← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باب في الأسباب التي تنقض الطهارة ينقض الطهارة الصغرى ثلاثة: أحدها: ما يخرج من أحد السبيلين، كالبول، والمذي، والودي، والربح، والغائط (١). والثاني: النوم وما في معناه مما يذهب العقل، كالجنون، والإغماء (٢)، والسكر. والثالث: اللذة إذا قارنها مس من قبلة أو ملامسة أو مباشرة, أو مس ذكر. والأصل في الغائط قول الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]. وفي الريح حديث عباد (٣) بن تميم عن عمه قال: شكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لاَ يَنْفَتِلْ -أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ- حَتَى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (٤). وفي المذي حديث المقداد ﵁ سأل النبي ﷺ عن الرجل يدنو من امرأته

стр. 177

فيمذي، قال: "مِنْهُ الوُضُوءُ" (١). أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم. وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة. يريد أنه فرض بالسنة بما تلقته الأمة عن النبي ﷺ ولم ينزل فيه قرآن يتلى. وقيل: هو فرض بالقرآن وداخل في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن من ذهب إلى الغائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- تكون منه هذه الأحداث الثلاثة. وهذا غير صحيح لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والربح، وإذا كان ذلك كان الصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هنالك. والثاني: أن هذين لم تسمهما العرب الغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما، ولذلك سموه نجوًا؛ لأنهم كانوا يستترون لذلك بالنجوة، وهو المكان المرتفع من الأرض، ولم يسموا البول والريح نجوًا. والثالث: أنه إذا كان الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض إنما يقصد لغير البول والربح، كان المقصود بالآية ما كان يؤتى ذلك المكان له، وإن كان يكون في خلال ذلك غيره. فصل الخلاف في الوضوء من مسِّ الذَّكَر اختلفت الأحاديث في الوضوء من مس الذكر، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" (٢)، وروي عنه أنه سُئل عن الرجلِ

стр. 178

يَمَس ذكره في الصلاة فقال: "وَهَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ " (١). واختلف عن (٢) مالك في ذلك، فأخذ مرة بالحديث الأول وقال: منه الوضوء (٣)، ومرة بالحديث الآخر (٤). وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة (٥). واختلف فيه عن ابن القاسم أيضًا فقال: منه الوضوء، وروى عنه سحنون أنه قال: إعادة الوضوء منه ضعيف (٦). واختلف -بعد القول إن منه الوضوء- في صفة المس الذي يكون منه الوضوء، فالمتفق عليه من ذلك إذا مسه بباطن الكف من غير حائل ذاكرًا غير ناس ووجد اللذة. واختلف إذا مسه بباطن الأصابع من غير حائل، أو بباطن الكف بحائل ثوب

стр. 179

أو غيره (١) ناسيًا أو عامدًا ولم يجد لذة، أو بظهر اليد أو الذراع ووجد اللذة. فقال ابن القاسم في "المدونة": باطن الأصابع كباطن الكف (٢). وقال أشهب في سماعه عن مالك: سئل مالك إذا مسّه بباطن الأصابع فقال: الذي يأخذ بنفسي (٣) إذا مسّه بباطن الكف. وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا مسّه على غلالة خفيفة فلا وضوء (٤). وقال في مس ذكره في غسله من الجنابة: يعيد وضوءه (٥). وروى عنه ابن وهب أنه إذا مسه ناسيًا فلا شيء عليه (٦)، ويختلف إذا كان عامدًا ولم يجد اللذة قياسًا على من لامس امرأته ولم يجد اللذة، وقال: إذا مسه بظهر الكف أو الذراع فلا شيء عليه، وقيل: عليه الوضوء إذا وجد اللذة؛ قياسًا على ملامسة النساء. وهو أقيس؛ لأنه متى وجد اللذة كان عليه الوضوء، وإن كان ناسيًا أو عن حائل أو بظهر الكف، وإن لم يجد اللذة فلا شيء عليه على أي وجه كان مسه. واختلف إذا صلى ولم يعد الوضوء، فقال مالك في "المجموعة": لا أوجب الإعادة. فروجع فقال: إن كان في الوقت وإلا فلا (٧).

стр. 180

وهذا مثل قوله: الوضوء منه حسن وليس بسنة (١). وقال ابن القاسم: لا يعيد في وقت ولا غيره (٢). وهذا مثل قوله قبل: إن إعادة الوضوء منه ضعيف. وقال ابن نافع: يعيد في الوقت وبعده. وقال ابن حبيب: إن كان عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت (٣). وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبّل للذة: يعيد وإن خرج الوقت، وإن طال وجاوز اليومين والثلاثة فلا إعادة عليه (٤). واختلف في مس المرأة فرجها، فقال مالك: لا وضوء عليها (٥). وإنما سمعت في مس الرجل ذكره. وروى عنه ابن أبي أويس (٦): أن عليها الوضوء إذا ألطفت (٧).

стр. 181

قال الشيخ ﵀: أما مس الظاهر منه فلا شيء عليها فيه، وهو كالعانة للرجل، وإن مست موضعًا تجد منه اللذة أو وجدتها توضأت، وإلا فلا شيء عليها. فصل في أقسام النوم الأربعة النوم أربعة: خفيف قريب لا وضوء (١) فيه، وخفيف طويل يستحب الوضوء منه, وثقيل طويل يجب الوضوء منه، وثقيل قريب اختلف فيه، فقيل: لا ينقض الطهارة؛ لأن النوم ليس بحدث، وإنما هو سبب له، والغالب في القرب السلامة من ذلك، وذكر أبو الفرج عن ابن القاسم أنه قال: هو حدث. قال أبو الفرج: وهذا الصواب؛ قياسًا على المغمى عليه؛ إذْ لم يشترطوا فيه تصرف أحواله. وهو قول أبي هريرة: "مَنِ اسْتَحَقَّ نَوْمًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ" (٢). وقاله ربيعة (٣) وابن أبي سلمة (٤).

