← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

واختُلِفَ في معنى قول الله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فقيل: ذكيتم (١) من غير هذه المتقدِّم ذكرُها، وأنَّه استثناء منقطع، وقيل: إلا ما ذكَّيتم من هذه المذكورة. وهو أحسن؛ لأنَّه لا خلاف أن الآية في المنخنقة وأخواتها ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها لم تؤكل وإن ذكيتْ وكانت تُرجى حياتها، وإن لم تكن الآية على عمومها كان حملها على ما مات من ذلك أحسن؛ للحديث الذي في الشاة التي نزل بها الموت فسوبقت بالذكاة، فأجاز النَّبي ﷺ أكلّها (٢). ولا فرق بين أن تكون أشرفتْ على الموت من علةٍ نزلت بها في أحشائها (٣)، أو من هذه (٤) الأشياء. وقد احتجَّ من منع أكلها بأن قال: لو كان المراد بالآية ما مات من هذه الأشياء -الخنق (٥) وغيره- لكان قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] يغني عن ذلك.

стр. 1682

وليس كما قال؛ لأنَّ الميتةَ عند العرب: ما مات حَتْف نفسه، ليس ما مات من هذه الأشياء، ولو لم يبين اللهُ الحكمَ فيما مات من هذه الأشياء (١)؛ لأمكن أن يَقَعَ لهمْ أنَّها حلال وأنَّ الحكم فيها بخلاف موتها حَتْف نفسها، أو يشكل عندهم الحكم في ذلك، فأخبر الله تعالى أن الحكمَ فيها التحريم. فصل [في حرمة أكل الدم] وحرَّم الله تعالى الدم في هذه الآية جملةً من غير تقييد، وقيَّد ذلك في سورة الأنعام، فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فوجب ردُّ المطلق إلى المقيَّد. وقد قال ابن شعبان، قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ناسخ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (٢). وهذا غلط؛ لأنَّ سورة الأنعام مكيةٌ والمائدةُ مدنيةٌ، ولا خلاف أنَّه لا تُنسخ آيةٌ مدنية بآية مكية. واختَلَفَ قولُ مالك في غير المسفوح، فقال مرَّةً: الدم كلُّه نجسٌ؛ دم بني آدم، والبهائم، وما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، ودم الحوت، والبراغيث (٣). قال في سماع أشهب (٤): الدم كله نجس، دم الحوت ودم الشاة. وإذا كان عنده نجسًا فهو حرام. وقال (٥) أيضًا: لا تُعاد الصَّلاة من الدم اليسير (٦). قال الله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا

стр. 1683

﴿مَسْفُوحًا﴾. قال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح، قال: وقد جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: لولا أنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق كما اتبعته اليهود. وقد تُطبخ البُرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم الدم، فلا يكون على النَّاس غسله (١). قال: ولو كان قليله ككثيره؛ لكان كبعض النَّجاسات (٢) تقع في الطعام فلا تُؤكل. قال الشيخ: الدِّماء على وجوه: فدمُ كلِّ حيوان لا يؤكل لحمه حرام، قليله وكثيره، وليس بأعلى رتبة من دمه. ودم كل حيوان يؤكل لحمه له نفس سائلة قبل الذكاة حرامٌ، قليله وكثيره، وليس بأعلى رتبة من لحمه قبل الذكاة، ولأنَّه داخل في المسفوح قبلَ الذَّكاة (٣) وهو أول المسفوح؛ لأنه جملة الدم في الجسم، وإذا زاد الجرح زاد السفح، فإن ذُكِّي حرم المسفوح وحده، وهو الذي يخرج عند الذبح، فإن استعملت الشاة قبل أن تقتطع، وقبل أن يظهر منها الدم، كالتي تشوى؛ جاز أكلها، ولا خلاف في ذلك. واختُلِفَ إذا قُطعت وظهر الدم، فقال مرَّةً: حرام. وحمل الإباحة فيه ما لم يظهر؛ لأنَّ اتباعه من العروق حرجٌ. وقال مرَّةً: حلال لقول الله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فلو

стр. 1684

قطع اللحم على هذا بعد إزالة المسفوح يريد: فخرج منه دم لا يحرم، وجاز أكله بانفراده. ودم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت، فاختُلِفَ فيه: فقال الشيخ أبو الحسن: ليس بنجس. وحمل قول مالك في المدونة في غسله على الاستحسان (١)، فعلى هذا يكون حلالًا. والقول الأول أحسن؛ لأنَّ الحوت كالمذكَّى من حيوان البرِّ، فلمَّا كان الدم حرامًا مع وجود الذكاة كان حرامًا من الحوت؛ لعموم قوله: ﴿وَالدَّمُ﴾؛ لأن الدمَ حرام لا لعلةٍ. فإن كان ذلك الدم سائلًا جاريًا، كالذي يكون في بعض الحوت؛ كان كالمسفوح من حيوان البر، وإن كان غير سائلٍ ولا جارٍ جرى على الخلاف في مثله من البري (٢). ويختلف فيما كان ليس له نفس سائلة: فعلى القول إنه يحتاج إلى ذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر بعد الذكاة. وعلى القول إنَّه لا يحتاج إلى ذكاةٍ، يكون ما كان منه في حال الحياة أو بعدها سواء؛ يختلف فيه إذا ظهر وبان من الجسم.

