← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

تحرم عليه زوجته (١). وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه (٢)، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناس في قولهم: عيني من عينك حرام، أو وجهي من وجهك حرام (٣). يريد بذلك (٤) البغض والمباعدة، وقال محمد فيمن قال: ما أعيش فيه حرام لا (٥) شيء عليه (٦). يريد: أن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل في ذلك بمجرد اللفظ إلا أن ينويها (٧) فيلزمه ما يلزم من قال: أنت عليَّ حرام، وقد كان يقال: لا شيء عليه، وإن أدخلها في يمينه جهلًا أنها من العيش بمنزلة من قال: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق جهلًا منه يظن أنه من ألفاظ الطلاق، وليس كذلك؛ لأن هذا نوى الزوجة وغلط في ظنه أنها من العيش وأوقع عليها الطلاق بقوله حرام، وهو بمنزلة من غلط في اسم زوجته فأوقع عليها الطلاق، والآخر سمَّى الزوجة، ولم ينطق بالطلاق فغلط هذا في الزوجة، وغلط الآخر في الطلاق.

стр. 2802

باب في الريق والكلام والشعر (١) وإن قال: رِيقُكِ عليَّ حرام كانت طالقًا. وإن قال: بزاقك، لم يكن عليه شيء (٢). واختلف إذا قال: كلامك أو شعرك عليَّ حرام، فقال سحنون: لا شيء عليه (٣). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب تحرم عليه في الوجهين جميعًا، قال: وشعرها من محاسنها ومن خلقها حتى يزايلها قال: وكذلك ريقها (٤). وقال أشهب في كتاب محمد: تحرم في الكلام، وقال ابن عبد الحكم لا شيء عليه بمنزلة من قال سعالك علي حرام، وقال محمد: وليس كلامها بمنزلة شيء من جسدها، قال: وقد أُمر أزواج النبي ﷺ بالحجاب وكان يُسمع كلامهن، ويُكتب عنهن الحديث (٥). قال الشيخ ﵀: لا تحرم بتحريم السعال؛ لأنه ليس مما يلتذ به ولا بتحريم البصاق؛ لأنَّ البزاق (٦) يقع على ما فارق الفم فطرح، وتحرم بتحريم

стр. 2803

الريق؛ لأن ذلك إنما يقع على ما كان في الفم قبل المفارقة وهو مما يلتذ (١) به وهو رضاب، وأمَّا الكلام فإن قصد تحريم استماعه لم تحرم وإن قصد تحريم الالتذاذ به حرمت وبخاصة إذا كانت رخيمة الكلام، وكذلك الشعر هو مما يلتذ (٢) به وبرؤيته وبلمسه فتحرم، ولا يقع بذلك عتق، وليس العتق في هذا كالطلاق، وكما لو قال: كلامك عتيق؛ لأنَّ العتق إنما (٣) يتعلق بالجسم، وبما لا يصح مفارقته، والطلاق يتعلق (٤) بتحريم ما يتلذذ به منها جملة من غير تفضيل. واختلف فيمن لاعب زوجته فأخذت بفرجه، فقال لها: خلي، فقالت: لا، فقال: هو عليك حرام، وقال: إنما أردت مثل ما يقول الرجل: أحرم عليك أن تمسيه ولم أرد تحريمها، فوقف (٥) فيها مالك وخاف أن يكون حنث، ورأى غير واحد من أهل المدينة أن زوجته حرمت عليه بذلك (٦).

стр. 2804

باب فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، أو حبلك على غاربك، أو قال: أنت خلية أو برية أو ما أشبه ذلك وقال مالك فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، هي البتة وإن لم ينوِ به طلاقًا (١). قال الشيخ ﵀: أنت عليَّ حرام فقط، أو أنت عليَّ حرام كالميتة سواء كل ذلك تحريم، ويجري فيه من الخلاف ما تقدم في قوله: أنت عليَّ حرام. واختلف إذا قال: أنت خلية، أو وهبتك نفسك، أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو وهبتك إلى أهلك، أو رددتك إلى أهلك، أو وهبتك نفسك، أو وهبت لك نفسك، فقيل: يلزمه في أي هذه الألفاظ الثلاثُ وينوى إن قال: أردت واحدة قبل الدخول ولا ينوى بعد، وهذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه (٢)، وقيل محمله في التي لم يدخل بها على الواحدة، وهو قول أبي مصعب ومحمد بن عبد الحكم في الحرام، وقول ربيعة (٣) وعبد الملك في الخلية والبرية والبائنة، ويلزم على قولهم مثل ذلك إذا قال: وهبتك إلى أهلك أو رددتك لأهلك أو لنفسك ألا يلزم قبل الدخول مع عدم النية إلا واحدة إلا في التي قال: أنت عليَّ كالميتة، فعلى قول عبد اللك: يلزمه قبل الدخول ثلاثة ولا ينوى، وفي مسألتين إذا قال البتة فقال مالك: لا ينوى قبل الدخول (٤)،

стр. 2805

وقال أبو الحسن ابن القصار: ينوى. وفي قوله حبلك على غاربك فقال في المدونة: لا ينوى؛ لأنَّ هذا لا يقوله أحد وقد أبقى من الطلاق شيئًا (١). وهذا يقتضي ألا ينوى قبل ولا بعد، وفي كتاب محمد: ينوى قبل (٢). واختلف في هذه الجملة بعدة فقال أشهب في كتاب أبي الفرج في الخلية والبرية: ينوى وإن كان بنى بها (٣)، وترجح مالك (٤) مرة في هذا الأصل، فروى أشهب عنه في مختصر ما ليس في المختصر (٥) فيمن (٦) قال: أنت طالق واحدة بائنة أو بتة أو خلية أو برية وهي مدخول بها وقال: أردت واحدة لم يقبل قوله، ثم قال لي (٧): لا تكتبه لعلي لا أثبت على هذا. وقال محمد بن عبد الحكم في حبلك على غاربك ووهبتك لأهلك وشأنكم بها واحدة إلا أن ينوي (٨) أكثر (٩).

стр. 2806

وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في شرح ابن مزين في حبلك على غاربك: يُنَوَّى (١) وعلى أصله أنها واحدة رجعية؛ لأنه قال في الحرام والتخيير أنها واحدة رجعية (٢). قال الشيخ ﵀ (٣): وأرى أن يحمل كل هؤلاء قبل الدخول مع عدم النية على واحدة؛ لأنها بالواحدة خلية وبرية وحبلها على غاربها وموهوبة ومردودة، وأمَّا بعد الدخول فيحمل على الثلاث؛ لأن (٤) بها تبين إلا على القول أنها تكون بائنة وإن أيكن معها فداء (٥). واختلف في قوله: فارقتك، فحمله مالك في كتاب محمد مرة على الثلاث قبل وبعد إلا أن ينوى واحدة، وقال أيضًا: إن لم يكن دخل فهي واحدة إلا أن ينوى أكثر وبعد الدخول ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضًا: هي واحدة وإن دخل إلا أن ينوي الثلاث، وقال أشهب: هي ثلاث ولا يُنوى، وقال أيضًا: هي واحدة إلا أن ينوي أكثر (٦)، والقول إنها واحدة دخل أو لم يدخل أحسن؛ لأن الفراق والطلاق واحد، ومن طلق فقد فارق، ومن فارق فقد طلق، قال الله : ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يأمرنا بالثلاث، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].