стр. 182

فأما على القول إنه سبب للحدث فإنه تراعى (١) الحالة التي كان عليها النوم، وهي ثمانية: قائم، وراكع، وساجد، وجالس غير مستند، ومستند (٢) ومحتبٍ، ومضطجع، وراكب. فقال ابن حبيب: إن كان قائمًا أو راكبًا أو راكعًا أو جالسًا غير مستند، كان على طهارته؛ لأن القائم والراكب والراكع لا يثبتون (٣). وإن كان ساجدًا أو جالسًا مستندًا أو مضطجعًا، فعليه الوضوء إذا خالط النوم قلبه وذهب عقله ولم يدر ما فعل. وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار: من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا فعليه الوضوء (٤). وسوّى بين هذه الوجوه؛ وهذا يصح على القول (٥) أن النوم حدث؛ لأن القائم (٦) لا يصح منه اجتماع الاستثقال والطول، وليس الغالب أيضًا في تلك الحالة تصرف ذلك وخروجه. وللمحتبي ثلاث حالات: فإن استيقظ وحبوته بحالها فهو على طهارته، وذلك دليل على أنه لم تستغرقه آفة النوم. فإن استيقظ لانحلالها كان على أحد القولين: أن النوم حدث في نفسه- تنتقض طهارته، وعلى القول الآخر: هو على طهارته, وكذلك إذا انحلت ولم يشعر ولم يطل، فإن طال وكان مستندًا انتقضت طهارته. ومثله إذا كانت بيده مروحة، فإن لم تسقط من يده كان على طهارته، بن استيقظ لسقوطها كان على

стр. 183

القولين، إلا أن يطول وهو غير مستند. الخلاف في الإغماء والجنون ويختلف في المغمى عليه والمجنون، فقال مالك: عليه الوضوء. وقال ابن القاسم: لو خنق قائمًا أو قاعدًا كان عليه الوضوء (١). وهذا موافق لما ذكر عنه أولًا أن النوم حدث. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الجنون والإغماء: إنها أسباب للحدث (٢). فعلى هذا لا يجب على من خنق قائمًا وضوء، وكذلك إذا خنق قاعدًا بحضرة قوم ولم يظهر لهم منه شيء. وفي سماع ابن وهب: قال مالك في الرجل يصاب حتى يذهب عقله هو بمنزلة النائم لا يدري ما هو فيه، فعليه الوضوء. وفي كتاب مسلم: قال أنس: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" (٣). وفي هذا بيان أنهم لم يكونوا يرون أن النوم حدث في نفسه. فصل رفض الأفعال والخلاف في الرِّدة والمتكرر من الحدث وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن تصنع للنوم ثم لم ينم:

стр. 184

إنه يتوضأ. وقال أيضًا في كتاب آخر فيمن كان في سفر فقدم سفرته ليفطر، ثم علم أنه لا ماء معه فلم يفطر: أستحب له القضاء (١). ولا أرى على أحد من هذين شيئًا، لأن هذا إنما نوى أن يفطر بالأكل فلم يفعل، وأراد الآخر أن ينقض طهارته بالنوم فلم ينم، ولو وجب انتقاض الطهارة لهذا لوجب على من أراد أن يصيب أهله فلم يفعل الغسل. ورفض الأفعال على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يرفض ذلك العمل وهو فيه لم يتمه. والثاني: أن يرفضه بعد تمامه ولم يبق فيه حق يتعلق به. والثالث: أن يتعلق به حق في المستقبل. فإن كان في صلاة أو في صوم ونوى رفضه ثم أتمّه ليس على القربة لله سبحانه لم يجزه، وإن أتمّه على نيّة القربة لله إلا أنّه قال: أجعل ذلك تطوعًا، ثم أقضيه وكان في إحدى الصلوات الخمس، أجزأه ويقضيه استحسانًا. وإن نوى رفض ذلك بعد الفراغ منه، كان فيه قولان: وجوب القضاء، ونفيه. والقياس أنه لا يرتفض على أحد أمرين: إما أن يريد رفض العمل الماضي أو رفض ثوابه، فإن أراد رفض نفس العمل لم يصح؛ لأن ذلك مما يستحيل رفضه بعد انقضائه، وإن أراد رفض ثوابه كان الأمر فيه إلى الله سبحانه إن شاء أثبت له ثوابه وإن شاء لم يثبته. وسقوط الثواب لا يوجب عليه قضاءً؛ لأن القضاء فرض ثان يحتاج إلى أمر ثان.

стр. 185

والثالث: الوضوء ينوي رفضه بعد تمامه، فهو في معنى الصلاة؛ لأنه فعل مضى ومخالف لها؛ لأنه قد بقي عليه أن يؤدي به طاعة. وقد اختلف فيه أيضًا هل يرتفض أو لا؟ والرفض ها هنا أشكل من الصلاة؛ لأن له أن يخرج منه بالحدث، وإذا كان ذلك ونوى أنه يبقى على غير (١) تلك القربة استحب له أن يستأنف الوضوء، ويختلف على هذا إذا نوى رفض اغتساله من الجنابة، هل يجب عليه أن يستأنف؟ واختلف في الارتداد هل ينقض الطهارة. فصل غَسْل الذَّكَر من المذى وقال مالك في المذي إذا كان من سلس من إبردة (٢) أو ما أشبه ذلك قد استنكحه (٣) ودام به، فلا وضوء عليه، وإن كان من طول عزبة إذا تذكر خرج منه، أو كان إنما يجده المرة بعد المرة، فإنه يغسل ما به ثم يعيد الوضوء (٤). فأوجب الوضوء إذا كان من عزبة أو من غير عزبة ولم يتكرر، وأسقط الوضوء منه إذا تكرر. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: من سلس مذيه لطول عزبة (٥) يمكنه رفعها

