وإن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقرا، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف.
وقال المغيرة في "المبسوط": إن زنى جلد مائة. ورأى (١) أن زناه زنًى إلا أنه غير محصن. واحتج إسماعيل بقول مالك.
فصل [ارتداد أحد الزوجين]
ارتداد أحد الزوجين يوجب الفراق، فإن ارتد الزوج لم يصح أن تكون مسلمة تحت كافر، وكذلك إن ارتدت الزوجة إلى (٢) المجوسية؛ لأن المجوسية لا تكون زوجة لمسلم، ويختلف إذا ارتدت إلى النصرانية، أو ارتد الزوج وتحته نصرانية، فقيل: يقع الفراق في الموضعين جميعًا.
وقال مالك في "المدونة": إذا ارتد وقعت الفرقة بينه وبين زوجاته إذا كن مسلمات (٣).
وقال على بن زياد وابن أشرس عن مالك (٤): إذا ارتدت المرأة إلى المجوسية وزوجها مسلم وقعت الفرقة بينهما. فخص مالك الفرقة بارتداده (٥) إذا كان الزوجات مسلماتٍ، وخص الآخران ارتدادهم إلى المجوسية.
وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب": إن ارتد (٦) وزوجاته (٧) نصرانيات أو
стр. 2207
يهوديات فلا يحال بينه وبينهن، ولا يحرمن عليه إن عاود الإسلام؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال في الرجال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١) فأجرى حكم الارتداد، وحكم (٢) ما كان يصح أو يفسد في أصل العقد على الدِّين الذي ارتد إليه، فتقع الفرقة في الموضع الذي لا يجوز أن يبتدئ عقد النكاح عليه، ولا تقع في الموضع الذي يجوز أن يبتدئه.
فإذا ارتد وتحته نصرانية، أو ارتدت هي إلي النصرانية أو إلي اليهودية (٣) لم يفرق بينهما لما كان جائزًا أن يعقد النكاح (٤)، وهما على ذلك الدين.
وقد احتج من نصر القول الأول بقوله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، قال: وهذا عمل، وليس بصحيح، والمراد بالآية الأعمال التي كانت لله سبحانه، وهذه تباعات بين آدمين، ولا خلاف أن الردة لا توجب نقض ما تقدم من تباعات الآدمين (٥).
وإن كانت الزوجة نصرانية، فارتدت إلى اليهودية، لم يفرق بينهما، وليس علينا أن نردها من كفر إلى كفر آخر، وإذا ارتدت إلى المجوسية وقعت الفرقة.
واختلف إذا ارتدا جميعًا الزوج والزوجة في مرة واحدة، فقال الشافعي: تقع الفرقة (٦). وقال أبو حنيفة: الزوجية باقية (٧).
стр. 2208
فصل [فيما يحكم به في ارتداد أحد الزوجين]
وقال مالك: ارتداد أحد الزوجين طلقة بائنة (١). وقال في "المبسوط": فسخ. وقيل: طلقة رجعية.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إن تاب وأدرك زوجته في عدتها كان أحق بها بالطلاق كله، كالمشرك تسلم زوجته, ثم يسلم في عدتها، فإن انقضت عدة هذه وهذه، كان إسلام هذه تطليقة، وارتداد هذه تطليقة (٢).
والقول إنه فسخ أحسن، فإن أسلمت لم يقع على الزوج طلاق؛ لأنه كافر، وإن أسلم لم يقع عليه طلاق؛ لأنه لم يطلق، وإنما فعلت فعلًا أوجب الفراق كملكها إياه أو إرضاعها زوجة له صغيرة.
وقال ابن القاسم في المرتد يراجع الإسلام، وقد كان ضيع من فرائضه قبل ارتداده أو كانت عليه نذور فلا شيء عليه، وإن كان حج حجة الإسلام استأنفها، قال: لقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، قال: ولا يؤخذ بما كان عليه قبل الارتداد، إلا بما لو كان فعله وهو كافر (٣) لأخذ به، كالسرقة والحرابة، وحقوق الناس: القذف، والقصاص، وغيرها.
وإن زنى بعد (٤) أن راجع الإسلام، وكان أحصن قَبْلُ، لم يرجم. وقال غيره: فإن راجع الإسلام كان بمنزلة من لم يرتد له (٥).
стр. 2209
وعليه فإن كان ضيع فرضًا قضاه، ولا يقضي حجة الإسلام إذا كان قد حج، واحتج بقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وهو أصوب؛ لأنها آية مقيدة تقضي على المطلقة، ولقوله الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فإذا غفر له هذا الكفر الذي طرأ بعد الإسلام سقط حكم ذلك الكفر، وبقي على أحكام الإسلام فيما كان قبل.
تم كتاب النكاح الثالث
стр. 2210
كتاب الرضاع
النسخ المقابل عليها
١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤)
٢ - (ح) = نسخة الحسينة رقم (١٢٩٢٩)
٣ - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (١٠٨٢)
٤ - (ش ١) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)
стр. 2211
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
كتاب الرضاع
باب [أحكام الرضاع وما يحرم به وما لا يحرم]
الأَصلُ في وقوع الحرمة (١) بالرضاع قول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وأبان النَّبي ﷺ أنَّ الابنة من الرَّضاعة، والعمَّةَ، والخالةَ، وبنتَ الأخ، وبنتَ الأخت (٢) محرمات بقوله (٣) ﷺ : "إنَّ الرَّضاعة تحرِّم ما تحرم الولادة (٤) " (٥).
والمعتبرُ في الرَّضاعة ثمانيةُ أوجه (٦):
أحدها: قدر الرضاع، وهل تحرم المصَّة؟
стр. 2212
والثَّاني: هل يقع التحريمُ بما وصل (١) من اللبن من غير الفمِّ؛ كالسعوط، وما وصل من العين والأذن، وبالاحتقان (٢)؟
والثَّالث: هل تقع الحرمة باللبن إذا كان فاسدًا لا يُغذي مثله (٣)، أو خُلِطَ بطعامٍ أو بماءٍ أو بدواء؟
والرَّابع: معرفةُ الصبيِّ المرضَع من الصغر وغيره.