стр. 2807

وفرق بين قوله: أنت خلية، وخليت سبيلك، وخليتك، فقال: إذا قال: أنت خلية هي ثلاث قبل الدخول وبعده وينوى قبل ولا ينوى بعد، وحكي عنه في خليت سبيلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن محمل قوله قبل الدخول أو بعده على الثلاث (١) وينوى إذا قال: أردت واحدة قبل وبعد مثل قوله في المدونة. وقال أيضًا: ينوى قبل ولا ينوى بعد. والثالث: أن محمله على واحدة قبل وبعد، قال: وإن قال: لم أرد طلاقًا فهو أشده وهي البتة. وقال محمد في قوله خليتك وسرحتك ذلك سواء، هي (٢) واحدة إلا أن يقول في هذين (٣): لم أرد طلاقًا فيكون ذلك له إذا حلف، ولا يقبل قوله في خليت سبيلك أنه (٤) لم يرد (٥) طلاقًا (٦). وقال ابن حبيب: خليت سبيلك وخليتك وسرحتك وفارقتك سواء، هو ثلاث في المدخول جها حتى ينوي أقل فيحلف وإن لم يدخل فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك (٧) (٨). قال الشيخ ﵀: أما قوله خلية، فلأن العادة جارية أن يقال: فلانة خلية

стр. 2808

من زوج وخلو من زوج إذا كانت لا زوج لها، وذلك بُعَيْد البينونة، وإن كانت مدخولًا بها. وأمَّا قوله: خليت سبيلك فهي عبارة عن الطلاق والمراد طلقتك، وكذلك أرى في قوله خليتك، ولا يصدق أنه لم يرد طلاقًا، وأن يحمل في جميع ذلك قبل الدخول على واحدة، وقول ابن شهاب أنت بالسراح أنها طلقة إلا أن ينوى الثلاث (١) حسنٌ (٢). فصل [فيمن قال لزوجته: الحقي بأهلك، أو ما أشبه ذلك] وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب وبعضه في كتاب محمد فيمن (٣) قال لزوجته في غضب أو في غير غضب: الحقي بأهلك، أو اجمعي عليك ثيابك، أو لا نكاح بيني وبينك، أو لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو اذهبي، أو لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمُّه امرأتَه، أو لا تحلين لي، أو احتالي لنفسك، أو أنت سائبة، أو مني عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فذلك كله سواء ليس بشيء إلا أن ينوي به الطلاق فيكون على ما نوى ويحلف، قال أصبغ: وإن نوى به الطلاق ولم ينو عددًا فهي البتة، وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إذا قال: لست لي بامرأة أو يا مطلقة أو لا حاجة لي بك أو اعتزلي أو اخرجي أو تأخري أو انتقلي أو استتري أو تقنعي أو لم أتزوجك، فذلك سواء ليس بشيء إلا أن ينوى طلاقا فيكون على ما نوى

стр. 2809

ويحلف، وقال أصبغ: وإن لم ينو عددًا من الطلاق فذلك يحمل على (١) ثلاث حتى يريد واحدة (٢). قال الشيخ ﵁: وبعض هذه الألفاظ أبين من بعض وأشدها قوله: لا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو أنت سائبة أو مني عتيقة، فأرى أن يحمل فيهن على الطلاق ولا يصدق أنه لم يرد بذلك طلاقًا إلا أن يأتي لذلك بوجه. وقد قال ابن القاسم في كتاب العتق الأول: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك، فإن كان ذلك ابتداء من السيد عتق العبد، وإن كان قبل ذلك كلام يستدل به (٣) بأنه لم يرد العتق كان القول قوله (٤)، وهذا أحسن، وكذلك الطلاق ويحمل في قوله (٥) ذلك على الطلاق إلا أن يكون قبل ذلك سبب يعلم أنه لم يرد به طلاقًا. وأما قوله: لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمه امرأته، فإنه يحتمل كان يريد بذلك أطلقك ولا أبقيك وقد فعلت، فيسأل ما أراد؟ فإن لم تكن له نية بقيت زوجة. وكذلك قوله: لا تحلين لي يسأل لم كانت لا تحل له؟ فإن قال: لأني ظاهرتك أو طلقتك، صدق، وإن قال: لم تكن لي نية في شيء من ذلك صدق، و (٦) كانت زوجة حلالًا؛ لأنها لا تحرم إلا أن يوقع تحريمها بظهار أو طلاق.

стр. 2810

وأما قوله: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام فهو أشد، وأرى أن يحمل قوله على الطلاق؛ لأنه إنما يريد أنه لم يبق بيني وبينك شيء من الأشياء، وليس ذلك بمجرد اللفظ؛ لأن قولَه ذلك مستحيل؛ لأنه لا يجتمع أن تكون ليست بحلال ولا حرام وإنما هي على وجهين، حلال بالزوجية أو حرام بالطلاق. فصل [فيمن قال لامرأته: اعتدي] وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: اعتدي فهي طالق واحدة (١) ولا يسأل هل أراد به الطلاق؟ ويسأل كم أراد به من الطلاق؟ فإن لم تكن له نية فهي واحدة، وإن قال: اعتدي اعتدي اعتدي، فهي ثلاث إلا (٢) أن يريد واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي (٣) كانت طلقتين إلا أن يريد (٤) واحدة. وقال في المجموعة: إذا قال: أنت طالق فاعتدي هي طلقتان إلا أن ينوي واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي كانت طلقتين ولا ينوى (٥). وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق اعتدي (٦) أو فاعتدي ليس إلا طلقة وهو أبين؛ لأن حقيقة قوله اعتدي لم توضع للطلاق، وإنما هو أمر بالعدة وقد جعل الله طلاقًا وعدة، وهذا رجلٌ (٧) طلق زوجته وأمرها أن

