← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

باب في الصيد بغير المعلَّم وإذا اشترك في القتل معلَّم وغير معلَّم، ومن صاد بسهم مسموم ولا ينبغي أن يصيد بما ليس بمعلَّم؛ لأنَّ تأثيره في الصيد ليس بذكاة، فكان في ذلك إتلاف النفس لغير فائدة، إلا أَنْ يعلم أنَّ مثل ذلك المرسل عليه، لا يسرع بإفاتته، ويدركه المرسل قبل أن تنفذ مقاتله، وكان المرسل من الطير بازيًا أو غيره ممَّا يعلم أنَّه لا يسرع به (١). فإن أرسل (٢) غير معلَّم فقتل- لم يؤكل، وإن جَرَحَه جرحًا يعيش معه ذَكَّي وأكل، وإن كان جرحًا لا ترجى له (٣) معه حياة- كانت الذَّكاة فيه على الاختلاف في المَوقوذة والمتردّية. وذلك مشروح في موضعه. وإن تعاون كلبان معلَّم وغير معلَّم فقتلا لم يؤكل. وكذلك إذا قتل أحدهما ولم يعلم القاتل، أو قتله المعلَّم بعد أن أمسكه الآخر، فصار أسيره. وكذلك ما أصاب المعْراض، فإن أصاب بحدّه أكل، وإن أصاب بعرضه لم يؤكل، وهو وقيذ، وإن لم يدر بأيّهما أصاب بحدّه أو بعرضه لم يؤكل، إلا أن يكون في الجرح دليل أنَّه لا يكون إلا بحدّه (٤).

стр. 1577

وكذلك إذا أَرسل مسلم ومجوسيّ كلبيهما على صيد، فتعاولدا أو لم يتعاوتا، فلم يدر أيهما سبق إليه فقتله فإنَّه لا يؤكل، وإنْ علم أنَّ كلبَ المسلم قتله، ولم يمسكه كلب المجوسيّ أكل، وإن كان بعد أن أمسكة لم يؤكل. وإن صاد المسلم بكئلب المجوسيّ أكل. وإن صاد المجوسيّ بكلب المسلم (١) لم يؤكل، وذلك عند مالك بمنزلة لو ذبح أحدهما بسكين الآخر (٢). ولا يؤكل ما صيد بسهم مسموم لوجهين: أحدهما أنَّ السممَّ (٣) مما يعين على قتله، فيرجع ذلك إلى ما اشترك (٤) فيه (٥) معلَّم وغير معلَّم؛ ولأنَّه يخاف على آكله (٦).

стр. 1578

باب في صيد الصبيّ والمجنون والسكران والكتابيّ صيد الكلب والبازي المعلَّم ذكي إذا كان المرسل ممَّن تصح ذكاته: ليس بمجنونٍ، ولا سكران، ولا ممَّن لا يعقل، وقد مَضَى ذلك في كتاب الذَّبائح (١). وصيد المجوسيِّ حرامٌ غير ذكي قياسًا على ذبيحته (٢)، واختلف في صيد (٣) الكتابيّ اليهوديّ والنَّصراني على ثلاثة أقوال: بالمنع والكراهة والجواز. فقال في الكتاب (٤): لا يؤكل لقول الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. يقول: المراد به (٥) المسلم دون غيره (٦). وذكر ابن المواز عن مالك أنَّه كرهه (٧). وقال أشهب وابن وهب: هو ذكي حلال (٨). قال ابن حبيب: كانا يريانه بمنزلة ذبائحهم، وداخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٩). وهو أحسن؛ لأنَّها ذكاة كلها؛ ولا فرق بين تذكيتهم الإنسي والوحشي، وهو طعام لهم (١٠) داخل

стр. 1579

في عموم الآية. وأما قول الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. فليس المراد بها جنس الصائدين، والمراد بها (١): ابتلاء المحرم، ليعلم صبره إذا وجده، ووقوفه عنه، ويخافه بالغيب فيما يخفى له، ولا يظهر عليه فيه، كما ابتلي اليهود بالصيد في السبت. وقال ابن القاسم: إذا اختَلَفَ دين الأبوين فكان أحدهما كتابيًا (٢) والآخر مجوسيًا (٣) أنَّ الولد على حكم الأب: فإن كان الأب كتابيًا أكلت ذبيحته وإن كانت الأم مجوسية (٤). وكذلك صيده على القول أن صيد الكتابي ذكي (٥). ولا يؤكل صيد المرتدّ ولا ذبيحته، ارتدَّ إلى المجوسيّة أو النَّصرانيّة، وهذا ظاهر المذهب (٦)، وينبغي إذا ارتدَّ إلى النصرانية أن تؤكل ذبيحته؛ لأنَّ كونه مما لا يقر على ذلك الدِّين لا يخرجه عن أن يكون ذلك الوقت كتابيًا، ولأنَّه (٧) ممَّن يتعلَّق بذلك الدِّين، وهو ممَّن يقع عليه اسمُ نصرانيّ.

стр. 1580

باب إذا صاد صيدًا بغير نية أو نوى صيدًا فكان (١) غيره وإذا رَمَىَ صيدًا بغير نيّة الذكاة؛ لأنَّه كان يرى أنَّه حجر، فتبيَّن له (٢) أنه صيد؛ لم يؤكل لأنَّه لم ينو الذَّكاة (٣). وإن كان يظن أنَّه سَبُع، فتبيَّن أنَّه حمار وحشي كان على ثلاثة أوجه: فإن لم ينو ذكاته، وإنما قصد قتله لم يؤكل هذا. وإن قصد ذكاته؛ لأنه يجهل الحكم فيه (٤)، أو لأنَّه يعتقد أنَّه مكروه جاز أكله. وإن نوى ذكاةَ جلده خاصةً كان جلد هذا ذكيًا (٥). ويُختلف في لحمه: فعلى القول أنَّ الذَّكاة تتبعَّض وأنَّ شحوم ما ذبحه اليهود اليوم حرام لا يؤكل اللحم. وعلى القول: أنَّها لا تتبعَّض، وأنَّ الشحومَ داخلة في الذكاة، وإن لم ينوها الذابح يكون جميع هذا ذكيًا. وإن رَمَى وهو يظن أنه (٦) حمارٌ وحشي، فتبيَّن أنَّه سبع- كان ذلك ذكاة لجلده، وإن رمى وهو يظن أنه (٧) حمار وحشي، فتبيَّن أنَّه بقرة وحش أُكل عند