والخامس: هل يكون زوج المرأة أبًا؟.
والسَّادس: معرفةُ سن المرأة (٤) التي ترضع، وهل تقع الحرمة برضاع الصغيرة أو برضاع الرجل؟
والسَّابع: معرفة من يحرم بالرضاع.
والثَّامن: من يُجتنب من المُرْضِعات.
فأما القدر الذي يحرم به (٥) من الرَّضاع فاختلف فيه على أربعة أقوال:
فقيل: المصَّة الواحدة تحرم. وقيل: ثلاث (٦) رضعات. وقيل: خمس. وقيل: عشر. وقال مالك: تحرم المصَّة الواحدة (٧). قال أبو الحسن ابن القصار: الاعتبار منه دخوله (٨) في البطن.
стр. 2213
يريد: لعموم قول الله : ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولم يخص فوجب تعليق الحكم بما يقع عليه اسم الرضاع إلى أن يأتي ما يخص ذلك من سُنَّةٍ أو إجماعٍ أو دليلٍ، وهو قول عمر، وابن عباس، وطاوس والحسن، وابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، والزهري، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. وقال ابن مسعود وابن الزبير وأبو عبيدة، وأبو ثور: لا يحرم إلا ثلاث (١) رضعات. ورُوي ذلك عن سليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق (٢).
والأصلُ في ذلك حديث عائشة ﵂ قالت، قال رسول ﷺ : "لا تُحرِّم المصَّة والمصَّتان" (٣).
وحديث أم الفضل قالت، قال رسول الله ﷺ لا تحرم المصة أو المصتان (٤) والرَّضْعة والرَّضْعتان" (٥).
وفي حديث آخر قالت، قال رسول الله ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الإِمْلاَجَةُ وَالإِمْلاَجَتَانِ" (٦). وقد أخرج هذه الأحاديث مسلمٌ في صحيحه. وعلَّقوا الحكم بأقلّ الزيادة وهي رضعة فتكون ثلاثًا.
стр. 2214
وقال الشافعيُّ: لا تحرم إلا خمسُ رضعاتٍ (١).
واختلف في معنى الخمس، والأصلُ في الخمس حديثُ سهلة في سالم قال لها النبي ﷺ : "أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ" (٢).
وحديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيمَا نَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ" (٣). فذهبت عائشة وحفصة ﵄ إلى عشر رضعات.
وقال مالك في الموطأ: أرسلت عائشةُ سالمًا إلى أختها أمّ كلثوم بنت أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليَّ. قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت فلم ترضعني غيرها، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أنَّها لم تتم لي عشر رضعات (٤).
وعن حفصة: أنَّها أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعيد إلى أختها فاطمة بنت عمر لترضعه عشر رضعات وهو حينئذ صغير يرضع، فكان يدخل عليها (٥).
ومذهب عائشة أن يلتقم الثدي عشر مرات؛ لأنَّها إنما أرادت أن العشر لم تتمَّ بذلك. وأما ما يتجرعه فتحصل العشر في أول رضعة.
стр. 2215
فصل [فيما تقع به الحرمة من اللبن]
الحرمة تقع بما يصل إلى الحلق من اللَّبن، وسواء كان ذلك برضاع من المولود، أو صبٍّ في حلقه من غير رضاع. قال مالك: والوجور يحرم (١).
قال الشيخ ﵀: (٢) وهو ما صُبَّ من تحت اللِّسان. واللَّدود: ما صُبَّ من جانب الشِّدق. ولديدا الوادي: جانباه. وقد قيل في الوَجُوْرِ واللَّدود غير هذا، وليس بحسن (٣)، والأول أصح.
ويُختلف في أربعٍ: في السَّعُوط، وما يصل من العين مع الكحل، أو من الأذن، وفي الحقنة.
فقال ابن القاسم في المدونة في السَّعُوط: إن وصل إلى جوف الصَّبيِّ حرم (٤).
وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": في السَّعُوط (٥) يحرم (٦). وقال عطاء بن أبي رباح: لا يحرم.
وقول مالك أحسن؛ لأنَّه منفذ متسع يصل منه قدر المصَّة، فلا يمنع التَّحريم (٧) إلا على القول بالثَّلاث رضعاتٍ أو بالخمس.
стр. 2216
ومحمل قول ابن القاسم: إن كان وصل إلى الجوف (١)، ليس ببين؛ لأنه ليس بكبير فيخبر عن نفسه، إلا أن (٢) يريد أن وصوله مشكوكٌ فيه، فقوله ذلك عبارة عن الوقوف، كأنَّه يقول: إنما تقع الحرمة إذا وصل إلى الجوف (٣)، ولا يدري هل وصل؛ لأنَّه ليس بكبير فيخبر بوصوله.
وقال ابن حبيب في الكحل ينماع (٤) باللبن: إن كان بعقاقير تصل إلى الجوف، مثل الصبر المر (٥) والعَنْزَرُوت (٦) يُحَرِّم (٧)(٨)، وهذا ضعيف؛ لأنَّ اللبنَ مستهلكٌ في الدَّواء.
وقد اختلف عن مالك (٩) في وقوع الحرمة بمثل ذلك وإن كثر وصبَّ في الحلق (١٠)، فكيف بما وصل من العين.
وقد اختلف عن مالك في وقوع الفطر بجملة ما وصل من العين، فوقوع الحرمة بالجزء الذي فيه من اللبن أبعدُ، وعلى هذا يجري الجواب فيما وصل من الأذن.
стр. 2217
وقال ابن القاسم في الحقنة (١): تحرِّم إذا كانت تكون له غذاء. قال محمد: إذا كان لو لم يكن يطعم ويسقى (٢) إلا بالحقن لعاش به، وإلا لم يحرم. وقال ابن حبيب: يحرم لأنه يصل (٣) إلى الجوف (٤).
ولا أرى أن يحرِّم؛ لأنه لا يُغذِّي (٥) الجسم ولا يتصرف في العروق إلَّا ما وصل من المِعَا الأعلى.
