← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ويبرد (١) ذلك، ولا يذهب ذلك من الأعلى؛ لأن الأصل في الحياة من الدماغ. وأما خروج الدم بانفراده، فلا يكون دليلًا على الحياة؛ لأن الدم (٢) يخرج من الميتة إذا فجر ذلك منها بفور موتها، وحرارة جسمها. وإنما يعدم منها بعد ذلك إذا بردت، فيجمد الدم، إلا أن يخرج بقوة اندفاع حسب عادته في الحياة، فليس خروجه من الحية (٣) كخروجه من الميتة، وإذا بلغت الشاة إلى حالة يشك في حياتها، هل ذلك لغمرة هي فيها، أو لأنها ماتت، ثم ذبحت؛ كان طلب الدليل بعد ذلك (٤) الذبح فيها أكثر من التي علمت حياتها قبل الذبح، ثم شك، هل كان ذهاب حياتها قبل (٥) الذبح، أو بعده. ومن هذا المعنى: المنخنقة والمتردية، وهو مذكور فيما بعد.

стр. 1612

باب فيما تصح به الذكاة الذكاة جائزة بكل مجهز من: حديد، أو قصب، أو عود، أو حجر، أو زجاج؛ لحديث رافع بن خديج ﵁، قال: يَا رَسُولَ الله إِنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ ﷺ : "مَا أَنْهًرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّاَ الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" أخرجه الصحيحان؛ البخاري ومسلم (١). واختلف في الذكاة بثلاث؛ العظم والسن والظفر على أربعة أقوال، فأجاز ذلك مالك في المدونة بالعظم (٢). ومنعه في كتاب محمد بالسن والظفر (٣). وقال ابن حبيب: لا يؤكل ما ذبح بالظفر والسن إذا كانا مركبين (٤). قال: وإن كانا منزوعين (٥) ولم يصغرا عن الذبح وعظما حتى يمكن الذبح بهما؛ فلا بأس (٦). وقال أبو الحسن ابن القصار: رأيت لبعض شيوخنا أنه مكروه بالسن، مباح بالعظم. قال (٧): ومذهب مالك أنه لا يستبيح الذكاة بالسن والظفر، هذا

стр. 1613

الظاهر من مذهبه. وعندي أن السن إذا كان عريضًا محدودًا (١)، والظفر كذلك وقعت به الإباحة (٢)، كالعظم. ولكنه مكروه كالسكين الكالة. وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان منفصلًا (٣) وعند الشافعي أنه لا تقع الإباحة بالعظم ولا بالسن ولا بالظفر، وإن كان منفصلًا (٤). فالظاهر من قول أبي الحسن: أنه حمل قول مالك أنه لا تصح الذكاة بالسن والظفر بحال، متصلًا كان، أو منفصلًا، وأنه هو أجاز ذلك في الوجهين جميعًا، وإن كان متصلًا (٥)؛ لأنه قال: وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان متصلًا. وقال في احتجاجه: لا فرق بين متصل أو منفصل. يريد: إذا قطع وفرى الأوداج والحلقوم. قال الشيخ ﵁: الحكم في المتصل والمنفصل سواء (٦)؛ لأن الاستثناء ورد فيهما جملة، ولم يفرق، فوجب حمله على ما يقع عليه هذه التسمية على أي حال كانا. والنهي محتمل أن يكون ذلك (٧) شرعًا لا يؤكل (٨) ما ذكي بهما وإن أنهر الدم، أو لأن شأنهما أن لا يجهزا أو لا ينهرا الدم. والأشبه: أن ذلك لما علم ﷺ من شأنهما، لما كان فعلهما فعل المعراض بعرضه، هذا هو (٩) المعروف من

стр. 1614

فعلهما. فإن قدر أن فعلا (١) فعل الحديد أو غيره مما يجهز؛ أكل ما ذكي بهما، ولا فرق بين العظم والسن؛ لقول النبي ﷺ : "أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ" (٢). فجعل العلة كونه عظمًا، فوحب أن يجري العظم في الحكم (٣) حكم السن، ولا ينبغي أن يذكى بغير الحديد، إلا عند عدمه لحديث أوس ﵁ (٤): "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" أخرجه مسلم (٥). فإن فعل وذبح بغير الحديد مع وجوده أجزأ (٦). ويكره أن يحد المدية (٧) بحضرة الشاة، وأن يذبح واحدة وأخرى تنظر. وفي كتاب محمد، عن ابن عمري ﵄: أمر النبي ﷺ -أن تُحَدَّ الشفار، وتوارى عن البهائم (٨). وقال مالك: رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يحدُّ شفرته، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدرة، وقال: أتعذب الروح، ألا فعلت هذا قبل أن

стр. 1615

تأخذها (١). وكره أن تذبح الشاة، وأخرى تنظر (٢). وفي كتاب محمد: عن نوف (٣) أن صِدِّيقًا أو نبيًّا ذبح عجلًا بين يدي أمه، قال: فخبل، فبينما هو تحت شجرة، وفيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ منه إلى الأرض، فغر (٤) فاه، وجعل يصيح، فرحمه، وأخذه، فأعاده في وكره فرد الله إليه عقله". وإذا منع أن يحد الشفرة (٥)؛ بحضرة الشاة فأحرى أن يمنع من ذبح واحدة بحضرة أخرى. قال محمد: ويأخذ الجزرة (٦) أخذًا رفيقًا بغير عنف، ويضجعها على شقها الأيسر متوجهًا بها (٧) إلى القبلة، ورأسها مشرف، ويأخذ بيده اليسرى الجلدة الذي تحت حلقها من اللِّحْي الأسفل، فيجزها؛ حتى يتبين له (٨) موضع السكين في الذبح، ثم يمر السكين مرًا مجهزًا من غير ترديد، ولا ينخع (٩)، ويقول: بسم الله، والله أكبر. وإن كانت أضحية؛ فأحب إليّ أن يقول: ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم.