стр. 2811

تعتد فكان محمله في اللفظين (١) على ما وضع له إلا أن ينوي غير ذلك، وكذلك قوله فاعتدي (٢)، وإن كانت الفاء ها هنا أبين، وليس يفهم المطلق ولا يريد طلقة أخرى وليس كذلك إذا قال: اعتدي ابتداء؛ لأنه وإن كان أمر بالعدة، فلأن مفهومه أنه طلق ولا تجب عدة من غير طلاق، وذهب بعض أهل العلم فيمن قال: اعتدي اعتدي اعتدي (٣) أنها واحدة وحمل قوله الأول اعتدي على أنه طلاق، ثم كرر الأمر بالعدة وذلك لا يوجب طلاقًا. فصل [في الطلاق اللازم] الطلاق اللازم ما اجتمع فيه (٤) ثلاثة، نية ونطق وأن يكون ذلك النطق من ألفاظ الطلاق كقوله: طلقتك أو فارقتك أو سرحتك. واختلف إذا التزم الطلاق بالنية من غير نطق، وإذا نطق بالطلاق من غير نية أو كانت نيته ونطق بغير ألفاظ الطلاق الذي يقول: ادخلي الدار، يريد به الطلاق (٥) (٦). وقد ذكر محمد عن مالك فيمن أجمع الطلاق بالنية من غير نطق قولين، وجوب الطلاق وسقوطه (٧)، فأما وجوبه فقياسًا على الإيمان والكفر أنه يقع

стр. 2812

بالاعتقاد من غير نطق، وعلى الحب والبغض أنه يُثاب إذا أحب في الله ويأثم إذا أبغض أولياءه، وقال النبي ﷺ : "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْكُفْرِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ" (١)، وأما سقوطه فلقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (٢). وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق ولم يرد الطلاق، وإنما أراد من وثاق وليست في وثاق كانت طالقًا، وقال مالك فيمن قال أنت طالق فزل لسانه فقال: البتة قال: هي ثلاث فألزم الطلاق باللفظ من غير نية (٣). وقال سحنون (٤): لا شيء عليه في ذلك وهو أحسن، لقوله ﷺ : "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ" (٥) ولأن الطلاق يتعلق به حق لآدمي وحق لله تعالى، فحقها أنه أعطاها نفسها، ومن أراد أن يقول لرجلٍ: بعتك عبدي فقال: وهبتك إياه لم تلزمه هبة، والحقّ لله تعالى؛ لأنها لو رضيت أن تسقط حقها فيما أعطاها، لم يجز ولم يتوجه الحق لله تعالى إذا زل لسانه، فقال: أنت طالق أو قال البتة، ولقول

стр. 2813

الله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ولقول النبي ﷺ : "تَجَاوَزَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي الخطَأَ. . ." (١) الحديث إلا أن يكون على الزوج في حين قوله بينة ولا يصدق أنه أخطأ. وقال مالك وابن القاسم فيمن قال لزوجته: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق أنها طالق (٢). وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت ادخلي الدار يريد أن الطلاق إنما يقع عندما أقول (٣) ليس بنفس اللفظ. فصل [في محمل قول الزوج: أنت طالق على واحدة] محمل قول الزوج: أنت طالق، على واحدة. واختلف هل يحلف أنه لم يرد أكثر؟ فقال ابن القاسم: لا يمين عليه (٤). وقال مالك في كتاب المدنيين فيمن خرج لسفر، فقال لزوجته: إن لم أجئ إلى شهرٍ فأنت طالق، فجاء بعد الشهر وهي في عدتها فارتجعها فقال: لم أرد إلا واحدة، فقال مالك: يحلف. واختلف أهل العلم إذا أراد بقوله: أنت طالق، الثلاث، فقال مالك

стр. 2814

وأصحابه هو الطلاق بلفظ ونية (١). وقال بعضهم هو طلاق بنية. وقال مالك في كتاب محمد: إن ناسًا ليقولون: إن نوى بذلك البتة ولم يسم فلا يلزمه إلا واحدة قال: وما هو عندي (٢) بالبين وإني لأكره ذلك إذا نوى البتة (٣). قال الشيخ ﵀: الصواب ما قاله مالك وأصحابه أن طالقًا صفة لحالها (٤) أنها صارت ذات طلاق بواحدة أو ثنتين (٥) أو ثلاث ولهذا حسن فيه الاستفهام، فيقال لمن قال: امرأتي طالق كم طلقتها ولو كان ذلك للواحدة لم يحسن فيه الاستفهام ولم يحسن قوله: أنت طالق ثلاثًا ولكن (٦) بمنزلة القائل واحدة ثلاثًا. وقال مالك فيمن أراد أن يطلق امرأته قبل الدخول ثلاثًا، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا لزمته الثلاث (٧). وقال إسماعيل القاضي: إن أراد بقوله أنت طالق الثلاث ثم ذكر الثانية والثالثة يريد بذلك بيان (٨) ما أراد بالأولى لزمته الثلاث، وإن أراد بقوله أنت طالق واحدة لم يلزمه ما نطق به بعد ذلك؛ لأنه أوقعه على غير زوجة. وقال مالك فيمن أراد أن يطلق ثلاثًا فقال: أنت طالق ثم سكت لم يقع

стр. 2815

عليه إلا واحدة (١). يريد: إذا كان قصده بقوله طالق طلقة وبقوله ثلاث تمام الثلاث، وإن (٢) أراد بقوله طالق الثلاث، وبقوله ثلاثًا البيان عما أراد بقوله طالق، لزمه الثلاث وإن سكت عن ذكرها. وقال مالك فيمن قال: أنت طالق وأراد أن يقول: إن كلمت فلانًا، فلما تمَّ قوله أنت طالق بدا له في اليمين فسكت، لم يلزمه شيء (٣). وهذا يحسن فيمن أتى مستفتيًا أو فهمت عنه البينة أن ذلك قصده؛ لأن ذلك سبب المنازعة، وإن لم يتقدم لذلك ذكر لم يصدق، ولو قال: أردت إن دخلت الدار أو لا دخلت الدار إليك وقال ذلك بفور قوله صدق. وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: أنت طالق البتة أنت طالق البتة إنْ أذنت لك لموضعٍ سَمَّاه كانتْ سألته الخروج إليه (٤): هو حانث أذن لها أو لم يأذن، قال: وما هو بالبين وإن فيها لإشكالًا (٥). قال ابن القاسم: وإنما أراد مالك أنه طلقها في الأولى بالبتة ثم ندم فاستدرك، قال ابن القاسم: وأرى أن يحلف أنه ما أراد إلا أن يسمعها اليمين ويدين، فإن لم يحلف رأيته حانثًا (٦).

