← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

فصل [فيمن ذبح أضحية غيره] وإذا ذبح رجل أضحية رجل بغير أمره تعديًّا، وليس بولد ولا صديق، ولا ممن يقوم بأمره؛ لم يجزئه (١)، وكان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، أو يأخذها وما نقصها الذبح. واختُلف إذا ذبحها ولدٌ أو من هو في عيالة،، ابن القاسم: تجزئه (٢) وقال أشهب في مدونته: لا تجزئه (٣) وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لو أن جارًا لي انصرف من المصلى، فذبح أضحيتي إكرامًا لي، فرضيت بذلك؛ لم تُجز (٤). وقال أيضًا: إذا كان لصداقة بينهما، أو وثق به أنه ذبحها عنه؛ أجزأته (٥). فمضى ابن القاسم في ذلك على أصله فيمن أعتق عن إنسان بغير أمره عن كفارة يمين أو ظهار أنها تجزئه وهو في هذا أبين؛ لأنَّ ربها نواها قربة، وهو فيها على تلك النية إلى أن ذبحت. والأصل في ذلك حديث عائشة، قالت: كنا بمنى، فدخل علينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ (٦). وعن أشهب على أصله فيمن أعتق عن غيره بغير أمَره، أنه لا يجزئه وإذا لم يجزئ كان

стр. 1647

له أن يضمن الذابح، فإن ضمنه أو دفع الفداء، وأخذها (١)، لم تبع للاختلاف فيها أنها تجزئ، وان كان ذلك على وجه الخطأ؛ ذبح كل واحد أضحية صاحبه لم تجزئ عن أصحابها (٢). واختُلف هل تجزئ الذابح إذا ضمن، فقال مالك وابن القاسم: لا تجزئ وقال أشهب: تجزئ وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الحج الثاني (٣). ولو أمر ربها رجلًا يذبحها له، فنوى الذابح عن نفسه لأجزأت عن صاحبها. وقد اشترى ابن عمر ﵁ شاة من راعٍ، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها الراعي، وقال: اللهم تقبّل مني. فقال ابن عمر ﵁: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل. وقال أصبغ: لا تجزئه (٤) والأول أحسن؛ لأن المراد من الذابح نيه الذكاة لا غير ذلك، والنية في القربة إلى ربها وقد تقدم ذلك.

стр. 1648

باب في اختلاط الأضاحي قبل الذبح (١) وبعده والرؤوس عند الشواء (٢) وقال ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الأضاحي (٣)، فلا بأس أن يصطلحا فيها؛ يأخذ كل واحدٍ واحدةً يضحي بها، وتجزئه (٤). وقد قيل في رجلين اشتريا شاتين شركة (٥)، ثم اقتسماها: أن على من صارت له الدنية بدلها؛ لأنه عنده باع نصف الجيدة، وهذا ضعيف؛ لأنهما إنما (٦) اشترياهما ليقسماهما، ولو كانت الشركة ليذبحا (٧) جميعًا الجيدة؛ ما أجزأت. وقال يحيى بن عمر في رجلين أمرا رجلًا يذبح (٨) لهما، فاختلطا بعد الذبح، قال: يجزئان من الأضحية، ويتصدقان بهما (٩)، ولا يأكلان منهما شيئًا (١٠). وقال محمد بن المواز في رؤوس الأضاحي تختلط عند الشواء: أكره لك أن

стр. 1649

تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك. قال: ولو اختلطت برؤوس الشواء؛ لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن، كمن ضمن لحم الأضاحي (١). وقد قيل: ليس له طلب القيمة، فعلى قول محمد؛ يجوز إذا اختلطت الشاتان أن يأكلاهما؛ لأنه إنما كره أكل الرأس: لإمكان أن يكون (٢) الآخر تصدق به، ولم يأكله، فلا تأكل أنت متاعه. وهذا استحسان، ولو حمل عليه (٣) أنه تصدق به لم يحرم هذا على من أخذه؛ لأنه كاللقطة لطعام لا يبقى. وإذا كان الشواء كان أشد (٤) في الكراهية؛ لأن الشواء معروف، فيرده عليه، على القول أنه لا يصح أخذ العوض عن متاعه.

стр. 1650

باب في الأكل والصدقة من الأضحية أمر الله في الهدايا أن يؤكل منها، ويُتصدّق، فقال : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأبان (١) النبي ﷺ أن الضحايا كذلك، فقال "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُمْسِكُوا مِنْ لحُومِ (٢) نُسُكِكُمْ بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا" (٣) فأباح الإمساك بعد ثلاث، وأثبت الصدقة فلم ينسخها، فقال: "ادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا". واختلف المذهب هل يؤمر بامتثال الوجهين: الأكل، والصدقة حسبما في الحديث أم لا؟ فقال: له أن يأكل ولا يتصدق، أو يتصدق ولا يأكل. فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يأكل ويتصدق، كما قال الله سبحانه. ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله كان كأكله إياه ولم يتصدق، حتى يفعل الأمرين. وقال ابن المواز: لو أكله كله (٤) لكان جائزًا، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره (٥).