فصل [فيما إذا فسد اللبن في الثدي]
وإذا فسد اللبنُ في الثدي (٦) وخرج عن منفعة اللبن، لم يحرِّم؛ لأنه لا يغذي ولا ينفع منفعة اللبن (٧).
وقال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: إذا حلب من ثدي المرأة ماء أصفر لم يحرِّم، ولا يحرِّم من اللبن (٨) إلا ما يكون غذاءً، وُيغني عن الطعام (٩).
واختلف إذا خلط اللبنُ بطعامٍ أو بدواءٍ، فقال ابن القاسم: لا يحرِّم إلا ما
стр. 2218
كان اللبن غالبًا، وهو أحسن (١). وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": يحرِّم وإن لم يكن غالبًا (٢).
وهو أحسن إذا خلط بطعام؛ لأن منفعته موجودة (٣) وليس منفعة الطعام بانفراده كمنفعته مخلوطًا بلبن، وهو في الدواء أشكل، فقد يخلط بدواء مبرح (٤) أو بما يبطل منفعته وينقله عن كونه غذاء، وإن خُلط بما لا يبطل كونه غذاءً، حَرَّم.
والحُرمة تقع باللبن النَّجسِ كالطَّاهر؛ لأنَّ نجاستَه لا تخرجه عن كونه مغذِّيًا. وإن ارتضع صبيٌّ امرأةً ميتةً، كانت له أمًّا، إذا علم أن في ثديها لبنًا، وإن كان قد نجس بموتها.
فصل [في السن التي يحرم فيها الرضاع]
الرَّضاع يحرِّم إذا كان المرضَع في الحولين، لقول الله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
واختلف في موضعين:
أحدُهما: فيما زاد على الحولين إلى ثلاثة أشهر.
والثَّاني: إذا فُطِمَ قبل الحولين وانتقل عيشه إلى الطَّعام ثُمَّ يرضع.
فأمَّا الزيادة فاختلف فيها على أربعة أقوال:
فقال مالك في "المختصر": إن كانت الزيادة الأيام اليسيرة، حرم (٥).
стр. 2219
وقال في "الحاوي" مثل نقصان الشهور. وإليه ذهب (١) سحنون (٢).
وقال أبو الحسن ابن القصار: يحرم بمثل زيادة (٣) الشهر. قال: وليس بالقياس، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. يريد أنَّ القياس ألَّا يزاد على الحولين (٤).
وروى عنه عبد الملك أنَّه قال (٥): لا يزاد على الشهر ونحوه (٦).
وقال في "المدونة": الشهر والشهرين (٧). وروى عنه الوليد بن مسلم في "مختصر ما ليس في المختصر": أنَّه يحرِّم إلى ثلاثة أشهر. وهو أحسن.
ومحمل الآية في السنتين أنَّها كافية للمرضع، وليس أنَّه لا منفعة له فيما زاد، ولقول النبي ﷺ : "لاَ يحرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِى الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ" وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي (٨).
فعلَّق التحريم بما كان قبل الفطام، وقبل أن ينتقل غذاؤه عن اللبن (٩)، وهذا لم يفطم، واللبنُ قوامُ جسمه يشبع لوجوده ويجوع لعدمه، وهذا إذا كان
стр. 2220
مقصورًا على الرَّضاع، أو يأكل مع ذلك ما يضرُّ به الاقتصارُ عليه دون الرضاع.
وقال ابن القاسم: إن فُطِمَ ثُم أرضعته امرأةٌ بعد فصاله بيوم أو يومين أو ما أشبه ذلك، حرم. قال: لأنَّه لو أُعيد إلى اللبن لكان له قوةً في غذائه، وعيشةً (١) له (٢).
واختلف إذا فطم بعد السنة و (٣) انتقل عيشُه إلى الطَّعام ثم أرضعتْه امرأةٌ بعد ذلك (٤) قبل تمام الحولين؛ فقال ابن القاسم: لا يحرم. وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ في "كتاب ابن حبيب": يحرم إلى تمام الحولين (٥).
وأرى إن كان الرضاع مصَّة ومصَّتين ألا يحرِّم، وإن أعيد إلى الرَّضاع وأسقط الطعام حَرَّم.
стр. 2221
فصل [في رضاع الكبير]
ولا يحرِّم رضاع الكبير؛ لقوله ﷺ : "لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ، وَكَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ" (١). وحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسولُ الله ﷺ وعندي رجل فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّما الرَّضَاعَةُ مِنْ المَجَاعَةِ". أخرجه البخاري ومسلم (٢).
يريد: أن اللبن (٣) الذي يحرم ما كان في وقت ينتفع به الجسم، ولا يعترض ذلك (٤) بحديث سالم؛ لأنه نازلة في عين، والحديثان الآخران في جميع المواضع، ولقول أزواج النَّبي ﷺ : مَا نَرَى ذَلِكَ إِلا رُخْصَةً لِسَالِمٍ وَحْدَهُ (٥).
ولم يأخذن به في غيره وهن باشرن النازلة (٦) فرأين أنها مقصورة عليه (٧) وممن قال لا رضاعَ لكبيرٍ، عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وأم سلمة، وفقهاء الأمصار (٨)(٩)، مالك، والشافعي، وأبو حنيفة (١٠).
стр. 2222
فصل [في رضاع الصبي من الصبية الصغيرة]
وإن ارتضع صبيٌ صبيةً صغيرةً كانت أمًّا، هذا الظَّاهر من المذهب: ألا يُراعى سنّ المُرضِعة صغيرةً كانت أو كبيرةً (١).
وقال ابن الجلاب: إن كانت صغيرةً مثلُها لا توطأ (٢) لم تقع به حرمة (٣). والأوَّلُ أبينُ؛ لأنَّه لبن من آدميّة غُذي به صغير وانتفع به، وقياسًا على الآيسة (٤)، ولعموم الآية.
واختلف في رضاع الرَّجل، فقال مالك: لا يحرم لقوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. قال: ولا أرى هذا أمًّا (٥).
وقال ابن شعبان: روى أهل البصرة عن مالك والشافعي: أنهما كرها نكاحها.
