استخفى عنده رجل من سلطان جاء يريد ماله أو دمه أو عقوبته في بدنه فسأله السلطان عنه فجحده أن يكون عنده فحلف على ذلك: إنه إن كان يخاف على نفسه إن اعترف أنه عنده فلا يحنث، وإن كان لو اعترف به لم يعاقبه حنث؛ لأن اليمين (١) ليست ليذب عن نفسه، وإنما هي ذب عن نفس غيره أو ماله (٢)، وقال مالك في اللصوص يستحلفون الرجل بالطلاق أو بالحرية ألا يخبر عنهم، فأخبر، فليس عليه في يمينه شيء. يريد: إذا كان ينزل به في جسمه إن لم يحلف ضرب أو قتل، ويختلف إذا كانوا يأخذون ماله ولا يضربونه، واختلف في الإكراه على اليمين فيما هو طاعة لله تعالى (٣)، فقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يلزم اليمين. وقال مطرف: تلزمه اليمين مثل أن يأخذ الوالي رجلًا شاربًا خمرًا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب الخمر أو لا يفسق أو لا يغش في عمله أو لا يتلقى الركبان، أو يحلف الوالد ولده مكرهًا في أشباه ذلك من تأديبه، فاليمين لازمة، وإن كان قد تكلف منه المحلوف ما ليس عليه وما هو منه خطأ (٤).
فصل [في طلاق السفيه وطلاق من لم يحتلم]
طلاق السفيه لازم (٥)، واختلف في طلاق من لم يحتلم، فقال مالك: لا يلزمه (٦). وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن ناهز الحلم (٧)، قال: إن
стр. 2732
تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها يفرق بينهما (١)، وقال أبو إسحاق: وروي عن ابن المسيب (٢) والحسن في طلاق من لم يحتلم أنه لازم، وبه (٣) قال ابن حنبل: إذا أطاق صيام شهر (٤) رمضان وأحصى الصلاة. وقال عطاء: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقُه. قال أبو إسحاق: لأنه أول سن الاحتلام، قال: وروى مالك عن عمر بن الخطاب ﵁ أجاز شهادة غلام يفاع، والأول أحسن لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: فذكر (٥) الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" (٦) فجعل الاحتلام فاصلًا بين الصغير والكبير إلا أن يتأخر عن الوقت المعتاد.
стр. 2733
فصل [في طلاق النصراني]
واختلف في طلاق النصراني: فقال مالك وغيره من أصحابه: لا يلزمه وليس طلاقه بشيء (١). وقال المغيرة: يلزمه الطلاق، ويحكم به عليه الآن، وإن أسلم بعد ذلك احتسب به. وقال ابن القاسم: إذا طلق النصراني زوجته بعد أن أسلمت وهي في عدتها لم يقع طلاقه عليها. يريد: إذا لم تقم الزوجة بالطلاق، فإن قامت حكم لها بما أوقع عليها من واحدة أو ثلاث، فإن طلقها ثلاثًا ثم أسلم في العدة كان لها أن تمنعه من الرجعة؛ لأنَّ الطلاق يتضمن حقًّا لله سبحانه وحقًّا للزوجة؛ لأنه أعطاها نفسها، فإن لم تقم بحقها لم يُقَمْ عليه بحق الله سبحانه لأنه كافر، فإن قامت بحقها حكم عليه بالطلاق لأنه حكم بين نصراني ومسلم، وهو بمنزلة ما لو قال: وهبت لك نفسك، أو وهبها دينارا أو أعتق عبده المسلم، فإنه يحكم عليه في جميع ذلك بالوفاء بما جعل لها وللعبد، وإن طلقها واحدة فقالت: قد قبلت ثم أسلم وارتجعها ثم طلقها تطليقتين لم يكن له عليها رجعة.
стр. 2734
باب في خيار (١) الأمة تعتق ولها زوج حر أو عبد
الأصل في تخيير الأمة في فراق زوجها إذا أعتقت، حديث بريرة أعتقت فخيرها النبيُّ ﷺ فاختارت نفسها، ثم قال لها رسولُ الله ﷺ : "لَوْ رَاجَعْتِيهِ" قالت: يا رسول الله، بأمر منك؟ قال: "لاَ إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ"، فقالت: لا حاجة لي به. اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم، والبخاري (٢) أتمهم حديثًا (٣).
وقال ابن عباس: وكان زوجها عبدًا أسود يقال له: مغيث، وقال الأسود (٤): كان حرًّا، قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس أصح (٥).
стр. 2735
ولا خلاف أن لها الخيار إذا كان عبدًا (١)، واختلف في الوجه الذي أوجب الخيار، فذهب مالك إلى أن ذلك لنقص حرمة الزوج (٢)؛ لأنه عبد وليس بكفء، وليس لأنها كانت مجبورة على النكاح، فقال في كتاب محمد: إن طلبت الأمة سيدها أن يزوجها من هذا العبد ثم عتقت كان لها الخيار (٣)، وكذلك المعتق بعضها يزوجها سيدها بإذنها ثم تعتق بقيتها، وهي تحت عبد فلها الخيار (٤)، وقيل: لأنها كانت مجبرة على النكاح فلها الخيار، وإن كان حرًا ورأى أن ما تقدم من نكاح السيد بمنزلة بيعها منافعها، وعقده الإجارة عليها فلما لم يصح تمام العتق مع بقاء الإجارة وتمام عقده فيها لم يصح بقاء عقده عليها (٥) في منافع بضعها (٦) وكانت بالخيار في ذلك.
فصل [في شروط خيار المعتقة وهل هو طلاق أو فسخ ؟]
الكلام على المسألة من ستة أوجه:
أحدها: الوجه الذي يوجب لها الخيار.
والثاني: إذا ثبت لها الخيار فاختارت نفسها هل يكون طلاقًا أو فسخًا؟
والثالث: إذا كان طلاقًا هل لها أن تختار الثلاث؟.
стр. 2736
والرابع: إذا كانت طلقة هل تكون بائنة أو رجعية إن أعتق الزوج في العدة؟
والخامس: الوقت الذي تختار فيه.
والسادس: ما يسقط خيارها بعد ثبوته.