стр. 1651

والأول أحسن، فليس له أن يأكل ذلك كله، وقد كان الأصل: ألا يأكل منها شيئًا؛ لأنه قد جعلها لله سبحانه، وتقرب بها إليه؛ فلا يرجع في شيء جعله لله، كما لا يرجع فيما (١) جعله لله صدقة، فأباح الله سبحانه أن يأكل منها، وأثبت الصدقة منها على الأصل (٢)، فلم يجز أن يأكل الجميع، وأبان النبي ﷺ أن الضحايا في ذلك كالهدايا (٣). ويكره أن يتصدق بالجميع؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه نحر مائة من الإبل، ثم أمر أن يؤخذ (٤) من كل واحدة بقطعة فطبخت، ليكون إذا أطعم من مرقها قد أكل من جميعها. أخرجه مسلم (٥). وقال ابن حبيب: وليس لما يؤكل، ولا لما يتصدق به حدٌّ. ويجزئ منه ما قلّ (٦). وقال ابن الجلاب: الاختيار (٧) أن يأكل الأقل (٨). ويستحب (٩) أن يكون أول ما يأكله يوم النحر من أضحيته، قال ابن شهاب: يأكل من كبدها (١٠).

стр. 1652

باب في ولد الأضحية وصوفها ولبنها وإذا خرج ولد الأضحية بعد ذبحها حيًّا (١) ذُبح، وكان حكمه على (٢) حكم الأم. واختُلف إذا ولدته قبل ذبحها، فقال مالك: إن ذبحه معها فحسن (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: لا أرى أن يُضحى به، ولا يحل (٤). قال في مدونته: وليس ذلك مثل الهدي. والهدي بمنزلة المُدَبَّرة، وولدها بمنزلتها. يريد: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح. وقد كان له بدلها، فكان الولد بمنزلة ما لو ابتدأ ملكه، فلا يجوز له أن يضحي بدون المسن. ولو بَعُد ما بين الولادة والذبح؛ ما جاز له (٥) أن يذبحه على وجه الأضحية. واختُلف في لبنها، فقال ابن القاسم: إن لم يكن معها ولد، وأضرَّ بها؛ حلَبه وتصدق به (٦). وإن كان معها ولد؛ كان (٧) بمنزلة الهدي. قال: وكره مالك لبن الهدي، وقد جاء في الحديث: أنه لا بأس (٨) أن يشرب ما بعد ريّ

стр. 1653

فصيلِها (١). وقال أشهب في مدونته: يصنع به ما شاء، وله أن يَحْرِمَه (٢) ولدها (٣). فخالف في الموضعين في سقيه لولدها (٤)؛ لأن من أصله أن لا يذبح ولدها معها (٥)، وأن له أن يبيعه (٦) وأن له أن يشريه (٧)؛ لأنه لا تجب قربة إلا بالذبح. وأما الصوف؛ فهو بعد الذبح على حكم اللحم ينتفع به ويهبه ولا يبيعه، وليس له أن يجزّه قبل الذبح؛ لأن فيه جمالًا لها، واتفق على ذلك ابن القاسم وأشهب. واختلفا (٨) إذا جزّه قبل الذبح، فقال ابن القاسم: ينتفع به ولا يبيعه (٩). وقال أشهب: يبيعه (١٠). والأول أحسن؛ لأنه قد نواه مع الشاة لله . واستحب أن يبيع تلك الشاة إذا جزّ صوفها، ويشتري غيرها كاملة الصوف (١١)؛ لأن ذلك الذي فعل نقص من جمالها وبهائها.

стр. 1654

فصل [في منع بيع شيء من الأضحية] ولا يباع شيء من الأضحية بعد الذبح؛ لحم ولا جلد ولا صوف؛ لأنها صارت بالذبح قربة لله سبحانه. ومن باع شيئًا من ذلك نُقض بيعه. واختلف إذا فات، فقال ابن القاسم في العتبية: يتصدق بالثمن، ولو استنفقوه لم آخذه منهم (١). وقال سحنون: يجعل ثمن اللحم في طعام يشتريه فيأكله، وثمن الجلد في ماعون أو طعام (٢). وقال محمد بن عبد الحكم: يصنع بالثمن ما شاء (٣)، ولابن القاسم مثل ذلك فيمن نذر هديًا للمساكين، وذبحه بعد أن بلغ محله. قال: يستحب ترك الأكل منه، وإن أطعم منه غنيًا أو نصرانيًا لم يكن عليه شيء (٤). والأصل في منع البيع حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنِه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وجلالها في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا. وقال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم (٥). وإذا لم يجز البيع، وغاب المشتري بالمبيع؛ تصدق بالثمن، كثمن أم الولد.

стр. 1655

وإن كان حاضرًا؛ ردّ إليه، وانتزع منه المبيع، وإن أفاته تصدق بالثمن (١). واختُلف إذا تعدّى رجل على لحم أضحية، فحكم عليه بالقيمة، فاستحب أن يأخذ قيمته ويتصدق بها. واستحبّ ابن القاسم: أن تُرد، ولا تُؤخذ منه (٢). وكذلك السارق. وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن دبغ جلد أضحيته بدباغ، فزعم أنه سرق منه، فقال: إن وثق به فلا يغرمه شيئًا، وإن اتهمه أغرمه القيمة، وتصدق بها (٣). وأجاز سحنون أن يؤاجر جلد أضحيته، وكذلك جلد الميتة (٤).

