فصل [في صرف الدَّين المؤجل]
ومن المدونة قال مالك فيمن عقد سَلَمًا في سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فلما وجب البيع دفع المشتري إلى البائع دينارًا وأخذ دراهم صرفًا عن بقية الدينار، ولم يكن ذلك شرطًا بينهما، قال: لا خير فيه. قال ابن القاسم: رآه صرفًا وسلعة إلى أجل (١).
وقال في كتاب محمد: ومن كان يسأل رجلًا نصف دينار، فأتاه بدينار، فقضى نصفه، وجعل نصفه (٢) في سلعة إلى أجل، قال: لا بأس به، قاله ابن القاسم بعد أن وقف عنه. قال محمد: ما لم يكن النصف الأول دراهم أسلفها إياه (٣)، ولا نصف دينار مضروب، وأما ثمن سلعة فلا بأس، قال -وقاله ابن القاسم-: إن حل الأجل أو كان حالًّا، فإن لم يحل فلا خير فيه، وكان سلفًا وبيعًا، وضع وتعجل. انتهى قوله (٤).
ففرق مالك بين السؤالين، ومنع الأول واتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، لما كانت البيعة الأولى إلى أجل وأجراها على التهم، كبياعات الآجال، ولو سلما عنده من التهمة لجاز؛ لأنه إنما دفع النصف قضاءً، وصارف في نصف، ولا شيء عليهما فيما بينهما وبين الله سبحانه، ولو حمل النصف الذي في الذمة على أنه دراهم لما كان إنما يحكم فيه بدراهم- لم يمتنع أيضًا إذا لم يُتهما أن يكونا
стр. 2837
عملا على ذلك؛ لأنه بمنزلة رجل عليه عشرة دراهم فاشتراها من ذمته، وعشرة أخرى يقبضها بدينار دفعه نقدًا، وذلك جائز، وجاز ذلك في المسألة الأخرى؛ لأنه لا يدخلها صرف، وإنما أخذ دينارًا وأخذ سلعة (١) تقدمت، ويأخذ سلعة بعد ذلك، ووقف ابن القاسم فيه مرة، مراعاةً لمن حمل النصف المتقدم على الورق، لما كان لا يحكم الآن فيه إلا بورق، فيدخله ما دخل المسألة الأولى من أنه ورق وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا، وإذا كان النصف دراهم لم يجز عنده بحال؛ لأن دافع الدينار الآن اشترى به الدراهم التي في ذمته وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا.
وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس أن يجوز ذلك، فيجوز أن يعقدا صرفًا وبيعًا في دينار، ويدفع الدينار ويقبض الدراهم، وتبقى السلعة إلى أجل، وأجرى كل واحد منهما على حكمه في المناجزة في الصرف خاصة، وأجاز التراخي في البيع.
قال: ولا يلزم أن يتناجزا في البيع وُيردَّا فيه إلى حكم الصرف، كما لا يجوز أن يردَّ الصرف إلى حكم البيع، لمَّا جمعهما عقد، ولم يجزه محمد إذا كان النصف دينارًا مضروبًا مجموعًا أو تبرًا، والدينار الذي يدفع الآن قائم؛ لأنه يدخله التفاضل والنَّساء، وهو ذَهَبٌ بذَهَبٍ من غير جنسه، وسلعة إلى أجل (٢).
ولو باع سلعة بنصف دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل دفع إليه المشتري (٣) دينارًا وأخذ بقيَّته دراهم- لم يجز على قول مالك؛ لأن الأول بيعة إلى (٤) أجل،
стр. 2838
فيُتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون سلعة نقدًا ودراهم إلى أجل بدينار مؤجل، ولا فرق في بياعات الآجال فيما يعودان إليه من ذلك عند عقد البيع أو بعد حلول الأجل، وعند دفع الثمن.
وقد اختُلف فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير إلى أجل، فلما حلَّ الأجل، قضاه عشرة، فوجد في وزنها فضلًا، فأعطاه بذلك ورقًا. فأجازه في المدونة (١)، وكرهه مالك في كتاب محمد في الوَرِق، قال أشهب: فإن نزل لم أفسخه (٢)، واستخف ذلك مرة، لقلته في جملة العشرة الدنانير (٣)، ولا يُجيزه في مثل ثمن المبيع الأول، وهو نصف دينار، وأجازه ابن القاسم في القرض، فقال فيمن استقرض نصف دينار دراهم، فقضاه دينارًا وأخذ فضله دراهم: إنه لا بأس به (٤).
وضعفت التهمة عنده هنا لما كان أصله معروفًا، بخلاف ما خرج على وجه المبايعة، وقد اختُلف فيه أيضًا، وإن كان (٥) قرضًا.
وإن اشترى سلعة بعينها بنصف دينار كل ذلك نقدًا، فنقد دينارًا وأخذ فضله دراهم، جاز ذلك إذا كان قد قبض السلعة، ولا يجوز أن يتأخر دفعها عن وقت المصارفة في بقية الدينار، وأجازوا ذلك وإن لم تكن المصارفة، ودفع الدينار بحضرة عقد البيع، وإن دفع الدينار وترك النصف عنده على وجه السلف ولم يصارفه فيه جاز ذلك، كانت السلعة الأولى نقدًا أو إلى أجل.
стр. 2839
باب في بيع الفلوس بالفلوس وبالعين
الربا محرم في العين بالذهب والفضة، واختُلف في الفلوس إذا كانت ببلد يُتبايَع بها فيه، وتجري بينهم كالعين، فأجاز مالك مرة التفاضل فيها، وأن تسلم في العين الذهب والفضة (١)، وكره ذلك مرة (٢).
ورأى مرة أن ذلك حرام التفاضل فيها والنَّساء إذا بيعت بالعين (٣).
وهذا راجع إلى تحريم الربا في العين، هل هو شرع معلل أو غير معلل؟
فرأى مرة أنه معلل، وأن العلة أنها أثمان السلع وقيم المتلفات، وأجرى الفلوس عليها في التحريم والتفاضل (٤). وأشكل عنده ذلك مرة، فلم يحرمه ولم يبحه، فكرهه.
ولم يختلف قوله في الأربع التي جمعها النبي ﷺ مع العين، وهي: القمح والشعير والتمر والملح (٥)، أنها معللة، وأن التحريم ليس بمقصور عليها، وقاس عليها غيرها، وأجراها على حكمها في التحريم.
стр. 2840
باب فيمن عقد صرفًا على ما في ملك غيره، وفيما يكره من التراخي في الصرف ولا يحرم، وفي المواعدة في الصرف والخيار والصرف على التصديق
ولا يعقد المتصارفان صرفًا إلا على ما هو حاضر معهما، ثم يتناجزان بفور العقد، ولا يؤخران ذلك وإن لم يفترقا، ولا يقومان إلى موضع آخر ليتناجزا فيه.