فالذي يوجب الخيار عتق جميعها، وإن أعتق بعضها بتلًا أو جميعها إلى أجل، أو دبرت، أو كوتبت، أو صارت أم ولد، لم يكن لها خيار، وإذا وجب الخيار بعتق جميعها لم يسقط إلا بعتق جميع الزوج، فإن أعتق بعضه بتلًا أو جميعه إلى أجل، أو كوتب، أو دبر لم يسقط خيارها، وإذا وجب الخيار فاختارت نفسها كان طلاقًا لا فسخًا، وهذا هو الأصل في كل فراق كان من قبل المرأة هي فيه بالخيار كالتي تقوم بعيب يطرأ بعد العقد: جذام أو برص أو جنون أو عدم نفقة، وقيام الأمة بعد العتق نوع من القيام بالعيب، وهو طلاق بخلاف ملك (١) أحد الزوجين الآخر أو ارتداد أحدهما، ومحمل اختيارها على طلقة، واختلف عن مالك إذا قضت باثنتين هل يلزمانه (٢) أو تكون طلقة ويسقط الزائد، وهو أصوب (٣)؛ لأن مقالها في رفع يده عنها، وذلك تناله بواحدة، وإيقاعها طلقتين مضرة على الزوج من غير منفعة له، واختلف بعد القول أنها طلقة هل تكون بائنة أو رجعية؟ قال في المدونة: هي بائنة (٤)، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: له الرجعة إن أعتق في العدة (٥). وقال ابن القاسم في كتاب
стр. 2737
محمد: إن أعتقت وزوجها غائب أمرها وأمر النصرانية التي تسلم وزوجها غائب (١)، سواء إن تزوجت فأدركها قبل أن يدخل بها كان أحق بها إذا أسلم أو أعتق قبل وفاء عدتها (٢)، وهذا هو القياس أن له الرجعة بزوال الرق، وهو في هذا كالتي تطلق عليه بسبب عيب فيزول في العدة عليه، وقال محمد: إذا طلَّق في العدة عليه بجنون أو جذام أو برص (٣) أو عدم نفقة، ثم ذهب العيب أو أيسر الزوج فله الرجعة (٤)، وإن أعتق بعد عتقها وقبل اختيارها فلا خيار لها (٥). وقال ابن القاسم في العتبية: إذا وقفت عن الخيار حتى تطهر من الحيضة ثم أعتق زوجها فهي على خيارها (٦)، وفي هذا نظر، والصواب ألا خيار لها لأنها زوجة بعد حين أعتق، وإن اختارت- وهي حائض بانت على قوله في المدونة، وأمَّا على القول الآخر أنها واحدة رجعية ففيه إشكال؛ لأنَّ الرجعة ليست بيدها ولا بيد الزوج؛ لأن ذلك حق عليه، فإن ارتجع السلطان وعادت زوجة كان في ذلك بطلان لحقها ولم يفدها الخيار، وليس لها أن تطلق أخرى؛ لأن الطلقة التي كانت بيدها قد أوقعتها، وأرى إن أجبرها السلطان وعادت زوجة أن يكون لها أن توقع أخرى، وهذه ضرورة، وإن أعتقت وهي في عدة من طلاق رجعي كان لها أن تختار لترفع رجعته عنها، ولو قيل إنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: أنا لا أرتجع لرأيته حسنًا، وإن كانت صغيرة كان النظر في ذلك إلى السلطان فيما يراه حُسْنَ نظرٍ لها، وكذلك إن كانت سفيهة، إلا أن
стр. 2738
تبادر باختيارها نفسها، ولو رضيت بالمقام لم يلزمها ذلك على قول ابن القاسم إذا لم يكن فيه حسن نظر، ولزمه ذلك على قول أشهب، وإن أوقفها الزوج بحضرة العتق، وقال: إما أن تختاريني أو الطلاق، فقالت: إذًا أنظر وأستشير، كان القولُ قولها، واستحسن أن يؤخر ثلاثة أيام، وقد اختلف في الأخذ بالشفعة هل يوقف على الأخذ أو الترك بالحضرة أو يؤخر ثلاثة أيام، وإن لم يوقفها الزوج وطال ذلك ثم طلبته بالنفقة علا الماضي لم يكن لها؛ لأنها منعت نفسها، والنفقة في مقابل الاستمتاع، وقال في المدونة: إذا أوقفت (١) عنه سنة ولم تقل: رضيت، وقالت: وقفت لأختار كان القول قولها، ولا يمين عليها؛ لأن النساء لا يحلفن في التمليك، وقوله في هذا أصوب؛ لأن لها دليلًا على قولها وهو منعها نفسها طول تلك المدة.
فصل [في سقوط خيار الزوجة المعتقة بعد ثبوته]
ويسقط خيارها بعد ثبوته بوجهين:
أحدهما: (٢) أن تختاره بالقول أو تمكنه من نفسها بعد علمها بعتقها وعلمها أن لها الخيار، فيصيبها أو يُقبِّل أو يباشر، وكذلك إذا مكنته ثم لم يفعل، وإن اختلفا فقال: علمت بالعتق، وقالت: إني لم أعلم؛ صدقت (٣). واختلف إن قالت: علمت بالعتق وجهلت أن لي الخيار، فقال في المدونة: لا تصدق. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: تصدق، وهو أحسن، ولعل حديث بريرة مشهور
стр. 2739
عندهم بالمدينة، ولا يحكم الآن بأنها علمت، ولا يعرف ذلك إلا أهل العلم، ولا يعرفه العوام من الرجال، وقد قال في الذي يطلق زوجته ثلاثًا ثم يصيبها ويدعي الجهل أو يعتق أم ولده ثم يصيبها ويدعي الجهل إنه يعذر بذلك، ولا حد عليه، فإذا عذر من ادعى جهل ذلك مع اشتهار الثلاث كانت الأمة أعذر، وإن كانت عالمة، واختلفا في المسيس، فإن أقرت (١) بالخلوة كان القول قوله مع يمينه، وإن أنكرت الخلوة كان القول قولها مع يمينها، وإن تصادقا على المسيس، واختلفا هل كان بطوعها أو مكرهة كان القول قوله، وإن تصادقا على المسيس والطوع، واختلفا هل علمت بالعتق كان القول قولها، قال محمد: بغير يمين، وإن اختارت نفسها بعد دخوله بها لم يسقط شيء من صداقها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن لها شيء، وإن لم يعلم حتى بنى بها كان لها الأكثر من المسمى أو صداق المثل على أنها حرة، وإن كان العقد فاسدًا كان لها صداق حرة قولًا واحدًا، وإن كان العقد صحيحًا وعلمت بالعتق وبالحكم ثم بنى بها لم يكن لها إلا المسمى، وإن أعتقت وزوجها غائب واختارت نفسها، ثم ثبت أنه أعتق قبلها كان أحق بها ما لم تتزوج، واختلف إذا تزوجت فقيل: قد فاتت، وقيل: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وقيل: هو أحق (٢)، وإن دخل بخلاف من طلق وارتجع؛ لأن المطلق مرت به حالة كان في عقده وصمٌ، وهذا عقده صحيح على الأصل، واختلف إذا أعتق في عدتها على القول أنه رجعي هل يكون عقد الثاني فوتًا (٣)؟
стр. 2740
باب [في طلاق المريض وراكب البحر وحاضر الزحف ومن قرب للقتل]
المرض ثلاثة: غير مخوف، ومخوف غير متطاول، ومخوف متطاول كالسل والاستسقاء، فحكم الأول إذا طلق فيه حكم الصحيح، فإن كان الطلاق بائنًا واحدة قبل البناء أو ثلاثًا بعد البناء، أو واحدة فانقضت العدة قبل موت الزوج من ذلك المرض لم ترثه، وإن كان مخوفًا غير متطاول قد ألزمه الفراش أو متصرفًا يرى أنه قد أشرف على الموت كأصحاب السل والاستسقاء فطلقها حينئذ طلاقًا بائنًا أو غير بائن فانقضت العدة قبل موته ورثته، والشهر والشهران عند مالك في مثل هذا قريب؛ لأنه قال في الطلاق الرجعي: ترثه، وإن انقضت العدة قبل موته والغالب من النساء أنهن يطهرن ويحضن في شهر، فيكون انقضاء العدة في شهرين أو أكثر؛ لأنها تبين بأول الدم الثالث، وإن كان المرض متطاولًا فطلق في آخره أو في أوله وأعقبه الموت قبل المطاولة ورثته، واختلف إذا طال مرضه بعد الطلاق ثم مات، فالذي يقتضيه قول مالك في المدونة أنها ترثه لأنه قال: إذا تزوجت بعد الأول أزواجًا كلهم يطلقها وهو مريض ثم تزوجت آخر، والذين تزوجوها أحياء إنها ترث جميعهم (١)، قال أبو محمد عبد الوهاب: السل مرض من الأمراض المخوفة وأفعاله في الثلث، ولم يعرف هل طال الأمر بعد فعله أم لا؟ وإذا كانت أفعاله في الثلث ورثته الزوجة، وكذلك الاستسقاء إذا دخلت أمارات الخوف وإن طاوله.
стр. 2741
وقال ابن الماجشون في المبسوط: الأمراض المتطاولة كالسل والربع والطحال والبواسير ما تطاول منها يجري بعد تطاوله مجرى الصحة، وإن كان الموت قبل المطاولة ورثته زوجته وكان فعله في الثلث، وهذا أحسن، وكذلك الجذام إذا لم يدخل قليل الخوف وكان على أحكام الصحة، ومن طلق زوجته في الصحة طلاقًا رجعيًّا ثم ارتجع في المرض ثم طلقها في مرضه ورثته؛ لأن الرجعة هدمت حكم الطلاق الأول، وإن لم يرتجع وأوقع عليها في المرض بقية الثلاث ثم مات قبل خروجها من العدة ورثته؛ لأنه بان بالطلاق الثاني، وإن انقضت العدة لم ترثه، وإن طلق في المرض ثم صحَّ صحة بينة ثم مرض (١) سقط أن يكون حكم ذلك الطلاق حكم ما أوقع في المرض إلا أن يرتجع في المرض ثم يحدث طلاقًا فترثه.
فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها في مرضه]
الميراث يثبت للزوجة إذا طلقت في المرض، وكان يرى أنه فار أو أشكل الأمر هل هو فار أم لا؟ ويفترق الجواب إذا كان هناك دليل على أنه لم يقصد الفرار، فيثبت الميراث في وجه ويسقط في وجه. واختلف في الثالث، فإن كان الدليل صلاح الزوج وفضله وأن مثله لا يتهم على ذلك ورثته، وقد طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته في مرضه فوَرَّثها عثمان ﵁ منه (٢)، وقال: خفت أن
стр. 2742
يستن به، ولأن ذلك يؤدي لو لم ترث منه إلى سقوط الميراث ممن يتهم، فيقال: هذا لا يتهم وهذا قريب منه في الحال، ومثل هذا لا يتحصل، وقد أحكم الله تعالى في كتابه مثل ذلك في المعتدة من وفاة وهي صغيرة أو يائسة (١)، فأجرى جميعهنَّ على حكم واحد، لئلا يقال: هذه في سن من يخشى منها الحمل، وهذه لا يخشى ذلك منها، وهذه قريبة في السن من هذه، والقائم لنفسه بالنسب معدوم، فحمل الباب بها جميعهن، ولأن الطلاق في المرض مختلف فيه بعد أن يقصد الفرار، فقد يكون الزوج صالحًا وهو ممن يعتقد ذلك أو ممن يقلد من يراه، فكان منع ذلك في جميع الأزواج أحسن، وقد استدل من أوجب الميراث إذا قصد الفرار بهباته وصدقاته أن للورثة شبهة وتعلقًا بالمال حينئذ فيمنعوه من أن يتصرف في ماله إلا على وجه التنمية، وما كان على غير ذلك من الهبات والصدقات والعطايا لم يكن له تنفيذها إلا من رأس المال، وكان فعله موقوفًا فينفذ بعد موته من ثلثه والزوجة وغيرها من الورثة سواء، وإذا تعلق للزوجة شبهة ومنع حسب ما تقدم له لم يصح (٢) أن يخرج من الميراث من له منعه من التصرف في ذلك المال إلا على وجه التنمية لا بطلاق ولا بغيره، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (٣)، وإذا منع هذا أن يفر بزكاته بجمع أو تفرقة، وإن لم تكن وجبت حينئذ لما شارف الحول، ووجوب حق المساكين- منع هذا لما شارف الموت من وجوب
стр. 2743
حقها فيه، وقد مر مالك على أصله في الموضعين فحمل الحديث على الوجوب، وفي الزوجة إذا فر أن يؤخذ بما فر منه، وذهب بعض الناس في السؤالين في ذلك على الندب، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن باع إبلًا فرارًا من الزكاة، قد قيل إنه (١) يزكي زكاة الذهب بمنزلة من لم يفر، واختلف إذا كان الدليل أنه لم يبتدِ طلاقًا، وإنما ذلك العقد تقدم في الصحة، فقال في المدونة فيمن قال وهو صحيح: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم في مرض الزوج ورثته، وقال مالك فيمن حلف لامرأته وهو صحيح بطلاقها: إن دخلت بيتًا، فدخلته وهو مريض إنها ترثه. وقال في كتاب المدنيين إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق أو صنعت كذا وكذا فأنت طالق، فصنعت ذلك وهو مريض معصية وخلافًا، وقع الطلاق ولم ترثه، وإن حلف وهو مريض ورثته.
وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون فيمن حلف: ليقضين فلانًا حقه، فمرض الحالف فلم يقض فحنث في مرضه (٢)، فإن كان مليًّا ورثته، وإن كان فقيرًا أو طرأ له مال فلم يعلم به حتى مات حنث ولم ترثه. وقول مالك والمغيرة في هذا أحسن.
واختلف إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية فطلقها في المرض ثم أعتقت هذه وأسلمت الأخرى بعد انقضاء العدة، فقال محمد: يرثانه. قال ابن الماجشون في المبسوط: لا ميراث لها، وعلى هذا لا ترث الأمة إن أعتقت، وهو قول سحنون في العتبية (٣).
стр. 2744
فصل [في ميراث المرتد في المرض]
وقال مالك وابن القاسم في المدونة في مريض ارتد وثبت على ردته حتى قُتل- لم ترثه زوجته ولا أحد من قرابته (١).
والمرتدُّ في المرض على ثلاثة أوجه:
فإمَّا أن يقتل على ردته، أو يموت على كفره قبل أن يوقف ليسلم أو يقتل، أو يراجع الإسلام ثم يموت مسلما، فإن قتل على ردته أو مات على كفره قبل أن يقتل لم يرثه ورثته، والصحةُ والمرضُ في ذلك سواء، وإن راجع الإسلام ورثه ورثته دون زوجته (٢) على مذهب ابن القاسم؛ لأن الردة عنده طلاق بائن، وهو على مذهب عبد الملك وأشهب ترثه؛ لأنهما يريان أنه إذا عاد إلى الإسلام عادت زوجته على الأصل من غير طلاق.
واختلف إذا راجع (٣) الإسلام ثم مات بقرب ذلك أو قتل على قول عبد العزيز بن أبي سلمة، فعلى قول مالك في المبسوط في المرتد يرجع إلى الإسلام أنه لا يرد إليه ماله ويكون لبيت المال لا يكون له ها هنا شيء، واختلف بعد القول أن ماله يعاد إليه إذا رجع إلى الإسلام إذا ارتد في مرضه ومات على
стр. 2745
كفره، فقال ابن شعبان في ذلك قولين، هل يرثه ورثته (١) أم لا؟ وقال مالك في كتاب ابن حبيب: لا يرثه ورثته (٢) إلا أن يتهم أنه أراد أن يمنعهم من الميراث. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن ارتد في مرضه: يقتل ولا ينتظر موته ولا يرثه ورثته إلا أن يتوب فيرثه ورثته المسلمون إلا امرأته (٣)، وكذلك في ردة المرأة المريضة، وإن تابت لم يرثها زوجها، ولو طلق مريض زوجته ثلاثًا ثم ارتدت ثم تابت ثم مات هو في مرضه فإنها لا ترثه، وكذلك ردته هو في مرضه إن تاب ثم مات لم ترثه، قال الشيخ ﵀: ارتدادها في مرضه أبين في منع ميراثها منه إذا ارتد هو في مرضه؛ لأنها هي التي عمدت إلى ما يسقط ميراثها منه.
فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها طلاقا بائنًا في صحته]
ويصح أن ترث الزوجة مع كون الطلاق بائنًا في الصحة، وذلك في ثلاث مسائل: إذا قرب للقتل، أو حضر الزحف، أو ركب البحر على اختلاف في هذا لأنه حينئذ فار لما أشرف على الموت، وكذلك المحارب يقرب لتقطع يده ورجله في حين يخاف عليه الموت فمات لم ترثه، وإن كان يخاف عليه وكان رأي الحاكم القطع، وإن خيف أو كان (٤) فعل ذلك جهلًا بوجه الحكم لم ترثه.
ويختلف في حاضر الزحف قياسًا على راكب البحر إذا أخذه الهول فقد اختلف قول مالك فيه (٥) فقال مالك في المدونة: إن أعتق وقد أخذه
стр. 2746
النوء (١) والريح الشديدة وخاف الغرق كان من رأس المال، وقال أيضًا: إنه من الثلث. وقال أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: حكم راكب البحر إذا حصل في اللجة حكم المريض (٢)، قال: وفيه اختلاف، وأما راكب النيل والدجلة والبحر الميت أو الحي إذا لم يلجج فإن أفعاله من رأس المال، وإن طلق زوجته لم ترثه، وقد قال مالك في الحامل: تتصدق، فإن كان ذلك قبل الشهر السادس كان فعلها من رأس المال، وإن كان فعلها في السادس إلى ما بعده كان في الثلث (٣)، وقال في الموطأ: قول الله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥] يريد: أنه أول الوضع (٤)، وهذا على مراعاة النادر في الوضع في السادس، وعلى مراعاة الغالب في وضع النساء يراعى الشهر التاسع.