وقال أبو الحسن ابن اللباد (٦) صاحب "الفرائض": تقع به الحُرمة، وإليه ذهب بعض شيوخنا. وهو أبين؛ لأنَّه إذا كانت الحرمةُ بما يكون من اللبن عن وطئه كانت الحرمة بمباشرة لبنه للولد أولى، وقول الله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾؛ لأنَّه الغالب، والشأنُ في نزول القرآن على ما يكون غالبًا، فإن جاء ما يكون نادرًا من جنسه وكان في القياس مثله ألحق به.
стр. 2223
وقد يحمل قول مالك في الكراهية على التحريم؛ لأن كثيرًا ما يعبر بذلك عن ما يحرم.
فصل [في زوج الظئر هل يصير أبا بالرضاع]
واختلف في زوج الظئر هل يكون أبا للمرضع (١). فقال مالك: يكون أبًا (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ (٣) يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحجَابُ، فَأَبيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، وَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَم يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ". اجَتمع (٤) عليه البخاري ومسلم و"الموطأ" (٥).
والعمُّ من الرَّضاعة على ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن يكون الأبُ من النَّسب له أخ من الرضاعة.
والثَّاني: أن يكون الأبُ من الرَّضاعة له (٦) أخ من النسب.
والثالث: أن يكون الأب من الرضاعة وله أخ من الرضاعة (١)، والذي في
стр. 2224
حديث عائشة ﵂ أنَّ الأب من الرَّضاعة (٢)، ولم يكن أفلح أخًا لأبي بكر.
وقال مالك في "المبسوط": نزل ذلك برجال من أهل المدينة فاختلف النَّاس عليهم، فأما محمد بن المنكدر، وابن أبي خيثمة، ففارقوا نساءهم. قال: وقد اختلف الناس في ذلك قديمًا، فأقام ناس على الرضاعة أنها لا تحرم من قبل الأب. وبالتَّحريم قال عليّ، وابن عباس، وطاووس، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وخالف في ذلك ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة.
وقال مالك (٣) في "الموطأ": كانت عائشة يدخل عليها من أرضعته أخواتها، وبنات أخواتها (٤)، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها (٥)(٦).
فصل [في لبن الفحل]
اللبنُ يكون للفحل بوجهين:
أحدُهما أن يكون ماؤه سببًا لوجود اللبن.
والثَّاني: أن يكون سببًا لكثرته، وإن كان موجودًا قبل وطئه.
ويصحُّ وقوع الحرمة بوجه ثالثٍ، وهو مباشرة مائه للولد وهو في البطن
стр. 2225
من غير واسطة؛ لأنَّ ماءه حينئذ ينعشه (١) ويجري فيه.
فالأول: أن يتزوَّج امرأةً ولا لبن لها فأصابها فدرت لذلك، أو تحمل فتلد فترضع بذلك اللبن، فإن الزوج بذلك أب؛ لأنَّه سبب (٢) وجود ذلك (٣) اللبن وعن مائه كان، فإن تزوج امرأةً ذات لبنٍ ولم يتقدم لها زوجٌ فأصابها وأنزل، كان به (٤) أبًا؛ لأنَّه بالإنزال شارك (٥) في اللبن؛ لأنَّ ماءه يكثره، فإن كانت ذات لبن من زوج كان قبله فأصابها الثاني، كان المُرضَع ابنًا لهما، فالأول (٦) لأنه سبب وجوده، والثاني لأنه سبب كثرته.
واختلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال (٧)، فقال مالك في "المدونة": هو ابن لهما وإن حملت من الثاني (٨).
وقال في "كتاب محمد": هو ابن لهما (٩) وإن ولدت من الثاني.
وفي "مختصر الوقار": بالولادة ينقطع حكم الأول. وفي كتاب ابن شعبان عن ابن وهب: أنه بوطء الثاني ينقطع حكم الأول.
وأرى إن كان الأول سببًا لوجود اللبن ألا يسقط حكمه وإن ولدتْ من
стр. 2226
الثَّاني وطالت المدة بعد الولادة، إلا أن ينقطع اللبن ثم يعود، فيعود الحكم فيه للثاني إن عاود الإصابة، وإن كان اللبن موجودًا قبل الأول، وإنما تعلق حكمه من الأول؛ لأنه كثَّره، فإنه إذا طال عهده مما يرى أنه عاد (١) إلى ما كان عليه قبل وطء الأول، سقط حكم الأول.
وإن أصاب رجل زوجته وهي ذات لبن من غيره قبل إصابته (٢)، ثم أمسك عنها أو غاب فطالت غيبته، أو مات وعاد اللبن إلى ما كان عليه قبل، سقط حكم الوطء.
وإن تزوج (٣) امرأة وحملت وولدت، ثم طلقت فتزوجها ثان وأصابها، ثم طلقها وتزوجها ثالث واللبن الكائن عن ولادة الأول قائم وطالت المدة عن إصابة الأوسط، سقط حكم الأوسط وبقي حكم الأول والثالث؛ لأن الأوسط إنما كان له (٤) في التكثير خاصةً والطول يسقط حكمه والأول سببُ وجوده فلا يسقط إلا بانقطاعه.
стр. 2227
فصل (١) [في أن الحرمة تقع بلبن الواطئ إذا أنزل]
والحرمة تقع باللبن من الواطئ إذا أنزل، وبه يكون أبًا، فإن لم ينزل لم يحرِّم، لقول النبي ﷺ : "لا تَسْقِ مَاءَكَ (٢) زَرْعَ غيْرِكَ" (٣). فنصَّ على الماء. ولقوله: الماء يغيل اللبن (٤).
فجعلوا الموجب لكثرته الماء، وهو الموجب للشرك في اللبن، وللإجماع على أنَّه إن لاعب أو قبَّل أو باشر فدرت لذلك، لم يكن به أبًا وإن كان هو السبب لوجوده.
فصل [في أن اللبن يكون للفحل]
اللبن يكون (٥) للفحل إذا كان الوطء حلالًا، والحرام على ثلاثة أوجه: حرامٌ يلحق فيه النَّسب، وحرامٌ لا يلحق فيه النسب (٦) ويحد الواطئ، وحرامٌ لا يلحق به مع ارتفاع الحد.