стр. 1581

أشهب (١) ومنعه أصبغ. والأوَّل أصوب؛ لأنَّه قد نوى ذكاةَ تلك العين، وهي مما يصحّ فيها الذَّكاة، فلا يضرّ الخطأ بمعرفتها. ولو رَمَى وهو يرى أنَّه صيد، ولا يعرف أي صنف هو لجاز أكله، وليس من شرط الجواز أن يَعلم جنسَه (٢).

стр. 1582

باب في الصيد يَنِدُّ من صاحبه وإذا ندَّ (١) صيد لرجل (٢)، فأخذه آخر: فإن كان تَأَنَّسَ عند الأوَّل، وأخذه الثَّاني قبل أن يتوحَّش كان للأوَّل قولًا واحدًا. واختلف إذا كان أخذ الثَّاني له (٣) بعد أن توحَّش، أو كان ندوده من الأوَّل قبل أن يتأنَّس على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرةً: هو للآخر، وبه أخذ ابن القاسم (٤). وقال مرةً: إذا نَدَّ بعد أن تأنَّس كان للأوَّل، وإن كان أخذ الآخر له (٥) بعد أن توحَّش، وإن نَدَّ قبل أن يتأنَّس عند الأوَّل كان للثَّاني. وبه قال ابن الماجشون (٦). وقال محمد بن عبد الحكم: هو للأوَّل، وإن لم يتأنَّس عند الأول لا يزول ملكه عنه، وإن أقام عشرين سنةً (٧). وهو أبين؛ لأنَّ الأوَّلَ قد تقرَّر (٨) ملكه عليه بنفس أخذه، وانفلاته لا يزيل ملكَه، بمنزلة لو غصب منه، أو

стр. 1583

كان عبدًا فأبق. واختلفَ إذا كان في يد الأوَّل بشراء ثم نَدَّ وتوحَّش، ثم صاده آخر: فقال محمد: هو للآخر. وقال الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب: هو للأول. وشبَّهَه بمن أحيا مواتًا، ثمَّ دثر، ثمَّ أحياه آخر أنّه للثَّاني، إلا أَنْ يكون الأول باعه، ثمَّ دَثَرَ عند المشتري، وأحياه آخر أنَّه للمشتري. وهذا قياس صحيح، والأمر في الصيد أبين لوجهين: أحدهما أنَّ إحياءَ الموات فيه معنى الشرط، أنَّه (١) إنَّما يكون لك مادمت محييًا له، وإلا فالإمام أو غيرك أحقّ به، والصيد ليس كذلك. والثاني وهو أبينها: أنَّ الصيدَ لم يسرحه من أخذه طوعًا، وإنما غلب عليه، ففرَّ بنفسه، والموات تركه حتَّى دثر، ونحن لا نختلف أنَّه لو سرح الصيد بنفسه لكان لمن أخذه، ولو غلب على الموات، وحيل بينه وبينه بغصب حتى دثر- لم يسقط ملكه عنه، ولم يكن لمن أحياه بعده. واختلف بعد القول أنَّه إذا توحَّش فهو للآخر فإذا (٢) اختَلَفَ صاحبه وأخذه: فقال صاحبه: ندَّ منِّي من (٣) يوم أو يومين. وقال آخذه: لا أدري (٤). فقال ابن القاسم: هو للآخر، وعلى الأول البيِّنة، ولا ينزع بشك (٥). وقال سحنون: هو للأوَّل، والبيّنة على من هو في يديه (٦). وهذا أحسن؛

стр. 1584

لأنَّ ملكَ الأوَّل تقرر، فلا يزول بشك، ولا يملكه الآخر بشك، وهو يقول: لا أدري. ولو ادَّعى الثَّاني التحقيق، وأنَّه طال زمانه- لوجب أَنْ يكون للأوَّل؛ لأنَّه إذا أشكل ما قالا- بقي على أصل الملك.

стр. 1585

باب فيمن غصب شيئًا فصاد به أو اضطر صيدًا إلي دار أو حبالة وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن غَصَبَ عبدًا، وبعثه يصيد له: فالصيد لسيّد العبد، وإن غَصَبَ فرسًا، فصاد عليه كان الصيد له، ولصاحب الفرس أجرته (١). واختُلفَ إذا غَصَبَ كلبًا فصاد به: فقال ابن القاسم: الصَّيد للمغصوب منه الكلب (٢)، بمنزلة العبد (٣). قال: وكذلك البازي (٤). وقال أصبغ: الصيد للغاصب كالفرس (٥). وقول أصبغ أنه كالفرس غير صحيح؛ لأنَّ الفرسَ غير صائدٍ، والصائد راكبه، والكلب هو الصَّائد، غيرَ أنَّه قد يفرق بينه وبين العبد؛ لأنَّ العبد يحصل منه النيَّة (٦) للذكاة والأخذ جميعًا، والكلب يحصل منه الأخذ خاصةً. ولو صَادَ من غير إرسالٍ؛ كان الصيد غير ذكي، ولمَّا كانت الذَّكاة إنَّما تحصل من مُرسله، ثم هو يتبعه ويذكّيه إن أَدْركه لم تنفذ مقاتله كانت هذه عمدة؛ إذ بحصولها يكون الصيد يُنتفع به, وبعدمها يكون ميتة. فيفرق بينه

