← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقال مالك فيمن اشترى عبدًا من العدو، فلما قَدم به تكلم بالعربية، وأقام البينة أنه حر: إنه يغرم لمشتريه الثمن الذي اشتراه به، وإن لم يكن عنده اتبع به دَيْنًا (١). فصل [في شراء أحد الزوجين صاحبه, وفداء الأقارب] وإن اشترى أحد الزوجين صاحبه، فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: إما أن يكون بأمره، أو بغير أمره وهو عالم به، أو غير عالم؛ لأنه لم يكن دخل بالزوجة، أو لأن الشراء كان على غير رؤية، فإن كان الشراء بوكالة من أحدهما؛ اتبعه بما افتداه به. وكذلك إذا لم يكن بوكالة وهو غير عالم، وإن كان عالمًا لم يتبعها إن افتداها. ولم تتبعه إن افتدته. وهو قول مالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب (٢). وعلى القول أن بينهما في الهبات الثواب: يكون لمن فدى منهما صاحبه أن يرجع عليه إذا حلف أنه ما فداه إلا ليرجع عليه (٣). وإن أشهد أحدهما قبل أن يفتديه أن ذلك ليرجع عليه رجع بذلك، قولًا واحدًا.

стр. 1472

وفداء الأقارب؛ الأب والابن والأخ والعم، وما أشبه ذلك على ثلاثة أوجه: فإن كان بأمر من المفتدي؛ رجع عليه، وسواء كان قريب القرابة كالأب والابن، أو بعيدها كالعم وابن العم، ومن لا يعتق عليه. فإن كان بغير أمره ولم يعلم؛ لم يرجع على من يعتق عليه كالأبوين والأجداد والابن (١) وابن الابن والأخ؛ لأنه قصد الشراء والملك، فيعتقوا عليه بالملك (٢) وله أن يرجع على كل من لا يعتق عليه. وإن كان (٣) عالمًا؛ جرى الأمر بينهم على حكم هبة الثواب (٤). قال سحنون: كل من لا يرجع عليه في الهبة؛ فلا يرجع عليه في الفداء إذا كان عالمًا (٥). يريد: إلا أن يشهد أنه يفتديه ليرجع عليه (٦) فيكون ذلك له، وإن كان أبًا أو ابنًا؛ لأنه لم يشتره لنفسه، وإنما قصد الافتداء، ولم يقصد الهبة لما شرط الرجوع، إلا أن يكون الأب فقيرًا؛ فلا يرجع عليه؛ لأنه كان مجبورًا على أن يفتديه، كما يجبر على النفقة عليه، وهو في الافتداء آكد.

стр. 1473

باب في الحربي يقدم بأمان ومعه مال لمسلم، [أو معه مسلم] (١) حرٌّ أو عبدٌ، والحربي يسلم على مال المسلم، أو على مسلم حر أو عبد، وفي عبد الحربي يسلم بأرض الحرب ثم يسلم سيده, أو يخرح إلينا وهو مسلم أو كافر فيسلم، أو يبقى على دينه وإذا قدم الحربي بلاد المسلمين ومعه مال لمسلم؛ لم يعرض له فيه (٢) ما دام في يديه وكذلك، إن أراد الرجوع به (٣) لم يمنع. واختلف إذا قدم بمسلمين -أحرارٍ أو عبيدٍ - على ثلاثة أقوال: فقيل: له أن يرجع بهم إن أحب (٤). وقيل: ليس ذلك له (٥). وقيل: ذلك له في الذكران دون الإناث. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يمنع من الرجوع بهم وإن كُنَّ إماءً لم يمنع من وطئهن، وقال عبد الملك: يعطى في كل مسلم أوفر قيمته، وينتزع منه، وقال ابن حبيب: يُباعُ عليه عبيده إذا أسلموا، كما يفعل بالذمي، ثم لا

стр. 1474

يكون ذلك نقضًا للعهد (١). وحكى (٢) سحنون عن ابن القاسم أنه قال: يجبر على بيع المسلمات. يريد: بخلاف الذكران. وقاله ابن القصار، قال: إذا عقد (٣) الإمام للمشركين وهادنهم على من جاءه مسلمًا ردَّه إليهم؛ يُوفّى لهم بذلك في الرجال، ولا يُوفّى لهم به في النساء. فأمضى ذلك لهم ابن القاسم في القول الأول؛ لحديث مسْوَر ﵁ أن (٤) النبي ﷺ قاضَى أهل مكة عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة مسلمًا؛ رده إليهم. اجتمع عليه البخاري ومسلم (٥). ولم يمض ذلك في القول الآخر؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام، وقبل أن يكثر المسلمون، وقد وعدهم الله بالنصر وإظهار دينه وبفتح مكة وظهوره عليهم، فكان كما وعد الله ، فلا يجوز ذلك اليوم بعد ظهور الإسلام، ولأن (٦) فيه وهنًا على المسلمين، وإذلالًا لهم. وفرَّق في القول الآخر بين الرجال والنساء؛ لقوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ

стр. 1475

﴿الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. واختلف إذا قدم بمتاع لمسلم، فقال ابن القاسم في المدونة: لا أحب لمسلم أن يشتريه منه، فإن اشتراه لم يكن لصاحبه أن يأخذه بالثمن. وإن وهبه لأحد؛ لم يأخذه سيده على حال (١). وأجاز ذلك محمد، وقال: إنه (٢) إن لم يشتره؛ رده العلج إلى بلده. فالشراء أفضل، يجده صاحبه فيفتديه، ويكون أحق به (٣). وقال إسماعيل القاضي: لم يحك ابن القاسم هذه المسألة عن مالك، والذي يشبه (٤) على مذهب مالك: أن له أن يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، وفي الهبة يأخذه بغير ثمن. وهذا أحسن، ولا فرق بين أن يشتريه منه وهو بأرض الحرب أو (٥) وهو بأرض الإسلام؛ لأنه لم يكن يقدر على أخذه منه وهو بأرض الحرب. وقد قال ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى أمة من العدو: لا أحب له أن يطأها؛ في بلاد الحرب اشتراها في بلد الحرب، أو بلاد المسلمين (٦). وهذا نحو ما قاله محمد وإسماعيل.