стр. 2228
فإن كان حراما يلحق فيه النَّسب، وقعتْ به الحُرمة، كالذي يتزوج خامسةً جاهلًا، أو أخته من الرَّضاعة، أو ما أشبه ذلك، وكذلك إذا كان عالمًا بتحريمه على القول الأخير فيه.
واختلف في وقوع الحُرمة إذا كان حرامًا لا يلحق فيه النَّسب، فقال ابن حبيب: تقع به الحرمة وإن كان بزنا، أو غصب، أو نكاح يلحق فيه الولد، أو لا يلحق. وهو قول مالك الذي ثبت عليه. وقد كان قال: إن كل وطء (١) لا يلحق فيه الولد (٢)، فالرَّضاع تبعٌ للولد ولا تقع به حرمة (٣). وسوَّى بين ما يكون فيه الحدّ على الواطئ وغيره، فأوقع به الحُرمة مرةً، ومرةً لم (٤) يوقع به حرمة.
وقال محمد: وكل ولد يلحق بأحد الزوجين، إلا أن المقضي (٥) له به لو انتفى منه (٦) بلعان للحق بالآخرة كان لبنها ذلك يحرم من قبل الذي لم يلحق به ويكون من شرب أو رضع من (٧) لبنها ابنًا للزوجين (٨) جميعًا، وكأنه فرق بينه وبين الزنا.
واختلف في أربع مسائل كلها يُدرأ فيها الحدُّ ولا يلحق النسب:
стр. 2229
أحدُها: إذا أصاب ماؤه الولد وهو في البطن، مثل أن يطأ أمته وهي حامل من غيره، فقال مالك وابن القاسم وسحنون: تقع به الحرمةُ من الواطئ في ذلك الحمل (١).
وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": فيمن وطئ أمته وهي حامل من غيره (٢)، يعتق ذلك الولد على الواطئ من غير حكم، وإن كانت جاريةً لم يحل (٣) له وطؤها (٤). وروي (٥) عن الليث وغيره أنها تُعتق بحكم (٦). فاتفقوا في وقوع الحرمة واختلفوا في العتق؛ فرأى مالكٌ أنَّه لما كان خلق الولد من غيره كان منزلة الثاني منزلة الرضاع يحرم (٧) ولا يعتق (٨). ورأى الليث أن انتعاش (٩) الولد لما كان في موضع يتم خلقه كالشرك في تمام الخلق (١٠).
وقال سحنون في "السليمانية": إذا ولدت تلك الأمة جارية فوهبها السيد لولده (١١) لم تحل لولده؛ لأنَّ وطء الأب سقى الولد فأوقع الحرمة ولم يوجب به عتقًا؛ لأنَّه أجاز هبتها، فهي في الحرمة ابنة له وأخت لابنه.
стр. 2230
والثَّاني: إن تزوج امرأة وأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ففرق بينها وبين الثاني فأرضعت صبيًا، فقال مالك في كتاب محمد: يكون ابنًا لهما (١).
قال ابن القاسم: وإن لم يكن لها لبن متحرك (٢)؛ لأن الوطء يخرجه (٣) وينزل الدر (٤).
يريد: إذا كان اللبنُ قريبًا من الوطء، فإن بعد ما بينهما وصار لها لبن على العادة التي تكون من الحامل عند الوضع، ضعف أمر الثاني؛ لأنه ليس سببًا له (٥) ولا له فيه شرك.
والثالث: الأمة يصيبها الرجلان فتأتي بولد لتلحقه القافة بأحدهما، فإنه تقع الحرمة بينه وبين الذي لم يلحق به، وهو قول محمد (٦).
والرابع: إذا تزوج امرأة في العدة وأصابها قبل حيضة، أو اشترى أمة فأصابها قبل الاستبراء فصار لها لبن، فإن الحرمة تقع به من الوطء الثاني.
وقال ابن شعبان في هاتين: لا حكم للثاني. ومحله الأول، قال: وكذلك الأمة يغشاها اثنان في طهر واحد (٧) وتحمل فتلحقه القافة بأحدهما وتسقط (٨) أبوة الآخر.
стр. 2231
وكذلك جعل الجواب إذا وطئ حاملًا من غيره. قال: وإن كان قد غدا في سمعه وبصره، فلا ينظر إلى ما (١) أحيا ما له (٢) أصل ثابت.
وكل (٣) هذا بخلاف ما تقدم لمحمد وغيره، وهو أحد قولي مالك في "كتاب ابن حبيب"، والأول أصوب، لقول النبي ﷺ : "لا تَسْقِ مَاءَكَ (٤) زَرْعَ غَيْرِكَ" (٥). ولحديث أبي الدرداء، قال: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ الفُسْطَاطِ -يريد من السبي- فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنةً تَدْخُلُ مَعَهُ (٦) فِي قَبْرِهِ، كيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ، وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ". أخرجه مسلم (٧).
فرأى النبي ﷺ أنه لو وطأ لصار له به (٨) شركٌ يمنعه أن يستخدمه أو يورث عنه. وفيه دليل لمن قال: يعتق عليه، ولو كان بمنزلة الرضاع، لجاز له ملكه واستخدامه وورث عنه.
وأما الزنا، ففرق محمد بين الولد الذي تلده (٩) عن ذلك الزنا وبين اللبن، فأوقع الحرمة بينه وبين الولد إن ولدت صبيا (١٠). قال: وإن أرضعت بذلك
стр. 2232
اللبن صبية، ثم تزوجها الذي زنا بالتي أرضعتها لم أحكم بفراقها، وإن كنت أحب أن يجتنبها (١).
فصل [فيمن يحرم بلبن الفحل]
وإذا كان اللبن للفحل فإنَّه يحرم عليه من ارتضع ذلك اللبن؛ لأنَّها ابنته، وبناتها (٢) وبنات بناتها وبنات بنيها؛ لأنهنَّ ولد ولد، وَتحرِّمُ تلك الصَّبيةُ (٣) على ابنها بنات ذلك الفحل؛ لأنهن أخواته، وأمهاته لأنهن جداته، وأخواته لأنهن عماته، وزوجاته لأنهن زوجات أب.