стр. 186

بتسرٍّ أو النكاح فعليه الوضوء لكل صلاة (١). والصواب أن يتوضأ لكل صلاة وإن لم يمكنه رفعها؛ لأن خروج ذلك على وجه المعتاد ينقض الطهارة قولًا واحدًا. ويجب الوضوء من الأحداث الثلاثة: البول، والربح، والغائط إذا كان خروجه على إرادة أو غلبة من غير إرادة ولم يتكرر. واختلف عن مالك إذا تكرر على ثلاثة أقوال: فقال مرة: لا وضوء عليه. وقال أيضًا: لا شيء عليه إذ كان في زمن يشتد عليه الوضوء فيه. وقال أيضًا في سلس البول (٢): يتوضأ لكل صلاة، وإن كان الشتاء واشتد عليه الوضوء، وقرن بين الصلاتين، لم أر بذلك بأسًا (٣). وهذا هو الصواب لأنه منتقض الطهارة في جميع هذه الوجوه، فإن كان في زمن لا يشتد عليه فيه (٤) الوضوء كان على الأصل في وجوب الطهارة. ويختلف فيه إذا كان في زمن يشق (٥) ذلك عليه، هل تكلفه الطهارة حينئذ حرج فتسقط عنه، أو لا حرج فيه؟ وقول مالك: إنه يجمع بين الصلاتين فيصلي الظهر والعصر في آخر وقتهما، والمغرب والعشاء في أول وقتهما حسن، فيكون قد أدى الصلاة بطهارة، ولا حرج في ذلك ولا ضرورة تدعو إلى إيقاع الصلاة في غير هذين

стр. 187

الوقتين، ويختلف إذا لم يجمعا قياسًا على المستحاضة. وكذلك الجواب فيمن تكرر منه المذي، إلا أن يكون لا تسلم لواحد منهما صلاة بطهارة. وقد سئلت عن رجل إن توضأ لم تسلم له صلاة حتى تنتقض طهارته، وإن تيمم لم يحدث به شيء حتى تتم صلاته، فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى. واختلف في خروج الدم أو الدود من المخرجين، فقال مالك في "المدونة" في الدود (١): إنه لا ينقض الوضوء (٢). وقال ابن نافع: إلا أن يخرج بأذى (٣). وقال مالك في "المجموعة" مثل ذلك في الدم: لا وضوء عليه (٤). وقال ابن القاسم (٥) في الحصاة تخرج من الإحليل: لا وضوء عليه (٦). إلا أن يخرج بإثر ذلك بول. وقال محمد بن عبد الحكم (٧) فيمن خرج من دبره دم صاف أو دود نقي: فيه الوضوء (٨). فأوجب الوضوء من الدود لأنه كالميتة في حكم النجس، ولأنها تخرج بِبِلّة، وكذلك الحصاة تخرج ببلّة أيضًا. واختلف في المستحاضة فقال مالك: لا وضوء عليها. وقال أيضًا: أحب

стр. 188

إليَّ أن تتوضأ لكل صلاة (١). وقال في كتاب محمد: إذا جمعت الصلاتين بوضوء واحد تعيد الآخرة في الوقت (٢). والقول بوجوب الوضوء أحسن، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : "إِنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ"، ثم أمرها أن تتوضأ لكل صلاة. ذكره الترمذي (٣). وهو حديث صحيح فيه فائدتان: إحداهما: أن الدم إذا خرج من الذكر أو الدبر ينقض الطهارة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه عرق وليس بحيضة (٤)، وأوجب منه الوضوء ولم يوجب منه الغسل، وإذا لم يكن حيضٌ فلا فرق بين خروج ذلك من فرجها أو من دبرها، أو من مثل ذلك من الرجل. والأخرى: أن تَكرّر (٥) ما ينقض الطهارة لا يوجب بقاء الإنسان على طهارته؛ لأن الاستحاضة مما تتكرر.

стр. 189

فصل [في قدر ما يغسل من المذي] واختلف فيما يجب غسله من المذي، فقيل: زوال الأذى فقط. وقيل: جميع الذكر (١). وهذا غلط، وقد قال مالك في "المدونة" في المذي إذا كان يخرج منه المرة بعد المرة: ينصرف فيغسل ما به ثم يعيد الصلاة (٢). فلم يجعل عليه سوى إزالة النجاسة. وقد قال البغداديون: معنى قول مالك: "المذي أشد من الودي " إنه (٣) لا يستجمر منه، ولا يجزئ منه إلا الماء؛ لأنه لا يتكرر كالبول. وقيل في غسل الأنثيين (٤): إن ذلك لتنقطع عنه مادة المذي. وقال ابن مسلمة: النضح (٥) لمن خشي أن يشككه ذلك بعد الوضوء فينضح لينقطع الشك عنه.

стр. 190

فصل في المباشرة والملامسة [والقبلة] المباشرة والملامسة والقبلة على خمسة أوجه (١): فإن قصد اللذة ووجدها توضأ، وكذلك إذا كان ذلك عن غير قصد ووجد اللذة، وإن قصد اللذة ولم يجدها، أو لم يقصد ولم يجد لم يتوضأ، وفي هذين اختلاف. واختلف أيضًا إذا وجد اللذة على حائل ثوب أو غيره، فقال مالك في "المجموعة": ليس في قبلة أحد الزوجين للآخر بغير شهوة وضوء في مرض أو غيره. وقال أيضًا فيمن قبّلته زوجته وهو يدفعها عن نفسه ويكره ذلك، ولم يجد اللذة فعليه الوضوء (٢). وقال أيضًا في قبلة أحد الزوجين الآخر على الفم لشهوة: عليها الوضوء، وكذلك أيضًا إذا أكرهها على الفم لشهوة, وإن قبلها على غير الفم لشهوة فلا وضوء عليها، ولا فرق بين الموضعين الفم وغيره إذا لم تكن لذة, والوضوء موكول (٣) إلى أمانة الإنسان، فمن علم من نفسه أنه لم يلتذ فلا شيء عليه.