ويختلف أيضًا إذا ضربها الطَّلق قياسًا على راكب البحر إذا أخذه الهول، بل الحامل أبين لأن الغالب من الحمل السلامة، والقياس في راكب البحر إذا أخذه الهول أنه إذا طلق أنها ترثه؛ لأن القصد حينئذ الفرار، وأن يكون العتق من الثلث لأنه لا يقصد حينئذ إلا القربة إلى الله سبحانه بما ينجو به.
فصل [في عدة وصداق وميراث امرأتين لرجل دخل بواحدة ثم طلق إحداهما طلقة ومات قبل أن تنقضي العدة ولم يدر أيهما طلق]
ومن المدونة قال ابن القاسم في رجل له امرأتان دخل بواحدة ثم طلق إحداهما طلقة ومات قبل أن تنقضي العدة ولم يدر أيهما طلق قال: فللمدخول
стр. 2747
بها صداقها كاملًا وثلاثة أرباع الميراث، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث (١)، فأما المدخول بها فقد استحقت جميع الصداق بالدخول، ولا تأثير للطلاق في ذلك إن كانت هي المطلقة. وأما غير المدخول بها فهي تستحق النصف إن كانت هي المطلقة وجميع الصداق إن لم تكن هي المطلقة، فقسم النصف المشكوك بينها وبين الورثة فصار لها ثلاثة أرباع صداقها، وأما الميراث فالمنازعة فيه مع صاحبتها لا مع الورثة، فكان للمدخول بها ثلاثة أرباعه لأنها تقول: إن ثبت أني المطلقة كان لي النصف، وإن كنت أنت المطلقة كان لي جميعه فيقسم النصف بينهما، ولو مات بعد انقضاء العدة أو كان الطلاق ثلاثًا كان الميراث بينهما نصفين، وهذا إذا علمت المدخول بها ولم تعلم المطلقة، وإن لم تعلم المدخول بها وعلمت المطلقة فللتي لم تطلق جميع الصداق وثلاثة أرباع الميراث، وللتي طلقت ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث؛ لأن التي لم تطلق تقول للورثة: أنا أستحق جميع الصداق، وإن لم يدخل بي، والتي طلقت تستحق النصف تارة إن كانت التي لم يدخل بها، والجميع إن كانت المدخول بها، فقسم النصف المشكوك بينهما وبين الورثة وأما الميراث فللتي لم تطلق نصفه لا منازعة لصاحبتها فيه، ويتنازعان في النصف الآخر، فهي تقول: أنا المدخول بي فلي جميعه، والأخرى تقول: أنا المدخول بي فلي نصفه فيتحالفان ويقتسمانه، فإن حلفت المطلقة ونكلت الأخرى كان لها ذلك النصف، وإن نكلت وحلفت المدخول بها كان لها جميع الميراث ولم يكن للمطلقة سوى نصف الصداق، ولا ميراث، وإن لم تعلم المطلقة ولا المدخول بها كان لهما صداقان إلا ربع (٢) يقتسمان ذلك نصفين، والميراث الربع أو الثمن بينهما
стр. 2748
نصفين، وأما العدة فعلى كل واحدة أربعة أشهر وعشرا، وسواء علمت المطلقة ولم تعلم المدخول بها أو علمت المدخول بها ولم تعلم المطلقة إذا كان الطلاق واحدة، ولم تنقض العدة، وإن انقضت العدة افترق الجواب، فإن علمت المطلقة لم يكن عليها عدة؛ لأن عدتها قد انقضت، وإن لم تعلم المطلقة كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا؛ لأنه مات عن زوجة واحدة ولم يعلم أيتهما هي، فإن كان الطلاق ثلاثًا وعلمت المطلقة كان عليها ثلاث حيض من يوم وقع الطلاق، والأخرى أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يعلم المطلقة ومات قبل مضي ثلاث حيض كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا (١) لإمكان أن تكون هي الزوجة، وثلاث حيض من يوم الطلاق لإمكان أن تكون هي المطلقة.
فصل [في عدة وصداق وميراث امرأة وابنتها تزوجتا رجل في عقدين ثم مات ولم يعلم الأولى منهما]
وقال ابن القاسم فيمن تزوج امرأة وابنتها في عقدين ثم مات ولم يعلم الأولى منهما، فإن دخل بهما (٢) كان لكل واحدة صداقها ولا ميراث لهما، والعدة ثلاث حيض على كل واحدة منهما، وإن لم يدخل بواحدة منهما كان لكل واحدة نصف صداقها والميراث بينهما نصفين، والعدة أربعة أشهر وعشرا، وإن دخل بواحدة وعلمت ولم يعلم هل هي الأولى أو الآخرة وإن لها صداقها المسمى، واختلف في الميراث فقيل: لا شيء لها لأنه ميراث بشك، وقيل: لها
стр. 2749
نصف الميراث (١) لإمكان أن تكون هي الأولى فلها جميعه أو الآخرة فلا يكون لها شيء، فيقسم بينها وبين الورثة، والعدة أقصى الأجلين أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون الأولى، وثلاث حيض لإمكان أن تكون الآخرة، ولا صداق للتي لم يدخل بها ولا ميراث ولا عدة عليها؛ لأنها إن كانت الآخرة فهو نكاح فاسد لم يدخل فيه، وإن كانت الأولى فإن الدخول بالآخرة يفسخه، وإن علمت الأولى ولم تعلم المدخول بها كان لهما صداق واحد بينهما نصفين بعد يمينهما (٢)، فإن نكلت إحداهما كان للتي حلفت، ويختلف في ميراث الأولى هل لها نصفه أو لا شيء لها لأنه ميراث بشك، والقضاء ها هنا بالنصف أبين لأنها وارثة حقيقة مشكوك هل طرأ عليها ما يبطله، والعدة أربعة أشهر وعشرا، وعلى الأخرى ثلاث حيض لأنه فاسد وهي (٣) معترفة على نفسها بالدخول، وإن لم تعلم الأولى ولا المدخول بها كان لهما صداق واحد يقتسمانه نصفين بعد يمينهما، ونصف ميراث على أحد القولين يقتسمانه أيضًا، والعدة أقصى الأجلين لأن كل واحدة تقر على نفسها بالدخول، ولا يدرى (٤) هل هي أولى أو آخرة (٥)، ولو تزوج الثانية في الصحة أو في المرض ودخل بها في المرض لورثت الأولى؛ لأنه يعد فارًّا عنها بدخوله بالثانية في المرض.
стр. 2750
فصل [في عدة وصداق وميراث خمس نسوة توفي عنهن زوجهن ولا يدرى أيتهن الخامسة]
وإذا توفي عن خمس نسوة ولا يدرى أيتهن الخامسة (١)، فإنه لا يخلو أن يكون دخل بهنَّ أو لم يدخل بواحدة منهن أو دخل ببعضهن، وأي ذلك كان فإن الحكم في الميراث سواء لا يتغير؛ لهن الثمن مع الولد، والربع مع عدمه بينهن أخماسًا وإنما يفترق الجواب في الصداق والعدة، فإن دخل بهن كان لكل واحدة صداقها المسمى، وإن لم يدخل بواحدة منهن كان لهن أربع صدُقات يقسمنها أخماسًا إن اعتدلت، وإن اختلعت (٢) كان لكل واحدة أربعة أخماس صداقها، وإن دخل ببعضهن كان لمن دخل بها صداقها كاملًا كانت واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، ثم ينظر إلى من لم يدخل بها، فإن كانت واحدة كان لها نصف صداقها؛ لأنه يمكن أن تكون هي أحد الأربعة فيكون لها جميع المسمى أو تكون الخامسة فلا يكون لها شيء، فلما أشكل الأمر هل لها جميعه أو لا شيء لها جعل لها نصفه، وإن لم يدخل باثنتين كان لهما صداق ونصف يقسمانه نصفين، وإن كن ثلاثًا كان لهن صداقان ونصف بينهن أثلاثًا، وإن كن أربعًا كان لهن ثلاث صدقات ونصف بينهن أرباعًا، وإن شهد الورثة أن هذه الخامسة جازت شهادتهم لأنهم لا يجرُّون بتلك الشهادة منفعة، وأما العدة فإن دخل بهن كان على كل واحدة أقصى الأجلين أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون إحدى الأربع، وثلاث حيض لإمكان أن تكون الخامسة، وإن لم يدخل بواحدة كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون هي إحدى الأربع، وإن دخل ببعضهن كان على المدخول بها أقصى الأجلين، والتي لم
стр. 2751
يدخل بها أربعة أشهر وعشرا.