وإذا كان لرجل امرأتان فأرضعت إحداهما صبيًا والأخرى صبية، لم يتناكحا لأنهما أخوان لأب. وامرأة الابن من الرضاع حرام.
وقال محمد في صغير في الحولين يرضَع زوجة (٤) أبيه أو وصيه -امرأة بالغة- ثُم فرق بينهما فتزوجت رجلًا وولدت منه (٥)، ثُم أرضعت بذلك اللبن الزوج الذي فرقت منه، فإنَّها تحرم على الزوج الثَّاني؛ لأنها من حلائل الأبناء (٦).
ولو زوج السيد عبدًا صغيرًا يرضع في الحولين أمة كبيرة، ثُم وطئها السيد فحملت فولدت فأرضعت بلبنها ذلك زوجها في الحولين قبل فطامه، حرمت
стр. 2233
على زوجها؛ لأنَّه صار ولدًا لها، وعلى سيدها لأنها حليلة ولده، وتعتق عليه لأنها أم ولد حرم وطؤها.
قال: وكذلك لو لم يصبها السيد وأعتقها واختارت نفسها وتزوجت غيره فحملت وأرضعت بذلك اللبن الصغير الذي كان زوجها (١)، لحرمت على الثَّاني لأنَّها من حلائل الأبناء.
وقال ابن القاسم في ذات زوج أرضعت صبيًا بلبنه ولها ولد منه وولد (٢) من غيره، ولزوجها ولد من غيرها: إنَّ الصبي الأجنبي يحرم عليه ولدها من هذا الزوج ومن غيره، ويحرم عليه بنات زوجها هذا منها ومن غيرها؛ لأنه أب له (٣).
فصل [في أن الرضاع يحرم ما يحرمه النسب]
قال الله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية (٤) [النساء: ٢٣]. وكل من ارتضع امرأة كانت بذلك الرضاع أمَّا وابنتها أختًا له بالقرآن (٥)، فتحرم عليه تلك المرأةُ وكلُّ من ولدته وإن لم يرضعها، وكل من ارتضعها وإن لم تلده لأنهن أخواته، ويحرم عليه بناتهن وبنات بناتهن وبنات بنيهن (٦)؛ لأنهن بنات (٧)
стр. 2234
إخوة (١) وبنات أخوات، وأخوات اللاتي أرضعته لأنهن خالات، وأمهاتها لأنهن جدات.
وإذا كان للمرأة ولدان ولأحد الولدين صبي وللآخر صبية فأرضعت الجدة أحد الأولاد، لم يحل أحدهما للآخر؛ لأنَّها إن أرضعت الصبي صار عمًّا للصبية، وإن أرضعت الصبية صارت عمَّة للصبي.
وإن أرضعت امرأة بنت بنتها، لم تحل لابن خالتها؛ لأنَّها صارت خالة للصبي.
وقال محمد فيمن طلَّق امرأة بعد أن بنى بها أو تلذذ، ثم تزوج مرضعة فأرضعتها المطلقة: حرمت الزوجة على زوجها؛ لأنها من الربائب المدخول بأمهاتهن. ولو أرضعت امرأة أختها، ثم تزوجت الكبيرة، كانت تلك الأخت بنتًا لها وربيبة لهذا الزوج وله أن يرى شعرها.
فصل [في صفة الظئر]
ويستحب أن تكون الظئر ذات عقلٍ، عفيفةً عن الفاحشة، سالمةً من العيوب التي يتقى حدوث مثلها في المرضع، ويكره أن تكون حمقاء، أو فاجرةً، أو جذماء، لما روي عن النَّبي ﷺ أنه نهى عن رضاع الحمقى والفاجرة (٢)، وقال: "إِنَّ الرَّضَاعَ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ" (٣).
стр. 2235
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إذا استرضع أحدكم فليستحسن (١). وأرى أن يجتنب مثل (٢) ذلك من زوج الظئر وأخيها إن قدر (٣) على ذلك؛ لأن الولد ينزع إلى الأب والخال.
واختلف في استرضاع النصرانية: فكرهها في "المدونة" (٤) خيفة أن تطعمه الخنزير أو تسقيه الخمر، ولم يكرهه من جهة الدين. قال مالك: وقد يكون لها طباع حسنة من عفاف وسخاء ومحاسن الأخلاق، وليس الطباع في الدين (٥).
وقال في كتاب ابن حبيب: لا بأس ما لم يتخوف أن تطعمه ما حرم الله (٦). وقال ابن القاسم: كان مالك يكرهه، ويقول: إنما غذاء الصبي مما يأكلن، وهن يأكلن لحم (٧) الخنزير ويشربن الخمر (٨).
ففي القول الأول: يجوز إذا كان رضاعه عن أبويه، ويسقط الاعتراض بما تطعمه، ويبقى الاعتراض من جهة اللبن في نفسه؛ لأنه نجس في أحد القولين في عرق السكران؛ لأن الجسم ينجس، وُينَجِّسُ اللبن بنجاسته ما يكون عنه، ولنجاسة الوعاء، كما قال في (٩) المرأة تموت إن لبنها نجس.
стр. 2236
واختلف في استرضاع الحامل، فوقع في غير موضعه جوازه. وقال في كتابا الإجارة: إن حملت تنفسخ الإجارة. وهو أحسن؛ لأنَّ رضاع الحامل مضر بالولد وربَّما أدَّى إلى موته.
واختلف في الغيلة ما هي؟ فقال مالك: أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع. وقيل: أن ترضعه وهي حامل (١). والأول أحسن؛ لأنَّ رضاع الحامل مضرٌّ وهو مما نهي عنه (٢)، والنَّبي ﷺ لم ينه عن الغيلة وأخبر أنها ليست بمضرة (٣)(٤)، فكان محمله على الوجه الآخر أبين، ولا يحمل على ما علم منه الضرر.