стр. 1685

فصل [في لحم الخنزير وشحمه] ولحمُ الخنزير وشحمُهُ (١) حرامٌ، وورد النصُّ بذكر اللحم؛ لأنه الغالب والأكثر، والمراد تحريم المعتاد بالأكل من الحيوان، وهو الشحم (٢) واللحم. وحكم الجلدِ حكم اللحمِ؛ لأنه لحم، وقد تؤكل الشاة سميطًا (٣)، فيكون ذلك مما يُستطاب منها، وإنما تعاف النفسُ الجلدَ إذا بان من اللحم، ولا يباع، ولا بأس بالانتفاع به بعد دباغهِ؛ قياسًا على جلد الميتة إذا دبغ؛ لأن كليهما حرامٌ. وقد أبان النَّبي ﷺ في الميتة أن التحريم ليس في جميع وجوهها، وأن ذلك في الأكل والبيع، وأباح الاستخدام (٤). وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لا ينتفع به بعد الدِّباغ بخلاف جلد الميتة (٥). يريد: لأنَّ النص ورد في جلد الميتة ولم يرد في جلد الخنزير. واختلف في الانتفاع بشعره، فأجازه مالك في المبسوط للخرازة (٦).

стр. 1686

وقال ابن القاسم في العتبية (١): لا بأس ببيعه وهو كصوف الميتة (٢). وقال أصبغ: لا خير فيه، ليس كصوف الميتة، وهو كالميتة الخالصة، وكل شيء منه حرام حيا وميتًا (٣). والأول أحسن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥]. فلم يدخل الشعر في التحريم، واللبن منه محرّمٌ (٤)؛ لأن (٥) القصد (٦) اجتناب أكله جملة. وقد تقدَّم القول فيما أُهلَّ لغير الله به. فصل [في حكم أكل كل ذي ناب من السباع] واختُلِفَ في كل ذي ناب من السِّباع، فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: الأسود والنمور والذئاب واللبؤة (٧) والكلاب حرامٌ؛ لقول النبي ﷺ : "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (٨). وعلى هذا يدلُّ قول مالك في الموطأ؛ لأنه قال في الرسم: باب (٩) تحريم

стр. 1687

أكل ذي ناب من السباع، ثم أدخل الحديث (١). وقال الأبهري وابن الجهم: هي مكروهة، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢). والأول أصوب لوجوه: أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿لَا أَجِدُ﴾ إخبارٌ عن الماضي، ولا يقضي ذلك على أنه لا يجد في المستقبل، ولا أنَّه لا ينزل عليه تحريم تلك الأربع. والثَّاني: أن ذلك قد وُجد، فحرَّم ذبائح المجوس والخمر وهما مطعومان، لم تتضمن تلك الآية تحريمهما. والثَّالث: أنَّ الآية مكيةٌ والحديثَ مدنيٌ، والمتأخِّر يقضي على المتقدِّم، ولا يعترض هذا بحديث أبي ثعلبة ﵁ في قوله: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كْلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (٣)؛ لأنَّه يحتمل التحريم والكراهية. وحديث أبي هريرة ﵁ مقيد، والمقيد يقضي على المطلق. واختُلِفَ في الضبع، فقيل: هو مكروه. وحكى ابن الجلاب أن الحكم فيه والأسد سواء (٤). تم كتاب الأطعمة بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه (٥)

стр. 1688

كتاب الأشربة النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ق ٥) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)

стр. 1689

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الأشربة ذكر الله الخمرَ في أربعة مواضع من كتابه: بالإباحة، وبما يتضمَّن الكراهيةَ، والتحريمَ في وقتٍ دون وقتٍ، وبالتحريم جملةً من غير تخصيص لوقت. فالأول: قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ. . .﴾، ثم قال تعالى (١) ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٦، ٦٧]. والثاني: قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. والثالث: قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. والرابع: قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيتين (٢). فتضمّنت الآية الأولى (٣) الإباحة لوجوه: أحدها: أنَّ القصد بها وبما قبلها من قوله سبحانه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ

стр. 1690

فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]. وما بعدها إلى قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. بيان نعمه عندنا، وما مَنَّ به وسخَّره لنا (١) وأباحه؛ فلم يدخل في ذلك (٢) ما حرَّمه علينا، ومنعنا منه. والثَّاني: أنَّه قرنه بالألبان، وعطفه عليها. والثالث: أن (٣) الآية مكية، وأجمع النَّاس على أنها كانت حلالًا بالمدينة ثُمَّ حُرِّمت، وأنها لم تكن محرَّمة ثم أُحِلَّت ثم حُرِّمت؛ فبان بهذا أن السكر منها لم يكن محرمًا، وأن هذا هو الصحيح من القول. وقد اختُلِفَ في ذلك: فقيل: السَّكر: الخمر. وقيل: النبيذ. وقيل: ما كان شربه حلالًا كالنبيذ والخلِّ. والصحيح: أنه ما يسكره، وقد عقلت العرب السُّكرَ ما هو، وبيَّن ذلك قول الله سبحانه ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقول النبي ﷺ : "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ" (٤). ولا حاجة بنا إلى حمل الآية على غير ظاهرها لما قررناه من أنَّ الآية مكيَّةٌ، وأنَّ الخمرَ لم تكن محرَّمة حينئذ، وإنما يحتاج إلى الخروج عند ذلك لو كان نزولها بعد آية المائدة.

стр. 1691

وتضمَّنت الآيةُ الثانيةُ الإباحةَ؛ لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]. قيل: المنافع: التلذذ بشربها، وأخذ الأثمان في بيعها، والربح لمن تجر بها. وتضمنت الكراهةَ، وأنَّ الترك أولى، بقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]. قيل: هو ما يدخل على من شربها مما هو مذكور في الآية الأخرى من العداوة والبغضاء، وتَصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ولم يحمل على التحريم وإن أدت إلى ذلك، ولا يجتمع التحريم والتحليل معًا بأمر واحد. وتضمَّنت الآيةُ الثالثةُ إباحةَ الشرب دون السكر (١)، ومنع الشرب الذي يسكر في وقتٍ يعلم أنَّه إذا أتى وقتُ الصلاة كان سكرانًا ولم يذهب ذلك عنه، وإذا كان بعيدًا من وقت الصلاة يعلم أنَّه يذهب عنه قبل وقت الصلاة (٢) - لم يحرم، وقد كان الخطاب بالآية وإعلام الصحابة لها حين نزولها وهم عقلاء غير سكارى، وخوطبوا بما يفعلونه بعد ذلك. وتضمَّنت الآية الرابعةُ تحريمها جملةً من غير تخصيصٍ لوقتٍ، قال : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].