وقال ابن القاسم: إذا عقدا الصرف على ما ليس معهما، عقدا صرف دينار بعشرين درهمًا، ثم التفت أحدهما إلى إنسان إلى جانبه فاستقرض منه دينارًا، والتفت الآخر إلى من بجنبه (١) فاستقرض منه عشرين درهمًا، ثم تناجزا، فلا خير فيه (٢).
واختلف إذا صارف أحدهما على ما معه، واستقرض الآخر، فقال ابن القاسم: إذا كان ذلك متصلًا بمنزلة النفقة يحملها من كُمه، ولا يبعث رسولًا يأتي بها، فلا بأس به (٣).
وقال أشهب: لا خير فيه؛ لأنكما عقدتما على ما لا يجوز من غيبة الدينار (٤).
стр. 2841
واستثقل ابن القاسم ذلك إذا استقرضا جميعًا، وقال: لا خير فيه (١)؛ حماية لئلا يتذرع (٢) الناس إلى التأخير في الصرف.
واستخف ذلك (٣) إذا استقرض أحدهما؛ لأنه لا يتقى من ذلك مثله إذا استقرضا جميعًا.
ولم يمنع ذلك؛ لأنه صرف على الذمم، وإنما الممنوع أن يعقدا على ما تتراخى مناجزته قبل الافتراق أو بعده.
ولو أن هذين عقدا الصرف ابتداءً على ما يقرضانهما هذان، وقد رضيا لهما بذلك قبل عقد الصرف أو بعده، وقالا: إن أقرضانا أمضينا ذلك وتناجزنا في الصرف، وإن لم يقرضانا فلا صرف بيننا، لم يحرم (٤) ذلك، ويكره حماية.
وإن طال ما بين العقد والمناجزة بين المتصارفين إما لغيبة العينين (٥) أو لأحدهما، أو قصد التأخير مع بقاء المجلس، أو افترقا أو قاما جميعًا إلى موضع غير الذي عقدا فيه الصرف- فَسَدَ متى وقع الطول بشيء من هذه الوجوه.
واختلف إذا كان التراخي يسيرًا ولم يطل، فكرهه مالك مرة، واستخفه أخرى، فقال في كتاب محمد فيمن صرف دراهم بدنانير، فقال: اذهب بها إلى الصراف فأرى وأزن، قال: أما الشيء اليسير (٦) القريب فأرجو ألا يكون به
стр. 2842
بأس (١)، قال: وهو يشبه ما لو قاما إليه جميعًا. فأجاز القيام عن المجلس إذا كان يسيرًا، وعلى هذا يجوز العقد على ما هو غائب عنهما على مثل ذلك القرب (٢) إذا كان في ملكه.
وقال مالك في المدونة فيمن يصرف دينارًا من الصراف ويزنه منه، فيدخله الصراف تابوته: لا يعجبني، وليترك الدينار على حاله حتى يخرج دراهمه فيزنها ثم يأخذ الدينار ويعطي الدراهم (٣).
قال محمد: وليرد ديناره إليه، ثم يتناجزان (٤).
وكل هذا حماية، ولا يفسد به الصرف. وقال ذلك ابن وهب في كتاب محمد.
وقال مالك في الحلي يباع في الميراث، ثم يقوم معه صاحبه -يريد: إلى الصراف ليعطيه ثمنه- قال: لا يفارقه (٥).
قال مالك: ألا تسمع إلى قول عمر بن الخطاب ﵁: وإن استنظرك إلى أن
стр. 2843
يلج بيته، فلا تنظره (١)، قال: قلت: قول عمر يغيب عنه حتى (٢) يلج بيته، وهذا معه لا يفارقه، فقال: أرأيت لو سار معه ميلين؟ لا أرى ذلك حتى يعطيه مكانه، وقال: يحمل معه كيسه حتى يعطيه.
ولا يجوز اليوم لمن صرف دينارًا بدراهم أن يودعها بعد المناجزة عند الصراف؛ لأن القصد بتركها أن يبرأ من نقصها ونحاسها، وقد عُلم ذلك منهم، ومحمل قول مالك في الذي قبض من دين له طوق ذهب (٣)، فافترقا قبل قبضه الطوق: "لا خير فيه"، على أنه بقي فيه وجه (٤) من التوفية وزن أو غير ذلك، ولو لم يبق فيه شيء من التوفية لكانت مصيبته من مشتريه، وإيداعه جائز، بخلاف إيداع الدنانير والدراهم.
فصل [في المواعدة والخيار في الصرف، والصرف على التصديق]
واختلف في المواعدة في الصرف وفي الخيار في الصرف، وفي الصرف على التصديق في الوزن أو الجودة.
فأما المواعدة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:
فقال مالك وابن القاسم: يكره ذلك (٥).
وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: يفسخ، ورآه صرفًا فاسدًا، وقاسه على
стр. 2844
المواعدة في العدة؛ لأن كليهما مبايعة.
وقال ابن نافع في السليمانية: لا بأس به، ما سمعت أن أحدًا كرهه.
وفرق بينه وبين المواعدة في العدة، وهو أحسن؛ لأن الوجه في منع المعتدة من النكاح خيفة أن تكون حاملًا، حفظًا للأنساب فمنعت من المواعدة خوف أن تسرع بالعقد في العدة، فيؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب، مع ما عُلم ممن تكون له رغبة في ذلك، ويخشى أن يُسبق إليها، وقلة تثبت النساء في ذلك أن يوقعا العقد في العدة، فحُمي باب المواعدة لذلك، وليس الصرف كذلك؛ لأنهما قادران على العقد في الحال.
ويجري الخلاف المتقدم في المواعدة في الصرف في بيع الطعام قبل قبضه، هل يجوز أو يكره أو يكون فاسدًا؟
واختلف أيضًا في الخيار في الصرف:
فقال مالك: هو فاسد (١).
وقال في كتاب محمد في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال: أرجو أن يكون خفيفًا، قال محمد: وغير هذا من قول مالك أحب إلينا (٢).
وفي الزاهي عن مالك في الخيار في الصرف قولان: الجواز، والمنع.
وقد اختلف في هذا الأصل فيما عقد على خيار ثم أجيز، فقيل: يصير كأنه لم يزل منعقدًا من يوم عقداه، وعلى هذا يكون الصرف فاسدًا، وقيل: هو بمنزلة ما لم يتقدم فيه عقد إلا وقت أجيز؛ لأنه قبل ذلك على ملك بائعه
стр. 2845
مصيبته منه، وغلاته له، وعلى هذا يكون الصرف جائزًا.
واختلف في الصرف على التصديق إذا قال: بائع الدراهم هي جياد ووزنها كذا، فأراد مشتريها أن يقبلها على ذلك، فمنعه مالك في كتاب محمد، وأجازه أشهب (١).
وكذلك لو باع سوارين، فقال: وزنهما كذا، وأراد مشتريهما أن يقبلهما على ما قاله من غير وزن، فاختلف فيه حسبما تقدم.