стр. 1616

قال ابن القاسم: وإن كان أعسر؛ فلا بأس أن يضجعها على شقها الأيمن (١). وقال ابن حبيب: ويكره للأعسر أن يذبح، فإن فعل واستمكن (٢)؛ أكلت (٣) ويستقبل بالذبيحة القبلة، ونهى مالك الجزارين أن يدوروا بالحفرة للذبح، وأمرهم أن يستقبلوا القبلة (٤). واختلف إذا ذبح لغير القبلة، فقال ابن القاسم: تؤكل، وبئس ما صنع (٥). وقال محمد: إن كان ساهيًا أكلت، وإن كان متعمدًا؛ فلا أحب أن تؤكل. وقال ابن حبيب: إن تعمد ولم يجهل مكروه ذلك؛ حرم أكلها (٦). وكذلك قال مالك (٧)، ورواه ابن وهب (٨) عن الشعبي وابن شهاب (٩)، قال: وقد نَحَى بذبحه منحى الذبح لغير الله. ومن لم يسم الله عند الذكاة، فإن كان سهوًا؛ أكلت. واختلف في المتعمد: فقال مالك وابن القاسم في المدونة: لا تؤكل. وقال ابن القاسم: والصيد عندي مثله (١٠). وحكى ابن القصار عن الشيخ أبي بكر الأبهري وابن الجهم: أنهما حملا قول مالك في منع الأكل على وجه الكراهية

стр. 1617

والتنزه. وفي شرح ابن مزين عن عيسى (١) وأصبغ: أنها حرام، لا يحل أكلها. وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يكن استخفافًا أكلت (٢). قال الشيخ ﵁: الأصل في التسمية قول الله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، فأمر بالتسمية عند النحر. والوجوب: سقوطها إلى الأرض عند النحر،؛ لأن السُّنة في الإبل أن تنحر قيامًا، وقال ﷺ -لعدي بن حاتم ﵁: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ المُعَلَّمَةَ وَسَمَّيْتَ اللهَ فَكُلْ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلاَبٌ غَيْرُهَا فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ اللهَ (٣) عَلَى كِلابِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهَا" (٤). فجعل عدم التسمية تمنع الأكل، وكذلك قول الله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فأباح الأكل بوجود التسمية، ومنع بعدمها. فأخبر الله أن الوجه في الجواز لأكل ذبيحة المسلم لأنه يُسمِّي، والمنع لذكاة المجوسي؛ لأنه لا يسمي. فنص (٥) أن الجواز والمنع لأجل التسمية، ليس لأجل الدِّين. فإن قيل: إنه لا تؤكل ذبيحة المجوسي، وإن سمَّى؛ قيل: قد أخبر الله في هذه الآية: أن المنع لأجل عدم التسمية؛ لأن ذلك شأنهم، وأخبر في آية أخرى أنه لا تؤكل

стр. 1618

ذبيحته (١) لأجل دينه لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فحمل أهل العلم أن ما عداهم -وهم المجوس- بخلافهم، وأنه لا تؤكل ذبيحتهم، فإذا كان المنع في مسألة لعلتين؛ جاز أن يحتج بإحداهما، ويُسكت عن الأخرى.

стр. 1619

باب فيمن تصح منه الذكاة الذكاة تصح من مسلم بالغ عاقل غير مضيّع لصلواته، ومن كتابي ذبح لنفسه، وهذه جملة متفق عليها. ولا تصح من خمس: صغير لا يميز معنى العبادات، ومجنون، وسكران ذاهب العقل، ومجوسي. واختُلف في ذكاة أربع: البالغ إذا كان مضيعًا لصلواته، والصبي إذا لم يحتلم، والمرأة، والكتابي يوكله المسلم على أن يذبح له. فأجاز مالك ذبائحهم (١). وقال في كتاب ابن حبيب: لا تؤكل ذبيحة الذي يدع الصلاة، ولا ذبيحة الذي يضيعها ويعرف بالتهاون بها؛ لأن رسول الله ﷺ -قال: "لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلاَةِ، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ" (٢). وقال مالك في كتاب محمد: تكره ذبيحة الصبي والمرأة من غير ضرورة، وتؤكل إن فعلا (٣). وقال أبو مصعب: لا أحب أكل ذبيحة الغلام إذا لم يحتلم، ولا ذبيحة المرأة. وإن ذبحا في حال الضرورة؛ فلا أحب ذلك أيضًا. وروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط في النصراني يوليه المسلم أن يذبح له، فقال: لا، إنما يحل لي (٤) آكل طعامه. وأمَّا شيء بيدي ملكه

стр. 1620

أوليه إياه فلا (١). قال الشيخ ﵁: الذكاة تعبُّد (٢) تفتقر إلى نية، فلو رمى رجل شاة بسكين ففرى الأوداج والحلقوم، وهو لا يريد الذكاة؛ لم تؤكل لعدم النية. وإذا كان ذلك لم تصح ذكاة فاقد (٣) العقل من مجنون ولا سكران، ولا صغير لا مَيْز عنده، وتصح إذا كان عنده ميز. قال مالك: إذا أطاق الذبح وعرفه (٤). وتجوز ذبيحة المرأة للحديث: أنَّ أمة لكعب بن مالك ﵁ كانت ترعى غنمًا بسلع، فأبصرت بشاة موتًا، فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل النبي ﷺ ، فقال: "كُلُوهَا" أخرجه البخاري ومسلم (٥). وفي هذا الحديث خمس فوائد: جواز ذكاة النساء، والإماء، والذكاة بالحجر، وذكاة ما أشرف على الموت، وذكاة غير المالك بغير وكالة. وأرى أن تؤكل ذبيحة من يترك الصلاة؛ لأنه مسلم. ومعنى الحديث: أنه (٦) ليس بينه وبين أن تجري عليه أحكام الكفر، فيستباح دمه، إلا ترك الصلاة. ولا يكون كافرًا إلا بالجهل بالمعرفة. وترك (٧) الصلاة لا يزيل المعرفة من القلب. ولم تحرم ذكاة الكتابي لقول الله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. يعني: ذبائحهم. ومنع ذكاة المجوسي بهذه الآية على من قال بدليل الخطاب، وبقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ

стр. 1621

اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فصل [فيما يحل من ذبائح أهل الكتاب] ذبائح أهل الكتاب تحل بثلاثة شروط: أن يكون المُذكَّى ملكًا لهم، ومما يجوز لهم أكله، ولم يُهلوا به لغير الله. واختُلف في ذكاتهم ما هو ملك لمسلم، وقد تقدم الكلام عليه، وفي ذبائحهم للصليب ولعيدهم وللكنيسة، وفي ذكاة اليهود كل (١) ذي ظفر، وفيما وجدوه فاسدًا عندهم، وفي شحومهم. فقال مالك فيما أُهِلَّ به لغير الله، فذبحوه لأعيادهم أو كنائسهم، قال في كتاب محمد: أو لعيسى أو لميكائيل يُكره، ولا أحرمه (٢). قال ابن حبيب: وما ذُبح للصليب بمنزلة ما ذبح للكنيسة لا بأس به (٣). وعلى هذا يجوز ما ذُبح لعيسى (٤) أو لميكائيل أو للصليب. وقال ابن شهاب فيما ذُبح لأيام يسمي عليها (٥) مثل أبي قرقس حلال، لا بأس به. قال: وقد أحل الله تعالى طعام الذين أوتوا الكتاب، وقد علم أنهم يذكرون (٦) مثل ذلك، وكره ذلك مالك (٧)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ

стр. 1622

اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]؛ خيفة أن يكون مرادًا بالآية، ولم يحرمه لعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأن يكون المراد: غير الكتابي. والصحيح: أنه حلال. والمراد فيما أُهِلَّ لغير الله به، وما (١) ذُبح على النصب: الأصنام، وهي ذبائح المشركين. قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾: هي الأصنام التي كانوا يعبدون في الجاهلية. قال: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب (٢) أصنام (٣). وفي البخاري، قال زيد بن عمرو بن نفيل: أَنَا لاَ آكُلُ مَا تَذْبَحُونَ لأَنْصَابِكُمْ (٤). يعني: الأصنام. وأما ما ذبحه (٥) أهل الكتاب، فلا يراعى ذلك فيهم، وقد جعل الله سبحانه لهم حرمة، فأجاز مناكحتهم وذبائحهم لتعلقهم بشيءٍ من الحقِّ، وهو الكتاب الذي أنزل عليهم، وإن كانوا كافرين. ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح؛ لم يجز أن يؤكل شيء من ذبائحهم، إلا أن يُسأل هل سمي المسيح (٦)، أو ذبح للكنيسة، بل لا يجوز، وإن أخبر أنه لم يسم المسيح؛ لأنه غير صادق. وإذا لم يجب ذلك؛ حلت ذبائحهم كيف كانت (٧). واختُلف عن مالك فيما وجده اليهود من ذبائحهم فاسدًا لأجل الرئة، وهي التي يسمونها الطريف، بالإجازة والكراهة. فقال مرة: كل ما حرموه

стр. 1623

على أنفسهم فليس بحرام في كتاب فلا بأس بأكله ثم كرهه (١) وثبت على الكراهة، ولم يحرمه (٢)، فكره ذلك لقول الله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا ليس من طعامهم. وأجازه؛ لأن المراد من طعامهم: ذبائحهم. ولأن هذا قصد الذكاة والذبح. وقوله في ثاني حال: إن كانت على صفة كذا؛ لا آكلها، لا يرفع ما تقدم من الذكاة. واختُلف في الشحوم؛ فقال في كتاب محمد: هي محرمة (٣)، وقال في المبسوط: لا بأس به (٤). وقاله ابن نافع. وقال ابن القاسم: لا يعجبني أكله، ولا أحرمه (٥). وحكى ابن القصار عن ابن القاسم وأشهب أنها محرمة. (٦) واختلف في تذكيتهم كل ذي ظفر نحو الاختلاف في الشحوم، فقيل: ليس بذكي، وهو حرام. وقيل: يُكره. وقيل: جائز. وقيل: يجوز الشحم؛ لأن الذكاة لا تتبعض. ولا يجوز هذا. وقال أصبغ في قول الله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا. . .﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، فقال (٧): قال أشهب: كل ما كان محرمًا بكتاب الله سبحانه؛ فلا يأكله المسلم من ذبائحهم. ولا بأس بما

стр. 1624

حرموه على أنفسهم. (١) وقال ابن القاسم: لا يؤكل هذا ولا هذا. وقال ابن وهب: يؤكل ما حرمه الله عليهم، وما حرموه على أنفسهم. وهو قول محمد بن عبد الحكم (٢). قال: إنما أخبر الله سبحانه عمّا حرم (٣) عليهم في التوراة، وقد جاء النبي ﷺ بتحليل ذلك. واحتج من نصر القول الأول بقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهو ما أحل لهم قبل ذلك. وقال ابن الجهم: المعنى ذبائحهم. قال الشيخ ﵁ (٤): مضمون الآية: الإخبار عما كان محرمًا في التوراة، وقد نسخ ذلك بما خوطبوا به من الدخول في شرعنا، إلا أنهم معتقدون أن ذلك التحريم باق، وأن هذه الذكاة ليست بذكاة. وإلى هذا ذهب ابن القاسم أنها ذكاة بغير نية (٥). فسواء كان ذلك (٦) المذكَّى مِلْكًا لهم، أو لمسلم وكَّلهم (٧) على ذبحه. ورأى ابن وهب أن ذلك ذكاة؛ لأنه نوى الذكاة، وإن كانت عنده فاسدة (٨). ويختلف على هذا لو وكَّل رجلٌ رجلًا على أن يذبح له بعيرًا أو أن ينحر له شاة، والآمر يعتقد أن تلك ذكاة، والمأمور لا يعتقد ذلك، فلا يكون ذكيًّا على