стр. 1692

فتضمنت التحريم من وجوه ثلاثة: أحدها: المساواة بينها وبين الأنصاب التي كانت تُعْبَد، وهي محرَّمة بالإجماع؛ فكذلك الخمر. والثَّاني: تسميةُ جميع ذلك رجزا، فعمَّها بهذا الاسم، ومخرج ذلك مخرج التعليل، وقد أخبر تعالى أن الرِّجْزَ مُحَرَّمٌ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] والثَّالث: قوله : ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والنَّهي من الله على الوجوب حتَّى يقومَ دليلُ النَّدب. فصل [في أنواع الأشربة] الأشربةُ أربعٌ: محرمٌ، وهو المسكر. وحلالٌ، وهو ما لا يسكر، ولا صار إلى حالة يُشَكُّ في سكره، ولم يُصنع على صفةٍ يُسرع إليها السكر. ومختلف فيه بالمنع والكراهية، وهو ما صنع على صفة يسرع إليها السكر (١) كالخليطين من البُسر (٢) والتمر وغيرهما، مما يكون كل واحد منهما خمرًا بانفراده.

стр. 1693

ومختلفٌ فيه: هل هو حكم الخليطين أو جائز؟ وهو أن يجعل في النبيذ ما يسرع به، ولا يكون بانفراده مسكرًا، مثل: عكر النبيذ (١) والتُّرْبَة، وما يكون الإسراع من الوعاء: كالدُّبّاء (٢) والمُزفَّت (٣)، وكالخليطين من الخلِّ، وما (٤) يصنع للخلِّ. والمُسكر على وجهين: مجمعٌ على تحريمه، ومختلفٌ فيه: فالأوَّل: عصير العنب، والثَّاني: مطبوخه، وعصير غيره ومطبوخه. فقول مالك وجميع (٥) أصحابه (٦)، والشافعيّ وأصحابه أنَّ جميع ذلك حرامٌ (٧). وهو قول الصحابة ﵃ والصدرِ الأوَّلِ، قال القاضي أبو الحسن ابن القصار: هو قول عمر، وعليّ، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة. وهذا هو الصحيح من القول، لورود النصِّ، ولوقوع اسم الخمر عليه، ولأنَّه إجماع الصحابة، وللعلة الجامعة بينه وبين الخمر.

стр. 1694

والمجمع عليه بالنص قول النبي ﷺ : "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ" (١). وقال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" وسئل عن المِزْرِ يُعْمَل من الشعير والبِتْع يُعْمَل من العسل فقال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٢). وقد كان السبب في جوابه ﷺ السؤال عن الأجناس التي تسكر، لا عن القَدْر من القلة والكثرة. وهذه الأحاديث أخرجها مسلمٌ في صحيحه، ووافقه في الحديث الآخر البخاريُّ والموطأ (٣). وقال أنس ﵁: حرمت الخمر، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خمرنا البُسْرُ والتمر. وقال أيضًا: إِنَّ الخُمْرَ حُرِّمَتْ، وَمَا كانَت لنا خَمْر غَيْر فَضِيخكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخ، وَإِنِّي لقَائِمِ أَسْقِيها أَبَا طَلْحَة وَأَبَا أَيُّوب وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ إِذْ جَاءَ رَجُل وَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمْ الخَبَر؟ فَقُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنَّ الخَمْر حُرِّمْت، فَقَالَ: يَا أَنَس، أَرِقْ هَذ الْقِلَال، فَمَا رَاجَعُوا (٤) فِيهَا، وَلا سَأَلُوا عَنْهَا. اجتمع على هذا الحديث الموطأ والبخاري

стр. 1695

ومسلم (١). وإن اختلفتْ ألفاظُه فالمعنى فيه واحدٌ، وقد اجتمعتْ هذه الأحاديث عن النَّبي ﷺ ومن ذُكِرَ من الصحابة ﵃: على أن هذه الأشياء يقع عليها اسم الخمر، وامتثلوا إراقته بمجرد النَّهي عن الخمر. وثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه نهى عن أَنْ يُنْتبَذ الزَّهْوُ (٢) وَالتَّمْرُ جَمِيعًا (٣). ولم يختلف أن ذلك خيفة أن يسكر، فلو كان يجوز شربُ قليله لمَا منع أن يُنبذا، ولأجاز أن يُنبذا جميعًا، ثم يشرب منهما بعد أن يصير مسكرًا قليلًا قليلًا وقتا بعد وقت (٤). وفي البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ خَطَبَ على المنبر، فقال: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالحنْطَةِ وَالشَّعِير وَالْعَسَلِ، وَالخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ (٥).

стр. 1696

يريد: أن الخمرَ كانت في عهد النَّبي ﷺ من هذه الخمسة، فكانت عامة خمورهم من التمر، ومن العنب قليلًا، وباليمن من الحنطة والشعير ومن العسل وهو البتع. ثم قال: "وَالخمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ". يريد: أنَّه ليس بمقصور على هذه الخمس التي كانت، وأن العلة الشدة، وما يخامر العقل. ولم يختلف أن عصير العنب قبل الشدة، وبعد أن اشتد، ثُمَّ تزول عنه الشدة، فيصير خلًّا حلال، وأن تحريمه فيما (١) بين هذين إنما كان لوجود الشدة. فإذا كان التحريم معلَّقًا فيما يكون من العنب بوجود الشدَّة، وساقط بعدهما- وجب أن يلحق به كلَّما وجدت له الشدَّة؛ لأنها علة التحريم ووجود الحكم. فصل [في صفة ما يحل من الأشربة] كلُّ شراب ليس بمسكر، ولم يصنع على صفةٍ يسرع إليها الإسكار، ولا صار إلى حالة يشك فيه: هل يسكر أم لا حلالٌ. ولا خلاف في ذلك، ثُمَّ هو فيما يندب إليه من تعجيل شربه وتأخيره مختلف: فإن لم تمسَّه (٢) النَّارُ فإنه يستحب ألا يؤخَّر عن ثلاثة أيام من يوم انتباذه؛ لحديث ابن عباس، قال: "كَانَ رَسولُ اللهِ- ﷺ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ اليَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِث، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ". أخرجه