стр. 1586

وبين العبد بهذا. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الكلبَ هو الآخذ والكاسب، وفعل الغاصب في ذلك تبع، فكان الحكم لأقواهما سببًا، ويكون للغاصب بقدر تعبه. وإن غَصَبَ قوسًا (١) فصاد به كان الصيد للغاصب، وللآخر إجارة قوسه (٢). وإن غَصَبَ حِبالة فصاد بها فكذلك الصيد له، وللآخر إجارة الحِبالة (٣). وإن نصبها مالكها (٤)، فأثار آخر صيدًا (٥) فوقع فيها: فإن كان الذي أثاره قد أعياه بالطلب، وأشرف على أخذه، وكان قادرًا عليه لو لم يقع فيها- كان له دون صاحب الحبالة، ثم ينظر في أجرتها: فإن كان الذي أثار الصيد لم يرها لم تكن عليه أجرة؛ لأنَّه كان في غنى عنها، وإن كان عالمًا وَردَّه إليه؛ كان عليه الأجرة؛ لأنَّه قصد الانتفاع بها، وإن لم يكن أعياه، وانقطع منه كان لصاحب الحِبالة. وإن لم ينقطع منه واضطره إليها، ولم يقدر عليه إلا بها كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: هما شريكان فيه، بقدر ما يرى (٦). وقال أصبغ: هو لمن اضطره إليها، وعليه قيمة ما انتفع به من الحِبالة، كمن رمى بسهم رجل فصاد به (٧).

стр. 1587

وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الحبالة أخذت بنصب صاحبها لها (١)، وليس كمن غصبها فنصبها، وكانت كالكلبين إذا تعاونا. وعلى هذا يجري الجواب فيمن حَفَرَ حفيرًا لصيد على ما تقدَّم من الحبالة، وليس الدَّار كذلك. فإن اضطر إنسان صيدًا إليها كان لمن اضطره؛ لأنَّ الدار لم تُنصب لذلك، وإن انقطع منه كان لصاحب الدار.

стр. 1588

باب في إحداث الأبرجة والأجباح ودخول بعضها على بعض قال مالك ﵁: من أَمْر النَّاس اتّخاذ الأبرجة (١)، وإن عمرتْ من حَمام النَّاس، فلا بأس به. يريد أن من أمر النَّاس: أنَّ كل من بَنَى برْجًا قد تقدَّمه غيره، فالذي أحْدثَ من عشر سنين تقدَّمه غيره بتاريخٍ قبلَ ذلك، والآخر أيضًا تقدَّمَه غيره، وكلّ واحد لا ينفكّ أَنْ يصيرَ إليه من برج من تقدَّمه، وهو أمر لا يقدر النَّاس على الامتناع منه، وهو ممَّا تدعو إليه الضرورة، وهذا إذا لم (٢) يحدث الثَّاني بقرْب الأوَّل فإنه يُمنع؛ لأنَّ ذلك ضرر عليه. وإذا دخل حَمام برجٍ إلى آخر كان الحكم فيه (٣) على ثلاثة أوجه: فإن عَرَفَ وقدر على ردّه؛ رُدَّ قولًا واحدًا (٤). وإن عَرَفَ (٥) ولم يقدر على ردّه؛ كان فيها قولان: فقال ابن القاسم لمالك (٦): هو لمن صار إليه، ولا شيء عليه فيه (٧). وقال ابن حبيب: يرد فراخه، وإن لم يعرف، أو عرف ولم يعرف عشُّه كان لمن ثبت عنده، ولا شيء عليه فيه (٨).

стр. 1589

وقول مالك إذا عرف وقدر على ردّه أنَّه يردّ إلى الأوَّل موافق لقول محمد بن عبد الحكم في الصيد؛ لأنَّه في حال كونه في برج الأوَّل على حال التوحش، فينبغي على قول مالك أن يكون لمن صار إليه، بل هو في هذا أضعف؛ لأن ما في البرج ليس بملكٍ محقَّق، فكان (١) ردّ ما تقرر ملكه أولى. وقول ابن حبيب: يرد الفراخ. حسن، على قول ابن عبد الحكم، وأحسن ذلك ألَّا يردَّ إلى الأوَّل شيء وإنْ قَدَرَ على ردّه؛ لأنَّها غير مملوكة للأوَّل، وإنَّما هي على سبيل الإيواء (٢) عنده: وهي اليوم تأوي هنا، وغدًا تأوي في موضع آخر. وعلى هذا يجري الجواب إذا أوى حمام برجٍ إلى دار رجلٍ، ولم يكن حبسه، وعلم أنَّه بريٌّ، ولم يعرف صاحبه- جاز له ملكه، وإن عَرَفَ برجَه- ردَّه على أصل قول مالك. وإن تعرَّضه بحبسٍ أو باصطيادٍ فقال ابن القاسم وأشهب: يرده إن عَرَفَ برجَه، وإلَّا تصدَّق بقيمته (٣). ومحمل قولهما على أنه طالت إقامته. وإن كان بحدثان ما أخذه ولم يقصد فإنَّه يرسله، فالشأن أن يعود إلى وكْره. وإن كان من حَمام البيوت، فإن أوى إليه من غير تعرّض لحبسه كان حكمه حكمَ اللّقطة، فهو بالخيار بين بيعه والصدقة بالثمن، أو يحبسه ويتصدق بقيمته، وإن حبسه ولم يتصدَّق بشيء فواسع، وقد استخف (٤) مالك حبسَ الشيء اليسير من اللّقطة، وقال النَّبي ﷺ في التمرة: "لَوْلاَ أَنْ

стр. 1590

تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا" (١). فصل [في اتخاذ الأجباح] ونصب الأجباح (٢) يجري (٣) على ما تقدَّم من الأبراج، فقال ابن كنانة: لا ينصبه بقرب أجباح النَّاس، ولينصبه بعيدًا من العمران (٤). وقال أشهب: إن فعل وليس هناك إلا نحل مربوب (٥) فهم فيما دخل إليه أسوة، وإن كان فيه نحل كثير غير مربوب ونحل مربوب فلينصب، وما دخل إليه فهو له (٦). يريد: لأن الذي يدخل إليه غير المربوب؛ لأنَّ الشأن في المربوب أنَّ أصحابه يرصدونه زمن (٧) يفرخ فيأخذونه. واختُلفَ إذا دخل فرخ جبح إلى بيت آخر، فقال سحنون: هو لمن دخل إليه (٨). وأجراه على حكم الحَمام إذا عرف بُرْجه، ولم يقدر على ردّه. وقال ابن حبيب: يردّه إن عَرَفَ موضعَه (٩)، وإن لم يقدر (١٠) ردَّ فراخَه.