قال الشيخ ﵁: والمنع أحسن إذا كان بائع الدراهم أو السوارين غيرَ مأمون، فإن كان ثقة ومن أهل الصرف جاز؛ لأنه يتقي أن يوجد الأمر على خلاف ما قال، ولا يُطلع من مثل ذلك على الرجل الصادق إلا أن يكون نادرًا، والنادر لا حكم له.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن افترقا على التصديق، فوجد زيادة أو نقصًا، فترك صاحب الفضل ما له فيه جاز ذلك (٢).
стр. 2846
باب فيمن بادل رجلًا دنانير بدنانير، ثم صرفها منه بدراهم، أو صارفه دنانير بدراهم، ثم باعها منه بدنانير
ومن المدونة قال مالك فيمن بادل رجلًا بدنانير تنقص خروبة خروبة بدنانير قائمة، فلما أخذ وأعطى أراد أحدهما أن يصرف منه دينارًا مما أخذ، قال: لا خير فيه (١).
فمنع ذلك خشية أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيدخله دنانير ودراهم بدنانير. ولو ردَّ جميع ما أخذ من الدنانير بالحضرة، وأخذ دراهم- لجاز؛ لأن حكم المراطلة يسقط، وكان صرفًا صحيحًا.
ولو ردَّ جميعها بعد أن فارقه ولم يطل ما بين ذلك لكره، لإمكان أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون صرفًا مستأخرًا، وإن طال ذلك جاز.
وعكسه أن يكون الأول صرف دنانير بدراهم، ثم يرد الدنانير ويأخذ الدراهم من غير سكة دراهمه؟ فقال ابن القاسم: كره مالك ذلك، فإن كان بعد يوم أو يومين كرهه أيضًا. قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك فلا بأس به (٢).
قال الشيخ: أما إن رجع إليه أدنى سكة والوزن سواء، أو أدنى سكة وأقل وزنًا (٣) جاز، ولا تهمة في هذا. وإن رجع إليه أجود سكة والوزن سواء، أو أجود سكة وأكثر وزنًا (٤) - جاز أيضًا؛ لأنه ليس فيه تهمة على صرف، والتهمة
стр. 2847
فيه من باب سلف بزيادة، وهذا الوجه تدخل التهمة فيه في بياعات الأجل، وهذه بيعة نقد، وإنما تدخل التهمة في بيع النقد لو رجع أمرهما إلى تفاضل في الجنس الواحد أو صرف مستأخر.
فإن كانت إحداهما أجود فضة، والأخرى أجود سكة نظرت، فإن اختلف الوزن لم يجز ذلك في الحضرة ولا بعد يوم أو يومين، وهو ربًا، وإن استوى الوزن جاز ذلك إذا لم يفترقا؛ لأن أمرهما عاد إلى المراطلة، وهما لو اعترفا أنهما عَمِلا على ذلك لجاز، وإن افترقا ولم يطل منع وفسخ، وإن طال مضى.
وقال مالك: لو أن رجلًا كان يسأل رجلًا ذهبًا فأتاه بها فقضاه فردها إليه مكانه في طعام، أو كان لرجل على رجل ذهب، فأسلم إليه مثلها في طعام، ثم ردها إليه قضاءً من دينه: إنه لا خير فيه، وهو يشبه الصرف (١).
يريد: أنه تدخله التهمة كما تدخل الصرف، إلا أن التهمة ها هنا في فسخ الدَّيْن في الدَّيْن؛ لأن المعاملة الثانية بيع أجل، وإن نزل ذلك رُدَّ ما فعلاه أخيرًا، فإن كان الأول قضاء فرده في سلم- فسخ السَّلَم، وإن كان الأول سَلَمًا ثم قضاه- رُدَّ القضاء ومضى السَّلَم.
стр. 2848
باب فيمن اشترى سيفًا مُحَلَّى نصله تبعٌ لحليته
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اشترى سيفًا مُحَلًّى نصله تبع لفضته (١) فقبضه وافترقا قبل أن يدفع ثمنه، ثم باعه مشتريه: كان بيعه فوتًا، وعليه للأول قيمته من الذهب، وإن كان بيده ولم يتغير رد البيع فيه، وإن حال سوقه فليس ذلك بفوت، وإن انقطع السيف أو انكسر الجفن كان فوتًا، وعليه قيمة حليته (٢).
قال الشيخ: إذا كان نصل السيف تبعًا لحليته جرى في البيع على حكم الصرف، فيباع بخلاف حليته يدًا بيد، ولا يباع بجنس حليته يدًا بيد ولا مؤجلًا، فإن فعل أو اشتراه بخلاف حليته فافترقا قبل أن ينقده- اشتراه بمثل حليته يدًا بيد أو مؤجلًا- فسخ ذلك إن كان قائمًا.
واختلف فيه إذا فات، وفيما يفيته:
فرأى ابن القاسم أن الذي يفيته البيعُ، أو تغيره في نفسه، بأن ينقطع السيف أو ينكسر الجفن، ولا يفيته حوالةُ الأسواق (٣).
وقد خولف في هذه الوجوه الثلاثة، فقال محمد: القياس في حوالة الأسواق أنها فوت. وذكر عن ابن القاسم أنه قال في الحلي يباع جزافًا بيعًا فاسدًا: أن حوالة الأسواق فيه فوت (٤).
стр. 2849
وهذا اختلاف قول من (١) ابن القاسم؛ لأنه إذا كان ذلك فوتًا في الحلي، وهو ذهب بغير عرض- كان في السيف أحرى؛ لأنه عرض وذهب، أو فضة جزاف.
وخالف سحنون فيما إذا باعه أو انكسر عنده، وقال: إذا باعه تُرَدُّ فيه البياعاتُ كلُّها حتى يُرَدَّ إلى ربِّه؛ لأنه من باب الربا إلا أن يتلف البتة ويذهب، فيكون على مشتريه قيمةُ الجفن والسيف (٢) ووزنُ ما فيه من الفضة.
قال: وكذلك إذا انقطع السيف أو انكسر الجفن فإنما عليه قيمة النصل والجفن ووزن الفضة (٣).
وهذا أصل سحنون في كل بيع حرام مجمع على تحريمه أنه لا ينعقد فيه بيع، وأنه إن هلك بيد مشتريه من غير سببه، وله بذلك بينة- كانت مصيبته من بائعه، ولذلك (٤) لم يرَ البيع الثاني فيه فوتًا؛ لأنه عنده بمنزلة من باع ملك غيره؛ لأنه في ضمان الأول، فيكون له أن يرد البياعات كلها، وله أن يجيز البيع في أيها أحب، ويأخذ الثمن.
وإن بان به مشتريه لم يكن على المشتري الأول الذي اشتراه شراءً فاسدًا إلا الثمن الذي باعه به، كالمستحق يبيعه مشتريه فإنه ليس عليه سوى الثمن الذي باعه به، وإن لم يوجد بيد المشتري الأول وادَّعى ضياعه ولا بينة له على ذلك-
стр. 2850
ضمن قيمة النصل والجفن، ووزن الحلية مصوغًا؛ لأنها صياغة عُملت بوجه جائز، وهذا هو أحد قولي مالك أنه يقضى في الصياغة بالمثل، ولو كانت الحلية موجودة وعلم أن فساد الصياغة من غير سببه سلمها بحالها، ولا شيء عليه في ذلك.
