إذا أجريت أن تعرق، فلو كان عرقه نجسًا لَتوقّاه ولم يركبه على تلك الصفة. وسؤر الجنب والحائض وأعراقهما طاهرة، واختلف قول مالك في سؤر شرب النصراني، فأجازه ومنعه (١). وسؤر شرب من يشرب الخمر من المسلمين مثله يختلف فيه. ولا يتوضأ مما أدخل النصراني يده فيه (٢)، وهو في ذلك بخلاف شربه؛ لأن الماء الذي يلقى نجاسة شفتيه في حين شربه يصير إلى فيه ويشربه. فصل واختلف في الحيوان يصيب النجاسة واختلف في الحيوان يصيب النجاسة هل ينقلها عن حكمها قبل أن تصيب تلك (٣) النجاسة. فقيل: هي على حكمها في الأصل في أسآرها وأعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها. وقيل: ينقلها، وجميع ذلك نجس. واختلف في عرق النصراني لما كان يشرب الخمر ويأكل الخنزير، وفي عرق السكران هل هو نجس أو طاهر، وفي أكل لحوم الجلّالة وألبانها، فقال مالك: تؤكل ولا بأس بها (٤). وقال ابن حبيب: يكره ذلك. ويختلف على هذا في لبن المرأة تشرب الخمر، وفي لبن (٥) ما يأكل النجاسة،

стр. 159

فقال ابن القاسم في جدي رضع خنزيرة: أحب إليّ أن لا يذبح حتى يذهب ما في جوفه، ولو ذبح مكانه أكل. واستشهد على ذلك بالجلّالة (١). وقال في الطير تصاد بالخمر: يؤكل (٢)، وعلى القول في عرق السكران إنه نجس -لا يحل أكل شيء من ذلك كله حتى تذهب منفعة ما تغذى به من ذلك. وقال مالك في أرواث ما يأكل النجاسة وأبوالها: إنه نجس (٣). وجمعه في الجواب ما يكون من ذلك من بني آدم (٤)، وترجح فيه مرة، فذكر أشهب عنه في مدونته، فقيل له: أتعاد منه الصلاة؟ فقال: لا أدري. ولأشهب في "النوادر": إنه طاهر (٥)، والقول الأول أحسن؛ فإن الجسم ينجس بما حلّ فيه من تلك النجاسة؛ لأنها تشيع فيه، والجسم لا يدفع عن نفسه، فأشبه مخالطة النجاسة المائعات. وفي الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ : "أنه نَهَى عَنْ لُحُومِ الجَلاَّلةِ وَألبَانِهَا" (٦)، وإذا نجس الجسم حرم أكله، وينجس اللبن بنجاسة الوعاء، وقد قال ابن القاسم في لبن الميتة: إنه نجس (٧).

стр. 160

ويختلف على هذا في لحوم المواشي إذا شربت ماءً نجسًا قد تغيّر أحد أوصافه (١). واختلف في البقول تسقى بالنجاسة، إلا أن يبعد عهدها به. فصل [وفي ولغ الكلب (٢) في الآنية وسؤر الخنزير والهر] ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٣)، وفي كتاب مسلم قال: "فَليرقْهُ ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٤)، وقال أيضًا: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٥). والجواب عن هذا الحديث من أربعة أوجه: أحدها: هل يجب استعماله؟ والثاني: إذا وجب استعماله هل يحمل الحديث على عمومه في جميع الكلاب، أو في بعضها، وهو ما لا يجوز اتخاذه؟. والثالث: هل ذلك في جميع الأواني، أو على ما يكون فيه الماء دون الطعام؟ والرابع: هل يغسل تعبّدًا أو لأنه نجس؟.