стр. 1591

ويلزمه أن يقول بردّ قدر ما يكون من عَسَله (١). وأرى إذا رَضي من صار إليه أن يعطي صاحبه قيمته أن يكون ذلك له، والحكم الأوَّل في النَّحل أقوى من الأبراج؛ لأنَّ تلك إنَّما تأوي إليها، وهذه تصاد وتملك، ثمَّ تجعل هناك، فينبغي أن تجري على حكم المربوب. وقال سحنون: إذا ضَرَبَ فرخ نحل في شجرة، ثمَّ ضرب عليه فرخ لآخر أنَّه للأوَّل (٢). ولا أعلم لذلك وجهًا، والصَّواب أنْ يكونا فيه شريكين بقدر ما يرى أنَّه لكل واحد فيه. تم كتاب الصَّيد من التبصرة والحمد لله رب العالمين

стр. 1592

كتاب الذبائح النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٥ & ٢٤٣) ٣ - (م) = نسخة مراكش رقم (١١٢/ ١) ٤ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٠)

стр. 1593

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كتاب الذبائح باب فيما تجب ذكاته من الحيوان الحيوان في الذكاة على ثلاثة (١) أوجه: حيوان بريُّ له نفس سائلة؛ لا يحل إلا بذكاة. وبحري لا حياة له في البر؛ يحل من غير ذكاة (٢). وبريٌّ ليست له نفس سائلة، وبحري له حياة في البر. واختلف فيهما، هل يحل أكلهما من غير ذكاة؟ فقال مالك في كتاب ابن حبيب: من احتاج إلى شيء من خشاش الأرض لدواء أو غيره مما لا لحم له ولا دم فذكاته كذكاة: الجراد، والعقرب، والخنفساء، والجُندَب (٣)، والزُّنْبُور، واليَعْسوب، والذَّرّ، والنمل، والسوس، والحَلَم، والدود، والبعوض، والذباب. وقال في الحلزون (٤): لا يؤكل ميتته. وما وجد (٥) حيًّا فسلق أو شوي؛ أُكل (٦).

стр. 1594

واختلف في الجراد، فقال مالك في المدونة: لا يؤكل بغير ذكاة (١) وقال مطرف: يؤكل بغير ذكاة، وعامة السلف (٢) أجازوا أكل ميتة الجراد. (٣) قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: حكم هذه الأشياء حكم دواب البحر، لا ينجس في نفسه، ولا ينجس ما مات فيه من ماء. (٤) وقال في المدونة في ترس البحر: يؤكل بغير ذكاة (٥)، وفي مختصر الوقَار: استحب ذكاته؛ لأن له في البر (٦) رعيًا. وقال مالك في كتاب محمد في السلحفاة، ترس (٧) صغيرة تكون في البراري: هو من صيد البر، ولا يؤكل إلا بذكاة (٨). ولا يؤكل طير الماء إلا بذكاة (٩)، وقال عطاء: حيث يكون أكثر فهو من صيده. وجعله داخلًا في عموم قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقد يحمل القول في ذكاته على القول في ذكاة السلحفاة، والسلحفاة أبين لطول الحياة في البر.

стр. 1595

وذكر أبو محمد عبد الوهاب في شرح المدونة عن ابن نافع أنه قال في الضِّفدِع يموت: أنه ينجس (١)، وينجِّس ما مات فيه. فمنع في القول الأول من أكل خشاش الأرض بغير ذكاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. والمراد: ما مات حتف أنفه (٢). وأجيز ذلك في القول الثاني؛ لأن التحريم ورد فيما كانوا يأكلونه ويذبحونه من الأنعام دون هذه الأشياء. وقالوا: أنتم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله. يريدون: ما ذبحتم. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفي الآخَرِ دَاءً" أخرجه البخاري (٣). وفي حديث (٤) أنه يبدأ بالذي فيه الداء (٥)، فأخبر ﷺ أنه يخرج منه شيء، ولا يفسد الطعام، ولو كان مما يحتاج إلى ذكاة؛ لم يأمر بذلك. وروي عنه ﷺ -أنه قال: "أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ" (٦). وهذا الحديث أصل في كل ما ليس له نفس سائلة.

стр. 1596

ولا وجه للاحتجاج أنه "نثرة حوت" (١) لوجهين: أحدهما: أن ذلك لا يعرف إلا من قول كعب الأحبار (٢)، يخبر عما في كتبهم. ولا خلاف أنه لا يجب علينا العمل بمثل هذا، ولا تعبَّدنا به. والثاني: أنه الآن من صيد البر، فيه (٣) يخلق، وفيه يعيش، فلم يكن لاعتبار الأصل وجه لو صح ذلك. وقد حكم عمر بن الخطاب ﵁ على المحرم (٤) فيه بالجزاء، وجعله من صيد البر. واختلف بعد القول أنه لا تؤكل ميتته، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يؤكل، إلا أن يموت بفعل يفعله بها، بقطع أرجلها أو أجنحتها، أو بطرحها في

стр. 1597

نار، فيسلقه أو يقليه (١). وقال أشهب في مدونته: لا يؤكل إذا قطعت أجنحته أو أرجله، ثم مات قبل أن يسلق، ولا يؤكل إلا أن يقطع رأسه أو يعتمل (٢) حيًّا (٣). يريد: يطرح في ماء أو نار. وقال أبو الحسن ابن القصار: لا تؤكل ميتته. ولو وقع في قدرٍ أو نار وهو حيّ فاحترق؛ أُكل. وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وابن وهب: أخذه ذكاة. وعلى قول مالك وابن القاسم وأشهب أنه يحتاج إلى ذكاة، فإنه يسمِّي الله سبحانه عند فعله بها ذلك؛ وينوي به الذكاة. واختُلف إذا سلقت الأحياء مع الأموات أو الأرجل معها، فقال أشهب في مدونته: يطرح جميعه، وكله حرام. وقال سحنون في النوادر: تؤكل الأحياء بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر (٤).