стр. 1697

مسلم (١). وقد روي عنه أنه كان يهريقه في دون هذه المدة. ويعتبر في ذلك النبيذ في نفسه والوقت الذي ينتبذ أو ينقع فيه، فليس فضيخ (٢) البُسْر كالتَّمر، ولا التَّمر كالعنب، ولا العنب كالزّبيب، ولا الصيف فيما يخشى منه السكر كالشتاء والربيع، وإنما يراعى كل واحد منهما في نفسه، فإذا كان الغالب من مثل ذلك النبيذ أو النقيع في مثل ذلك الزمن وتلك المدة أنه لا يسكر، ولا صار إلى حالة يشك فيه- حلال. وإن مستْه النَّار ولم يبالغ في صنعته، وكان يخشى منه أن يكون مسكرًا- نُظِر أيضًا إلى الحالة التي يؤمن ذلك فيها في ذلك الوقت. واختُلِفَ إذا غلا؛ فلم يمنع ذلك في الكتاب، ولا كرهه، وقال: حده ما لم يسكر (٣). وقال ابن حبيب: كرهه بعض الصحابة إذا غلا (٤). وهو أحسن، وليس القول: إن حدَّه ما لم يسكر؛ بالبيّن، إذا كان لا يعرف ذلك إلا بالاختبار؛ لأنه لا يدري في وقت الاختبار: هل يشرب حلالًا أو حرامًا؟ إلا أن يقدر على معرفة ذلك بدلائل من غير شرب، وإن بُولغ في طبخه حتَّى صار إلى أن يؤمن السكر منه- جاز شربه وإن طالت المدة. واختُلِفَ: هل له حَدٌّ يؤمن ذلك منه إذا بلغه؟ فقيل: إذا ذهب ثلثاه، وبقي الثلث- فإنَّه لا يسكر.

стр. 1698

وقال مالك: حدّه إذا طبخ فلم يسكر، قال ابن القاسم: ولم يلتفت إلى ثلثين من ثلث (١). وقال ابن حبيب: لا يجوز إلا باجتماع وجهين: أن يذهب ثلثاه في الطبخ، ويوقن أنّه لا يسكر. وقال محمد: أكثر ما يعرف من العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه إلا ثُخِن وخلَّ، ولم يسكر (٢). قال: وليس ذلك في كل عصير، ولا في كل بلد (٣). قال الشيخ: وهذا كالأوَّل، أنَّه إن كان هناك علامة يعلم (٤) بها من غير شرب، وليس أن يجرب في الشرب، وقول محمد: إنَّه ليس ذلك في كل عصير ولا في كل بلد- أحسن (٥)؛ لأنَّ الأعناب تختلف، وبعضُها أكثرُ عسلية وأقوى، وبعضها قليل العسل، وبلدان حارة فهي تزيد في حفظه وتقويته، وبلدان باردة فيحلله (٦) الهواء مع البقاء. وهذا في عصير العنب. وأمَّا الزبيب والتمر فيجتهد فيهما أيضًا، وليس يحدّ بثلث ولا غيره؛ لأنَّ الذي تكلَّم عليه القومُ (٧) عصير العنب الذي الماء فيه مخلوق، وإنما يقع التبعيض (٨) بالنار من الماء المخلوق فيه، وهذا يلقى عليه الماء

стр. 1699

فينظر إلى العادة في مثله على قدر الماء الذي يضاف إليه، ومثل هذه الأشربة التي تعمل من السكر للأدوية، وقد جرت عادة عند الذين يعملونها أنها (١) إذا بلغت حدًّا أُمِن عليها إذا بقيت أن تسكر. فصل [في الأنبذة المنهي عنها] ثبت عن النَّبي ﷺ "أنَّه نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا" (٢)، وفي حديث آخر: "أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَالزَّهْو وَالرُّطَبُ جَمِيعًا" (٣). فتضمَّن هذا الحديث منع الجمع بينهما، وإن كان يشرب بالحضرة. وفي كتاب مسلم، قال (٤): "مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ، فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، أَوْ تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا" (٥). فالبُسْرُ والرطب والتمر والعنب والزبيب والعسل لا يجمع منها اثنان في الانتباذ؛ لأن ذلك مما يسرع بالسكر. واختُلِفَ: هل ترك ذلك واجبٌ ويعاقب إذا فَعَل، أو مستحبٌّ ولا شيء عليه؟

стр. 1700

فقال محمد في كتاب الحدود: إنا لنرى فيما نهى عنه رسول الله ﷺ من الخليطين وغيره من الأنبذة الأدب الموجع لمن عرف ذلك وارتكب النهي تعمدًا (١). وقال أبو محمد عبد الوهاب وغيره: إن خلط فقد أساء، وإن لم تحدث الشدة المطربة؛ جاز شربه (٢). واختلف في عكر النبيذ والتربة والعجين والدقيق والسَّوِيق وما أشبه ذلك مما يسرع في السكر، فأراد رجلٌ أن يجعله في نبيذه، فأجازه مالكٌ مرة (٣)، ومنعه أخرى، وبإجازته أخذ ابن القاسم (٤). والمنع أولى، وإليه رجع مالكٌ؛ لأنَّ ذلك الذي (٥) يجعل في النبيذ وإن لم يكن نبيذًا بانفراده، فإنه أمنع (٦) للعلة الجامعة، وهو الإسراع. وإن صنع القمح على صفةٍ إن تُرِك صار منه مسكرًا لم يخلط بنبيذ الزبيب والتمر قولًا واحدًا. قال ابن القاسم: ولا يخلط العسل بنبيذه فيشرب (٧). ورآه (٨) بمنزلة الخليطين من التمر والزهو، ولا يجوز على هذا أن يلقى