стр. 161

فقال مالك في "المدونة": قد جاء هذا الحديث وما أدري ما حقيقته. وقال: إن كان يغسل ففي الماء وحده (١). فلم يعزم (٢) على الأخذ به؛ لقوله: إن كان يغسل (٣)؛ لأن الحديث عنده معارض لظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وأنه يؤكل من غير غسل. وقال أيضًا: يغسل. وحمل الآية على أن المراد بها أن فعل الكلب ذكاة، وإن لم تدرك ذكاته، وغسل مواضع ذلك من الصيد معنىً آخر ليس هو المراد، مع أن المعلوم أنه لا بد من غسل تلك المواضع؛ لأن الكلب يدميها، فحمل الحديث على جميع الكلاب مرة، ومرة على ما لا يؤذن في اتخاذه , ومرة على بعض الأواني وهو الماء وحده، فقال في"المدونه": لا يطرح الطعام، وأراه عظيمًا أن يعمد إلى رزق من رزق الله ﵎ فيلقيه لكلب ولغ فيه (٤)!. ورى عنه ابن وهب أنه قال: يؤكل الطعام ويغسل الإناء (٥) اتباعًا للحديث فجعل اغسله تعبدًا. وقال سحنون: كل كلب لم يؤذن في اتخاذه نجس (٦)، وإن كان مأذونًا في اتخاذه فهو طاهر (٧).

стр. 162

وقال عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إن شرب من اللبن وكان بدويًا أكل، وإن كان حضريًا طرح، وإن شرب من الماء طرح بدويًا كان أو حضريًا، فإن عجن به طعام طرح. قال: لأنه نجس، وقال مطرف (١): البدوي والحضري سواء في اللبن، إن كان كثيرًا أكل، وإن كان قليلًا طرح. يريد عبد الملك أنه أذن للبدوي في اتخاذه ولم يؤذن للحضري. فعلى القول أن غسله تعبد، وأنه طاهر يتوضأ به عند عدم غيره، ويستحب له تركه مع وجود غيره. وعلى القول الآخر: أنّه نجس يتيمم به ويدعه، فإن توضأ وصلى أعاد. وحمل الحديث على جميع الكلاب وجميع الأواني أحسن؛ لأنه ﷺ لم يخص شيئًا دون غيره، بل حمله على ما يتخذ أولى؛ لأن ما لا يتخذ قد أمر بقتله (٢) أو يصرف لمن يجوز له (٣) اتخاذه. ولا يغسل الإناء بما فيه من الماء للحديث "فليرقه"، ولا يجوز أن يحمل على الصحابة أنهم لم يمتثلوا أمره فيها في إهراقها.

стр. 163

* واختلف في سؤر الخنزير، فقال مالك في "المختصر": لا يتوضأ به (١). وقال ابن القصار: روى عنه مطرف أنه قال: يغسل سبع مرات اعتبارًا بالكلب (٢). وقيل: يغسل الإناء منه لأنه لا يتوقى النجاسات. وهذا أحسن. ولا بأس بسؤر السباع ما كان منها لا يفترس، أو كان يفترس إذا كان الماء كثيرًا، فإن كان قليلًا عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في الجلّالة وما يأكل النتن. وقد اختلف في ذلك، فقال مرة: يتيمم ولا يتوضأ به. وقال أيضًا: إن شرب من اللبن ما يأكل الجيف من الطير والسباع والدجاج، فإن تيقنت أن في منقاره أذىً لم يؤكل، وما لم تر في منقارها أذى فلا بأس به (٣)، وليس بمنزلة الماء؛ لأن الماء يطرح. وهذا اختلاف قول؛ لأنه أباح الطعام مع كونه لا يدفع عن نفسه. وطرح الماء على هذا القول على وجه الاستحسان، وعلى قوله في الماء أنه نجس ويتيمم يفسد الطعام. وكذلك روى علي بن زياد عن مالك؛ أن الماء والطعام واحد (٤). * وسؤر الهر طاهر (٥)، وإن كان مما يفترس؛ لأن ذلك نادر، ويحمل على الغالب من عيشه، إلا أن يعلم أنه أصاب من ذلك شيئًا ثم شرب من الماء بفور ذلك، فيجتنب منه الوضوء، ويختلف في نجاسته إذا لم يتغير أحد أوصافه. وقال علي بن زياد عن مالك: السباع كلها كالكلب إلا الهر إن لم

стр. 164

يكن (١) بخطمه أذى (٢). وقال مالك: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة، قال: ويغسل بوله (٣). فأما غسل ذلك، فهو على أحد القولين في كراهية أكلها. ولا بأس بسؤر ما شربت منه أو أكلت؛ لأن محملها فيما تناله على أنه غير نجس حتى يعلم أنها أصابت نجاسة.