стр. 1598

باب في صفة الذكاة، وذكاة المريضة ذكاة الإنسي فيما بين اللبة والمنحر، والوحش (١) في جميع الجسد، إذا كان في حال (٢) الامتناع بنفسه، فإن صار أسيرًا؛ كان كالإنسي، ذكاته فيما بين اللبة والمنحر. فإن عاد إلى التوحش؛ كانت ذكاته بالإصطياد في جميع الجسد. واختُلف في الإنسي يتوحش أو يسقط في بئر ولا يقدر على ذكاته (٣) في الحلق: فقال مالك وابن القاسم: لا يؤكل بما يؤكل به الوحشي (٤). وهو على أصله في أن الذكاة فيما بين اللبة والمنحر. وقال عبد الملك بن حبيب في البقر تتوحش: لها أصل ترجع إليه من بقر الوحش، فإذا توحشت حلت بالصيد (٥). والحيوان على ضربين: مقدور عليه؛ ذكاته تختص بالحلق، وهو الإنسي. وغير مقدور عليه؛ ذكاته في جميع جسده، وهو الوحشي. فإن صار أسيرًا؛ لم تحل ذكاته، إلا بما يحل به الإنسي، وإن لم يأنس. فعلم أن ذلك لم يكن لأجل كونه من الوحش، وإنما ذلك لعدم المقدرة على الذكاة بالموضع المختص. فإذا كانت العلة عدم المقدرة، وأنه إذا قدر على

стр. 1599

الوحشي؛ كانت ذكاته ذكاة الإنسي. وكذلك ذكاة الإنسي (١) إذا توحش؛ ذكاته (٢) ذكاة الوحش، وذلك ضرورة لعدم المقدرة على اختصاص الحلق بالذكاة، وقياسًا على قول ابن حبيب في الشاة والبعير يقعان في البئر، فلا يستطاع فيهما على ذبح ولا نحر، إلا في ظهر أو جنب، قال: قد جاءت فيه رخصة عن النبي ﷺ (٣)، فمن أخذ بها؛ جاز ذلك له. وإذا جاز (٤) أكل هذه بالطعن في الظهر والجنب؛ جاز مثل ذلك في البعير إذا ندَّ. فصل [في أنواع ذكاة الإنسي] ذكاة الإنسي عند مالك على ثلاثة أوجه: ذبح، ونحر، وبالخيار بين الذبح والنحر. فذكاة الغنم والطير والنعام بالذبح، فإن نُحرت؛ لم تؤكل. وذكاة الإبل بالنحر، فإن ذُبحت؛ لم تؤكل. وذكاة البقر بالذبح والنحر (٥)، المُذكِّي لها بالخيار (٦). وأجاز عبد العزيز بن أبي سلمة ذبح الإبل، ونحر الغنم والطير. وقال

стр. 1600

أشهب في مدونته: إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح؛ أكل إذا فعل، وبئس ما صنع (١). وقال ابن بكير: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر (٢). فأجاز مالك في البقر الذبح (٣)؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرف ٦٧]، والنحر (٤)؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ البَقَرَ (٥).واتبع في الإبل (٦) والغنم والطير العمل أن الشأن في هذه النحر، وفي هذه الذبح (٧). وثبت عن النبي ﷺ أنه نحر قي حجة الوداع بضعًا وستين من الإبل، ونحر عليٌّ ﵁ ما غبر (٨). وقال لأبي بردة بن نيار (٩) في جذعة من المعز: "اذْبَحْهَا. . ." الحديث (١٠). وقال الله : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾

стр. 1601

[الصافات: ١٧]. والذبح: ما يذبح، وقد كان كبشًا. ورأى ابن أبي سلمة وأشهب أن النحر والذبح ذكاة يسدّ بعضها مسدّ بعض، قياسًا على ذكاة البقر (١)؛ لأنه كله حيوان إنسي. وهو قول الليث والشافعي وأبي حنيفة وعطاء وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). ورأى ابن بُكير (٣): أن الذبح ينوب عن النحر؛ لأنه يأتي على ما يأتي عليه النحر من قطع، ولا يرى النحر يأتي على الذبح؛ لأن النحر يجتزأ منه بقطع ودج. وفي المبسوط، قال: أمر عمر بن الخطاب ﵁ مناديًا ينادي: النحر في الحلق واللبة (٤). فإذا كان النحر لا يختص بموضع من الحلق ولا بعدد، ويجزئ منه ودج ينهر الدم منه؛ لم يكن يمنع أكل ما ذبح من الإبل. وقال مالك في المدونة في الشاة والبعير يقعان في البئر، فلا يُستطاع أن ينحر البعير، ولا أن تذبح الشاة، قال: ما اضطروا إليه في مثل ذلك؛ فعلوا (٥)، فإن ما بين اللبة والمنحر منحر ومذبح. إن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز (٦). هذا جنوح منه إلى الخلاف في ذلك؛ لأنه لا تخلو هذه الضرورة من أن تنقل الحكم فيباح في جميع الجسد، كما قال ابن حبيب. أو لا تنقل الحكم، فيبقى كل واحد من هذين على أصله.