стр. 191

وقال ابن القاسم في كتاب محمد (١) في مريض ناقه لا يجد اللذة للنساء ولا ينشط، فأراد أن يجرب نفسه، فوضع يده على امرأته ينظر هل يتحرك منه شيء فلم يجد لذة، فإنه يتوضأ لأنه للذة وضعها (٢). وهذا يصح على القول أن الوضوء ينتقض بالنية؛ لأنه نوى نقض الطهارة. وقد اختلف في ذلك، والصواب في هذا أن يبقَى على طهارته؛ لأنه إنما نوى اختبار شيء هل يكون أو لا، فليس كالعازم على رفض الطهارة جملة، وأرى ألا تنتقض الطهارة مع عدم اللذة لحديث عائشة ﵂ قالت: "كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهَا. قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" (٣). وفي الترمذي: قالت عائشة ﵂: "رُبَّما اغْتَسَلَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الجنَابَةِ ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ" (٤).

стр. 192

والحكم في اللمس والمباشرة على مثل ذلك، إن وُجدت اللذة توضأ وإن عُدمت فلا وضوء عليه (١). وقال مالك في "المدونة": إذا مس امرأته من فوق الثوب للذة فعليه الوضوء (٢)، وروي عنه أنه قال: إن كان خفيفًا فعليه الوضوء كان كثيفًا لا يصل جسّه إلى جسمها فلا شيء عليه (٣). وهذا أحسن إذا كان مرور اليدين، فأما إذا ضمها، فالكثيف وغيره سواء. وقال في "المدونة" في المرأة تمس ذكر الرجل (٤) فعليها الوضوء إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه فلا شيء عليها (٥). وقال فيمن يمس شعر امرأته تلذذًا فعليه الوضوء، إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه (٦) فلا شيء عليه، وقال أيضًا: ما علمت من يمس شعر زوجته تلذذًا (٧). فصل في الإنعاظ واختلف في الإنعاظ إذا لم يكن معه مسيس، فقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي.

стр. 193

وقيل: عليه الوضوء؛ لأنه لا ينكسر إلا عن مذي. وهذا مع عدم الاختيار. وأرى أن يحمل على عادته، فإن كان شأنه أنه لا يمذي عن ذلك كان على طهارته، وإن كانت عادته (١) أنه يمذي توضأ، وإن اختلفت عادته توضأ أيضا، وإن اختبر ذلك بالحضرة أو بعد التراخي فلم يجد شيئًا كان على طهارته. وإن أنعظ (٢) وهو في الصلاة وكانت عادته أنه لا يمذي مضى عليها، وإن كان ممن يمذي قطع، إلا أن يكون ذلك الإنعاظ ليس بالبين ولا يخشى من مثله المذي وإن كان شأنه المذي بعد زوال الإنعاظ ولا يخشى ذلك قبل أن يتم الصلاة (٣) فإنه يتمها، إلا أن يتبين له أن ذلك كان قبل أن يتم الصلاة (٤) فيقضي الصلاة، ولو شك، فيختلف هل تجزئه الصلاة أم لا.

стр. 194

باب في الشك في الوضوء والصلاة الشك في الوضوء على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشك هل توضأ أو لا؟ والثاني: أن يشك في بعض وضوئه. والثالث: أن يكون كامل الطهارة ثم يشك هل حدث ما ينقضها أم لا. فإن شك هل توضأ أم لا - كان عليه أن يتوضأ إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه، فإن كان ممن يتكرر عليه نظر، فإن كان عنده في الأول أنه لم يتوضأ وجب عليه الوضوء، وإن كان عنده في الأول أنه على طهارة (١) ثم شك لم يكن عليه شيء (٢). وإن شك في بعض وضوئه وكان ذلك بحدثانه، فإن كان بذلك العضو بلل كان دليلًا على أنه غسله، وإن لم يكن به بلل غسله، وإن طال ذلك مما يجف فيه لو كان غسله, فإن عليه غسله، إلا أن يكون ممن يتكرر ذلك عليه. وإن كان على طهارته وشك هل حدث ما ينقضها، فإن كان ممن يتكرر ذلك عليه لم يكن عليه شيء. واختلف إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه على خمسة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يتوضأ. قال: وهو بمنزلة من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا (٣).

стр. 195

وعلى هذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأن من شك في الرابعة يجب عليه أن يأتي بها. وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ (١). قال: وروي عنه أنه قال: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع. وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك. قال: وروي عنه أنه قال: يقطع وإن كان في صلاة (٢). وقال ابن حبيب. إن خيل إليه (٣) أن ريحًا خرجت منه فلا يتوضأ إلا أن يوقن به، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه. قال: بخلاف من شك هل (٤) بال أو أحدث؟ فإنه يعيد الوضوء (٥). فأما على القول إن الوضوء واجب فلا فرق بين أن يكون شك وهو في الصلاة أم لا، فإنه يقطع (٦)، واختلف على القول إن الوضوء استحسان، فقيل: يستحسن ألا يصلى به. وإن شك وهو في الصلاة إنما يستحب له أن يقطع؛ لأن الشك إنما هو عن شيء تقدم قبل الدخول في الصلاة، وقيل: لا يدخل في الصلاة به، فإن فعل أو شك وهو في الصلاة لم يقطع؛ لأنها صلاة جائزة؛ فيكون قد أبطل عملًا

стр. 196

صحيحًا، وهذا في أحد الحدثين البول والغائط. والشك في الريح على وجهين: فإن شك هل كان ذلك منه فنسيه أم لا، عاد الجواب فيه إلى ما تقدم من الشك في غيره، وإن شك في شيء أحسه هل ذلك ريح أم لا، أيكن عليه شيء، سواء وجد ذلك وهو في صلاة أو قبل، ويجوز له أن يبتدئ الصلاة به. وإلى هذا ذهب ابن حبيب (١)؛ لأن الشكين ليسا سواء (٢)، فليس من شك هل كان ذلك فنسيه مثل من هو مجتمع الحس والذكر، ولا يدري هل كان أو لا (٣)؟ وقيل: هو مثل الأول؛ لأن كل ذلك منه شك. وإن كان هذا أضعف. واستشهد من نفى الوضوء منه بحديث عباد بن تميم ﵁ وقد تقدم (٤)، وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ أَمْ لاَ، فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" أخرجه مسلم (٥). وقال أيضًا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجدِ فَوَجَدَ رِيحًا بينَ أَلْيَتَيْهِ، فَلاَ يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" ذكره الترمذي وقال: حديث صحيح (٦).