وقال ابن سحنون (١) في رجل مات عن ست نسوة تزوج واحدة منهن بانفرادها، واثنتين في عقد، وثلاثًا في عقد فمات قبل أن يدخل بهن ولم تعلم الأولى منهن، كان للتي تزوج بانفرادها (٢) صداقها كاملًا؛ لأن نكاحها لا يكون إلا صحيحًا، وسواء كانت أولًا أو بعد الاثنتين أو بعد الثلاث أو بعد الخمس؛ لأنه إن كان تزوج الاثنتين ثم الثلاث كان عقد الثلاث فاسدا، وتصير النفردة ثالثة. وإن تزوج الثلاثة ثم الاثنتين كان نكاح الاثنتين (٣) فاسدًا، وكأنه تزوجها بعد ثلاث فهي رابعة، وأما الميراث فإن للمنفردة سبعة أسهم من أربعة وعشرين سهمًا، وللاثنتين ثمانية أسهم لكل واحدة أربعة أسهم، وللثلاث تسعة أسهم، ثلاثة لكل واحدة؛ لأن للمنفردة إن كانت بعد الثلاث الربع، وإن كانت بعد الاثنتين الثلاث. والثلث والربع يقوم من اثني عشر سهمًا فلها من الاثني عشر الربع لا تنازع فيه، ويبقى سهم وهو تمام الثلث مشكوكًا فيه تارة تستحقه إن كانت ثالثة (٤)، وتارة لا تستحقه إن كانت رابعة، فيكون لها نصفه فيضرب الاثنا عشر في اثنين فتبلغ أربعة وعشرين لها ثلاثة أسهم ونصف مضروبة في اثنين بسبعة ويبقى لثلاث منهن سهم لا ينازعهن الاثنتان فيه، ويبقى ستة عشر يقسمنها نصفين لأن كل طائفة تقول يمكن أن يكون جميع ذلك لنا، فإذا أخذ الثلاث ثمانية أسهم أضيف إليها السهم الواحد فكانت تسعة فيقتسمنها أثلاثا لكل واحدة ثلاثة أسهم.
стр. 2752
باب في نسيان البينة أو شكهم أو اختلافهم
وقال ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنه طلق إحدى نسائه الأربع، وقالا نسيناها، فلا تجوز شهادتهما، ويحلف الزوج ما طلق واحدة منهن، وقال محمد: لا يمين عليه، وقال ابن القاسم في شك الشهود ونسيانهم لمن سمى في العتق يجوز بعد الموت، وقال أصبغ: رجع عنه فلا يجوز في الحياة ولا بعد الموت (١) فأسقط الشهادة لأن كل واحدة منهن لا تدري أهي المطلقة أم لا، ولأنها لو علمت لم يصح أن يحلف أنها المطلقة، وأرى أن يحال بينه ويسجن حتى يقر بالمطلقة لأن البينة قطعت بأن واحدة عليه حرام، واختلف إذا نسيت البينة والشهادة بمال فقيل: الشهادة باطلة.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب في بينة شهدت لرجل أنه له في هذه الدار حق، ولا نعرف كم هو لتقادمه وتناسخ المواريث فيه، والمطلوب ينكر، قال: يقال له إن علمت حقك ما هو فاحلف عليه وخذه، وإن جهله وقال: كنت أسمع أبي يقول له فيها حق فلا أعرف، حيل بين المشهود عليه وبين الدار حتى يقر فيها بحق الطالب، ويوقف جميعها، ولا حجة للمطلوب إن قال: لم يشهد علي بجميعها (٢)، وإن قال حق الطالب منها الربع وأبى أن يحلف على ما سواه أخذ الربع بإقراره ووقف باقي الدار حتى يحلف أن لا شيء له غيره، ولو أقر بعد ذلك بشيء أخذ منه، ووقف عن بقيته حتى يحلف، وإن قال المشهود له أعرف حقي منها، وأبى أن يحلف لم يبطل حقه لأن البينة أثبتت له حقا، قال
стр. 2753
مطرف: وقد كنا نحن نقول إن الشهادة تبطل إذا لم يسم الحق حتى قال مالك هذا، وقضى ابه، وقال مالك أيضا: إذا شهدت بينة للرجل بحق وقالت لا نعرف عدده إلا أنا نشهد أنه قد بقي له عليه حق فإنه يقال للمطلوب أقر له بحقه، فما أقر به حلف عليه ولا شيء عليه غيره، وإن جحده قيل للطالب إن عرفته فاحلف عليه وخذه، وإن قال: لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فليسجن المطلوب حتى يقر بشيء ما، ويحلف عليه، فإن أقر بشيء، ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف (١)، واختلف أيضا إذا شكت البينة، فقيل: الشهادة باطلة (٢)، وقال ابن كنانة في المجموعة: إذا شهدا بمال فقيل للبينة أتعلمان أنه مائة، فإن قالا: لا، قيل: فخمسون، فينزلان حتى يقفا على ما لا يشكان فيه (٣)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن أقر المطلوب بالحق وجاء بشاهد أنه قبض منه شيئا سماه لي ونسيته، قال: ينزل حتى يقدر على ما لا يشك فيه، ثم يحلف المشهود عليه على ما وقف عليه الشاهد ويبرأ، وقال ابن الماجشون: الشهادة ساقطة (٤)، والأول أحسن، ولا يسقط ما استوقن لزائد مشكوك فيه، وإن أقر بثوب أو بعبد لم تعينه البينة ولا وصفته لم تبطل الشهادة لأن إبهام المشهود به ها هنا من قبل المقر ليس من قبل الشهود، واختلف بماذا يقضى له به عليه، فقيل بالوسط من العبيد والثياب، وقيل: بما يدعيه المقر له مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وهو أحسن.
وقال محمد: أقر بدنانير قضي عليه بثلاثة بعد يمين الطالب ما هي أقل،
стр. 2754
ويمين المطلوب ما هي أكثر (١)، وقوله في يمين الطالب ضعيف، وإنما أراد يمينه للاختلاف في أقل الجمع أنه اثنان، وليس هذا مما يقصدونه اليوم ولا يفهمونه إذا قال: دنانير، وإن نكل المطلوب أو أنكر الإقرار جملة، كان القول قول المقر له فيما يدعيه إذا أتى بما يشبه.