стр. 1625

قول ابن القاسم. وهو ذكِيٌّ على قول ابن وهب؛ لأنه نوى الذكاة لمن وكَّله، واعتقاده أنها ذكاة فاسدة ليس إليه. ففارق بهذا من رمى شاة بحديدة فذبحها، ولم يرد ذبحها. ويختلف على هذا، لو ذبح إنسان شاة اقتداء بما رأى الناس عليه من ذلك، وهو لا يعلم أن ذلك شرع، ولا أنها (١) لا تؤكل إلا بذلك. وأما الشحوم؛ فالأمر فيها أشكل، فيصح أن يقال: إنها محرمة، وأن الذكاة تتبعض كما قال محمد بن مسلمة: إنها تتبعض (٢) في شرعنا، فلا تنفع في الدم، وتنفع فيما سواه. ويصح أن يقال: إنها (٣) تنفع في الشحم؛ لأنَّ التبعيض في ذلك لله سبحانه، فإذا نسخ ذلك من شرعهم، وكانت النية للذكاة، موجودة منهم، وصحت؛ كانت للجميع؛ لأن التبعيض منهم لا يصح، بخلاف ما لا يعتقدون ذكاته جملة (٤). ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن مغفل ﵁، قال: أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالتَزَمْتُهُ وقُلْتُ: لاَ أُعْطِي اليَوْمَ مِنْ هَذَا أَحَدًا شَيْئًا، فَالتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتبَسِّمًا. أخرجه البخاري ومسلم (٥).

стр. 1626

باب في ذكاة الجنين الجنين على وجهين؛ فإن لم توجد (١) فيه حياة لم تنفع فيه ذكاة، ولم يدخل في ذكاة أمه، إن ذُكيت. وإن جرت (٢) فيه حياة صحت ذكاته بانفراده، وأن (٣) يدخل في ذكاة أمه إن ذُكيت. ودليل وجود الحياة عند مالك: أن يتم خلقه، وينبت شعره، قال: لا بدَّ من هذا، وهذا (٤). وإذا كان ذلك، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تذكّي أمه فيموت بموتها. والثاني: أن يخرج حيًّا. والثالث: أن تلقيه (٥) حيًّا من غير ذكاة كانت في الأم. فإن ذكيت الأم فخرج ميتًا، كانت ذكاة أمه ذكاة له. وإن خرج حيًّا، ثم مات بالحضرة، وسبقهم بنفسه، كان فيه قولان: فقال مالك في كتاب محمد: يُكره أكله (٦). وقال يحيى بن سعيد: لا يؤكل إلا أن يموت قبل خروجه، وبعد ذكاة أمه (٧). وقاله ابن الجلاب (٨). قال: وإذا انفصل الجنين حيًّا، واستهلَّ صارخًا؛ انفرد بحكم نفسه، ولم

стр. 1627

يحل بذكاة أمه. وقال ابن حبيب: إن خرج وبه من الحياة ما يرى أنه يعيش لو ترك أو شك فيه؛ لم يؤكل إلا بذكاة، وإن (١) لم تكن ذُكيت الأم. وإن ألقت (٢) ولدها ميتًا؛ لم يؤكل. وكذلك إذا كان به من الحياة ما يرى أنه لا يعيش أو شك فيه هل يحيا؟ (٣) لم يؤكل (٤)، وإن أدركت ذكاته. وإن كانت حياة بيّنة يرى أنه يعيش لو ترك صحت ذكاته. والأصل في دخوله في ذكاة الأم: قول النبي ﷺ : "ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ"، وهذا حديث صحيح (٥) ذكره الترمذي، وذكره غيره (٦). تمَّ كتابُ الذبائح بحمدِ الله وحُسن عونه

стр. 1628

كتاب الضحايا النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (م) = نسخة مراكش رقم (١١٢/ ١) ٣ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٠)

стр. 1629

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الضحايا باب (١) في سنة الضحايا وهل يأثم (٢) تاركها، وفي أضحية الإنسان عن غيره الأضحية سُنَّهٌ على كل حر (٣) صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، مقيم أو مسافر، إلا الحاج وحده، ومن لم يحج من أهل منىً أو عرفة بمنزلة غيرهم من أهل الآفاق. واختُلف في وجوبها، وهل يأثم (٤) تاركها: فقال مالك في المدونة: لا أحب لمن كان يقدر على أن يضحي أن يتركها (٥). ولم يوجبها. وقال في كتاب محمد: هي سُنة واجبة (٦). فعلى هذا يأثم (٧) تاركها. وقال ابن حبيب: إنه آثم (٨). وهو

стр. 1630

قول ابن القاسم في المدونة إذا اشتراها، ولم يضح بها؛ حتى ذهبت أيام النَّحر أنه: آثم (١) ولا يُؤَثِّمه إلا أنها واجبة عنده من الأصل؛ لأن مجرد الشراء لا يوجبها. وقال غير واحد من البغداديين: ليست بواجبة (٢). واستدل من أوجبها بحديث أبي بردة ﵁ لقول النبي ﷺ : "اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (٣). واحتج من لم يوجبها بقول النبي ﷺ : "مَنْ رَأَى هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَأْخُذ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ" (٤). فجعل ذلك إلى إرادته، ورد هذا من قال بالوجوب. قال: لأنه يصح أن يؤتى بمثل هذا في الواجب كقول النبي ﷺ : "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجمْعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٥) وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأنه لا يختلف أن نفس هذا اللفظ: (من أراد)، و (من جاء)، لا يتضمن وجوبًا ولا ندبًا. وإنما وجبت الجمعة بنص آخر (٦) بالآية، وبما جاء في ذلك من الأحاديث، ولو لم يكن ذلك إلا قوله: "إذا جاء" لم تجب.