стр. 1656

باب في موت الرجل عن أضحيته وأضحية المديان ومن تصدق عليه أو وهب بشيء من أضحيته ومن وجد بأضحيته عيبًا بعد الذبح (١) ومن مات عن أضحيته قبل الذبح؛ كانت ميراثًا (٢)، وجاز لهم بيعها. وإن مات بعد الذبح؛ لم تُبع، ولم يقض منها دينٌ عن الميت، وأكل الورثة ذلك اللحم، وتصدقوا. واختُلف في صفة أكله، فقيل: الذكر والأنثى والزوجة فيه سواء، حسب انتفاعهم به في حياة ميتهم. وقيل: للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو أصوب. ويلزم على القول الأول إذا كان الورثة عصبة ألا ينتفعوا منها بشيء؛ لأنهم لم يكونوا ينتفعوا منها في حياته، ويختص به الزوجة والابنة إن كانت، ولا يعترض (٣) انتفاع الورثة على قدر المواريث، بكون الغرماء لا يدخلون فيه؛ لأنه مال لا يصح بيعه، وكما لو خلّف جلد ميتة قد دُبغ، أو غير ذلك مما يصح به الانتفاع دون البيع، فإن للورثة (٤) أن ينتفعوا به دون الغرماء، وعلى قول سحنون يؤاجر الغرماء جلد الأضحية وجلد الميتة (٥).

стр. 1657

ومن اشترى أضحية وعليه دين؛ كان للغرماء بيعُها في دينهم (١) قبل الذبح، وليس ذلك لهم بعد الذبح، بمنزلة ما لو اشترى أمةً ليتخذها أم ولد، فلهم بيعها قبل الإيلاد، وليس ذلك لهم بعد الإيلاد (٢)؛ لأن ذلك جرت (٣) العادة أن الغريم يفعله، وليس كالعتق إذا كان عليه دين. وأجاز أصبغ لمن تصدق عليه بلحم الأضحية، أو وهب له؛ أن يبيعه (٤). وفي كتاب محمد: المنع (٥). والأول أحسن، وقد تُصدِّقَ على بَرِيرة ﵂ (٦) بشاة، فأعطت منها النبي ﷺ ، فأكله، فقال: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ (٧). ولو كانت بعد انتقالها إلى المتصدق عليه (٨) على الحكم الأول؛ لم يحل للنبي ﷺ ؛ لأنه لا يأكل الصدقة (٩). وإذا وجد بالأضحية عيبًا، لا تجزئ به بعد الذبح؛ لم يبع لحمها على أصل ابن القاسم؛ لأنها بعد الذبح بمنزلة الهدي بعد التقليد والإشعار، فيجد به عيبًا

стр. 1658

مما لا يجزئ به فلا ينقض التقليد، ولا يرد العتق. وقال أصبغ: يبيع ذلك اللحم. وهو قول في العتق (١) أنه يردّ (٢). وقول ابن الماجشون في الهدي يعطب قبل بلوغ محله: إن له أن يبيعه (٣).

стр. 1659

باب ما يستحب من الأضاحي وما يتقى من العيوب فيها ويستحب أن تُستفره الأضحية؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ ولأنها قربة فيستحب أن تكون من أعلى المكاسب لقول الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقياسًا على العتق في قول النبي ﷺ ، وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أَعْلاَهَا ثَمَنًا" (١)، ولقوله: "لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً، إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ" (٢). وقال عروة بن الزبير ﵁ لبنيه: يا بنيّ، لا يهدينّ أحدكم، ولا يضحين بشيء يستحي أن يهديه لكريمه (٣)، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له (٤). وقال ابن (٥) عمر ﵄: فإن لله الصفاء والخيار (٦). وتجتنب العيوب يسيرها وكثيرها، والسلامة أفضل. فإن نزل؛ أجزأ إذا

стр. 1660

كان يسيرًا، ولم يجزئ إن كان كثيرًا، والأصل في ذلك: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فأشار بيده، وقال: "أَرْبَعٌ: الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهًا، والْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمُرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لاَ تُنْقِي" (١). واختُلف إذا كان العيب كثيرًا من سوى هذه الأربع، فالمعروف من المذهب في المدونة (٢) وكتاب محمد وابن حبيب وغيرهما: أنه لا يجزئ؛ قياسًا على الأربع (٣). وقال أبو الحسن ابن القصار وابن الجلاب وغيرهما من البغداديين: إنها تجزئ، وقصروا عدم الإجزاء على ما ورد في الحديث (٤). والأول أحسن؛ لأن المراد اجتناب ما له قدر من العيوب. والعيب على ضربين: عيب يكون بجميع الجسم، كالمرض والعجف، والجرب، والبشم، والهرم والجنون.