стр. 2851
باب في الوكالة والحمالة والحوالة في الصرف
وإذا عقد الرجلان صرفًا لم يكن لأحدهما أن يُدخل في ذلك وكالة ولا حمالة ولا حوالة.
قال مالك في المدونة فيمن صرف دينارًا بعشرين درهمًا، فقبض عشرة، وقال له: ادفع العشرة الأخرى إلى هذا الرجل: قال لا يعجبني ذلك حتى يقبضها هو منه، ثم يدفعها إلى من أحب (١).
وقال فيمن صارف رجلًا، ثم وكل أحدهما من يدفع عنه ويقبض له، وقام هو وذهب: لا خير فيه، قال: ولا أحب لرجل أن يصرف ويوكل من يقبض له، ولكن يوكل من يصرف له ويقبض (٢).
وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عن مالك: لا يجوز. وقال في كتاب محمد: لا أحب ذلك، ولا يعجبني (٣).
وقال ابن القاسم (٤) في كتاب محمد: ولو أن رجلين أتيا بدينار أو بدراهم (٥) فصرفاها بدينار واحد بينهما، فوكل أحدهما صاحبه بقبضه وانقلب - كان ذلك جائزًا، والحلي كذلك لا بأس أن يوكل أحدهما صاحبه أن يشتري نقرة فضة بذهب بينهما، وينقلب بها أحدهما (٦).
стр. 2852
ومحمل قوله: "لا أحب ذلك، ولا يعجبني" أنه على الكراهة، وليس على الوجوب، ولا يفسد به الصرف؛ لأن الوكالة فيمن يقوم مقامه في الدفع والقبض مع حضوره لا يفسد به (١) الصرف.
وإذا لم يفسد قبل الافتراق لم يفسد بعده (٢)؛ لأنه لا يخلو قول النبي ﷺ : "إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" (٣) أن يكون المراد به أن يكون (٤) المُصرِف هو الدافع وهو القابض، فيكون فعل الوكيل قبل الافتراق فاسدًا.
أو يكون المراد: أن يكون التقابض معًا، كانت اليد المصرفة هي الدافعة أو غيرها، فتجوز الوكالة إذا فعل الوكيل بالحضرة ما كان يفعله الموكل قبل الافتراق.
وأما الحوالة بما يقع عليه الصرف ففاسدة؛ لأن معنى الحوالة أن تبرئني (٥) من دَيْنك بما لي قِبَلَ الصيرفي.
وأما الحمالة فهي على ثلاثة أوجه:
فإن كانت بما يحضره أحدهما كان الصرف فاسدًا، وإن كانت بما يستحق مما يتناجزان فيه الآن، فيغرم الحميل (٦) العوض عن المستحق- جاز ذلك، وإن كان ليغرم مثل المستحق جرى على الخلاف في البدل.
стр. 2853
باب فيمن له على رجل دراهم فوكله على أن يصرفها له بدنانير، وكيف إن وكل الذي عليه الدَّيْن الذي له الدَّيْن فدفع إليه عرضًا أو دنانير ليبيعها وليصرفها، ويأخذ دراهمه منها
ومن المدونة قال مالك فيمن له على رجل دراهم، فقال له: صَرِّفها لي بدنانير وجئني بها: أنه (١) لا خير فيه. قال ابن القاسم: كره ذلك؛ لأنه يتهم أنه إنما ترك له الدراهم يومًا أو يومين على أن يعطيه كذا وكذا دينارًا، أو يكون تأخيره (٢) ليشتري بها فيَدْخُلُهُ فسخُ الدَّيْن في الدَّيْن، والصرف المستأخر، فإن فعل وصرفها ببينة كان ما صرفت به للآمر (٣).
ويختلف إذا لم تكن له (٤) بينة، فعلى قول ابن القاسم يكون ما صرفت به للمأمور، وعلى قول أشهب يكون للآمر (٥).
وقد اختلفا فيمن كان له على رجل دَيْن فقال له: اعمل به قراضًا، فأتى بعد ذلك بربح، فقال ابن القاسم: الربح للعامل، وقال أشهب: الربح بينهما على ما اشترطا (٦).
стр. 2854
وأرى أن تكون الدنانير للآمر؛ لأن التهمة في ذلك ليست بالبينة، والمنع في ذلك ابتداء حماية، فإن فعل وأتى بدنانير لم أَحُلْ بين المقر له بها وبينها (١) من غير دليل تهمة.
وإن كانت الوكالة من المطلوب ودفع إلى الطالب عرضًا ليبيعه له بدارهم ويستوفيها لنفسه- جاز إذا كان العرض الثاني من غير جنس المبيع أولًا، وإن كان من جنسه وهو أدنى صفة أو أقل عددًا جاز، وإن كان أجود أو أكثر عددًا لم يجز، ويتهمان على سلف بزيادة إذا كانت البيعة الأولى بيعة أجل، ولو كان البيع الأول نقدًا لجاز على المستحسن من المذهب.
واختُلف إذا أعطاه دنانير ليصرفها له، ويستوفي دراهمه من ثمنها، فقال مالك: لا يعجبني ذلك، وأخاف أن يحبس الدنانير لنفسه. قال ابن القاسم: استثقله مالك وكرهه (٢).
وقال مالك في سماع أبي قرة: لا بأس أن يدفع الرجل إلى الرجل الدنانير ويقول له: صَرِّفها وخذ حقك منها لدراهم يسأله إياها.
وقال في كتاب محمد فيمن كان له على رجل نصف دينار فأعطاه دينارًا، فقال له: صَرِّفه واستوفِ نصفه وجئني بنصفه: لا بأس به، وقد كان قال: لا خير فيه (٣).
فأجاز ذلك في هذه المسألة؛ لأن له ذهبًا، فإذا أعطاه دينارًا كانا شريكين فيه من الآن، ومنعه (٤) لما قيل إن النصف الذي في الذمة دراهم.
стр. 2855
والقول: إنه ذَهَبٌ أحسن.
ولو أَسْلَم رجل لرجل (١) في طعام، فلما حلَّ الأجل قال له: بعه وجئني بثمنه، فإن فعل وكاله وباعه ببينة كان الثمن الذي أتى به للآمر، وإن كان الذي أتى به أكثر من الأول، وإن لم يكن على ذلك بينة وأتى بدراهم أو بدنانير هي أكثر من رأس المال- لم يجز ذلك؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله في الدراهم الصرف المستأخر، وفي الدنانير السلف بزيادة، ووافق أشهب على هذا؛ لأن التهمة عادت إلى ما كان في أصل العقد، وهي بيعة أجل (٢).
ويختلف إذا أتاه بمثل رأس المال أو أقل، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدَّيْن في الدَّيْن (٣).
ويجوز على أصل أشهب؛ لأن ما يفعلانه الآن يجري عنده على بياعات النقود؛ لأن العقد قد سلم من التهمة.