стр. 2237
باب في الرجل يتزوج صبية مرضَعةً فترضعها أمه أو أخته, أو يتزوج مرضَعتين فترضعهما (١) أجنبية أو امرأة له أخرى
ومن تزوج مرضَعةً (٢) فأرضعتها أمُّه أو أخته؛ حرمت عليه ووقعت الفرقة؛ لأنها تصير برضاع أمِّه أختًا له، وبرضاع أخته بنت أخت (٣).
قال ابن القاسم: ولا صداق لها على الزوج، ولا على التي أرضعت وإن تعمدت الفساد (٤).
وإن تزوج مرضعتين، فأرضعتهما أمُّه أو أخته أو امرأة أجنبية أو امرأة له أخرى، افترق الجواب، فإن أرضعتهما أمه أو أخته (٥)، حرمتا عليه جميعًا لأنهما أخوات أو بنات أخوات، وإن أرضعتهما امرأة أجنبية، كان له أن يحبس إحداهما، وهو بالخيار بين أن يمسك التي أرضعت أولًا أو آخرًا و (٦) يفارق الأخرى.
وكذلك إن أرضعتهما امرأة له أخرى ولم يكن دخل بها، كان بالخيار في المرضَعتين (٧) يمسك إحداهما ويفارق الأخرى؛ لأنها ربيبة لم يدخل بأمِّها،
стр. 2238
وتحرم الكبيرة لأنها من أمَّهات نسائه، فإن دخل بها حرم الجميع، فيحرم الصغار لأنهنَّ الرَّبائب المدخول بأمهاتهن، ولأنهن بناته إذا كان اللبن منه، وتحرم الكبيرة لأنَّها من أمهات نسائه, ولا صداق للكبيرة إن لم يكن دخل بها، لأن الفسخ والمنع (١) جاء من قبلها (٢)، ولا صداق للصغار أيضًا (٣) إذا كان قد دخل بالكبيرة؛ لأنَّه فسخ بغير طلاق، ولأنَّه مغلوب على الفراق ولا سبب له فيه، وليس بمنزلة من يكون له فيها خيار، إلا أن يكون هو الآمر للكبيرة بالرضاع فيكون عليه لهما الصداق.
واختلف إذا كان الرَّضاع قبل الدخول بالكبيرة فكان بالخيار في المرضعتين، هل يكون (٤) للتي يفارق صداق (٥)؟
فقال محمد: لها ربع (٦) صداقها؛ لأنه لو فارقهما جميعًا قبل أن يختار كان النصف بينهما. وفي (٧) "كتاب ابن حبيب": لها نصف الصداق. وجعله بمنزلة من طلق بالطوع. وذكر (٨) الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد عن ابن القاسم: ألا شيء عليه للتي طلق (٩)، لوجوب الطلاق.
стр. 2239
ووجه القول (١) بوجوب الصداق؛ لأنه طلاق لا فسخ ولا سبب لها فيه، ولأنَّه كان قادرًا على أن يختارها ويمسكها دون الأخرى (٢)، ولأنَّ ذلك مصيبة نزلت به كموتها لو ماتت (٣) فإن مصيبة ذلك (٤) منه، ويغرم الصداق.
ووجه القول بسقوط الغرم؛ لأنَّه مغلوب على الفراق وإنَّما ورد القرآن بغرم النصف (٥) فيمن طلق طوعًا، ولا يشبه هذا موتها؛ لأنَّ البضع (٦) ها هنا موجودٌ تبيعه، وتأخذ به (٧) العوض من غيره (٨) إن أحبَّت، ففارق الموتَ، وليست كالتي أجذَمت (٩) بعد العقد قبل الدخول (١٠) أنه يغرم نصف الصداق (١١) إن طلق (١٢)؛ لأنَّه في معنى الهالك لا تأخذ له عوضًا (١٣) ولا يتزوجها أحد، وإن تزوجت فيما لا خطب له.
ثُمَّ يختلف في الكبيرة التي أرضعتها، هل تغرم ذلك النَّصف للزوج إن
стр. 2240
غرمه الزوج أو للصغيرة إن لم يغرمه على قول ابن القاسم؟ فأما غرمها على الزوج (١)، فيختلف فيه قياسًا إذا شهد عليه بطلاق قبل الدخول، ثم رجعت البينة عن الشهادة واعترفت بالزور (٢)، فقال ابن القاسم: يرجع على البينة بنصف الصداق. وقال أشهب: لا رجوع له؛ لأنَّه لم يوجب عليه إلا ما كان يلزمه لو طلق. والأول أحسن؛ لأنَّه لم يختر الطلاق وإنما اشترى شيئًا وبذل له العوض (٣)، وحيل بينه وبين قبضه وأغرم الثَّمن، وإذا لم يغرم الزوج، فإنه يختلف هل للصبية رجوع على التي أرضعتها؟.
فإذا قيل: الوجه ألا (٤) شيء على الزوج؛ لأنَّه حيل بينه وبين قبض المبيع، كان لها أن ترجع عليها؛ لأنَّها تقول كان لي دين أسقطته (٥) بفعلك.
وإذا قيل: الوجه في سقوط الغرم عن الزوج لأنَّ المبيعَ موجودٌ تبيعه وتأخذ عنه العوض ولم يهلك لها (٦) شيء (٧)، لم يكن لها عليه (٨) شيء؛ لأنَّ الوجه الذي سقط به الغرم عن الزوج هو الذي سقط به مقالها مع التي أرضعتها، وهذا هو الأصل إذا بقي المبيع بيد البائع.
стр. 2241
باب في الشهادة على الرضاع وإقرار أحد الأبوين أو (١) أحد الزوجين بالرضاع
حكم الرَّضاع (٢) يثبت بوجهين، بشهادة امرأتين عدلتين إذا كان ذلك قد فشا وعرف من قولهما، وباعتراف أحد الزوجين.
واختلف في أربع مسائل (٣): في شهادة امرأتين إذا لم يكن ذلك قد عرف وفشا ولا (٤) سمع منهما قبل ذلك. وفي شهادة المرأة الواحدة إذا كان قد فشا ذلك وسمع (٥) من قولهما قبل. وفي إقرار أحد الأبوين بالرَّضاع. فقال مالك و (٦) ابن القاسم في شهادة امرأتين: إذا كان قد فشا ذلك وسمع (٧) من قولهما فرق بينهما، وإلا لم يقبل (٨).