стр. 1476

فإن أسلم عندنا كان بمنزلة ما لو أسلم في أرض الحرب؛ له ما أسلم عليه من أموال المسلمين. فإن كان في يديه عبد مسلم- أُقر في يديه. وإن أسلم على حر أو حرة انتزعا منه بغير قيمة، وإن أسلم على ذمي كان له رقيقًا. وهذا قول ابن القاسم، وقال أشهب: هو حر، ولا يسترق (١). والأول أحسن؛ لأن الذمة عَقْدٌ له علينا، ولا عَقْدَ له على من كان بأرض الحرب. وإن أسلم على أم ولد؛ انتزعت من يده بقيمتها (٢)، أو على معتق إلى أجل كان له خدمته، فإذا انقضى الأجل؛ كان حرًا، أو على مكاتب؛ كانت له كتابته، فإن أداه كان حرًا، وإن عجز؛ كانت له رقبته. أو على مدبر؛ فله خدمته، فإن مات السيد والثلث يحمله (٣)؛ كان عتيقًا، وإن كان على السيد دين يستغرقه (٤)؛ كان رقيقًا لمن أسلم عليه (٥). وإن لم يكن له مال سواه؛ أعتق ثلثه، وكان له ثلثاه. وقال ابن القاسم: إن أسلم عبد الحربي؛ لم يسقط ملك سيده عنه، فإن أسلم سيده بعده؛ كان له رقيقًا، وإن أعتقه؛ كان له ولاؤه، وإن باعه؛ كان ملكًا للمشتري (٦).

стр. 1477

وقال أشهب: هو حر بنفس إسلامه، فإن أسلم سيده بعده؛ لم يكن له فيه شيء. وإن أعتقه؛ لم يكن له ولاؤه. وإن اشتراه منه مسلم؛ كان كالفداء، يتبعه بما اشتراه به (١). وقد اشترى أبو بكر الصديق من المشركين بلالًا، بعدما أسلم وأعتقه، وذكر البخاري عن عمر (٢): أنه كان يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني: بلالًا. وقال بلالٌ لأبي بكر: إن كنت اشتريتنى لنفسك فأمسكنى، وإن كنت اشتريتني لله فَدَعْنِي وعمل الله (٣). ولا خلاف أنه إن فرَّ إلينا بعد إسلامه وقبل إسلام سيده وقبل أن يعتقه؛ أنه حر؛ لأنه غنم نفسه. وإن أسلم سيده بعد ذلك، وخرج إلينا، لم يكن له عليه سبيل. فإن نزل المسلمون بموضعه، فخرج إليهم قبل الفتح؛ كان حرًا، ولا سبيل لأهل الجيش عليه. واختلف إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم، فقال ابن القاسم: هو حرّ (٤). وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش (٥).

стр. 1478

وهو أقيس على أصل ابن القاسم؛ لأنه ملك لسيده حوإن دخل عليه، وإنما يكون حرًا إذا خرج إلينا؛ لأنه غنم نفسه. وإذا أسلم عبد لحربي، ثم فر إلى أرض الإسلام بمال لسيده؛ كان له، إن كان في يده لتجارة أو كان خراجه ترك في يديه، أو سرقه لسيده، ولا يخمس؛ لأنه مما لم يوجف عليه (١). وإن كان في يده على وجه الأمانة؛ استحب له أن يرده إلى سيده، ولم يعرض له فيه إن أمسكه (٢). وكذلك إن فر إلى أرض الإسلام وهو كافر ثم أسلم. فإن بقي على كفره وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية؛ كان ذلك له، ولم يرد إلى سيده. وإن أسلم بعد الجزية كان حرًّا، وسقطت الجزية عنه.

стр. 1479

باب (١) في الحرة المسلمة والذّمّية والأمَة يأسرهن العدو, ثم يغنمهن المسلمون بعد أن ولدن، والحربي يسلم ثم يغنم المسلمون ماله وولده وقال مالك في ثمانية أبي زيد وفي كتاب ابن حبيب في الحرة المسلمة: ما سبيت به من ولد صغير أو كبير تبع لها في الحرية والإسلام؛ لا يباعون ولا يسترقون، ويكرهون على الإسلام، فمن أبى أجبر، فإن تمادى؛ فهو كالمرتد يقتل (٢). يريد: إن تمادى الصغير على الكفر بعد أن بلغ. وقال ابن القاسم: ما سبيت به من ولد صغير، فهو بمنزلتها، وإن كان كبيرًا كان فيئًا (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: حملُها وولدها الصغير والكبير فيء (٤). وذكر ابن سحنون عنه قولين: أحدهما: مثل ما حكى عنه محمد. والآخر: أنهم أحرارٌ كلهم (٥). وأما الذمية؛ فإنها ترد إلى ذمتها، واختلف في أولادها، فقال ابن القاسم في المدونة: الصغار بمنزلتها، والكبار فيء (٦).

стр. 1480

وقال مالك في ثمانية أبي زيد: هم فيء، صغارهم وكبارهم (١). واختلف في ولد الأمة، فقال ابن القاسم في المدونة: ولدها لسيدها، صغيرًا كان، أو كبيرًا (٢). وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: صغارهم وكبارهم فيء (٣). وقال أشهب: هم فيءٌ، إلا أنْ تكونَ تزوجت، فيكونوا لسيدها (٤). قال الشيخ ﵁: الأصل في الولد أنه تبع للأم في الحرية، ولا يراعى الأب، فإن كانت الأم حرة والأب عبدًا؛ كان الولد حرًا، وإن كانت الأم أمة (٥) والأب حرًا؛ كان عبدًا. وأما الدّينُ فاختلف إذا كان الأب كافرًا والأم مسلمة، هل يكون على دين الأب، أو على دين الأم؟ وإذا كان ذلك، فإن كانت الأم حرة كان الولد حرًا. ثم يختلف في دينه، فعلى القول إنه على دين الأب- يكون فيئًا، صغيرًا كان أو كبيرًا. وعلى القول إنه على دين الأم؛ لأنها مسلمة- يكون الصغير تبعًا لها.

стр. 1481

ويختلف في الكبير؛ لأنه بمنزلة ولد مسلمٍ غُفل عنه، فرُبّي على الكفر، فقد اختلف فيه: فقيل في النصرانية تكون زوجة لمسلم، فتربي ولدها على الكفر (١)، وبلغ عليه: إنه مرتد. وقال محمد بن عبد الحكم وغيره. إنه يُقَرّ على دينه (٢). فعلى القول: إنه يقر على دينه - يكونُ فيئًا. ومن قال: لا يقر على دينه (٣) ذلك- يكون كالمرتد. وإليه ذهب مالك أنه إن لم يسلم قتل، ولا يسترقُّ. ويقول: إن حكمها معه حكم الزاني، فلا يلحق النسب، ويكون على دينها، فلا يسترق الصغير، ويقتل الكبير إن لم يرجع كالمرتد، وكذلك الصغير إذا تمادى على الكفر. وأما ولد الذمية؛ فالصواب أن يكونوا فيئًا، صغارهم وكبارهم على حكم الأب؛ لأنه كافر لا عهد له؛ لأن العهد للذمية إنما يكون في نفسها، والولد له عقد أبي، وبنقض أبيه ينتقض عليه. فإذا كان لا ذمة له كان فيئًا كالأب.