стр. 1701

التمر في نبيذ التمر ولا الزبيب في نبيذ الزبيب. قال: ولا بأس أن يأكل الخبز بالنبيذ. وكره أن ينقع الخبز في النبيذ أيامًا ثم يشربه، كما كره أن تجعل الجذيذة (١) في النبيذ (٢). وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا خير في الخليطين من الخلِّ، والخلُّ والنبيذ في ذلك سواء (٣). وقاله سحنون. وقيل لسحنون: فلو جعل الزبيب في إناء، والتين (٤) في إناء، فلما أدركا فصار خلًّا، خلطا؟ قال: لا خير فيه. ورُوي عنه الجواز (٥). وهو أحسن؛ فيجوز أن ينبذا معًا، وأن يخلطا بعد أن يصيرا خلًّا؛ لأن الحماية في هذا المعنى إنما وردت فيما يسرع إليه السكر والخلُّ يعمل على صفة لا يكون عليها (٦) خمرًا؛ لأنه يكثر ماؤه، ويحرك باليد في كثير من الأوقاتِ فلا يصير خمرًا بحال وإن كان يعمل على الانفراد على صفةٍ يكون منها (٧) خمرًا؛ لأنه يقلل (٨) ماؤه، ولا يكشف حتَّى يتخلَّل، وكان يعمل من عصير العنب،

стр. 1702

فإن كان تمرُّ به حالة يصير فيها خمرًا لم يجز بانفراده، ولا يخلط بغيره. وقد كان بعض أهل العلم يكره للمريض أن يخلط شرابين ثُمَّ يشربهما، مثل شراب الورد وغيره. ولا أعلم لذلك وجهًا؛ لأن هذين لا يسرع إليهما السكر بالانفراد، وعلى الاجتماع فخرجا عن المعنى الذي كان النهي عنه. وقال مالك في المدونة في الخمر ملكٌ لمسلم: فليهرقها، فإن اجترأ عليها فخلَّلها- أكلها وبئس ما صنع (١). وقال عبد الملك بن الماجشون (٢) وسحنون: لا تؤكل (٣). ولم يختلفوا أنها إذا صارت خلًّا من غير تعمّد ممن هي (٤) في يده أنَّها تؤكل. وقول مالك أحسن، ولا فرق بين أن تصير خلًّا من فعله أو غير ذلك؛ لأن التحريم لوجود الشِّدَّة المُطْرِبَة (٥) والتحليل مع عدمها، وأظن عبد الملك ذهب في المنع لحديث أنس ﵁، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الخَمْرِ (٦) تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: "لاَ" (٧). أخرجه مسلم. ومحمل الحديث أن ذلك حماية لئلا يتذرع (٨) الناس إلى شربها، وليس أنَّها

стр. 1703

تكون حرامًا إن فعل، وقد أجاز النبي ﷺ أن يدبغ جلد الميتة لينتفع به (١)، فلم يمنع ذلك؛ لأنه لا (٢) يُتَّهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثُمَّ يتخذ جلدها، ويتهم أن يتخذ الخمر. فصل [في ذكر ما نُهي عنه من نبيذ الأوعية] ثبت عن النَّبي ﷺ أنه نهى عن الانتباذ في أربع: الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ، وَالمقَيَّرِ (٣). فالنقير: ما عمل من خشب. والمُزَفَّت: ما عمل ما داخله بالزفت. والمقير: ما عمِل بالقار. والمنع في جميع ذلك حماية؛ لئلا تسرع بالشدّة، ثُمَّ نسخ ذلك، فقال ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ (٤) لحُومِ الأَضَاحِي بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَنَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلاَ تَقُولُوا هُجْرًا" (٥).

стр. 1704

قال مالك: إنما أُريد الانتباذ في هذه الأوعية؛ لأنَّها تسرع بوجود الشِّدَّة، ثُمَ وكلهم إلى أمانتهم فيها. فأخذ مالك بالحديث الأول. وأخذ ابن حبيب بالآخر، وقال: ما كان بين نهيه ورخصته فيها إلا جمعة (١). يريد: لم يكن المنع إلا جمعة، ثم نسخ. واختُلف بعد القول بمنع الانتباذ في هذه الأوعية: هل يشرب ما نبذ فيها؟ فمنع ذلك محمد، وقال: يؤدب فيه، وفي الخليطين (٢). وسوَّى بينهما في الجواب. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن سَلِمَ من الشدة فلا بأس (٣). وهو أحسن، وهو في هذا أخف من الخليطين؛ لما رُوي عن النَّبي ﷺ من النص على (٤) إباحته. وقال ابن القاسم: قال مالك في الخمر تجعل فيها الحيتان، فتصير مُرِيًّا (٥): لا أرى أكله. وكرهه (٦). وقال ابن حبيب: هو حرام. وقول مالك أحسن؛ لأنّ الشدة ذهبت بما طرح فيه وبطول الأمد، كما لو صار خلًّا بشيء طُرِح فيه وأفسد الشدة (٧). ولا فرق بين أن يصير خلًّا بنفسه أو يطرح فيه شيء فيصير