стр. 197

وقال أبو هريرة ﵁: إن الشيطان هو يفيش (١) بين أليتي أحدكم. وقال الليث: أغفل أبو هريرة واحدة تخرج لا ريح لها ولا صوت (٢). وقد صدق الليث، إلا أن الأول أولى (٣)؛ لأن الغالب الوجه الآخر أنه يكون الصوت أو الريح، وللحديث، ولِمَا ذكر أن الشيطان يُدخل على الإنسان الشك بمثل ذلك. فإن شك في الصلاة هل صلى أم لا؟، وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة ما لم يتكرر ذلك عليه، فإن تكرر، وكان يسبق إليه أنه لم يصلِّ وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة أيضًا، وإن كان يسبق إليه أنه قد صلاها ثم دخله شك وتكرر ذلك عليه، لم يكن عليه شيء. ومثله إذا شك في الرابعة فإن عليه أن يأتي بها إذا لم يتكرر ذلك عليه أو تكرر وكان الأول عنده أنها ثالثة. وإن كان الأول عنده (٤) أنها رابعة ثم شك لم يكن عليه شيء. واختلف إذا سلم وهو على شك ثم استيقن أنها رابعة- فقال ابن حبيب: تجزئه الصلاة، وقال سحنون: أفسد على نفسه (٥).

стр. 198

باب في تنكيس الوضوء وموالاته القدر الذي يكتفي به من الماء ثبت عن النبي ﷺ "أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ على نحو ما وردت به التلاوة في القرآن" (١). واختلف في فعله هل هو على وجه الاستحباب أو سنة لا ينبغي تركها أو واجب؟ فإن لم يفعل ونكس هل يجزئه أو لا (٢)، فقال مالك في "المدونة": صلاته مجزئة. قيل: أفيعيد الوضوء؟ قال: ذلك أحب إلي (٣). فجعله استحبابًا. وقال أبو جعفر الأبهري عنه: إن الترتيب سنة. وروى عنه علي بن زياد مثل ذلك أنه قال: يستأنف الوضوء والصلاة. ثم قال: لا يعيد الصلاة وإن كان في الوقت. وقال أبو مصعب: إن صلى به صلوات ابتدأ الوضوء ولاءً على كتاب الله، وأعاد الصلوات (٤) كلها. فجعل الترتيب فرضًا لأن الصلوات لا تكون إلا من وقتين، فتضمن قوله: "أعاد" إعادة الصلاة بعد خروج الوقت، والإعادة بعد خروج الوقت تكون لإسقاط الواجب. وقال محمد بن مسلمة: إذا غسل يديه ثم رجليه ثم وجهه فإنه يغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه حتى يكون على نسق القرآن، وكما جاء عن

стр. 199

النبي ﷺ ، وإن طال ذلك استأنف الوضوء كله، قال: وهو بمنزلة من غسل وجهه بداية ثم ذهب حتى طال فليس له أن يبني. فجعل كل ما قدمه على الوجه كأنه لم يفعله، ورأى أن الترتيب واجب. والقول الأول أبين؛ لأن التلاوة في الأمر بالوضوء لم تأت على صفة توجب الترتيب، ألا ترى أنه لو نزل بعد ذلك آية أخرى بالأمر ببداية اليدين على الوجه أو الرجلين لم تكن نسخًا، بل يحمل على البيان الأول، ويحمل فعله ﷺ أنه يكون على وجه الاستحباب والابتداء بما بدأ الله به، فلا يتعلق فرض بمحتمل. وكذلك الصفا (١) لم تكن البداية بها بمجرد التلاوة، ولا بمجرد فعله ﷺ ؛ لاحتماله أن يكون على وجه الاستحباب، وإنما رجع في ذلك إلى الإجماع، وليس تبدئة الركوع على السجود من هذا الباب في شيء؛ لأن الأمر بالصلاة ورد مجملًا بقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]. فهو مجمل لا يعلم بمجرد التلاوة، كيف يقيمها ولا ما (٢) يتضمن ذلك الأمر، وكانت الصفة التي فعلها رسول الله ﷺ على الوجوب؛ لأنها من باب بيان المجمل إلا ما قام الدليل عليه أنه غير واجب.

стр. 200

فصل [في الموالاة في الطهارة من الحدثين وما يعرض لها] وينبغي موالاة الوضوء والغسل، فإن غُلب على ذلك بعد أن أَخذ من الماء قدر ما يكفيه، ثم غُصبه أو أُهراق له، جاز أن يبنأنه على ما مضى منه وإن بعد طلبه للماء. واختُلف إذا فرّقه متعمدًا أو ناسيًا على أربعة أقوال، فقال مالك وابن القاسم: إن فرقه ناسيًا أجزأه، وإن تعمد فرقه لم يجزئه (١). وقال ابن وهب: لا يجزئه ناسيًا كان أو متعمدًا. وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه في الوجهين جميعًا في العمد والنسيان. ولمالك عند ابن حبيب قول رابع: أنه إن فرق ناسيًا لم يجزئه في المغسول ويجزئه في الممسوح. وروي عن ابن عمر ﵁ "أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالسُّوقِ إِلاَّ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى جَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا" (٢). وفي سماع ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل مسح على خفيه ثم نزعهما وأقام طويلًا: يستأنف الوضوء أحب إلي، فإن غسل رجليه رجوت أن يجزئه (٣).