стр. 1482

ولو تزوجت ذميةٌ حربيًا دخل إلينا بغير عهد (١)، ثم علم به بعد أن ولدت؛ كان الأب وولده فيئًا. وكذلك إذا أصابها ببلده. وأما الأَمةُ؛ فقول ابن القاسم فيها أحسن؛ لأنها مستحقة. فصل [في الحربي يسلم ويقدم أرض الإسلام] وقال ابن القاسم في الحربي يسلم، ثم يخرج إلينا، فغزا المسلمون بلاده، فغنموا أهله (٢) وولده وماله: أنهم فيء للمسلمين، قال: وسألت مالكًا عن رجل من المشركين أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار، فأصابوا أهله وولده (٣)، فقال مالك: فهم فيءٌ للمسلمين (٤). وظاهر قوله ها هنا: أنهم فيء، وإن لم يكن خرج إلينا. وقال في كتاب النكاح الثالث: إذا أتى الحربي مسلمًا، أو بأمان فأسلم عندنا، فغزا المسلمون تلك الدار، فغنموا أهله وولده، قال: هم فيء للإسلام، وكذلك ماله. قال سحنون: وقال بعض الرواة: إن كان ولده صغارًا؛ كانوا تبعًا لأبيهم، وكذلك ماله هو له، فإن أدركه قبل أن يقسم أخذه، وإن قسم كان أحق به بالثمن (٥).

стр. 1483

وقال أبو الفرج: ماله فيءٌ، والولد تبع للأب. قال: لأن المسلم حيث كان ولده الأصاغر مسلمون بإسلامه؛ بدلالة أن مسلمًا لو نكح في دار الحرب- كان ولده مسلمًا. وقال محمد بن الحارث في كتاب "الاتفاق والاختلاف": إذا كانوا أحرزوا ماله، وضموه إلى أملاكهم من أجل إسلامه، وخروجه من عندهم؛ كان فيئًا. وإن تركوه؛ كان له. وإن دخل في المقاسم؛ أخذه بالثمن. والقول: أن ماله وولده له. أحسن؛ لأنه مَلكَه قبل أن يسلم وإن كان بدار الحرب، وبمنزلة ما لو سكن عندهم وهو مسلم، وإسلامه لا يسقط ملكه. وهو لو أسلم ولم يخرج إلينا حتى دخل عليه؛ كان كل ذلك له. فكذلك إذا خرج إلينا؛ لأنهم إن لم يعرضوا لماله، ولا لولده بعد خروجه فهو له على حاله الأول. وإن أخذوه؛ فإنما أخذوا مال مسلم، ولا فرق بين أن يأخذوا ذلك من عندنا، أو من عندهم؛ فهو (١) في جميع ذلك مال مسلم. ولا حكم للدار في ذلك، وإن كان ذلك الولد من وطء كان بعد إسلامه لم يسترق قولًا واحدًا. وكذلك لو سبيت زوجته بحمل حملت به بعد إسلامه؛ فهو إذا ولدته على حكم الإسلام، وأما زوجته؛ فهي فيءٌ قولًا واحدًا، وسواء أسلم ثم خرج إلينا، أو أقام حتى دخلوا عليه، وصداقها لذلك الجيش، وإن كان الزوج في أرض الإسلام بمنزلة من أسر بأرض الحرب، وله دين بأرض الإسلام؛ فدينه للجيش، وتقع الفرقة بينها وبين زوجها؛ لأنه لا يجتمع الكفر والرق والزوجية.

стр. 1484

فإن أسلمت في العدة، أو أعتقت بقيت زوجة. وأجاز أشهب أن تبقى زوجة، وإن لم تسلم ولم تعتق. وإن اشترى رجلٌ عبدًا من المغنم؛ فدلَّ سيده على مال، فإن دلّه قبل أن يقفلوا؛ كان المال لذلك الجيش. وإن قفلوا ثم عاد في جيش آخر، وقد عادت يد العدو على بلادهم؛ كان للجيش الآخر (١). وإن عاد مع سيده في غير جيش، ولم تعد أيدي العدو على بلادهم؛ كان للجيش الأول (٢)، وإن عادت كان لسيده.

стр. 1485

باب في الذّمّيّ يخرج على المسلمين متلصصًا أو ناقضًا للعهد وقال ابن القاسم: قال مالك: في أهل الذمة إذا حاربوا وقطعوا السبيل (١) وقتلوا، وأخذوا الأموال: فإن كان على وجه الحرابة أو التلصص؛ لم يكن نقضًا للعهد، وحكم فيهم بحكم المسلمين (٢) إذا حاربوا، وإن كان على وجه النقض؛ كانوا فيئًا، يرى فيهم بحكم المسلمين الإمامُ رأيَه، إلا أن يكون ذلك من ظُلم ركبوا به (٣).

стр. 1486

وقد اختلف في هذه الأوجه الثلاثة: فقال محمد بن مسلمة: إذا حارب الذمي؛ يقتل؛ لأنه نقض العهد، ولا يؤخذ ولده؛ لأنه إنما نقض وحده، وماله مال من لا عهد له، وإن قطع لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي في ذمته. وقال أشهب: إذا خرج على وجه النقض؛ فهو على عهده. قال: ولا يعود الحر في الرق أبدًا (١). وقال الداوديُّ: إذا كان ذلك عن ظلمٍ ظُلموا به؛ فهو نقضٌ؛ لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من يظلمهم. وهو أبين؛ لأنهم رضوا بطرح ما عقد لهم، وبإسقاط حقّهم فيه. وقول أشهب في الوجه الأول أنه لا يعود إلى الرق؛ ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم النبي ﷺ ، فقتل الرجال وسبى النساء والذرية (٢).