стр. 1705

خلا أو مُريًّا؛ لأن تلك الأعراض قد ذهبت وأخلفتها أعراض غيرها. وفي البخاري قال أبو الدرداء ﵁ فِي المُرِي: ذَبْحُ الخَمْرِ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ (١). يريد: أنه إذا طرح النينان وهي الحيتان، وجعل في الشمس حتى حولته حتى صارت مريًا؛ صار حلالًا، وصار ذلك فيه كالذَّكاة فيما كان حرامًا قبل الذَّكاة. فصل [في ضرب الحدِّ في شرب الخمر وفي رائحتها] قال مالك: كل ما أسكر من الأشربة كلها، وإن كان من حنطة أو شعير أو غير ذلك، فهو خمر يُضرب فيه ثمانين، وفي رائحته إذا شهد عليها أنها رائحة الخمر ثمانين (٢). قال الشيخ: الحدُّ يقام في الخمر بثلاث: معاينةُ الشرب إذا بَقِيَ ممَّا يُشرب ما يعلم أنَّه خمرٌ، وبالرَّائحة توجد منه من فِيهِ أنها رائحة الخمر، وإذا تقيأها. قاله محمد (٣). قال (٤): وقد جلد عمر ﵁ في القيء، وقال: "لَا وَرَبِّكَ مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا" (٥). وإن أشكل الأمر في الرَّائحة هل هي خمر أم لا، وعليه دليل (٦) أنَّها

стр. 1706

خمر لتغير عقله وتخليطه حمل على أنَّه خمر، وإن لم يكن دليل لم يحدَّ. وقال عبد الملك بن الماجشون (١) في كتاب محمد: وقد يختبر بالقراءة التي لا شكَّ في معرفته إياها من السور القصار، وقد يستحسن عند الإشكال، فإن هو لم يقرأ والتاث (٢) واختلط فقد شرب مسكرًا، وصارت حالته في ذلك شاهدًا عليه- فعليه الحدُّ، وإن كان في كلامه اختلاطٌ، وليس عليه رائحة خمر ولا شك فيها، لم يحدَّ (٣). قال أبو الحسن ابن القصار: وصفةُ الشَّهادة على الرَّائحة أن تكون (٤) ممن شربها في وقت إما في حال كفرهما أو في إسلامهما، فحُدَّا، ثم تابا. وسئل ابن القاسم عن الاستنكاه (٥) أيعمل به؟ قال: نعم (٦). وهو من رأس الفقه. قال الشيخ: وقد أخرج مسلم في صحيحه: أَنَّ النَّبِي ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَنْكَهَ مَاعِزٌ، هَلْ شَرِبَ خَمْرًا" (٧). ففيه دليلان: أحدهما: أن الرائحة يُقضى بها. والثَّاني: أنَّ إقرارَ السكران غيرُ لازم. وقال مالك في كتاب محمد: إذا لم يدرَ ما تلك الرائحة جُلِدَ نكالًا،

стр. 1707

ذلك (١) على قدر سفهه (٢).

стр. 1708

باب (١) في جَلْد من شرب الخمر وكيف (٢) يجلد؟ الأصل في ذلك حديث عقبة بن الحارث ﵁، قال جيء بالنعمان أو بابن النعمان شاربًا، فأمر النَّبي ﷺ مَنْ كانَ فِي الْبَيْتِ فَضَرُبوهُ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ (٣). وقال السائب بن يزيد ﵁: كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ (٤). فقال أنس ﵁: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ في الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ (٥). وفي الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ (٦) أَرْبَعِينَ (٧). تم كتاب الأشربة

стр. 1709

كتاب النذور والأيمان النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ق ٥) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨) ٣ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٥ & ٢٤٣)

стр. 1710

[وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] (١) كتاب النذور باب في وجوب النذور وما يجوز فيه (٢) أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر، وذم تاركه وأخبر بعقوبته، فقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. قال ابن عباس ﵁: هو نحر ما نذر (٣) وقال مجاهد: هو أمر بالوفاء لكل ما نذر في الحج (٤). وقيل: رمي الجمار. والأول أحسن، وليس الرمي نذرًا. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٦]. فذم على ترك الوفاء، ثم قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. فعاقبهم على ذلك. وقد قيل: إن الآية نزلت في مانع الذكاة. وهذا غير مانع للاحتجاج بما قلناه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لم يذمهم ويعاقبهم لمخالفة أمره وأن ذلك لمخالفة

стр. 1711

الوعد فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، وعليه عاقب فقال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وجاءت السنة عن النبي ﷺ بمثل ذلك؛ أمر بالوفاء، وذم على الترك، فقال ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" (١). وقال: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ. . ." الحديث (٢). فقد ذم على الترك، وقال: "لاَ تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ وَالْبَخِيلِ" (٣). فندبنا إلى فعل ما أحب الإنسان أن ينذره بطواعية (٤) فيه من نفسه بغير نذر؛ لأن الغالب من الناذر أنه لا يفعله بطيب نفس، وإنما يفعله لمكان ما أوجبه، وكثيرًا ما يدركه الندم. ثم أخبر بوجوبه بقوله: "إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ" فلو كان غير واجب لم يستخرج به. وقالت امرأة: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا. قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَه، اقْضُوا الله، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" أخرجه البخاري (٥). فشبهه بالدين، وذلك دليل على وجوبه.

стр. 1712

فصل [في أنواع النذر] النذور ستة: طاعة، ومعصية، وطاعة تضمنت معصية، وطاعة ناقصة عن الوجه الذي يجوز الإتيان بها، وما ليس بطاعة ولا معصية، ونذر مبهم. فالأول: أن ينذر صلاة أو صيامًا أو حجًا أو عتقًا أو صدقة، فيلزم الوفاء بذلك للآي والأحاديث التي تقدمت. والثاني: أن ينذر ألا يصل رحمًا، وأن يشرب خمرًا، أو لا يتقرب إلى الله بقربة. فهذه معصية لا يجوز الوفاء بنذرها، لقول النبي ﷺ : "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلاَ يَعْصِهِ" (١). ولأن النذر لا ينقل الشيء عن أصله، فيبيح الحرام ولا يحرم الحلال، إلا أنه له أن يأتي بقربة من جنس نذر المعصية، لتكون كفارة عن تلك العصية لقول النبي ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَمَنْ قَالَ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيتَصَدَّقْ" (٢). ولهذا قيل فيمن قال: لله علي أن أنحر ولدي فليهدِ؛ لأنه نذر هدي معصية، فيؤمر أن يأتي به على وجه يكون طاعة، وإن لم يكن له مثلٌ، فليتقرب إلى الله سبحانه بما رآه من الخير. والثالث: أن ينذر صوم يوم الفطر أو يوم النحر وأن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فهذه طاعة تضمنت معصية من ناحية الوقت، وقد سئل ابن عمر ﵁ عمن نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم النحر؟ فقال ابن