стр. 1631

والقول إن الأضحية ليست بواجبة أحسن (١)؛ لأنَّ الذمة بريئة، ولا تعمر إلا بأمرٍ لا شك فيه من آية أو سُنة أو إجماع، وقد عدم جميع (٢) ذلك. وبين ذلك قول النبي ﷺ : "أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ" (٣). ففرق بين حكمها عليه وعلى أمته، ولو كانت واجبة عليهم؛ لم يكن للتفرقة وجه. وأما قوله ﷺ لأبي بردة ﵁: "وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (٤)؛ فإنه يريد أنها لا تجزئ عن تلك السُّنة؛ لأن لها صفة يؤتى بها عليها (٥)، فمتى (٦) أخل بها كان بمنزلة من (٧) لم يأت بها، ولو أراد من كان في حجٍّ أو عمرة أن يتقرب بهدي جذع من المعز، لم يكن ذلك له. فصل [في الاشتراك في الضحايا وما يجزئ منها] ومن المدونة قال مالك: تجزئ الشاة الواحدة عن أهل (٨) البيت، وأحب إليّ إذا كان يقدر أن يذبح عن كل نفس شاة (٩).

стр. 1632

ولا يجزئ (١) عند مالك أن يشترك القوم في الأضحية، فيخرج كل واحد منهم جزءًا من الثمن؛ لأنَّ كل واحد منهم إنما ذبح بقدر ما ملك منها. وأجاز أن يشرك أهله (٢)؛ لما روي عن النبي ﷺ -أنه ذبح شاة، وقال: "هَذِه عَنِّي، وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي" (٣). وقال مالك في كتاب محمد: لا ينبغي أن يذبح أضحية عن نفسه وعن أجنبي تطوعًا، ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين في أضحية، وإن كانا أخوين، وله أن يدخل في أضحيته إن شاء أهله وولده ووالديه الفقيرين، وإن كانا مليين، وضحى عنهما؛ فعن كل واحد منهما شاة (٤). وأما جده وجدته؛ فكالأجنبيين لا يضحي إلا عن كل واحد (٥) بشاة، إلا أن تكون الجدة (٦) زوجة الجد فيدخلها في شاة، كما لو بعثها إلى جده، فذبحها الجد عن نفسه وعن زوجته، قال ابن مُيسِّر (٧): وذلك بإذن الجد (٨). قال محمد: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار، الذين (٩) يدخلهم الجد في أضحيته من (١٠) عياله (١١).

стр. 1633

قال ابن حبيب: وعلى الرجل أن يضحي عن أولاده الصغار الفقراء الذكور؛ حتى يحتلموا والإناث، حتى تزول نفقتهن عنه. ولو كانوا أملياء؛ لم يلزمه ذلك عنهم، إلا أن يشاء، وليس عليه أن يدخل في أضحيته من بلغ من ولده وإن كان فقيرًا، إلا أن يشاء لسقوط نفقته عنه، فإن أدخله في أضحيته؛ أجزأ ذلك الولد، فقيرًا كان أو مليًّا إذا كان في نفقة أبيه أو في بيته، وكذلك الصغير. قال: ولو أدخل في أضحيته من قد ضمَّه إلى عياله من أخ أو ابن أخ (١) أو قريب فذلك يجزئ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق له في السفر ونحوه من الأجنبيين في أضحيته (٢). قال الشيخ ﵁ (٣): أضحية الإنسان عن غيره على خمسة أوجه: أحدها: أن يضحي عمن تلزمه نفقته لقرابة. والثاني: أن تكون قرابة، وهو متطوع بالنفقة. والثالث: أن يكون متطوعًا بالنفقة، ولا قرابة بينهم. والرابع: أن تكون النفقة واجبة، ولا قرابة كالزوجة، ومن استأجره بنفقته. والخامس: أن لا (٤) يكون في نفقته (٥)، ولا قرابة.

стр. 1634

فالأول: أضحيته عمن تلزمه نفقته مع القرابة وهم: الولد (١) إذا كانوا فقراء ذكورًا صغارًا وإناثًا بالغات، لم يدخل بهن أزواجهن (٢)، والأبوان إذا كانا فقيرين (٣)؛ فهؤلاء عليه أن يضحي عنهم. ثم هو (٤) بالخيار بين خمسة أوجه؛ بين أن يضحي عن كل واحد منهم بشاة، أو يشرك جميعهم في شاة، أو يدخل جميعهم في أضحيته، أو يدخل بعضهم في أضحيته ويشرك الآخرين في شاة، أو يضحي عن كل واحد منهم (٥) ممن لم يشركه في أضحيته بشاة. والثاني: إذا كان متطوعًا بالنفقة مع القرابة، كالولد والأبوين مع اليسر، وكالأجداد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، فكل هؤلاء إذا كانوا في جملته وفي نفقته؛ لم تلزمه الأضحية عنهم، وليس تطوعه بالإنفاق مما يوجب عليه الأضحية عنهم، وسواء كان الأجداد ومن ذكر بعدهم موسرًا أو معسرًا. وإذا لم يكن عليه أن يضحي عنهم؛ فله أن يتطوع بذلك عنهم حسب ما تقدم في الفصل الأول، فيدخلهم في أضحيته أو بعضهم (٦) أو يشركهم في أضحيته، وأيّ ذلك فعل فإنه تسقط به الأضحية عن المنفق عليه، وإن كان موسرًا ممن خوطب فالأضحية عن نفسه. والثالث: إذا كان متطوعًا بالنفقة، ولا قرابة بينه وبينهم، فلا يجوز له أن

стр. 1635

يدخلهم في أضحيته، فإن فعل؛ لم يجزئه، ولم يجزئهم. والرابع: إذا كانت النفقة واجبة من باب المعاوضة، كالذي يستأجر أجيرًا بطعامه، فإن ذلك لا يوجب الأضحية، ولا يجوز أن يتطوع بأن يدخله في أضحيته. ويجوز مثل ذلك في الزوجة خاصة، ولا يجب عليه (١) أن يضحي عنها؛ لأنَّ وجوب نفقتها من باب المعاوضة عن الاستمتاع، ففارقت نفقة الولد والأبوين، وعليها أن تضحي عن نفسها، وأجيز له أن يدخلها في أضحيته لمّا شملها اسم الأهل. والخامس: إذا لم يكن المُضحَّى عنهم في جملة المُضَحِّي ولا في نفقته، فإنه لا يجوز له (٢) أن يدخلهم في أضحيته، وسواء كانوا أجنبين أو قرابة، كالولد والأبوين تسقط نفقتهم عنه (٣) ليسرهم، ولم يتطوع بالإنفاق عليهم، فإن فعل؛ لم يجزئه ولم تجزئهم، وعلى جميعهم الإعادة. وقال ابن حبيب فيمن ولد له يوم النحر أو في آخر أيام النحر (٤) وقد ضحى، فعليه أن يضحي عنه (٥)، وكذلك من أسلم حينئذ، فعليه أن يضحي عن نفسه، بخلاف الفطر (٦).