стр. 201

وكلا هذين القولين موافق لما ذهب إليه محمد بن عبد الحكم، وقد قيل: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنه كانت في رجليه علة. وهذا غير صحيح؛ لأنه كان يغسل رجليه، فإن كان له عذر ولم يجد من يغسلهما له لم يجز أن يبتدئ الوضوء إلا في الوقت الذي يتيسر له فيه غسل رجليه؛ إذ البداءة بالوضوء قبل ذلك غير مفيد؛ إذ كان لا يستبيح الصلاة إلا بعد تمامه، مع كونه يعلم (١) أن ذلك لا يتعذر عليه في السوق، وظاهر القرآن (٢) يقتضي الموالاة لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكان ذلك لحق الصلاة إذا قام إليها؛ لأنه لا يصح أن يصلي ببعض الطهارة. فأما إذا رأى (٣) أن يتوضأ قبل دخول الوقت أو بعده ولا يتلبس بالصلاة حينئذ، فأتى به متفرقًا فإنه يجزئه، لأنه داخل في امتثال ما أمر المصلي به أنه لا يصلي إلا بطهارة في أعضاء وقد فعل. فأما فعل رسول الله ﷺ ذلك في مرة واحدة؛ فإن الإتيان به في مرة أسهل على المتوضئ والمغتسل من تفرقته، وهذا موجود في النفوس أنه متى شرع الإنسان في الغسل وفي الوضوء لا يجب (٤) ترك بعضه ليأتي به في زمن آخر، ولو كان الفرض من الله سبحانه أن يؤتى به متفرقًا لكان ذلك أشق من الإتيان به في مرة واحدة (٥)، وهو في زمن البرد أشد، وهو في الغسل إذا فرقه أعظم مشقة.

стр. 202

فصل [في القصد في استعمال الماء في الطهارة وغيرها] ويستحب القصد في الماء في الوضوء والغسل ويكره السرف في ذلك، وفي مسلم "أن النبي ﷺ كَانَ يُغَسّلُهُ الصَّاعُ وُيوَضِّئُهُ المُدُّ"، وفي البخاري مثل ذلك (١). وقال مالك في "المجموعة": رأيت عياش بن عبد الله بن معبد -وكان فاضلًا- يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه، فأعجب مالكا ذلك (٢). وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، فسمعته يقول: "قطرًا قطرًا" إنكارًا لذلك (٣). قال مالك: وكان ربيعة أسرع الناس لبثًا في الوضوء والبول، وقال ابن حبيب: كان ابن هرمز بطيء الوضوء بطيء التنظف من البول (٤). قال الشيخ أبو الحسن ﵀: الناس في الاستبراء من البول مختلفون، وليس الرجل المرطوب كغيره, فمن كان يعدم من نفسه أنه بنفس الفراغ تنقطع مادته لم يكن عليه غير ذلك، ومن كان لا تنقطع عنه بفور ذلك فعليه أن يستبرئ نفسه. ومن كانت عادته أنه يمسك عنه فإذا قام نزل ذلك منه، فذلك عليه أن يقوم ثم يعود ويستبرئ، فإن لم يفعل ذلك وخرج منه شيء بعد الوضوء استأنف.

стр. 203

باب في غسل القيء والمحاجم والقرح ينفجر في الصلاة والصلاة في الخفين والنعلين تكون فيهما النجاسة وفي درع المرأة تصيبه النجاسة قال مالك: القيء قيآن: فما يخرج بمنزلة الطعام فليس بنجس، وما تغيّر عن حال الطعام فإنه يغسل (١). يريد إذا تغير إلى أحد أوصاف النجاسة التي تنقض الطهارة. وقيل: لا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من الموضع المعتاد. والقياس أن يعيد الوضوء؛ لأن انتقاض الطهارة إنما كان لأجل خروج تلك النجاسة ليس لأجل ذلك الموضع. ولو جرح رجل جائفة (٢) وكان يخرج منها إحدى النجاستين لكان عليه الوضوء إذا صار خروجه على وجه المعتاد قبل ذلك، وإن تكرر على غير العادة عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في سلس البول. قال مالك: ويغسل موضع المحاجم ولا يجزئه المسح. ومن مسح ذلك ولم يغسله ثم صلى أعاد في الوقت (٣). وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه، وما روي عن سعيد بن المسيب في فتل الدم بين الأصابع أكثر من هذا (٤). قال: ولا شيء على من بصق دمًا في الصلاة ما لم يتفاحش كثرته. فراعى

стр. 204

قدر النجاسة لا قدر موضعها؛ لأن ما يبقى في موضع المحاجم بعد المسح لو كان مجتمعًا- يسير، وراعى مالك الموضع النجس لأنه كثير، وظاهر قوله في الإعادة في الوقت أن ذلك وإن كان متعمدًا، وهذا مراعاة للخلاف. واختلف إذا بولغ في مسح موضع النجاسة (١) فلم يبق منها شيء، أو غسل بشيء من المائعات هل يطهر الموضع أولا؟ وأن يطهر أحسن؛ لأن النهي ألا يتقرب إلى الله وعليه نجاسة، وهذا لا نجاسة عليه. وقال أبو محمد عبد الوهاب في الدم يصيب السيف: يجزئه مسحه؛ لأنه صقيل لا تتخلله نجاسة، ولأن به ضرورة إلى ذلك، لأنه متى غسل فسد (٢). فراعى زوال عين النجاسة، وهذا هو الصحيح. وكذلك الفم يطرح منه الدم ثم يطرح معه بصاقًا نقيًا، فإن الريق يطهره على أحد القولين. فصل [فيمن كانت به قرحة فنكأها] وقال مالك فيمن كانت به قرحة فنكأها (٣) وهو في الصلاة فسال منها دم: إن كان يسيرًا فتله ويمضى في صلاته، وإن كان كثيرًا قطع (٤). قال الشيخ أبو الحسن ﵀: ولو سال بنفسه وكان بحضرته ماء فغسله

стр. 205

جاز له أن يتمادى في صلاته؛ قياسًا على أحد قولي مالك فيمن تبين له أن في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة؟ أن له أن ينزعه ويتمادى في الصلاة (١). وبيان ذلك يأتي فيما بعد. وقال مالك في معنى الحديث في الدرع: "يُطَهِّر مَا بَعْدَهُ" (٢): ذلك في القشب اليابس. يريد أنه يمر على غيره فيذهب ما يتعلق به من النجاسة (٣). وقيل: ذلك في الرطب؛ لأن الذيل للمرأة كالخف للرجل؛ لأن المرأة ندبت إلى أن ترخي ذيلها شبرًا، فيصير ذلك مما تدعو الضرورة إليه. وقد اختلف قول مالك فيمن وطئ بالخف على أرواث الدواب، فقال مرة (٤): يغسله. ثم قال: يدلكه (٥). فأجاب في الأول بالغسل على الأصل في النجاسات أنها تزال بالماء، ثم رأى أن ذلك مما يتكرر فيصير ضرورة فيجزئه الدلك كالاستجمار في غير ذلك، وكذلك ذيل المرأة، وإذا كان تصرف الرجل والمرأة على الأرض الطاهرة في الغالب ولا يصيبها (٦) ذلك إلا نادرًا، لم يجزئها في الرطب إلا الغسل.