وإذا منعا من قبض ما أتى به؛ لأن التهمة كانت في أصل العقد كانت الدنانير والدراهم للمأمور.
واستحسن أن يشتريا بها مثل الطعام الذي كان في الذمة، فإن فضل بعد ذلك فضل تصدَّق به، ولم يُترك للمُسْلَم إليه؛ لأنه مقر أنه لا شيء له فيه، وإن لم يوفِ لم يكن عليه غير ما اشترى به قياسًا على قول ابن القاسم في العتبية فيمن
стр. 2856
كان له على رجل دَيْنٌ، فقال له: اشترِ لي به سلعة، فقال: اشتريتها وضاعت، فقال: القول قوله (١).
وإذا برئت ذمة هذا بقوله: اشتريت، برئ الآخر من النقص.
وإن كانت الوكالة من المُسْلَم إليه، فإن اشترى ذلك ببينة كان المُشتَرَى لمن له السَّلَم، وإن لم تكن له بينة، وكان الذي أخذه من الغريم ليشتري به أكثر من رأس المال- لم يجز، وكان على القابض أن يرد مثل ما أخذ من الدنانير، ويكون الطعام مشترى له.
وإن كان الذي أخذ مثل رأس المال جازت الوكالة، ولم يكن ها هنا تهمة؛ لأنهما لو شاءا لجعلا ذلك إقالة، وأخذها لنفسه، بخلاف أن تكون الوكالة من الذي له الدين، فيأتيه المُسْلَم إليه بمثل رأس المال، فإنه يمنع، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة مستأخرة.
واختُلف إذا كان الذي أخذ الطالب بدون رأس المال:
فمنعه ابن القاسم؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة على أقل من رأس المال (٢).
وأجازه أشهب في كتاب محمد؛ لأن التهمة ليست في أصل العقد، وإنما هي فيما يفعلانه الآن، فيرده إلى بياعات النقود (٣).
стр. 2857
ومثله لو أعطاه مثل رأس المال فرد الطالب بعضه، وقال: فضل هذا بعد ما اشتريت، لم يجز على قول ابن القاسم.
وجاز على قول أشهب، وإن قال: بقيتْ عليك بقية لم يجز على قوليهما جميعًا.
فصل [في الصرف والمقاصة فيه]
وقال ابن القاسم في المدونة في صيرفي له على رجل دينار فأتاه المطلوب بعشرين درهمًا صرف بها منه دينارًا، فلما وجب الصرف أحب الصيرفي أن يحبس الدينار عن ديناره وأبى الآخر، قال: إذا تناكرا لم يكن ذلك له، وكان عليه أن يدفع الدينار، ثم يتبعه (١).
وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك للصيرفي أن يحبسه عن ديناره على ما أحب الآخر أو كره.
فجعل له أن يحبسه عن ديناره؛ لأنه الحُكْم لو رفع ذلك إلى حاكم أن يجعل له أن يحبسه عن ديناره.
وكذلك لو كان على المطلوب غرماء لكان له أن يحبسه إذا كان قائم الوجه لم يفلس؛ لأنه لو قام به إلى الحاكم لقضى له بحقه إذا لم يقم بقية الغرماء بتفليسه، وليس في كلام ابن القاسم ما يرد قول أشهب، وقد يحمل قوله: "إذا تناكرا" أن المطلوب أنكر أن يكون له عليه دينار.
واختُلف إذا صارفه على أن لا يستوفي ديناره هذا منه، فقيل: ذلك جائز،
стр. 2858
وله حبسه وشرطه باطل. وقيل: ليس له أن يحبسه من ديناره، ويدفعه، ثم يقوم بحقه حسبما شرط.
وقيل: ذلك فاسد؛ لأنه صرف على تأخير حق.
وليس هذا القول بالبين؛ لأنه لم يشترط أن يؤخره بالحق الأول، وإنما شرط أنه لا يقبض دينه من هذا الدينار، فيقال له: ادفعه وقم بحقك.
فصل [فيما يجوز من صرف الدَّيْن أو شراء عرض به]
ومن استقرض من رجل دراهم على الحلول، ثم صرفها منه بدنانير- لم يصلح ذلك؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عملا على ذلك وجعلا ذكر هذا القرض محلًا (١).
فإن اشترى منه بها سلعة معينة أو أسلمها في عرض جاز ذلك، ولا يؤخر قضاء القرض إذا أعادها إليه في سلم، فيدخلهُ تأخير رأس مال السَّلَم والدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض إلى أجل، ثم اشترى منه به سلعة نقدًا جاز ذلك، ويكون بمنزلة من اشترى سلعة بعينها بثمن إلى أجل، فإن أعادها إليه في سلم لم يجز، وكان الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض عوضًا إلى أجل فباعه منه بثمن نقدًا جاز، ولا يجوز إلى أجل، فيدخله الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض على الحلول، فباعه منه بثمن نقدًا أو إلى أجل لم يجز إلا على قول (٢) من أجاز السَّلَم على الحلول.
стр. 2859
باب في الصرف من النصراني والسَّيِّد من عبده
ومن المدونة قلت (١): أرأيت عبْدًا لي صيرفيًّا نصرانيًّا، أيجوز لي أن أصارفه؟ قال: نعم، وعبدك وغيره من الناس سواء (٢).
قال الشيخ: الرِّبا بين المسلم والنصراني محرم، كما يحرم بين المسلمين، وكذلك إذا كان المسلم غير بالغ والكافر بالغًا فذلك حرام؛ لأن الإجازة إلى ولي الصغير فكان العقد منه، ولو لم يكن له ولي ولم ينظر في ذلك حتى بلغ وصار الأمر إليه لفسخ، وفيه نظر.
وقال مالك: أكره أن يكون النصراني في أسواق المسلمين، لاستحلالهم الربا وعملهم به (٣)، وأرى أن يقاموا من أسواق المسلمين (٤).
قال الشيخ: قد تغير أمر الناس اليوم، وكثر العمل بالرِّبا من غير النصارى (٥)، وإذا كان ذلك، وكان (٦) رجلان يعملان بالربا أحدهما مسلم والآخر نصراني- كان الصرف من النصراني أحسن؛ لأنه غير مخاطب بتحريم الربا على الصحيح من المذهب، ولأنه لو (٧) أسلم لحل له ما في يديه كان ذلك عن ربًا أو ثمن خمر (٨)، ولو تاب المسلم لم يحل له إمساك ما في يديه من ذلك.
стр. 2860
فصل [حكم الربا بين السيد وعبده]
اختُلف في الربا بين السيد وعبده، فمنعه ابن القاسم ها هنا (١).
وقال ابن وهب: لا بأس به.
والاختلاف في ذلك راجع إلى مبايعته إياه، هل هي مبايعة في الحقيقة، أو انتزاع مال (٢) من السيد، ويكون العِوَض (٣) المأخوذ عن ذلك البيع كالهبة؟
وقال ابن القاسم فيمن أعتق عبده على عبد في يديه: إن ذلك (٤) انتزاع، ولا رجوع للسيد على العبد متى استحق ذلك من يده أو اطلع فيه على عيب (٥).