стр. 1713

عمر ﵁ أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم (١). فوقف في ذلك فلم يأمر به، ولم ينه عنه. والناذر في هذا على ثلاثة أوجه: فإن كان عالمًا بتحريم ذلك وبالنهي؛ لم يجب عليه الوفاء، ويستحب له أن يأتي بطاعة من جنسه، فيصوم رجاء أن تكون كفارة لنذره. وإن كان جاهلًا بتحريم ذلك، وظن أن في صومه ذلك فضلًا على غيره؛ فقد يظن من لم (٢) يعلم بالحديث أنه لما منع نفسه من لذاتها في ذلك اليوم؛ أن له من الأجر أكثر من غيره، فهذا لا يجب عليه قضاء، ولا يُستحب له. وإن كان يظن أنه في جواز الصوم كغيره، ولا فضل له؛ كان في القضاء قولان: فقيل: لا شيء عليه، والغلبة عليه كالغلبة بالمرض. وقال عبد الملك بن الماجشون: يقضيه؛ لأنه لم يرد صومًا له فضل على غيره، وإنما أراد صومًا (٣). والرابع: أن ينذر أن يصلي ركعة، أو يصوم بعض يوم، أو يعتكف الليل دون النهار، أو يطوف شوطًا، أو يقف بعرفة، ولا يزيد على ذلك، واختلف في هذا الأصل: فقيل: لا شيء عليه. وقيل: يأتي بمثل تلك الطاعة تامة على ما يجوز أن يؤتى به عليها.

стр. 1714

فقال ابن القاسم: إذا نذر اعتكاف ليلة أنه يعتكف يومًا وليلة (١). وقال سحنون: لا شيء عليه (٢). وعلى هذا يجري الجواب في الصلاة والصوم والطواف والوقوف بعرفة، فعلى قول ابن القاسم يأتي بتلك الطاعة تامة، وعلى قول سحنون لا شيء عليه. وهو أحسن؛ لأنه ألزم نفسه صفة وقدرًا؛ فلا يلزمه أكثر منه، إلا أن يكون عالمًا بمنع ذلك، فيستحب له أن يأتي ذلك (٣) كاملًا؛ رجاءَ أن يكون كفارة لتلك المعصية. والخامس: أن ينذر أن يمشي إلى الشام، أو يشتري عبد فلان، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية، ورده مالك في الموطأ إلى النذر في معصية، فقال: من نذر المعصية مثل أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو مصر (٤). وتحقيق ذلك أن يقال: إن النذر معصية، وهو قوله، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية؛ لأنه لا يختلف أن ذلك (مما) (٥) لا يجوز أن ينذر، وهذا من التلاعب؛ فيستحب له أن يمشي في طاعة، أو يأتي عن تلك بطاعة وإن لم يكن مشيًا أن يتصدق. والسادس (٦): أن ينذر نذرًا مبهمًا لم يسم له مخرجًا، فقال: علي نذر؛ أجزأه عن ذلك كفارة يمين بالله تعالى؛ لقول النبي ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" أخرجه مسلم (٧). فعلق الحكم بأدنى الكفارات؛ لأن الزائد على ذلك مشكوك

стр. 1715

فيه، فلا تعمر الذمة بشك، و"آلَى رَسُولُ اللهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" (١) فاحتسب بأقل الشهور. وقال محمد بن عبد الحكم فيمن نذر صوم شهر: يجزئه أدنى الشهور؛ تسعة وعشرون يومًا (٢). وما روي عن عائشة ﵂ أنها أعتقت عن يمينها (٣) بالنذر أربعين رقبة (٤). فأخذت بأعلى ما يراد من ذلك، ليس لأن (٥) ما دون ذلك غير جائز.

стр. 1716

باب فيمن حلف بالمشي إلى مكة ومن المدونة قال مالك فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن كلمت فلانًا، فكلمه: إن عليه أن يمشي إلى مكة، ويجعلها إن شاء حجة وإن شاء عمرة، فإن جعلها عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة، فإن ركب بعد السعي وقبل الحلاق؛ لم يكن عليه شيء، فإن جعلها في حجة مشى حتى يطوف طواف الإفاضة، وله أن يرجع إلى منى راكبًا، وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى؛ لم يركب في رمي الجمار. ولا بأس أن يركب في حوائجه. قال ابن القاسم: وأنا لا أرى بأسًا (١). يريد: أنه يركب في مضيه لرمي الجمار، وإن لم يكن أفاض. وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار، وإن كان قد أفاض. قال الشيخ ﵁ فيمن (٢) قال: عليَّ المشي إلى مكة فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة أو طوافًا أو سعيًا بانفراده أو صلاة فريضة أو نفلًا. والثاني: أن ينوي الوصول ويعود، لا أكثر من ذلك. والثالث: ألا تكون له نية؛ فإن نوى حجًا أو عمرة أو طوافًا لزمه الوفاء به، وأن يمشي لذلك، وأن يدخل محرمًا إذا نوى حجًا أو عمرة.