стр. 1602

فصل [في صفة الذبح] اختُلف في صفة الذبح، والمجمع عليه ما حصل فيه أربع صفات: أحدها: أن يقطع الحلقوم والوَدَجَين والمَرِيء (١). والثاني: أن يستأصل قطع (٢) كل واحد منهما. والثالث: أن تكون الجوزة (٣) إلى الرأس، أو يكون القطع فيها. والرابع: أن يكون الذبح في مرة واحدة. واختلف في أربع مواضع في المسألة: إذا اقتصر على ما سوى المريء. وإذا لم يستأصل القطع، وقطع النصف من كل واحد فأكثر. وإذا كانت الجوزة (٤) إلى البدن. وإذا بَعَّضَ الذبح، فرفع يده ثم أعادها بالفور. فأما أعداد ما تقع فيه الذكاة؛ فقال مالك مرة (٥): يجزئ من ذلك الودجان والحلقوم (٦) وزاد في كتاب أبي تمام: المريء. ورأى أنها في أربع. وقال في كتاب الصيد إذا أدرك الصيد، وقد أنفذت مقاتله: يستحب له أن يفري أوداجه (٧).

стр. 1603

قيل: وإن فرى الكلب أو البازي أوداجه؟ قال: هذا قد فرغ من ذكاته كلها (١). ولم يراعِ الحلقوم؛ ولو كان ذلك لقال يجز على الحلقوم (٢)؛ لأنه يصح أن يعض الكلب بأنيابه الجانبين، فيصيب الودجين دون الحلقوم (٣)، وقال مالك في المبسوط في رجل ذبح ذبيحة، فقطع أوداجها، ثم وقعت في ماء: لا بأس بأكلها. وفي البخاري عن عطاء، قال: الذكاة: قطع الأوداج (٤). وروي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا فَرَى الأَوْدَجَ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضَ نَابٍ أَوْ حَزَّ ظُفُرٍ" (٥). وفي الصحيحين: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ" (٦). وهذا الحديث وإن كان السبب في السؤال عن الذي يُذكِّي به، فإنه يتضمن الموضع الذي يقع فيه الذكاة (٧)؛ لاختصاصه بما ينهر الدم، ولم يقل: ويقطع الحلقوم والمريء. وأما إذا لم يستأصل القطع؛ فذكر الشيخ أبو محمد في النوادر عن ابن حبيب: أنه إذا قطع الأوداج ونصف الحلقوم فأكثر؛ أكلت. وإن قطع منه أقل؛

стр. 1604

لم يؤكل (١). وفي العتبية في الدجاجة والعصفور: إذا أجيز (٢) على أوداجه ونصف (٣) حلقه أوثلثه (٤)؛ فلا بأس بأكله (٥). وقال سحنون: لا يحل؛ حتى يجيز (٦) على جميع الحلقوم والأوداج (٧). وأما الجوزة (٨)؛ فإن وقع الذبح فيها أجزأت، واستكمل دائرها. ويختلف إذا قطع نصفها، وأجاز الباقي إلى البدن. أو لم يقطع منها شيئًا (٩)، وصار جميعها إلى البدن. فإن قطع نصفها وجاز الباقي إلى البدن؛ أكلت على قول ابن القاسم؛ لأنه لو وقف عند قطع النصف أكلت على قوله، فلا يضر في الباقي إذا جاز إلى البدن، أو بقي لم يقع فيه قطع (١٠). ولم تؤكل على قول سحنون. وأما إذا صار جميعها إلى البدن؛ فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: لا

стр. 1605

تؤكل. وقال محمد بن المواز: قد خرج الحلقوم إذًا صحيحًا. وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وأبو مصعب وغيرهم (١): تؤكل (٢). وأنكر أبو مصعب القول بمنع الأكل، وقال: هذه دار الهجرة والسنة، وبها كان المهاجرون والأنصار والتابعون، أَو كانوا لا يعرفون الذبح؟!! ولم يذكروا عقدة، ولم يعبأوا بها (٣). وعلى هذا لا يكون الحلقوم شرطًا في الذكاة؛ لأنها (٤) إذا صارت إلى البدن وقعت الذكاة في الودجين، وخرج الحلقوم- كما قال محمد- صحيحًا (٥). فصل [في تبعيض الذكاة وما يمنع منه] ومن شرط الذكاة أن يؤتى بها في فورٍ واحد، فإن بعّض ذلك، فرفع يده قبل تمامها، ثم ردّها بعد أن بَعُد ما بين ذلك؛ لم تؤكل. واختلف إذا أعادها بفور ذلك، فقال ابن حبيب: إذا رفع يده، فقيل له في ذلك، فرجع بالفور؛ أكلت. وقال سحنون: لا تؤكل، إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ولو ردها (٦) مكانه، وأجهز (٧). وروى ابن وضاح عنه: أنه كره أكلها، قال (٨): وتأول بعض أصحابنا عليه أنه إن رفع يده كالمختبر، أو ليرجع فيتم،

стр. 1606

فأتم بالفور؛ أكلت (١). قال الشيخ ﵁: لو عكس الجواب لكان أشبه، فيقول إن رفع وهو على شك ليختبر؛ لم تؤكل. وإن كان يرى أنه أتم، ثم تبين له غير ذلك؛ أكلت؛ لأنه أعذر ممن رفع على شك. وأرى أن تؤكل في كلا الحالتين؛ لأن حكم ما فعل بالفور حكم الفعل الواحد. ويكره إذا أتمّ الذكاة: أن يتمادى، فيقطع الرأس. قال مالك: فإن فعل أكلت، إذا لم يتعمد (٢). يريد: إذا لم يتعمد (٣) ذلك من أول الذبح، فلا يضره إذا تمادى بعد ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن فعل ذلك ليد سبقته؛ أكلت، وإن كان متعمدًا لنخعها عن غير جهل (٤)؛ لم تؤكل. والقول الأول أحسن، إلا أن تكون نيته (٥) من الأول أن يبين الرأس جملة، ولم يفصل النية، فينوي ذكاة موضع والتمادي، فإنها لا تؤكل. وإن ذبح شاة بسكين ففرى (٦) الأوداج والحلقوم، وهو لا ينوي الذكاة؛ لم تؤكل؛ لأن الذكاة تفتقر إلى نية. وإن ذبح من القفا؛ لم تؤكل؛ لأن النخاع يقطعه قبل، وإن أنفذت (٧) مقاتلها قبل الذبح؛ لم تؤكل.