стр. 206

واختلف في النعلين يطأ بهما على ما يكون من أرواث الدواب، فقال مالك: يدلكهما ويصلي فيهما. وقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك لخفة نزعهما، وهذا أبين. وقال مالك فيمن وطئ على دم أو عذرة (١) بخفيه: لم يصل فيهما حتى يغسلهما (٢). يريد لأن كون ذلك في الطرق نادر، ومن مشى حافيًا فأصاب رجليه شيء مما يكون من الدواب مسحهما وصلى على أحد قولي مالك في النعلين، وأرى ألا يجزئه إلا الغسل، إلا أن يكون فقيرًا يشق عليه شراء ما يصون به رجليه من ذلك. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في مسافر على طهارة، وكان مسح على خفيه فوطئ بخفيه على نجاسة ولا ماء معه: أنه ينزعهما ويتيمم ويصلي؛ لأنه أُرخص في الصلاة بالتيمم، ولم يرخص في الصلاة بالنجاسة. وقال مالك في سماع أشهب فيمن توضأ ثم وطئ على المكان القذر الجاف: لا بأس بذلك؛ قد وسع الله على هذه الأمة، ثم تلا: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٣). وقال أبو بكر بن اللباد (٤): ذلك إذا مشى بعد ذلك على أرض طاهرة؛ لما

стр. 207

روي: أن الدرع يطهره ما بعده (١). وليس هذا الذي أراد مالك، وإنما أراد أن (٢) الرجل إذا أراد (٣) رفعها بالحضرة لم يمنع من تلك النجاسة شيء إلا شيئًا لا قدر (٤) له.

стр. 208

باب في غسل الدم وغيره من النجاسات وقال مالك في "المدونة" في الرجل يصلي وفي ثوبه دم يسير من دم حيضة أو غيرهما ثم يراه وهو في الصلاة: فإنه يمضي على صلاته ولا ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا. فإن كان دم كثير نزعه واستأنف الصلاة بإقامة (١). قال الشيخ أبو الحسن ﵀: على المصلي أن يتقرب إلى الله بجسد طاهر وثوب طاهر في موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ بمثل ذلك، فأمر بغسل المذي لحديث المقداد (٢)، وبغسل المني (٣) لحديث عمر أنه ذكر للنبي ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال له: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" (٤). وبغسل دم الحيض من الثوب بحديث أسماء (٥)، ومر ﷺ على قبرين فقال: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ

стр. 209

فكَانَ لاَ يَسْتبرِئُ مِنَ البَوْلِ" (١) أي: لا يتوقاه. وقيل: المعنى: لا يستتر من الناس، والأول أحسن؛ لأن الأول حقيقة لقوله: "لا يستبرئ منه"، والثاني مجاز وخروج عن النص. وجميع هذه الأحاديث اجتمع عليه الصحيحان البخاري ومسلم؛ وقال الله ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٨]، فجعل العلة في منعهم المسجد لأنهم في معنى النجس. قال قتادة: الأنجاس: الأخباث (٢). إذا منع موضع الصلاة من النجاسة كان منع الصلاة أولى، وأجمع أهل العلم على أن على المصلي ألا يتقرب إلى الله ﷺ بالنجاسة. واختلف بعد ذلك في إزالة النجاسة على ثلاثة أقوال: فذهب مالك إلى أن ذلك فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، فإن صلى بنجاسة متعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت (٣). وقال ابن وهب: يعيد أبدًا ناسيًا كان أو متعمدًا (٤). وجعل ذلك فرضًا مع الذكر والنسيان. وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا في الوقت ناسيًا كان أو متعمدًا (٥). ورآه

стр. 210

سنة، والأول أحسن، فيعيد إذا كان ذاكرًا وإن ذهب الوقت؛ للقرآن والحديث والإجماع (١)، ولا يعيد إذا ذهب الوقت وكان ناسيًا، للحديث عن النبي ﷺ "أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَخَلعَ نَعْليْهِ لِنَجَاسَةٍ فِيهِمَا، فَأتمَّ الصَّلاَةَ" (٢). فاجتزأ بالماضي لأنه كان غير عالم، فكذلك يجزئ جميعها إذا علم بعد الفراغ. واختلف فيمن رأى في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، فقال مالك في "المدونة": يقطع وينزع الثوب ويستأنف الصلاة (٣). والقطع على أصله استحسان؛ لأنه يقول: إذا لم يعلم حتى فرغ من صلاته أنه يعيد ما دام في الوقت (٤). وهذا استحسان. وإذا كان ذلك الماضي من صلاته جازئًا، فإعادته استحسان. وقال في "المبسوط": إن كان يستطيع نَزْعه نَزَعه ومضى على صلاته، وإن كان لا يستطيع نزعه أو كانت النجاسة في جسده قطع. وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يستطيع نزعه نزعه (٥) وإلا