стр. 1661

والثاني: ما يكون ببعضها بالعين والأذن والقرن والفم من ذهاب أسنان أو بكم أو نثر، وبالصدع والذنب (١) واليد والرجل. فأما ما يكون بجميع جسدها من المرض والعجف البين- فقد أحكمته السنة. واختلف في معنى: "التي لا تنقى"، فقيل النقى: الشحم، فإن لم يكن بها شحم لم تجزئ (٢)، وهو قول ابن حبيب، وقيل: التي لا مخ فيها؛ فعلى هذا إذا كانت في أول ذهاب شحمها، وهي قوية لم يَقِلَّ مخها تجزئ. ولا تجزئ في الجرب البيّن؛ لأنه يفسد اللحم، ولا البشمة؛ لأنه يفسد لذلك لحمها أيضًا، وهي كالمريضة التي تشرف على الموت، إلا أن يكون خفيفًا. وقال مالك في كتاب محمد (٣): تجزئ الهرمة (٤). قال أصبغ: ما لم يكن هرمًا بينًا (٥). وأما الجنون، فإن كان لازمًا لم يجزئ، ولا يتقرب إلى الله بمثل هذه، وإن كان يعرض المرة ثم يذهب، فذلك خفيف.

стр. 1662

فصل [في العيوب بأجزاء الأضحية وما يعفى عنه] وأما ما يكون ببعضها كالعور، فإن ذهب الانتفاع بتلك العين أو أكثره لم تجزئ. وإن ذهب أيسر ذلك أجزأت، وكذلك إن ذهب الأكثر من كل عين لم تجزئ، فإن كان يسيرًا منهما أجزأت (١). وأما ما يكون في الأذن؛ فالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والسكّاء (٢) والصمعاء التي لا أذنين لها. فالشرقاء: المشقوقة الأذن. والخرقاء: المثقوبة. والمقابلة: ما قطع من أذنها من قبل وجهها. والمدابرة: ما قطع من قبل (٣) قفاها. والسكاء: الصغيرة الأذنين. قال ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء (٤). وقال أهل اللغة: الأصمع: اللاصق الأذنين، وكل منهم فهو متصمع، ومن ذلك اشتقاق الصومعة، وقلب أصمع: ذكي (٥). وكل هذه العيوب تُتَّقى، ولا تمنع الإجزاء عند البغداديين (٦)، وإن كان له قدر أو ذهبت أذناها جملة؛ لأنها خارجة عن الأربعة. وعلى القول الآخر: لا تجزئ إذا ذهبت أذناها أو ذهب منها ما له بال، ويكثر شينها به فما كان دون الثلث فيسير، وما فوق الثلث فكثير.

стр. 1663

واختُلف في الثُّلث، فقال ابن حبيب: هو كثير، كالثلث من الذَنب (١). وقال محمد: النصف كثير من غير أن أحدَّ فيه حدًّا (٢). قال الشيخ:: والشق أيسر في الشين؛ لأن جميعها موجود، وليس ذلك في الشين (٣) كزوال بعضها. وأرى أن يجزئ، وإن بلغ الشق النصف. وقد اختلفت الأحاديث في ذلك، فذكر النسائي عن أبي بردة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أكره النقص يكون في القرن والأذن، فقال النبي ﷺ : "مَا كَرِهْتَهُ فَدَعْهُ، وَلاَ تُحَرِّمْهُ عَلَى غَيْرِكَ" (٤). وعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ (٥) أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعيْنَ وَالأُذُنَ، وَلاَ نُضَحِّيَ بِشَرْقَاءَ وَلاَ خَرْقَاءَ وَلاَ مُقَابَلَةٍ وَلاَ مُدَابَرَةٍ (٦).

стр. 1664

وقد يحمل هذا على ما كثر من ذلك، والأول على ما كان يسيرًا. وأما الفم؛ فإنها لا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان بكسر أو ما أشبه ذلك، قال ابن حبيب: ويجزئ إذا كان من إثغار (١). واختُلف إذا كان لكبر، فقال مالك في كتاب محمد: تجزئ (٢). وقال ابن حبيب: لا تجزئ (٣). والأول أبين. واختُلف في السن الواحدة، فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بها (٤). وقال في المبسوط: لا يضحي بها (٥). ومحمل قوله على الاستحسان؛ لأنه من العيوب الخفيفة، وقال في البكماء: لا تجزئ. والنتن (٦) في الفم مما يُتّقى، وقال ابن فارس (٧): الحمر (٨) بالحاء غير معجمة: داء يصيب الدابة ينتن به فمها.

стр. 1665

وأما القرن؛ فقال محمد: لا بأس أن يضحي بمستأصلة (١) القرنين (٢). وأجاز في المدونة إذا ذهب البعض، وكانت لا تدمي (٣). ولم يراع قدر ما ذهب. وقال ابن حبيب: لا تجوز الأضحية بعضباء، وهي المكسورة الخارج والداخل، وإن لم تدم. وإن ذهب الخارج، والداخل صحيح- أجزأت (٤). ولا أرى أن تجزئ إذا ذهب من ذلك ما يكثر له شينها (٥)، وليست كالجمَّاء (٦)؛ لأن ذلك لا يشينها. وإن ذهب من ذلك ما لا (٧) يشينها، وكانت تدمي (٨) وتبين مرضها لذلك لم تجزئ. وإن كان المرض الخفيف أجزأت. وقال أشهب: إذا كانت تدمي تجزئ (٩). يريد: إذا كان المرض خفيفًا. وفي كتاب محمد: إذا يبس ضرعها فلا خير فيها، وإن يبس بعضه فلا بأس (١٠). وقال مالك (١١) في كتاب محمد: إذا أوجب الأضحية، ثم نزل (١٢) بها عيب