стр. 1487

باب في تحريق العدو بالنار والتدخين عليهم, وإذا أحرقواهم مراكب المسلمين هل يلقي المسلم نفسه في البحر ؟ وإذا كان العدو (١) في حصن فلا بأس أن يرمى بالمجانيق (٢)، وإن كان فيهم نساء أو ذرية أو مسلمون أسارى، إلا أن يبرزوهم لموضع الرمي، فلا يرموا به (٣). ولا بأس أن يرموا (٤) حينئذ سور الحصن؛ ليتوصل إلى هدم ما يتوصل به إلى الدخول، ولو أبرزوا حينئذ الأسارى، وقالوا: إن فعلتم ذلك قتلناهم؛ لرأيتُ أن يوقف عنهم حتى يجعل الله لهم فرجًا. ولا بأس أن يُحْرَق سور الحصن بالنار؛ ليتوصل إلى الدخول. وإن كان يحرق [من فيه] (٥)؛ جاز إذا لم يكن فيه (٦) إلا المقاتلة، ولم يقدر عليهم بغير الحرق، ولم يجز إذا كان فيه أسارى من المسلمين. واختلف إذا كان معهم نساؤهم وذراريهم، ولا مسلمين معهم، فمنعه

стр. 1488

ابن القاسم في المدونة (١). وأجازه ابن المواز، وقال: لا بأس إذا لم يقدر على أخذهم أن يحرق عليهم الحصن، أو يغرق بالماء. قال: ولو اجتنبوا النار كان أحبّ إليَّ (٢). وقال في المطمورة (٣): إنما فيها النساء والذرية، فلا يُدَخَّن عليهم إذا كان التدخين (٤) يقتلهم (٥). فمنع إذا كانوا بانفرادهم للحديث في النهي عن قتال النساء والصبيان (٦). وأجازه إذا كانوا مع الرجال لحديث الصعب بن جثَّامَة (٧)، قال: يا رسول الله، إن الخيل في غشم الغارة (٨) تصيب من ذراري المشركين. فقال رسول الله: "هُمْ مِنْهُمْ، أو مَعَ آبَائِهِمْ" (٩) وهذه ضرورة.

стр. 1489

وروي عن ابن القاسم أنه قال: لا تحرقوا بالنار، وإن كان فيهم المقاتلة خاصة (١). وقاله سحنون (٢). وأظن ذلك لحديث أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله في بعث، فقال "إِنْ وَجَدْتُم فُلانا وَفُلانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الخروجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وإنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله إِنْ وَجَدْتموهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" أخرجه البخاري (٣). ومحمل الحديث: إذا وجدتموهما فصارا أسيرين، فأما إن امتنعوا ولم يقدر عليهم إلا بذلك؛ فلا بأس؛ ولأنهم قادرون عندما يرون النار أن يخرجوا، فلا يموتون بها وإن كانوا في غار؛ كان الجواب في إحراقهم على ما تقدم إذا كانوا في حصن، فيجوز إذا كانوا مقاتلة خاصة، ويمنع إذا كان فيهم مسلمون، ويختلف إذا (٤) كان معهم النساء والذرية. وأما التدخين، فيجوز إذا كانوا مقاتلة خاصة، وإن أدّى إلى قتلهم. وإن كان معهم أسارى دخن تدخينًا يرجى معه خروجهم من غير موت، فإن لم يخرجوا؛ تركوا (٥).

стр. 1490

ويختلف إذا لم يكن فيهم مسلم، أو كان فيهم الذرية والنساء. وإن لقي المسلمون مركبًا من العدو، فإن كانوا مقاتلة خاصة؛ جاز تغريقهم (١) ويختلف في تحريقهم بالنار. وأرى أن يجوز إذا لم يقْدر عليهم بغير الحرق، وإن كان العدو الطالبين للمسلمين ولم يقدروا على صرفهم إلا بالنار؛ جاز قولًا واحدًا، وسواء كان مع العدو نساؤهم وذراريهم، أم لا. وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير (٢) من المسلمين أن يكون خفيفًا؛ لأن هذه ضرورة. ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم، فدفعوا عن أنفسهم بالنار، هل يرمون بالنار، ويصيرون بمنزلة من لم يقدر عليه إلا بالنار؛ لأن فعل العدو ذلك ذبٌّ عن أنفسهم؟. فصل [هل يلقي المسلم نفسه في البحر] وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك في السفينة يحرقها العدو بالنار: لهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنه إنما فَرَّ من الموت إلى الموت (٣). وقاله ربيعة مرةً: فإن صبر؛ فهو أكرم، بن اقتحم؛ فقد عُوفي، ولا بأس به (٤).

стр. 1491

وقال أيضًا: إذا كان يفر من النار إلى أمرٍ فيه قتله؛ فلا ينبغي أن يفر من موت إلى موتٍ أيسر (١) منه، وقد جاء ما لا يحل له، وإن كان يتحمل رجاء النجاة، لعله يرى قرية (٢) أو يكون الأسر أرجى (٣) أن يُخَلّوهُ (٤) إلى الإسلام؛ فكلٌّ متحمل لأمرٍ يرجو النجاة فيه فلا جناح عليه، وإن عطب فيه (٥). وقال في قوم إن خرقت سفينتهم، أيثقّل نفسَه فيغرق، أم يلتمس النجاة بالغًا ما بلغ؟ وإن كان بقرب عدو خاف إن عامَ أن يؤسر؟ قال: كلاهما لا أحبهما، وليلبث في مركبه حتى يقضي الله (٦). وقال أبو الفرج عن مالك: لا حرج على من أظلّه العدو في البحر أن يلقي نفسه فيه (٧). وكلا هذين القولين ليس بالبين، ولا أرى أن يلقي (٨) نفسه عندما أظلَّه العدو ولا أن يثبت (٩) حتى يموت مع رجاء الأسر؛ لأنه قدّم الموت على الحياة مع الأسر. وأما إذا احترق مركبه بالنار، وكان إن جلس مات بالنار، وإن طرح نفسه مات بالماء؛ فالأمر فيه خفيف؛ لأنه اختار ما هو أخفّ.

стр. 1492

وأما إن انفتح مركبه أو فتحه العدوة فإن لبثه أحسن، فيكون قد مات بما نزل به أولى من أن يموت بفعل نفسه، وليس هو أخف (١) وقد اختلف فيمن خشي الموت ووجد ميتةً، هل يجب عليه الأكل، أو يكون مباحًا غير واجب؟

стр. 1493

باب في قسم الفيء والخمس والغنائم (١) وفيمن تصرف ومن المدونة قال قال مالك (٢): الفيء (٣) والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام منه أقارب رسول الله ﷺ ، ولا علم لي بجزية الأرض، إلا أن عمر ﵁ قد أقرها، ولم يقسمها بين الذين افتتحوها، ويسأل أهل العلم (٤) كيف كان الأمر فيها، فان وجد عالمًا يفتيه (٥)، وإلا اجتهد في ذلك (٦). قال ابن القاسم: وأما الجماجم في خراجهم؛ فلم يبلغني عن مالكٍ فيهم شيء. وأرى أن يكونوا تبعًا للأرض، وإن كانوا عنوة أو صلحًا (٧). فأجاز مالك أن يُعْطَى من الخمس والفيء لأقرباء رسول الله ﷺ ؛ لأنه حلالٌ للأغنياء، ويوقف منه في بيت المال بخلاف الزكاة. وتكلَّم في الأرض على ما فتحه عمر ﵁ من أرض العراق وغيرها، ولم