стр. 1636

باب في الصنف الذي يضحى به الأضحية من الأنعام: الإبل والبقر والغنم دون الوحش، كان له نظير من النَّعَم (١) أم لا، وأفضلها الضأن ثم المعز. واختُلف في الإبل والبقر، فقال أبو محمد (٢) عبد الوهاب: البقر ثم الإبل (٣)؛ لأن المراعى طيب اللحم. وقال ابن شعبان: الإبل (٤) ثم البقر (٥). وقال أشهب: الأضحية لمن كان بمنى بالإبل والبقر أحب إلينا من الغنم. قال: وإن كنت لا أرى على من بمنى أضحية (٦). واختُلف في ذكور كل صنف وإناثه: فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: الذكران أفضل (٧). وقال في المبسوط في الهدي والأضاحي: الذكر والأنثى سواء. قال: ومن الناس من يستحب الذكر في الأضاحي، وقاله في كتاب محمد. واختلف في الخصيِّ: فقال في المختصر: الفحل أولى (٨). وقال ابن شهاب في خصي الضأن: لا ينقصه الخصاء شيئًا (٩). وقال ابن حبيب: الفحل السمين

стр. 1637

أحب إليهم من الخصي السمين، والخصي السمين أحب إليهم من الفحل الهزيل، والفحل الهزيل (١) أحب إليهم من النعجة (٢). فقصرت الاضاحي علي الأنعام لما روي عنه ﷺ في ذلك أنه ضحى بالغنم والبقر والإبل، وبَّين لأمته أسنان ما يضحون به، ولم يرو عنه خلاف ذلك. فروي عنه أنه ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ (٣). وفي البخاري عن ابن عمر ﵄، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى (٤). فأثبت في هذا الحديث (٥) أنه كان يضحي بالصنفين، وقدمت الضأن لقول الله : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٧، ١٨]. قيل: فداه بكبش، وترك عليه في الآخرين سنة (٦) يقتدى به فيها. وهذا قول الحسن. وقيل: ترك عليه الثناء الحسن. وقدم (٧) الذكرة لأنه ذبْحُ إبراهيمَ ﵇، ولم يرو عنه أنه (٨) ضحى بأنثى (٩). وأسنان الأضاحي مذكورة في كتاب الزكاة الثاني (١٠).

стр. 1638

فصل [في وقت الأضحية] للأضحية وقت مبتدأ ومنتهى. فمبتدأه بعد صلاة الإمام وذبحه بالمصلى، وآخره غروب الشمس من اليوم الثالث. فإذا غربت خرج وقت الأضاحي. ولم يختلف المذهب فيمن صلى مع الإمام أنه مخاطب بالاقتداء به، وأنه لا يذبح إلا بعد ذبحه، فإن ذبح قبل ذلك؛ أعاد (١). واختلف في خمسة مواضع: أحدها (٢): إذا لم يبرز الإمام أضحيته إلى المصلى، هل على الناس أن يمهلوا حتى يذبح؟ والثاني: من لم يصلِّ معه وهو معه في البلد، فذبح بالتحري، ثم تبين أنه ذبح قبله. والثالث: أهل البوادي، هل هم مخاطبون بالاقتداء بالإمام، وكيف إن أخطؤوا بعد القول أن عليهم أن يقتدوا به. والرابع: إذا زالت الشمس، هل الذبح في بقية ذلك اليوم (٣) أفضل، أو يؤخر إلى الغد؟ والخامس: إذا ذبح ليلًا بعد ليلة النحر، هل يجزيه ذلك أو لا؟ فقال محمد: إذا لم يبرز الإمام أضحيته (٤)، وذبح في منزله، فذبح رجل قبله؛ لم يجزئه، إلا أن

стр. 1639

يتوانى (١) الإمام بعد انصرافه، فمن ذبح بعد القدر (٢) الذي لو لم يتوان لفرغ من الذبح، فإنه يجزئه (٣). وقال أبو مصعب: إذا أخطأ الإمام فلم يذبح بالمصلى، أو ترك تركًا يجاوز ما يذبح فيه الإمام، فيكون من ذبح مصيبًا (٤)؛جائز له ذبيحته (٥). وهذا أحسن، وليس على الناس أن يمهلوا إلا بقدر ذبحه، لو ذُبح بالمصلى. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كَانَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالُمصَلَّى (٦). ومن ذبح بالتحري ممن لم يُصلِّ مع الإمام، ثم تبين أن ذبحه كان قبل ذبح الإمام؛ لم يجزئه. وفي التفريع لابن الجلاب: إنه يجزئه، قال إذا لم يبرز الإمام أضحيته، قال: يؤخر الناس قدر انصرافه وذبحه، فإن توخى (٧) أحد وذبح، ثم تبين أنه ذبح قبله؛ أجزأه (٨). واختلف في أهل البوادي على أربعة (٩) أقوال، فقال مالك في المدونة:

стр. 1640

يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم (١) وذبحه، فإن تبين لهم أنهم أخطؤوا أجزأهم (٢). وقال في كتاب محمد: لا يجزئهم. وقال ربيعة في كتاب ابن حبيب: إن كانوا بحيث ليس (٣) إمام يقتدى به، فمن ذبح بعد طلوع الشمس، أجزأه، ومن ذبح قبل طلوعها؛ لم يجزه (٤). وهو قول عطاء. وقال أصحاب الرأي: في أهل السواد طلوع الفجر. ولا أرى أن يجزئ ذلك من كان مع الإمام في المصر؛ لأنهم مخاطبون بالصلاة معه، فيعلمون ذلك بالمشاهدة ليس بالتحري. وأما أهل البوادي؛ فتجزئهم، ولم يبعد (٥) من قال: إنهم (٦) غير مخاطبين بالإمام بحال؛ لأن الحديث إنما ورد فيمن صلى مع النبي ﷺ ، ورأى مالك أن من بعده من الخلفاء ومن يقيمونه (٧) بالبلدان مثل ذلك (٨)، لا يتقدمون بالذبح. والمصلّي بالناس العيد ثلاثة: أمير المؤمنين (٩) كالعباسيّ اليوم. والثاني: من أقامه لذلك في بلده أو عمله على بلد من بلدانه. هذان لا يُتقدمان بالذبح. والثالث: من كان سلطانًا (١٠) من غير أن يقيمه أمير المؤمنين (١١) فهذا لا

стр. 1641

يجب الاقتداء به (١) إن صلى لنفسه، ولا بمن أقامه للصلاة. وإذا لم يجب الاقتداء به، صاروا كأهل البوادي الذين لا إمام لهم (٢). فعلى قول مالك يتحرون أقرب الأئمة إليهم ممن أقامه أمير المؤمنين. وعلى قول ربيعة يجوز لهم الذبح (٣) إذا طلعت الشمس. وعلى قول أبي حنيفة إذا طلع الفجر. فصل [فيمن نحر قبل الفجر] وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يضحى يوم النحر، ولا بعده؛ حتى تستقل الشمس، وتحل الصلاة (٤). وقال أصبغ (٥): ليس ذلك عليه في اليوم الثاني أن ينتظر قدر صلاة الإمام. يريد: بالأمس، ولكن إذا حلت الصلاة (٦)، ولو ذبح في اليوم الثاني والثالث إذا طلع الفجر؛ جاز. وأجرى الذبح في هذين اليومين على الهدايا (٧) أنه يجوز النحر إذا طلع الفجر، واختلف إذا زالت الشمس من اليوم الأول والثاني. فقال ابن حبيب: يؤخر الذبح في بقية ذلك اليوم حتى يضحي في اليوم الذي يليه، وتستقل الشمس، فإن لم يضح حتى زالت الشمس من اليوم

стр. 1642

الثالث، فإنه يؤمر أن يضحي ما بينه وبين غروب الشمس (١). وقال محمد: أفضل هذه الأيام اليوم (٢) الأول (٣). ولم يفرق بين أوله ولا آخره، وكذلك اليوم الثاني يكون جميعه أفضل، وهو أحسن (٤)؛ لحديث ابن عباس ﵁ قال: سأل النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت؟ فقال: "لاَ حَرَجَ". قال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: "انْحَرْ وَلاَ حَرَجَ" (٥). فأمره بالنحر، وإن كان قد أمسى وصار إلى آخر النهار، ولم يأمره أن يؤخر ذلك إلى الغد. وقياسًا على الرمي أنه يرمي في آخر ذلك اليوم، ولا يؤخره إلى الغد. واختُلف فيمن ذبح ليلًا، فقال مالك: لا يجزئ ذلك في هدي ولا أضحية، قال: وإنما ذكر الله الأيام في كتابه، ولم يذكر الليالي (٦)، فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. قال ابن القاسم: وأخبرني من أثق به أن رسول الله ﷺ ، قال: "مَنْ ضَحَّى بِاللَيْلِ فَلْيُعِد" (٧). وقال أبو الحسن بن القصار: روى عن مالك فيمن ضحى ليلًا أنها تجزئ. ويجزئ (٨) على هذا

стр. 1643

الهدي إذا نحر ليلًا (١). وقال أشهب في مدونته: يجزئه الهدي ولا تجزئ الأضحية. قال: ألا ترى أن (٢) من نحر أضحيته قبل الإمام وهو من أهل القرى التي بها الأئمة يعيد، وإن نحر هديه قبل الإمام إذا طلع الفجر لم يعد. قال: وأما قول الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨]، فإن الليالي معها. وكل هذا لاختلاف فيما سوى ليلة النحر، وأما ليلة النحر (٣) فلا خلاف أنَّه من نحر تلك الليلة أو ذبح لم يجزئه؛ لأن الوقت لم يدخل بعد، وكذلك الليلة الرابعة لا يضحى فيها؛ لأنَّ الوقت قد خرج، وليس صبيحتها من أيام النحر.

стр. 1644

باب فيمن يتولي النحر والذبح، وفيمن وكَّل نصرانيًّا أو يهوديًّا علي ذلكـ (١) أو من ذبح لإنسان بغير أمره وُيستحب أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه اقتداءً بالنبي ﷺ ، ولأنه قُربة لله سبحانه، فكان عمله لها أفضل من الوكالة عليها، فإن عجز عن ذلك؛ وكل من له دين وصيانة. قال مالك عن داود بن الحصين: كان الناس ينتخبون لذبائحهم صالح ما (٢) يجدون. قال الشيخ ﵁: فإن (٣) وكل من يُضيّع صلواته؛ استحب له الإعادة للاختلاف فيها. هل هي ذكية (٤) أم لا (٥)؟ واختُلف إذا وكل نصرانيًّا أو يهوديًّا، فقال في المدونة: لا يجزئه (٦). وقال أشهب في مدونته: يجزئه (٧). وهو أحسن على تسليم القول: إن ذكاتهم لملك

стр. 1645

المسلم ذكاة؛ لأن القربة لا تفتقر إلى نية الذابح، وهي موكلة (١) إلى نية المتقرب، ولو كان على رجل جزاء صيد أو نسك من أذى، فأمر رجلًا أن يذبحه، ولم يعلمه لما يذبحه لأجزأه ذلك. وإنما يفتقر الذابح إلى نية الذكاة خاصة، وقال ابن عمر ﵁: "ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل" (٢). إلا أن يغيب عنه، ويوكله على التقرب بها. فلا يجوز له (٣)؛ لأنه لا تصح منهما قربة، ولو جعل لهما أن يوكلا مسلمًا، فإن أعلماه أنها أضحية أو هدي، ونوى ذلك الذابح؛ أجزأته. وإن لم يعلماه ونويا (٤) تلك القربة كانت ذكية، ولا تجزئ. والاستحباب لا يجتزأ (٥) به؛ ليخرج من الخلاف، فقد قال مالك مرة: إنها غير ذكية (٦). وإذا كان الذابح يهوديًّا أبين؛ لأن شحمها محرم (٧) على أحد القولين وأن الذكاة تتبعض فيكون صاحبها مُضحيًا ببعض شاة.