стр. 1666

مما لا يجوز في الضحايا؛ لم تجزئ وذلك جائز في الهدايا (١). ففرق بين السؤالين؛ لأنه مخاطب في الهدايا بأن تقدم الإيجاب فيها بالتقليد والإشعار عند الميقات، فلم يكن مخاطبًا بالسلامة من العيوب إلا حينئذ، والضحايا لا تجب إلا بالذبح فليس ما تطوع به من تقدمة الإيجاب في موضع لم يؤمر به فيه مما يسقط ما خوطب أن يأتي به (٢) عند الذبح. تم كتاب الضحايا (٣)

стр. 1667

كتاب العقيقة النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (م) = نسخة مراكش رقم (١١٢/ ١)

стр. 1668

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كتاب العقيقة (١) باب في العقيقة ومتى يعق (٢) الأصل في العقيقة: حديث أبي بردة، قال: "عَقَّ النَّبيُّ ﷺ عَنِ الحُسَنِ وَالحُسَيْن" (٣)، وقول النَّبيِّ ﷺ : "فِي الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" أخرجه البخاري (٤). وتعتبر في العقيقة سبعة أوجه (٥): فالأول: هل الذكر والأنثى فيها سواءٌ. والثاني: هل هي واجبةٌ أو مستحبةٌ؟

стр. 1669

والثَّالث: هل تختص بالغنم أو من جملة الأنعام؟ والرَّابع: سِنّها. والخامس: سلامتها من العيوب. والسَّادس: الوقت الذي يتَقَرَّبُ فيه (١) بها: مبتدأه ومنتهاه. والسَّابع: ما يصنع بلحمها. فقال مالك (٢) في كتاب محمد: الذَّكر والأنثى في ذلك سواء، شاةٌ عن كلِّ واحد (٣). وهو قول ابن عمر ﵄ (٤). وقالت عائشة ﵂: عن الذَّكر شاتان، وعن الأنثى شاةٌ (٥). وبه قال الشافعيُّ (٦) وأبو حنيفة (٧). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي الْغُلاَمِ شَاتَانِ وَالجُارِيَةِ شَاةٌ"، وفي سنده مقال (٨).

стр. 1670

والقول الأول أصوب؛ لقول النبي ﷺ : "فِي الْغُلاَمِ عَقِيقَة فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا" (١). وهذا أصح سندًا، ولو كان الأمرُ على ما قال: لقال في الغلام عقيقتان، وأهريقوا عنه دمين (٢). وهي مستحبَّةٌ، لا يَأْثم تاركُها، ويستحب أن تكون من الغنم: الضأن والمعز. واختُلِفَ: هل تكون من الإبل والبقر (٣)؟ فأجاز ذلك مالك (٤) في كتاب ابن حبيب (٥). وقال في العتبية: لا تجزئ، قال: والسنَّة أنَّها من الغنم (٦). وهو قول محمد ابن المواز (٧). والأول أحسن؛ لأنَّ كلَّ هذه الأصناف مما يُتقرَّب بها إلى الله ، ومحملُ الحديث بذكر الشاة تخفيفٌ عن أمته.

стр. 1671

وأسنانها أسنان الأضاحي، قال مالك في كتاب ابن حبيب (١): الذي يجزئ من سنها: الجذع من الضأن، والثني من المعز وغيرها (٢). قال في الموطأ: وهي بمنزلة النُّسك والضَّحايا، لا يجوز فيها عرجاء ولا عوراء ولا مكسورة ولا مريضة ولا عجفاء، ولا يُباع من لحمها شيء (٣). وأمَّا الوقت الذي يُتقرَّب بها فيه فيوم سابع المولود، لا تُقَدَّم عنه (٤) ولا تُؤخر عنه؛ لحديث سمرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الْغُلاَمُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ وَيُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ" (٥). فإن ولد قبل الفجر احتسب بذلك اليوم، وذبح يوم السابع ضحى، قال مالك في كتاب محمد: ساعة تذبح الضَّحايا (٦). وقال في المبسوط: فإن ذَبَحَ قبلَ ذلك لم يجزئه، وتُنحر أخرى ضحىً. وقال عبد الملك: إنْ ذَبَحَ بعدَ الفجر أجزأه (٧). وقال ابن القاسم في العتبية: إن عقَّ ليلًا لم يجزئه، وأعاد (٨).