فصل [تلفيق الشهادتين إذا اختلفتا وقتا أو مكانا أو مضمونا واتفقا جملة]
واختلف في ضم الشهادتين إذا كانت عن موطنين وكانا على قول أو فعل أو أحدهما على قول والأخرى على فعل، فقيل: يضمان ويقضى بهما، وقيل: لا يضمان، وقيل: إن كانت على قول ضمتا، وإن كانا على فعل لم يضما، وقيل: يضمان، وإن كانتا على فعل وإن كان إحداهما على فعل والأخرى على قول لم يضما، قال مالك: إن شهد أحدهما أنه طلق يوم الخميس بمصر في رمضان والآخر أنه طلق يوم الجمعة بمكة في ذي الحجة طلقت عليه، فإن شهد عليه أنه حلف يوم الخميس أن لا يدخل دار فلان، ثم شهد الآخر أنه حلف يوم الجمعة أن لا يدخلها، ثم شهدا هما أو غيرهما أنه دخل يوم السبت طلقت عليه وضم القولان، وإن شهد عليه أنه حلف يوم الخميس أن لا يدخلها ثم شهد أحدهما أو غيرهما أنه دخلها يوم الجمعة، والآخر أنه دخلها يوم السبت ضمت الشهادتان على الفعلين وطلقت عليه، ولو شهد أحدهما أنه حلف ألا يدخلها وأنه دخلها، وشهد آخر أنه اعترف عنده باليمين والدخول ضمت الشهادة
стр. 2755
وطلقت عليه، وقال في كتاب القذف: إذا شهد أحدهما أنه شجه موضحة وشهد الآخر أنه أقر أنه شجه موضحة ضمت الشهادتان وقضى بهما (١)، وكل هذا فهو أحد القولين، وقد مضى في كتاب الشهادات اختلاف ابن القاسم ومحمد في ضم الشهادتين في المال، وأرى أن يضما في الطلاق إذا شهد كل واحد بثلاث أو شهد كل واحد بطلقة وكانت هي آخر طلقة، فإن لم يكن تقدم له فيها طلاق لم يضم الشهادتان وحلف على تكذيب كل واحد منهما وبرئ، وليست الشهادتان بالثلاث كالشهادة بالواحدة؛ لأن الشهادة إذا كانت على الثلاث كانت على شيء واحد، والذي شهد به الأول هو الذي شهد به الثاني وهو بمنزلة ما لو شهد على عتق عبد بعينه، وإذا شهد كل واحد بطلقة تضمنت أنه ذهبت منه طلقة من ثلاث وبقيت طلقتان وتضمنت شهادة الثاني على القول الأول طلقة ثانية، غير الأولى، وأن يكون بقيت له فيها واحدة، وإذا قال الأول: أوقع عليها أمس طلقة، وقال الاخر: أوقع عليها اليوم طلقة أيضا كانت على قولهما طلقتان فلا يصح أن تجمع الطلقتان وتجعل طلقة واحدة وقد يكون بين الطلقتين ما ينقضي فيه العدة فعلى شهادة الأول لا تقع الثانية لأنها على غير زوجته، وإذا كان الحكم لو سمع كل طلقة شاهدان أن يقع عليه طلقتان لم يصح إذا انفرد كل بسماع كل طلقة شاهدان تجعل واحدة، وإن شهد شاهد بطلقة وآخر بثلاث ضمت الشهادتان وقضى بواحدة وحلف على الباقي، واختلف إذا شهد أحدهما بواحدة والآخر بالبتة، فقيل: لا يضمان؛ لأن البتة لا تتبعض، وقيل: يضمان لأن البتة عبارة عن الثلاث (٢).
стр. 2756
وقال ابن القاسم: إذا شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة لم يقطع (١)، وقال محمد: إذا شهد أحدهما أنه شرب أمس، والآخر اليوم لم يحد، واختلف أيضا في الشهادة في الزنى إذا كانت عن موطنين هل يجمع.
وإن شهد شاهد أنه حلف ألا يدخل دار فلان وأنه دخلها وشهد الآخر أنه حلف ألا يكلم فلانا وكلمه، لم تضم الشهادتان ولم يطلق عليه (٢)، واختلف في يمينه فقيل: يحلف لأن هذه الشهادة لطخ، وقيل: لا يحلف إلا أن يثبت أحد الطرفين إما شاهدان على اليمين وواحد على الدخول، أو واحد على اليمين، واثنان على الدخول، وقد تقدم هذا الأصل في كتاب أمهات الأولاد إذا شهد واحد على إقرار السيد بالوطء، وامرأة على الولادة هل يحلف والاختلاف في ذلك (٣)، وقال ربيعة في ثلاثة نفر شهدوا على رجل كل واحد على طلقة ليس معه صاحبه فأمر أن يحلف أو يفارق، فنكل قال: يفرق بينه وبينها وتعتد من يوم يفرق بينهما لأني لا أدري عن أي شهادات النفر نكل (٤) فلم يجمع شيئا من هذه الشهادة، وعلى أصل مالك وابن القاسم يلزمه طلقة بشهادة الأول والثاني، ويحلف على شهادة الثالث، وإذا لم يجمع الشهادة فيختلف إذا نكل هل يقع عليه ثلاث تطليقات لأن شهادة كل واحد بانفرادها توجب عليه إذا نكل طلقة، وعلى القول الآخر يسجن حتى يحلف.
وقال ابن شهاب في رجل شهد عليه ثلاثة رجال مفترقون شهد أحدهم بطلقة وآخر باثنتين وآخر بثلاث، قال: ذهبت منه زوجته بطلقتين وهذا يصح
стр. 2757
في بعض وجوه المسألة، فإن علمت التواريخ فشهد واحد أنه طلقها قبل أمس واحدة، والثاني أنه طلقها أمس اثنتين والثالث أنه طلقها اليوم ثلاثا ذهبت منه بطلقتين لأن شهادة الأوسط تضم إلى شهادة الأول، فتلزمه طلقة، وبقي من شهادته طلقة فإن شهد الآخر أنه طلقها اليوم ثلاثا فيضم إلى الباقي شهادة الأوسط فيلزمه أخرى، وكذلك إذا شهد الأول باثنتين والأوسط بواحدة والآخر بثلاث يلزمه طلقتان، فتضم شهادة الأوسط إلى الأول، فتلزمه طلقة ويبقى من شهادة الأول واحدة فتضاف إليها شهادة الآخر، فتلزمه طلقة أخرى، ويحلف على الباقي من شهادة الآخر، ولو شهد الأول بثلاث والثاني باثنتين والآخر بواحدة لزمه ثلاث لأن شهادة الثاني إذا ضمت إلى شهادة الأول لزمه طلقتان قبل أن يسمعه الثالث يوقع الأخرى فلما سمعه الثالث ضمت شهادته إلى الباقي من شهادة الأول وهي واحدة فتمت الثلاث، وكذلك إذا شهد الأول بثلاث والثاني بواحدة والثالث باثنين لزمه ثلاث لأن شهادة الأول تضم إلى الثاني فتلزمه طلقة ويبقى من شهادته طلقتان فلما سمع الثالث طلقها اثنتين ضمت إلى الباقي من شهادة الأول ولزمته أخرى فتمت الثلاث، وكذلك لو شهد الأول أنه أوقع عليها طلقتين والثاني ثلاثا، والآخر واحدة لزمه الثلاث؛ لأنه لما سمعه الثاني لزمه طلقتان قبل أن يسمعه الثالث ويبقى من شهادة الأوسط طلقة، فلما طلق الأخرى أضيفت إلى الباقي من شهادة الأوسط فتمت الثلاث، ويختلف إذا عدمت التواريخ هل يلزمه طلقتان أو ثلاث لأن الزائد عن الاثنتين من باب الطلاق بالشك.
стр. 2758
فصل [فيمن أقر أنه فعل شيئا ثم حلف بالطلاق أنه لم يفعله]
وقال مالك فيمن أقر أنه فعل شيئا ثم حلف بالطلاق أنه لم يفعله، وقال كنت كاذبا صدق وأحلف وإن شهدت عليه بينة أنه أقر بأنه فعله، فإن كان إقراره قبل يمينه فلا شيء عليه، وإن كان بعد يمينه حنث (١)، وإن قال امرأته طالق ما دخل دار فلان فشهدت عليه بينة أنه دخلها طلقت عليه، وقال في كتاب محمد إن شهد عليه رجلان بحق فحلف بالطلاق لقد شهدا بباطل دين في يمينه وقضي عليه بالحق، وإن شهد عليه غيرهما بذلك الحق طلقت عليه، وإن حلف قبل أن يشهد عليه ولا علم له بشهادتهما ثم شهد أحنث (٢)، وإن علم أنهما يشهدان عليه، فقيل له: إن فلانا وفلانا يشهدان عليك بكذا فحلف بالطلاق أن لا شيء عنده من ذلك، ثم شهدا عليه لم يحنث، وقال مالك فيمن وجد عليه ريح شراب فشهد عليه شاهدان عند الإمام أنه ريح شراب فحلف المشهود عليه بالطلاق إن كان شرب خمرا، قال يقام عليه الحد في يمينه ولا تطلق عليه.
فصل [في شهادة الأعمى]
قال مالك: وتجوز شهادة الأعمى إذا عرف الصوت وقد حاجني رجل مرة عند بعض الولاة في ذلك فقلت كيف حفظ الناس ما حفظوا عن أزواج النبي ﷺ (٣)، وإنما كان كلامهن للناس من وراء حجاب.