стр. 2816

فصل [فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح] واختلف فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح، أو طلقة بائنة، أو طلقة لا رجعة فيها، فقيل في قوله طلاق الصلح هي ثلاث؛ لأن طلاق الصلح بائن والبينونة لا تصح بواحدة إلا أن يكون معها فداء، وقيل: واحدة رجعية لأنه إنما التزم من العدد واحدة فلا يلزم أكثر منها وله الرجعة؛ لأن سقوطها إنما يكون مع الفداء أو ما (١) يمنع من ذلك لحق الزوجة مثل أن يطلق لعدم النفقة أو لعيب يحدث به ولا تصح الرجعة مع بقاء الوجه (٢) الذي لأجله وقع الطلاق وقيل: هي (٣) طلقة بائنة حسب ما نوى (٤)؛ لأن الرجعة من حقه فإذا أسقط عنها حقه فيها لزمه وهو أبين. وقال مالك فيمن قال: أنت طالق طلقة بائنة: إنها تبين بثلاث (٥). وقال محمد بن عبد الحكم: أخبرني ابن وهب أو أخبرت عنه أن مالكًا سُئل عنها فقال: هي واحدة وله الرجعة، وبه أخذ ابن عبد الحكم. وأرى أن يسأل ما أراد بقوله بائنة، فإن قال: أردت الصفة للطلاق وأنها فعلة تبين بها كانت ثلاثًا وإن قال: أردت من العدد واحدة عاد الجواب إلا ما تقدم فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح وقال فيمن قال: أنت طالق تطليقة ينوي لا رجعة في عليك فيها ولا ينوي الثلاث كانت واحدة وله الرجعة.

стр. 2817

وقوله لا رجعة في عليك (١) ونيته باطل، يريد أن ذلك سواء قال ذلك قولًا أو نواه. وقال في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق ولا رجعة في عليك فله الرجعة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق لا رجعة في عليك كانت البتة، وإن قال: ولا رجعة لي كانت له (٢) الرجعة (٣). قال الشيخ ﵁: أما قوله طلقة ينوي لا رجعة لي فيها أو قال ذلك نطقًا فهو بمنزلة من قال: أنت طالق طلقة بائنة؛ لأن ذلك صفة للطلقة، وأما قوله لا رجعة لي عليك أو ولا رجعة لي عليك فليس بصفة للطلقة وإنما أسقط حقه في الرجعة، ولو قال: أنت طالق طلاقًا لا رجعة فيه لكانت ثلاثًا قولًا واحدًا؛ لأن الطلاق يعبر به عن الواحدة والثلاث، فإذا قال: طلاق لا رجعة فيه كانت صفة للطلاق أنه ثلاث. والظاهر من المذهب فيمن طلق زوجته واحدة ثم قال لها بعد ذلك: أسقطت عنك حقي في الرجعة أو لا رجعة في عليك أن له الرجعة (٤)، وقوله ذلك ساقط (٥) والقياس ألا رجعة له؛ لأن الرجعة حق له على الزوجة فإذا أسقط حقه عنها لزمه كسائر الحقوق.

стр. 2818

وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق أبدًا: فهي البتة ويتزوجها بعد زوج إلا أن يريد كلما تزوجتك (١). قال (٢) محمد: وكذلك الذي يقول: أنت طالق كل يوم أتزوجك أبدًا وإن قال: إن تزوجتك أبدًا فأنت طالق لا شيء عليه إلا مرة واحدة، وإن قال: إن تزوجتك فأنت طالق أبدًا كانت البتة، وإن قال: كلما تزوجتك لم تحل أبدًا، ووقف محمد في قوله: أنت طالق أبدًا (٣).

стр. 2819

باب جامع واختلف فيمن باع زوجته، فقال مالك في المبسوط: ينكل نكالًا شديدًا وتطلق عليه بواحدة (١)، وليس له أن يرتجعها ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف منه التوبة والصلاح مخافة إن تزوجها أو غيرها أن يبيعها، ولم يجعل بيعه لها طلاقًا. وقال ابن نافع: هي طلقة بائنة، قال سحنون: غاب عليها (٢) أو لم يغب، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب محمد: حرمت عليه كالموهوبة، قال محمد: وهذا (٣) أحب إلينا من قول ابن القاسم، وقال ابن القاسم في العتبية: بيعه طلاق، قال ابن وهب: وترجم إن أقرت أن المشتري أصابها طائعة وإن ادعت الإكراه لم ترجم (٤). وقول مالك لا يكون البيع طلاقًا أحسن إلا أن يكون نوى ذلك؛ لأن البيع إنما يتضمن التمكن منها، ولا خلاف فيمن مكن من (٥) زوجته من غير بيع أن ذلك ليس بطلاق وقد يبيعها ويواطئها أن تهرب إليه أو يجعلها تثبت حريتها. ويختلف أيضًا إذا زوجها على مثل ذلك، وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته (٦): اذهبي فتزوجي فلا حاجة لي بك، أو قال لأمها: زوِّجي ابنتك فلا حاجة لي بها، فلا شيء عليه ما لم يرد بلفظه (٧) ذلك طلاقًا، وقاله أصبغ (٨)، فإن

стр. 2820

هي زوجتها بعد وفاء عدتها من يوم قال ذلك بحضرتها وعلمها، فقد بانت منه (١)، ولا يقبل قوله إن قال: لم أرد طلاقًا، وقال محمد: لا يعجبني قول أصبغ إلا أن يكون الزوج يعلم أن ذلك ليس بطلاق فألزم ذلك نفسه، فأما إن ظن أن ذلك طلاق فتركها حتى اعتدت لم يضره إلا أن يتزوجها (٢) غيره أو يقول: أردت بذلك الطلاق فلزمه إلا أن تتزوج بعلمه وتسليمه، فيلزمه الطلاق ويفسخ نكاح الثاني؛ لأنه إذا لم ألزمه الطلاق ألا يتزوجها بالعدة من يوم تزوجت (٣). وقال مالك فيمن حلف للسلطان طائعًا في أمرٍ فقال: امرأتي طالق إن كذا وكذا لأمرٍ كذب فيه وأتى مستفتيًا وزعم أنه أراد امرأة كانت له قبل ذلك، وألغز على السلطان بيمينه قال: لا ينفعه ذلك (٤) وامرأته طالق (٥). قال ابن القاسم فيمن قال حكمة الطلاق (٦)، وله زوجة تسمى حكمة وجارية تسمى حكمة، وقال: أردت جاريتي، كان القول قوله إذا لم تكن عليه بينة (٧) قال: وليست كمسألة مالك لأن هذا إنما سمى حكمة والآخر قال: امرأتي، فأضاف الأمر (٨) إلى نفسه، وقول مالك: إنه حانث يحتمل أن يكون ذلك لأنه رأى أن اليمين على نية المحلوف له وأنه أطاع باليمين في أمرٍ نجا به