стр. 1494

يشك أنها لم تقسم، وإنما جهل ما جعل عليها، فيكشف عنه، فإن لم يجد عالمًا؛ استأنف النظر فيما يجعل عليها. وإلى هذا ذهب ابن القاسم في جزية الجماجم، يكشف عنها (١) هل الذي جعل على الأرض والجماجم شيء واحد، أو على كل شيء بانفراده، فإن لم يعلم ما جعل عليها؛ كانوا تبعًا للأرض. يريد: تبعًا في الاجتهاد، هل يجعل ذلك جملة أم لا؟ والأموال التي تؤخذ من أهل الكفر على ثمانية أوجه: صلح، وعنوة، وما انجلى عنه أهله ولم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرض، وعشور أهل الذمة إذا تجروا إلى غير بلادهم، وما أُخذ من الحربيين إذا نزلوا بأمان، والركاز (٢). وجميع هذه الأموال، يجوز أن تصرف فيما تُصرف فيه الزكاة. ويجوز أن تصرف فيمن لا تحل له الزكاة، فيعطى منها الأغنياء وأقرباء رسول الله ﷺ ؛ لأن أخذهم ليس على وجه الصدقة (٣)، ويوقف منها في بيت المال إذا رأى الإمام (٤) ذلك. وهي في ترتيب صرفها على وجوه: فيصرف كل مال في البلدة التي جبي منها إذا كان فيها ما يوجب صرفه فيه، أو من يستحق منه شيئًا، ولا ينقل إلى غيره، أن يكون لذلك وجه (٥).

стр. 1495

فأما جزية جماجم أهل الذمة الذين بين أظهرنا، وما أخذ من عشور أهل الذمة، وأهل الحرب (١) القادمين علينا؛ فيبتدأ منه بسد مخاوف أهل (٢) ذلك البلد الذي جُبيَ منه، وإصلاح حصون سواحله، ويشتري منه (٣) السلاح والكُراع إذا كانت بهم حاجة إلى ذلك، ويعطي (٤) غزاة ذلك البلد وعماله وفقهاءه وقضاته (٥)، فإن فضل شيء أعطى الفقراء منه (٦). إنما يبدأ بمن تقدم على من يستحق الزكاة؛ لأن أولئك لا تحلُّ لهم الزكاة، فكانوا أحق بالارتفاق بما لهم الأخذ منه، وينتفع الآخرون بما جعل لهم مما لا (٧) يجوز لأولئك، فإن فضل شيء أعطي الفقراء، فإن فضل عنهم شيء وقف عدة (٨) لما ينوب المسلمين. وإن كان في بيت المال اتساع؛ فلا بأس أن يعطى للأغنياء، وإن كان ذلك المال من أرض صلح؛ لم يصرف في إصلاح ذلك البلد؛ لأنه ملك لأهل الكفر. وإن كان بين أظهرهم مسلمون فقراء؛ أعطوا منه، ثم ينقل إلى البلد الذي كان عنده الخوف حتى وقع الصلح (٩). وكذلك ما جلا أهله عنه يبتدأ بالبلد

стр. 1496

الذي (١) كان الخوف عنه؛ حتى جلوا. وما جُبي عن بلاد العنوة يبتدأ فيه بإصلاح البلد الذي جُبيَ منه، وسد مخاوفه؛ لأنه للمسلمين (٢). فإن فضل شيءٌ نقل إلى البلد (٣) الذي خرج منه الجيش الذي افتتحه. فصل [في أنواع ما يغنم في الحرب وما يفعل به] والمأخوذ من الغنيمة على سبعة (٤) أوجه: الأموال والرجال (٥) والنساء والصبيان والأرضون والأطعمة والأسلاب والأنفال. فأما الأموال؛ فتقسم على السهمان (٦) أخماسًا بالقرآن. وأما الرجال؛ فالإمام مخير فيهم بين خمسة أوجه: المن والفداء والقتل والجزية والاسترقاق. فأيّ ذلك رأى حُسْنَ نظرٍ فعلَه. والمن والفداء ومن ضربت عليه الجزية من الخمس على القول إن الغنيمة مملوكة بنفس الأخذ، والقتل من رأس المال، والاسترقاق راجع إلى جملة

стр. 1497

الغانمين. والاسترقاق أولى من القتل، فينتفع بثمنه، وقد يهديه (١) الله تعالى إلى الإسلام، إلا أن يكون ممن أنكى في المسلمين أو رأى في قتله نكاية للعدو. وأما الأجراء والفلاحون؛ فهو مخيّر فيهم حسب ما تقدَّم، إلا القتل فاختلف فيه، وقد تقدَّم (٢). وأما النساء والصبيان؛ فهو مخير فيهم بين ثلاثة أو جه: المَنُّ، والفداء، والاسترقاق دون القتل والجزية. وإن رأى استبقاء من قارب البلوغ ليضرب عليه الجزية إذا بلغ؛ لم يمنع من ذلك. والأرض على ثلاثة أقسام (٣) فما كان بعيدًا من قهر المسلمين، ولا يستطاع سكناه للخوف من العدو؛ هُدم وحُرق. وما كان يقدر المسلمون على عمارته، إلا أنهم لا يسكنونه إلا أن يملكوه؛ فإن الإمام يقطعهم (٤)، ويخرجه من رأس الغنيمة، ولا مقال لأهل الجيش فيه، ويقطعه لمن فيه نجدة وحزم، فيكون في نحر العدو وردءًا للمسلمين. واختلف فيما كان قريبًا ومرغوبًا فيه، فقال مالك مرّة: لا حق لأهل الجيش فيه، ولا يقسم، ويوقف خراجًا للمسلمين. وقال مرّة: يجوز قسمُها أو وقفُها، وليست كالأموال، فلا يجوز إخراجُها عنهم (٥). فقال في المبسوط وهو في بعض روايات المدوّنة: كلُّ أرض افتتحتْ