стр. 1672

واختُلِفَ إذا ولد بعد الفجر: فقال مالك: لا يحتسب بعد ذلك اليوم وتحتسب سبعة أيَّام سواه (١). وقال في ثمانية أبي زيد: إن ولد بعد الفجر (٢) في شباب النهار، وذلك من غدوة إلى نصف النَّهار، فقال (٣): أجزأه. ثُمَّ رجع إلى ما في المدونة. وقال عبد الملك بن الماجشون عن أبيه أنه كان يقول: يحتسب بذلك اليوم، وإن ولد في بقيته قلَّ ذلك أو كثر. قال عبد الملك: وبه أقول. قال أصبغ: أحب إليَّ أن يلغي ذلك اليوم، فإن احتسب به، ثم عقَّ إلى مقداره من اليوم السابع إلى مقداره (٤) نهارًا أجزأه (٥). وقول عبد الملك في ذلك أحسن: إنَّه تجزئه (٦) إذا ذبح بعد الفجر؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ الحديث ورد بذبحها في السابع مطلقًا، وهذا قد ذبح في السابع. والثَّاني: أنَّ ردها إلى الهدايا أولى من ردِّها إلى الضحايا؛ لأنَّ الضحايا إنما يتبع فيها صلاة الإمام في اليوم الأول، ولهذا أجزأ ذبحها في اليومين الآخرين إذا طلع الفجر، والاحتساب إذا وُلِدَ بعد الفجر إلى مثل ذلك الوقت وإن كان في آخر النهار حسن؛ لأنَّه داخل في الحديث أنَّه قال: "في السابع" (٧).

стр. 1673

وآخرُ وقتها غروبُ الشمس من اليوم السابع (١)، فإن فات: فذبح في غد، وهو اليوم الثامن فحسن؛ لأنَّه السابع على أحد قولي مالك: أنه يُلغى ذلك اليوم الذي ولد فيه. واختُلِفَ فيمن فاته اليومُ السَّابعُ (٢): فقال مالك: قد فاتته العقيقة (٣). ورَوى عنه ابن وهب أنَّه قال: يعق في الثاني، فإن لم يفعل ففي الثَّالث، فإن فاته فلا يعق بعد (٤). وفي مختصر الوقَار: إن فات في الأول عقّ في الثاني، فإن فاته فلا عقيقة. وقول مالك إن العقيقة تختص بالسابع الأول أولى (٥)؛ للحديث: أنَّه يُعَقُّ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ (٦). ولم يرد حديث بغير ذلك، ولو صح أن يعقَّ في غير الأسبوع الأول لعقّ في الخامس والسابع. وقال مالك في العتبية فيمن كان سابع ابنه (٧) يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاةٌ، قال: يعقّ بها (٨). قال العتبي: إلا أن يكون السَّابع آخر أيام النحر؛ فتكون الأضحيةُ (٩) أَوْلَى (١٠).

стр. 1674

قال الشيخ ﵁: أو يكون ممَّن لا يرجو بالصَّبر إلى آخر أيام النحر أن يتيسَّرَ له ما يُضحِّي به؛ فيذبح هذه عن الأضحية؛ لأنها آكد. ويسمّى المولود (١) إن كان ممَّن يُعق عنه للحديث، فإن كان لا يُعق عنه؛ فلا بأس أن يسمّى يوم ولد، "وَقَدْ أُتِيَ النَّبي ﷺ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِيَ طَلْحَةَ يَوْمَ وُلدَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِّ" (٢). ومن مات قبل السابع؛ لم يعقَّ عنه. واختُلِفَ في حلاق رأس الصبي يومَ السابع والصدقة بوزنه، فقال مالك في الموطأ: "وَزَنَتْ فَاطِمَةُ ﵁ بِنْتُ رَسُولِ الله ﷺ شَعَرَ الحُسَنِ وَالحُسَيْنِ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِوَزْنِ ذَلِكَ فِضَّةً" (٣). وقال مالك في كتاب محمد: وما هو من عمل الناس وما ذلك عليهم (٤)،

стр. 1675

وبالأول أخذ ابن حبيب. قال مالك: ولا يختن يوم السابع (١)، وليختن يوم يطيق ذلك، ولا بأس بكسر عظامِ العقيقة، ويأكل منها، ويتصدَّق بها، ويُطعم الجيرانَ، قال: فأمَّا أن يُدعى إليها الرِّجال (٢)، فإني أكره التقحّم (٣). يريد: أنَّه يبعث إلى الجيران ولا يدعوهم. قال ابن القاسم: ولا يُعْجبني أن يجعلَه صنيعًا يدعو إليه (٤). قال ابن حبيب: وحسن أن يوسع بغير شاة العقيقة؛ لإكثار الطعام، ويدعو النَّاس إليه (٥)، قال: وروي أن ابن عمر ﵁ ونافع بن جبير: كانا يدعوان إلي الولادة (٦). قال مالك: ولا يُمَسُّ الصبيُّ بشيء من دمها (٧)، وإنَّه ليقع في قلبي من شأن العقيقة أنّ النَّصارى واليهود يعملون ما يجعلونهم فيه، يقولون: أدخلْناهم في الدِّين. وإن من شأن المسلمين العقيقةَ (٨). وقال ابن حبيب في قول مالك: يكسر عظامها. لما كانت الجاهلية عليه: يقطعونها من المفاصل، ويحلقون رأس الصبي، ويجعلون على رأسه من دمها في قطنة. قال ابن حبيب: ويجعلون مكان الدم خلوقًا (٩).