وقال مطرف، وابن الماجشون، وابن وهب، وابن نافع، وأصبغ في "كتاب ابن حبيب": يفرق بينهما بشهادتهما إذا كانتا عدلتين وإن لم يكن سمع منهما (٩).
وهو أبين، وقد يكون سكوتهما لأنَّه لم يحتج إلى شهادتهما فلما توجه الأداء
стр. 2242
عليهما (١) ذكرتا ذلك وشهدتا به (٢)، إلا أن يعقد النكاح بحضرتهما ويعلمان ذلك، ولا يذكرانه ولا ينكرانه (٣)(٤).
وقال مالك في شهادة المرأة الواحدة: لا توجب تحريمًا (٥).
وقال في "كتاب محمد": لا تقطع شهادة المرأة الواحدة شيئًا، إلا أن يكون ذلك قد فشا (٦) في صغرهما عند الأهين والمعارف (٧).
قال محمد (٨)، وقال أيضًا مالك (٩): لا أرى أن يقضى بشهادة المرأة الواحدة، ولكن أحب للزوج ألا يقربها وأن يصدقها (١٠). ولم يختلف المذهب إذا لم يكن سمع ذلك من قولها أنه لا يحكم بالفراق، ولكن يؤمر بذلك من غير حكم، وإن كانت عدلة كان ذلك آكد في تنزهه عنها (١١).
وقال ابن القاسم في "المدونة": إن شهدت أمُّ الزوجِ وأم (١٢) الزوجة على الرَّضاع، لم تقبل شهادتهما إلا أن يكون قد فشا ذلك وعرف من قولهما.
стр. 2243
فجعلهما كالأجنبيتين (١). وعلى قوله لا تقبل شهادة إحداهما أنها (٢) أرضعت الأخرى (٣).
وقال محمد: إذا قالت الأم لخاطب ابنتها: إنها أختك من الرضاعة، ثم قالت: وهمت، أو أردت بذلك اعتذارًا؛ حرمت ولا يقبل رجوعها، وكذلك الأب، ولو تزوجت فرق السلطان بينهما (٤).
وإلى هذا ذهب ابن حبيب (٥)، وقال ابن حبيب: قول مالك وأصحابه، إذا قالت المرأة ذلك في ابنتها أو ابنها، أو قاله الأب في ولده، أن الفرقة تقع بينهما بذلك، ويحكم بالفراق إذا قالوه قبل النكاح (٦).
واختلف أيضًا إذا قالت امرأة أجنبية أنا أرضعتهما، فقال ابن القاسم: لا يفرق القاضي (٧) بينهما بقولها، وإن كان قد عرف من قولها (٨).
وقال الليث: إذا قالت قد أرضعتكما، لم يتناكحا. قال: ولو ذكرت ذلك عند النكاح ولم تتهم أنها أرادت ضررًا، رأيت ألَّا يقر (٩) نكاحهما (١٠)، ولو كانت (١١) يهودية
стр. 2244
أو نصرانية، وهذا لحديث عقبة بن الحارث، قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة فاتت امرأة, فقالت: إني قد أرضعتكما، فقال له رسول الله ﷺ : "فكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ". أخرجه البخاري ومسلم (١).
ومحمل قول ابن حبيب (٢) في ألا يقبل قولها بعد العقد على أنها كانت (٣) حاضرة العقد، فلم تنكر ثم قامت بعد ذلك (٤)، وهي بمنزلة من عنده شهادة فعمل بخلافها بحضرته ولم ينكر ثم رفعها.
ولو كانت غائبة فلما (٥) قدمت وعلمت (٦) أنكرت؛ قبل قولها، وهذا إذا كانت شهادتها أنها أرضعتهما، ولو شهدت على أم أحدهما أنها أرضعتهما، أو على رضاع أجنبية، لسئلت تلك الأم أو الأجنبية، فإن قالت مثل ذلك وقعت الحرمة؛ لأنها شهادة من امرأتين، وإن أنكرت ضعف قولها.
وإن ماتت التي ادعت أنها أرضعت، أو غابت غيبةً بعيدةً، كان قولها بمنزلة غير الأم. وأما قول الأب، فإن شهد بذلك على ولده البالغ، كان قوله بمنزلة قول الأجنبي. وإن كان ذلك في صغر الولد أو في ابنته ثم عقد عليهما، لم يجز وفسخ؛ لأنَّه مقرٌّ على نفسه أنه عقد عقدًا فاسدًا، فإن كَبُرَ الصبي ورشد كان قول الأب في ذلك بمنزلته لو لم يعقده قبل، وقد كان يقال إنَّه حكم مضى
стр. 2245
فلا يحل أبدًا، وليس بحسن؛ لأنَّ الفسخ لم يكن لأنَّ الرَّضاع قد (١) ثبت، وإنما كان لأنَّ العقد قام لمن يقر أنه عقد عقدًا لا يحل، إلا على ما قاله محمدٌ إن قوله كقول الأم (٢).
فصل [في اعتراف الزوج بالرضاع]
اعتراف الزوج بالرَّضاع يوجب الفراق، وسواء كان اعترافه قبل النكاح (٣) أو بعده. واعتراف الزوجة يوجب الفراق إذا سمع منها (٤) قبل العقد، وإن كان اعترافها بعد العقد، كان موقوفًا على تصديق الزوج (٥)، فإن صدقها الزوج فرق بينهما، وإن كذبها لم يفرق.
وإذا كانت الفرقة لاعتراف الزوج (٦) وكان قد دخل بها، كان لها الصداق (٧)، وسواء كان اعترافه قبل العقد أو بعده، أو قبل الدخول أو بعده، فإن فرق بينهما قبل الدخول افترق الجواب، فإن (٨) كان اعترافه قبل العقد، لم يكن عليه صداقٌ، وإن كان اعترافه بعد العقد، كان عليه نصف الصداق؛ لأنه