стр. 1498

عَنْوَةً؛ فتُركتْ لم تقسَّم، ولو أرادوا أن يقسموها لقسموها (١)، فتُركتْ لأهْل الإسلام- فهذه التي قال مالك: يجتهد فيها الإمامُ، ومن حضره من المسلمينَ (٢). فأجاز تقسمتها إذا رأى الإمامُ ذلك، ولا أعلم خلافًا أنَّها إنْ قُسمت أَنَّ ذلك ماضٍ، ولا ينقض. وذهب بعضُ النَّاس إلى أنَّها كالأموال تقسم، ولا يجوز حبسها عن الغانمين. وقوله بجواز (٣) القسم أحسن؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قسم قريظةَ وفدكَ وخيبرَ (٤). وقال عمر ﵁: لولا من يأتي من المسلمين؛ لم أدع قريةً افتتحتْ عنوةً إلا قسمتُها، كما قسم رسولُ الله ﷺ خيبرَ (٥). فسلَّم عمر ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قسم العنوةَ، وأن ذلك لم ينسخ؛ لأنَّه جوَّز القسم، وأخبر أنَّ ترك القسم باجتهاد منه، ليس يمنع منه فعل النَّبي ﷺ ، وقد افتتحتْ مكةُ عنوةً ولم تقسَّم. واختُلفَ: هل تُركتْ لأهلها منًّا عليهم بها، فيجوز لهم بيعُها، أو تركها فيئًا للمسلمين؟ ولم يُختلف أنَّه منَّ على الرجال، وقد رُوي عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "مَكَّةُ حَرَمٌ، لاَ تَحِلَّ إِجَارَةُ بُيُوتِهَا، وَلاَ بَيْعُ رِبَاعِهَا". وقال علقمة بن نَضْلة: كانت المساكن والدورُ بمكةَ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمانَ ﵃ لا تُباع ولا تُكْرَى، وما

стр. 1499

تُدعى إلا السوائب، من احتاج سَكن، ومن استغنى أسكن. ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه نهى أن تغلقَ دورُ مكةَ دون الحاجّ، وقال في أيام الحج: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا دعوهم ينزلون في الفارغ، فكانوا ينزلون حتى يضربوا فساطيطهم في الدور. وقد تقدَّم بعض ذلك في كتاب الأرضين. فصل [في أموال أهل الكفر] أموالُ أهل الكفر فيمن تسوغ له على خمسة أوجه: أحدها: الحكمُ فيها لله خالصًا. والثاني: هي لمن أخذها ولا خمسَ فيها. والثَّالث: أن تكون شركةً: الخمس لله تعالى، وأربعة أخماسها للذين أخذوها. والرابع: مخُتلَفٌ فيها: هل هي لله سبحانه، أو شركةٌ أخماسًا؟ والخامس: مختلفُ فيها: هل هي لواجدها خاصةً، أو شركةٌ فتخمَّس؟ فالأوَّل: جزية الجماجم، وخراج الأرضين، وعشور أهل الذمة، وأهل الحرب إذا أتوا تجارًا- فهذه لله تعالى خالصًا. فإن رأى الإمام ألَّا يعطي منها لآدميٍّ شيئًا- جاز، ويجعله في الكراع والسّلاح، ويُصْلح منها الحصون والأسوار، أو يصرف بعضه في ذلك، وبعضه للنَّاس. الثَّاني: ما أُخذَ من بلد الحرب، ولم يوجف لأجله، مثل: أن يَدخل إليهم تاجرًا، أو يكون عندهم أسيرًا، فيهرب بمال، أو يهربُ عبدٌ لهم بمال- فهو لمن

стр. 1500

أخذه ولا خمسَ فيه، وسواء كان متاعًا أو عينًا. قال محمَّد: إن هَرَبَ الأسيرُ بجاريةٍ فلا خُمْسَ فيها؛ لأنّه ممَّا لم يُوجف عليه إذا أسر من بلد المسلمين، فإن كان خرج إلى بلاد الحرب فأُسرَ- ففيه الخمس (١). يريد: إذا خرج لمثل ذلك أو للجهاد. ولو خرج تاجرًا ثم سرق جارية أو متاعًا- لم يخمس. وقال مالك في كتاب محمد: إن طَرَحَ العدوُّ شيئًا (٢) خوفًا من الغرق، أو انكسرتْ مراكبُهم، فوجد إنسانٌ متاعًا أو ثيابًا، ولا أحد معه من الحربيين، ولا هو بقرب قراهم- كان لمن أخذه، ولا خمس فيه، إلا أن يكون ذهبًا أو فضةً فيخمَّس. وإن كانت الأمتعةُ أو العين بقرب قراهم- ففيه الخمسُ، إلا أن يكون يسيرًا، فلا يخمَّس، وإن كان معه الحربيون كان سبيلُه سبيلَ الحربيين، أمر ذلك كله إلى الوالي (٣). والثَّالث: ما غنم المسلمون بعد الحرب، فهو شركةٌ أخماسًا، وكذلك الرِّكاز إذا كان عينًا. واختُلفَ عن مالك إذا لم ينل إلا بعد العمل الكثير، وإن كان يسيرًا أو كثيرًا وهو ممَّا سوى العين، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الزكاة. والرَّابع: ما جلا أهلُهُ عنه، وهو على ثلاثة أوجهٍ: فإن جلوا عنه بعد نزول الجيش عليهم (٤) - كان فيه قولان:

стр. 1501

فقيل: هو فيء، ولا شيء لأهل الجيش فيه؛ لأنَّه أُخذ (١) بغير قتال. وقيل: أخماسًا؛ لأنَّهم أُوجفوا عليه، وإيجافُهم كان سببَ جلائهم عنه. وإن جلوا عنه قبل خروج الجيش خوفًا منه- كان جميعُ ما جلوا عنه فيئًا. ويُختلف فيما يكون من خراج أرضهم، ومن ذلك ما صُولحوا عليه: فإن كان الصلحُ قبلَ خروج الجيش، وإنما كان ذلك بمكاتبة أو برسل- كان جميع ما صولحوا عليه فيئًا. وإن كان بعد نزول الجيش بهم- كان على القولين: هل جميعه فيءٌ أو أخماسٌ؟ لأنه بإيجافهم، وهذا فيما يؤخذ منهم بالحضرة. والثَّالث: ما يؤدّونه كلَّ عام، فحكمُه حكمُ خراج الأرضين. والخامس: ما يغنمه العبيدُ بإيجافٍ من أرض الإسلام ولا حرَّ معهم، فقيل: هو لهم، ولا خمسَ فيه؛ لأنَّهم ممَّن لم يُخاطب بالجهاد؛ فلم يدخلوا في عموم قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقيل: يخمس قياسًا على الأحرار. وكذلك إذا كانوا مع الجيش، وبهم قووا على الجيش أو على الغنيمة، فيُختلَف في أنصبائهم: هل تخمس؟ ويُختلَف فيما غنمه النّساءُ والصبيانُ إذا انفردوا بالغنيمة بالقتال من غير رجال: هل يخمس أم لا؟ واختُلف في الرِّكاز إذا كان متاعًا أو جوهرًا: هل يخمس؟ (٢).