стр. 165

باب في آداب الأحداث وينبغي لمن أراد الغائط أو البول أن يبعد عن الناس، وروى المغيرة عن النبي ﷺ "أنه كان إِذَا أَتَى (١) حَاجَتَهُ أبْعَدَ فِي المَذهبِ" (٢). وروي عنه "أنه كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا كَمَا يَرْتَادُ مَنْزِلًا" (٣). ومحمل الحديث "أنه ﷺ أتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، (٤): أن ذلك لضرورة؛ لأنه كان ﷺ يغشاه الناس والوفود، ويقوم بأمر الأمة، فنزل به من ذلك ما يضر به الصبر إلى وصوله لبيته أو لا يستطيع إمساكه. وفي الترمذي: قالت عائشة ﵁: "مَنْ حَدَّثكمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلاَ تُصَدِّقُوهُ" (٥). وهذا يؤيد أن ذلك كان مخالفًا لعادته لضرورة. واستخف مالك أن يبول الرجل قائمًا إذا كان لا يتطاير عليه وكان مستترًا عن الناس (٦).

стр. 166

ولا يرفع الرجل ثوبه للحدث حتى يدنو من الأرض، ولا يبول في مهواة ولا في الماء الراكد، وقد تقدم وجه ذلك، ولا بأس به في الماء الجاري، ولا يتكلم على طوفه (١). ويستحب أن يستعيذ بالله قبل التلبس بذلك (٢) إذا كان في صحراء، وإن كان في الحاضرة فقبل دخوله الخلاء، وروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد دخول الخلاء قال: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ" (٣). قال الخطابي: أهل الحديث يقرءون "الخبث" بإسكان الباء والصواب بضمها (٤) جمع خبيث وهو الشيطان. ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستنجي ولا يستجمر بيمينه. واختلف إذا كان في شماله خاتم فيه اسم الله تعالى، هل يستنجي به وهو يزيده. وألا يفعل أحسن، لحديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الجلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ ". ذكره الترمذي (٥). وفي الصحيحين: "أنه نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه" (٦). فإذا نزّهت

стр. 167

اليمن عن ذلك فذكر الله أعظم، وقد كره مالك أن تعطى الدراهم فيها اسم الله تعالى ليهودي أو نصراني (١)، فهو في هذا أولى. فصل ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط إذا كان في الصحاري، واختلف عن مالك في ذلك في المدن، فأجازه في "المدونة" (٢)، وقال في "مختصر" ابن عبد الحكم: ذلك في الصحاري والسطوح التي يقدر على الانحراف فيها، فأما المراحيض (٣) التي قد عملت على ذلك فلا بأس (٤). فأمره في الحاضرة بالانحراف عن القبلة، إلا أن تكون أبنية فتكون ضرورة. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لأن الأبنية قد تضيق ولا يمكن إلا على تلك الصفة (٥). واختلف في تعليل الحديث فقال من نصر القول الأول: إن ذلك لحقّ من يصلي في الصحاري من الملائكة وغيرهم؛ لئلا ينكشف إليهم.

стр. 168

واحتج بحديث ابن عمر ﵁ قال: "ارْتَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ (١) فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى لَبِنَتْين لِحَاجَتِهِ مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ" (٢). وقيلَ: إن ذلك لحرمة القبلة تعظيمًا لها وتشريفًا. وهذا تستوي فيه الصحاري والمدن، وهو أحسن. قال أبو أيوب: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ إِلَى القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ" (٣). وعلى من أحب بناء ذلك أن يجعله لغير القبلة إلا أن لا يتسنى ذلك له؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لِبَوْل وَلا لِغَائِطٍ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" (٤). فنص على القبلة ألا ينكشف إليها بقبل ولا دبر، ويلزم من قال النهي لأجل المصلين أن يجيز لمن جلس لحاجته أن ينكشف بقبله أو دبره للقبلة إذا سدل ثوبه لناحية المصلي هنالك، فيكون قد خالف نص الحديث، ولا يجوز الخروج عن النص على القبلة إلى المصلين إلا بنص أو دليل. والاحتجاج بحديث ابن عمر ﵁ غير صحيح لوجوه:

стр. 169

أحدها: أنه إذا نهى أمته عن شيء وفعله كان فعله مقصورا عليه، وكان الواجب على الناس امتثال ما أمروا به أو نهوا عنه من ذلك. والثاني: أنه إذا ورد حديثان تعارضا، أحدهما نازلة في عين، والآخر مطلق لجميع الناس، وجب المصير إلى العام؛ لإمكان أن تكون لتلك النازلة علة أوجبت خروجها عن الأصل، وفعله ﷺ ذلك مرة كنازلة في عين. والثالث: إذا كان مضمون أحد الحديثين يفتقر إلى توقيف والآخر لا يفتقر إلى ذلك وجب المصير إلى ما لا يفتقر إلى توقيف (١)، وصفة جلوس الإنسان لا (٢) تفتقر إلى توقيف ذلك، فالواجب الأخذ بما ورد من النهي في ذلك؛ لأنه نقل عن الأصل (٣)، وأوجب حكمًا. والرابع: أنه إن كان فعله ذلك متقدمًا كان الحكم إلى الآخر، وإن كان متأخرًا فإنه يجب أن يبين لأمته ﷺ . والخامس: أنه لا يختلف أن مجرد النهي لا يقتضي موضعًا مخصوصًا ولا يجوز أن يحمل أنه خصه بمثل هذا بما فعله في بيته ليطّلع عليه في تلك الحال، والواجب أن ينزه النبي ﷺ عن ذلك، ولا يحسن أن ينسب مثل ذلك إلى أحدنا، فكيف بالنبي ﷺ . والسادس: أنه ترك أمته على ما نهاهم عنه، ولا علم عنده هل علم ذلك منه أحد أو لا؛ وفي مسند البزار قال علي ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ القِبْلَةِ فَذَكر فَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِجْلالًا لهَا لمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَغْفِرَ

стр. 170

اللهُ لَهُ" (١). وقال ابن القاسم في الجماع مستقبل القبلة: لا بأس به. قال: لأن مالكًا لم ير بأسًا بالمراحيض في المدائن وإن كانت مستقبلة القبلة (٢). والجواب عن ذلك في المدائن والقرى؛ لأنه الغالب، والشأن في كون أهل الإنسان معه , وهذا إذا كانا منكشفين فيمنع في الصحاري، ويختلف في المدن. وإن كانا مستترين جاز في الموضعين جميعًا. وقال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلاَ يَتَجَرَّدْ تجرُّدَ العَيْرَيْنِ" (٣).

стр. 171

باب في الاستنجاء والاستجمار والاستنجاء من النجاسات: البول، والمذي (١)، والودي (٢)، والغائط، ولا يستنجي من الريح، والقول: يُستنجى من هذه- توسعة ومجاز؛ لأن الاستنجاء إزالة النجو، والبول والودي ليس بنجو. واختلف في زوال ذلك هل واجب أو سنة على الأصل في الاختلاف في أحوال (٣) النجاسات، فمن صلى ولم يستنج ولم يستجمر أعاد أبدًا، على القول أن ذلك فرض، وما لم يذهب الوقت، على القول إنه سنة. والاستنجاء يصح بشيئين: بالماء، والأحجار، فالماء لحديث أنس ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الخَلاَءَ فَأَتْبَعُهُ بِإِدَاوَةٍ (٤) مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ". أخرجه البخاري ومسلم (٥).

стр. 172

وفي الترمذي: قالت عائشة ﵂: "مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا (١) بِالمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ" (٢). والأحجار لحديث ابن مسعود ﵁ قال: "آتى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَخَذَ الحجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا رِجْسٌ" (٣). واختلف في الاستجمار مع وجود الماء فقيل: تجزئه صلاته (٤)، والاستحسان ألا يفعل. قال مالك: وليغسل ما هنالك فيما يستقبل (٥). وقال عبد الملك بن حبيب: لا يجوز ذلك (٦). وقد ترك الاستجمار ورجع الأمر والعمل إلى الماء، ولا نبيح الفتوى بذلك، ولسنا نجيز اليوم الأحجار إلا لمن لم يجد الماء، وقال مالك: ترك ذلك وجرى الأمر بخلافه (٧). وهذا هو الحق؛ لأن الأحاديث بالاستجمار إنما نقلت (٨) عما كان في السفر، وقد يكون ذلك لعدم الماء، والأصل في زوال النجاسات الماء، والصلاة أولى ما احتيط لها.