стр. 1676

ورُوي ذلك عن النَّبيّ ﷺ (١). قال مالك: ويعقُّ عن اليتيم إذا كانت له سعةٌ (٢). وقال في العتبية: الذبيحُ إسحاقُ ﵇ (٣). وقال ابن حبيب: هو (٤) إسماعيل، وهو قول العراقيين (٥). والله أعلم (٦). تم كتاب العقيقة بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه

стр. 1677

كتاب الأطعمة النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (م) = نسخة مراكش رقم (١١٢/ ١)

стр. 1678

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلي الله علي سيدنا محمد كتاب الأطعمة (١) باب فيما يحل ويحرم من المطاعم قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]. وقال سبحانه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فذكر تحريم الخبائث في هذه الآية جملة من غير تفصيل، وبيَّنها في آيٍ أُخر، فحرَّم الميتةَ، والدمَ، ولحمَ الخنزير، وما أُهل لغير الله به، وما ذُبح على النُّصب، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبع، وذبائح المجوس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقد تضمَّن هذا التحريمُ ثلاثة معانٍ: أحدها: التحريم لعدم الذَّكاة، وهو: الميتة، والمنخنقة، وأخواتهما (٢). والثَّاني: لوصمٍ في الذَّكاة، وهي: ذبائح المجوس، وما أُهلَّ لغير الله به، وما ذُبِحَ على النُّصب. والثَّالث: محرَّم العين لا لعدم الذكاة ولا لوصمٍ فيها، وهو: الدم ولحم الخنزير، ولا خلاف في هذه الجملة.

стр. 1679

واختُلِفَ في كل ذي ناب من السِّباع، وكل ذي مخلب من الطير، وفي لحوم الخيل والبِّغال والحمير، وفي (١) حمر الوحش إذا تأنَّستْ، وفي لحوم الجلاَّلة، والحيَّة، والعقرب، والفأرة، والقرد، وخنزير الماء. فالميتة: ما مات حَتْفَ أنفه (٢)؛ وهي ثلاث (٣): حلال، وحرام، ومختلف فيها. فالأول: ميت كلِّ حيوان بريّ له نفس سائلة، فهو حرام مراد بالآية. والثَّاني: ميت صيد البحر إذا لم يكن له حياةٌ في البر؛ فهو حلال؛ لحديث جابر ﵁، قال: كنَّا في غزاة، فألقى البحرُ لنا دابةً ميتةً. فقال أبو عبيدة: ميتة. ثُمَّ قال: نحن (٤) في سبيل الله، فأكلناه، ثُمَّ ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لحُمِهِ شَيءٌ فَتُطْعِمُونَا مِنْهُ". فَأَرْسَلْنَا إِلَيهِ مِنْهُ فَأَكَلَه. أخرجه البخاري ومسلم (٥)، وقد اختصرتُه من مسلم. وقوله (٦): "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٧).

стр. 1680

الثَّالث: ميت حيوان البرِّ إذا لم تكن له نفس سائلة، وميت حيوان البحر إذا كانت له حياة في البر، فقيل: يؤكل ولا يحتاج إلى ذكاة. وقيل: لا يؤكل إلا بذكاة. فصل [في أحوال المُنْخنقة، والموْقُوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبعُ ؟] المُنْخنقة، والمَوْقُوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبعُ؛ على أربعة أوجه (١): فما مات منها ممَّا نزل به من ذلك حرامٌ، وما لم يمت منه فذكِّيَ، ولو ترك لعاش حلالٌ، وإن لم ترج حياته كان ما حدث به من ذلك في موضع الذَّكاة؛ كفري الأوداج لم يُؤكل (٢). واختُلِفَ إذا لم يكن في موضع الذَّكاة؛ فقيل: يُذكى ويُؤكل. وقيل: لا يُؤكل. وقال مالك في المدونة في المتردِّية من جبل فيندقُّ عنقُها، أو اندقَّ منها ما يعلم أنَّها لا تعيش معه. قال: تُؤكل ما لم يكن نخعها (٣). وفرَّق بين انقطاع النُّخاع (٤) وغيره. ورُوي عن ابن القاسم أنَّها تُؤكل وإن انتشرت الحُشوة (٥).

стр. 1681

واختُلِفَ في معنى قول الله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فقيل: ذكيتم (١) من غير هذه المتقدِّم ذكرُها، وأنَّه استثناء منقطع، وقيل: إلا ما ذكَّيتم من هذه المذكورة. وهو أحسن؛ لأنَّه لا خلاف أن الآية في المنخنقة وأخواتها ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها لم تؤكل وإن ذكيتْ وكانت تُرجى حياتها، وإن لم تكن الآية على عمومها كان حملها على ما مات من ذلك أحسن؛ للحديث الذي في الشاة التي نزل بها الموت فسوبقت بالذكاة، فأجاز النَّبي ﷺ أكلّها (٢). ولا فرق بين أن تكون أشرفتْ على الموت من علةٍ نزلت بها في أحشائها (٣)، أو من هذه (٤) الأشياء. وقد احتجَّ من منع أكلها بأن قال: لو كان المراد بالآية ما مات من هذه الأشياء -الخنق (٥) وغيره- لكان قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] يغني عن ذلك.