стр. 1502

باب في الأنفال النَّفْلُ: جائزٌ ومكروهٌ. فالجائز: ما كان بعد القتال. والمكروه: ما كان قبلُ، مثل أن يقول والي الجيش: من يقتل فلانًا (١) فله سلبُهُ أو دنانيرٌ أو كسوة، أو من جاء بشيء من العين أو المتاع أو الخيل فله ربعُه أو نصفه، أو من صعد موضع كذا وكذا أو وقف فيه أو بلغه فله كذا (٢). كل ذلك ممنوع ابتداء لوجهين: أحدهما: أنَّه قتالٌ للدنيا، ولا يجوز أن يسفك دمه على ذلك، وقد سُئل النَّبي ﷺ عن الرَّجل يُقاتل للغنيمة، والرجل يُقاتل للذّكْر، والرجل يُقاتل ليرى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ الله" أخرجه البخاري ومسلم (٣). والثَّاني: أنَّ ذلك يؤدي على التَّحامل إلى الهلاك، وقد قال عمر ﵁: لا تقدموا جماجم المسلمين إلى الحصون، فَلَمُسْلمٌ أستبقيه أحبُّ إلىَّ من الحصن أفتحه (٤).

стр. 1503

فإن فات القتالُ على مثل (١) ذلك- كان له شرطُهُ؛ لأنَّه عمل على حظّه من الدنيا، فهو كالمبايعة. قال سحنون في كتاب ابنه: إن بعث الوالي سريَّةً على أنَّ لهم ثلث ما غنموا- مضى وأعطوا ذلك، ويدخلون في السهام فيما بقي بعد الخمس (٢). فأثبت سهمانهم في الباقي، وليس بالبّين. والمفهوم أن ذلك بدل سهمانهم، لا شيء لهم غيره. ولو قال: لكم (٣) الثلث والربع بعد إخراج الخمس-كان أبين أن لا شيء لهم سوى ما جعل لهم؛ لأنه إذا أخرج الخمس كان الباقي على السهمان، فجعل لهم مكان سهمانهم ثلث الباقي أو ربعه. والنفلُ بعد الغنيمة موكولٌ إلى اجتهاد الإمام إن رأى ذلك، وإلا تركه (٤)، فإن أراد أن ينفل وتساوى فعل السرية أو الجيش أو تقارب- نفل جميعهم، وسوّى بينهم، وإلا ترك، ولا ينفل بعضهم؛ لأنّه خروجٌ عن العدل، ومفسدةٌ لقلوبهم. وإن اختَلَفَ فعلُهُم، وكان فيهم من أبلى بقتلٍ أو بصبْرٍ في موضع، أو برأيّ كان فيه فتح نفله دونَ غيره. وإن كان فاعلُ ذلك عددًا نفل جميعَهم أو تركَهم، فإن نفلهم واختلف فعلهم جاز أن يفضلهم بما يرى، ولا بأس أن يرضخ لغيرهم ليستطيب قلوبهم. ويستحبُّ أن يكون النفلُ ممّا يَظْهَرُ على المُعْطَى: كالفرس والثوب

стр. 1504

والعمامة والسيف؛ لأنَه أعظم في النُّفوس من الدنانير وإن كَثُرَتْ. والنفل من الخُمس، ولا ينفل من رأس الغنيمة لوجهين: أحدهما: أنَّ فيه ظلمًا على من لم ينفل، على القول إنَّ الغنيمة مملوكةٌ بنفس الأخذ؛ لأنه أعطى من نصيب الآخرين. والثَّاني: أنَّ فيه فسادًا لقلوب الآخرين؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّ ذلك من أنصبائهم وإنْ لم يكن كذلك. فصل [فيمن يعطى السلب] السَلَبُ للقاتل إذا رأى ذلك الإمام، ولا يُعطى سلبٌ لغير القاتل، وإن كان القتل من عدد- نفلهم أسلابهم، أو تركها إن شاء. وإن اختلف بأسهم جاز أن ينفل أشدهم بأسًا سَلَبَ مَنْ قتل، ولا ينفل الآخرين. ولا يجوز أن ينفل أضعفهم بأسًا دون غيره. ويجوز أن يزيد أحدَهم على سلب قتيله إن كان أشدَّ بأسًا وقتيلُه أقلَّ سلبًا، والآخر أقل بأسًا وأكثر سلبًا. ويجوز أن يعطى أحدهم جميع سلب قتيله، والآخر بعضه، وقد يكون أحدُ القتلى لا شجاعةَ عنده وسلبُه كثيرٌ، فيعطيه منه ما يرى أنه سداد لمثله، والآخر له شدة وبأس. ولا يزيد أحدَهم ما يُحطُّ من سلب الآخر؛ لأنَّ ردَّ بعض سلب أحدهم للآخر فسادٌ لقلوبهم. والسلب ما كان من اللباس: الثياب والدرع والسيف بحليته والفاتخة (١)

стр. 1505

والمنطقة -دون ما فيها من دنانير- والخاتم والعمامة والبيضة. قال سحنون: ولا شيء له في الطوق والسوارين والقرطين والتَّاج إن كان عليه، وله ساعداه وساقاه (١). وقال ابن حبيب: له سواراه. وعلى قوله: يكون له التاج وقرطاه (٢). وقال ابن حبيب: الفرس داخل في السلب (٣). قال سحنون: له فرسه بما عليه من سرج ولجام (٤). والأصل في النفل من غير سلب، وأنَّه من الخمس: حديث ابن عمر ﵄، قال: بَعَثَ رسولُ الله سريةً قِبَلَ نجد فيها عبد الله بن عمر، فغنموا إبلًا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلنا بعيرًا بعيرًا (٥). لأنَّهم إذا استوفوا أنصباءهم بالقسم- كان الزائدُ من الخمس. وفي كتاب مسلم أنَّ النفل من الخمس (٦).