стр. 173

فصل [فيما يراعى في الاستجمار] يراعى في الاستجمار وجهان: الصنف الذي يستجمر به، والعدد الذي يقتصر عليه. والأشياء التي يستجمر بها في الجواز والمنع على خمسة أقسام: فصنف يجوز الاستجمار به، وصنف يمنع الاستجمار به، واختلف في الإجزاء إذا نزل، وثلاثة مختلف فيها في الجواز وفي الإجزاء إذا نزل. فالأول: الأرض على اختلاف أنو اعها من صخر أو مدر وكبريت وزرنيخ وغير ذلك. فهذا يجوز الاستجمار به. والثاني: ما كان استعماله في ذلك سرفًا، كالذهب والفضة والجوهر والياقوت، وما له حرمة كالطعام والملح فلا يستجمر به. واختلف إذا نزل، فقيل: لمجزئ؛ لأن المراد زوال النجاسة وقد أزالها، وإن كان متعديًا فيما فعل به. وقيل: لا تجزئه؛ لأن الصنف الذي أمر به غير ذلك. والثالث: العود والخرق والفحم وما أشبه ذلك مما هو طاهر ولا حرمة له، ولا يتعلق به حق وليس من أنول الأرض، فروى ابن وهب عن مالك إجازته، ومنعه أصبغ وقال: إن فعل أعاد في الوقت. يريد: لأن النبي ﷺ استعمل الأحجار؛ ولأن للأرض تعلقًا بالطهارة وهو التيمم. والرابع: ما كان طاهرًا وليست له حرمة ويتعلق به حق الغير، وهو العظم والبعر.

стр. 174

والخامس: ما كان من النجاسة جامدًا روثًا أو غيره واختلف في ذلك عن (١) مالك، فروى ابن وهب عنه في سماعه أنه قال: ما سمعت فيه بنهي (٢) عام، وقد سمعته هكذا ولا أرى به بأسًا (٣) وكرهه في سماع ابن القاسم (٤). والقول في جواز ذلك بالعود والخرق أحسن؛ لأن المراد إزلة النجاسة، وما روي في الأحجار فلأنها أوجد وأيسر. ولا يجوز بالروث لحديث ابن مسعود ﵁ (٥). ولا بالعظم والبعر (٦) لحديث جابر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يمْسَحَ بِهِمَا" (٧)، فإن فعل أجزأ؛ لأنه قد أنقى. واختلف في العدد الذي يُكتفَى به، فقيل: إن أنقى بحجر واحد أجزأ، وقيل: لا يكتفى بدون ثلاثة آخرهن نقية (٨). وهو أحسن لحديث سلمان ﵁ وفي بعض الأمهات أن جابرًا (٩) قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَسْتَنْجِي (١٠) أَحَدُكُمْ بِدُور ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" أخرجه مسلم (١١). ولأنه موضع غير مرئي، ويمكن أن تلقى يده أول مرة غير الموضع الذي

стр. 175

فيه الأذى. وإنما اقتصر النبي ﷺ على حجرين (١) لعدم الثالث، وهذه ضرورة. ويمكن أن يكون استعمل من أحد الحجرين رأسيها، وإذا لم يقع الإنقاء إلا بأربع تمادى إلى خمس، وإن أنقى بستة تمادى إلى سبع؛ لقول النبي ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" (٢).

стр. 176

باب في الأسباب التي تنقض الطهارة ينقض الطهارة الصغرى ثلاثة: أحدها: ما يخرج من أحد السبيلين، كالبول، والمذي، والودي، والربح، والغائط (١). والثاني: النوم وما في معناه مما يذهب العقل، كالجنون، والإغماء (٢)، والسكر. والثالث: اللذة إذا قارنها مس من قبلة أو ملامسة أو مباشرة, أو مس ذكر. والأصل في الغائط قول الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]. وفي الريح حديث عباد (٣) بن تميم عن عمه قال: شكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لاَ يَنْفَتِلْ -أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ- حَتَى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (٤). وفي المذي حديث المقداد ﵁ سأل النبي ﷺ عن الرجل يدنو من امرأته