وقال في العبد يكاتب سيده على رهن: إنه ليس برهن، ولا مقال للعبد فيه متى فلس أو مات، قال: وإنما هو انتزاع من السيد بمنزلة ما لو أنه كاتبه على أن يسلفه العبد دنانير (٦). ولم ير أن ذلك ربًا إذا كانت الكتابة على سلف.
وقال غيره: ليس ذلك بانتزاع.
على هذا يجري (٧) الجواب إذا أخذ منه دينارًا ليدفع إليه عنه دراهم بعد
стр. 2861
شهر، أو باعه دينارًا بدينارين، فعلى القول: إنه انتزاع يجوز ذلك، ولا شيء للعبد متى فلس السيد، وعلى القول الثاني: إنه ليس بانتزاع، فيحرم جميع ذلك.
وهو أحسن؛ لأن العبد عندنا مالك، وإذا كان مالكًا فقال السيد: أبايعك في هذا ولا أنتزعه منك كانت مبايعة حقيقة.
وإن كان على العبد دَيْنٌ امتنع الانتزاع، وجرى في جميع ذلك على حكم (١) البياعات، ويحرم فيما بينه وبين السيد ما يحرم بينه وبين غيره ممن ليس هو له بعبد.
стр. 2862
باب [فيمن اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا، وأخذ بقيته فضة، أو اشترى سلعة ببعض دينار فدفع دينارًا وأخذ بقيته ذهبًا]
ومن اشترى من اللحَّام أو الحنَّاط، أو السقَّاط ببعض درهم، أو اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا واحدًا (١) وأخذ بقيته دراهم صغارًا، جاز ذلك له (٢) إذا كان الذي يرجع إليه الثلث فأقل، ولا يجوز إذا كان الذي يرجع إليه (٣) الأكثر الثلثين أو نحوهما.
واختُلف في النصف، فأجازه مالك وابن القاسم في المدونة (٤)، ومنعه ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد (٥).
وقال مالك: وكنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق.
وقد كان الأصل ألا يجوز إلا في الثلث فأقل، كما قال في الثمار في اكتراء (٦) الدار (٧).
ولم يجزه أبو محمد عبد الوهاب إلا فيما قلَّ وكان تافهًا، فقال: لا يجوز صرفٌ وبيعٌ إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز
стр. 2863
الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقيمته، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة، فلم يجز ذلك في الدرهم إلا في اليسير إذا كان الدرهم لا يجوز كسره (١).
وذكر أشهب عن مالك في كتاب محمد: أنه كان يكرهه جملة في القليل والكثير، قال: كنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم خففناه؛ لأن الناس لا يطلبون به صرفًا (٢).
وقال في المدونة: لأنها نفقات لا تكاد (٣) تنقطع، ولما للناس في ذلك من المرفق وقلة غناهم عنها (٤).
وقال أشهب: إنما يجوز ذلك عندي بالمدينة، وأما كل بلد يتعامل فيه بالفلوس، فلا يجوز (٥).
وقول مالك أحسن؛ لأنهم أجازوا ذلك وإن كانت تجوز في أيديهم الدراهم الصغار المقطعة، ويلزم أشهب ألا يجيز (٦) ذلك وإن لم تجز (٧) عندهم الفلوس؛ لأن صاحب الدرهم قادر على أن يصرفه بصغار، ثم يشتري بالصغار إن أحب، وإذا أجاز (٨) ذلك مع القدرة على أن يأخذ فيه صغارًا، جاز
стр. 2864
وإن كانوا يتبايعون بالفلوس- ولو كان الذي يرجع إليه فضة غير مسكوكة لم يجز.
وقال محمد فيمن اشترى قمْحًا بثلثي دينار فدفع دينارًا، وأخذ قطعة ذهب منقوشة: أكره ذلك (١).
وفرق بين أن يرجع ثلث الدرهم فضة وثلث الدينار ذهبًا؛ لأن السعر في الدراهم الصحاح والصغار سواء، وسعر ثلث الدينار الصحيح بخلاف سعره إذا كان قطعة، فاتقى أن يكونا عملا على ذلك، فيكون دينارًا صحيحًا بقمح وقطعة ذهب، وذلك ربًا، ولا شيء عليهما في ذلك فيما بينهم وبين الله سبحانه إذا لم يعملا على ذلك؛ لأن الثلثين قضاء، والثلث مراطلة بوزنه.
وقال مالك في المدونة فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير مجموعة، فوزنها ليقضيها، فكان في وزنها فضل، فأخذ في ذلك عرْضًا أو وَرِقًا: فلا بأس به (٢).
وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إن أخذ في الفضلة ذهبًا لم يصلح، ولو كان ذلك خروبة واحدة كان ذلك من بيع أو سلف، قالا: ويدخله في البيع سلعة وذهب بذهب، وفي السلف ذهب أقامت عنده شهرًا وذهب يدفعها الآن بذهب يأخذها منه. قال أشهب: وهو في السلف أخف، ولا بأس به في السلف ولا خير فيه من بيع (٣).
وقال مالك: لا يعجبني أن يعطيه في الزيادة وَرِقًا، كما لم يعجبه أن يعطيه ذهبًا (٤).
стр. 2865
قال أشهب: وإن نزل لم أفسخه (١).
قال مالك: وأما النقصان فلا بأس أن يعطيه فيه (٢) ما تراضيا عليه من شيء من الأشياء، وأن يترك النقصان على حاله (٣).
وأجازه مالك في موضع آخر في الذهب كان من بيع أو غيره، فقال فيمن كان له دينار ناقص على رجل، فأعطاه دينارًا تامًا فجعل معه قطعة ذهب حتى تم العدل: لا بأس به (٤).
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن أتى بدنانير جعفرية بعيونها فضل، فصارف بها دنانير صحاحًا نقصًا، وجعل مع الجعفرية قراضة حتى اعتدل الميزان، مثل الثلث والسدس: لا بأس به إذا لم يعين فضل عيون الجعفرية، وإن كانت القراضة قدر الدينار فلا خير فيه (٥).
فاستخفا ذلك إذا كان يسيرًا في جملة الدنانير، بخلاف الدينار الواحد (٦).
والاقتضاء ها هنا أخف من مسألة ابن القاسم في المراطلة (٧)؛ لأنهما لا يتهمان أن يكونا عملا على ذلك في الاقتضاء لقلته، ويتهمان في المراطلة أن يكونا شرطا ذلك في أصل البيع.
стр. 2866
باب [فيمن غصب دنانير أو خلاخل، ثم صارف المغصوب منه فيها بدراهم، أوغصب جارية، تم اشتراها من صاحبها]
ومن غصب دنانير وغاب (١) عليها فإنه يجوز له أن يصارف (٢) المغصوب منه فيها بدراهم إذا انتقدها وإن لم تحضر الدنانير؛ لأنها في ذمته بالغيبة عليها، وصرف ما في الذمة جائز.