стр. 2759
قال الشيخ ﵁: وقد أمرهن الله بالحجاب فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وأمرهن بالبلاع فقال : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] ما سمعن منه من السنة، وقال النبي ﷺ : "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١) فأجاز لمن كان في بيته أن يقتدي بما يقع له من التفرقة بكان الصوتين وأن هذا نداء بلال فيأكل وهذا نداء ابن أم مكتوم (٢) فيمسك، ولولا معرفة الصوت لم يجز له أن يأكل بما يقع له أنه أذان بلال؛ لأنه يمكن أن يكون أذان بلال تقدم وهو نائم، وهذا الثاني نداء محرم، ونادى النبي ﷺ مخرمة، فعرف صوته، فخرج وعلى يده قباء، وقال: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ" (٣)، قال سحنون: وكما يعرف صوت امرأته فيصيبها (٤)، يريد: وإن كان في ليل ومعه بناته أو غيرهم، وقال ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: لا تجوز شهادته على الزنى لأنه إنما يشهد على الرؤية (٥).
стр. 2760
كتاب التخيير والتمليك
النسخ المقابل عليها
١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤)
٢ - (ح) = نسخة الحسنية رقم (١٢٩٢٩)
٣ - (ق ١٠) = نسخة القرويين رقم (٣٧٠)
стр. 2761
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب التخيير والتمليك
باب في التخيير والتمليك في الزوجات وما يمنع من ذلك
الأصلُ في تخيير الزوجة قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، والتخيير على ثلاثة أوجه: يجوز في وجهين، ويمنع في ثالث، فيجوز إذا كان الطلاق إلى الزوج يقول: إن اخترت أن أطلقك طلقتك، أو يقول: اختاري تطليقة، ويمنع أن يجعل لها أن تطلق بالثلاث؛ لأنَّ طلاق الثلاث في مرة ممنوع على أن يوقعه الزوج أو يوكل من يوقعه، الزوجة أو غيرها، فإن فعل انتزع ذلك الحاكم من يدها إلا أن تسبق بالقضاء بالثلاث فيمضي فلا يعزض هذا بالآية في التخيير لوجوه أربعة:
أحدها: أن مضمون الآية أنه هو المطلق لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فهو المسرح بالطلاق.
والثاني: أنه لو سُلِّم (١) أن المراد بالآية أن الزوجة هي المطلقة والمسرحة
стр. 2762
لجاز؛ لأن ذلك يقتصي طلقة، ولو قال: سرِّحي نفسك لم يكن لها أن تقضي إلا بطلقة.
والثالث: أنه لو كان تخييره في الثلاث (١) لكان حكمه في ذلك يخالف (٢) حكمنا؛ لأن الوجه الذي يمنع من أجله طلاق الثلاث هو ما يدرك الزوج من الندم، ومثل ذلك يؤمن من النبي ﷺ ؛ لأن التخيير كان من الله سبحانه لا يدركه ندم فيما فعله بوحي.
والرابع: أنه لو سلم أنه يلحقه ما يلحق غيره لم يستردها بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة.
وقوله ﷺ لعائشة ﵂: "لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجِلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ" لأنها لو اختارت أن يطلقها لامتثل ذلك النبي (٣) ﷺ لأمر الله له به، وما روي أن إحدى نسائه اختارت فكانت البتة فغير صحيح، والذي في البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ أنها قالت: "فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ" قالت (٤): "ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ" (٥).
стр. 2763
فصل [فيمن قال لامرأته بعد الدخول: اختاري نفسك]
وقال مالك: فيمن قال لامرأته وقد دخل بها: اختاري نفسك فقالت: قد اخترتُ نفسي: إنها ثلاث ولا يقبل قول واحد من الزوجين أنه أراد واحدة، وإن قالت: قبلت أمري، سُئلت: ما أرادت بذلك؟ فإن قالت: قبلت ما جعل إليَّ، قيل لها: فطلقي إن شئت أو ردي، وإن قالت: أردت ثلاثًا لم يكن للزوج أن يناكرها، وإن قالت: أردت واحدة، لم يلزم ذلك الزوج ويسقط ما بيدها، وإن قال: أمرك بيدك، فقضت بالثلاث كان له أن يناكرها، وإن قضت بواحدةٍ لزمته ولم يكن له أن يناكرها (١).
وقد اختلف في التخيير في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا قالت: اخترت نفسي، هل له أن يناكرها؟
والثاني: إذا قضت بطلقة (٢) هل يلزمه الثلاث؟
والثالث: إذا لم يصح قضاؤها بطلقة هل لها أن تعود فتقضي بالثلاث؟
فقال ابن الجهم: للزوج أن يناكرها في الثلاث وتكون طلقة بائنة.
وقال ابن سحنون في كتاب الأصول: سمعت سحنون يقول: لا فرق عندي بين التخيير والتمليك، له أن يناكرها فيهما جميعًا. يريد: وتكون طلقة رجعية كالتمليك، قال: وأكثر أصحابنا يقولون: الطلقة بائنة.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: التخيير والتمليك سواء، له أن يناكرها.
стр. 2764
وحكى ابن خوازمنداد عن مالك أن محمله في الخيار على طلقة بائنة مثل ما ذكر ابن سحنون عن أكثر أصحابه.
قال الشيخ ﵀: التخيير والتمليك سواء إلا أنه متعلق بما بعده، وقوله: خيرتك في نفسك أو ملكتك نفسك سواء، بخلاف قوله: خيرتك في أمرك أو (١) ملكتك أمرك، فإن قال: خيرتك في نفسك أو اختاري أو ملكتك نفسك، كان لها أن تبين بنفسها إن شاءت، وذلك يصح بالثلاث أو بطلقة بائنة، ولا يصدق أنه أراد واحدة رجعية؛ لأنه إذا ارتجع لم يصح اختيارها لنفسها. وإن قال: لم أنوِ عددًا، صدق ثم يعود الخلاف بماذا تبين؟ فرأى مرة أنها تبين بالثلاث؛ لأن الواحدة لا تكون بائنة إلا أن يكون معها فداء، ورأى مرة أنها تكون بائنة وإن لم يكن معها فداء.
وقد اختلف فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع، هل يكون ثلاثًا أو واحدة بائنة أو رجعية؟
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن خير زوجته فقالت: قد اخترت أمري وقالت: أردت الصلح، فقال: هو صلح لا يراجعها إلا بنكاح جديد (٢). يريد: أنها تكون واحدة بائنة، فإذا صحَّ أن تبين بواحدة إذا أرادت هي ذلك صحَّ أن يكون اختيارها نفسها كذلك؛ لأنَّ الاختيار لا يفتقر إلى عددٍ وإنما يفتقر إلى البينونة، وقياسًا على اختيار الأمة نفسها بعد العتق أنها تبين بواحدة. وإذا قال: اختاري أمرك أو ملكتك أمرك، قبل قوله أنه أراد واحدة؛ لأنَّ التخيير والتمليك إنما جعله لها في أمرها وهو الطلاق، ولو صرح في قوله
стр. 2765
فقال: اختاري الطلاق أو ملكتك الطلاق لقبل قوله أنه أراد واحدة، وقد اختلف في ذلك فقال محمد: إذا قال: اختاري أمرك هي ثلاث ولا ينوى (١).
وقال أبو إسحاق ابن شعبان: قوله اختاري أمرك وملكتك أمرك سواء (٢)، ويقبل قوله أنه أراد واحدة وهو أحسن، ولو كان لا يقبل قوله إذا قال: اختاري أمرك، لم يقبل إذا قال: ملكتك أمرك.
واختلف إذا قضت في التخيير بواحدة على القول أنها (٣) ليس لها أن تقضي إلا بالثلاث، فقال مالك: يسقط ما بيدها (٤).
قال محمد: ما لم يتبين منه الرضا بذلك فتكون طلقة له فيها الرجعة (٥).
وقال أشهب: لها أن ترجع فتقضي بالثلاث (٦)، وهو أحسن لأنَّ النساء لا يميزن أحكام هذه الألفاظ، وإنما يقع عندها أنها فعلت ما جعل لها فينبغي أن يبين لها ثم ينظر إلى ما تعمل (٧) بعد ذلك.
وقال عبد الملك في كتاب محمد: إذا قضت بواحدة كانت البتة (٨). قال في ثمانية أبي زيد: لأنه إنما يخيرها في الخروج من عنده والانبتات فبلغناها البتة (٩) فحمل قولها واحدة أنها أرادت أن تبين (١٠) بها وألزمها الثلاث.