стр. 1717

ويختلف إذا نوى طوافًا بانفراده، فعلى القول إنه يجوز له (١) دخول مكة حلالًا؛ يدخل هذا مكة حلالًا، فيطوف ويجزئه. وعلى القول ألا يدخل مكة إلا محرمًا؛ يدخل هذا بعمرة، ويجزئه عن نذره. ويختلف إذا نذر سعيًا بانفراده، هل يسقط نذره، أو يأتي بعمرة وقد تقدم ذلك. وإن نذر صلاة فريضة أو نافلة، أتى مكة ووفى بنذره، وهذا قول مالك. وقد ذهب بعض أهل العلم أنه لا يأتي للنفل لقول النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلاَتُكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَة" (٢). فدخل في عموم الحديث مسجده والمسجد الحرام وغيرهما من المساجد. وإن نوى الوصول خاصة، وهو يرى أن في ذلك فضيلة أو قربة؛ لم يكن عليه شيء. وإن كان عالمًا أنه لا قربة فيه؛ كان نذره معصية فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في عمرة أو حجة أو طواف؛ ليكفر بها ذلك النذر. وإن لم تكن له نية، وكان من أهل المدينة؛ مشى في حج أو عمرة؛ لأن تلك عادة لهم، وقد خرج النبي ﷺ للعمرة بافرادها، وإن كان من أهل المغرب أتى بالحج لوجهين: أحدهما: أن المشهور عندهم الحج، ولا يعرف العمرة إلا أهل العلم أو من تقدم له حج؛ فينبغي أن يحمل الناذر على ما يعرف. والثاني: أن من يعرف العمرة لا يقصد أن يخرج للعمرة بانفرادها، ولا يقصد أهل الغرب أن يخرجوا إلا إلى الحج، وكل هذا فعلى القول أنه يحمل (٣)

стр. 1718

الحالف عند عدم النية على العادة، وعلى أحد قولي مالك وابن القاسم أنه يحمل على ما يوجبه مجرد اللفظ دون العادة، لا يكون عليه أن يأتي بحج ولا عمرة؛ لأن مجرد النذر المشي خاصة. واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج فقال مالك مرة (١): يمشي المناسك (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، وترجح مالك مرة لمثل ذلك فقال في كتاب محمد: إن جهل فركب المناسك، ومشى ذلك قابلًا فلا هدي عليه (٣). قال محمد: ولم يره بمنزلة من عجز في الطريق، قال ابن القاسم وذلك فيما ظننت لأن بعض أهل العلم رأى أن (٤) مشيه الأول يجزئه (٥)، وأرخص في الركوب إلى عرفة. قال الشيخ ﵀: وهذا هو الأصل؛ لأن الناذر إنما قال: علي المشيء إلى مكة، فجعل غاية مشيه إلى مكة؛ فلم يلزمه أكثر من ذلك وإن كانت نيته للحج، ولو قال رجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه إلا أن يمشي إلى مصر ثم يركب ويحج، فكذلك قوله: عليَّ المشي إلى مكة في حج؛ يمشي إلى مكة، ويركب ما سواها، إلا أن ينوي مشي المناسك، وقول ابن حبيب يمشي لرمي الجمار، وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب (٦).

стр. 1719

فصل [فيمن ركب في بعض ما وجب عليه من المشي] ومن المدونة: قال مالك فيمن دخل مكة حاجًا في مشي وجب عليه، فلما فرغ من سعيه بين الصفا والروة خرج إلى عرفات راكبًا، وشهد المناسك وأفاض راكبا قال يحج الثانية راكبًا فإذا سعى وطاف خرج إلى عرفات ماشيًا حتى يفيض (١). وظاهر قوله: إن فعل ذلك اختيارًا لا عن عجز. وأرى أن ينظر في ذلك هل ركب اختيارًا أو عن ضرورة؛ عجز أو مرض؟ وهل كان مشيه ذلك تطوعًا، أو منذورًا في الذمة، أو في عام بعينه؟ وهل سمى بالحج في حين نذره أو أطلق ذلك ولم يسمه؟ فإن ركب اختيارًا؛ كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي الناسك على أي وجه كان مشيه، ولا يفسد الماضي. فإن ركب عن عجز أو مرض نظرتَ؛ فإن كان نذره مضمونًا، وسمى الحج، وقال: لله عليّ أن أمشي إلى مكة في حج؛ أتى مكة قابلًا راكبًا، وقضى المناسك ماشيًا، ولا خلاف في ذلك. وإن كان النذر في عام بعينه، وسمى الحج أو لم يسمه، أو مضمونًا ولم يسم حجًا؛ أجزأه حجه، ولم يكن عليه شيء عند مالك، وكذلك من تطوع بالمشي من غير نذر تقدم، ثم جعله في حج، فعلى قول ابن القاسم عليه أن يقضي الحج قابلًا، ويمشي المناسك.

стр. 1720

وقال مالك في المدونة فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث، فمشى في حج ففاته الحج: أن المشي يجزئه. ويجعلها عمرة، ويمشي حتى يسعى من الصفا والمروة، ويقضي عامًا قابلًا راكبًا، ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يمشي المناسك قابلًا فأجرى مالك المشي إذا غلب عليه على الأصل في الصلاة والصوم إذا دخل فيه تطوعًا، ثم غلب عليه، أو نذر عين يومٍ يصليه أو يصومه، ثم مرضه: أنه لا شيء عليه وكذلك المشي. وفرق بين الغلبة على الشي والغلبة على الحج، فجعل عليه قضاء الحج دون المشي؛ لأنَّ الحج عنده أصل قائم بنفسه يقضى مع الغلبة عليه. وأبقى المشي على الأصل في الصلاة والصوم. وأجرى ابن القاسم المشي على حكم الحج لما كان معلقًا به. وقول مالك (١) أقيس. فإن غلب على مشي المناسك، ولم يفته الحج؛ شهدها راكبًا وأجزأه. وإن فاته الحج كان قد غلب على الوجهين (٢) جميعًا، فقضى الحج، ولم يقض الشي (٣). وعلى أصل ابن القاسم إن غلب على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا؛ قضى قابلًا الحج (٤) ليمشي المناسك. فإن غلب على الوجهين جميعًا- الحج والمشي- حتى فاته الحج بمرض أو أخطأ عددًا؛ قضى الحج والمشي (٥).
следующие страницы →