стр. 211

تمادى وأعاد. وقال أشهب في "مدونته": إذا خرج لغسل النجاسة من ثوبه أو بدنه ثم بنى أجزأه قياسًا على الراعف (١). والقول: إنه ينزعه ويبني، أحسن، للحديث: "أنه خلع نعليه وأتم" (٢). وذهب أحمد بن المعذل إلى قول أشهب أن الإعادة عليه ما دام في الوقت، قال: لأنه لو حضرته الصلاة ولم يجد إلا ثوبًا نجسًا وخاف فوات الوقت صلى فيه. واختاره على تأخيرها ليصليها في ثوب طاهر. قال: ولو أن رجلين تعمدا فصلى أحدهما في الوقت بثوب نجس، وهو ذاكر قادر على غيره، وأخر الآخر الصلاة وهو ذاكر حتى خرج الوقت وصلاها بثوب طاهر ما استوت حالاتهما عند مسلم ولا قربت، فيعيدها الأول ليأتي بأكمل منها (٣)، وإن خرج الوقت لم (٤) يعدة لأنه يأتي بأنقص. قال الشيخ ﵀: واختلف بعد القول إن الإعادة في الوقت- هل ذلك الوقت المختار أو الضروري؟ فقيل: هو الوقت المختار، فيعيد الظهر والعصر ما لم تصفرّ الشمس. وقال مالك في "المبسوط" وعند ابن حبيب: النهار كله في ذلك وقت إلى غروب الشمس، والليل كله إلى طلوع الفجر. وقد يحمل هذا على القول أنه غير مؤثم إذا أخر إلى مثل ذلك متعمدًا، ومن قال: إنه مؤثم، أعاد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وينبغي أن يعيد الظهر ما لم تخرج القامة أو

стр. 212

لمقدار أربع ركعات من الثانية؛ لأنه الوقت المختار وهو نظير الاصفرار في العصر، وكذلك في صلاتي الليل يعيد الغرب ما لم يغب الشفق والعشاء ما لم يذهب نصف الليل، ولا وجه لقول من قال: يعيد إلى طلوع الفجر؛ قال: لأن جميع الليل وقت للنفل بخلاف النهار؛ لأن النفل بعد الاصفرار مكروه. وليس ذلك بالبّين؛ لأن الإعادة لم تكن لأنها نفل، وانما كانت ليأتي بالفرض بأكمل منه أولًا. وقال ابن حبيب: إذا أبصر النجاسة في ثوبه فلما همّ بالانصراف نسي وأتم صلاته، فإنه يعيد وإن ذهب الوقت؛ لأنه حين أبصرها انتقضت صلاته، وكذلك إذا ذكرها بعد الفراغ وقبل خروج الوقت ثم نسي الإعادة حتى خرج الوقت أنه يعيد (١) وكذا القولين بعيد؛ لأن القطع إذا ذكره وهو فيها وهو قادر على طرح الثوب استحسان، وقد قال مالك: يخلعه ويمضي، وكذلك الإعادة إذا ذكرها بعد الفراغ، وفي الوقت الإعادة استحسان. فصل [في يسير القيح والصديد ودم الحيض يصيب الثوب] واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد ودم الحيض، فقال مرة: يعفى عن يسيره مثل غيره من الدم لما كان من جنس ما تدعو الضرورة إليه (٢). وقال من "المبسوط": دم الحيض والقيح كالبول والرجيع (٣) قليل ذلك

стр. 213

وكثيره سواء، والصديد مثله (١). وهذا حسن؛ لأنه ليس مما تدعو الضرورة إليه، والقيح والصديد تجوز الصلاة بكثيره متى كانت العلة ال كائن عنها قائمة، فإن ذهبت وبرأ صاحبها كان الحكم في قليله وكثيره سواء؛ لأنه لا ضرورة إليه. وكذلك دم الحيض لأنه (٢) مما ينفك منه الرجل، وليس ذلك مما يكون في ثياب الرجال، وليس هو أيضًا مما تدعو الضرورة إليه للنساء؛ لأن المرأة إنما يطرأ عليه (٣) أيام الحيض، فإذا طهرت لم تره إلى مثلها، والبول يتكرر أكثر منه، فلم يعف عن يسيره. ويختلف على هذا في الدم اليسير إذا كان في ثوب غيره فلبسه. وفي اليسير من دم الشاة؛ لأن كل ذلك مما ينفك منه (٤). والدم على ضربين: نجس، ومختلف فيه، هل هو نجس أو طاهر، فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا كان خروجه في حال الحياة أو في حال الذبح؛ لأنه مسفوح. واختلف فيما يبقى في الجسم بعد الذكاة وفي دم ما ليس له نفس سائلة من الحيوان البرّي، وفي دم الحوت هل هو نجس أو طاهر، فقال مالك في "المدونة" في دم البراغيث: إذا تفاحش يغسل (٥). قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يفرق بين الدم، ويجعل دم كل شيء سواء.

стр. 214

قال (١): وسألته عن دم القراد (٢) والذباب (٣) والسمك؟ فقال: ودم السمك (٤) أيضًا يغسل (٥). واختلف في غسل هذه الدماء هل تغسل على وجه الوجوب لأنها نجسة أو استحسانًا وأنها طاهرة؟ فقال مالك في سماع أشهب: دم الحوت ودم الشاة وغيره (٦) سواء، كله نجس. وقال أيضًا في الثوب يكون فيه الدم يتجفف فيه من الغسل، قال: إن كان كثيرًا كثيفًا يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بلّه فأخرج منه ما أصاب جسده، فأرى أن يغسل جسده. قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك؛ قال الله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٧). وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الأطعمة (٨)

стр. 215

وما يحل أكله من ذلك وما يحرم. فصل [في الاحتلام أو البول يصيب الثوب ولا يدرى موضعه] وقال مالك في الثوب يصيبه البول أو الاحتلام فيخطئ موضعه فإنه يغسله كله. وإن شك هل أصابه ذلك أو لا نضحه (١)، وهو الشأن، وهو من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه، كان عرف موضعه وشك في غيره غسل ما علم ونضح ما لم يعلم. واتفاقهم على النضح مع الشك وألا يغسل، يقضي على ما اختلفوا فيه إذا شك في الريح، وأن القول قول من قال: إنه لا يتوضأ. واختلف إذا صلى ولم ينضح، فقال ابن القاسم في "المجموعة" و"العتبية": يعيد الصلاة (٢). وبه قال سحنون وعيسى بن دينار (٣).
следующие страницы →