стр. 2766
فصل [فيمن خير في الطلاق دون النفس]
فإن لم يخيرها في نفسها وخيرها في الطلاق، فقال: اختاري طلقة أو اثنتين أو ثلاثًا، لم يكن لها أن تقضي بخلاف ما جعل لها (١). وإن قال: اختاري واحدة أو اختاري طلقة أو اختاري من الطلاق طلقة أو في تطلقي من الطلاق واحدة لم تقض إلا بطلقة ولا يمين عليه في شيء من ذلك. وإن قال: اختاري في واحدة حلف أنه لم يرد إلا طلقة ولا يمين عليه في شيء من ذلك لإمكان أن يكون أراد بقوله في واحدة أي في مرة واحدة. وأحلفه ابن القاسم إذا قال: اختاري في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي وألا يمين عليه أحسن (٢).
وإن قال: اختاري تطليقتين أو من تطليقتين أو في تطليقتين كان الجواب مختلفًا. فإن قال: اختاري تطليقتين كان لها أن تقضي بهما، فإن قضت بواحدة لم يلزمه بشيء، وإن قال: اختاري من تطليقتين فقضت بالواحدة لم يكن لها أن تستكمل اثنتين (٣).
واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين فقال في المدونة: تقضي بها فإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء (٤).
стр. 2767
وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة، وقوله في تطليقتين يحتمل أن يريد في أن تقضي أو تترك لعدتها أو (١) تختار في الأعداد، فأرى أن يُسأل عما أراد إذا قضت بواحدة فإن قال: أردت الأعداد لزمته الواحدة، وإن قال: أردت أنها تقضي أو تترك حلف على ذلك، ثم يكون لها أن تستأنف الخيار؛ لأنها تقول: ظننت أنه أراد العدد ولو علمت أنه لم يرد ذلك لقضيت بالاثنتين، وكذلك إن قال: طلقي نفسك ثلاثًا أو اثنتين، لم يكن لها أن تقضي بغير ذلك، وأن قال: ملكتك طلقتين (٢) أو ثلاثًا كان لها أن تقضي بجملة ذلك العدد أو ببعضه. قال في المدونة: لأنه في التمليك جعل لها أن تقضي بالواحدة والاثنتين والثلاث (٣).
وقال في ثمانية أبي زيد: إذا قال: ملكتك ثلاثًا، لها أن تقضي بما شاءت، وقال في كتاب ابن حبيب: إذا قضت بواحدةٍ لم يكن لها شيء (٤). والأول أحسن؛ لأن قوله ملكتك يقتضي أن يتصرف في ذلك تصرف المالك، والمالك يتصرف في بعض ملكه وفي جملته؛ وليس كذلك قوله: طلقي نفسك ثلاثًا؛ لأنَّ هذه اللفظة لفظة الأمر فتمتثل ما أمرها به أو ترده.
واختلف أيضًا إذا قال: ملكتك في ثلاث كالاختلاف الأول على (٥) قول ابن سحنون يكون لها أن تقضي بواحدةٍ بخلاف أن يقول: ملكتك الثلاث ولا يقول: "في".
وكل هذا ينحصر في أربع، تخيير وتمليك وأمر بالطلاق ووكالة عليه.
стр. 2768
ومحمل الأمر بالطلاق إذا قال: طلقي نفسك على واحدة، وسواء دخل بها أو لم يدخل.
والتمليك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: ملكتك نفسك، فحكمه حكم خيرتك في نفسك، وقد تقدم.
والثاني: أن يقول: ملكتك أمرك، واختلف هل يحمل مع عدم النية على الثلاث أم على واحدة؟ فالمعروف من المذهب أن محمله على الثلاث إلا أن تكون نيته أقل، وسواء دخل بها أو لم يدخل.
وقال مالك في كتاب محمد في رجلٍ لاعب امرأته فملكها وهو يلاعبها فقالت: تركتك، فقال الزوج: كنت لاعبًا ولم أرد طلاقًا، فلا يصدق ويحلف أنه لم يرد طلاقًا وتكون واحدة (١)، فحمله مع عدم (٢) النية على واحدةٍ؛ لأنَّ معنى قوله: ملكتك أمرك، أي: طلاقك، والطلاق مصدر يصح أن يراد به الواحدة أو الثلاث، فرأى مرة أنه لا تخرج من يده إلا بما لا شكَّ فيه وهو واحدة، ورأى مرة أنها إذا أوقعت الثلاث لم ترد؛ لأنه مما يمكن أن يتضمنه ذلك اللفظ فلا يرد بشك.
والثالث: أن يقول: طلاقك في يدك.
فقال مالك في المدونة: هو بمنزلة التمليك، القول قول الزوج إذا رد عليها ويحلف (٣). وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن قال: وهبت لك طلاقك
стр. 2769
هي البتة (١). وإن قال: نويتُ واحدة، لم ينفعه؛ لأن الهبة (٢) تجمع الطلاق كله، وكذلك إذا قال: فراقك، وعلى هذا يحمل قوله: طلاقك في يدك على الثلاث؛ لأنَّ الطلاق يعبر به عن الواحدة والثلاث، فجاز أن يصدق أنه أراد واحدة.
واختلف إذا قال: طلقي نفسك، فجعله ابن القاسم في المدونة تمليكًا (٣).
وقال محمد: ليس لها أن تطلق إلا واحدة ولو طلقت أكثر فلم ينكر ولم يرد حلف أنه لم يسكت رضًا منه بما طلقت وهو أبين وليس قوله طلاقك بيدك بمنزلة قوله: طلقي نفسك (٤).
فصل [فيمن خير زوجته في الطلاق قبل البناء]
وإن خيرها قبل البناء فقالت: اخترت نفسي ولم ينوِ الزوج ولا هي عددًا كان محمله عند مالك على الثلاث، وإن نوت واحدة أو ثلاثًا كان ذلك على ما نوت إذا لم يناكرها، فإن قضت بالثلاث وقال: أردت واحدة صدق. قال أصبغ: إن نوت واحدة ولا نية للزوج لم يلزمه الواحدة (٥)، وكل هذا ليس بالبين.
ولا أرى أن يلزم مع عدم النية منهما أو من أحدهما إلا واحدة؛ لأنَّ اختيار النفس لا يتضمن عددًا، وإنما يتضمن أن تبين بنفسها، وذلك يصح بطلقة.
стр. 2770
ويختلف إذا خيرها قبل البناء ثم لم تعلم حتى بنى بها؛ لأنه دخول فاسد، فقيل: لا يملك فيها رجعة، فعلى هذا لا يكون لها أن تقضي إلا بواحدة بمنزلة من لم يدخل. وقيل: يملك فيها الرجعة فيصير على هذا إلى حكم من خيرت بعد البناء؛ لأنه كان جعل لها أن تبين بنفسها، فيختلف هل تقضي بالثلاث أو بواحدة بائنة؟.
واختلف إذا خيرها وهي صغيرة فاختارت نفسها، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك طلاق إذا كانت قد بلغت في حالها، قال ابن القاسم: يريد إذا بلغت الوطء فيما ظنت، وقال أشهب وعبد الملك: ذلك خيار وإن كانت صغيرة (١). وهو أبين إذا كانت ممن يعقل مثل ذلك، وإن كانت لا تعرف الصلاح من الفساد، وأما إن كانت [. . .] (٢) أن يوقع عليها الطلاق من (٣) لا معرفة عنده ولا تمييز، وأمَّا إن كانت (٤) لها السنتان والثلاث فليس قضاؤها بشيءٍ.
وقال ابنُ القاسم في العتبية فيمن تزوج صغيرة على أنه (٥) إن تزوج عليها فأمرها بيدها، فتزوج عليها فقال: إن كانت عقلت وعرفت الطلاق والخيار، فالخيار لها، وإن كانت لا تعرف استُؤْنِي بها حتى تعرف ثم تختار، ولو تزوجها على إن تزوج عليها كان أمر التي تزوج عليها بيدها فتزوج عليها وهي صغيرة لا تعقل فسخ النكاح (٦).