стр. 1682

وليس كما قال؛ لأنَّ الميتةَ عند العرب: ما مات حَتْف نفسه، ليس ما مات من هذه الأشياء، ولو لم يبين اللهُ الحكمَ فيما مات من هذه الأشياء (١)؛ لأمكن أن يَقَعَ لهمْ أنَّها حلال وأنَّ الحكم فيها بخلاف موتها حَتْف نفسها، أو يشكل عندهم الحكم في ذلك، فأخبر الله تعالى أن الحكمَ فيها التحريم. فصل [في حرمة أكل الدم] وحرَّم الله تعالى الدم في هذه الآية جملةً من غير تقييد، وقيَّد ذلك في سورة الأنعام، فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فوجب ردُّ المطلق إلى المقيَّد. وقد قال ابن شعبان، قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ناسخ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (٢). وهذا غلط؛ لأنَّ سورة الأنعام مكيةٌ والمائدةُ مدنيةٌ، ولا خلاف أنَّه لا تُنسخ آيةٌ مدنية بآية مكية. واختَلَفَ قولُ مالك في غير المسفوح، فقال مرَّةً: الدم كلُّه نجسٌ؛ دم بني آدم، والبهائم، وما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، ودم الحوت، والبراغيث (٣). قال في سماع أشهب (٤): الدم كله نجس، دم الحوت ودم الشاة. وإذا كان عنده نجسًا فهو حرام. وقال (٥) أيضًا: لا تُعاد الصَّلاة من الدم اليسير (٦). قال الله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا

стр. 1683

﴿مَسْفُوحًا﴾. قال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح، قال: وقد جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: لولا أنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق كما اتبعته اليهود. وقد تُطبخ البُرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم الدم، فلا يكون على النَّاس غسله (١). قال: ولو كان قليله ككثيره؛ لكان كبعض النَّجاسات (٢) تقع في الطعام فلا تُؤكل. قال الشيخ: الدِّماء على وجوه: فدمُ كلِّ حيوان لا يؤكل لحمه حرام، قليله وكثيره، وليس بأعلى رتبة من دمه. ودم كل حيوان يؤكل لحمه له نفس سائلة قبل الذكاة حرامٌ، قليله وكثيره، وليس بأعلى رتبة من لحمه قبل الذكاة، ولأنَّه داخل في المسفوح قبلَ الذَّكاة (٣) وهو أول المسفوح؛ لأنه جملة الدم في الجسم، وإذا زاد الجرح زاد السفح، فإن ذُكِّي حرم المسفوح وحده، وهو الذي يخرج عند الذبح، فإن استعملت الشاة قبل أن تقتطع، وقبل أن يظهر منها الدم، كالتي تشوى؛ جاز أكلها، ولا خلاف في ذلك. واختُلِفَ إذا قُطعت وظهر الدم، فقال مرَّةً: حرام. وحمل الإباحة فيه ما لم يظهر؛ لأنَّ اتباعه من العروق حرجٌ. وقال مرَّةً: حلال لقول الله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فلو

стр. 1684

قطع اللحم على هذا بعد إزالة المسفوح يريد: فخرج منه دم لا يحرم، وجاز أكله بانفراده. ودم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت، فاختُلِفَ فيه: فقال الشيخ أبو الحسن: ليس بنجس. وحمل قول مالك في المدونة في غسله على الاستحسان (١)، فعلى هذا يكون حلالًا. والقول الأول أحسن؛ لأنَّ الحوت كالمذكَّى من حيوان البرِّ، فلمَّا كان الدم حرامًا مع وجود الذكاة كان حرامًا من الحوت؛ لعموم قوله: ﴿وَالدَّمُ﴾؛ لأن الدمَ حرام لا لعلةٍ. فإن كان ذلك الدم سائلًا جاريًا، كالذي يكون في بعض الحوت؛ كان كالمسفوح من حيوان البر، وإن كان غير سائلٍ ولا جارٍ جرى على الخلاف في مثله من البري (٢). ويختلف فيما كان ليس له نفس سائلة: فعلى القول إنه يحتاج إلى ذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر بعد الذكاة. وعلى القول إنَّه لا يحتاج إلى ذكاةٍ، يكون ما كان منه في حال الحياة أو بعدها سواء؛ يختلف فيه إذا ظهر وبان من الجسم.

стр. 1685

فصل [في لحم الخنزير وشحمه] ولحمُ الخنزير وشحمُهُ (١) حرامٌ، وورد النصُّ بذكر اللحم؛ لأنه الغالب والأكثر، والمراد تحريم المعتاد بالأكل من الحيوان، وهو الشحم (٢) واللحم. وحكم الجلدِ حكم اللحمِ؛ لأنه لحم، وقد تؤكل الشاة سميطًا (٣)، فيكون ذلك مما يُستطاب منها، وإنما تعاف النفسُ الجلدَ إذا بان من اللحم، ولا يباع، ولا بأس بالانتفاع به بعد دباغهِ؛ قياسًا على جلد الميتة إذا دبغ؛ لأن كليهما حرامٌ. وقد أبان النَّبي ﷺ في الميتة أن التحريم ليس في جميع وجوهها، وأن ذلك في الأكل والبيع، وأباح الاستخدام (٤). وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لا ينتفع به بعد الدِّباغ بخلاف جلد الميتة (٥). يريد: لأنَّ النص ورد في جلد الميتة ولم يرد في جلد الخنزير. واختلف في الانتفاع بشعره، فأجازه مالك في المبسوط للخرازة (٦).
следующие страницы →