стр. 177

فيمذي، قال: "مِنْهُ الوُضُوءُ" (١). أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم. وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة. يريد أنه فرض بالسنة بما تلقته الأمة عن النبي ﷺ ولم ينزل فيه قرآن يتلى. وقيل: هو فرض بالقرآن وداخل في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن من ذهب إلى الغائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- تكون منه هذه الأحداث الثلاثة. وهذا غير صحيح لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والربح، وإذا كان ذلك كان الصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هنالك. والثاني: أن هذين لم تسمهما العرب الغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما، ولذلك سموه نجوًا؛ لأنهم كانوا يستترون لذلك بالنجوة، وهو المكان المرتفع من الأرض، ولم يسموا البول والريح نجوًا. والثالث: أنه إذا كان الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض إنما يقصد لغير البول والربح، كان المقصود بالآية ما كان يؤتى ذلك المكان له، وإن كان يكون في خلال ذلك غيره. فصل الخلاف في الوضوء من مسِّ الذَّكَر اختلفت الأحاديث في الوضوء من مس الذكر، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" (٢)، وروي عنه أنه سُئل عن الرجلِ

стр. 178

يَمَس ذكره في الصلاة فقال: "وَهَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ " (١). واختلف عن (٢) مالك في ذلك، فأخذ مرة بالحديث الأول وقال: منه الوضوء (٣)، ومرة بالحديث الآخر (٤). وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة (٥). واختلف فيه عن ابن القاسم أيضًا فقال: منه الوضوء، وروى عنه سحنون أنه قال: إعادة الوضوء منه ضعيف (٦). واختلف -بعد القول إن منه الوضوء- في صفة المس الذي يكون منه الوضوء، فالمتفق عليه من ذلك إذا مسه بباطن الكف من غير حائل ذاكرًا غير ناس ووجد اللذة. واختلف إذا مسه بباطن الأصابع من غير حائل، أو بباطن الكف بحائل ثوب

стр. 179

أو غيره (١) ناسيًا أو عامدًا ولم يجد لذة، أو بظهر اليد أو الذراع ووجد اللذة. فقال ابن القاسم في "المدونة": باطن الأصابع كباطن الكف (٢). وقال أشهب في سماعه عن مالك: سئل مالك إذا مسّه بباطن الأصابع فقال: الذي يأخذ بنفسي (٣) إذا مسّه بباطن الكف. وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا مسّه على غلالة خفيفة فلا وضوء (٤). وقال في مس ذكره في غسله من الجنابة: يعيد وضوءه (٥). وروى عنه ابن وهب أنه إذا مسه ناسيًا فلا شيء عليه (٦)، ويختلف إذا كان عامدًا ولم يجد اللذة قياسًا على من لامس امرأته ولم يجد اللذة، وقال: إذا مسه بظهر الكف أو الذراع فلا شيء عليه، وقيل: عليه الوضوء إذا وجد اللذة؛ قياسًا على ملامسة النساء. وهو أقيس؛ لأنه متى وجد اللذة كان عليه الوضوء، وإن كان ناسيًا أو عن حائل أو بظهر الكف، وإن لم يجد اللذة فلا شيء عليه على أي وجه كان مسه. واختلف إذا صلى ولم يعد الوضوء، فقال مالك في "المجموعة": لا أوجب الإعادة. فروجع فقال: إن كان في الوقت وإلا فلا (٧).

стр. 180

وهذا مثل قوله: الوضوء منه حسن وليس بسنة (١). وقال ابن القاسم: لا يعيد في وقت ولا غيره (٢). وهذا مثل قوله قبل: إن إعادة الوضوء منه ضعيف. وقال ابن نافع: يعيد في الوقت وبعده. وقال ابن حبيب: إن كان عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت (٣). وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبّل للذة: يعيد وإن خرج الوقت، وإن طال وجاوز اليومين والثلاثة فلا إعادة عليه (٤). واختلف في مس المرأة فرجها، فقال مالك: لا وضوء عليها (٥). وإنما سمعت في مس الرجل ذكره. وروى عنه ابن أبي أويس (٦): أن عليها الوضوء إذا ألطفت (٧).
следующие страницы →