стр. 1607

فصل [في كيفية النحر وموضعه] النحر في نقرة المنحر (١)، ويجزئ (٢) منه ما أنهر الدم. ولم يشترطوا فيه (٣) الودجين والحلقوم، كما قالوا في الذبح. وظاهر المذهب (٤) أنه حيث ما طعن ما بين اللبة والمنحر؛ أجزأ إذا كان في الودج (٥). وفي المبسوط: أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث مناديًا: النحر في الحلق (٦) واللبة (٧) وقول مالك: ما بين اللبة والمنحر (٨) منحر، ومذبح، فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز. (٩) ولا يجتزئ في ذلك بالطعن في الحلقوم بانفراده (١٠)، دون أن يصيب شيئًا من الأوداج؛ لأن ذلك مما لا يسرع معه الموت. وإنما يجزئ من ذلك ما كان يثج (١١) معه الدم ويسرع بالموت؛ لقوله ﷺ : "مَا أَنْهَرَ

стр. 1608

الدَّمَ. . ." (١). وإذا كان النحر في المنحر؛ قطع الودجين؛ لأنه مجمع لهما، ويصير النحر والذبح على القول إنه (٢) في الودجين واحد، يرجع الأمر فيهما إلى معنىً واحد. فصل [في ذكاة المريضة التي لم تشارف الموت] الذكاة تصح في المريضة إذا لم تشارف الموت. واختلف إذا شارفت الموت. فقال مالك في المريضه تضطرب للموت إن (٣) تركت ماتت: وإن ذُكيت أُكلت (٤). وفى مختصر الوقَار: اذا مرضت؛ فبلغت مبلغًا لا يُرجى فيه حياة (٥)؛ لا تؤكل، وإن ذكيت. والأول أحسن؛ للحديث أن أَمَةً لكعب بن مالك ﵁ كانت ترعى غنمًا بسلع، فأبصرت شاة تموت (٦)، فأدركتها فذكتها (٧) بحجر، فسئل النبي ﷺ ، فقال: "كُلُوهَا" أخرجه البخاري ومسلم (٨). وإذا لم يتحرك من الذبيحة شيء بعد الذبح؛ أكلت إذا كانت صحيحة،

стр. 1609

قال محمد: إذا كان دمها يَشْخَب (١). وكذلك أرى في المريضة الظاهرة الحياة، ولم تشارف الموت. فإن شارفت الموت؛ لم تؤكل، إلا أن يكون هناك دليل على بقاء الحياة عند الذبح. واختُلف في صفة ذلك: فقال ابن حبيب: إن كانت تطرف عينها، أو تضرب بيد أو رجل، أو تستفيض نفسها في جوفها ومنحرها، قال: وأي هذه الحركات الأربع كان منها عند مر السكين في حلقها، فإنها تؤكل (٢). وقال محمد: وسأل رجل أبا هريرة ﵁ عن شاة ذبحت، فتحرك بعضها؟ فأمره أن يأكلها. ثم سأل زيد بن ثابت ﵁، فقال: إن الميتة لتتحرك. ولم يزد على ذلك. وقال ابن وهب سألت مالكًا عن ذلك، فقال: إذا كان مثل الشيء الخفي؛ فقول زيد أجمل. فأما إذا كان الروح جاريًا، فلا بأس بأكلها. قال محمد: ومما يعرف به الروح (٣) في المريضة: تحريك الرِّجْل والذنب. وذكر عن زيد بن أسلم مثل ذلك (٤). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا كانت العين تطرف (٥). والذنب يتحرك، والرجل تركض. وظاهر قوله: أنها لا (٦) تؤكل إلا بحركة هذه الثلاث جميعًا، وإنما طلب ذلك بهذه الأشياء؛ لأن أمرها إذا سُوبقت بالذبح مشكل، هل كان موتها

стр. 1610

عن (١) الذبح، أو عن الحالة التي كانت بها؟ وأنها لما حركت للذبح، أو حرك رأسها، أو أنزل يده على حلقها؛ ماتت حينئذ، ولم تمت بالذبح. وذلك لأنا نجد الرَّجُل يكون في مثل تلك الحياة (٢)، وإذا حُرِّك ليستقبل به القبلة أو لغير ذلك (٣)؛ طفا بالحضرة. وإذا أشكل الأمر لم تؤكل بشك، فلا بد من دليل بيِّن على أن موتها كان عن (٤) الذبح. فإن اجتمع حركة الرِّجل والذنب والعين؛ أُكلت، وذلك أبينها (٥). وكذلك، إذا كان (٦) جوفها يستفيض وينزل (٧). وأما الاختلاج الخفيف، وحركة العين؛ فترك أكلها أحسن؛ لأن الاختلاج والشيء الخفيف يوجد من اللحم بعد خروج النفس. وحركة الرجل والذنب أقوى من حركة العين؛ لأنه يصح انتقال الحياة من الرِّجلين (٨)، ويبقى الرمق اليسير عند الحلق وفي الرأس، ولا يصح ذهاب ذلك من الرأس والحلق وبقاؤه في الرِّجل ولا غيره من أسفل الجسم (٩). وذلك يوجد في بني آدم. يبتدأ ذهاب الحياة من الرجلين (١٠) والأسفل،