стр. 2821

لو لم يحلف لطلبه (١) السلطان بما حلف عليه، وكان (٢) طلبه إيَّاه في حق، ولو كان في باطل وفي أمر لم يلزمه لكان مكرهًا أو لأنه رآه طلاقًا بلفظ دون نية فألزمه إياه كالذي أراد أن يقول: ادخل (٣) الدار فزلَّ لسانه فقال: امرأتي طالق، وإنما لم يصدق مع البينة؛ لأنه أتى بما لا يشبه؛ لأن الجارية لا تطلق، ولو كانتا زوجتين تسمى كل واحدة منهما حكمة لصدق، وإن كانت عليه بينة. وقال محمد في كتاب الإقرار الثاني فيمن حلف بطلاق امرأته عائشة فحنث، فرفع أمره إلى السلطان فأقر وقال: لي امرأة أخرى تسمى عائشة غائبة والغائبة (٤) أردت، فقال: إن علم ذلك دين، وإن لم يعلم حيل بينه وبين الحاضرة وحكم بفراقها (٥) واعتدت وتزوجت سواه إن شاءت. فإن تبين بعد ذلك صدقه قبلت نيته وردت إليه التي طلقت عليه. وقوله: تطلق عليه مع إمكان صدقه ليس بحسن وأرى أن يحال بينه وبين هذه ويكتب إلى الموضع الذي قال، فإن تبين صدقه قبل قوله (٦) وبقيت هذه (٧) زوجة، وإن تبين كذبه طلقت عليه هذه. تَمَّ كتابُ التخييرِ والتمليكِ، وَالحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ

стр. 2822

كتاب الصرف النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣) ٣ - (ق ٤) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)

стр. 2823

وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب الصرف الرِّبا محرم بالقرآن، والسُّنَّة، والإجماع، فأما القرآن: فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]. وأخبر سبحانه أنه كان محرمًا على من كان قبلنا كتحريمه علينا، فقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]. وأما السُّنَّة: فقول النبي ﷺ : "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ" أخرجه مسلم في صحيحه (١). والأحاديث في ذلك كثيرة، ولا خلاف بين الأُمَّة في تحريم الربا في الجملة. واختُلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] على ثلاثة أقوال: فقيل: المراد به ما كانت عليه أهل (٢) الجاهلية من فسخ الدَّيْن بالدَّيْن،

стр. 2824

يقول المطلوب للطالب (١): أخرني وأزيدك، فقالوا: سواء علينا أزدنا في أول البيع أو عند محلِ الأجل، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وهو قول عطاء ومجاهد وغيرهما، وجعلوا الألف واللام تعريفًا للعهد. ويؤيد هذا القولَ (٢) قولُه ﷺ : "رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المْطَّلِبِ، فِإِنَّهُ مَوْضُوع كُلُّهُ" أخرجه البخاري ومسلم (٣). ولم يُختلف أن اسم الربا يقع على فسخ الدَّيْن بالدَّيْن، وقيل: المراد به كلُّ بيع حرُم التفاضل فيه؛ لأن الربا في اللسان الزيادة، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بَالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلا بِمِثْل، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذَهِ الأَصَنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". أخرجه مسلم في صحيحه من طريق عبادة بن الصامت ﵁ (٤). فسمَّى رسول الله ﷺ الزيادة التي تقع في هذه الأصناف ربًا، فبيَّنت السُّنَّة المراد من القرآن، وحَمْلُ قائل هذه المقالة الألف واللام في الربا لتعريف الجنس ليس للعهد. ويدخل في ذلك السلف بزيادة، لنهيه ﷺ عن ذلك. وقيل: المراد به كلُ بيع محرَّم كان تحريمه من جهة الزيادة أو غيرها، وهو قول عائشة ﵂، وعمر بن الخطاب ﵁.

стр. 2825

قالت عائشة ﵂: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ". أخرجه البخاري (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁ في الكتاب: إنَّ من الربا أن تُباعَ الثمارُ وهي مُغْضِفَةٌ (٢) لم تطِبْ (٣). ويشهد لقوله روايته عن النبى ﷺ أنه قال: "الذَّهبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، والتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا إلا هَاءَ وَهَاءَ" وهذا حديث صحيح اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم (٤)، فأوقع ﷺ اسم الربا على ما يجوز فيه التفاضل، لعدم المناجزة، فأبان هذا الحديث أن الربا لا يختص بالزيادة، وأن المراد به ما حرُم من البياعات. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]. فقال بعض أهل العلم: نزلت في الهدايا يهديها الرجل للرجل ليأخذ أكثر من ذلك، ولم يزد على هذا، فيقول هذا حلال أو حرام، وقال بعضهم: ذلك جائز ولا أجر له، ولا وزر عليه.

стр. 2826

قال الشيخ ﵁: قد أوقع الله على هذا الفعل اسم الربا، وأخبر في غير موضع من كتابه بتحريمه، والهدايا التي يقصد بها العوض والثواب مخرجها مخرج المعاوضات. وقد اختلف قول مالك في هبة الثواب، هل مخرجها مخرج البيع، أو مخرج المعروف؟ والمشهور من قوله: إن مخرجها مخرج البيع (١). فإذا عوَّض عن الهبة بعد الافتراق من جنسها أكثر لم يجز ذلك، كانت الهبة طعامًا مما يحرم التفاضل فيه أو لا يحرم، عرضًا أو عينًا، فيدخل (٢) فيما يحرم فيه التفاضل من الطعام والعين الربا من وجهين: التفاضل والنَّساء (٣)، وفيما يجوز فيه التفاضل من الطعام (٤) النَّساء، وفي العروض سلف جر منفعة، وذلك ربًا. ويؤيد ذلك وجميع هذه الوجوه ما ورد في الآية من إطلاق اسم الرِّبَا. وعلى قوله الآخر ذلك من ناحية المعروف، يجوز جميع ما قدمنا ذكره، وقد أجاز في كتاب محمد أن يثيب عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهبًا (٥)، وذَهَبَ في ذلك إلى ما أجيز من الدينار بأوزن منه، وقرض مائة دينار بمثلها، والحوالة وإن كانت فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، والعرية، فجميع هذا أجيز على وجه المعروف، ولا يجوز على وجه المكايسة.

стр. 2827

باب ذكر الرِّبا في الصرف والوجه الذي يجوز عليه الصرف الرِّبا يدخل في الصرف إذا كان من جنس واحد -ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة- من وجهين التفاضل والنَّساء، ولا يجوز إلا مِثلًا بمثل، يدًا بيد. ويدخل في الجنسين، وهو بيع الذهب بالورق من وجه، وهو النَّساء، فيجوز متفاضلًا يدًا بيد، والحكم في المصارفة بالتبر الذي لم يعمل والمسكوك، والحلي والذهب المكسور، والآنية تباع لتكسر أو لتبقى على قول من أجاز اتخاذها للجمال ولغير الاستعمال، والعين تكون دينًا في الذمة فيباع بعين من جنسه أو من غير جنسه، سواءٌ فيما يطلب من المناجزة والمماثلة. ومن المدونة (١) قال ابن القاسم فيمن اشترى حليًا مصوغًا، فنقَد بعض ثمنه ولم ينقد بعضًا: تفسد الصفقة كلها (٢). وقال فيمن له قِبَلَ رجل مائة دينار فباعها منه بألف درهم، فنقَده تسعمائة، ثم فارقه عله أن يدفع إليه المائة الباقية، قال: تُرد الدراهم، وتكون له الدنانير بحالها (٣). فأفسد جميع المصارفة؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا. وذكر ابن القصّار في ذلك قو لًا آخر أنه يمضي الحلال وَيَبطل الحرام. وهو أبين إذا كان الحلال نصف الصفقة فأكثر؛ لأنه لم يشتر أحدهما للآخر، فإن كان الحرام أكثر فسخ جميع العقد؛ لأنه لم يرضَ بصرف ما