وإن غصب خلاخل فضة لم يجز أن يصارف المغصوب منه فيها إلا أن يحضرها، لئلا يكون أتلفها فتلزمه قيمتها.
والقيمة فيها بالذهب والبيع بالذهب، فإن باعها بأكثر من القيمة أو أقل دخله الرِّبا وبيع الذهب بأكثر منه.
واختلف إذا غصب جارية ثم اشتراها من صاحبها، فقال ابن القاسم: أرى ذلك جائزًا إذا وصفها؛ لأنه ضامن لما أصاب الجارية قبل وجوب البيع وبعده (٣).
وقال محمد: يجوز إذا انتقد القيمة ووقف الزائد. وقال سحنون: لا يجوز بيعها؛ لأنه لا يدري ما باع، القيمة أو الجارية؛ لأنه بالخيار، فإما أغرمه القيمة، وإما أتبعها حيث كانت، فإذا اختار إغرامه القيمة وعرفوها (٤) جاز أن يبيع منه
стр. 2867
تلك القيمة ويتعجل (١).
قال الشيخ: لا يخلو أن يبيع منه الجارية بدنانير أو بدراهم أو بعرض، فإن باعها بدنانير من السكة التي الشأن أنها تباع بها بمثل القيمة فأقل- جاز، وإن شرط النقد.
فإن باع بأكثر من القيمة، قيل له: الأمر متردد في الجارية بين ثلاث: بين أن تكون سالمة، أو هالكة، أو حدث فيها عيب، فإن بيعت على أنها إن كانت هلكت أو حدث فيها عيب ضمنته جاز البيع إذا انتقدتَ القيمة، فإن تبين أنها كانت هلكت أو حدث بها عيب لم يكن لك سوى ما انتقدت، وإن كانت سالمة أخذت الفاضل، وإن بعت على أنها إن كانت هلكت ضمنت، وإن حدث فيها (٢) عيب كنت على ما تراه من التضمين أو أخذها، لم يجز البيع وإن لم تنتقد إلا القيمة؛ لأنها تكون تارة بيعًا إن اختار إجازة البيع، وتارة سلفًا إن اختار الرَّدَّ.
وإن باع بدراهم لم يجز على أن ينتقد شيئًا؛ لأنها من غير جنس القيمة، فهو بائع حقيقة، ويجوز ذلك على غير النقد، فإن سلمت انتقدت الدراهم، وإن هلكت أغرمه القيمة من الدنانير، وإن حدث عيب كان بالخيار بين أن يضمن ويأخذ القيمة دنانير أو يأخذها معيبة، إلا أن يرضى بها المشتري معيبة، فيكون ذلك له، ولو أحب بيعها بدنانير على أن يرفع حكم الغصب عنه، والقيمة عشرة والبيع بخمسة عشر- لم يجز وذلك غرر؛ لأنه إنما أسقط عنه عشرة لمكان الخمسة التي زاده، فإن سلمت كان البائع قد أخذ الخمسة بالباطل، ولو علم
стр. 2868
الغاصب بسلامتها لم يشترها بأكثر من عشرة، وإن هلكت كان الغاصب قد انتفع بسقوط الضمان لما أطمعه من الخمسة عند رجاء السلامة.
وعلى هذا يجري الجواب إذا باعها بعرض، وعليه تكلم سحنون إذا بيعت بغير الصنف الذي تُقَوَّمُ به.
وقال ابن القاسم: هو ضامن لما أصاب الجارية بعد البيع (١). ولم يبين هل يضمنها بالثمن، أو بالقيمة التي كانت يوم الغصب؟ والذي يقتضيه أصله أنه يضمنها بالقيمة؛ لأنه يقول في الغائب يُشترى: مصيبته من البائع. فمن حق الغاصب على البائع التوفية، فإن هلكت قبل وصوله إليها (٢) كانت عليه بالقيمة المتقدمة، وعلى القول إن مصيبة الغائب بعد العقد من المشتري تكون هذه مضمونة بالثمن.
стр. 2869
باب [فيمن أودِع دراهم أو رهنها، ثم صارف صاحبَها فيها، أو صرفها من غيره لنفسه أو لصاحبها (١)]
وقال ابن القاسم فيمن أُودِعَ دراهم أو رهنَها ثم لقي صاحبها فصرفها منه: لم يجز ذلك إلا أن يحضرها (٢).
قال في كتاب محمد: أرأيت لو قامت البينة على هلاكها أكانت تكون في ضمانه؟ إنما تكون من صاحبها (٣).
فمن ها هنا كرهه مالك، فرأى أنه بقي فيها حق التوفية حتى يصل إليها المودع ويقبضها من نفسه.
وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك جائز في الوديعة والرهن (٤). ورأى أنها مقبوضة ولا يحتاج إلى توفية، لما كانت تحت يده، وهو في الرهن على أصله أبين؛ لأنه يقول: هو ضامن له وإن قامت البينة على ضياعه.
وكذلك قال ابن القاسم فيمن كانت عنده وديعة فيتصدق صاحبها عليه بها، فقال: قد قبلت أن ذلك قبض، بخلاف أن تكون تحت يد غيره (٥).
وهذالخلاف إذا صرفها ولم يذكرا (٦) رفع الضمان ولا بقاءه، فأما
стр. 2870
إن شرطا (١) أنها في ضمان بائعها حتى يصل إليها المودع ويقبضها كان فاسدًا قولًا واحدًا.
وإن شرطا رفع الضمان وأنها من المودع بنفس الصرف كان جائزًا، ولا خلاف في هذين الوجهين، وإنما الاختلاف إذا أطلقا (٢) الأمر.
وإن صرفها المودع عنده لنفسه وهي دنانير بدراهم، ثم أتى صاحبُها فأَحبَّ أن يأخذ الدراهم التي صرفت بها لم يكن ذلك له، وإنما له مثل دنانيره.
واختُلف إذا صرفها المودعَ لصاحبها فأراد صاحبها أن يجيز ذلك، فقال محمد: لا يحل ذلك وتباع الدراهم حتى يستوفي منها (٣) دنانيره، فإن كانت أكثر فله، وإن كانت أقل فعلى المتعدي (٤).
وقال ابن القاسم في المنتخبة فيمن وكَّل من يقبض له دنانير فصارفه بها، أو أخذ بها (٥) عرضًا، فقال: إن رضي رب المال جاز، وإلا فُسِخَ (٦).
وقد اختُلف في هذا الأصل في المدونة فيمن تحمل بدنانير فدفع عنها (٧) دراهم بغير أمر المتحمل عنه، فقيل: ذلك جائز، لما كان القصد من الحميل المعروف والتخفيف عن الغريم (٨).
стр. 2871
وهو أحسن في مسألة الوديعة؛ لأن المصرف منه لم يدخل على خيار، ولا يجوز في مسألة الوكيل؛ لأنهما جميعًا -الوكيل والمصرف منه- دخلا (١) على خيار صاحب الدنانير.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن استودع حنطة فاشترى بها تمرًا (٢)، فأجاز ذلك المودِع وأراد أن يأخذ الثمن: إن ذلك له (٣).