стр. 1611

ويبرد (١) ذلك، ولا يذهب ذلك من الأعلى؛ لأن الأصل في الحياة من الدماغ. وأما خروج الدم بانفراده، فلا يكون دليلًا على الحياة؛ لأن الدم (٢) يخرج من الميتة إذا فجر ذلك منها بفور موتها، وحرارة جسمها. وإنما يعدم منها بعد ذلك إذا بردت، فيجمد الدم، إلا أن يخرج بقوة اندفاع حسب عادته في الحياة، فليس خروجه من الحية (٣) كخروجه من الميتة، وإذا بلغت الشاة إلى حالة يشك في حياتها، هل ذلك لغمرة هي فيها، أو لأنها ماتت، ثم ذبحت؛ كان طلب الدليل بعد ذلك (٤) الذبح فيها أكثر من التي علمت حياتها قبل الذبح، ثم شك، هل كان ذهاب حياتها قبل (٥) الذبح، أو بعده. ومن هذا المعنى: المنخنقة والمتردية، وهو مذكور فيما بعد.

стр. 1612

باب فيما تصح به الذكاة الذكاة جائزة بكل مجهز من: حديد، أو قصب، أو عود، أو حجر، أو زجاج؛ لحديث رافع بن خديج ﵁، قال: يَا رَسُولَ الله إِنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ ﷺ : "مَا أَنْهًرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّاَ الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" أخرجه الصحيحان؛ البخاري ومسلم (١). واختلف في الذكاة بثلاث؛ العظم والسن والظفر على أربعة أقوال، فأجاز ذلك مالك في المدونة بالعظم (٢). ومنعه في كتاب محمد بالسن والظفر (٣). وقال ابن حبيب: لا يؤكل ما ذبح بالظفر والسن إذا كانا مركبين (٤). قال: وإن كانا منزوعين (٥) ولم يصغرا عن الذبح وعظما حتى يمكن الذبح بهما؛ فلا بأس (٦). وقال أبو الحسن ابن القصار: رأيت لبعض شيوخنا أنه مكروه بالسن، مباح بالعظم. قال (٧): ومذهب مالك أنه لا يستبيح الذكاة بالسن والظفر، هذا

стр. 1613

الظاهر من مذهبه. وعندي أن السن إذا كان عريضًا محدودًا (١)، والظفر كذلك وقعت به الإباحة (٢)، كالعظم. ولكنه مكروه كالسكين الكالة. وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان منفصلًا (٣) وعند الشافعي أنه لا تقع الإباحة بالعظم ولا بالسن ولا بالظفر، وإن كان منفصلًا (٤). فالظاهر من قول أبي الحسن: أنه حمل قول مالك أنه لا تصح الذكاة بالسن والظفر بحال، متصلًا كان، أو منفصلًا، وأنه هو أجاز ذلك في الوجهين جميعًا، وإن كان متصلًا (٥)؛ لأنه قال: وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان متصلًا. وقال في احتجاجه: لا فرق بين متصل أو منفصل. يريد: إذا قطع وفرى الأوداج والحلقوم. قال الشيخ ﵁: الحكم في المتصل والمنفصل سواء (٦)؛ لأن الاستثناء ورد فيهما جملة، ولم يفرق، فوجب حمله على ما يقع عليه هذه التسمية على أي حال كانا. والنهي محتمل أن يكون ذلك (٧) شرعًا لا يؤكل (٨) ما ذكي بهما وإن أنهر الدم، أو لأن شأنهما أن لا يجهزا أو لا ينهرا الدم. والأشبه: أن ذلك لما علم ﷺ من شأنهما، لما كان فعلهما فعل المعراض بعرضه، هذا هو (٩) المعروف من

стр. 1614

فعلهما. فإن قدر أن فعلا (١) فعل الحديد أو غيره مما يجهز؛ أكل ما ذكي بهما، ولا فرق بين العظم والسن؛ لقول النبي ﷺ : "أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ" (٢). فجعل العلة كونه عظمًا، فوحب أن يجري العظم في الحكم (٣) حكم السن، ولا ينبغي أن يذكى بغير الحديد، إلا عند عدمه لحديث أوس ﵁ (٤): "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" أخرجه مسلم (٥). فإن فعل وذبح بغير الحديد مع وجوده أجزأ (٦). ويكره أن يحد المدية (٧) بحضرة الشاة، وأن يذبح واحدة وأخرى تنظر. وفي كتاب محمد، عن ابن عمري ﵄: أمر النبي ﷺ -أن تُحَدَّ الشفار، وتوارى عن البهائم (٨). وقال مالك: رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يحدُّ شفرته، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدرة، وقال: أتعذب الروح، ألا فعلت هذا قبل أن

стр. 1615

تأخذها (١). وكره أن تذبح الشاة، وأخرى تنظر (٢). وفي كتاب محمد: عن نوف (٣) أن صِدِّيقًا أو نبيًّا ذبح عجلًا بين يدي أمه، قال: فخبل، فبينما هو تحت شجرة، وفيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ منه إلى الأرض، فغر (٤) فاه، وجعل يصيح، فرحمه، وأخذه، فأعاده في وكره فرد الله إليه عقله". وإذا منع أن يحد الشفرة (٥)؛ بحضرة الشاة فأحرى أن يمنع من ذبح واحدة بحضرة أخرى. قال محمد: ويأخذ الجزرة (٦) أخذًا رفيقًا بغير عنف، ويضجعها على شقها الأيسر متوجهًا بها (٧) إلى القبلة، ورأسها مشرف، ويأخذ بيده اليسرى الجلدة الذي تحت حلقها من اللِّحْي الأسفل، فيجزها؛ حتى يتبين له (٨) موضع السكين في الذبح، ثم يمر السكين مرًا مجهزًا من غير ترديد، ولا ينخع (٩)، ويقول: بسم الله، والله أكبر. وإن كانت أضحية؛ فأحب إليّ أن يقول: ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم.
следующие страницы →