стр. 2828

يتناجزان فيه إلا بمكان ما تأخر قبضه، وهو جُلُّ الصفقة، وهذا إذا عقد على تأخير بعض الصفقة، فإن عقد على المناجزة في الجميع فوجد معه (١) البعض، ثم افترقا على أن يأتي بما عجز، نظرت فإن كان العاجز أقل الصفقة لم يفسخ إلا بقدر ما لم يتناجزا فيه، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى. واختلف إذا عثر عليها في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يفسخ جميع العقد (٢). وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إلا بقدر ما (٣) عجز (٤). وهذا هو الأصل؛ لأنه إذا عجز أقل الصفقة كان الصرف منعقدًا في الحاضر، ولا خيار فيه لواحد منهما، وإذا كان ذلك، كان التراضي بالبقاء على المصارفة في العاجز، كصرف مبتدأ منفصل من الأول، والفسخ حماية، لئلا يتذرع الناس إلى الصرف المتأخر. واختُلف فيمن صرف مائة دينار بألف درهم، فوجد معه خمسين دينارًا، ففي كتاب محمد يكون مشتري الدنانير فيما حضر بالخيار بين أن يتمسك به أو يرده، كالطعام يستحق بعضه (٥). وخالف أشهب في الطعام، وجعل الجواب فيه كالجواب في العروض، ألا خيار له في رد ما لم يستحق، وعلى هذا لا يكون لهذا خيارٌ في الصرف. وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة، فإن قالوا: إن شراء

стр. 2829

النصف والجميع على سعر سواء- لم يكن خيار في الحاضر، وإن قالوا: ذلك يختلف وشراء الجملة أغلى أو أرخص- كان له أن يرد؛ لأنه يقول: إذا كانت الجملة أغلى لم أشتر على سعر غالٍ إلا رغبة في شراء مائة، ولو علمت أنها قليلة لم أشتر إلا بدون ذلك. وإن كان أرخص قال: حاجتي إلى مائة، فإن تكلفت شراء الخمسين التي عجزت اشتريتها غالية. وعلى هذا يجري الجواب إذا استحق بعض الدنانير بعد المناجزة، فإن كان المستحق يسيرًا كان الصرف منعقدًا فيما لم يستحق، ولا خيار لواحد منهما، وإن كان أكثر الصفقة كان الخيار للمشتري يرد إن شاء، وإن كان النصف كان له أن يرد على قول محمد، وليس ذلك له على قول أشهب، وقد تقدم وجه ذلك. وإن كانت الدنانير سككًا مختلفة والدراهم سَكَّة واحدة، فاستحق سكة من الدنانير انتقض ما ينوبها، وإن استحق بعض الدراهم، وكان المستحق النصف- انتقض من كل سكة نصفها (١)، ولا تخص بذلك سكة دون الأخرى. وإن بيعت خلاخل (٢) فضة بدنانير، فاستحق بعض الخلاخل (٣)، فإن كانت جملة عدد استحق زوج منها- انتقض الصرف في المستحق وحده؛ لأن الدراهم سكة واحدة، فإن استُحِقَّ فَرْدٌ رَدَّ المشتري صاحبَهُ معه؛ لأن استحقاق الفرد عيب على المشتري في الباقي، وإن استحق نصف الدراهم انتقض فردٌ من كل زوج من الخلاخيل، ثم كان كل واحد من المتبايعين بالخيار في الباقي بين أن يمسك بها أو يردها، فإن أحب المشتري التمسك كان للبائع أن يقوم بردِّه؛

стр. 2830

لأن الاسترجاع لفرد عيب على البائع في المردود، بمنزلة لو اطلع على عيب في أحدهما، لم يكن له أن يرده إلا وأخوه معه. فصل [في أحكام الدراهم والدنانير الزائفة في الصرف] فإن وجد أحدها (١) زائفًا، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يرضى به، أو يقوم ليردَّه فيرضيه الآخرُ بشيء يدفعه إليه على ألَّا يرده عليه، أو لا يرضيه فيرده ويريد أن يبدله له، أو ينقض الصرف. فإن أحب التمسك به جاز ذلك. واختلف إذا قام ليرده فأرضاه البائع وتمسك به، وفي البدل فأُجِيزَ ومُنِعَ. ولا يخلو المتصارفان من ثلاثة أوجه: إما أن يتصارفا على معيَّنين، فيقول: أصارفك هذه الدنانير بهذه الدراهم، أو على غير معيَّنين، فيقول: أصارفك عشرة دنانير بمائة درهم، أو يكون أحدهما معينًا والآخر غير معين. فإن كانا معيَّنين، فوجد العيب بدنانير أو بدراهم؛ قُدِّر دينار ورُدَّ، وانتقض الصرف (٢)، ويجوز أن يتراضيا على البدل، ولا خلاف في (٣) هذين أن الصرف منتقض بنفس الردِّ، وأن التراضي بالبدل جائز؛ لأنه لما كان معينًا لم يلزم المردود عليه أن يأتي ببدله، فانتقض الصرف (٤)، وإذا انتقض الصرف كان

стр. 2831

ما تراضيا عليه الآن صرفًا مبتدأً، ولم يجز إذا لم يكن معينًا؛ لأنه يأخذ الآن ما كان عليهما أن يتناجزا فيه اليوم الأول. وإن كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال: أصارفك هذا الدينار بعشرين درهمًا، فوجد العيب بالدينار (١)، فرده- انتقض الصرف، وجاز البدل. وإن كان العيب بالدراهم لم يجز البدل عند مالك وابن القاسم (٢)، وأجازه ابن شهاب، والليث، وابن وهب (٣). وهو أقيس، إذا كانا قد اختبرا (٤) ما تصارفا عليه، وقلَّباه، فما وُجد بعد ذلك فهو من باب الغلبة في الصرف إذا لم يكن دافع الزائف مدلسًا، وأما ما يُحمل الناس عليه اليوم فالمنع والفسخ؛ لأن كثيرًا منهم يعمل على الفساد، ويعطي على غير التغليب؛ ليبدل له بعد ذلك ما وجده زائفًا، فكان حماية هذا الباب أولى. وإن كان الحكم ألَّا يبدل؛ لأن الصرف على معين ولم يتراضيا بالبدل (٥) في فى ينار واحد، ووجد الآخر درهمًا زائفًا- انتقض جميع الصرف إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض ما ينوب الزائف خاصة، وإن كان الصرف دنانير انتقض صرف دينار. وعلى القول الآخر ينتقض بقدر ما يرد، وإن عاد شريكًا في دينار.