стр. 1646

فصل [فيمن ذبح أضحية غيره] وإذا ذبح رجل أضحية رجل بغير أمره تعديًّا، وليس بولد ولا صديق، ولا ممن يقوم بأمره؛ لم يجزئه (١)، وكان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، أو يأخذها وما نقصها الذبح. واختُلف إذا ذبحها ولدٌ أو من هو في عيالة،، ابن القاسم: تجزئه (٢) وقال أشهب في مدونته: لا تجزئه (٣) وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لو أن جارًا لي انصرف من المصلى، فذبح أضحيتي إكرامًا لي، فرضيت بذلك؛ لم تُجز (٤). وقال أيضًا: إذا كان لصداقة بينهما، أو وثق به أنه ذبحها عنه؛ أجزأته (٥). فمضى ابن القاسم في ذلك على أصله فيمن أعتق عن إنسان بغير أمره عن كفارة يمين أو ظهار أنها تجزئه وهو في هذا أبين؛ لأنَّ ربها نواها قربة، وهو فيها على تلك النية إلى أن ذبحت. والأصل في ذلك حديث عائشة، قالت: كنا بمنى، فدخل علينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ (٦). وعن أشهب على أصله فيمن أعتق عن غيره بغير أمَره، أنه لا يجزئه وإذا لم يجزئ كان

стр. 1647

له أن يضمن الذابح، فإن ضمنه أو دفع الفداء، وأخذها (١)، لم تبع للاختلاف فيها أنها تجزئ، وان كان ذلك على وجه الخطأ؛ ذبح كل واحد أضحية صاحبه لم تجزئ عن أصحابها (٢). واختُلف هل تجزئ الذابح إذا ضمن، فقال مالك وابن القاسم: لا تجزئ وقال أشهب: تجزئ وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الحج الثاني (٣). ولو أمر ربها رجلًا يذبحها له، فنوى الذابح عن نفسه لأجزأت عن صاحبها. وقد اشترى ابن عمر ﵁ شاة من راعٍ، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها الراعي، وقال: اللهم تقبّل مني. فقال ابن عمر ﵁: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل. وقال أصبغ: لا تجزئه (٤) والأول أحسن؛ لأن المراد من الذابح نيه الذكاة لا غير ذلك، والنية في القربة إلى ربها وقد تقدم ذلك.

стр. 1648

باب في اختلاط الأضاحي قبل الذبح (١) وبعده والرؤوس عند الشواء (٢) وقال ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الأضاحي (٣)، فلا بأس أن يصطلحا فيها؛ يأخذ كل واحدٍ واحدةً يضحي بها، وتجزئه (٤). وقد قيل في رجلين اشتريا شاتين شركة (٥)، ثم اقتسماها: أن على من صارت له الدنية بدلها؛ لأنه عنده باع نصف الجيدة، وهذا ضعيف؛ لأنهما إنما (٦) اشترياهما ليقسماهما، ولو كانت الشركة ليذبحا (٧) جميعًا الجيدة؛ ما أجزأت. وقال يحيى بن عمر في رجلين أمرا رجلًا يذبح (٨) لهما، فاختلطا بعد الذبح، قال: يجزئان من الأضحية، ويتصدقان بهما (٩)، ولا يأكلان منهما شيئًا (١٠). وقال محمد بن المواز في رؤوس الأضاحي تختلط عند الشواء: أكره لك أن

стр. 1649

تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك. قال: ولو اختلطت برؤوس الشواء؛ لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن، كمن ضمن لحم الأضاحي (١). وقد قيل: ليس له طلب القيمة، فعلى قول محمد؛ يجوز إذا اختلطت الشاتان أن يأكلاهما؛ لأنه إنما كره أكل الرأس: لإمكان أن يكون (٢) الآخر تصدق به، ولم يأكله، فلا تأكل أنت متاعه. وهذا استحسان، ولو حمل عليه (٣) أنه تصدق به لم يحرم هذا على من أخذه؛ لأنه كاللقطة لطعام لا يبقى. وإذا كان الشواء كان أشد (٤) في الكراهية؛ لأن الشواء معروف، فيرده عليه، على القول أنه لا يصح أخذ العوض عن متاعه.

стр. 1650

باب في الأكل والصدقة من الأضحية أمر الله في الهدايا أن يؤكل منها، ويُتصدّق، فقال : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأبان (١) النبي ﷺ أن الضحايا كذلك، فقال "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُمْسِكُوا مِنْ لحُومِ (٢) نُسُكِكُمْ بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا" (٣) فأباح الإمساك بعد ثلاث، وأثبت الصدقة فلم ينسخها، فقال: "ادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا". واختلف المذهب هل يؤمر بامتثال الوجهين: الأكل، والصدقة حسبما في الحديث أم لا؟ فقال: له أن يأكل ولا يتصدق، أو يتصدق ولا يأكل. فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يأكل ويتصدق، كما قال الله سبحانه. ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله كان كأكله إياه ولم يتصدق، حتى يفعل الأمرين. وقال ابن المواز: لو أكله كله (٤) لكان جائزًا، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره (٥).
следующие страницы →