стр. 1506

وقال علي بن أبي طالب ﵁: أعطاني رسول ﷺ شارفًا من الخمس (١). وهذا لقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. فاقتضت الآية أنَّ أربعة أخماسه للغانمين، فلو نفل أحدا من رأس الغنيمة، انتقص الآخر من سهمه بعد الخمس. وفي ذلك تبديل للقسمة التي قسمها الله تعالى بينهم، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن الوصية للوارث (٢)؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى أن يرث أحدهم أكثر من النصيب الذي أوجب الله سبحانه له، وكذلك الغنائم إلا على من قال: إنها غير مملوكة لهم حتى تقسم بينهم. والقول بهذا يؤدي إلى إبطال فائدة الآية؛ لقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. فيجعل لله تعالى أكثر من الخمس. والقياس في السلب أنَّه كغيره من الغنيمة، ولا فرق بين سلب القتيل وماله الذي معه؛ لأنه لم ينل ذلك إلا بجميعهم.

стр. 1507

باب في سُهمان (١) الخيل ومن لا يسهم له منها ويُسيم للفارس سهمٌ ولفرسه سهمان؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: جعل رسول الله للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا. اجتمع عليه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، وهذا لفظ البخاري (٢). واختُلفَ فيمن معه فرسان: فقال ابن وهب: يُسهم (٣) لهما (٤). وذكر ابن القصار عن ابن الجهم: أنَّه أَنْكَرَ القولَ أَنْ يسهم لواحد منهما. وقال: رأيت من انتهى إليَّ قولُه من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين يقولون: يسهم لفرسين، ولأن صاحب الفرس كالراجل؛ لأنه لا تؤمن عليه الحوادث (٥). يريد: أنَّه يتكلَّف مؤونة الثَّاني، وإخراج الثمن فيه، والنفقة عليه عدة لما يحدث بالآخر. والأول أحسنُ؛ لأنَّ القتال على واحد، والموت وغيره من الطوارئ. ولا يسهم لثلاث: ولا يسهم للبراذين (٦) إلا ما قارب منفعة الخيل، ولا للبغال ولا للإبل؛ لأنَّ منفعتَها غيرُ مقاربةٍ لمنفعة الخيل، ولا يسهم لكسير ولا

стр. 1508

حطيم ولا لهرم ولا لصغير لم يبلغ أن يركب. واختُلفَ في المريض والرهيص (١) والصغير الذي لم يبلغ الركوب: فقال في المدونة: يسهم للمريض والرهيص (٢). وروى عنه أشهب وابن نافع: لا يسهم للمريض (٣). وعلى هذا لا يسهم للرهيص، وهو أحسن. وإذا لم يسهم للبراذين لضعف منفعتها عن الخيل- كان أبن ألا يسهم للمريض إذا كان مرضه من قبل الإدراب (٤)، وإن كان بعد أن قاتل عليه. ويُختلف إذا كان مرضه بعد الإدراب وقبل القتال قياسًا على موته حينئذ؛ لأن مرضه قطع الانتفاع به كموته. وهو أحسن، وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، قال: بخلاف الرجل العليل؛ لأنَّ فيه المشورة إن كان فيه موضع المشورة (٥). وعلى قوله إن لم يكن موضعًا للمشورة- لا سهم له. وقال سحنون في كتاب ابنه، في الصغير لا يقاتل على مثله: هو راجل، ولو كان فيه بعض القوة لذلك لأسهم له (٦).

стр. 1509

ولا أرى أن يسهم له؛ لأنَّ منفعته أقل من منفعة البراذين. وإن مات الفرسُ بعدَ القتال ثُمَّ وقع الفتحُ- أسهم له، وإن مات بعد الإدراب وقبل القتال فلا شيء له على قول مالك وابن القاسم (١). وقال أشهب وعبد الملك: بالإدراب استحق السهمان، وإن مات (٢). وإن باعه أو أعاره أو غُصب منه أو ضَلّ عنه افْتَرَقَ الجوابُ: فإن قاتل عليه، ثُمَّ باعه فقاتل عليه الثَّاني ففتح له كان سُهمانُهُ للأوَّل. وقال سحنون في كتاب ابنه: ولو قاتل عليه الثاني، ثم باعه فقاتل عليه الثالثُ ففتح لهم كان سُهمانه للأوَّل؛ لأنَّه قتال واحد، كما لو مات الأول، فقاتل عليه ورِثته. قال: ولو كان قتالًا مبتدأ بعد موته لكان للآخر السهمان أيضًا (٣). ويختلف إذا باعه الأول بعد الإدراب الثَّاني وقبل القتال، ثُم قاتل عليه الثاني: هل يكون سُهمانه للأوَّل أو للثَّاني؟ واختُلف إذا أعاره قبل القتال: فقال مالك في كتاب محمد: سُهمانه للمُعار. وقاله ابن القاسم مرَّةً. وقال أيضًا للمعير (٤). وكأنه فرّق بينه وبين لو ضلَّ، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّه يقول: يضرب له بسُهمانه بالإدراب. أو يقول: إنه يستحق سُهمانه إذا كان موجودًا قائمًا ولم يقاتل عليه، فلا يسقط ذلك قتال غيره عليه.

стр. 1510

والأوَّلُ أحسنُ؛ لأنّه إنَّما يستحق سُهمانه وإن كان قائمًا؛ لأنّه عُدّة إن رأى القتال عليه فعل، فإذا أسلمه لغيره لم يكن له شيء، ويصير بمترلة لو باعه قبل أن يقاتل عليه. ولو أعاره بعد أن قاتل عليه كان السهمان لصاحبه؛ لأنّه استحقَّ ذلك قبل العارية. واختُلفَ عن ابن القاسم إذا غصب منه قبل أن يقاتل عليه: فقال في كتاب محمد: السهمان لصاحبه (١). وقال أيضًا (٢): للمتعدي (٣). وهذا يرجع إلى الخلاف في الضالّ: فعلى القول: إن لصاحبه سهمانه وإن ضلّ- يكون سهمان المغصوب لصاحبه؛ لأنه يقول: لو ذهب مني لكان سهمانه في؛ فلا يضرني قتالك عليه. ولا يصح أن يكون له سهمان أيضًا؛ لأنه لا يضرب لفرس واحد بأربعة أسهم. ومن لم يَجعل (٤) له سهمان إذا ضلَّ جَعل سُهمانَهُ ها هنا للغاصب، وعليه إجارة المثل إلا على من قال فيمن غصب دارًا فأغلقها، أو عبدًا فأوقفه: أنَّه يغرم لصاحبه ما حرمه من غلاته- فيجعل السهمان لصاحبه؛ لأنّه بالغصب حرمه ذلك. ولو كان معه فَرسان غصبه أحدهما؛ كان سُهْمَان المغصوب للغاصب، وعليه لصاحبه (٥) إجارة المثل. ولو غصب فرسًا من أرض الإسلام كان سهمانه للغاصب، ولصاحبه إجارة المثل. ولو غنم المسلمون خيلًا، فغصب رجل منهما
следующие страницы →