стр. 2832

ويجري فيها قول ثالث: أنه ينتقض جميع الصرف؛ لأنهما لو عقدا الصرف على تسعة وتسعين دينارًا ونصف على أن يسلم المائة ويكون شريكًا بالنصف- لم يجز. وإن كان يقابل الزائفُ دينارًا واحدًا، ووجد العيب بدينار- انتقض صرف دينار قولًا واحدًا، ويكون حكم ما قابل الزائف حكم الزائد يجده أحدهما عنده؛ لأن الحكم لو علم به قبل الافتراق أن يسقط من الصرف ما يقابله فقط ويرد الزائف، بخلاف غير المعين، فإن كان ذلك قائمًا انصرف أحدهما بزائد معه. فصل [في أحكام الصلح والبدل في الصرف] وإن كان الصرف على غير معين، ولم يصح البدل على قول من منعه، فإنه يختلف فيما ينتقض من الصرف إذا كان ينوب الزائف بعض دينار، على أربعة أقوال: فقيل: ينتقض صرف دينار، وهو قول مالك وابن القاسم (١). وقيل: ما قابل الزائف خاصة، وهذا بناء على القول بجواز صرف بعض دينار. وقال ابن القاسم في العتبية: ينتقض الصرف كله (٢). وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إن كانا سمَّيا لكل دينار دراهم

стр. 2833

انتقض صرف دينار، وإن لم يسميا انتقض جميع ذلك الصرف ورأى أنهما إذا سميا لكل دينار دراهم أن لكل دينار عقدًا لا يتعلق بالآخر، فلا يفسد ما تناجزا فيه ببطلان غيره (١) ويلزم على هذا أن يقال: إذا كانت صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، وسميا لكل واحد من الثمن ما ينوبه أن يمضي الحلال، ويفسخ الحرام وحده. وإن لم يرد وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد، ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا، ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسألة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال: فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه نقدًا ولا يرد، وأجاز أشهب نقدًا وإلى أجل، ومنعه سحنون إذا افترقا لا نقدًا ولا إلى أجل (٢). وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز إذا كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا نقدًا ولا إلى أجل. وأن يجوز أحسن، وقد مضى بيان ذلك في كتاب الصلح. وإن وجد أحدهما عنده زائدًا على ما عقدا عليه الصرف، مثل أن يصارفه على مائة دينار فيجد مائةً ودينارًا، فإنه يرد الزائد؛ لأنه لم ينعقد عليه صرف، ويمضي ما سواه. ولو تصارفا سوار ذهب بفضة وقبضه بوزن، ثم تبين أنهما غلطا في ذلك، وأن أحدهما أكثر، فإن كانت الزيادة في الدراهم رد الزائد، وصح الصرف فيما

стр. 2834

سواه، وإن كان الزائد في السوار قيل لبائعه: إن تركت الفضل صح صرفكما، ولم يفسخ؛ لأن المناجزة تقدمت على أن جميعه مبيع، فإن قمت فسد الصرف، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فيجيزه ويكون شريكًا بذلك الزائد، ثم يكون كل واحد منهما بالخيار في إمضاء الصرف بعيب الشركة؛ لأنهما لم يدخلا عليها. فصل [في أحكام المناجزة في الصرف] المناجزة في الصرف شرط في صحته مع القدرة عليها، ويُختلف إذا غلبا جميعًا أو أحدهما على المناجزة في جميع الصرف أو بعضه، على أربعة أقوال: هل يكون صحيحًا أو فاسدًا، أو يكون الحكم إذا غلبا جميعًا بخلافه إذا كان بغلبة من أحدهما، وهل يفسد جميع الصرف إذا غلبا على بعضه أو ما غلبا عليه؟ فقال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة ذهبٍ ولؤلؤٍ بدراهم نقدًا، وقالوا: هو ذا، نَزِنُ (١) لك، ففَصَلُوا القلادة وباعوا الذهب، وتقاوموا اللؤلؤ، فوضعوا فيها، فلما جاءت (٢) الوضيعة وثبوا على صاحبهم وأرادوا فسخ البيع لاستئخار النقد، فقال مالك: لا يرد البيع لاستئخار النقد (٣). قال ابن القاسم: وذلك أنهم اشتروا على النقد، ولم يرضَ البائع بتأخيرهم، إنما هو رجل مغلوب، فأمضى مالك وابن القاسم الصرف وإن كانت الغلبة من أحدهما (٤).

стр. 2835

ويجري فيها (١) قول آخر: أنه يفسخ الصرف فيه (٢)؛ قياسًا على قولهم في الزيوف: إنه لا يجوز البدل، ويفسخ جميع العقد؛ لأن كليهما مغلوب. فإن دلَّس أحدهما بالزائف كان كغلبة المشتري للقلادة (٣)، فيجوز له أن يبدل كما لم يفسخ ذلك، ويفسخ الصرف في القلادة كما لم يبدل، هذا وإن كانا غلبا جميعًا على المناجزة لمانع منعهما من ذلك فُسخ، كما لو توسط بينهما في الزائف مَن قلَّب لهما، وأنصرفا على المناجزة، ثم تبين غير ذلك. ويختلف إذا غلبا على المناجزة في بعض الصرف، هل ينتقض جميع الصرف أو ما يقابل ما غلبا عليه؟ وإذا قلنا: إن الصرف منعقد مع فرار أحدهما أو غلبته، فإن ثباته من قِبَل من غلب عليه دون من اختار تأخيره، فإن دعا من غُلب إلى فسخه كان ذلك له، وإن كره الآخر. وإن افترقا قبل تمام المناجزة لليل غشيهم فسد الصرف، وليس هذا بغلبة؛ لأنهما تعديا (٤) في العقد في ضيق من الوقت لا يسعهما للمناجزة، إلا أن يكونا عقدا في اتساع من الوقت ثم طرأ ما منع من المناجزة حتى غشيهم الليل. والذي آخذ به في الغلبة أنه يمضي، والمعروف من القرآن والسُّنَّة أن الضرورات تنقل الأحكام. وإن عقدا صرفًا على ما يكثُر وتطولُ مناجزته جاز، وهذه ضرورة ما لم يكن مما لا يتناجزان فيه في بقية يومهم فلا يجوز، وإذا دخل الافتراق فسد.