وفرق بين الطعام والدنانير، ورأى أن الطعام تختلف فيه الأغراض، وقوله في كتاب الوديعة إذا تسلف الطعام المودَع أو خلطه بطعامه خلاف قوله ها هنا، وأجراه في كتاب الوديعة مجرى الدنانير إذا صرفها لنفسه (٤).
فعلى هذا يكون التمر للمودع، وعليه مثل القمح.
ويختلف أيضًا إذا باعه لصاحبه بتمر فأحب أن يجيز، فعلى قول محمد: يباع التمر ويُشترى به قمح، فإن فضل شيء كان لصاحب الوديعة، وإن عجز كان على المتعدي التمام. وعلى قول ابن القاسم يجوز له (٥) أن يأخذ التمر (٦).
стр. 2872
باب [في الصرف والبيع في عقد واحد]
قال مالك: لا يجوز صرف وبيع، ولا نكاح وبيع، وكذلك المساقاة والجُعل والقراض والشركة، لا يجمع (١) عنده شيء من ذلك إلى البيع (٢).
وقد اختلف في جميع ذلك، وقد تقدم في كتاب النكاح الثاني ذكر الاختلاف في النكاح والبيع، وفي كتاب الجُعْل ذكر الاختلاف في البيع والجُعْل، وفي كتاب البَيْعَتَيْن بالخيار الاختلاف في بيع بَتٍّ وخيار في عقد واحد.
ويختلف في البيع والمساقاة على مثل ذلك، فأما الصرف والبيع فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
فقيل: يجوز ذلك في دينار واحد، وسواء كان البيع والدراهم متكافئين ينوب كلَّ واحدٍ منهما نصفُ الدينار، أو كان أحدهما تبعًا للآخر، ولا يجوز في دينارين إذا كان الذي ينوب الصرف دينارًا، والذي ينوب البيع دينارًا، وإذا كان الصرف الأكثر أو البيع الاكثر جاز؛ لأن الصرف والبيع في دينار وما سواه صرف محض، أو بيع محض، وكذلك إذا كثرت الدنانير، وإن كان الصرف والبيع في دينار وما سواه بيع كلُّه أو صرف (٣) كلُّه جاز، مثل أن يكون مائة دينار والصرف والبيع في دينار، والذي ينوب التسعة والتسعين الباقية بيع؛ لأنها عروض، أو صرف؛ لأنها دراهم، فذلك جائز، فإن كان على غير ذلك لم يجز، وهذا قول مالك وابن القاسم (٤).
стр. 2873
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إنما يجوز ذلك في أقل الدينار، مثل أن يشتري الثوب بثلثين أو بثلاثة أرباع دينار، فيدفع دينارًا ويأخذ فضله وَرِقًا، ولو كان الوَرِق أكثر الدينار لم يكن فيه خير (١).
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا يجوز البيع والصرف في دينار إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقدره، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة؛ لأنه يعلم أن البيع غير مقصود مع ذلك في دينار (٢). إلا أن يكون أحدهما يسيرًا (٣) مما لا تدعو الضرورة إليه.
وأجاز أشهب في مدونته الصرف والبيع (٤).
ولمالك في كتاب محمد مثله في رجل باع مائة ثوب أو مائة جلد، كل ثوب أو جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم: لا بأس به إذا كان كل ذلك نقدًا (٥). فأجاز في هذه المسألة بيعًا وصرفًا؛ لأن جملة الدراهم ثلاثمائة درهم.
ولو كان من عند أحدهما دنانير وعرض، ومن عند الآخر دراهم وعرض، فإن كان العرضان يسيرين ينوبهما أقل من صرف دينار- جاز، وإن كان ينوبهما (٦) صرف دينار فأكثر لم يجز على قوله في منع صرف وبيع.
وكذلك إذا كانت العروض كثيرة، فإن كان الذهب والفضة أقل من
стр. 2874
صرف دينار جاز، وإن كان من عند أحدهما دراهم كثيرة وعروض كثيرة، ومن عند الآخر دنانير كثيرة وعروض (١) -لم يجز ذلك- كانت العروض التي مع الدنانير كثيرة أو قليلة- فإن كانت العروض كثيرة ومعها ذهب أقل من صرف دينار جاز.
فصل [فيمن صرف دينارًا وأخذ بالدراهم سلعة فوجد عيبًا]
وإذا كان البيع والصرف في دينار واحد، وأصاب عيبًا بالدينار أو بالدراهم أو بالعرض (٢) - انتقض جميع الصفقة، ولا يفترق ذلك إلا فيما يفيت العرض (٣)، فإن كان العيب بالدينار أو بالدراهم فات العرض بحوالة الأسواق، إلا أن يكون يسيرًا، فلا تفيته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالعرض لم تفته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالدينار (٤) أو بالدراهم؛ لأن الدراهم جل الصفقة، فإذا ردت من يده كانت عيبًا في بقية الصفقة، والعيب لا تفيته حوالة الأسواق (٥).
فإن اشترى ثوبًا بنصف دينار، فدفع دينارًا وأخذ من صاحب الثوب دراهم بالحضرة، ثم وجد عيبًا بالدينار، انتقض الصرف وبقي البيع (٦) الأول
стр. 2875
منعقدًا بنصف دينار على حاله، وكأنه لم ينقده شيئًا.
وإن كان العيب ببعض (١) الدراهم انتقض الصرف في نصف الدينار، وبقي نصفه قصاصًا من الدَّيْن، وإن كان العيب بالسلعة انتقض جميع ذلك البيع والصرف على قول من لم يُجوِّز صرف بعض دينار.
ومن اشترى ثوبًا ودراهم بدينارين فأصاب بأحدهما عيبًا، فإن كانت السلعة الأقل، وكان العيب بها أو ببعض الدراهم، انتقض من الدراهم صرف دينار، وإن كان العيب بها ردها ورد معها من الدراهم تمام صرف دينار، وإن كان العيب ببعض الدراهم ردَّه وردَّ معه تمام صرف دينار، وبقي ما سوى ذلك منعقدًا على حاله.
وإن كانت السلعة الأكثر انتقض جميع الصفقة، وسواء كان العيب بها أو ببعض الدراهم، وإن كان العيب بأحد الدينارين انتقض جميع الصفقة؛ لأن الذي يقابل الدينار نصف السلعة ونصف الدراهم، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض نصف الصفقة ويرجع في نصف الدراهم ونصف السلعة، وينقلب الخيار لمشتري السلعة؛ لأنه لم يدخل على عيب الشركة، وليس حوالة الأسواق فوتًا في السلعة (٢) إذا كان العيب بالسلعة، وذلك فوت فيها إذا كان العيب ببعض الدراهم أو بأحد الدينارين.
قال محمد: إذا كان العيب بالثوب، وفات بتلف أو بقطع، لم يكن له أن يرجع بقيمة العيب، ولكنه يرد قيمته ويرد مع القيمة تمام صرف دينار إن كانت السلعة