стр. 2836

فصل [في صرف الدَّين المؤجل] ومن المدونة قال مالك فيمن عقد سَلَمًا في سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فلما وجب البيع دفع المشتري إلى البائع دينارًا وأخذ دراهم صرفًا عن بقية الدينار، ولم يكن ذلك شرطًا بينهما، قال: لا خير فيه. قال ابن القاسم: رآه صرفًا وسلعة إلى أجل (١). وقال في كتاب محمد: ومن كان يسأل رجلًا نصف دينار، فأتاه بدينار، فقضى نصفه، وجعل نصفه (٢) في سلعة إلى أجل، قال: لا بأس به، قاله ابن القاسم بعد أن وقف عنه. قال محمد: ما لم يكن النصف الأول دراهم أسلفها إياه (٣)، ولا نصف دينار مضروب، وأما ثمن سلعة فلا بأس، قال -وقاله ابن القاسم-: إن حل الأجل أو كان حالًّا، فإن لم يحل فلا خير فيه، وكان سلفًا وبيعًا، وضع وتعجل. انتهى قوله (٤). ففرق مالك بين السؤالين، ومنع الأول واتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، لما كانت البيعة الأولى إلى أجل وأجراها على التهم، كبياعات الآجال، ولو سلما عنده من التهمة لجاز؛ لأنه إنما دفع النصف قضاءً، وصارف في نصف، ولا شيء عليهما فيما بينهما وبين الله سبحانه، ولو حمل النصف الذي في الذمة على أنه دراهم لما كان إنما يحكم فيه بدراهم- لم يمتنع أيضًا إذا لم يُتهما أن يكونا

стр. 2837

عملا على ذلك؛ لأنه بمنزلة رجل عليه عشرة دراهم فاشتراها من ذمته، وعشرة أخرى يقبضها بدينار دفعه نقدًا، وذلك جائز، وجاز ذلك في المسألة الأخرى؛ لأنه لا يدخلها صرف، وإنما أخذ دينارًا وأخذ سلعة (١) تقدمت، ويأخذ سلعة بعد ذلك، ووقف ابن القاسم فيه مرة، مراعاةً لمن حمل النصف المتقدم على الورق، لما كان لا يحكم الآن فيه إلا بورق، فيدخله ما دخل المسألة الأولى من أنه ورق وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا، وإذا كان النصف دراهم لم يجز عنده بحال؛ لأن دافع الدينار الآن اشترى به الدراهم التي في ذمته وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا. وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس أن يجوز ذلك، فيجوز أن يعقدا صرفًا وبيعًا في دينار، ويدفع الدينار ويقبض الدراهم، وتبقى السلعة إلى أجل، وأجرى كل واحد منهما على حكمه في المناجزة في الصرف خاصة، وأجاز التراخي في البيع. قال: ولا يلزم أن يتناجزا في البيع وُيردَّا فيه إلى حكم الصرف، كما لا يجوز أن يردَّ الصرف إلى حكم البيع، لمَّا جمعهما عقد، ولم يجزه محمد إذا كان النصف دينارًا مضروبًا مجموعًا أو تبرًا، والدينار الذي يدفع الآن قائم؛ لأنه يدخله التفاضل والنَّساء، وهو ذَهَبٌ بذَهَبٍ من غير جنسه، وسلعة إلى أجل (٢). ولو باع سلعة بنصف دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل دفع إليه المشتري (٣) دينارًا وأخذ بقيَّته دراهم- لم يجز على قول مالك؛ لأن الأول بيعة إلى (٤) أجل،

стр. 2838

فيُتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون سلعة نقدًا ودراهم إلى أجل بدينار مؤجل، ولا فرق في بياعات الآجال فيما يعودان إليه من ذلك عند عقد البيع أو بعد حلول الأجل، وعند دفع الثمن. وقد اختُلف فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير إلى أجل، فلما حلَّ الأجل، قضاه عشرة، فوجد في وزنها فضلًا، فأعطاه بذلك ورقًا. فأجازه في المدونة (١)، وكرهه مالك في كتاب محمد في الوَرِق، قال أشهب: فإن نزل لم أفسخه (٢)، واستخف ذلك مرة، لقلته في جملة العشرة الدنانير (٣)، ولا يُجيزه في مثل ثمن المبيع الأول، وهو نصف دينار، وأجازه ابن القاسم في القرض، فقال فيمن استقرض نصف دينار دراهم، فقضاه دينارًا وأخذ فضله دراهم: إنه لا بأس به (٤). وضعفت التهمة عنده هنا لما كان أصله معروفًا، بخلاف ما خرج على وجه المبايعة، وقد اختُلف فيه أيضًا، وإن كان (٥) قرضًا. وإن اشترى سلعة بعينها بنصف دينار كل ذلك نقدًا، فنقد دينارًا وأخذ فضله دراهم، جاز ذلك إذا كان قد قبض السلعة، ولا يجوز أن يتأخر دفعها عن وقت المصارفة في بقية الدينار، وأجازوا ذلك وإن لم تكن المصارفة، ودفع الدينار بحضرة عقد البيع، وإن دفع الدينار وترك النصف عنده على وجه السلف ولم يصارفه فيه جاز ذلك، كانت السلعة الأولى نقدًا أو إلى أجل.

стр. 2839

باب في بيع الفلوس بالفلوس وبالعين الربا محرم في العين بالذهب والفضة، واختُلف في الفلوس إذا كانت ببلد يُتبايَع بها فيه، وتجري بينهم كالعين، فأجاز مالك مرة التفاضل فيها، وأن تسلم في العين الذهب والفضة (١)، وكره ذلك مرة (٢). ورأى مرة أن ذلك حرام التفاضل فيها والنَّساء إذا بيعت بالعين (٣). وهذا راجع إلى تحريم الربا في العين، هل هو شرع معلل أو غير معلل؟ فرأى مرة أنه معلل، وأن العلة أنها أثمان السلع وقيم المتلفات، وأجرى الفلوس عليها في التحريم والتفاضل (٤). وأشكل عنده ذلك مرة، فلم يحرمه ولم يبحه، فكرهه. ولم يختلف قوله في الأربع التي جمعها النبي ﷺ مع العين، وهي: القمح والشعير والتمر والملح (٥)، أنها معللة، وأن التحريم ليس بمقصور عليها، وقاس عليها غيرها، وأجراها على حكمها في التحريم.

стр. 2840

باب فيمن عقد صرفًا على ما في ملك غيره، وفيما يكره من التراخي في الصرف ولا يحرم، وفي المواعدة في الصرف والخيار والصرف على التصديق ولا يعقد المتصارفان صرفًا إلا على ما هو حاضر معهما، ثم يتناجزان بفور العقد، ولا يؤخران ذلك وإن لم يفترقا، ولا يقومان إلى موضع آخر ليتناجزا فيه. وقال ابن القاسم: إذا عقدا الصرف على ما ليس معهما، عقدا صرف دينار بعشرين درهمًا، ثم التفت أحدهما إلى إنسان إلى جانبه فاستقرض منه دينارًا، والتفت الآخر إلى من بجنبه (١) فاستقرض منه عشرين درهمًا، ثم تناجزا، فلا خير فيه (٢). واختلف إذا صارف أحدهما على ما معه، واستقرض الآخر، فقال ابن القاسم: إذا كان ذلك متصلًا بمنزلة النفقة يحملها من كُمه، ولا يبعث رسولًا يأتي بها، فلا بأس به (٣). وقال أشهب: لا خير فيه؛ لأنكما عقدتما على ما لا يجوز من غيبة الدينار (٤).
следующие страницы →